Полный текст (3 250 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
على يَد بني مرين. وَبَنُو مرين قَبيلَة من البربر يُقَال لَهُم حمامة كَانَ مقامهم قبلي تازا فَخَرجُوا عَن طَاعَة الْمُوَحِّدين بني عبد الْمُؤمن وتابعوا الغارات حَتَّى ملكوا مَدِينَة فاس سنة بضع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة: وَأول من اشْتهر مِنْهُم أَبُو بكر بن عبد الْحق ابْن محبو بن حمامة وَمَات سنة ثَلَاث وَخمسين. فَملك بعده يَعْقُوب بن عبد الْحق وَقَوي أمره وَحصر مراكش وَبهَا أَبُو دبوس وملكها وأزال ملك بني عبد الْمُؤمن فِي أول وَمَات فِي هَذِه السّنة من الْأَعْيَان قَاضِي الْقُضَاة بِدِمَشْق محيي الدّين أَبُو الْفضل يحيي بن محيي الدّين أبي الْمَعَالِي مُحَمَّد ابْن زكي الدّين أبي الْحسن على بن الْمجد أبي الْمَعَالِي مُحَمَّد بن زكي الدّين أبي الْفضل يحيى بن على بن عبد الْعَزِيز العثماني الْمَعْرُوف بِابْن الزكي الْقرشِي الْأمَوِي الشَّافِعِي عَن اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة بِالْقَاهِرَةِ. وَتُوفِّي الْوَزير الصاحب زين الدّين أَبُو يُوسُف يَعْقُوب بن عبد الرفيع بن بكر بن مَالك الْقرشِي الزبيرِي عَن اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سنة بِالْقَاهِرَةِ بعد عَزله ومحنته وَله شعر جيد. وَتُوفِّي زين الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الدَّائِم بن نعدة الْمَقْدِسِي الْحَنْبَلِيّ وَقد انتهي إِلَيْهِ علو الْإِسْنَاد عَن ثَلَاث وَتِسْعين سنة بِدِمَشْق. وَتُوفِّي الْوَلِيّ الْعَارِف دَاوُد الأعزب بِنَاحِيَة تفهنا فِي لَيْلَة الْجُمُعَة سَابِع عشرى جُمَادَى الْآخِرَة وَبهَا دفن وقبره مَشْهُور يتبرك النَّاس بزيارته ومناقبه وكراماته شهيرة قد جمعت فِي مُجَلد.
стр. 527
وَتُوفِّي الْوَلِيّ الْعَارِف تَقِيّ الدّين أَبُو المكارم عبد السَّلَام بن سُلْطَان بن الماجري من هوارة فِي يَوْم الْأَحَد ثامن ذِي الْحجَّة بِنَاحِيَة قليب. وَله كرامات كَثِيرَة وَأخذ الطَّرِيق عَن الشَّيْخ أبي الْفَتْح الوَاسِطِيّ عَن الشَّيْخ أَحْمد بن أبي الْحسن الرِّفَاعِي، وقبره يزار بقليب ويتبرك بِهِ.
стр. 528
(سنة تسع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة)
فِي الْمحرم: ورد كتاب بيسو نوغاي قريب الْملك بركَة ملك التتار وَهُوَ أكبر مقدمي جيوشه يخبر فِيهِ أَنه دخل فِي دين الْإِسْلَام فَأُجِيب بالشكر وَالثنَاء عَلَيْهِ. وَفِيه ورد الْخَبَر. بمسير الفرنسيس وملوك الفرنج إِلَى تونس ومحاربة أَهلهَا فَكتب السُّلْطَان إِلَى صَاحب تونس بوصول العساكر إِلَيْهِ نجدة لَهُ على الفرنج وَكتب إِلَى عربان برقة وبلاد الغرب بِالْمَسِيرِ إِلَى نجدته وَأمرهمْ بِحَفر الْآبَار فِي الطرقات برسم العساكر وَشرع فِي تَجْرِيد العساكر فورد الْخَبَر. بِمَوْت الفرنسيس وَابْنه وَجَمَاعَة من عسكره ووصول نجدات العربان إِلَى تونس وحفر الْآبَار وَأَن الفرنج رحلوا عَن تونس فِي خَامِس صفر. وَفِي سابعة: توجه السُّلْطَان إِلَى عسقلان ليهْدم مَا بَقِي مِنْهَا خوفًا من مَجِيء الفرنج إِلَيْهَا فَنزل عَلَيْهَا وَهدم بِنَفسِهِ مَا تَأَخّر من قلعتها وأسوار الْمَدِينَة حَتَّى سوي بهَا الأَرْض وَعَاد إِلَى قلعة الْجَبَل فِي ثامن ربيع الأول. وَفِي حادي عشريه: هلك الْملك المجير هيتوم بن قنسطنطين متملك سيس. وَفِي عَاشر جُمَادَى الْآخِرَة. سَار السُّلْطَان من الْقَاهِرَة وَمَعَهُ ابْنه الْملك السعيد إِلَى الشَّام فَدخل دمشق فِي ثامن رَجَب وَخرج إِلَى طرابلس فَقتل وَأسر. واتصلت الغارات إِلَى صافيتا وتسلم السُّلْطَان صافيتا من الفرنج الديوية وأنزلهم مِنْهَا وعدتهم سَبْعمِائة رجل سوي النِّسَاء والأطفال وتسلم الْحُصُون والأبراج الْمُجَاورَة لحصن الأكراد مثل تل خَليفَة وَغَيره. وَفِي تَاسِع رَجَب: نَازل السُّلْطَان حصن الأكراد وَقدم عَلَيْهِ صَاحب حماة وَصَاحب صهيون وَصَاحب دَعْوَة الإسماعيلية الصاحب نجم الدّين. وَفِي آخِره: نصب السُّلْطَان عدَّة مجانيق على الْحصن إِلَى أَن أَخذ القلعة عنْوَة فِي سادس عشر شعْبَان فَطلب أَهلهَا الْأمان فَأَمنَهُمْ السُّلْطَان على أَن يتوجهوا إِلَى بِلَادهمْ فَخرج الفرنج مِنْهَا فِي رَابِع عشريه ورتب السُّلْطَان الْأَمِير صارم الدّين الكافري نَائِبا بحصن الأكراد وَأمر بعمارته. وَبعث صَاحب أنطرسوس وَهُوَ مقدم بَيت الداوية يطْلب الصُّلْح من السُّلْطَان فصولح على أنطرسوس خَاصَّة خَارِجا عَن صافيتا وبلادها. واسترجع السُّلْطَان مِنْهُم
стр. 529
جَمِيع مَا أَخَذُوهُ فِي الْأَيَّام الناصيرية وعَلى أَن جَمِيع مَا لَهُم من المناصفات والحقوق على بِلَاد الْإِسْلَام يتركونه وعَلى أَن تكون بِلَاد المرقب ووجوه أَمْوَاله مُنَاصَفَة بَين السُّلْطَان وَبَين الإسبتار وعَلى أَلا تجدّد عمَارَة فِي المرقب فتم الصُّلْح وأخلي الفرنج عدَّة حصون تسلمها السُّلْطَان. وَفِي سَابِع عشر رَمَضَان: نَازل السُّلْطَان حصن عكار وَنصب عَلَيْهِ المجانيق وجد أَهله فِي المناضلة وَقَاتلهمْ السُّلْطَان قتالا شَدِيدا فَقتل الْأَمِير ركن الدّين منكورس الدواداري وَهُوَ يُصَلِّي فِي خيمته بِحجر منجنيق أَصَابَهُ. وَلما كَانَ فِي تَاسِع عشريه: سَأَلَ الفرنج الْأمان وَرفعت السناجق السُّلْطَانِيَّة على الأبراج وَخَرجُوا مِنْهُ فِي سلخه وَعِيد السُّلْطَان بالحصن ورحل إِلَى مخيمه بالمرج وَكتب إِلَى متملك طرابلس يحذرهُ وينذره. وَفِي رَابِع شَوَّال: ركب السُّلْطَان بِجَمِيعِ عساكره جَرِيدَة من غير ثقل يُرِيد طرابلس وسَاق إِلَيْهَا فَبينا هُوَ عازم على ذَلِك إِذْ ورد عَلَيْهِ الْخَبَر بِأَن ملك الإنكتار وصل إِلَى عكا فِي أَوَاخِر رَمَضَان بثلاثمائة فَارس وثماني بطس وشواني ومراكب تَكْمِلَة ثَلَاثِينَ مركبا غير مَا سبقه صُحْبَة أستاداره وَإنَّهُ يقْصد الْحَج إِلَى الْقُدس فَغير السُّلْطَان عزمه وَنزل قَرِيبا من طرابلس وَبعث إِلَيْهِم الأتابك والأمير الدوادار فاجتمعا بصاحبها وَجَرت أُمُور آخرهَا إِنَّهُم سَأَلُوا السُّلْطَان الصُّلْح فَكتبت الْهُدْنَة لمُدَّة عشر سِنِين وجهز الْأَمِير فَخر الدّين بن جلبان وَالْقَاضِي شمس الدّين الإخنائي شَاهد الخزانة بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار مصرية لفكاك الأسري وَعَاد السُّلْطَان إِلَى مخيمه وَسَار إِلَى حصن الأكراد فدبر أَمر عِمَارَته ورتب أَحْوَال تِلْكَ الْجِهَات. وَفِي حادي عشره: استولي السُّلْطَان على حصن العليقة من حصون الإسماعيلية واستخدم بِهِ الرِّجَال ورحل إِلَى دمشق فَدَخلَهَا لِلنِّصْفِ مِنْهُ ورحل مِنْهَا فِي رَابِع عشريه فَنزل صفد وَحمل مِنْهَا المجانيق إِلَى القرين وسَاق إِلَيْهِ ونازله حَتَّى أَخذه فِي ثَانِي ذِي الْقعدَة وَركب مِنْهُ فَمَا أصبح إِلَّا على أَبْوَاب عكا مطلبا فَمَا تحرّك أحد من الفرنج فَعَاد إِلَى مخيمه بالقرين وَهدم القلعة فِي رَابِع عشري ذِي الْقعدَة ورحل مِنْهُ إِلَى قريب عكا وَنزل اللجون.
