Полный текст (3 250 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
وَقد قدم عقيل بن وبير الحسني من الْقَاهِرَة صحبتهم بعد مَا خلع عَلَيْهِ بهَا فِي شَوَّال وَاسْتقر أَمِير يَنْبع شَرِيكا لِعَمِّهِ مقبل بِمَال الْتزم للدولة فَلَمَّا علم مقبل بذلك نزح عَن يَنْبع إِلَى وَاد بِالْقربِ مِنْهَا. وَدخل الْحَاج إِلَى يَنْبع فِي ذِي الْقعدَة فَبعث أُمَرَاء الْحَاج الثَّلَاثَة وهم افتخار الدّين ياقوت أَمِير الْمحمل وأسندمر الأسعردي من أُمَرَاء العشرات أَمِير الركب الأول وجانبك أَمِير الركب الثَّانِي إِلَى الشريف مقبل حَتَّى يحضر إِلَيْهِم فجرت أُمُور آخرهَا أَن يسْتَقرّ عقيل شَرِيكا لَهُ كَمَا كَانَ أَبوهُ وبير وَأَن يُكَاتب السُّلْطَان بذلك. وَمهما ورد المرسوم بِهِ اعْتَمدهُ. ورحل الْحَاج من يَنْبع إِلَى مَكَّة وَقد وجهوا نجابا إِلَى السُّلْطَان بكتبهم وَتركُوا عقيلاً بينبع فاقتتل هُوَ وَعَمه فظفر بِهِ عَمه وَقَيده وَأقَام بينبع حَتَّى عَاد الْحَاج إِلَيْهَا فاستعد الْأَمِير جَانِبك - كَمَا قُلْنَا - وَركب فِي جمع من المماليك وَغَيرهم لَيْلَة الْأَحَد ثامن عشْرين ذِي الْحجَّة هَذَا وطرق مقبل على حِين غَفلَة فَكَانَت بَينه وَبَين مقبل وقْعَة قتل فِيهَا جمَاعَة من الْأَشْرَاف بني حسن وجرح كثير من العربان وَالْعَبِيد وَانْهَزَمَ مقبل فمدت المماليك أيديها وانتهبت مَا قدرت عَلَيْهِ وسلبت النِّسَاء الشريفات مَا عَلَيْهِنَّ وَسَاقُوا خَمْسمِائَة وَخمسين رجلا وَثَلَاثِينَ فرسا وأمتعة كَثِيرَة ومالا جزيلا وعادوا من يومهم إِلَى يَنْبع وَمَعَهُمْ عقيل قد خلصوه من الْأسر ورحلوا وَقد أَقَامَ عقيل بينبع أَمِيرا فَلم يكن إِلَّا لَيَال حَتَّى عَاد مقبل واحترب مَعَ عقيل فَانْهَزَمَ مقبل وَقتل بَينهمَا جمَاعَة كل ذَلِك بِسوء الطَّبْع والطمع فِي الْقَلِيل. وَفِي سَابِع عشرينه: قدم مبشرو الْحَاج وأخبروا بسلامة الْحجَّاج. وَفِي هَذَا الشَّهْر: اتّفقت نادرة فِيهَا عِبْرَة لِذَوي النَّهْي والأبصار وَهُوَ أَن رجلا من فُقَرَاء النَّاس الَّذين لَا يكادون يَجدونَ الْقُوت لَهُ امْرَأَة وَبَنَات مِنْهَا يسكنون بخرابات الحسينية ظَاهر الْقَاهِرَة فَلَمَّا كَانَ يَوْم عيد النَّحْر ذبح أَرْبَاب الْيَسَار ضحاياهم واشتووا لحومها فهاجت شهوات بَنَات هَذَا الرجل لأكل اللَّحْم وطلبن مِنْهُ فَلم يجد سَبِيلا إِلَى قَضَاء شهواتهن وَأخذ يعللهن وَهن يتصايحن وينتحبن بالبكاء وَقَلبه يتقطع عَلَيْهِنَّ حسرات طول نَهَار الْعِيد حَتَّى جنَّة اللَّيْل ورقدن. فَكَانَ يسمع فِي اللَّيْل حَرَكَة تتوالى طول ليلته وَهُوَ وَأم أَوْلَاده لشدَّة الْحزن قد ذهب نومهما حَتَّى أصبحا فَإِذا
стр. 2837
كوم كَبِير من اللَّحْم فِي دَارهم قد باتت الْعرس تنقله طول لَيْلهَا لَا يَدْرُونَ من أَيْن أَتَت بِهِ فسرا بذلك سُرُورًا كَبِيرا وَأَيْقَظَ بَنَاته فاشتووا من ذَلِك اللَّحْم فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا وطبخوا مِنْهُ وَقد درا بَاقِيه فكافهم عدَّة أَيَّام.
٧ - (إِن الله يرْزق من يَشَاء بِغَيْر حِسَاب)
آل عمرَان ٣٧. وَفِي هَذِه السّنة: كثرت الأمطار بِأَرْض الْحجاز وبلاد الشَّام وَسقط بقرية تسمى حداثا من جبال صفد برد لم يعهدوا مثله بلغ وزن بردة وَاحِدَة سَبْعَة أَرْطَال وَنصف بالدمشقي عَنْهَا ثَلَاثُونَ رطلا مصرية وَوجدت بردة على بَاب دَار قدر الثور. وَكَانَ سُقُوط هَذَا الْبرد لَيْلَة السبت سادس ذِي الْحجَّة هَذَا. وفيهَا كَانَت حروب بِبِلَاد الرّوم بَين أهل حصنين بِالْقربِ من مَدِينَة برصا فِي أَحدهمَا طَائِفَة من الرّوم الْمُسلمين وَفِي الْأُخْرَى طَائِفَة من النَّصَارَى فامتدت الْحَرْب عَاما حَتَّى كَانَ بعض اللَّيَالِي إِذا هم بصيحة من حصن النَّصَارَى كَادَت تنخلع مِنْهَا قُلُوب الْمُسلمين فَلَمَّا أَصْبحُوا إِذا بِجَمِيعِ من فِي الْحصن من النَّصَارَى قد هَلَكُوا هم ودوابهم فتسلموا مَا فِي الْحصن بِلَا مَانع. وفيهَا فَشَتْ الْأَمْرَاض بِالْقَاهِرَةِ وَالْوَجْه البحري عِنْد انحطاط مَاء النّيل فِي فصل الخريف. وفيهَا انحل سعر الغلال ورخت رخاءاً زَائِدا. وفيهَا سَار مُرَاد بن مُحَمَّد كوشجي بن عُثْمَان فِي شهر رَجَب من برصا إِلَى اسطنبول وَهِي قسطنطينية - وَنزل عَلَيْهَا أول شعْبَان وَقطع عَامَّة أشجارها وَمنع عَنْهَا الْميرَة حَتَّى فرغ شهر رَمَضَان من غير حَرْب سوى مرّة وَاحِدَة فِي يَوْم الْجُمُعَة ثَالِث رَمَضَان فَإِنَّهُ زحف على الْمَدِينَة فَكَانَ بَينه وَبَين أَهلهَا حَرْب شَدِيدَة فتخلى عَنهُ عسكره وبينما هُوَ فِي ذَلِك إِذْ جَاءَهُ أَخُوهُ مصطفى وَكَانَ فِي مملكة مُحَمَّد باك بن قرمان فَتفرق عَن مُرَاد عسكره وَكَانُوا نَحْو مائَة وَخمسين ألفا حَتَّى بَقِي فِي زهاء عشْرين ألفا والتجأ مصطفى إِلَى اسطنبول وواقف مُرَاد نَحْو شهر وَقد عجز عَنهُ مُرَاد لمُخَالفَة عسكره عَلَيْهِ.
стр. 2838
وَمَات فِي هَذِه السّنة مِمَّن لَهُ ذكر عَلَاء الدّين عَليّ ابْن قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين عبد الرَّحْمَن الزبيرِي لَيْلَة الْأَحَد ثَالِث الْمحرم وَقد أناف على السِّتين. وَكَانَ يعرف الْفَرَائِض والحساب ويشارك فِي الْفِقْه وناب فِي الحكم بِالْقَاهِرَةِ ودرس فِي عدَّة مدارس. وَمَات بدر الدّين مَحْمُود بن شمس الدّين مُحَمَّد الأقصراي الْحَنَفِيّ لَيْلَة الثُّلَاثَاء خَامِس الْمحرم وَلم يبلغ ثَلَاثِينَ سنة وَكَانَ يعرف طرفا من الفقة ويشارك فِي غَيره وتحرك لَهُ حَظّ فِي دولة الْمُؤَيد وَصَارَ يحضر مَجْلِسه فِيمَن يحضر من الْفُقَهَاء فَلَمَّا قَامَ ططر بعد الْمُؤَيد اخْتصَّ بِهِ مُعظم قدره وَتردد النَّاس لبابه وتحدثوا برقيه إِلَى الْعليا فَلم يُمْهل وعوجل وَمَات الْأَمِير أق قجا كاشف الْوَجْه القبلي فِي الْعشْرين من الْمحرم فأراح الله مِنْهُ. وَمَات شمس الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن معالي الحبتي الدِّمَشْقِي الْحَنْبَلِيّ يَوْم الْخَمِيس ثامن عشْرين الْمحرم وَكَانَ من فُقَهَاء الْحَنَابِلَة وَأحد الْمُحدثين نَاب فِي الحكم عَن الْقُضَاة سنتَيْن واتصل بالمؤيد وَكَانَ يحضر عِنْده فِي جملَة الْفُقَهَاء وَيقْرَأ عِنْده صَحِيح البُخَارِيّ كل سنة وولاه مشيخة الخروبية الَّتِي استجدها بالجيزة. وَمَات الْأَمِير حسن بن سودن الْفَقِيه الجركسي خَال الصَّالح بن ططر يَوْم
стр. 2839
الْجُمُعَة ثَالِث عشر صفر وَكَانَ قد صَار أَمِير مائَة مقدم ألف فِي أَيَّام ابْن أُخْته الصَّالح مُحَمَّد بن ططر بعد مَا عمله زوج أُخْته الظَّاهِر ططر أَمِير طبلخاناه فَلم يتهن بِالنعْمَةِ وَطَالَ مَرضه حَتَّى مَاتَ. وَمَات الشريف عَزِيز بن هيازع بن هبة بن جماز بن شيحة أَمِير الْمَدِينَة النَّبَوِيّ فِي رَبِّي الأول وَهُوَ مسجون بالقلعة وَقد أَخذ من الْمَدِينَة مُقَيّدا فِي موسم السّنة الخالية وَولي عوضه عجلَان بن نعير. وَمَات شمس الدّين مُحَمَّد بن عَليّ بن أَحْمد الْمَعْرُوف بالزراتيتي الْمُقْرِئ الْحَنَفِيّ إِمَام الْخمس بِالْمَدْرَسَةِ الظَّاهِرِيَّة برقوق فِي يَوْم الْخَمِيس سادس جُمَادَى الْآخِرَة وَقد تجَاوز السّبْعين وكف بَصَره وَصَارَ شيخ الإقراء بِالْقَاهِرَةِ. وَمَات برهَان الدّين إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن عَليّ البيجوري الْفَقِيه الشَّافِعِي يَوْم
стр. 2840
السبت رَابِع عشر رَجَب وَقد أناف على السّبْعين وتصدى للأشغال عدَّة سِنِين وَلم يخلف بعده أحفظ مِنْهُ لفروع الْفِقْه مَعَ إطراح التَّكَلُّف وَقلة الاكتراث بالملبس والإعراض عَن الرياسة الَّتِي عرضت عَلَيْهِ فأباها. وَمَات مقدم العشير بجبال صفد بدر الدّين حسن بن أَحْمد بن بِشَارَة فِي سَابِع ذِي الْحجَّة
стр. 2841
سنة سِتّ وَعشْرين وَثَمَانمِائَة أهلت وسلطان مصر وَالشَّام والحجاز الْملك الْأَشْرَف برسباي الدقماقي والأمير الْكَبِير الأتابك بيبغا المظفري والدوادار الْكَبِير الْأَمِير سودن بن عبد الرَّحْمَن وأمير سلَاح الْأَمِير قجق وأمير مجْلِس الْأَمِير أقبغا التمرازي وأمير أخور الْأَمِير قصروه نوبَة النوب الْأَمِير أزبك والوزير أستادار الْأَمِير أرغون شاه وَكَاتب السِّرّ علم الدّين دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن بن الكويز وناظر الْخَاص الصاحب بدر الدّين حسن بن نصر الله وقاضي الْقُضَاة الشَّافِعِي علم الدّين صَالح بن البُلْقِينِيّ ونائب الشَّام الْأَمِير تنبك العلاي ميق ونائب حلب الْأَمِير تنبك البجاسي ونائب طرابلس الْأَمِير أينال النورزي ونائب صفد الْأَمِير مقبل الدوادار ونائب حماة شار قطلوا. شهر الله الْحَرَام أَوله الْأَرْبَعَاء: فِي ثَالِث عشرينه: قدم الركب الأول من الْحجَّاج وَقدم الْمحمل بِبَقِيَّة الْحَاج من وَكَانَت سنة مشقة إِلَى الْغَايَة توالت فِيهَا الأمطار الْخَارِجَة عَن الْحَد زِيَادَة على يَوْمًا وَأَتَتْ سيول مهولة مَعَ غلاء الأسعار بِمَكَّة فأبيع الْحمل الدَّقِيق بِخَمْسَة وَثَلَاثِينَ دِينَارا وأبيعت ويبة شعير فِي الأزلم بِخَمْسِينَ مؤيديا فَيكون الأردب الشّعير
стр. 2842
على ذَلِك بِأَلفَيْنِ وَمِائَة دِرْهَم من نقد الْقَاهِرَة وَكثر موت الْجمال ومشت النِّسَاء وَالصغَار عدَّة مراحل وَمَات كثير من النَّاس وَاشْتَدَّ الْحر ثمَّ اشْتَدَّ الْبرد وَمَعَ وَفِي ثامن عشرينه: أُعِيد زين قَاسم بن البُلْقِينِيّ إِلَى نظر الجوالي عوضا عَن صدر الدّين أَحْمد بن العجمي على مَال الْتزم بِهِ. وَفِيه أنعم على الْأَمِير جَانِبك الخازندار بإمرة طبلخاناه من جملَة إقطاع الْأَمِير فَارس نَائِب الْإسْكَنْدَريَّة كَانَ. شهر صفر أَوله الْخَمِيس: فِي ثامن عشره: جمع السُّلْطَان الْأُمَرَاء والقضاة ومباشريه وأحضر جمَاعَة من التُّجَّار وَأنكر حَال الْفُلُوس وَذَلِكَ أَنَّهَا كَمَا تقدم غير مرّة أَنَّهَا هِيَ النَّقْد الرائج بِأَرْض مصر فينسب إِلَيْهَا أَثمَان المبيعات وقيم الْأَعْمَال ثمَّ لما ضرب الْملك الْمُؤَيد شيخ الدَّرَاهِم المؤيدية رسم أَن تنْسب قيم الْأَعْمَال وأثمان المبيعات إِلَيْهَا فَعمل بذلك مُدَّة من أَيَّامه حَتَّى مَاتَ فَعَادَت قيم الْأَعْمَال وأثمان المبيعات تنْسب إِلَى الْفُلُوس كَمَا كَانَت قبل المؤيدية وَحدث فِي الْفُلُوس مَعَ ذَلِك مَا لم يكن يعْهَد مُنْذُ ضربت وَهُوَ أَنه خلط فِيهَا قطع الْحَدِيد وَقطع النّحاس وَقطع الرصاص من أجل أَنَّهَا تُؤْخَذ وزنا لَا عددا وتغافل الْحُكَّام عَن إِنْكَار ذَلِك فتمادى الْحَال على هَذَا من بعد موت الْمُؤَيد حَتَّى صَارَت القفة من الْفُلُوس الَّتِي وَزنهَا مائَة رَطْل لَا يكَاد يُوجد فِيهَا قدر عشْرين رطلا من الْفُلُوس وَإِنَّهَا هِيَ - كَمَا قدم - ذكره مَا بَين نُحَاس وحديد ورصاص وَانْفَتح للصيارفة وَنَحْوهم من ذَلِك بَاب ربح وَهُوَ أَنهم صَارُوا ينقون الْفُلُوس ويبيعونها لمن يحملهَا إِلَى الْحجاز واليمن وبلاد الْمغرب كل قِنْطَار بسبعمائة دِرْهَم فَلَمَّا بلغ السُّلْطَان ذَاك أَرَادَ أَن يضْرب فُلُوسًا فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فِي مِقْدَار وَزنهَا فَأَشَارَ بَعضهم أَن يكون كل سِتِّينَ فلسًا بدرهم أشرفي وَأَشَارَ أخرون أَن تكون أوزانها مُخْتَلفَة فِيهَا مَا زنته مِثْقَال وفيهَا مَا زنته غير ذَلِك فَجمع النَّاس كَمَا تقدم ليقوي عزمه على مَا يمضيه فَمَا زَالُوا بِهِ حَتَّى رَجَعَ عَن تَغْيِير الْمُعَامَلَة بالفلوس الَّتِي بأيدي النَّاس خوفًا من وقُوف أَحْوَال الْأَسْوَاق لعنت الْعَامَّة فاستقر الرَّأْي على أَن نُودي بِأَن يكون سعر الْفُلُوس المنقاة من الْحَدِيد والرصاص والنحاس بسبعه دَرَاهِم كل رَطْل وَيكون سعر هَذِه الْقطع بِخَمْسَة دَرَاهِم الرطل فامتثل النَّاس ذَلِك وَصَارَت الْفُلُوس صنفين بسعرين مُخْتَلفين وَمَشى الْحَال على هَذَا.
стр. 2843
وَفِيه أبيع الرَّغِيف بِنصْف دِرْهَم فُلُوسًا بعد مَا كَانَ بدرهم لرخاء الأسعار. وَفِي سادس عشرينه: قدم الْأَمِير أينال النوروزي نَائِب طرابلس باستدعاء فَأكْرمه السُّلْطَان وأنزله بدار ثمَّ طلب الْأَمِير قصروه أَمِير أخور وخلع عَلَيْهِ بنيابة طرابلس عوضا عَن الْأَمِير أينال الْمَذْكُور وأنعم على أينال هَذَا بإقطاع قصروه. فِي هَذَا الشَّهْر: اتضع سعر الغلال حَتَّى أبيع الْقَمْح كل خَمْسَة أرادب بِدِينَار وَلِهَذَا أَسبَاب: أَحدهَا النّيل فِي وَقت زِيَادَته حَتَّى شَمل الرّيّ عَامَّة أَرَاضِي مصر. ثَانِيهَا غزارة الأمطار فِي فصل الشتَاء وتواليها أَيَّامًا فأخصبت الزروع والمراعي. ثَالِثهَا رخاء الأسعار بِبِلَاد الشَّام وَأَرْض الْحجاز فاستغنت العربان عَن شِرَاء الغلال وَترك التُّجَّار فِي الْحجاز فتوفرت بديار مصر. رَابِعهَا أَن الْأَمِير الْوَزير شمس الدّين أرغون شاه أستادار خرج إِلَى نواحي الغربية والبحيرة وعسف المزارعين والمتدركين حَتَّى ألجأتهم الضَّرُورَة إِلَى أَن يبيعوا غلالهم ويقوموا لَهُ. مِمَّا ألزموا بِهِ من المَال فَلذَلِك كثرت الغلال فاتضعت وَللَّه الْحَمد. وَمَعَ هَذَا فقد نَاس كثير من الغلال بِالْوَجْهِ البحري فَتسَارع خزانها إِلَى بيعهَا خوفًا عَلَيْهَا من التّلف وَللَّه عَاقِبَة الْأُمُور. شهر ربيع الأول أَوله السبت: وَفِي ثَانِيه: قدم الْأَمِير الْوَزير أرغون شاه من الْوَجْه البحري بِمَا جمعه من الْأَمْوَال الَّتِي جباها. وَفِي لَيْلَة الْجُمُعَة سابعه: عمل المولد السلطاني على الْعَادة فِي كل سنة وَحضر الْأُمَرَاء وقضاة الْقُضَاة الْأَرْبَع ومشايخ الْعلم وَجمع كَبِير من الْقُرَّاء والمنشدين فاستدعى قَاضِي الْقُضَاة ولي الدّين أَحْمد بن الْعِرَاقِيّ ليحضر فَامْتنعَ من الْحُضُور فتكرر استدعاؤه حَتَّى جَاءَ فأجلس عَن يسَار السُّلْطَان حَيْثُ كَانَ قَاضِي الْقُضَاة زين الدّين التفهني جَالِسا وَقَامَ التفهني فَجَلَسَ عَن يَمِين السُّلْطَان فِيمَا يَلِي قَاضِي الْقُضَاة علم الدّين صَالح ابْن البُلْقِينِيّ. وَفِي هَذِه الْأَيَّام: وجدت ورقة بِالْقصرِ فِيهَا شناعات عَليّ علم الدّين بن الكويز كَاتب السِّرّ مِنْهَا أَنه يُرِيد إِقَامَة ابْن الْملك الْمُؤَيد شيخ فِي السلطنة فَعرف من أَلْقَاهَا فَدلَّ على الَّذِي كتبهَا وَهُوَ رجل من الْفُقَرَاء يُقَال لَهُ حسن العليمي يخْدم قبر الشَّيْخ عَليّ بن عليم بالسَّاحل فاعترف أَنه كتبهَا نصيحة للسُّلْطَان فَبعث بِهِ السُّلْطَان إِلَى ابْن الكويز فَثَبت على قَوْله وفاجأه بِمَا لَا يحب فنفاه إِلَى بِلَاد الصَّعِيد.
стр. 2844
وَفِي خَامِس عشره: سَار الْأَمِير أرغون شاه إِلَى بِلَاد الصَّعِيد ليجبي أَهلهَا كَمَا جبى الْوَجْه البحري. وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء خَامِس عشرينه: ثارت ريح مريسية طول النَّهَار فَلَمَّا كَانَ قبل الْغُرُوب بِنَحْوِ سَاعَة ظهر فِي السَّمَاء صفرَة من قبل مغرب الشَّمْس كست الجدران وَالْأَرْض بالصفرة ثمَّ أظلم الجو حَتَّى صَار النَّهَار مثل وَقت الْعَتَمَة فَكنت أمد يَدي فَلَا أَرَاهَا لشدَّة الظلام فَمَا بَقِي أحد بِمصْر إِلَّا وَاشْتَدَّ فزعه فَلَمَّا كَانَ بعد سَاعَة وَقت الْغُرُوب أَخذ الظلام ينجلي قَلِيلا قَلِيلا وعقبه ريح عاصف كَادَت المباني تتساقط وتمادي طول لَيْلَة الْأَرْبَعَاء فَرَأى النَّاس أمرا مهولاً من شدَّة هبوب ريَاح عَاصِفَة وظلمة فِي النَّهَار وَاللَّيْل لم يعْهَد مثلهَا بِحَيْثُ كَانَ جمَاعَة فِي هَذِه اللَّيْلَة مسافرين وسائرين خَارج الْقَاهِرَة فتاهوا من شدَّة الظلام طول ليلتهم حَتَّى طلع الْفجْر وعمت هَذِه الظلمَة أَرض مصر حَتَّى وصلت دمياط والإسكندرية وَجَمِيع الْوَجْه البحري وَبَعض بِلَاد الصَّعِيد وَرَأى بعض من يظنّ بِهِ الْخَيْر فِي مَنَامه كَانَ قَائِلا يَقُول مَا مَعْنَاهُ: لَوْلَا شَفَاعَة رَسُول الله ﷺ لأهل مصر لأهلكت هَذِه الرّيح النَّاس لكنه شفع فيهم فَحصل اللطف. وَفِي هَذَا الشَّهْر: كثر الوباء بِدِمَشْق. وَفِيه أضيفت ولَايَة مصر وحسبتها إِلَى الْأَمِير تَاج الدّين الشويكي وَإِلَى الْقَاهِرَة. وَفِيه رسم بمصادرة نجم الدّين عمر بن حجي قَاضِي الْقُضَاة الشَّافِعِي بِدِمَشْق وشهاب الدّين أَحْمد بن مَحْمُود بن الكشك قَاضِي الْقُضَاة الْحَنَفِيّ بهَا وعدة من تجارها فصودروا. وَفِيه رسم بإيقاع الحوطة على خُيُول أهل الْوَجْه البحري من الغربية والبحيرة وَنَحْوهَا فَأخذت. وَفِيه قدم إِلَى الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة جَراد عَظِيم أتلف عَامَّة زروعها وأشجارها حَتَّى أكل الأسابيط من فَوق النّخل فأمحلت ونزح كثير من أَهلهَا فَمَاتَ مُعظم الْفُقَرَاء النازحين جوعا وعطشاً وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه. شهر ربيع الآخر أَوله الْأَحَد:
стр. 2845
فِي ثَانِيه: عدى السُّلْطَان إِلَى بر الجيزة وَأقَام بِنَاحِيَة وسيم فِي أمرائه ومماليكه يتنزه ثمَّ عَاد. وَفِي سادس عشرينه: قدم الْأَمِير تنبك البجاسي نَائِب حلب فَخلع عَلَيْهِ ورتب لَهُ مَا يَلِيق بِهِ وَقدم لَهُ الْأُمَرَاء على مقدارهم. وَفِي هَذَا الشَّهْر: كثر الوباء بِدِمَشْق. وَفِيه قدم الْخَبَر أَن مَدِينَة الكرك تلاشى أمرهَا وَخَربَتْ قراها وتشتت أَهلهَا وَأَنَّهَا آيلة إِلَى الدُّثُور. وَفِيه عدى مصطفى بن عُثْمَان من اسطنبول إِلَى أزنيك وملكها بعد مَا حاصرها مُدَّة فَسَار إِلَيْهِ أَخُوهُ مُرَاد بعساكره وقاتله فظفربه وَقَتله وَعَاد إِلَى برصا وَقد صفا لَهُ الجو. شهر جُمَادَى الأولى أَوله الثُّلَاثَاء: فِي ثالثه: توجه الْأَمِير تنبك البجاسي إِلَى حلب على نيابته. وَفِيه أبيع الْخبز كل ثَلَاثَة أرغفة بدرهم من الْفُلُوس وأبيع الأردب الْقَمْح بِثَمَانِينَ درهما فَيكون كل ثَلَاثَة أرادب بمثقال ذهب وكل أردب بأَرْبعَة دَرَاهِم فضَّة وكل سِتِّينَ رغيفاً بدرهم فضَّة وَلم يعْهَد مثل هَذَا الرخَاء فِي هَذِه الْأَزْمِنَة وَمَعَ ذَلِك فالرخاء عَام بِالشَّام والحجاز فَالله يحسن الْعَاقِبَة. وَفِي رَابِع عشره: خلع على الْأَمِير جقمق وَاسْتقر أَمِير أخور عوضا عَن قصروه نَائِب وَفِي يَوْم السبت تَاسِع عشر: أمْطرت السَّمَاء مَطَرا كثيرا من أول يَوْم الْجُمُعَة أمسه حَتَّى مضى السبت وَكَانَت عَامَّة فِي مُعظم أَرض مصر قبليها وبحريها فَسَأَلت الأودية وَظَهَرت فِي النّيل زِيَادَة نَحْو ذِرَاع ودثرت مَقَابِر كَثْرَة وَسقط بِبِلَاد البحرة برد كبار جدا يتعجب من كبرها وَكَانَ الزَّمَان ربيعاً. وَفِي شهر بشنس وَفِي نصف نَهَار السبت هَذَا: هبت ريَاح قَوِيَّة أَلْقَت مباني
стр. 2846
عديدة وَعم هبوبها فِي أَكثر أَرض مصر فَسقط فِي نَاحيَة أبيار ألف وَمِائَتَا نَخْلَة وَسقط كثير من شجر السنط والسدر والجميز وَكَانَت الشَّجَرَة تقتلع من أَصْلهَا وَسقط كثير من طير السَّمَاء واحتملت الرّيح أَشْيَاء ثَقيلَة من أماكنها وألقتها ببعد وشملت مضرَّة هَذَا الْمَطَر وَهَذِه الرّيح أَشْيَاء عديدة. وَفِي هَذَا الشَّهْر: انْتَشَر بِبِلَاد الصَّعِيد من الطير الَّتِي يُقَال لَهَا الزرازير أمة لَا يُحْصى عَددهَا إِلَّا الله خَالِقهَا سُبْحَانَهُ فأهلكها هَذَا الرّيح حَتَّى صَار مِنْهَا عدَّة كيمان يمر الْفَارِس فِيهَا بفرسه مُدَّة ثَلَاثَة أَيَّام وَلَوْلَا هَلَكت لرعت الزروع. وَفِيه جَاءَ من نَاحيَة الْحجاز جَراد يخرج عَن الْحَد فِي الْكَثْرَة فَلَمَّا وافى الطّور يُرِيد دُخُول أَرض مصر كَانَ هَذَا الْمَطَر فَهَلَك عَن آخِره كفايه من الله. وَفِيه تلفت زروع عدَّة بِلَاد من نواحي أَرض مصر لِكَثْرَة الْمَطَر وَالْبرد بِحَيْثُ وجد فِي الْبرد مَا وزن الْوَاحِدَة مِنْهُ عدَّة أواقي وَتَلفت أَشجَار كَثِيرَة ونخيل كثير بالقرى من الرّيح وَسقط من طير السَّمَاء فِيمَا بَين الْإسْكَنْدَريَّة وبرقة شَيْء كثير جدا من قُوَّة الرّيح. شهر جُمَادَى الْآخِرَة أَوله الْأَرْبَعَاء: فِي هَذَا الشَّهْر: عظم الوباء بِدِمَشْق وَفَشَا فِي الْبِلَاد إِلَى غَزَّة. وَفِيه تحرّك سعر الغلال بِأَرْض مصر فارتفع الأردب الْقَمْح من مائَة إِلَى مائَة وَأَرْبَعين وَالشعِير من سبعين درهما الأردب إِلَى مائَة دِرْهَم. وَفِي سَابِع عشره: قدم الْأَمِير أرغون شاه من بِلَاد الصَّعِيد وَقد وصل إِلَى مَدِينَة هُوَ فجبى الْأَمْوَال وَمَا عف وَلَا كف وأحضر مَعَه من الأغنام والأبقار والخيول وَمن القند وَالسكر وَالْعَسَل شَيْء كثير فخرب فِي حركتيه المذكورتين إقليم مصر أَعْلَاهُ وأسفله ثمَّ شرع فِي رمى مَا أحضرهُ على النَّاس بأغلى الْأَثْمَان والعسف فِي الطّلب. شهر رَجَب أَوله الْخَمِيس: فِيهِ كملت الْوكَالَة وعلوها بِخَط الركتن المخلق على يَد عَظِيم الدولة القَاضِي زين الدّين عبد الباسط نَاظر الجيوش وَلم يعسف الْعمَّال فِيهَا وَلَا بخسوا شَيْئا من أجرهم فَجَاءَت من أحسن الْمَوَاضِع وَكثر النَّفْع بهَا.