стр. 530
وَكَانَ السُّلْطَان قد كتب إِلَى مصر بتسفير الشواني لقصد قبرص فسارت فِي شَوَّال حَتَّى قاربت قبرص فَانْكَسَرت كلهَا. وَشعر بهم أهل قبرص فأسروا جَمِيع من كَانَ فِيهَا من الرِّجَال وَبعث صَاحب قبرص كتابا إِلَى السُّلْطَان يقرعه فِيهِ بِأَن شواني مصر وَهِي أحد عشر شينيا خرجت إِلَى قبرص فَكَسرهَا الرّيح وأخذتها وأسرت من فِيهَا فَلَمَّا قَرَأَهُ السُّلْطَان قَالَ: الْحَمد لله مُنْذُ ملكني الله تَعَالَى الْملك مَا خذلت لي راية وَكنت أَخَاف من إِصَابَة عين فَبِهَذَا وَلَا بِغَيْرِهِ وَكتب إِلَى الْقَاهِرَة بإنشاء عشْرين شينيا وإحضار خمس شواني كَانَت بقوص وَكتب إِلَى قبرص جَوَابا أرعد فِيهِ وأبرق. وقدمت رسل صَاحب صور تطلب الصُّلْح فَوَقع الِاتِّفَاق على أَن يكون للفرنج من بِلَاد صور عشرَة بِلَاد فَقَط وَيكون للسُّلْطَان خَمْسَة بِلَاد يختارها وَبَقِيَّة الْبِلَاد تكون مُنَاصَفَة وَوَقع الْحلف على ذَلِك. وَسَار السُّلْطَان إِلَى الْقَاهِرَة وَدخل قلعة الْجَبَل فِي ثَانِي عشر ذِي الْحجَّة فَبَلغهُ أَن الشهرزورية قد عزموا على سلطنة الْملك الْعَزِيز عُثْمَان بن صَاحب الكرك الْملك المغيث عمر بن الْعَادِل أبي بكر بن الْكَامِل مُحَمَّد بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب وَكَانَ السُّلْطَان قد جعله أحد أُمَرَاء مصر فَقبض عَلَيْهِ وعَلى عدَّة أُمَرَاء مِنْهُم الْأَمِير بهاء الدّين يعقوبا: وَقبض أَيْضا على عدَّة أُمَرَاء كَانُوا قد اتَّفقُوا على قَتله وَهُوَ بالشقيف. مِنْهُم الْأَمِير علم الدّين سنجر الْحلَبِي والأمير أقوش المحمدي والأمير أيدغدي الحاجبي والأمير إيغان سم الْمَوْت والأمير سنقر المساح والأمير بيدغان الركني والأمير طرطح الأمدي وسجنهم بقعلة الْجَبَل. وَفِيه جهز السُّلْطَان الْأَمِير آقسنقر الفارقاني بعسكر إِلَى الشَّام وَفِيه وَردت هَدِيَّة صَاحب الْيمن وفيهَا تحف ودب أسود وفيل. وَفِيه أَكثر السُّلْطَان من الرّكُوب إِلَى مصر لمباشرة عمل الشواني حَتَّى كملت ضعْفي مَا انْكَسَرَ. وَفِي سَابِع عشريه: أَمر السُّلْطَان بإهراق الْخُمُور وأبطل ضَمَانهَا وَكَانَ فِي كل سنة ألف دِينَار وَكتب بذلك ترقيما قرئَ على المنابر. وَفِيه خلع السُّلْطَان بالميدان وَفرق على ألف وَسَبْعمائة شخص لثمان خيل وَفرق ألف وَثَمَانمِائَة فرس كل ذَلِك وَهُوَ جَالس حَتَّى فرغ وَفِيه لَازم السُّلْطَان الصِّنَاعَة. بِمصْر عدَّة أَيَّام لرمي النشاب. وَفِيه ورد الْخَبَر بِأَن الفرنج أَغَارُوا على جِهَة الشاغور وَأخذُوا غلَّة وخربوا وأحرقوا غلالا. وفيهَا عزل شمس الدّين أَحْمد بن مُحَمَّد بن خلكان عَن قَضَاء الشَّافِعِيَّة بِدِمَشْق وأعيد عز الدّين أَبُو المفاخر مُحَمَّد بن عبد الْقَادِر بن عبد الْبَاقِي بن خَلِيل بن مقلد بن جَابر
стр. 531
الشهير بِابْن الصَّائِغ. وفيهَا وصل سيل عَظِيم إِلَى دمشق فَأخذ كثيرا من النَّاس وَالدَّوَاب وَقلع الْأَشْجَار وردم الْأَنْهَار وَخرب الدّور وارتفع حَتَّى نزل مرامي السُّور وَذَلِكَ زمن الصَّيف. وفيهَا ولي قَضَاء الْمَالِكِيَّة بِمصْر نَفِيس الدّين أَبُو البركات مُحَمَّد المخلص ضِيَاء الدّين أبي الْفَخر هبة الله بن كَمَال الدّين أبي السعادات أَحْمد بن شكر الْمَالِكِي. وَلم يحجّ أحد فِي هَذَا الْعَام من مصر لَا فِي الْبر وَلَا فِي الْبَحْر. وهجم مَكَّة سيل عَظِيم فِي شعْبَان حَتَّى دخل الْكَعْبَة. وَمَات فِي هَذِه السّنة من الْأَعْيَان الْأَمِير علم الدّين سنجر الصَّيْرَفِي فِي سادس صفر بِدِمَشْق. وَتُوفِّي قَاضِي الْقُضَاة الْمَالِكِي شرف الدّين عمر بن عبد الله بن صَالح بن عيسي بن عبد الْملك بن مُوسَى بن خَالِد بن على بن عمر بن عبد الله بن إِدْرِيس بن إِدْرِيس بن الْحسن بن الْحسن بن على بن أبي طَالب السُّبْكِيّ فِي لَيْلَة الْخَامِس وَالْعِشْرين من ذِي الْقعدَة عَن أَربع وَثَمَانِينَ سنة. وَولي بعده قَضَاء الْمَالِكِيَّة بِالْقَاهِرَةِ نَفِيس الدّين أَبُو البركات مُحَمَّد بن القَاضِي المخلص ضِيَاء الدّين هبة الله أَبُو الْفَخر بن كَمَال الدّين أبي السعادات أَحْمد بن شكر. وَتُوفِّي الشريف إِدْرِيس بن على بن قَتَادَة بن إِدْرِيس الحسني أَمِير مَكَّة قَتِيلا بِظَاهِر مَكَّة فَانْفَرد بعده أَبُو نمي بن أبي سعد. وَتُوفِّي قَاضِي حماة شمس الدّين أَبُو الظَّاهِر إِبْرَاهِيم بن الْمُسلم بن هبة الله بن حسان ابْن مُحَمَّد بن مَنْصُور الْبَارِزِيّ الْجُهَنِيّ الْحَمَوِيّ الشَّافِعِي عَن تسع وَثَمَانِينَ سنة بحماة. وَتُوفِّي الأديب تَاج الدّين أَبُو المكارم مُحَمَّد بن عبد الْمُنعم بن نصر الله بن جَعْفَر بن شقير المغربي الْحَنَفِيّ بِدِمَشْق عَن ثَلَاث وَسِتِّينَ سنة.
стр. 532
وَتُوفِّي قطب الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الْحق بن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن نصر بن سبعين المرسي الصُّوفِي بِمَكَّة عَن نَحْو خمسين سنة.
стр. 533
فارغة
стр. 534
سنة سبعين وسِتمِائَة أهلت وَالسُّلْطَان متشدد فِي إِرَاقَة الْخُمُور وَإِزَالَة الْمُنْكَرَات فَكَانَ لذَلِك يَوْمًا مشهودا. وَفِيه أفرج السُّلْطَان عَن الْأَمِير سيف الدّين بيدغان الركني وَأَعْطَاهُ إقطاعا بِالشَّام ثمَّ أحضرهُ بعد قَلِيل هُوَ وَسيف الدّين ملاجا الركني واشتراهما ورتبهما سلَاح دارية وَورد الْخَبَر باخْتلَاف الْحَال بَين عيسي بن مهنا وَبَين العربان وَإنَّهُ يُرِيد التَّوَجُّه إِلَى التتار. فخشي السُّلْطَان إِنَّه إِن استدعاهم لَا يحضروا وَإِن توجه إِلَى الشَّام تسحبوا فكتم أمره. وَنزل السُّلْطَان إِلَى الميدان فِي سابعه وَفرق فِي خواصه مبلغ أَرْبَعمِائَة ألف دِرْهَم نقرة واثني عشر ألف دِينَار عينا ونيفا وَسِتِّينَ حياضة وَأمر بتحهيز العساكر إِلَى عكا بعد الرّبيع ولازم النُّزُول إِلَى الصِّنَاعَة فِي كل يَوْم حَتَّى تنجزت الشواني وَنزل الْأَمِير آقسنقر الفارقاني. بِمن مَعَه من الْعَسْكَر على جينين. فَلَمَّا كَانَ لَيْلَة السَّابِع عشر: مِنْهُ توجه السُّلْطَان بعد الْمغرب وَمَعَهُ جمَاعَة يسيرَة من خواصه وأخفي حركته ورسم بِأَن أحدا من المجردين مَعَه لَا يَشْتَرِي عليقا وَلَا مَأْكُولا وَقرر لَهُم مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ. وَسَار إِلَى الزعقة ثمَّ عرج مِنْهَا فِي الْبَريَّة إِلَى الكرك ودخلها من غير أَن يعلم بِهِ أحد فِي سادس صفر وَنزل قلعتها. وَقرر السُّلْطَان فِي نِيَابَة الكرك عَلَاء الدّين أيدكين الفخري وَنقل الْأَمِير عز الدّين أيدمر نَائِب الكرك إِلَى نِيَابَة الشَّام وَلم يظْهر السُّلْطَان ذَلِك حَتَّى نسلم أيدكين نِيَابَة الكرك فِي ثامنه واستدعى عز الدّين أيدمر وأفهمه أَنه طلبه لنيابة حصن الأكراد. وَسَار السُّلْطَان إِلَى دمشق فَدَخلَهَا فِي ثَالِث عشره من غير أَن يعلم أحد بِحُضُورِهِ وَكَانَ قبل دُخُوله إِلَى دمشق قد كتب القَاضِي فتح الدّين بن عبد الظَّاهِر بَين يَدَيْهِ ثَمَانِينَ كتابا فِي يَوْم وَلَيْلَة إِلَى النواب والأمراء بتفويض نِيَابَة الشَّام لعز الدّين أيدمر الظَّاهِرِيّ عوضا عَن أقوش النجيبي وسير السُّلْطَان تَشْرِيفًا للنجيبي نَائِب دمشق وَأمره أَن يتَوَجَّه إِلَى مصر وَيسلم الْأَمر لعز الدّين أيدمر فاعتمد ذَلِك. وَأنْفق السُّلْطَان فِيمَن خرج مَعَه مَالا وافرا وخيولا وَركب بهم فِي لَيْلَة السَّادِس
стр. 535
عشر مِنْهُ وَنزل خَارج حماة بالجوسق وَنزل صَاحب حماة فِي خيمة. ورتب السُّلْطَان أستادارا وأمير جاندار وحاشية السلطة فَإِنَّهُ كَانَ قد خرج من مصر جَرِيدَة وَقَامَ لَهُ صَاحب حماة بالأسمطة وَقدم عَلَيْهِ وَهُوَ بحماة جمَاعَة من أكَابِر الْعَرَب فأكرمهم وكتم عَنْهُم أمره وَمَا أظهر لَهُم شَيْئا وَكتب إِلَى عِيسَى بن مهنا يطْلب مِنْهُ خيولا عينهَا لَهُ ليطمنه وَكتب إِلَيْهِ: إِنَّك بعثت وَأَنا. بِمصْر تطلب الْحُضُور فَكتبت إِلَيْك لَا تحضر حَتَّى أطلبك وَقد حضرت إِلَى حماة فَإِن أردْت الْحُضُور فَاحْضُرْ. فَحَضَرَ عيسي وَسَأَلَهُ السُّلْطَان عَمَّا نقل عَنهُ فَقَالَ. نعم والصدق أنجي من الْكَذِب فَأحْسن السُّلْطَان إِلَيْهِ وَإِلَى أكَابِر الْعَرَب. وَفِي سادس عشريه: قدم شمس الدّين بن نجم الدّين صَاحب الدعْوَة الإسماعيلية فَقبض عَلَيْهِ وعَلى أَصْحَابه وسيروا إِلَى مصر واستمرت مضايقة حصونهم حَتَّى تسلم نواب السُّلْطَان حصن وَفِي أول شهر ربيع الأول: ركب السُّلْطَان من ظَاهر حماة بعد عشَاء الْآخِرَة من غير أَن يعلم أحد قَصده وَسَار على طَرِيق حلب ثمَّ عرج من شيزر وَأصْبح على حمص وَتوجه إِلَى حصن الأكراد وحصن عكار وكشف أمورهما وَسَار إِلَى دمشق وَكتب إِلَى مصر كتابا يَقُول فِيهِ لأكابر الْأُمَرَاء: ولدكم - ولبقيتهم أخوكم - ووالدكم يسلم عَلَيْكُم ويتشوق إِلَيْكُم وإيثاره أَلا يفارقكم. وَإِنَّمَا قدمنَا راحتكم على راحتنا. فطالما تعبوا وَاسْتَرَحْنَا ونعلمهم بالمتجددات ليكونوا لَا كالمشاهدين وكمشاركينا فِي أَكثر الْمُجَاهدين: فَمِنْهَا حَدِيث الإسماعيلية وَحَدِيث العربان وَقد ورد الْخَبَر بحركة التتار وَلَو عدنا لجفلت أهل الْبِلَاد. وَأما الفرنج فعملوا سلالم من حَدِيد وعزموا على مهاجمة صفد ووردوا بيروت فَلَمَّا وصلنا الْبِلَاد انعكست آمالهم وَمِمَّا يدل على التَّمْكِين تَارَة بِالسَّيْفِ وَتارَة بالسكين أَن صَاحب مرقية الَّذِي أَخذنَا بِلَاده توجه إِلَى التتار مستصرخا وسيرنا وَرَاءه فداوية وَقد وصل أحدهم وَذكر إِنَّهُم قد قفزوا عَلَيْهِ وقتلوه وبلغتنا حَرَكَة التتار وَأَنا وَالله لَا أَبيت إِلَّا وخيلي مشدودة وَأَنا لابس قماشي حَتَّى المهماز. وَورد الْخَبَر بِأَن التتار أَغَارُوا على عين تَابَ وتوجهوا على العمق فِي نصف ربيع الأول فَكتب إِلَى مصر بتجريد الْأَمِير بيسري بِثَلَاثَة آلَاف فَارس. وَخرج الْبَرِيد من دمشق فِي الثَّالِثَة من يَوْم الْأَحَد ثامن عشره فَدخل الْقَاهِرَة الثَّالِثَة من لَيْلَة الْأَرْبَعَاء