стр. 2847
وَفِيه ابتدئ بهدم الحوانيت والفنادق الَّتِي فِيمَا بَين الْمدرسَة السيوفية وسوق العنبريين لعمل موضعهَا مدرسة للسُّلْطَان وَكَانَت مَوْقُوفَة على الْمدرسَة القطبية وَغَيرهَا فاستبدل بهَا أَمْلَاك أخر من غير إِجْبَار الْمُسْتَحقّين. وَجعل الاختبار لَهُم فِيمَا يسْتَبْدل بِهِ حَتَّى تراضوا وَلم يشق عَلَيْهِم. وَتَوَلَّى ذَلِك زين الدّين عبد الباسط. وَفِيه انحل سعر الغلال وَمد أبيعت الغلال الجديدة. وَفِيه قدم عدَّة من الفرنج الكيتلان لزيارة الْقُدس مستخفين فعسر على نَحْو الْمِائَة مِنْهُم وسجنوا. وَفِي ثَانِي عشره: ابتدأت المناداة بِزِيَادَة النّيل وَقد جَاءَت الْقَاعِدَة ثَمَانِيَة أَذْرع وَعشر أَصَابِع. وَهَذَا مِمَّا ينْدر مثله. وَفِيه أدير محمل الْحَاج على الْعَادة. وَفِيه كتب بعزل قَاضِي الْقُضَاة الشَّافِعِي بِدِمَشْق نجم الدّين عمر بن حجي وسجنه والكشف عَنهُ واستقرار شمس الدّين مُحَمَّد بن زيد قَاضِي بعلبك عوضه فِي قَضَاء دمشق. وَسبب ذَلِك تنكر الْأَمِير تنبك ميق نَائِب الشَّام عَلَيْهِ وَتغَير كَاتب السِّرّ علم الدّين دَاوُد بن الكويز وزين الدّين عبد الباسط نَاظر الْجَيْش وَبدر الدّين مُحَمَّد بن مزهر نَاظر الاصطبل ونائب كَاتب السِّرّ فَإِنَّهُ أطرح جانبهم وَصَارَ يبلغهم عَنهُ مَا يوغر صُدُورهمْ من استخفافه بهم لمعرفته إيَّاهُم قبل ارتفاعهم فِي الْأَيَّام المؤيدية. واغتر بِكَثْرَة من يساعده من الْأُمَرَاء لما لَهُ عَلَيْهِم من الأفضال المستمر فَأخذ الْجَمَاعَة فِي مكايدته حَتَّى أوقعوا بَينه وَبَين السُّلْطَان فَلم يفده مساعدة الْأُمَرَاء لَهُ. وَفِي يَوْم السبت سَابِع عشره: اتّفقت حَادِثَة فِيهَا موعظة وَهِي أَن الْأَمِير أرغون شاه جمع الجزارين لأخذ شَيْء من الأبقار الَّتِي أحضرها ورسم على كل مِنْهُم رَسُولا من الأعوان الظلمَة حَتَّى يمْضِي إِلَى بر منبابة حَيْثُ الأبقار وَيَأْخُذ مِنْهُم مَا ألزم بِهِ مِنْهَا فوافوا سَاحل بولاق بكره ونزلوا فِي مركب وَنزل مَعَهم أنَاس آخَرُونَ.
стр. 2848
وَأخذُوا يدعونَ الله على أنفسهم أَن يغرقهم وَلَا يحييهم حَتَّى يَأْخُذُوا هَذِه الأبقار ليستريحوا مِمَّا هم فِيهِ من الغرامات والخسارات وتحكم الظلمَة فيهم بِالضَّرْبِ والسب والإهانة. وَقَرَأَ وَاحِد مِنْهُم فَاتِحَة الْكتاب ودعا بذلك وهم يُؤمنُونَ على دُعَائِهِ فَمَا هُوَ إِلَّا أَن توسطوا النّيل وتجاوزوه حَتَّى كَادُوا أَن يصلوا إِلَى بر منبابة. وَإِذا بمركبهم انقلبت فَغَرقُوا بأجمعهم إِلَّا قَلِيلا مِنْهُم فَإِنَّهُم نَجوا. وَكَانَت عدَّة الغرقى عشْرين رجلا وَأَرْبع نسْوَة فارتجت الْقَاهِرَة بعويل أهاليهن عَلَيْهِنَّ وَكَثُرت الشناعة على الْأَمِير أرغون شاه وَذهب الغرقى بِلَا قَاتل وَلَا قَود. وَفِي ثَالِث عشرينه: رسم السُّلْطَان أَن لَا يكون لقَاضِي الْقُضَاة الشَّافِعِي إِلَّا عشرَة نواب وَأَن يكون للحنفي ثَمَانِيَة نواب وللمالكي سِتَّة وللحنبلي أَرْبَعَة. فَعمل ذَلِك مديدة ثمَّ أُعِيد من عزل مِنْهُم بِزِيَادَة. وَقد ساءت قالة الْعَامَّة فيهم وَأَكْثرُوا من التشنيع بِمَا يغرمه المتداعيان فِي أَبْوَابهم حَتَّى اتضعت نواب الْقُضَاة فِي أعين الكافة وانحطت أقداراهم عِنْد أهل الدولة وجهروا بالسوء من القَوْل فيهم. وَاتفقَ فِي هَذِه السّنة مَا لم نعهده وَهُوَ انتشار الْحمرَة عِنْد طُلُوع الْفجْر إِلَى شروق الشَّمْس فِي جَمِيع الْجِهَة الشمالية الَّتِي يسميها المصريون وَجه بحري وانتشار الْحمرَة فِي الْجِهَة الشمالية أَيْضا بعد غرُوب الشَّمْس حَتَّى يمْضِي من اللَّيْل سَاعَة وَتصير الأَرْض والجدران وَغير ذَلِك فِي هذَيْن الْوَقْتَيْنِ كَأَنَّهَا صبغت بالحمرة. وَتَمَادَى هَذَا الْحَال أَرْبَعَة أشهر وانقضى شهر رَجَب هَذَا وَالْأَمر على ذَلِك. وَفِيه تناقص الوباء بِبِلَاد الشَّام بعد مَا عَم كورة دمشق وفلسطين والساحل. وَبَلغت عدَّة من مَاتَ بصالحية دمشق زِيَادَة على خَمْسَة عشر ألف إِنْسَان. وأحصي من ورد ديوَان دمشق من الْمَوْتَى فَكَانُوا نَحْو الثَّمَانِينَ ألفا وَكَانَ يَمُوت من غَزَّة فِي كل يَوْم مائَة إِنْسَان وأزيد وَكَانَ مُعظم من مَاتَ الصغار والخدم وَالنِّسَاء فخلت الدّور مِنْهُم إِلَّا قَلِيلا وَفِيه وَقع الوباء بِبِلَاد الْخَلِيل عَلَيْهِ شهر شعْبَان أَوله السبت: فِي يَوْم الْجُمُعَة سابعه: ورد الْخَبَر بِأَن الْأَمِير جَانِبك الصُّوفِي فر من السجْن بالإسكندرية فَلم يقدر عَلَيْهِ فَقبض بِسَبَبِهِ على جمَاعَة وعوقبوا عقوبات كَثِيرَة. وَقدم الْخَبَر بِوُقُوع الوباء بدمياط.
стр. 2849
وَفِي يَوْم الْخَمِيس عشرينه: خلع على الْأَمِير جرباش قاشق وَاسْتقر حَاجِب الْحجاب. وَكَانَت شاغرة مُنْذُ انْتقل جقمق عَنْهَا وَصَارَ أَمِير أخور. وَفِيه كتب باستقرار الْأَمِير تنبك البجاسي نَائِب حلب فِي نِيَابَة الشَّام بعد موت تنبك ميق. وَاسْتقر شارقطلوا نَائِب حماة فِي نِيَابَة حلب عوضا عَن تنبك البجاسي وَاسْتقر جلبان - أَمِير أخور الْملك الْمُؤَيد شيخ - فِي نِيَابَة حماة. وَقد كَانَ من جملَة أُمَرَاء دمشق. وَتوجه الْأَمِير جَانِبك الخازندار فِي ثامن عشرينه بتقاليد الْمَذْكُورين وتشاريفهم. وَفِيه رسم بِإِعَادَة نجم الدّين عمر بن حجي إِلَى قَضَاء الْقُضَاة بِدِمَشْق وَحمل تَقْلِيده وتشريفه. وَفِيه جرى المَاء فِي خليج الْإسْكَنْدَريَّة وعبرت فِيهِ السفن وَذَلِكَ أَنه غلب الرمل على أشتوم بحيرة الْإسْكَنْدَريَّة حَتَّى جف مَاؤُهَا وَصَارَت الرّيح تسفي الرمال على الخليج إِلَى أَن علت أرضه وجف مَاؤُهُ من بعد سنة سبعين وَسَبْعمائة وَصَارَ المَاء لَا يدْخل إِلَيْهِ إِلَّا أَيَّام الزِّيَادَة فَإِذا نقص مَاء النّيل جف الخليج. وَلذَلِك خرجت أَكثر بساتين الْإسْكَنْدَريَّة وضياعها الَّتِي على الخليج. وَصَارَ شرب أَهلهَا من المَاء المخزون بالصهاريج. وحاول السلاطين حفر هَذَا الخليج مرَارًا فَلم ينجح عَمَلهم لقلَّة الْمعرفَة بأَمْره ثمَّ إِن السُّلْطَان ندب الْأَمِير جرباش قاشق - أحد مقدمي الأولوف - لعمل هَذَا الخليج فَجمع من النواحي ثَمَانمِائَة وَخَمْسَة وَسبعين رجلا وابتدأ فِي حفره من حادي عشر جُمَادَى الأولى من حَنى فَم النّيل. وَصَارَ كلما حفر مِنْهُ شَيْئا أرسل المَاء عَلَيْهِ من الْفَم حَتَّى انْتهى حفره فِي حادي عشر شعْبَان هَذَا لتَمام تسعين يَوْمًا وَعبر المَاء فِي الْيَوْم الْمَذْكُور إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَقد خرج النَّاس لرُؤْيَته وسروا بِهِ سُرُورًا كَبِيرا. وَكَانَت كلفة الْحفر مِمَّا جبى من النواحي الَّتِي تسقى من الخليج وَمن بساتين الْإسْكَنْدَريَّة. شهر رَمَضَان أَوله الْأَحَد: فِي ثَانِيه - الْمُوَافق لَهُ سادس مسرى -: كَانَ وَفَاء النّيل سِتَّة عشر ذِرَاعا فَنزل الْأَمِير نَاصِر الدّين مُحَمَّد ابْن السُّلْطَان حَتَّى خلق عَمُود المقياس وَفتح الخليج على الْعَادة.
стр. 2850
وَفِيه قبض على الْأَمِير سودن الْأَشْقَر أحد مقدمي الألوف وَنفي بطالاً إِلَى الْقُدس. ثمَّ أنعم عَلَيْهِ بإمرة فِي دمشق فَتوجه إِلَيْهَا. وَفِيه خرج عدَّة من الْأُمَرَاء إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة ودمياط ورشيد وَقد ورد الْخَبَر بحركة الفرنج وَفِي ثامن عشرينه: جمع السُّلْطَان التُّجَّار والصيارف بِسَبَب الْفُلُوس فَإِنَّهَا من حِين نُودي عَلَيْهَا فِي صفر أَن تكون المضروبة بسبعة دَرَاهِم الرطل وَالْقطع بِخَمْسَة الرطل قلت حَتَّى لم تكد تُوجد. وَسبب ذَلِك أَن التُّجَّار كثرت تِجَارَتهمْ فِيهَا وشدوا أحمالاً كَثِيرَة من الْفُلُوس المنقاة وَقد بلغ القنطار مِنْهَا ثَمَانمِائَة دِرْهَم وبعثوا مِنْهَا إِلَى الْحجاز واليمن والهند وبلاد الْمغرب بِشَيْء لَا يدْخل تَحت حصر لما لَهُم فِيهَا من الْفَوَائِد. وَضرب آخَرُونَ مِنْهَا الْأَوَانِي النّحاس كالقدور وَنَحْوهَا وباعوها بِثَلَاثِينَ درهما الرطل. وتصدى جمَاعَة لقطع الْحَدِيد والنحاس والرصاص والقصدير فأفرزوا كل صنف على حِدة واستعملوه فِيمَا يصلح لَهُ فَرَبِحُوا فِيهَا كثيرا. وَمَعَ ذَلِك فَمن عِنْده شَيْء مِنْهَا شح بِإِخْرَاجِهِ فِي الْمُعَامَلَة. وتصدت جمَاعَة لجمعها فعزت حَتَّى لم يقدر عَلَيْهَا. وتوقفت أَحْوَال النَّاس فِي مَعَايشهمْ لفقدها. فَلَمَّا اجْتمع النَّاس عِنْد السُّلْطَان اسْتَقر الرَّأْي على أَن تكون الْفُلُوس المنقاة بِتِسْعَة دَرَاهِم الرطل وَأَن لَا يتعامل أحد بِشَيْء من الْقطع النّحاس وَالْحَدِيد والرصاص والقصدير وَنُودِيَ بذلك وهدد من خَالف وسافر بِشَيْء مِنْهَا إِلَى الْبِلَاد. شهر شَوَّال أَوله الثُّلَاثَاء: فِي سادسه: ابْتَدَأَ الْهدم فِي الحوانيت والرباع الَّتِي علوها فِيمَا بَين الصنادقيين وَرَأس الخراطين وَفِي سابعه: قدم قَاضِي الْقُضَاة الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق شهَاب الدّين أَحْمد بن مَحْمُود بن الكشك باستدعاء. وَفِي يَوْم الْخَمِيس عاشره: خلع على جمال الدّين يُوسُف بن الصفي الكركي وَاسْتقر كَاتب السِّرّ بعد موت علم الدّين دَاوُد بن الكويز فأذكرتني ولَايَته بعد ابْن
стр. 2851
الكويز قَول أبي الْقَاسِم خلف بن فرج الألبيري - الْمَعْرُوف بالسميسر - وَقد هلك وَزِير يَهُودِيّ لباديس بن حبوس الْحميدِي أَمِير غرناطة من بِلَاد الأندلس فاستوزر بعد الْيَهُودِيّ وزيراً نَصْرَانِيّا: كل يَوْم إِلَى ورا بدل الْبَوْل بالخرا فزمانا تهودا وزماناً تنصرا وسيصبو إِلَى المجو - س إِذا الشَّيْخ عمرا وَقد كَانَ أَبُو الْجمال هَذَا من نَصَارَى الكرك وتظاهر بِالْإِسْلَامِ فِي وَاقعَة كَانَت لِلنَّصَارَى هُوَ وَأَبُو الْعلم دَاوُد بن الكويز وخدم كَاتبا عِنْد قَاضِي الكرك عماد الدّين أَحْمد المقيري. فَلَمَّا قدم إِلَى الْقَاهِرَة. وصل فِي خدمته وَأقَام بِبَابِهِ حَتَّى مَاتَ وَهُوَ بائس فَقير لم يزل دنس الثِّيَاب مقتم الشكل وَابْنه هَذَا مَعَه فِي مثل حَاله. ثمَّ خدم عِنْد التَّاجِر برهَان الدّين إِبْرَاهِيم الْمحلى كَاتبا لدخله وخرجه فحسنت حَاله وَركب الْحمار. ثمَّ سَار بعد الْمحلى إِلَى بِلَاد الشَّام وخدم بِالْكِتَابَةِ هُنَاكَ حَتَّى كَانَت أَيَّام الْملك الْمُؤَيد شيخ ولاه ابْن الكويز نظر الْجَيْش بطرابلس فَكثر مَاله بهَا. ثمَّ قدم فِي أخر أَيَّام ابْن الكويز إِلَى الْقَاهِرَة فَلَمَّا مَاتَ وعد بِمَال كثير حَتَّى ولى كِتَابَة السِّرّ فَكَانَت ولَايَته أقبح حَادِثَة رأيناها. وَفِي رَابِع عشره: قدم الْأَمِير أسندمر نَائِب الْإسْكَنْدَريَّة باستدعاء فَقبض عَلَيْهِ وَنفي إِلَى دمياط بطالاً. وَاسْتقر الْأَمِير أقبغا التمرازي أَمِير مجْلِس عوضه فِي نِيَابَة الْإسْكَنْدَريَّة.