стр. 536
حادي عشريه فَخرج بيسري والعسكر بكرَة يَوْم الْأَرْبَعَاء الْمَذْكُور. وَقدم التتار إِلَى حارم وقتلوه جمَاعَة وَتَأَخر الْعَسْكَر الْحلَبِي إِلَى حماة وَوصل آقسنقر بالعسكر من جينين فجفل أهل دمشق وَبلغ ثمن الْجمل ألف دِرْهَم وأجرته إِلَى مصر مِائَتي دِرْهَم. وَدخل الْأَمِير بيسري بالعسكر الْمصْرِيّ إِلَى دمشق فِي رَابِع ربيع الآخر فَخرج السُّلْطَان بالعساكر إِلَى حلب وجرد الْأَمِير آقسنقر وَمَعَهُ عدَّة من العربان إِلَى مرعش وجرد الْحَاج طيبرس الوزيري والأمير عيسي بن مهنا إِلَى حران والرها. فوصل الْعَسْكَر إِلَى حران وَقتل من فِيهَا من التتار وَهزمَ باقيهم. فورد الْخَبَر بِأَن الفرنج قد أَغَارُوا على قاقون. بمواعدة التتار وَقتل الْأَمِير حسام الدّين الأستادار وجرح الْأَمِير ركن الدّين الجالق ورحل يجكا العلائي وَالِي قاقون فَخرج السُّلْطَان من حلب وَمنع أحدا أَن يتَقَدَّم حَتَّى لَا يعلم الفرنج خَبره وَدخل إِلَى دمشق وَبَين يَدَيْهِ عدَّة من التتار المأسورين من حران وَسَار الْأَمِير أقوش الشمسي بعسكر عين جالوت فولي الفرنج منهزمين من قاقون وتبعهم الْعَسْكَر فاسترجعوا مِنْهُم عدَّة من التركمان وَقتلُوا كثيرا حَتَّى أَنه عد مَا تلف من خيل الفرنج وبغالهم فَكَانَ خَمْسمِائَة رَأس. وَخرج السُّلْطَان من دمشق فِي ثَالِث جُمَادَى الأولى وَمَعَهُ عَسَاكِر مصر وَالشَّام للغلوة على عكا فتكاثرت الأمطار عَلَيْهِ فِي مرج برغوث وَزَاد الْأَمر عَن الْوَصْف فكاد النَّاس يهْلكُونَ لعدم مَا وقدمت هَدِيَّة صَاحب تونس وَفِي مُكَاتبَته تَقْصِير فِي المخاطبة ففرقت هديته على الْأُمَرَاء وَكتب إِلَيْهِ بالإنكار عَلَيْهِ فِي التظاهر بالمنكرات واستخدام الفرنج وَكَونه لم يخرج لما نازلوه وَكَانَ مستخفيا وَقيل لَهُ: مثلك لَا يصلح أَن يَلِي أُمُور الْمُسلمين وَخَوف وأنذر وقدمت رسل رجار وَهُوَ يشفع فِي صَاحب عكا وَالسُّلْطَان فِي الصِّنَاعَة جَالس بَين الأخشاب والصناع والأمراء تحمل بِأَنْفسِهِم آلَات الشواني وَهِي تمد فراعهم مَا شاهدوا. وَفِي رَجَب: خرج السُّلْطَان متصيدا بِجِهَة الصالحية فورد الْخَبَر بحركة التتار فَعَاد إِلَى القلعة وَخرج فِي ثَالِث شعْبَان إِلَى الشَّام وأتته رسل الفرنج بعكا - وَهُوَ بِالسَّوَادِ -
стр. 537
تطلب الْهُدْنَة فَسَار وَبعث إِلَيْهِم الْأَمِير فَخر الدّين أغار الْقرى والصدر فتح الدّين ابْن القيسراني كَاتب الدرج فِي حادي عشري رَمَضَان وَنزل السُّلْطَان. بمروج قيسارية فعقد الْهُدْنَة مَعَ الفرنج لمُدَّة عشر سِنِين وَعشرَة أشهر وَعشرَة سَاعَات من التَّارِيخ الْمَذْكُور وَخرج أهل عكا لمشاهدة الْعَسْكَر فَركب السُّلْطَان وَلعب هُوَ وَجَمِيع الْعَسْكَر بِالرُّمْحِ. ورحل السُّلْطَان إِلَى دمشق فَدَخلَهَا ثَانِي شَوَّال وَحَضَرت رسل التتار فِي طلب الصُّلْح. فَجهز السُّلْطَان إِلَيْهِم الْأَمِير مبارز الدّين الطوري أَمِير طبر والأمير فَخر الدّين القري الْحَاجِب ومعهما الرُّسُل وهدية لأبغا بن هولاكو وَغَيره فَسَارُوا فِي خَامِس عشره فَلَمَّا قدما على أبغا أكرمهما وَفِيه كثر اشْتِغَال السُّلْطَان بِعَمَل النشاب بِيَدِهِ فاقتدي بِهِ جَمِيع الْأُمَرَاء والخواص وَكتب إِلَى الْملك السعيد وَسَائِر النواب بذلك فَلم يبْق أحد إِلَّا وَهُوَ متوفر على الْعَمَل. وَعمل السُّلْطَان جملَة نشاب بِيَدِهِ نحتها وريشها ونصلها. فَلَمَّا صحي السُّلْطَان توجه إِلَى حصن الأكراد وَوصل إِلَيْهِ فِي حادي عشري ذِي الْحجَّة وَشَاهد الْعِمَارَة بِهِ وَأمر جَمِيع من مَعَه من الْأُمَرَاء بِنَقْل حِجَارَة المنجنيق إِلَى دَاخل القلعة وَنقل مَعَهم بِنَفسِهِ ثمَّ نزل وَعمل بِيَدِهِ فِي مرئة مَكَان بالخندق وحفر بِنَفسِهِ ثمَّ سَار إِلَى حصن عكار وَعمل فِي عِمَارَته بِيَدِهِ أَيْضا وَأمر برمي المنجنيقات ليعرف مَوَاضِع سُقُوط أحجارها وَعَاد إِلَى حصن الأكراد وخلع على من بِهِ من الْأُمَرَاء وأرباب الْوَظَائِف وَخرج يتصيد فَكَانَ الَّذِي خلعه خَمْسمِائَة تشريف على من أحضر إِلَيْهِ الصَّيْد. وَفِي هَذِه السّنة: امتحن قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن عبد الْوَاحِد ابْن على بن سرُور بن وَاقع بن حسن بن جَعْفَر الْمَقْدِسِي الْحَنْبَلِيّ: وَذَلِكَ أَن الْقُضَاة الْأَرْبَعَة الَّذين ولاهم السُّلْطَان الْملك الظَّاهِر بديار مصر كَانَ كل مِنْهُم يَسْتَنِيب قُضَاة عَنهُ فِي النواحي وَكَانَ لتقي الدّين شبيب الْحَرَّانِي أَخ يَنُوب عَن قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين الْحَنْبَلِيّ بالمحلة فَعَزله فَغَضب شبيب لذَلِك وَكتب ورقة للسُّلْطَان بِأَن عِنْد القَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين الْحَنْبَلِيّ ودائع للتجار من أهل بَغْدَاد وحران وَالشَّام بجملة
стр. 538
كَبِيرَة وَقد مَاتُوا فاستدعاه السُّلْطَان وَسَأَلَهُ عَن ذَلِك فَأنْكر وَحلف ووري فِي يَمِينه فَأمر السُّلْطَان بالهجم على دَاره فَوجدَ فِيهَا كثير مِمَّا ادَّعَاهُ شيب: بعضه قد مَاتَ أَهله وَبَعضه لقوم أَحيَاء فَأخذ السُّلْطَان مِمَّا وجد لمُدَّة الزَّكَاة سِنِين وَسلم لمن كَانَ حَيا وداعته وَغَضب السُّلْطَان عَلَيْهِ واعتقله وأوقع الحوطة على دَاره فِي يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي شعْبَان. وَسَار السُّلْطَان إِلَى الشَّام قَاضِي شمس الدّين الْحَنْبَلِيّ فِي الاعتقال. ممصر فتسلط شبيب عَلَيْهِ وادعي أَنه حشوي وَأَنه يقْدَح فِي السُّلْطَان وَكتب بذلك محضراً فَأمر الْأَمِير بدر الدّين بيليك نَائِب السلطنة بِعقد مجْلِس فعقد فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ حادي عشره وَحضر الشُّهُود فنكل بَعضهم وَأقَام بَعضهم على شَهَادَته فَأحرق النَّائِب. بِمن شهد وجرسهم وَذَلِكَ إِنَّه تبين لَهُ تحامل تَقِيّ الدّين شبيب على القَاضِي واعتقل شبيب وَوَقعت الحوطة على موجوده وأعيد القَاضِي إِلَى اعتقاله بقلعة الْجَبَل فَأَقَامَ معتقلا سنتَيْن وَلم يول السُّلْطَان بعده قَضَاء الْحَنَابِلَة أحدا. وفيهَا قدم الشريفان جماز وغانم بن إِدْرِيس مَكَّة وملكاها أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثمَّ قدم أَبُو نمي فملكها مِنْهُمَا. وفيهَا ولدت زرافة بقلعة الْجَبَل فِي جُمَادَى الْآخِرَة فأرضتها بقرة وَليهَا ولدت امْرَأَة بِدِمَشْق فِي بطن وَاحِد سَبْعَة بَنِينَ وَأَرْبع بَنَات وَكَانَت مُدَّة حملهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام فماتوا وَمَات فِي هَذِه السّنة من الْأَعْيَان تَاج الدّين أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن رَضِي الدّين أبي عبد الله مُحَمَّد بن عماد الدّين أبي حَامِد مُحَمَّد بن يُونُس الْموصل الشَّافِعِي عَن اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة بِبَغْدَاد. وَتُوفِّي كَمَال الدّين أَبُو الْفضل سلار بن الْحسن بن عمر بن سعيد الإربلي الشَّافِعِي بِدِمَشْق عَن سبعين سنة. وَتُوفِّي عماد الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سني الدّين أبي الْغَنَائِم سَالم بن الْحسن بن هبة الله مَحْفُوظ بن صصرى التغلبي الدِّمَشْقِي بهَا عَن سبعين سنة.
стр. 539
وَتُوفِّي أَمِين الدّين أَبُو الْحسن على بن عُثْمَان بن على بن سُلَيْمَان الإربلي الأديب الشَّاعِر وَقد ترك الجندية وتنتك عَن ثَمَان وَسِتِّينَ سنة بطرِيق الفيوم. وَمَات بِبَلَد الْخَيل ﵇ الشَّيْخ على البكا الرحل الصَّالح فِي أول شهر رَجَب وَله كرامات كَثِيرَة.