стр. 2852
وَفِي سادس عشره - الْمُوَافق لَهُ رَابِع عشْرين توت -: انْتَهَت زِيَادَة النّيل إِلَى تِسْعَة عشر ذِرَاعا تنقص إصبعاً وَاحِدًا وابتدأ نَقصه من الْغَد. وَفِي تَاسِع عشره: خرج محمل الْحَاج صُحْبَة الطواشي افتخار الدّين مِثْقَال مقدم المماليك ورحل من بركَة الْحَاج فِي ثَالِث عشرينه وَقد تقدمه الركب الأول صُحْبَة الْأَمِير أينال الششماني أحد أُمَرَاء العشرات وَفِي رَابِع عشرينه: خلع عَليّ نقيب الْأَشْرَاف السَّيِّد الشريف بدر الدّين حسن بن الشريف النَّقِيب عَليّ وأضيف إِلَيْهِ نظر وقف الْأَشْرَاف عوضا عَن شرف الدّين مُحَمَّد ابْن عبد الْوَهَّاب بن نصر الله. وَكَانَ قد بَاشر وقف الْأَشْرَاف بعفة ونهضة وَأنْفق للأشراف فِي كل سنة أَزِيد مِمَّا كَانَت عَادَتهم. وَفِيه خلع على صدر الدّين أَحْمد بن العجمي وَاسْتقر فِي نظر الْكسْوَة عوضا عَن شرف الدّين الْمَذْكُور وَفِي نظر الجوالي عوضا عَن قَاسم بن البُلْقِينِيّ وخلع على الْأَمِير زين الدّين عبد الْقَادِر ابْن الْأَمِير فَخر الدّين بن أبي الْفرج وَاسْتقر كاشف الشرقية. وَكَانَ الْكَشْف بيد الْأَمِير أرغون شاه أستادار. وَفِي سَابِع عشرينه: قبض على أرغون شاه الْمَذْكُور لعَجزه - مَعَ ظلمه وعسفه - عَن جامكية المماليك فَإِن مَصْرُوف الدِّيوَان الْمُفْرد عظم وَصَارَت الْبِلَاد المفردة لَهُ - مَعَ مظالم الْعباد - لَا تفي بِهِ. وَفِي ثامن عشرينه: خلع على نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شمس الدّين مُحَمَّد بن مُوسَى المرداوي الْمَعْرُوف بِابْن أبي وافي وَاسْتقر أستادارا عوضا عَن أرغون شاه. وعوقب
стр. 2853
أرغون شاه بَين يَدي السُّلْطَان. وَمن خبر ابْن أبي وَالِي هَذَا أَن أَبَاهُ من تجار الْقُدس وتزيا هُوَ بزِي الأجناد وخدم أستادار الْأَمِير جقمق الدوادار فِي أَيَّام الْمُؤَيد بديار مصر مُدَّة ثمَّ صادره وَصَرفه فخدم أستادار نَائِب الشَّام مُدَّة. وَكثر مَاله فأحضر من دمشق إِلَى الْقَاهِرَة فِي هَذَا الشَّهْر وألزم بِحمْل عشْرين ألف دِينَار فوعد أَن يحمل فِي هَذَا الْيَوْم ثَلَاثَة آلَاف دِينَار. فَلَمَّا قبض على أرغون شاه سَوَّلت لَهُ نَفسه وزين لَهُ شَيْطَانه أَن يكون أستادارا ويسد الْمبلغ الَّذِي ألزم بِهِ وَفِيه خلع أَيْضا على كريم الدّين عبد الْكَرِيم ابْن الْوَزير الصاحب تَاج الدّين عبد الرَّزَّاق ابْن كَاتب المناخ وَاسْتقر فِي الوزارة عوضا عَن أرغون شاه. وَفِي تَاسِع عشرينه: سلم أرغون شاه إِلَى الْأَمِير نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن أبي وَالِي أستادار ليستخلص مِنْهُ سِتِّينَ ألف دِينَار فَنزل من القلعة مَعَ أعوان الْوَالِي حَتَّى دخل دَاره الَّتِي كَانَ يسكنهَا أرغون شاه وَقد سكنها ابْن أبي وَالِي فعندما دَخلهَا بَكَى وَكَانَ فِي بلائه هَذَا أعظم عِبْرَة. وَذَلِكَ أَن ابْن وَالِي فِي ابْتِدَاء حَاله كَانَ من جملَة أجناد أرغون شاه الَّذين يخدمونه أَيَّام عمله وَهُوَ أستادار نوروز الحافظي فدارت الدَّوَائِر حَتَّى صَار ابْن أبي وَالِي أستادار عوضا عَن أرغون شاه وَسكن فِي دَاره بِالْقَاهِرَةِ الَّتِي كَانَ بالْأَمْس يتَرَدَّد إِلَيْهِ فِيهَا. وَيجْلس حَتَّى يسْتَأْذن لَهُ عَلَيْهِ. ثمَّ أَخذ ليعلقه فِي هَذِه الدَّار يحضرهُ من كَانَ يَخْدمه بهَا. أعاذنا الله تَعَالَى من سوء الْعَاقِبَة وَزَوَال نعمه ورزقنا الْعَافِيَة بمنه وَكَرمه. وَفِيه خلع على الْأَمِير إينال النوروزي الَّذِي كَانَ نَائِبا بطرابلس وَاسْتقر أَمِير مجْلِس عوضا عَن أقبغا التمرازي نَائِب الْإسْكَنْدَريَّة. شهر ذِي الْقعدَة أَوله يَوْم الْخَمِيس: فِيهِ قدم للسُّلْطَان إخْوَان من بِلَاد الجركس فِي سِتِّينَ من الجراكسة فَخرج الْأُمَرَاء إِلَى لقائهم. وَفِيه توجه الْأَمِير قجق أَمِير سلَاح والأمير أركماس الظَّاهِرِيّ أحد مقدمي الألوف وَالْقَاضِي زين الدّين عبد الباسط نَاظر الجيوش إِلَى مَكَّة على الرَّوَاحِل حاجين. وَفِي رابعه: تقرر على أرغون شاه عشرَة آلَاف دِينَار حَالَة يقوم بهَا ويمهل فِي مبلغ عشْرين ألف دِينَار مُدَّة فأفرج عَنهُ.
стр. 2854
وَفِي سادسه: وصلت هَدِيَّة الْأَمِير قصروه نَائِب طرابلس وَهِي مائَة وَخَمْسُونَ فرسا وَكثير من القماش والفرو. وَفِي هَذِه الْأَيَّام: هَبَط مَاء النّيل سَرِيعا مَعَ فَسَاد جسور النواحي من سوء سيرة وُلَاة عَملهَا فَانْقَطَعت مِنْهَا مقاطع كَثِيرَة شَرق بِسَبَبِهَا عدَّة أَرَاضِي بِالْوَجْهِ القبلي وبالوجه البحري وبالجيزة فنسأل الله اللطف. هَذَا والغلال رخيصة فالقمح بِمِائَة وَأَرْبَعين درهما من الْفُلُوس كل أردب وَالشعِير والفول بسبعين درهما الأردب. وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء خَامِس عشره - الْمُوَافق لَهُ ثَانِي عشْرين بَابه -: وَالشَّمْس فِي الدرجَة الْخَامِسَة من برج الْعَقْرَب حدث فِي السَّمَاء راعد شَدِيد وبرق ثمَّ مطر كثير جدا لم تعهد مثله فِي مثل هَذَا الزَّمَان. وَمَعَ ذَلِك فالحر مَوْجُود فسبحان الفعال لما يُريدهُ. وَفِي سادس عشره: قدم الْأَمِير جَانِبك الخازندار من الشَّام وَقد قلد النواب فَخلع عَلَيْهِ وَاسْتقر دوادارا ثَانِيًا عوضا عَن الْأَمِير قرقماس المتوجه إِلَى الْحجاز بِحكم انْتِقَاله إِلَى تقدمة ألف. وجانبك هَذَا رباه السُّلْطَان صَغِيرا فحفظ حق التربية بِحَيْثُ أَن جقمق نَائِب الشَّام لما ثار بعد موت الْمُؤَيد وَقبض على السُّلْطَان وَهُوَ يَوْمئِذٍ من أُمَرَاء دمشق وسجنه بذل الرغائب لجانبك هَذَا فَلم تستمله الدُّنْيَا وَثَبت على خدمَة أستاذه حَتَّى خلصه الله فوفى السُّلْطَان لَهُ بذلك وأنعم عَلَيْهِ بإمرة عشرَة ثمَّ إمرة طبلخاناة وَبَعثه لتقليد نواب الشَّام فأثرى. وَلما قدم صَار دواداراً. وَفِي الْحَقِيقَة هُوَ صَاحب التَّدْبِير فِي الدولة نقضا وإبراماً لِكَثْرَة اخْتِصَاصه بالسلطان ومزيد قربه مِنْهُ. وَفِي سادس عشرينه: ثارت المماليك بأستادار لعَجزه عَن تَكْمِلَة النَّفَقَة وضربوه ففر حَتَّى التجأ إِلَى بَيت بعض الْأُمَرَاء. وَفِي ثامن عشرينه: ختم على مطابخ السكر وألزم من يدولب طبخ السكر أَلا يتَعَرَّض أحد مِنْهُم لعمله ومنعت باعة السكر وباعة الْحَلْوَى من شِرَاء السكر إِلَّا من سكر السُّلْطَان. وَعمل لذَلِك ديوَان وأقيم لَهُ جمَاعَة ليدولبوا السكر فَامْتنعَ كل أحد من بيع السكر إِلَّا السُّلْطَان وَمن شراه إِلَّا من سكر السُّلْطَان فَضَاقَ النَّاس ذرعاً بذلك وتضرر بِهِ جمَاعَة عديدة. شهر ذِي الْحجَّة أَوله الْجُمُعَة:
стр. 2855
فِي ثالثه: ركب الْأَمِير نَاصِر الدّين مُحَمَّد ابْن السُّلْطَان للسرحة فِي عدَّة من الْأُمَرَاء حَتَّى اصطاد وَدخل الْقَاهِرَة من بَاب النَّصْر وَصعد القلعة من بَاب زويلة. ومولده فِي سنة تسع عشرَة. وَركب أَيْضا فِي سادسه. وَفِي هَذِه الْأَيَّام: اشْتَدَّ الفحص عَن الْأَمِير جَانِبك الصُّوفِي وعوقب بعض الممالك حَتَّى هلك بِسَبَبِهِ. وَقبض على أصهاره وعوقب بَعضهم وَأخذت لَهُ أَشْيَاء وجدت لَهُ. وفيهَا تحرّك سعر الغلال وفشت الْأَمْرَاض فِي النَّاس من الحميات. وَفِي لَيْلَة السبت سادس عشره: زلزلت الْقَاهِرَة زَلْزَلَة كلمح الْبَصَر ثمَّ زلزلت كَذَلِك فِي لَيْلَة الْأَحَد. وَفِي حادي عشرينه: ألزم النَّاس أَن لَا يتعاملوا بِالذَّهَب الإفرنتي المشخص إِلَّا من حِسَاب كل دِينَار بمائتين وَعشْرين فُلُوسًا وَكَانَ آخر مَا اسْتَقر عَلَيْهِ الْحَال أَن الدِّينَار بمائتين وَخَمْسَة وَعشْرين فَلم يتَغَيَّر صرفه عَن ذَلِك مُدَّة إِلَى أثْنَاء هَذِه السّنة زَادَت الْعَامَّة فِي صرفه حَتَّى بلغ مِائَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ فَأنْكر السُّلْطَان ذَلِك عِنْدَمَا بلغه ورسم أَن ينقص كل دِينَار عشرَة دَرَاهِم حَتَّى يبقي بمائتين وَعشْرين درهما فخسر النَّاس مَالا كثيرا. وَفِي ثامن عشرينه: قدم مبشرو الْحَاج وأخبروا برخاء الأسعار وَكَثْرَة الأمطار وَأَن الشريف حسن بن عجلَان لم يُقَابل أَمِير الْحَاج ونزح عَن مَكَّة لما بلغه من الإرجاف بمسكه فَنُوديَ من يَوْمه بِعرْض الأجناد البطالين ليجهزوا إِلَى التجريدة بعد النَّفَقَة عَلَيْهِم لغزو مَكَّة فاستشنع ذَلِك. وَفِيه كبست عدَّة أَمَاكِن بِسَبَب جَانِبك الصُّوفِي فَلم يُوجد. وَفِي هَذِه السّنة: اشْتَدَّ غضب متملك الْحَبَشَة وَهُوَ أبرم - وَيُقَال لَهُ إِسْحَاق بن دَاوُد بن سيف أركد - بِسَبَب غلق كَنِيسَة قمامة بالقدس وَقتل عَامَّة من فِي بِلَاده من الرِّجَال الْمُسلمين واسترق نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادهمْ وعذبهم عذَابا شَدِيدا وَهدم مَا فِي مَمْلَكَته من الْمَسَاجِد وَركب إِلَى بِلَاد جبرت فَقَاتلهُمْ وَقتل عَامَّة من فِيهَا وسبى نِسَاءَهُمْ وذراريهم وَهدم مَسَاجِدهمْ فَكَانَت فِي الْمُسلمين ملحمة عَظِيمَة جدا لَا يُحْصى عدد من قتل فِيهَا. وَفِي هَذِه السّنة: حدث أَمر النَّاس فِي غَفلَة عَنهُ معرضون وَهُوَ أَنه أَخْبرنِي من لَا
стр. 2856
أتهم فِي سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَسَبْعمائة. أَن الأرضية الَّتِي من طبعها إِفْسَاد الْكتب وَالثيَاب الصُّوف أكلت لَهُ بِنَاحِيَة مرج الزيات - ظَاهر الْقَاهِرَة - ألفا وَخَمْسمِائة قَتَّة دريس وَهَذَا الدريس يحملهُ خَمْسَة عشر جملا وَأكْثر. فَكثر تعجبي من ذَلِك وَمَا زلت أفحص عَنهُ على عادتي فِي الفحص عَن أَحْوَال الْعَالم حَتَّى وقفت على أَن ضَرَر الأرضة تعدى بِنَاحِيَة مرج الزيات فأتلفت الأخشاب وَالثيَاب عِنْدهم وقوى ضررها حَتَّى شاهدت تِلْكَ الأعوام حَوَائِط الْبَسَاتِين الَّتِي بِنَاحِيَة المطرية وَقد جددت الأرضية فِيهَا أخاديد طوَالًا. ثمَّ لما كَانَ بعد سنة عشْرين وَثَمَانمِائَة كثر عَبث الأرضة بالحسينية خَارج الْقَاهِرَة حَتَّى صَارَت أخشاب سقوف الدّور ترى مجوفة من داخلها فشرع أَرْبَابهَا فِي الْهدم حَتَّى أَتَوا على مُعظم تِلْكَ الديار والأرضة ضررها يفحش إِلَى أَن وصلت الدّور الَّتِي بِبَاب النَّصْر. وَقد كثر ضررها أَيْضا بِالْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّة. وَحدثت فِي هَذِه الأعوام بِمَكَّة أَيْضا وَفِي سقف الْكَعْبَة. وَلَقَد مر بِي قَدِيما فِي كتب الْحدثَان مِمَّا أنذر بِوُقُوعِهِ فِي هَذَا الزَّمَان أَن يُسَلط على النَّاس الْحَيَوَان الرَّدِيء فَكنت أفكر فِي ذَلِك زَمَانا وَأَقُول كَيفَ يُسَلط الْحَيَوَان على النَّاس وأحسب ذَلِك من جملَة مَا رمزوه حَتَّى كَانَ من أَمر الأرضة مَا كَانَ فَعلمت أَنَّهَا هِيَ الْحَيَوَان المعني ولعمري هَذَا أَمر لَهُ مَا بعده. وَمَات فِي هَذِه السّنة مِمَّن لَهُ ذكر تَاج الدّين فضل الله بن الرَّمْلِيّ نَاظر الدولة فِي حادي عشْرين صفر وباشر نظر الدولة عدَّة سِنِين وأناف على الثَّمَانِينَ وَسُئِلَ بالوزارة غير مرّة فَامْتنعَ. وَكَانَ من ظلمه الْكتاب الأقباط وفساقهم. وَقتل نَاصِر الدّين عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن صَالح قَاضِي الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة لَيْلَة السبت رَابِع عشْرين صفر.
стр. 2857
وَقتل نَاصِر الدّين مُحَمَّد باك بن عَليّ باك بن قرمان متملك بِلَاد قرمان فِي صفر بِحجر مدفع أَصَابَهُ فِي حَرْب مَعَ عَسَاكِر مُرَاد بن كرشجي متملك برصا. وَقد ذكرنَا قدومه أَسِيرًا فِي الْأَيَّام المؤيدية شيخ ثمَّ أفرج عَنهُ بعد مَوته. وَمَات الْأَمِير قطلوبغا التنمي أحد أُمَرَاء الألوف فِي الْأَيَّام المؤيدية شيخ وَهُوَ بطال بِدِمَشْق. فِي لَيْلَة السبت سَابِع عشْرين ربيع الأول. وَمَاتَتْ خوند زَيْنَب ابْنة الظَّاهِر برقوق فِي لَيْلَة السبت ثامن عشْرين ربيع الآخر وَهِي آخر من بَقِي من أَوْلَاد الظَّاهِر لصلبه. وَمَاتَتْ ابْنَتي فَاطِمَة يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث عشْرين ربيع الأول وَهِي آخر من بَقِي من أَوْلَادِي عَن سبع وَعشْرين سنة وَسِتَّة أشهر. وَمَات الْأَمِير غرس الدّين خَلِيل الجشاري نَائِب الْإسْكَنْدَريَّة - كَانَ - وَهُوَ من حَملَة أُمَرَاء دمشق فِي شهر رَجَب. وَمَات الْأَمِير تنبك ميق العلاي نَائِب الشَّام فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ثامن عشر شعْبَان. وَكَانَ مَعَ ظلمه سخيفاً مَاجِنًا متجاهراً. وَهُوَ من جملَة المماليك الَّذين أثاروا الْفِتَن. وفر من النَّاصِر فرج وَلحق بشيخ المحمودي وَهُوَ بِبِلَاد الشَّام فَلَزِمَهُ حَتَّى تسلطن فرقاه كَمَا تقدم. وَمَات قَاضِي الْقُضَاة ولي الدّين أَبُو زرْعَة أَحْمد بن الشَّيْخ زين الدّين عبد الرَّحِيم بن الْحُسَيْن الْعِرَاقِيّ الشَّافِعِي فِي يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشرينه عَن خمس وَسِتِّينَ سنة. وَقد نَشأ على أجمل طَريقَة وبرع فِي الحَدِيث الشريف وَالْفِقْه وشارك فِي فنون وناب فِي الحكم بِالْقَاهِرَةِ عَن الْعِمَاد أَحْمد بن عِيسَى الكركي وَمن بعده. ثمَّ ترفع عَن ذَلِك وتصدى للإفتاء والتدريس حَتَّى وَفِي الْقَضَاء ثمَّ صرف عَنهُ كَمَا تقدم. وَمَات علم الدّين دَاوُد بن زين عبد الرَّحْمَن بن الكويز الكركي كَاتب السِّرّ فِي يَوْم الِاثْنَيْنِ سلخه وَلم يبلغ الْخمسين سنة. وَدفن خَارج الْقَاهِرَة. وَكَانَ الْجمع فِي جنَازَته موفوراً. وَقد كَانَ أَبوهُ من كتاب الكرك النَّصَارَى يُقَال لَهُ جرجس فأظهر الْإِسْلَام وَتسَمى عبد الرَّحْمَن وباشر عدَّة جِهَات بالكرك ودمشق والقاهرة آخرهَا
стр. 2858
نظر الدولة. وخدم ابْنه دَاوُد هَذَا فِي الجيزة ثمَّ لحق بِالشَّام وباشر نظر جَيش طرابلس. واتصل بالمؤيد شيخ المحمودي - هُوَ وَأَخُوهُ صَلَاح الدّين خَلِيل فولاه نظر الْجَيْش بِدِمَشْق. وَعمل أَخَاهُ صَلَاح الدّين فِي ديوانه فَقبض عَلَيْهِمَا فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وحملا إِلَى الْقَاهِرَة على حِمَارَيْنِ فِي أَسْوَأ حَال. ثمَّ أفرج عَنْهُمَا ففرا إِلَى دمشق. وَمَا زَالا فِي خدمَة شيخ حَتَّى قدم بهما إِلَى مصر وتسلطن فولي دَاوُد هَذَا نظر الْجَيْش ثمَّ ولاه ططر كِتَابَة السِّرّ. وَكَانَت تُؤثر عَنهُ فَضَائِل مِنْهَا أَنه يلازم الصَّلَاة وَصِيَام أَيَّام الْبيض من كل شهر ويتنزه عَن القاذورات الْمُحرمَة كَالْخمرِ واللواط وَالزِّنَا وَيتَصَدَّق كل يَوْم على الْفُقَرَاء إِلَّا أَنه كَانَ متعاظماً صَاحب حجاب وَإِعْجَاب مَعَ بعد عَن جَمِيع الْعُلُوم. وَلكنه فِي الْأَلْفَاظ ذُو شح زَائِد وحفظت عَلَيْهِ أَلْفَاظ تكلم بهَا سخر النَّاس مِنْهَا زَمَانا وهم يتناقلونها وَكَانَ مهاباً إِلَى الْغَايَة مُتَمَكنًا فِي الدولة موثوقاً بِهِ فِيهَا بِحَيْثُ مَاتَ وَلَا أحد أعلا رُتْبَة مِنْهُ. وَمَات قَاضِي الْقُضَاة مجد الدّين سَالم بن سَالم بن أَحْمد الْمَقْدِسِي الْحَنْبَلِيّ يَوْم الْخَمِيس تَاسِع عشْرين ذِي الْقعدَة وَقد بلغ الثَّمَانِينَ وابتلى بالزمانة والعطلة عدَّة سِنِين وَكَانَ يعد من نبهاء الْحَنَابِلَة وخيارهم. وباشر الْقَضَاء.
стр. 2859
(سنة سبع وَعشْرين وَثَمَانمِائَة)
أهلت هَذِه السّنة وسلطان مصر وَالشَّام والحجاز الْملك الْأَشْرَف أَبُو الْعِزّ برسباي والأمير الْكَبِير الأتابك بيبغا المظفري. والدوادار الْكَبِير سودن بن عبد الرَّحْمَن. وأمير سلَاح قجق. وأمير مجْلِس أينال النوروزي. وأمير أخور جقمق. وَرَأس نوبَة أزبك. وحاجب الْحجاب جرباش قاشق. والوزير كريم الدّين عبد الْكَرِيم بن عبد الرَّزَّاق بن مُحَمَّد ابْن كَاتب المناخ. وناظر الْخَاص بدر الدّين حسن بن نصر الله. وَكَاتب السِّرّ جمال الدّين يُوسُف بن الصفي الكركي. وأستادار نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن أبي وَالِي الْقُدسِي. ونائب الشَّام تنبك البجاسي. ونائب حلب شارقطلوا. ونائب حماة جلبان ونائب طرابلس قصروه. ونائب صفد مقبل. ونائب الْإسْكَنْدَريَّة أقبغا التمرازي. وَالسُّلْطَان فِي قلق من جَانِبك الصُّوفِي وَهُوَ حثيث الطّلب لَهُ والفحص عَنهُ. وَالنَّاس فِي تخوف من ذَلِك فَمَا بَين الْوَاحِد وَبَين هَلَاكه إِلَّا أَن يَقُول عَدو لَهُ: جَانِبك الصُّوفِي عِنْد فلَان فَيُؤْخَذ ويعاقب حَتَّى يهْلك. وَمَعَ ذَلِك فَالنَّاس فِي ضيق من الْحجر على السكر والامتناع من بَيْعه إِلَّا للسُّلْطَان بأَرْبعَة آلَاف دِرْهَم القنطار وَلَا يَشْتَرِيهِ أحد إِلَّا من الحوانيت الَّتِي يُبَاع مِنْهَا سكر السُّلْطَان. فِي ثَانِيه: قدم الْأَمِير مقبل نَائِب صفد باستدعاء فَأكْرمه السُّلْطَان وخلع عَلَيْهِ
стр. 2860
خلعة الِاسْتِمْرَار. وَفِي رابعه: ركب السُّلْطَان فِي طَائِفَة يسيرَة وَعبر من بَاب زويلة حَتَّى شَاهد عِمَارَته. وَمضى عَائِدًا إِلَى القلعة من بَاب النَّصْر وَهُوَ بِثِيَاب جُلُوسه كآحاد الأجناد من غير شعار المملكة. وَفِي ثامنه: قدم الْأَمِير قجق والأمير أركماس وَالْقَاضِي زين الدّين عبد الباسط من الْحجاز على الرَّوَاحِل فَخلع عَلَيْهِم. وَقدم مَعَهم الشريف مقبل أَمِير يَنْبع رَاغِبًا فِي الطَّاعَة فَخلع عَلَيْهِ وَفِي رَابِع عشره: توجه الْأَمِير مقبل عَائِدًا إِلَى صفد على عَادَته. وَفِي حادي عشرينه: قدم الركب الأولى من الْحجَّاج. وَقدم من الْغَد الْمحمل بِبَقِيَّة الْحَاج. وَتَأَخر الْأَمِير قرقماس الدوادار فِي يَنْبع وَطلب عسكرًا لِيُقَاتل بِهِ الشريف حسن بن عجلَان ويستقر عوضه فِي إِمَارَة مَكَّة فَأُجِيب إِلَى! ذَلِك. وَنُودِيَ فِي الأجناد البطالين بِالْعرضِ كَمَا تقدم. وَعين مِنْهُم وَمن المماليك السُّلْطَانِيَّة جمَاعَة ليسافروا صُحْبَة حُسَيْن الْكرْدِي الكاشف. وَفِي ثَالِث عشرينه: خلع على الْأَمِير سودن بن عبد الرَّحْمَن الدوادار وَاسْتقر نَائِب الشَّام عوضا عَن تنبك البجاسي وَنزل من القلعة سائراً إِلَى دمشق من غير أَن يدْخل دَاره فِي عدَّة وَفِي سادس عشرينه: قدمت رسل مُرَاد بن عُثْمَان صَاحب برصا بهدية. وَفِيه خلع على الشريف عَليّ بن عنان بن مغامس وَاسْتقر فِي إِمَارَة مَكَّة شَرِيكا للأمير قرقماس. وَفِي ثامن عشرينه: خلع على الشَّيْخ شهَاب الدّين أبي الْفضل أَحْمد بن عَليّ بن حجر مفتي دَار الْعدْل وَاسْتقر فِي قَضَاء الْقُضَاة بديار مصر عوضا عَن قَاضِي الْقُضَاة علم الدّين صَالح بن البُلْقِينِيّ. وَفِي هَذَا الشَّهْر: كثرت الأمطار بِالْقَاهِرَةِ وَالْوَجْه البحري كَثْرَة زَائِدَة. وَاشْتَدَّ الْبرد إِلَى غَايَة لم نعهد مثلهَا حَتَّى جمد المَاء فِي بعض الْأَوَانِي وتجلد الطل فِي الأسحار على
стр. 2861
الأَرْض وعَلى الزروع. وَهَلَكت دَوَاب كَثِيرَة بالأرياف من الْبرد وَسَقَطت دور كَثِيرَة بهَا من الأمطار ورؤى الثَّلج على جبل المقطم. شهر صفر أَوله الثُّلَاثَاء: فِي عاشره: قدم شمس الدّين مُحَمَّد الْهَرَوِيّ من الْقُدس متعرضاً بعودة إِلَى الْقَضَاء وَغير ذَلِك من المناصب. وَفِي رَابِع عشره: قدم الْخَبَر بِخُرُوج تنبك البجاسي عَن الطَّاعَة ومحاربته أُمَرَاء دمشق. وَسبب ذَلِك أَنه لما ولي سودن بن عبد الرَّحْمَن نِيَابَة الشَّام تقدّمت الملطفات السُّلْطَانِيَّة إِلَى أُمَرَاء دمشق بِالْقَبْضِ على تنبك البجاسي فَأتوا دَار السَّعَادَة فِي لَيْلَة الجعة رابعه واستدعوه ليقْرَأ عَلَيْهِ كتاب السُّلْطَان فارتاب من ذَلِك وَخرج من بَاب السِّرّ وَقد لبس السِّلَاح فِي جمع من مماليكه. فثار إِلَيْهِ الْأُمَرَاء واقتتلوا مَعَه حَتَّى مضى صدر نَهَار الْجُمُعَة فَانْهَزَمُوا مِنْهُ وتحصن طَائِفَة مِنْهُم بالقلعة وَمضى آخَرُونَ إِلَى سودن بن عبد الرَّحْمَن وَقد نزل على صفد. وَفِي تَاسِع عشره: خلع على نور الدّين السفطي - أحد مباشري دواوين الْأُمَرَاء - وَاسْتقر فِي وكَالَة بَيت المَال بعد موت شرف الدّين يَعْقُوب بن الْجلَال التباني. وَفِي ثَانِي عشرينه: نُودي بِأَن يُمكن النَّاس من طبخ السكر وَبيعه وشرائه وارتفع تحريكه وتضمين بَيْعه فسر النَّاس بذلك. وَقدم الْخَبَر بِأَن الْأَمِير سودن بن عبد الرَّحْمَن لما نزل على صفد تَلقاهُ الْأَمِير مقبل نائبها وَنزل مَعَه على جسر يَعْقُوب. خرج تنبك البجاسي من دمشق بَعْدَمَا تقدم ذكره من محاربة الْأُمَرَاء حَتَّى نزل على الجسر فِي يَوْم الْجُمُعَة حادي عشره وَقد قطع سودن بن عبد الرَّحْمَن الجسر فَبَاتُوا يتحارسون وَأَصْبحُوا يَوْم السبت ثَانِي عشره يترامون نهارهم كُله حَتَّى حجز اللَّيْل بَينهم فَبَاتُوا لَيْلَة الْأَحَد على تعبيتهم. وَأصْبح تنبك يَوْم الْأَحَد ثَالِث عشره راحلاً إِلَى جِهَة الصبيبة فِي انْتِظَار ابْن بِشَارَة أَن يَأْتِيهِ تَقْوِيَة لَهُ فَكتب سودن بذلك إِلَى السُّلْطَان وَركب بِمن مَعَه على جرائد الْخَيل وَترك الأثقال فِي موَاضعهَا مَعَ نَائِب الْقُدس. وسَاق حَتَّى دخل دمشق فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء سادس عشره فَتمكن من القلعة. فللحال أدركهم تنبك وَقد بلغه مَسِيرهمْ فَلَقوهُ عِنْد بَاب الْجَابِيَة وقاتلوه فَثَبت لَهُم مَعَ كثرتهم وَقَاتلهمْ أَشد قتال وَالرَّمْي ينزل عَلَيْهِ من القلعة فتقنطر عَن فرسه لضربة أَصَابَت كتفه حَتَّى خلته فتكاثروا عَلَيْهِ وجروه إِلَى الْقلع وَمَعَهُ نَحْو عشْرين من أَصْحَابه. وَكتب بذلك للسُّلْطَان فَقدم الْكتاب الأول من