стр. 540
سنة إِحْدَى وَسبعين وسِتمِائَة فِي خَامِس الْمحرم: دخل السُّلْطَان إِلَى دمشق وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار بحركة التتار فَركب خيل الْبَرِيد من دمشق فِي لَيْلَة سادسه بعد عشَاء الْآخِرَة وَمَعَهُ الْأَمِير بيسري والأمير أقوش الرُّومِي وجرمك السِّلَاح دَار وجرمك الناصري وسنقر الألفي السِّلَاح دَار وَعلم الدّين شقير مقدم الْبَرِيد. وسَاق فَدخل قلعة الْجَبَل فِي يَوْم السبت ثَالِث عشره على حِين غَفلَة وَلم يشْعر النَّاس إِلَّا وَقد دخل بَاب القلعة رَاكِبًا ثمَّ ركب إِلَى الميدان وَلعب بالكرة وَأمر بتجهيز العساكر إِلَى الشَّام. وَكتب السُّلْطَان إِلَى الْأُمَرَاء المقيمين بِدِمَشْق وَذكر فِي الْكتب أَنه سطرها من البيرة بِحكم أَنه توجه لتدبير أمورها وسير علائم بِخَطِّهِ ليكتب عَلَيْهَا من دمشق أجوبة الْبَرِيد للأطراف وَكَانَ الْأَمِير سيف الدّين الدوادار قد أَقَامَ بقلعة دمشق ليجهز الْكتب والبريدية. وَفِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ خَامِس عشره: ركب السُّلْطَان إِلَى مصر وَركب فِي الْبَحْر ولعبت الشواني قدامه. وَفِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء سَابِع عشره: جهز الْعَسْكَر الْمُجَرّد إِلَى الشَّام. وَفِي لَيْلَة تَاسِع عشرَة: توجه السُّلْطَان إِلَى الشَّام بِمن حضر مَعَه على الْبَرِيد فَدخل قلعة دمشق لَيْلًا. وَفِي صفر: قدمت رسل الْملك أبغا ورسل الرّوم فَلم يحتفل بهم وَأمرُوا أَن يضْربُوا جوكا قُدَّام نَائِب حلب وَقُدَّام صَاحب حماة. وَكَانَ مجيؤهم بِأَن يحضر سنقر الْأَشْقَر حَتَّى يمشي فِي الصُّلْح ثمَّ غيروا كَلَامهم وَقَالُوا: يمشي السُّلْطَان أَو من يكون بعده فِي الْمنزلَة إِلَى أبغا لأجل الصُّلْح فَقَالَ السُّلْطَان للرسل: بل أبغا إِذا قصد الصُّلْح يمشي هُوَ فِيهِ أَو أحد من إخْوَته وَأمر السُّلْطَان بِلبْس العساكر فلبسوا عدد الْحَرْب ولعبوا فِي الميدان خَارج دمشق وَالرسل تشاهد ذَلِك ثمَّ سفروا فِي رَابِع ربيع الأول. وَفِيه تسلم السُّلْطَان سهيرن من سَابق للدّين وفخر الدّين وَلَدي سيف الدّين أَحْمد بن مظفر الدّين عُثْمَان بن منكبرس بعد مَوته وَكَانَ هَذَا بوصيته لَهما بذلك فَأَمرهمَا السُّلْطَان وَأحسن إِلَيْهِمَا وَقدم أهلهما إِلَى دمشق. وَفِي خَامِس جُمَادَى الأولى: ورد الْخَبَر بنزول التتار على البيرة ونصبهم المجانيق عَلَيْهَا
стр. 541
وَإِنَّهُم قد حفظوا محاوض الْفُرَات ونزلوا عَلَيْهَا ليعوقوا من يصل إِلَيْهِم. فَجهز السُّلْطَان الْأَمِير فَخر الدّين الْحِمصِي بعدة من عَسْكَر مصر وَالشَّام إِلَى جِهَة حارم وجهز الْأَمِير عَلَاء الدّين الْحَاج طيبرس الرزبري فِي جمَاعَة ورحل هُوَ من ظَاهر دمشق فِي ثامن عشر جُمَادَى الأولى وَمَعَهُ مراكب مفصلة مَحْمُولَة. وجد للسُّلْطَان فِي الْمسير حق وصل إِلَى الْفُرَات فَوجدَ التتار على الشط فَألْقى المراكب الَّتِي حملهَا مَعَه فِي الْفُرَات وأشحنها بالمقاتلة فتراموهم والتتار. واقتحم الْأَمِير قلاوون الألفي الصَّالِحِي الْفُرَات فَخَاضَ وَمَعَهُ عدَّة وافرة وصدم التتار صدمة فرقهم بهَا ومزقهم فَأَلْقَت الأطلاب أَنْفسهَا فِي الْفُرَات وَسَاقُوا فِيهَا عوما الْفَارِس إِلَى جَانب الْفَارِس وهم متماسكون بالأعنة ومجاديفهم ورماحهم وَعَلَيْهِم وعَلى خيولهم الْحَدِيد وازدحموا فِي المَاء فَكَانَ لقعقعة السِّلَاح وأمواج المَاء هول مفزع وطلع السُّلْطَان فِي أَوَّلهمْ وَصلي فِي منزلَة الْعَدو رَكْعَتَيْنِ شكرا لله تعالي وَبث العساكر يَمِينا وَشمَالًا فَقتلُوا وأسروا عددا كثيرا. وَبَات الْعَسْكَر لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ فورد الْخَبَر بهزيمة التتار من البيرة مَعَ مقدمهم درباي وتركهم الأثقال والأزواد وَأَن أهل البيرة أخذُوا ذَلِك فَتَقووْا بِهِ وَأقَام السُّلْطَان ينْتَظر من يلاقيه من التتار فَلم يَأْتِ أحد فعدي بِجَمِيعِ عساكره فِي الْفُرَات كَمَا فعلوا أول مرّة وَنزل بهم فِي ذَلِك مَا لَا يُوصف من كَثْرَة الْمَشَقَّة وَعظم الهول حَتَّى طلعت العساكر إِلَى الْبر وَسَار السُّلْطَان إِلَى البيرة وخلع على نائبها وَأَعْطَاهُ ألف دِينَار وَعم بالتشاريف والأنعام أهل البيرة وَفرق فيهم مائَة ألف دِرْهَم فضَّة وجرد هُنَاكَ عدَّة من الْعَسْكَر زِيَادَة على من كَانَ فِيهَا وَسَار إِلَى دمشق فَدَخلَهَا فِي ثَالِث جُمَادَى الآخر والأسري بَين يَدَيْهِ. وَخرج السُّلْطَان إِلَى مصر فوصل قلعة الْجَبَل فِي خَامِس عشريه وَأَفْرج عَن الْأَمِير عز الدّين الدمياطي وأنزله بدار الوزارة وَأجْرِي عَلَيْهِ الرَّوَاتِب ثمَّ استدعاه وَشرب مَعَه القمز وَقد حضر أكَابِر الْأُمَرَاء لذَلِك فَلَمَّا نَاوَلَهُ السُّلْطَان الهناب بِيَدِهِ وَهُوَ مَمْلُوء قَالَ عز الدّين: يَا خوند لقد شبنا وشاب نبيذنا. وَعم السُّلْطَان بِالْخلْعِ الْأُمَرَاء والوزراء والقضاة والمقدمين وجهز رسل الْملك منكوتمر ورسل الْملك الأشكري ورسل الدعْوَة وَفِي ثَانِي عشر شَوَّال: قبض على الشَّيْخ خضر بن أبي بكر بن مُوسَى شيخ السُّلْطَان وَكَانَ السُّلْطَان قد استدعاه إِلَى القلعة وأحضر جمَاعَة ليحاققوه على أَشْيَاء كَبِيرَة بَدَت مِنْهُ كاللواط وَالزِّنَا وَغَيره فَأمر السُّلْطَان باعتقاله وسجن بقلعة الْجَبَل.
стр. 542
وَفِي ثَانِي عشري ذِي الْحجَّة: استولي السُّلْطَان على بَقِيَّة حصون الدعْوَة الإسماعيلية: وَهِي الدينقة والقدموس والكهف وأقيمت هُنَاكَ الْجُمُعَة وترضي عَن الصَّحَابَة بهَا وعفيت الْمُنْكَرَات مِنْهَا وأظهرت شرائع الْإِسْلَام وشعائره. وَفِي هَذِه السّنة: سَار وَالِي قوص من أسوان حَتَّى قَارب دنقلة من بِلَاد النّوبَة وَقتل وَأسر ثمَّ عَاد. وفيهَا استولي السُّلْطَان على عَامَّة مدن برقة وحصونها. وفيهَا حصل الاحتفال بِأَمْر الشواني وَنصب المجانيق على أسوار الْإسْكَنْدَريَّة فكمل هُنَاكَ نصب مائَة منجنيق وَذَلِكَ لِكَثْرَة الإشاعة بحركة الفرنج لقصد ثغور ديار مصر. وفيهَا فتحت قلعة كينوك من بِلَاد الأرمن على يَد الْأَمِير حسام الدّين لاجين العنتابي. وفيهَا تنجزت عمَارَة صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس. وفيهَا نزل السُّلْطَان يعوم فِي النّيل وَهُوَ لابس زردية مستبلة وَعمل بسطا كَبِيرَة وأركب فَوْقهَا الْأَمِير حسام الدّين الدوادار والأمير عَلَاء الدّين أيدغدي الأستادار وجرها وجر فرسين وَهُوَ يعوم لابس الزردية من الْبر إِلَى الْبر. شهَاب الدّين أَبُو صَاح عبيد الله بن الْكَمَال أبي الْقَاسِم عمر بن الشَّهِيد شهَاب الدّين أبي صَالح عبد الرَّحِيم بن عبد الرَّحْمَن بن الْحسن بن العجمي الْحلَبِي بهَا عَن اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سنة. وَتُوفِّي فَخر الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد القاهر بن عبد الْغَنِيّ بن مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن تَيْمِية الْحَرَّانِي الْحَنْبَلِيّ عَن نَحْو سِتِّينَ سنة بِدِمَشْق. وَتُوفِّي الأديب مخلص الدّين أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن هبة الله بن قرناص الْحَمَوِيّ. وَتُوفِّي الشريف شرف الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن رضوَان الْحُسَيْنِي النَّاسِخ الْكَاتِب المجود المؤرخ عَن تسع وَسِتِّينَ سنة.