стр. 2862
جسر يَعْقُوب فِي يَوْم الْأَحَد عشرينه فاضطرب النَّاس وَوَقع الشُّرُوع فِي السّفر وأحضرت خُيُول كَثِيرَة من مرابطها بِالربيعِ فَقدم الْخَبَر الثَّانِي بِأخذ تنبك البجاسي بِدِمَشْق فدقت البشائر وَكتب بقتل تنبك وَحمل رَأسه إِلَيّ مصر وتتبع من كَانَ مَعَه. وَبَطلَت حَرَكَة السّفر. وَفِيه ابتدئ بهدم المأذنة الَّتِي أَنْشَأَهَا الْملك الْمُؤَيد شيخ على بَاب الْجَامِع الْأَزْهَر من أجل أَنَّهَا مَالَتْ حَتَّى قرب سُقُوطهَا. وَفِي رَابِع عشرينه: خلع على الشَّيْخ سراج الدّين عمر بن عَليّ بن فَارس الخلاطي الْمَعْرُوف بقارئ الْهِدَايَة. وَاسْتقر فِي مشيخة خانقاه شيخو عوضا عَن شرف الدّين يَعْقُوب بن التباني. وَفِي سَابِع عشرينه: نُودي على جَانِبك الصُّوفِي ووعد من أحضرهُ بِأَلف دِينَار وَإِن كَانَ جندياً بإمرة عشرَة وهدد من أخفاه وَظهر عِنْده بإحراق الحارة الَّتِي هُوَ سَاكن بهَا وَحلف الْمُنَادِي على كل وَاحِدَة مِمَّا ذكر يَمِينا عَن السُّلْطَان. شهر ربيع الأول أَوله الْخَمِيس: فِيهِ خلع على ولي الدّين مُحَمَّد السفلي الشَّافِعِي وَاسْتقر فِي إِفْتَاء دَار الْعدْل لَا عَن أحد وَفِي ثَانِيه: نُودي بِالْخرُوجِ إِلَى حَرْب مَكَّة فاستشنع ذَلِك. وَكَانَ قد بَطل أَمر التجويده إِلَى مَكَّة شغلاً بِخَبَر تنبك البجاسي. فَلَمَّا تفرغ قلب السُّلْطَان اشْتغل بِأَمْر مَكَّة. وَفِي رابعه: أنْفق فِي المجردين مبلغ أَرْبَعِينَ دِينَارا لكل وَاحِد. وَفِي حادي عشره: قدم رَأس تنبك البجاسي وعلق على بَاب النَّصْر. وَفِي يَوْم الْخَمِيس خَامِس عشره: رسم بِفَتْح كَنِيسَة قمامة بالقدس ففتحت. وَفِي سَابِع عشره: ركب السُّلْطَان حَتَّى عبر من بَاب زويلة وَشَاهد عِمَارَته وَمضى من بَاب النَّصْر إِلَى القلعة وَهُوَ بِثِيَاب جُلُوسه من غير شارة الْملك.
стр. 2863
وَفِي ثامن عشره: خرجت التجريدة إِلَى مَكَّة صُحْبَة الشريف عَليّ بن عنان. وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء عشرينه: خلع على شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الدايم الْبرمَاوِيّ وَاسْتقر فِي تدريس الْفِقْه للشَّافِعِيَّة بالجامع المؤيدي وَكَانَ بيد قَاضِي الْقُضَاة شهَاب الدّين أَحْمد بن حجر. وَفِي سَابِع عشرينه: خلع على الْأَمِير أزبك رَأس نوبَة وَاسْتقر دواداراً كَبِيرا عوضا عَن. الْأَمِير سودن من عبد الرَّحْمَن نَائِب الشَّام وَكَانَت شاغرة هَذِه الْمدَّة. وخلع على الْأَمِير تغري بردي المحمودي وَاسْتقر رَأس نوبَة عوضا عَن الْأَمِير أزبك.
стр. 2864
شهر ربيع الآخر أَوله الْجُمُعَة: فِي ثَانِيه: خلع على قَاضِي الْقُضَاة شهَاب الدّين أَحْمد بن حجر وأعيد إِلَى تدريس الْجَامِع المؤيدي. وخلع على الْبرمَاوِيّ وَاسْتقر نَائِبا عَن حفيد قَاضِي الْقُضَاة ولي الدّين أبي زرْعَة بن الْعِرَاقِيّ فِيمَا باسمه من وظائف جده حَتَّى يتأهل لمباشرتها. وَفِي تاسعه: خلع على قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين مُحَمَّد الْهَرَوِيّ وَاسْتقر فِي كِتَابَة السِّرّ عوضا عَن الْجمال يُوسُف بن الصفي. وَنزل فِي موكب جليل وَمَعَهُ عدَّة من الْأُمَرَاء والأعيان. وَفِي هَذَا الشَّهْر: تحرّك سعر الغلال وأبيع الْقَمْح بِمِائَتي دِرْهَم الأردب بعد مائَة وَأَرْبَعين. وَقل وجوده. وَفِي سَابِع عشره: ختن السُّلْطَان وَلَده الْأَمِير نَاصِر الدّين مُحَمَّد وَعمل لختانه مهما حَضَره الْأُمَرَاء ثمَّ خلع عَلَيْهِم وأركبهم خيولاً بقماش ذهب وَمَا مِنْهُم إِلَّا من نقط عِنْد الْخِتَان بمبلغ ذهب فَجمع النقوط وَصرف للمزين مِنْهُ مائَة دِينَار وَحمل الْبَقِيَّة إِلَى الخزانة. وَفِي هَذِه الْأَيَّام: عثر بعض النَّاس بِجَمَاعَة قد خزنوا من رمم بني أَدَم شَيْئا كثيرا فحملوا إِلَى الْوَالِي فَمَا زَالَ بهم حَتَّى أقرُّوا أَنهم ينبشون الْأَمْوَات من قُبُورهم ثمَّ يغلون الْمَيِّت فِي المَاء بِنَار شَدِيدَة حَتَّى ينهري لَحْمه ويجمعون مَا يَعْلُو المَاء من الدّهن ثمَّ يبيعونه للفرنج بِخَمْسَة وَعشْرين دِينَار القنطار فحبسوا وَنسي خبرهم بعد مَا شَاهد النَّاس رمم الْمَوْتَى عِنْدهم والأواني الَّتِي بهَا الدّهن وحملت إِلَى السُّلْطَان حَتَّى رَآهَا وشق بهَا الْقَاهِرَة. وَفِي خَامِس عشرينه: حضر السُّلْطَان نَفَقَة جامكية المماليك وَقطع عدَّة مِمَّن لَهُ إقطاع بالحلقة. شهر جُمَادَى الأول أَوله السبت: فِي ثالثه: خلع على زين الدّين عبد الرَّحِيم الْحَمَوِيّ الْوَاعِظ وَاسْتقر خَطِيبًا بالجامع الأشرفي. وَفِي رابعه: نُودي من نزل عَن وَظِيفَة تصوف بخانكاة أَو غير تصوف ضرب بالمقارع. وَسبب ذَلِك أَن جمَاعَة مِمَّن لَهُ تصوف بخانكاة سعيد السُّعَدَاء وخانكاة
стр. 2865
بيبرس والظاهرية المستجدة بَين القصرين وبخانكاة شيخو وبالجامع المؤيدي أخذُوا فِي النُّزُول عَمَّا باسمهم من التصوف بِمَال حَتَّى يتشفعوا بِمن لَهُ جاه ويستقروا فِي عمَارَة السُّلْطَان من جملَة صوفيتها كَمَا فعل جمَاعَة عِنْد مَا أنشأ الْملك الْمُؤَيد شيخ الْجَامِع بجوار بَاب زويلة وَجعل فِيهِ صوفية فوشى بذلك للسُّلْطَان وَفِي يَوْم الْجُمُعَة سابعه: أُقِيمَت الْخطْبَة بالجامع الأشرفي وَلم يكمل مِنْهُ سوى الإيوان القبلي. وَفِي خَامِس عشره: قدم قَاضِي الْقُضَاة نجم الدّين عمر بن حجي من دمشقي وَقد طب الْحُضُور. وَفِي ثامن عشره: خلع على الْأَمِير نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن الْعَطَّار الْحَمَوِيّ الَّذِي كَانَ نَائِب الْإسْكَنْدَريَّة وَاسْتقر نَاظر الْقُدس والخليل ﵇ عوضا عَن الْأَمِير حسام الدّين حسن نَائِب الْقُدس. وَفِي هَذَا الشَّهْر: صودر أَعْيَان دمشق وَهِي ثَالِث مصادرة. وَفِي تَاسِع عشرينه: قبض على الْأَمِير نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن أبي وَالِي أستادار وعَلى نَاظر الدِّيوَان الْمُفْرد كريم الدّين عبد الْكَرِيم بن سعد الدّين بركَة الْمَعْرُوف بِابْن كَاتب حكم وعوقاً بالقلعة. شهر جُمَادَى الْآخِرَة أَوله الْأَحَد: فِي ثَانِيه: خلع على الْأَمِير صَلَاح الدّين مُحَمَّد بن الصاحب بدر الدّين حسن بن نصر الله وأعيد أستاداراً عوضا عَن ابْن أبي وَالِي وأضيف إِلَيْهِ كشف الْوَجْه البحري فَنزل فِي موكب جليل وَمَعَهُ أَكثر الْأُمَرَاء الأكابر وَعَامة الْأَعْيَان. وَفِيه قدم الْخَبَر بوصول الشريف عَليّ بن عنان إِلَى يَنْبع بِمن مَعَه من المماليك المجردين. وَتوجه الْأَمِير قرقماس مَعَه إِلَى مَكَّة فَدَخَلُوهَا يَوْم الْخَمِيس سادس جُمَادَى الأولى بِغَيْر حَرْب. وَأَن الشريف حسن بن عجلَان سَار إِلَى حلي بنى يَعْقُوب من بِلَاد الْيمن. وَأَن الوباء. بِمَكَّة ابْتَدَأَ من نصف ذِي الْحجَّة وَاسْتمرّ إِلَى آخر شهر ربيع الآخر فَمَاتَ بهَا نَحْو ثَلَاثَة آلَاف نفس. وَأَنه كَانَ يَمُوت فِي الْيَوْم خَمْسُونَ إنْسَانا عدَّة أَيَّام وَأَن الوباء تناقص من أَوَائِل جُمَادَى الأولى. وَأَنه جَاءَ فِي ثَالِث جُمَادَى الأولى سيل عَظِيم حَتَّى صَار الْمَسْجِد الْحَرَام بحراً وَوصل المَاء إِلَى قريب من الْحجر الْأسود وَصَارَ
стр. 2866
فِي الْمَسْجِد أوساخ وخرق كَثِيرَة جَاءَ بهَا السَّيْل وَأَن الْخطْبَة أُعِيدَت بِمَكَّة لصَاحب الْيمن فِي سَابِع جُمَادَى الأولى بعد مَا ترك اسْمه وَالدُّعَاء لَهُ من أَيَّام الْمَوْسِم. وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء رابعه: جمع الْقُضَاة وَأهل الْعلم وَقد رسم بِأخذ زكوات أَمْوَال النَّاس للسُّلْطَان فاتفقوا على أَنه لَيْسَ لَهُ أَخذهَا فِي هَذَا الزَّمَان فَإِن النُّقُود من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالنَّاس مأمونون فِيهَا على إِخْرَاج زَكَاتهَا. وَأما الْعرُوض من القماش وَنَحْوه مِمَّا هُوَ بأيدي التُّجَّار فَإِن المكوس أخذت مِنْهُم فِي الأَصْل على أَنَّهَا زَكَاة ثمَّ تضاعفت المكوس الْمَأْخُوذَة مِنْهُم حَتَّى جرى فِيهَا مَا جرى. وَأما الْبَهَائِم من الْإِبِل وَالْغنم فَإِن أَرض مصر لَا ترعى فِيهَا سائماً وَإِنَّمَا هِيَ تعلف بِالْمَالِ فَلَا زَكَاة فِيهَا. وَأما الخضروات والزروع فَإِن الفلاحين فِي حَال من المغارم وَفِي ثَانِي عشره: خلع على الْوَزير الصاحب كريم الدّين عبد الْكَرِيم ابْن كَاتب المناخ وأضيف إِلَيْهِ نظر الدِّيوَان الْمُفْرد رَفِيقًا للأمير صَلَاح الدّين أستادار عوضا عَن كريم الدّين عبد الْكَرِيم ابْن كَاتب جكم وَاسْتقر ابْن كَاتب جكم على مَا بِيَدِهِ من أستادار ابْن السُّلْطَان. وَفِي تَاسِع عشره: توجه قَاضِي الْقُضَاة شهَاب الدّين أَحْمد بن الكشك عَائِدًا إِلَى دمشق على قَضَاء الْحَنَفِيَّة بهَا بعد مَا أَخذ مِنْهُ نَحْو عشرَة آلَاف دِينَار. وَفِيه قدم الشريف شهَاب الدّين أَحْمد بن عَلَاء الدّين عَليّ بن برهَان الدّين إِبْرَاهِيم نقيب الْأَشْرَاف بِدِمَشْق وَقد طلب الْحُضُور. وَفِيه اتّفقت نادرة وَهِي أَن زَوْجَة السُّلْطَان لما مَاتَت عمل لَهَا ختم عِنْد قبرها فِي الْجَامِع الأشرفي وَنزل ابْنهَا الْأَمِير نَاصِر الدّين مُحَمَّد من القلعة لحضور الْخَتْم وَقد ركب فِي خدمته الْملك الصَّالح مُحَمَّد بن ططر فشق الْقَاهِرَة من بَاب زويلة وَهُوَ فِي خدمَة ابْن السُّلْطَان بعد مَا كَانَ فِي الأمس سُلْطَانا. وَصَارَ جَالِسا بجانبه فِي ذَلِك الْجَامِع وَقَائِمًا فِي خدمته إِذا قَامَ فَكَانَ فِي ذَلِك موعظة لمن اتعظ. وَفِي يَوْم السبت الْمُبَارك حادي عشرينه: خلع على قَاضِي الْقُضَاة نجم الدّين عمر ابْن حجي وَاسْتقر كَاتب السِّرّ عوضا عَن شمس الدّين مُحَمَّد الْهَرَوِيّ. وَنزل على فرس بسرج ذهب وكنبوش زركش فِي موكب جليل إِلَى الْغَايَة فَكَانَ يَوْمًا مشهوداً. وَقد ظهر نقص الْهَرَوِيّ وعجزه فَإِنَّهُ بَاشر بتعاظم زَائِد مَعَ طمع شَدِيد وَجَهل. مِمَّا وسد إِلَيْهِ حَيْثُ كَانَ لَا يحسن قِرَاءَة الْقَصَص وَلَا الْكتب الْوَارِدَة فَتَوَلّى قِرَاءَة ذَلِك بدر الدّين
стр. 2867
مُحَمَّد بن مزهر نَائِب كَاتب السِّرّ وَصَارَ يحضر الْخدمَة وَيقف على قَدَمَيْهِ وَابْن مزهر هُوَ الَّذِي يتَوَلَّى الْقِرَاءَة على السُّلْطَان. وَفِي رَابِع عشرينه: ابتدئ بهدم ربع الحلزون تجاه قبو الخرنفش. وَكَانَ وَقفا على فكاك الأسرى بِبِلَاد الفرنج وعَلى الْحَرَمَيْنِ. وَقد خلق من قدم السنين فعوض بدله مسمط تجاه مصبغة الْأَزْرَق وَصَارَ من حَملَة الْأَمْلَاك السُّلْطَانِيَّة. وَفِي سلخه: خلع على الشريف شهَاب الدّين أَحْمد نقيب الْأَشْرَاف بِدِمَشْق وَاسْتقر قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق عوضا عَن القَاضِي نجم الدّين عمر بن حجي كَاتب السِّرّ على مَال كَبِير. شهر رَجَب أَوله الِاثْنَيْنِ: فِي رابعه: خلع على شخص قدم من بِلَاد الرّوم عَن قرب يُقَال لَهُ عَلَاء الدّين عَليّ وَاسْتقر فِي مشيخة التصوف وتدريس الْفِقْه على مَذْهَب الْحَنَفِيَّة بالجامع الأشرفي. وَقدم الْخَيْر بِأخذ الفرنج مركبين قَرِيبا من دمياط فِيهَا بضائع كَثِيرَة وعدة أنَاس يزِيدُونَ على مائَة رجل فَكتب بإيقاع الحوطة على أَمْوَال التُّجَّار الَّتِي بِبِلَاد الشَّام والإسكندرية ودمياط وَفِي عشرينه: توجه قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين مُحَمَّد الديري - شيخ المؤيدية لزيارة الْقُدس. وَفِي يَوْم الْأَحَد حادي عشرينه: نزل السُّلْطَان إِلَى الْجَامِع الَّذِي أنشأه وَجلسَ بِهِ قَلِيلا. ثمَّ ركب عَائِدًا إِلَى القلعة. وَفِيه قدم الشَّيْخ شمس الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْجَزرِي الدِّمَشْقِي وَقد غَابَ عَن
стр. 2868
مصر وَالشَّام نَحوا من ثَلَاثِينَ سنة فَإِنَّهُ فر من ضائقة نزلت بِهِ إِلَى مَدِينَة برصا فَأكْرمه أَبُو يزِيد بن عُثْمَان ونوه بِهِ حَتَّى حاربه تيمورلنك وأسره فتحول ابْن الْجَزرِي من بِلَاد الرّوم إِلَى سَمَرْقَنْد فِي خدمَة تيمور وَأقَام ببلادهم حَتَّى قدم فِي هَذِه الْأَيَّام. وَفِي رَابِع عشرينه: نُودي على النّيل وَقد جَاءَت الْقَاعِدَة سِتَّة أَذْرع وَعشْرين إصبعاً. شهر شعْبَان أَوله الْأَرْبَعَاء: فِيهِ تتبعت البغايا وألزمن بالزواج وَأَن لَا يُزَاد فِي مهورهن على أَرْبَعمِائَة دِرْهَم من الْفُلُوس تعجل مِنْهَا مِائَتَان وتؤجل مِائَتَان. وَنُودِيَ بذلك فَلم يتم مِنْهُ شَيْء. وَفِيه ابتدئ بِقِرَاءَة صَحِيح البُخَارِيّ بَين يَدي السُّلْطَان وحضرة الْقُضَاة ومشايخ الْعلم والهروي وَابْن الْجَزرِي وَكَاتب السِّرّ نجم الدّين بن حجي ونائبه بدر الدّين مُحَمَّد بن مزهر وزين الدّين عبد الباسط نَاظر الْجَيْش وَالْفُقَهَاء الَّذين رتبهم الْمُؤَيد. فاستجد فِي هَذِه السّنة حُضُور كَاتب السِّرّ ونائبه وَحُضُور نَاظر الْجَيْش. وَكَانَت الْعَادة من أَيَّام الْأَشْرَف شعْبَان بن حُسَيْن أَن يبْدَأ بِقِرَاءَة البُخَارِيّ أول يَوْم من شهر رَمَضَان ويحضر قَاضِي الْقُضَاة الشَّافِعِي وَالشَّيْخ سراج الدّين عمر البُلْقِينِيّ وَطَائِفَة قَليلَة الْعدَد لسَمَاع الحَدِيث فَقَط. وَيخْتم فِي سَابِع عشرينه ويخلع على قَاضِي الْقُضَاة ويركب بغلة رائعة بزناري تخرج لَهُ من الاصطبل السلطاني وَلم يزل الْأَمر على هَذَا حَتَّى لسلطن الْمُؤَيد شيخ فابتدأ الْقِرَاءَة من أول شهر شعْبَان إِلَى سَابِع عشْرين شهر رَمَضَان. وَطلب قُضَاة الْقُضَاة الْأَرْبَع ومشايخ الْعلم وَقرر عدَّة من الطّلبَة يحْضرُون أَيْضا فَكَانَت تقع بَينهم بحوث يسيء بَعضهم على بعض فِيهَا إساءات مُنكرَة فَجرى السُّلْطَان الْأَشْرَف برسباي على هَذَا واستجد كَمَا ذكرنَا حُضُور المباشرين وَكثر الْجمع. وَصَارَ الْمجْلس جَمِيعه صياحاً ومخاصمات يسخر مِنْهَا الْأُمَرَاء وأتباعهم. وَفِي هَذَا الشَّهْر: كثر الوباء بدمياط فَمَاتَ عدد كثير. شهر رَمَضَان أَوله الْخَمِيس: وَفِي رابعه: أخرج الْأَمِير أرغون شاه أستادار والأمير نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن أبي وافي من الْقَاهِرَة إِلَى دمشق بطالين. وَفِي تاسعه: سَار غائبان من سَاحل بولاق خَارج الْقَاهِرَة وَقد قدما مُنْذُ أَيَّام أَحدهمَا من الْإسْكَنْدَريَّة وَالْآخر من دمياط وأشحنا بالمقاتلة والأسلحة. وَأنزل فيهمَا ثَمَانُون مَمْلُوكا وَأمرُوا أَن يشيروا فِي بَحر الْملح من جِهَة طرابلس ويأخذوا من سواحل الشَّام عدَّة أغربة عَسى أَن يَجدوا من يتجرم فِي الْبَحْر من الفرنج.
стр. 2869
وَفِي يَوْم الْجُمُعَة سادس عشره: نُودي على النّيل بِزِيَادَة إِصْبَعَيْنِ لتتمة خَمْسَة عشر ذِرَاعا وَأَرْبَعَة عشر لإصبعاً ثن نقص من آخر النَّهَار نَحْو أَرْبَعَة أَصَابِع فَأصْبح النَّاس فِي قلق وطلبوا الْقَمْح لِيَشْتَرُوهُ فَأمْسك من عِنْده شَيْء مِنْهُ يَده عَن البيع وضن بِهِ فَاشْتَدَّ طلبه إِلَّا أَن الله فرج وَزَاد فِي آخر يَوْم الْأَحَد. وَنُودِيَ عَلَيْهِ يَوْم الِاثْنَيْنِ تَاسِع عشره برد مَا نقص وَزِيَادَة إِصْبَع. واستمرت الزِّيَادَة حَتَّى كَانَ الْوَفَاء فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء الْمُبَارك حادي عشرينه وَهُوَ ثَالِث عشر من مسرى فَفتح الخليج على الْعَادة. وَفِي هَذَا الشَّهْر: سَار مقَاتل فِي بَحر القلزم إِلَى مَكَّة المشرفة. شهر شَوَّال أَوله السبت: فِي رابعه: ابتدئ بِحَفر صهريج بوسط الْجَامِع الْأَزْهَر فَوجدت فِيهِ أثار فسقية قديمَة فَلَمَّا أزيلت وجد - بعد مَا حفر - عدَّة أموات. وَفِيه قدم الْخَيْر بِأَن أَبَا فَارس عبد الْعَزِيز بن أبي الْعَبَّاس أَحْمد - صَاحب تونس وبلاد إفريقية - جهز ابْنه الْمُعْتَمد أَبَا عبد الله مُحَمَّدًا من بجاية فِي عَسْكَر إِلَى مَدِينَة تلمسان فحارب ملكهَا أَبَا عبد الله عبد الْوَاحِد بن أبي مُحَمَّد عبد الله بن أبي حمو مُوسَى حروباً كَثِيرَة حَتَّى ملكهَا فِي جُمَادَى الْآخِرَة وخطب لنَفسِهِ ولأبيه فَزَالَتْ دولة بني عبد الواد من تلمسان بعد مَا ملكت مائَة وَثَمَانِينَ سنة. وانتهت زِيَادَة النّيل إِلَى سَبْعَة عشر ذِرَاعا واثني عشر إصبعاً. ووقفت الزِّيَادَة خامسه وَنقص إِلَى يَوْم الْأَحَد تاسعه زَاد إِلَى يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَانِي عشره فَبلغ سَبْعَة عشر إصبعاً من ثَمَانِيَة عشر إصبعاً من ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا. وَنقص فِي يَوْم الْخَمِيس ثَالِث عشره وَكَانَ قد تَأَخّر فتح سد بَحر أبي المنجا عَن عَادَته هُوَ وَغَيره مِمَّا يفتح فِي يَوْم النوروز لتأخر وَفَاء النّيل. فَلَمَّا فتحت نقص المَاء وقلق النَّاس من ذَلِك وطلبوا الْقَمْح لِيَشْتَرُوهُ فَزَاد سعر الأردب عشرَة دَرَاهِم. وَفِي خَامِس عشره: ابتدئ بهدم الرّبع الْمَعْرُوف بوقف الشهباني تجاه الْجَامِع الأشرفي بِرَأْس الخراطين. وَقد استبدل بِهِ لتشعث بنائِهِ وَخَوف سُقُوطه. وَفِي عشرينه: خرج محمل الْحَاج إِلَى جِهَة بركَة الْحجَّاج صُحْبَة الْأَمِير قرا سنقر
стр. 2870
كاشف الجيزة. ورحل الركب الأول فِي ثَانِي عشرينه وَتَبعهُ الْمحمل بِبَقِيَّة الْحجَّاج فِي ثَالِث عشرينه. وَفِي يَوْم السبت تَاسِع عشرينه: حضر الْأُمَرَاء الْخدمَة السُّلْطَانِيَّة على الْعَادة ونزلوا إِلَى دُورهمْ فاستدعى السُّلْطَان جمَاعَة مِنْهُم لطعام عمله مِنْهُم الْأَمِير الْكَبِير بيبغا المظفري فَلَمَّا صَار بالقلعة قبض عَلَيْهِ وَقيد وَأنزل فِي النّيل حَتَّى سجن بالإسكندرية. وَقد كَانَت الإشاعة مُنْذُ أَيَّام بتنكر مَا بَينه وَبَين السُّلْطَان وَأَنه صَار لَهُ حزب. وَفِي هَذَا الشَّهْر: كَانَ أَوَان جذاذ النّخل فَلم يُثمر كَبِير شَيْء وأمحل النّخل أَيْضا بِبِلَاد الصَّعِيد حَتَّى عز وجود التَّمْر هُنَاكَ. وَتلف الموز فِي هَذِه السّنة بدمياط وَقل وجوده بأسواق الْقَاهِرَة أَو فقد. شهر ذِي الْقعدَة أَوله الِاثْنَيْنِ: فِي رابعه: خلع الْأَمِير قجق أَمِير سلَاح. وَاسْتقر أَمِيرا كَبِيرا عوضا عَن بيبغا المظفري. وخلع على الْأَمِير إينال النوروزي أَمِير مجْلِس وَاسْتقر أَمِير سلَاح عوضا عَن قجق. وأنعم بإقطاع بيبغا المظفري - ومتحصله فِي السّنة مبلغ سِتِّينَ ألف دِينَار - على تغري برمش نَائِب القلعة وعَلى أينال الجكمي وَهُوَ بطال بالقدس وَكتب بإحضاره. وتغري برمش هَذَا من جملَة تركمان بهسني اسْمه حُسَيْن خدم بحلب فِي الْأَيَّام الظَّاهِرِيَّة برقوق بِبَاب نائبها الْأَمِير تغري برمش. وتنقل فِي الخدم حَتَّى صَار فِي الْأَيَّام المؤيدية شيخ دوادار الْأَمِير جقمق الدوادار. فَلَمَّا تسلطن الْملك الْأَشْرَف برسباي اخْتصَّ بِهِ وَجعله من جملَة الْأُمَرَاء. وَفِي يَوْم الِاثْنَيْنِ ثامنه: خلع على شمس الدّين مُحَمَّد الْهَرَوِيّ وَاسْتقر قَاضِي الْقُضَاة عوضا عَن الشَّيْخ الْحَافِظ شهَاب الدّين أَحْمد بن حجر فَغير زيه. وَهَذِه الْمرة الرَّابِعَة فِي تَغْيِير زيه فَإِنَّهُ كَانَ أَولا يتزيا بزِي الْعَجم فيلبس عِمَامَة عوجاء بعذبة عَن يسَاره. فَلَمَّا ولي قَضَاء الْقُضَاة لبس الْجُبَّة وَجعل الْعِمَامَة كَبِيرَة وأرخى العذبة من بَين كَتفيهِ. فَلَمَّا ولي كِتَابَة السِّرّ تزيا بزِي الْكتاب وَترك زِيّ الْقُضَاة فضيق كمه وَجعل عمَامَته صَغِيرَة مُدَوَّرَة ذَات أضلاع وَترك العذبة وَصَارَ على عُنُقه طوق وَلبس الذَّهَب الْحَرِير وَلم يخْش الله وَلَا استخفى من النَّاس. فَلَمَّا أُعِيد إِلَى الْقَضَاء ثَانِيًا خلع زِيّ الْكتاب وتزيا - بزِي الْقُضَاة وَكَانَ ضخماً بطيناً ألحي فَأشبه فِي حالاته هَذِه الصفاعتة من المخايلين الَّذين يَضْحَكُونَ أهل المجانة والهزو وماذا بِمصْر من المضحكات ﴿﴾ .