стр. 543
فارغة
стр. 544
(سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وسِتمِائَة)
فِي الْمحرم: نقض بَاب الْقصر الْمَعْرُوف بِبَاب الْبَحْر تجاه الْمدرسَة الكاملية بَين القصرين لأجل نقل عمد مِنْهُ لبَعض العمائر السُّلْطَانِيَّة فَوجدَ فِيهِ صندوق فِي دَاخله صُورَة من نُحَاس أصفر مفرغ على كرْسِي شكل هرم ارتفاعه قدر شبر بأرجل نُحَاس والصنم جَالس عَلَيْهِ ويداه مرتفعتان تحملان صفحة دورها ثَلَاثَة أشبار مَكْتُوبَة بالقبطي وَإِلَى جَانب الْكِتَابَة فِي الصَّحِيفَة شكل لَهُ قرنان يشبه شكل السنبلة وَإِلَى الْجَانِب شكل ثَان وعَلى رَأسه صَلِيب وشكل ثَالِث فِي يَده عكاز وعَلى رَأسه صَلِيب. وَوجد مَعَ هَذَا الصَّنَم فِي الصندوق لوح من أَلْوَاح الصّبيان قد تكشط أَكثر مَا فِيهِ من الْكِتَابَة وَبَقِي فِيهِ بيبرس فتعجب من ذَلِك. وَفِيه وَردت الْأَخْبَار بحركة الْملك أبغا فَخرج السُّلْطَان من قلعة الْجَبَل فِي لَيْلَة سادس عشريه وَمَعَهُ الْأَمِير سنقر الْأَشْقَر والأمير بيسري والأمير أنامش السَّعْدِيّ. فَلَمَّا وصل السُّلْطَان عسقلان كتب إِلَى الْقَاهِرَة بِخُرُوج العساكر جَمِيعهَا والعربان من ديار مصر صَحبه الْأَمِير بيليك الخازندار ورسم بِأَن كل من فِي سَائِر مَمْلَكَته لَهُ فرس فَإِنَّهُ يخرج إِلَى الْغُزَاة وَأَن تخرج كل قَرْيَة من قري الشَّام رجالة يركبون الْخَيل على قدر حَالهم وَيقوم من بالقرية بكلفة من يتَوَجَّه وَدخل السُّلْطَان إِلَى دمشق فِي سَابِع عشر صفر. فَخرج من عَسَاكِر مصر فِي حادي عشره عدَّة أَرْبَعَة آلَاف فَارس صُحْبَة مقدميهم: وهم الْأَمِير عَلَاء الدّين طيبرس الوزيري وجمال الدّين أقوش الرُّومِي وعلاء الدّين قطليجا وَعلم الدّين ططح. ثمَّ خرج فِي ثامن عشره الْأَمِير بيليك الخازندار بطَائفَة فورد مرسوم السُّلْطَان على الْأَمِير بيليك بالنزول قَرِيبا من يافا وعندما قَارب عَسْكَر مصر دمشق ركب السُّلْطَان من دمشق فِي نَحْو أَرْبَعِينَ نفسا جرائد بِغَيْر ركيدار وَقد طلب الْعَسْكَر وقارب الْمنزلَة فَاعْترضَ السُّلْطَان الْعَسْكَر وَكَانَ قد تلثم هُوَ وجماعته فظنهم حجاب من بعض التركمان فأمروهم بالترجل فَأَبَوا وسَاق السُّلْطَان بمفرده وَجَاء خلف سناجق وحسر لثامه عَن وَجهه فَعرفهُ السِّلَاح دارية وَدخل السُّلْطَان وسَاق فِي رَكبه فَنزل النَّاس وقبلوا الأَرْض وَسَار حَتَّى نزل ورتب الْعَسْكَر. وَأصْبح السُّلْطَان فَركب فِي موكبه وَقضي أشغال النَّاس إِلَى أَن أمسي ثمَّ
стр. 545
ركب بِمن حضر مَعَه إِلَى دمشق وَأصْبح رَاكِبًا فِي موكبه. وَفِي مُدَّة غيبته كَانَ الْأَمِير سيف الدّين الدوادار يرتب الْأُمُور بِدِمَشْق وَيكْتب الْأَجْوِبَة على علائم فَوق أوراق بيض. وَفِيه فر الْأَمِير شمس الدّين بهادر بن الْملك فرج من التتار إِلَى السُّلْطَان بيبرس. وَكَانَ الْملك فرج فِي أول أمره أَمِير طشت السُّلْطَان جلال الدّين خوارزم شاه وَكَانَ لَهُ سميساط وَبعد وَفَاة جلال الدّين سلك قلعة كيران وعدة قلاع بِنَاحِيَة تقجوان ثمَّ وصل الْملك فرج هَذَا إِلَى بِلَاد السلاجقة الرّوم فَقطع بهَا نَاحيَة أفصرا. وَكَانَ بهادر قد كَاتب السُّلْطَان بيبرس وراسله وتقرب إِلَيْهِ بإعلامه بحقيق أَخْبَار الْعَدو فَعلم بِهِ التتار فأمسكوه وَحَمَلُوهُ إِلَى الأردو فهرب وَحضر إِلَى البيرة وَوصل إِلَى دمشق وَبهَا الْملك الظَّاهِر فَأكْرمه وَأَعْطَاهُ بِمصْر إمرة عشْرين فَارِسًا. وَخرج السُّلْطَان من دمشق إِلَى مصر فَدخل قلع الْجَبَل فِي رَابِع عشري جُمَادَى الْآخِرَة. فتواترت الْأَخْبَار بحركة التتار فرسم للأمير عيسي بن مهنا أَمِير الْعَرَب بالغارة فَأَغَارَ وَوصل إِلَى الأنبار فِي ثامن عشر شعْبَان فَظن التتار أَن السُّلْطَان قد قدم فَانْهَزَمُوا إِلَى أبغا فَرجع إِلَى بِلَاده. وَفِي شهر رَمَضَان: رسم للعسكر بالتأهب للعب القبق وَرمي النشاب فيكب من كل عشرَة فارسان فِي أحسن زيهم وَقت الْحَرْب وَركب السُّلْطَان فِي مماليكه ودخلوا فِي الطعْن بِالرِّمَاحِ ثمَّ أَخذ السُّلْطَان الْحلقَة وَرمى النشاب وَجعل لمن أصَاب من الْأُمَرَاء فرسا من خيله الْخَاص بتشاهيره وقلسلقة والبحرية بغلطاق. فاستمر ذَلِك أَيَّامًا تَارَة يكون اللّعب فِيهَا بِالرُّمْحِ وَتارَة بالنشاب وَتارَة بالدبابيس وَفرق السُّلْطَان فِيهَا من الْخَيل والبغالطق جملَة. وسَاق السُّلْطَان يَوْمًا عَادَته فِي اللّعب وسل سَيْفه فسلت مماليكه سيوفها وَحمل هُوَ ومماليكه الْخَواص حَملَة وَحمل وَاحِد واصطدموا فَكَانَ منْظرًا مهولا وَأطلق السُّلْطَان من التشاريف مَا عَم بِهِ سَائِر من فِي خدمته: من ملك وأمير ووزير ومقدمي الْحلقَة والبحرية ومقدمي المماليك والمفردية ومقدمي البيوتات السُّلْطَانِيَّة وكل صَاحب شغل وَجَمِيع الْكتاب والقضاة وَسَائِر أَرْبَاب الْوَظَائِف. وَفِي يَوْم عيد الْفطر: ختن الْأَمِير نجم الدّين خضر ابْن السُّلْطَان وعده من أَوْلَاد الْأُمَرَاء وجري السُّلْطَان على عَادَته فِي عدم تَكْلِيف النَّاس فَلم يقبل من أحد هَدِيَّة
стр. 546
وَلَا تقدمة وَلم يبْق من لَا شَمله إحسانه من سَائِر الطوائف إِلَّا المغاني وأرباب الملاهي فَإِنَّهُ لم تنْفق لَهُم فِي طول أَيَّامه سلع وَلَا نالهم مِنْهُ رزق أَلْبَتَّة. وَفِي ثَانِي عشر شهر رَمَضَان: سَار الْملك السعيد من قلعة الْجَبَل فِي عدَّة من الْأُمَرَاء جَرِيدَة إِلَى الشَّام من غير أَن يعلم بِهِ أحد فَدخل دمشق فِي سادس عشريه على حِين غَفلَة من النَّائِب بِحَيْثُ لم يشْعر بِهِ الْعَسْكَر إِلَّا وَهُوَ بَينهم فِي سوق الْخَيل فقبلوا لَهُ الأَرْض وَدخل الْملك السعيد إِلَى القلعة وَأَرَادَ لعب القبق خَارج دمشق فمنعته كَثْرَة الأمطار. وَفِي لَيْلَة عيد الْفطر: خلع الْملك السعيد على أُمَرَاء الشَّام والمعكمين والمفاردة والأكابر وَخرج يتصيد بالمرج وَسَار إِلَى الشقيف وصفد وَتوجه إِلَى الْقَاهِرَة فوصل قلعة الْجَبَل فِي حادي عشري شَوَّال. وَفِي هَذِه السّنة: كَانَ بِمصْر وأريافها وباء هلك فِيهِ خلق كثير أَكْثَرهم النِّسَاء والأطفال. وَحصل فِي بِلَاد الرملة وبلاد الْقُدس مرض وحميات فَقدم رجل نَصْرَانِيّ إِلَى الْأَمِير غرس الدّين بن شاور وَالِي الرملة وَقَالَ لَهُ: هَذِه الْآبَار قد حَاضَت كَمَا جرى فِي السّنة الَّتِي جَاءَ فِيهَا التتار فِيهَا إِلَى الشَّام. وَإِن الفرنج بعثوا إِلَى قَرْيَة عابود فِي الْجَبَل وَأخذُوا من مَالهَا وصبوه فِي الْآبَار فَزَالَ الوخم وَأَشَارَ بِعَمَل ذَلِك فَبعث وَالِي الرملة إِلَى الْقرْيَة الْمَذْكُورَة وَأخذ من مَائِهَا وصبه فِي الْآبَار الَّتِي بيافا وَكَانَ المَاء قد كثر فِيهَا فنقصت إِلَى حَدهَا الْمُتَعَارف وَكتب إِلَى السُّلْطَان بذلك وَقيل لَهُ: إِن هَذِه الْآبَار إناث تحيض وآبار الْجَبَل ذُكُور وَمِنْهَا آبار قَرْيَة عابود الْمَذْكُورَة. وفيهَا ولي تَقِيّ الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يحيي الرقي قَضَاء الشَّافِعِيَّة بحلب بعد وَفَاة محيي الدّين مُحَمَّد بن الْأُسْتَاذ. وَمَات فِي هَذِه السّنة من الْأَعْيَان الْأَمِير فَارس الدّين أقطاي الصَّغِير المستعرب الصَّالِحِي النجمي أتابك العساكر بديار مصر عَن سبعين سنة فِي تَاسِع جُمَادَى الأولى. وَمَات الْأَمِير حسام الدّين لاجين الأيدمري الْمَعْرُوف بالدرفيل داودار السُّلْطَان. وَتُوفِّي قَاضِي حلب محيي الدّين أَبُو المكارم مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن علوان بن الْأُسْتَاذ الشَّافِعِي بهَا وقدقدم الْقَاهِرَة ودرس بالمسرورية.
стр. 547
وَتُوفِّي قَاضِي قُضَاة دمشق كَمَال الدّين أَبُو الْفَتْح عمر بن شَدَّاد بن عَليّ التقايسي الشَّافِعِي عَن سبعين سنة بِالْقَاهِرَةِ. وَتُوفِّي مؤيد الدّين أَبُو الْمَعَالِي أسعد بن المظفر بن أسعد بن حَمْزَة بن القلانسي التَّمِيمِي خَارج دمشق عَن ثَلَاث وَسبعين سنة بعد مَا قدم الْقَاهِرَة. وَتُوفِّي النَّحْوِيّ جمال الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن مَالك الطَّائِي الجياني بِدِمَشْق عَن وَتُوفِّي تَقِيّ الدّين أَبُو إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن شَاكر بن أبي الْيُسْر التنوخي المعوي الْمُحدث الأديب كَاتب الْإِنْشَاء عَن ثَلَاث وَثَمَانِينَ سنة بِدِمَشْق. وَتُوفِّي الْمسند نجيب الدّين أَبُو الْفرج عبد اللطف بن عبد الْمُنعم بن عَليّ بن نصر الْحَرَّانِي مدرس دَار الحَدِيث الكاملية عَن خمس وَثَمَانِينَ سنة بِالْقَاهِرَةِ وَتُوفِّي جمال الدّين أَبُو عيسي عبد الله بن عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن علاقَة الْأنْصَارِيّ عَن سِتّ وَثَمَانِينَ سنة. وَتُوفِّي أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن سُلَيْمَان الشاطبي بالإسكندرية عَن بضع وَثَمَانِينَ سنة وَمَات بِبَغْدَاد الْعَلامَة نصير الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحسن الطوسي الإِمَام الْمَشْهُور فِي ذِي الْحجَّة. وَقد خدم أَوْلَاد صَاحب الألموت ثمَّ خدم هولاكو وحظي عِنْده وَعمل لَهُ رصدا. بمراغة وصنف كتبا عديدة. وَقد توفّي فِي جُمَادَى الأولى سنة سبع وَسبعين وَخَمْسمِائة.
стр. 548
سنة ثَالِث وَسبعين وسِتمِائَة فِي الْمحرم: قدم الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد صَاحب حماة إِلَى قلعة الْجَبَل وَمَعَهُ أَخُوهُ الْملك الْأَفْضَل عَليّ وَولده المظفر تَقِيّ الدّين مَحْمُود فَأنْزل بمناظر الْكَبْش وعندما حل بهَا وصل إِلَيْهِ الْأَمِير آقسنقر الفارقاني الأستادار بالسماط فمده بَين يَدَيْهِ ووقف كَمَا يقف بَين يَدي السُّلْطَان فَلم يَدعه الْملك الْمَنْصُور يقف وَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى جلس فَلَمَّا فرغ السماط قدمت الْخلْع والتعابي وَغَيرهَا. وَفِي ثامن صفر: توجه السُّلْطَان من قلعة الْجَبَل وَسَار إِلَى الكرك فَأَقَامَ بهَا ثَلَاثَة عشر يَوْمًا وكشف أَحْوَال الشوبك وَعَاد إِلَى قلعة الْجَبَل ثَانِي عشري ربيع الأول. ثمَّ توجه إِلَى العباسية وَمَعَهُ الْملك السعيد فصرع الْملك أوزة خبية. وَقيل لَهُ: لمن تَدعِي فَقَالَ: لمن أَدْعُو بحياته وَمن أَتَقَرَّب إِلَى الله بدعواته الَّذِي حسبي افتخارا أَن أَقُول وَالِدي وَمن يتمرن لصرع أعدائه ساعدي فَقبله السُّلْطَان ووهبه من كل شَيْء. وفيهَا تحيل السُّلْطَان على استخلاص رُؤَسَاء الشمواني الَّذين أَسرُّوا بقبرص ميناء نمسون وَكَانَ الفرنج لما كسرت الشواني على قبرص وأسروا من فِيهَا السُّلْطَان الْأَمِير فَخر الدّين الْمقري الْحَاجِب إِلَى صور لابتياع الأسري فتغالى الفرنج الرؤساء وَبَاعُوا القواد وَالرُّمَاة لطائفة مِنْهُم فغادوا بهم أسرى أطلقهُم السُّلْطَان وَبَقِي الاحتفاظ على الرؤساء وهم سِتَّة: مِنْهُم رَئِيس الْإسْكَنْدَريَّة وَرَئِيس دمياط فحبسوهم بعكا فِي قلعتها. فَبعث السُّلْطَان إِلَى الْأَمِير سيف الدّين خطابا وَهُوَ بصفد يَأْمُرهُ بالتحيل فِي سرقتهم فأرغب الموكلين بهم بِالْمَالِ حَتَّى وصل إِلَيْهِم بمبارد ومناشير وسرقوا من جب قلعة عكا وَسَارُوا فِي مركب إِلَى خيل قد أعدت لَهُم فركبوها ووصلوا إِلَى الْقَاهِرَة. وَلم يشْعر بهم الفرنج حَتَّى قدمُوا على السُّلْطَان فَكَانَت بعكا لأجلهم فتْنَة بَين الفرنج. وَقدم كتاب متملك الْحَبَشَة وَهُوَ الحطي يَعْنِي الْخَلِيفَة يُخَاطب السُّلْطَان فِيهِ بِعِبَارَة: أقل المماليك يقبل الأَرْض وَيُنْهِي وسال فِيهِ أَن يُجهز لَهُ مطران من عِنْد البطرك فَأُجِيب. وَسَار السُّلْطَان إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَأمر بِبِنَاء مَا تهدم من الْمنَار وَعَاد إِلَى قلعته. وَكتب السُّلْطَان بِأَن تخرج عَسَاكِر حلب للغارة فَخرجت وأغارت على بِلَاد سيس وغنموا وقلعوا أَبْوَاب ربض مرعش.
стр. 549
وَفِي ثَالِث شعْبَان: توجه السُّلْطَان من قلعة الْجَبَل إِلَى الشَّام فَدخل دمشق فِي سلخه وَخرج مِنْهَا فِي سَابِع رَمَضَان فَدخل حماة ثمَّ صَار مِنْهَا بالعساكر والعربان. وجرد السُّلْطَان عيسي بن مهنا والأمير حسام الدّين العنتابي بعسكر إِلَى البيرة وجهز الْأَمِير قلاوون الألفي والأمير بيليك الخازندار بعسكر إِلَى بِلَاد سيس فَسَارُوا وهجموا النصيصة على الأرمن وَقتلُوا من بهَا وَكَانَت المراكب قد حملت مَعَهم على البغال وَهِي مفصلة ليعدوا فِيهَا من نهر جهان وَالنّهر الْأسود فَلم يحْتَج إِلَيْهَا. وَوصل السُّلْطَان على الْأَثر بعد مَا قطع بعساكره النَّهر الْأسود وقاسوا مشقة وملكوا الْجبَال وغنموا عَنْهَا مَا لَا يُحْصى كَثْرَة مَا بَين أبقار وجواميس وأغنام. فَدخل السُّلْطَان إِلَى سيس وَهُوَ مطلب فِي تَاسِع عشريه وَعِيد بهَا وانتهبها وَهدم قُصُور التكفور ومناظره وبساتينه وَبعث إِلَى دربند الرّوم فَاحْضُرْ إِلَيْهِ من سَبَايَا التتار عدَّة نسَاء وَأَوْلَاد وسير إِلَى طرسوس فأحضر إِلَيْهِ مِنْهَا ثَلَاثمِائَة رَأس من الْخَيل وَالْبِغَال وَبعث إِلَى الْبَحْر عسكرا فَأخذ مراكب وَقتل من كَانَ فِيهَا. وانبثت الغارات فِي الْجبَال فَقتلُوا وأسروا وغنموا. وَبعث السُّلْطَان إِلَى أياس بالعساكر وَكَانَت قد أخليت فنهبوا وحرقوا وَقتلُوا جمَاعَة وَكَانَ قد فر من أَهلهَا نَحْو الْأَلفَيْنِ مَا بَين فرنج وأرمن فِي مراكب فَغَرقُوا بأجمعهم فِي الْبَحْر وَاجْتمعَ من الْغَنَائِم مَا لَا يحصره قلم لكثرته ووصلت العربان والعسكر إِلَى البيرة وَسَارُوا إِلَى عين تَابَ وغنموا فَانْهَزَمَ التتار مِنْهُم وعادوا. فَرَحل السُّلْطَان من سيس إِلَى المصيصة من الدربند فَلَمَّا قطعه جعل الْغَنَائِم بمرج أنطاكية حَتَّى ملأته طولا وعرضا ووقف بِنَفسِهِ حَتَّى فرقها وَلم يتْرك صَاحب سيف وَلَا قلم حَتَّى أعطَاهُ وَلم يَأْخُذ لنَفسِهِ مِنْهَا شَيْئا. فَلَمَّا فرغ من الْقِسْمَة سَار إِلَى دمشق فَدَخلَهَا فِي النّصْف من ذِي الْحجَّة. وفيهَا ولي قَضَاء الْحَنَفِيَّة بِدِمَشْق مجد الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن بن الصاحب كَمَال الدّين عمر بن العديم بعد وَفَاة شمس الدّين عبد الله بن مُحَمَّد بن عَطاء الْأَذْرَعِيّ.
стр. 550
وَمَات فِيهَا من الْأَعْيَان قَاضِي الْقُضَاة الْحَنَفِيّ بِدِمَشْق شمس الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن مُحَمَّد بن عَطاء بن الْحسن بن عَطاء الْأَذْرَعِيّ عَن ثَمَان وَسبعين سنة. وَتُوفِّي أَمِين الدّين أَبُو بكر مُحَمَّد بن عَليّ بن مُوسَى بن عبد الرَّحْمَن الخزوجي الْمحلي النَّحْوِيّ الأديب. وَتُوفِّي الْحَافِظ جمال الدّين أَبُو المحاسن يُوسُف بن أَحْمد بن مَحْمُود بن أَحْمد الْأَسدي الدِّمَشْقِي الْمَعْرُوف باليغموري بالمحلة من أَعمال الْقَاهِرَة عَن نَيف وَسبعين سنة. وَتُوفِّي الْحَافِظ وجيه الدّين أَبُو المظفر مَنْصُور بن مُسلم بن مَنْصُور بن فتوح بن الْعِمَاد الْهَمدَانِي الإسكندري الملكي المؤرخ عَن سِتّ وَسِتِّينَ سنة بالإسكندرية.
стр. 551
فارغة
стр. 552
سنة أَربع وَسبعين وسِتمِائَة فِي ثامن الْمحرم: وصل الْأَمِير سيف الدّين بلبان الدوادار إِلَى طرابلس فِي تجمل كَبِير وَمَعَهُ كتاب السُّلْطَان إِلَى متملكها فَمَا زَالَ حَتَّى قرر عَلَيْهِ فِي كل سنة عشْرين ألف دِينَار صورية وَعشْرين أَسِيرًا. وَفِي رَابِع عشريه: خرج الْأَمِير بدر الدّين الخازندار من دمشق لإحضار الْملك السعيد وَمَعَهُ أَوْلَاد الْأُمَرَاء فوصل إِلَى قلعة الْجَبَل وَخرج بِالْملكِ السعيد على خيل الْبَرِيد فِي سلخه فوصل إِلَى دمشق فِي سادس صفر وتلقاه السُّلْطَان وَدخل بِهِ إِلَى قلعة دمشق. وَفِي صفر: هَذَا توجه السُّلْطَان أَبُو يُوسُف بن عبد الْحق ملك الْمغرب لجهاد الفرنج فَقتل الطاغية فِي المعركة فِي نَحْو سِتَّة آلَاف وَلم يقتل من الْمُسلمين إِلَّا نَحْو ثَلَاثِينَ رجلا وَبَلغت الْغَنَائِم من الْبَقر مائَة ألف وَأَرْبَعَة وَعشْرين ألفا وَبلغ الأسرى سَبْعَة آلَاف أَسِير وعجزت الْقُدْرَة عَن إحصاء الْغنم حَتَّى أبيعت الشَّاة بدرهم وَحمل الكراع على أَرْبَعَة عشر ألف وسِتمِائَة جمل. وفيهَا نبش عُمَّال بني مرين قُبُور خلفاء الْمُوَحِّدين وأخرجوا عبد الْمُؤمن بن على وَابْنه يَعْقُوب الْمَنْصُور من قبريهما وَقطعت رأسهما وَضربت أَعْنَاق من كَانَ بجبل تينتمل وصلبوا. بمراكش وَأخذت أَمْوَالهم. وفيهَا بنيت فاس الْجَدِيد وَصَارَت دَار ملك بني مرين. وَفِي ثَالِث عشرى جُمَادَى الأولى: أَخذ السُّلْطَان الْقصير حصن أنطاكية وَحمل أَهله إِلَى الْجِهَات الَّتِي قصدوها. وَقدم الْخَبَر بورود التتار إِلَى البيرة فَجمع السُّلْطَان للعساكر وَأنْفق وَخرج من دمشق إِلَى حمص فجَاء الْخَبَر بِرُجُوع التتار فَعَاد إِلَى دمشق. وَفِي هَذِه الْأَيَّام: اخْتلفت أُمَرَاء الرّوم على البرواناه ففارقه جمَاعَة من قيسارية وَقدم
стр. 553
مِنْهُم إِلَى السُّلْطَان الْأَمِير ضِيَاء الدّين مَحْمُود بن الخطير والأمير سِنَان الدّين مُوسَى بن طرنطاي ونظام الدّين أَخُو مجد الدّين الأتابك بعيالاتهم يُرِيدُونَ الانتماء إِلَيْهِ فجهزهم السُّلْطَان إِلَى الْقَاهِرَة ثمَّ إِن مَحْمُود بن الخطير سعي بهم فاعتقلوا بقلعة الْجَبَل مُدَّة ثمَّ أطْلقُوا. وَفِي مستهل رَجَب: توجه السُّلْطَان من دمشق إِلَى مصر فَدخل قلعة الْجَبَل فِي ثامن عشره وقدمت هَدِيَّة صَاحب الْيمن وَمن جُمْلَتهَا كركدن وفيل وحمار وَحش عتابي فسير السُّلْطَان إِلَيْهِ هَدِيَّة مَعَ رسله وجهز السُّلْطَان هَدِيَّة للْملك منكوتمر مَعَ الْأَمِير عز الدّين أيبك الفخري وجهز رسل الأشكري ورسل الْملك الفنش ورسل جنوة. وفيهَا حضر ابْن أُخْت ملك النّوبَة واسْمه مشكد متظلما من دَاوُد ملك النّوبَة فَجرد السُّلْطَان مَعَه الْأَمِير آقسنقر الفارقاني بعده من الْعَسْكَر وأجناد الْوُلَاة والعربان وَمَعَهُ الزراقون وَالرُّمَاة ورجمال الحراريق والزردخاناه فَخرج فِي مستهل شعْبَان حَتَّى عدي أسوان وَقَاتل الْملك دَاوُد وَمن مَعَه من السودَان فقاتلوه على النجب وَهَزَمَهُمْ وَأسر مِنْهُم كثيرا. وَبث الْأَمِير آقسنقر الْأَمِير عز الدّين الأفرم فَأَغَارَ على قلعة الدقم وَقتل وَسبي ثمَّ توجه الْأَمِير سنقر فِي أَثَره يقتل وياسر حَتَّى وصل إِلَى جريرة ميكاليل وَهِي رَأس جنادل النّوبَة فَقتل وَأسر وَأقر الْأَمِير آقسنقر قمر الدولة صَاحب الْجَبَل وَبِيَدِهِ نصف بِلَاد النّوبَة على مَا بِيَدِهِ ثمَّ وَاقع الْملك دَاوُد حَتَّى أفني مُعظم رجماله قتلا وأسرا وفر دَاوُد بِنَفسِهِ فِي الْبَحْر وَأسر أَخُوهُ شنكو فساق الْعَسْكَر خَلفه ثَلَاثَة أَيَّام وَالسيف يعْمل فِيمَن هُنَاكَ حَتَّى دخلُوا كلهم فِي الطَّاعَة وأسرت أم الْملك دَاوُد وَأُخْته. وأقيم مشكد فِي المملكة وألبس التَّاج وأجلس فِي مَكَان دَاوُد وقررت عَلَيْهِ الْقطعَة فِي كل سنة وَهِي فيلة ثَلَاثَة وزرافات ثَلَاث وفهود إناث خمس وصهب جِيَاد مائَة وأبقار جِيَاد منتخبة مائَة وَقرر أَن تكون الْبِلَاد مشاطرة نصفهَا للسُّلْطَان وَنِصْفهَا لعمارة الْبِلَاد وحفظها وَأَن تكون بِلَاد العلى وبلاد الْجَبَل للسُّلْطَان وَهِي قدر ربع بِلَاد النّوبَة لقربها من أسوان وَأَن يحمل الْقطن وَالتَّمْر مَعَ الْحُقُوق الْجَارِي بهَا الْعَادة من الْقَدِيم وَعرض عَلَيْهِم الْإِسْلَام أَو الْجِزْيَة أَو الْقَتْل فَاخْتَارُوا الْجِزْيَة وَأَن يقوم كل مِنْهُم بِدِينَار عينا فِي كل سنة. وعملت نُسْخَة يَمِين بِهَذِهِ الشُّرُوط وَحلف عَلَيْهَا مشكر وأكابر النّوبَة وعملت أَيْضا نُسْخَة للرغبة بِأَنَّهُم يطيعون نَائِب السُّلْطَان
стр. 554