стр. 2871
وَفِي يَوْم الِاثْنَيْنِ: قدم الْأَمِير أينال الجكمي من الْقُدس فَخلع عَلَيْهِ وَاسْتقر أَمِير مجْلِس عوضا عَن أينال النوروزي. وَهَذَا الجكمي من جملَة مماليك الْأَمِير جكم وانتقل إِلَى الْأَمِير سودن بقجة. ثمَّ صَار إِلَى الْأَمِير شيخ المحمودي. فَلَمَّا تسلطن عمله من جملَة المماليك الخاصكية. ثمَّ غضب عَلَيْهِ ونفاه ثمَّ أَعَادَهُ من النَّفْي لبراءته مِمَّا رمى بِهِ فرقاه ططر حَتَّى صَار من الْأُمَرَاء المقدمين. ثمَّ قبض عَلَيْهِ وَنفي حَتَّى أَعَادَهُ السُّلْطَان فِي يَوْم تَارِيخه إِلَى الإمرة. وَفِي يَوْم السبت عشرينه: وصل الغرابان بالأسرى وَالْغنيمَة. وَذَلِكَ أَنَّهُمَا لما مرا بدمياط تبعهما قوم من المطوعة فِي سلورة حَتَّى مروا بطرابلس سَار مَعَهم غربان إِلَيّ الماغوصة فأضافهم متملكها فَلم يتَعَرَّضُوا لبلاده ومضوا عَنهُ إِلَى بِلَاد يُقَال لَهَا اللمسون من جَزِيرَة قبرس وَقد استعد أَهلهَا وأبعدوا عِيَالهمْ وَخَرجُوا فِي سبعين فَارِسًا وثلاثمائة راجل فَقَاتلهُمْ الْمُسلمُونَ وهزموهم وَقتلُوا مِنْهُم فَارِسًا وَاحِدًا وعدة رجال وحرقوا ثَلَاثَة أغربة وغرقوا ثَلَاثَة أغربة وعاثوا فِيمَا وجدوه من ظروف الْعَسَل وَالسمن وَغير ذَلِك. وأسروا ثَلَاثَة وَعشْرين رجلا وغنموا جوخاً كثيرا رفع للسُّلْطَان مِنْهُ مائَة وَثَلَاث قطع طرحت على التُّجَّار وَلم يُعْط المجاهدون مِنْهَا شَيْئا. وَفِي تَاسِع عشرينه: نُودي بِخُرُوج أهل الرِّيف من الْقَاهِرَة ومصر إِلَى بِلَادهمْ فَلم عمل بذلك. وَفِي هَذَا الشَّهْر: هَبَط مَاء النّيل وشرق أَكثر النواحي بالصعيد وَالْوَجْه البحري. وَمَعَ ذَلِك فالأسعار رخيصة الْقَمْح بِمِائَة وَثَمَانِينَ درهما الأردب وَالشعِير بِخَمْسَة وَثَمَانِينَ الأردب والفول بِثَمَانِينَ درهما الأردب. وَفِيه كثرت الْفِتَن وتعددت بِالْوَجْهِ القبلي والبحري. وَفِيه فتحت كَنِيسَة قمامة بالقدس وَكَانَ قد تَأَخّر فتحهَا بعد مَا رسم بِهِ. فِي يَوْم النَّحْر رمى بعض المماليك من أعلا الطباق بِالْحِجَارَةِ وَالسُّلْطَان يذبح الْأَضَاحِي والمماليك تنهب لحومها بِخِلَاف الْعَادة فأصيب بعض الْأُمَرَاء بِحجر. وَدخل السُّلْطَان دَاخل الدّور وَكثر الْكَلَام. وَسبب ذَلِك أَنه لم يفرق الْأَضَاحِي فِي
стр. 2872
المماليك وَأعْطى كل وَاحِد مِنْهُم دِينَارا فَلم يرضهم هَذَا وَلم يكن مِنْهُم سوى مَا ذكر. وَسكن أَمرهم. وَفِي ثَالِث عشره: قبض على الْأَمِير كمشبغا الفيسي أحد أُمَرَاء النَّاصِر فرج. وَفِي ثامن عشره: خلع على سعد الدّين سعد ابْن قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين مُحَمَّد الديري وَاسْتقر فِي مشيخة الْجَامِع المؤيدي بعد موت أَبِيه بالقدس. وَمَات فِي هَذِه السّنة مِمَّن لَهُ ذكر شرف الدّين يَعْقُوب بن الْجلَال رَسُولا بن أَحْمد بن يُوسُف التباني الْحَنَفِيّ فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء سادس عشر صفر. وَكَانَ يعرف الْفِقْه والعربية وَله همة وَمَكَارِم ووصلة كَبِيرَة بالأمراء واختص بالمؤيد شيخ اختصاصاً كَبِيرا. وَأفْتى ودرس وَولي نظر الْكسْوَة ووكالة بَيت المَال ومشيخة خانكاة شيخو. وَقتل بِدِمَشْق الْأَمِير تنبك البجاسي فِي أول ربيع الأول وَهُوَ أحد المماليك الَّذين مروا من النَّاصِر فرج وَلحق بشيخ المحمودي فرقاه فِي سلطته وَولي نِيَابَة حماة وحلب ودمشق وشكرت سيرته لتنزهه عَن قاذورات الْمعاصِي كَالْخمرِ وَالزِّنَا مَعَ إِظْهَار الْعدْل وَفعل الْخَيْر. وَمَات الْوَزير الصاحب تَاج الدّين عبد الرازق بن شمس الدّين عبد الله ابْن كَاتب المناخ فِي يَوْم الْجُمُعَة حادي عشْرين جُمَادَى الأول وَهُوَ متعطل وَابْنه كريم الدّين عبد الْكَرِيم يَلِي الوزارة. وباشر جده أَو جد أَبِيه النَّصْرَانِيَّة وترقى فِي الخدم بِالْكِتَابَةِ وأثرى مِنْهَا حَتَّى ولي الوزارة. وَكَانَ سيوسا لينًا ضابطا همه بَطْنه وفرجه. واستجد مكس الْفَاكِهَة بعد إِبْطَاله فَمَا تهني بِهِ وَصرف عَن الوزارة فَكَانَ كَمَا يُقَال حَتَّى وَصلهَا غَيْرِي وحملت عارها. وَمَات الْأَمِير سودن الْأَشْقَر - بِدِمَشْق فِي جُمَادَى الأولى وَهُوَ أحد المماليك الَّذين أنشأهم النَّاصِر فرج. وَكَانَ عَيْبا كُله. لشدَّة بخله وَكَثْرَة فسقه وظلمه. وَتُوفِّي بِمَكَّة قاضيها محب الدّين أَحْمد ابْن قاضيها جمال الدّين مُحَمَّد بن عبد الله بن
стр. 2873
ظهيرة الشَّافِعِي فِي ثامن عشر ربيع الآخر. وَكَانَ مشكوراً فِي عمله وَسيرَته لَهُ معرفَة جَيِّدَة بالفقه والفرائض والحساب ومشاركة فِي غير ذَلِك. وَتُوفِّي خطيب مَكَّة جمال الدّين أَبُو الْفضل ابْن قَاضِي مَكَّة محب الدّين أَحْمد بن قَاضِي مَكَّة أبي الْفضل مُحَمَّد النوبري الشَّافِعِي فِي ربيع الأول. وَتُوفِّي إِمَام مقَام الْمَالِكِيَّة بِمَكَّة شهَاب الدّين أَحْمد بن عَليّ النوبري. فِي ربيع الآخر. وَمَاتَتْ خوند زَوْجَة السُّلْطَان وَأم ابْنه الْأَمِير نَاصِر الدّين مُحَمَّد فِي خَامِس عشر جُمَادَى الْآخِرَة. ودفنت بالقبة من الْجَامِع الأشرفي. وَكَانَ لَهَا تحكم وَتصرف فِي الْأُمُور وَمَات الْملك النَّاصِر أَحْمد بن الْأَشْرَف إِسْمَاعِيل بن الْأَفْضَل عَبَّاس بن الْمُجَاهِد عَليّ بن الْمُؤَيد دَاوُد بن المظفر يحيى بن الْمَنْصُور عمر بن عَليّ بن مُحَمَّد بن رَسُول متملك زبيد وعدن وتعز وجبلة وحرض والمهجم والمحالب والمنصورة والدملوة والجوه والشحر وقوارير من بِلَاد الْيمن فِي سادس عشر
стр. 2874
جُمَادَى الْآخِرَة بصاعقة سَقَطت على حصنة قَوَارِير خَارج مَدِينَة زبيد فارتاع وَأقَام أَيَّام لما بِهِ. وأقيم من بعده فِي مملكة الْيمن ابْنه الْمَنْصُور عبد الله وَكَانَ من شرار مُلُوك الأَرْض فسقاً وظلماً وَطَمَعًا. وَمَات ملك الْمغرب صَاحب فاس السُّلْطَان الْمُنْتَصر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي سَالم إِبْرَاهِيم بن أبي إِسْحَق المريني فِي شهر رَجَب. وأقيم بعده ابْن أَخِيه أَبُو زيد عبد الرَّحْمَن. وَتُوفِّي الشَّيْخ الْملك أَبُو عبد الله الْمَعْرُوف بالعطار فِي ثامن عشْرين الْمحرم بِمَدِينَة النحريرية وَهُوَ آخر من بَقِي من أَصْحَاب الشَّيْخ يُوسُف العجمي. وَتُوفِّي قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين مُحَمَّد بن عبد الله بن سعد الْعَبْسِي الْقُدسِي الديري الْحَنَفِيّ بالقدس. وَقد توجه إِلَيْهِ زَائِرًا فِي يَوْم عرفه. ومولده سنة أَربع وَأَرْبَعين وَسَبْعمائة تخميناً. وَله معرفَة بالفقه وَالْأُصُول وَالتَّفْسِير والعربية وَفِيه شهامة وَقُوَّة. نَشأ بالقدس وَولي قَضَاء الْحَنَفِيَّة بديار مصر فَاشْتَدَّ فِيهِ وأجرى أُمُوره على السداد بِحَسب الْوَقْت. ثمَّ نقل من الْقَضَاء إِلَى مشيخة الْجَامِع المؤيدي ﵀. وَتُوفِّي زاهد الْوَقْت أبي بكر بن عمر بن مُحَمَّد الطريني الْفَقِيه الْمَالِكِي فِي يَوْم النَّحْر بِمَدِينَة الْمحلة. وَكَانَ قد ترك أكل اللَّحْم مُدَّة أَعْوَام تورعاً لما حدث من نهب الْبِلَاد وغارتها وقنع بِمَا يُقيم بِهِ أوده من أَرض يَزْرَعهَا فَكَانَ يقْتَصر فِي قوته وملبسه على مَا لَا يطيقه سواهُ. وَلَو قبل من النَّاس مَا يحبوه بِهِ لكنز قناطير مقنطرة من الذَّهَب وَالْفِضَّة لكنه أعرض عَن زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا ولذاتها حَتَّى لَعَلَّه مَاتَ من قلَّة الْغذَاء مَعَ مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ مَعَ ذَلِك من آثَار جميلَة وأيادي مشكورة وَعلم وَعمل مرضِي رفع الله درجاته فِي عليين.
стр. 2875
وَمَات صَاحب حصن كيفا الْملك الْعَادِل فَخر الدّين أَبُو المفاخر سُلَيْمَان بن الْكَامِل شهَاب الدّين غَازِي بن الْعَادِل مجير الدّين مُحَمَّد بن الْكَامِل سيف الدّين أبي بكر بن شادي. وَقتل مُحَمَّد بن الموحد تَقِيّ الدّين عبد الله بن الْمُعظم غياث الدّين تورانشاه بن السُّلْطَان الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب بن مُحَمَّد الْكَامِل بن أبي بكر الْعَادِل بن نجم الدّين أَيُّوب بن شادي وأقيم بعده ابْنه الْأَشْرَف أَحْمد.
следующие страницы →