مادام طَائِعا ويقومون بِدِينَار عَن كل بَالغ. وَخَربَتْ كَنِيسَة سرس الَّتِي كَانَ يزْعم دَاوُد أَنَّهَا تحدثه بِمَا يرديه وَأخذ مَا فِيهَا من الصلبان الذَّهَب وَغَيرهَا فَجَاءَت مبلغ أَرْبَعَة آلَاف وسِتمِائَة وَأَرْبَعين دِينَارا وَنصف وَبَلغت الْأَوَانِي الْفضة ثَمَانِيَة آلَاف وسِتمِائَة وَسِتِّينَ دِينَارا. وَكَانَ دَاوُد قد عمرها على أكتاف الْمُسلمين الَّذين أسرهم من عيذاب وأسوان وَقرر على أقَارِب دَاوُد حمل مَا خَلفه من رَقِيق وقماش إِلَى السُّلْطَان وأطلقت الأسري الَّذين كَانُوا بالنوبة من أهل عيذاب وأسوان وردوا إِلَى أوطانهم. من الْعَسْكَر من الرَّقِيق شَيْئا كثيرا حَتَّى أبيع كل رَأس بِثَلَاثَة دَرَاهِم وَفضل بعد الْقَتْل وَالْبيع عشرَة آلَاف نفس وَأقَام الْعَسْكَر. بِمَدِينَة دمقلة سَبْعَة عشر يَوْمًا وعادوا إِلَى الْقَاهِرَة فِي خَامِس ذِي الْحجَّة بالأسرى والغنائم فرسم السُّلْطَان للصاحب بهاء الدّين بن حنا أَن يستخدم عمالا على مَا يسْتَخْرج من النّوبَة من الْخراج والجزية بدمقلة وأعمالا فَعمل لذَلِك ديوَان. وَفِي ثَانِي عشره: اجْتمع الْقُضَاة والأمراء والأعيان بقلعة الْجَبَل وَعقد للْملك السعيد على غَازِيَة خاتون ابْنه الْأَمِير قلاوون الألفي بوكالة الْأَمِير بدر الدّين بيليك الخازندار نَائِب السلطة عَن الْملك السعيد. فَقبل العقد عَن الْأَمِير قلاوون الْأَمِير آقسنقر الفارقاني على صدَاق مبلغه خَمْسَة آلَاف دِينَار الْمُعَجل مِنْهَا ألفا دِينَار وَكتب الصَدَاق بِخَط القَاضِي محيي الدّين بن عبد الظَّاهِر وإنشائه وَمن جملَته: هَذَا كتاب تحاسدت رماح الْخط وَأَقْلَام الْخط على تحريره وتنافست مطالع الْأَنْوَار ومشارق الْأَنْوَار على تسطيره وأضاء نوره بالجلالة وأشرق وهطل نوره بِالْإِحْسَانِ وأغدق وتناسبت فِيهِ أَجنَاس تجنيس لفظ الْفضل فَقَالَ الِاعْتِرَاف هَذَا مَا تصدق وَقَالَ الْعرف هَذَا مَا أصدق. وَفِيه شنق السُّلْطَان الطواشي شُجَاع الدّين عنبر الْمَعْرُوف بصدر الباز وَكَانَ قد تمكن مِنْهُ تمَكنا عَظِيما من أجل أَنه شرب الْخمر وعلقه تَحت قلعة الْجَبَل. وعندما انقضي أَمر العقد ركب السُّلْطَان من يَوْمه على الهجن فِي نفر يسير وَسَار إِلَى الكرك فَدَخلَهَا فِي ثَالِث عشريه وَهُوَ يُرِيد الْقَبْض على الْأَمِير سَابق الدّين عبِّيَّة فَلَمَّا بلغه حُضُور السُّلْطَان قدم عَلَيْهِ فرعي لَهُ ذَلِك وَزَاد إقطاعه وَنظر السُّلْطَان فِي أَمر أهل الكرك وَقطع أَيدي سِتَّة مِنْهُم اتهموا بِأَنَّهُم قد عزموا على إثارة فتْنَة ورتب رجَالًا بهَا عوضا عَمَّن كَانَ فِيهَا. وفيهَا أَقَامَ حجاج مصر بِمَكَّة ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا وبالمدينة النَّبَوِيَّة عشرَة أَيَّام وَهَذَا لم يعْهَد مثله.
стр. 555
وَمَات فِي هَذِه السّنة من الْأَعْيَان الْأَمِير ركن الدّين خَاص ترك الْكَبِير أحد الْأُمَرَاء الأكابر بِدِمَشْق فِي ثَالِث عشر ربيع الأول. وَمَات الْأَمِير حسام الدّين قيماز الكافري نَائِب حصن الأكراد والسواحل والفتوحات. وَتُوفِّي سعد الدّين أَبُو الْعَبَّاس الْخضر بن التَّاج أبي مُحَمَّد عبد الله بن الْعِمَاد أبي الْفَتْح عمر بن على بن مُحَمَّد بن حمويه الْجُوَيْنِيّ شيخ الشُّيُوخ بِدِمَشْق بهَا عَن نَيف وَثَمَانِينَ سنة. وَتُوفِّي تَاج الدّين أَبُو الثَّنَاء مَحْمُود بن عابدين الْحُسَيْن بن مُحَمَّد بن على التَّمِيمِي الصرخدي الْحَنَفِيّ بِدِمَشْق عَن سِتّ وَتِسْعين سنة. وَتُوفِّي زين الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن جِبْرِيل الْإِنْشَاء لقلعة الْجَبَل فِي ٠٠٠. وَتُوفِّي كَمَال الدّين أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحِيم بن على بن إِسْحَاق بن على شِيث الأمو وَتُوفِّي الأديب أَبُو الْحسن على بن أَحْمد بن العقيب العامري ببعلبك.
стр. 556
سنة خمس وَسبعين وسِتمِائَة فِي الْمحرم: سَار السُّلْطَان من الكرك فَدخل إِلَى دمشق فِي رَابِع عشره وَقدم عَلَيْهِ عدَّة من أُمَرَاء الرّوم مغاضبين للبرواناه وَهُوَ معِين الدّين سُلَيْمَان بن على بن مُحَمَّد بن حسن وَكَانَ مِنْهُم الْأَمِير حسام الدّين بينجار الرُّومِي وبهادر وَلَده وَأحمد بن بهادر وَاثنا عشر من أُمَرَاء الرّوم بأولادهم وَنِسَائِهِمْ من جُمْلَتهمْ قرمشي وسكتاي ابْنا قراجين بن جيفان نوين فَأحْسن السُّلْطَان إِلَيْهِم وَبعث حريمهم إِلَى الْقَاهِرَة وَأجْرِي عَلَيْهِم الأرزاق ثمَّ وصل الْأَمِير سيف الدّين جندر بك صَاحب الأبلستين والأمير مبارز الدّين سوار بن الجاشنكير فِي كثير من أُمَرَاء الرّوم فَتَلقاهُمْ السُّلْطَان بِنَفسِهِ وَأكْرمهمْ ثمَّ كتب السُّلْطَان إِلَى الْأُمَرَاء بِمصْر يستشيرهم فِي بعث عَسْكَر إِلَى الرّوم وَأَن يحضر الْأَمِير بيسري والأمير أقش. مِمَّا يتَّفق الرَّأْي عَلَيْهِ فحضرا على الْبَرِيد وَوصل أَيْضا الْأَمِير سنقر الْأَشْقَر وتتابع وُصُول حَرِيم أُمَرَاء الرّوم فأكرمهم السُّلْطَان وجهزهم إِلَى الْقَاهِرَة وَسَار السُّلْطَان إِلَى حلب وجرد مِنْهَا الْأَمِير سيف الدّين بلبان الزيني الصَّالِحِي فِي عَسْكَر فوصلوا إِلَى عين تَابَ. وَعَاد السُّلْطَان من حلب إِلَى مصر فَدخل قلعة الْجَبَل فِي رَابِع عشر ربيع الأول ورسم بتجهيز مهمات الْعرض فَأخذ النَّاس فِي التَّجْهِيز وغلت الْخُيُول والأسلحة وَعدم صناع صقل الْعدَد من الْقَاهِرَة لاشتغالهم بِالْعَمَلِ عِنْد الْأُمَرَاء وَعز وجود صناع النشاب ومقومي الرماح. وَفِي خَامِس جُمَادَى الأولى: وَقع الْعرض فركبت العساكر بكمالها فِي يَوْم وَاحِد وَقد لبسوا أجمل الْعدَد وَقصد السُّلْطَان بركوبهم فِي يَوْم وَاحِد حَتَّى لَا يستعير أحد من أحد شَيْئا وَفرق السُّلْطَان على مماليكه الْعدَد الجليلة وَركب الْأُمَرَاء الروميون وَمن حضر من الرُّسُل وَعرض الْجَمِيع على السُّلْطَان ونزلوا من الْغَد فِي الوطاقات للعب وَقد لبس المماليك السُّلْطَانِيَّة الجواشن والخوذ وعملت الأبرجة الْخشب على الفيلة ودخلوا فِي الْحلقَة وَسَاقُوا. ثمَّ نصب القبق بالميدان الْأسود تَحت القلعة ورموا النشاب وأنعم السُّلْطَان على كل من أصَاب القبق من الْأُمَرَاء بفرس من الجنائب الْخَاص بسرجه ولجامه وتشاهيره بالمراوات الْفضة وَغَيرهَا وأنعم على من أصَاب من المماليك
стр. 557
والأجناد بِالْخلْعِ. كل ذَلِك وَالسُّلْطَان يسْعَى وَقد تنوع فِي لامات حربه وَصَارَ يَأْخُذ بقلوب النَّاس وَيحسن إِلَيْهِم وسَاق السُّلْطَان بِالرُّمْحِ أحسن سوق حَتَّى تعجبوا من فروسيته إِلَى أَن انقضي النَّهَار على هَذَا. وَفِي الْيَوْم الثَّالِث: ركب السُّلْطَان وَلعب النَّاس ورموا فِي القبق وَالسُّلْطَان يطاعن بِالرُّمْحِ. وَفِي الْغَد ترَتّب الْعَسْكَر من جِهَتَيْنِ واصطدما وتطاعنت الفرسان وَكَانَ السُّلْطَان بَينا يرَاهُ النَّاس آخرا قد شاهدوه أَولا وَهُوَ لَا يسأم من الْكر والفر وَشَاهد النَّاس مِنْهُ وَمن الْملك السعيد مَا يبهر الْعُقُول وتواصل الطعْن بِغَيْر جراح وَالسُّلْطَان بَين تِلْكَ الصُّفُوف لَا يخَاف. وَكَانَ قفجاقي الأَصْل طَوِيل الْقَامَة أسمر اللَّوْن فِي عَيْنَيْهِ زرقة وبإحدى عَيْنَيْهِ نقطة صَغِيرَة صَوته جهوريا وَكَانَ شجاعا عسوفا عجولا. وَكَانَ قد حضر من الْبِلَاد مَعَ تَاجر إِلَى حماة وَمَعَهُ مَمْلُوك آخر فَلَمَّا عرضا على الْملك الْمَنْصُور مُحَمَّد صَاحب حماة لم يُعجبهُ وأبيع بِدِمَشْق بثمانمائة دِرْهَم فَرد مُشْتَرِيه لبياض فِي إِحْدَى عَيْنَيْهِ فَاشْتَرَاهُ الْأَمِير عَلَاء الدّين أيدكين البندقدار مَمْلُوك الْملك الصَّالح نجم الدّين أَيُّوب وَهُوَ بحماة معتقل بهَا وَأقَام فِي خدمته مُدَّة ثمَّ أَخذ مِنْهُ الْملك الصَّالح فترقي فِي الْخلْع وتنقلت بِهِ الْأَحْوَال إِلَى ملك مصر وَالشَّام. وَكَانَت الْأُمَرَاء تخافة مَخَافَة شَدِيدَة حَتَّى إِنَّه لما مرض لم يدْخل أحد مِنْهُم عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذن. وَكَانَ مقداما خَفِيف الركاب طول أَيَّامه يسير على الهجن وخيول الْبَرِيد لكشف القلاع وَالنَّظَر فِي الممالك فَركب للعب الكرة فِي الْأُسْبُوع يَوْمَيْنِ بِمصْر وَيَوْما بِدِمَشْق وَفِي ذَلِك يَقُول سيف الدولة المهمندار من أَبْيَات يمدحه بهَا: يَوْمًا بِمصْر وَيَوْما بالحجاز وبالشام يَوْمًا وَيَوْما فِي قري حلب وَكَانَت عدَّة عسكره اثْنَي عشر ألفا ثلثهَا بِمصْر وثلثها بِدِمَشْق وثلثها بحلب. وَكَانَ هَؤُلَاءِ خاصته فَإِذا غزا خرج مَعَه أَرْبَعَة آلَاف يُقَال لَهُم جَيش الزَّحْف فَإِن احْتَاجَ استدعى أَرْبَعَة أُخْرَى فان اشْتَدَّ بِهِ الْأَمر استدعى الْأَرْبَعَة آلَاف الثَّالِثَة. وافتتح من الْبِلَاد قيسارية وأرسوف وهدمها وَفتح صفد وعمرها وَفتح طبرية ويافا والشقيف وأنطاكية وخربها. واستولي على بغراس والقصير وحصن الأكراد والقرين وحصن عكار وصافيتا ومرقية وحلبا وناصف الفرنج المرقب وبانياس وأنطرسوس وَأخذ من
стр. 558
متملك سيس دربساك ودركوش وتلميش وَكفر دنين ورعبان ومرزبان وَملك دمشق وعجلون وبصري وصرخد والصلت وحمص وتدمر الرحبة وتل بَاشر وصهيون وبلاطنس وقلعة الْكَهْف والقدموس والدينقة العليقة والخوابي والرصافة ومصياف والكرك والشوبك وبلاد الْحَلب وشيزر وبلاد النّوبَة وبرقة وَسَائِر إقليم مصر وَالشَّام وَملك قيسارية من بِلَاد الرّوم. وَقد قَالَ فِيهِ بعض الأدباء: تدبر الْملك من مصر إِلَى يمن إِلَى الْعرَاق وَأَرْض الرّوم والنوبي وَله عدَّة أوقاف بِمصْر: مِنْهَا وقف الطرحاء لتغسيل فُقَرَاء الْمُسلمين وتكفينهم ودفنهم وَهُوَ من أَكثر الْأَوْقَاف نفعا وَمِنْهَا تربة الظَّاهِرِيَّة بالقرافة والمدرسة الظَّاهِر بِخَط بَين القصرين من الْقَاهِرَة وَالْجَامِع الظَّاهِرِيّ خَارج بَاب الْفتُوح من الْقَاهِرَة. وَعمر السُّلْطَان بيبرس الجسر الَّذِي يسْلك عَلَيْهِ إِلَى دمياط وَأَنْشَأَ عَلَيْهِ سِتّ عشرَة قنطرة وَعمر قنطرة بَحر انصباب السَّيْل ووقفوا وَقْفَة رجل وَاحِد. وَقدم السُّلْطَان عدَّة من مماليكه وخواصه فَقَاتلُوا قتالا شَدِيدا ثمَّ رَدفَهُمْ بِنَفسِهِ وَحمل وحملت العساكر مَعَه حَملَة شَدِيدَة. فترجل التتار عَن خيولهم وقاتلوا قتال من يطْلب الْمَوْت حَتَّى عظم الْقَتْل فيهم فولي طَائِفَة مِنْهُم وأدركهم الْعَسْكَر فأحاط بهم. وَنَجَا معِين الدّين سُلَيْمَان البرواناه زعيم الرّوم فَانْهَزَمَ أَصْحَابه وَصَارَ هُوَ إِلَى قيسارية فوصلها بكرَة يَوْم الْأَحَد ثَانِي عشر ذِي الْقعدَة وَأَشَارَ على سلطانها غياث الدّين كيكاوس بن كيخسرو وَجَمَاعَة الْأُمَرَاء بِالْخرُوجِ مِنْهَا فَإِن التتر المنهزمين مَتى دخلُوا قيسارية قتلوا كل من فِيهَا حنقا على الْمُسلمين ثمَّ أَخذ البرواناه السُّلْطَان غياث الدّين كيكاوس بن كيخسرون صَاحب الرّوم وَجَمَاعَة من أَعْيَان الْبَلَد وَصَارَ بهم إِلَى توقات وَبَينهَا وَبَين قيسارية مسيرَة ثَلَاثَة أَيَّام. وَأما السُّلْطَان فَإِنَّهُ نزل بعد هزيمَة التتار فِي مَنْزِلَتهمْ وأحضر إِلَيْهِ من أسر من أُمَرَاء المغول فَعَفَا عَنْهُم وأطلقهم. وَقتل فِي المعركة الْأَمِير ضِيَاء الدّين بن الخطير والأمير سيف الدّين قيران العلائي أحد مقدمي الْحلقَة وَسيف الدّين قفجاف الجاشنكير وعدة من الْعَسْكَر وجرح جمَاعَة. وَقتل قتاوون مقدم التتار فِي المعركة وَأمر السُّلْطَان بقتل من أسر من التتار وأبقي من أسر من أُمَرَاء الرّوم وأعيانهم مَعَه وَفِيهِمْ أم البرواناه وَابْنه مهذب الدّين على وَابْن ابْنَته. وجرد السُّلْطَان الْأَمِير سنقر الْأَشْقَر فِي جمَاعَة لإدراك المنهزمين من التتر وللتوجه إِلَى قيسارية وَكتب مَعَه كتابا إِلَى أهل قيسارية بالأمان وَإِخْرَاج الْأَسْوَاق والتعامل بِالدَّرَاهِمِ الظَّاهِرِيَّة فَمر الْأَمِير سنقر بفرقة من التتار مَعَهم الْبيُوت فَأخذ مِنْهُم جانبا
стр. 559
وأدركه اللَّيْل فَتفرق من بَقِي مِنْهُم. ورحل السُّلْطَان فِي يَوْم السبت حادي عشره يُرِيد قيسارية الرّوم فاستولي فِي طَرِيقه على عدَّة بِلَاد. وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء خَامِس عشرَة تَلقاهُ أهل قيسارية من الْعلمَاء والأكابر وَالنِّسَاء والأطفال واحتف بِهِ الْفُقَرَاء الصُّوفِيَّة وتواجدوا إِلَى أَن قرب من دهليز السُّلْطَان غياث الدّين صَاحب الرّوم وخيامه وَقد نصبت فِي وطاة بِالْقربِ من المناظر الَّتِي كَانَت لملوك الرّوم فترجل وُجُوه العساكر المصرية والشامية على طبقاتهم وَمَشوا بَين يَدَيْهِ إِلَى أَن وَصلهَا وَارْتَفَعت الْأَصْوَات بِالتَّكْبِيرِ والتهليل وَأَقْبل الرّوم من كل جِهَة وَضربت نوبَة آل سلجوق على عَادَتهَا وَحضر أَصْحَاب الملاهي كَمَا هِيَ عَادَة الرّوم فنهوا عَن الضَّرْب بالآلت وَعَن الْغناء أَيْضا وَقيل لَهُم: هَذِه الْهَيْئَة لَا تتفق عندنَا وَمَا هَذَا مَوضِع الْغناء بل مَوضِع الشُّكْر. وَشرع السُّلْطَان فِي إِنْفَاق المَال وَعين لكل جِهَة شخصان وَكتب إِلَى أَوْلَاد قرمان أُمَرَاء التركمان وأكد عَلَيْهِم فِي الْحُضُور واستمال النازحين فَمَا خرج البرواناخ عَن المطاولة إِلَى أَن علم السُّلْطَان مِنْهُ إِنَّه لَا يحضر. وَركب السُّلْطَان فِي يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشريه وعَلى رَأسه جتر بني سلجوق وَدخل قيسارية دَار السلطة وَعبر الْقُصُور وَجلسَ على آل سلجوق وَأَقْبل النَّاس للهناء وقبلوا الأَرْض وَحضر القضاه وَالْفُقَهَاء والوعاظ والقراء والصوفية وأعيان قيسارية وذوو الْمَرَاتِب على عَادَة الْمُلُوك السلجوقية فِي أَيَّام الْجمع ووقف أَمِير المحفل - وَهُوَ عِنْدهم ذُو حُرْمَة ومكانة ويلبس أكبر ثوب وعمامة - فرتب المحفل على قدر الأقدار وانتصب قَائِما بَين يَدي السُّلْطَان منتظرا مَا يُشِير بِهِ. وَقَرَأَ الْقُرَّاء أحسن قِرَاءَة وَرفعُوا أَصْوَاتهم بالتلحين العجيب إِلَى أَن فرغوا فانشد أَمِير المحفل بِالْعَرَبِيَّةِ والعجمية مدائح فِي السُّلْطَان وَمد سماط الطَّعَام فَأكل من حضر ثمَّ أحضرت دَرَاهِم عَلَيْهَا السِّكَّة الظَّاهِرِيَّة. وتهيأ السُّلْطَان لصَلَاة الْجُمُعَة وَقَامَ السُّلْطَان إِلَى الْجَامِع وخطب الْخطب بنعوته وَصلي وخطب لَهُ الخطباء بجوامع قيسارية وَهِي سَبْعَة فَلَمَّا قضي السُّلْطَان صَلَاة الْجُمُعَة حمل إِلَيْهِ مَا تركته كرجي خاتون امْرَأَة البرواناه من الْأَمْوَال الَّتِي لم تقدر على حملهَا مَعهَا وَمَا خَلفه سواهَا مِمَّن انتزح مَعهَا وَظهر لَهَا ولزوجها معِين لدين البرواناه مَوْجُود نَفِيس فَأخذ السُّلْطَان ذَلِك. وَبعث البرواناه يهنئ السُّلْطَان بيبرس بجلوسه على تخت الْملك فَكتب إِلَيْهِ أَن يفد
стр. 560
عَلَيْهِ ليقره مَكَانَهُ فَبعث يسْأَل النظرة إِلَى خَمْسَة عشر يَوْمًا. وَرَجا البرواناه بذلك أَن يصل الْملك أَيْضا وَكَانَ قد أرسل يستحثه على الْقدوم بِنَفسِهِ ليدرك الْملك الظَّاهِر وَهُوَ بِبِلَاد الرّوم فَلَمَّا بلغ السُّلْطَان ذَلِك خرج من قيسارية فِي ثَانِي عشريه بعد مَا أعطي الْأُمَرَاء والخواص الْخُيُول وَالْأَمْوَال. وَلما وصل السُّلْطَان إِلَى خَان كيقباد بعث إِلَى الأرمن بِجِهَة الرمانة لأمير طيبرس الوزيري فَحرق وَقتل وَسبي من بهَا من الأرمن وَعَاد وَسبب ذَلِك أَنهم كَانُوا قد أخفوا جمَاعَة من التتر فَسَار السُّلْطَان إِلَى الأبلستين وَمر على مَكَان المعركة ليري رمم الْقَتْلَى من التتار فَذكر أهل الأبلستين إِنَّهُم عدوا من الْقَتْلَى سِتَّة آلَاف وَسَبْعمائة وَسِتِّينَ وَضاع الْحساب بعد ذَلِك فَأمر السُّلْطَان بِجمع من قتل من عساكره ودفنوا وَترك مِنْهُم قَلِيلا بِغَيْر دفن وَقصد بذلك وَدخل السُّلْطَان إِلَى الدربند فِي رَابِع ذِي الْحجَّة وَأصَاب النَّاس فِيهِ مشقة عَظِيمَة وَنزل بحارم فِي سادسه وَعِيد هُنَاكَ فورد كتاب الْأَمِير شمس الدّين مُحَمَّد بن قرمان أَمِير التركمان يتَضَمَّن أَنه جمع التركمان وَحضر فِي عشْرين ألف فَارس وَثَلَاثِينَ ألف راجل متركشة للْخدمَة فَوجدَ السُّلْطَان قد عَاد وَحضر أَيْضا أُمَرَاء بني كلاب ووفود التركمان ثمَّ رَحل السُّلْطَان طَالبا دمشق. وَقدم الْملك أبغا بن هولاكو بالتتار لمحاربة السُّلْطَان فوافاه البرواناه فِي الطَّرِيق. وَكَانَ السُّلْطَان قد رَحل فَتَبِعَهُ أبغا وَسَار إِلَى الأبلستين حَتَّى عاين الْقَتْلَى بالمعركة وَلَيْسَ فيهم من الرّوم وَلَا من عَسَاكِر السُّلْطَان إِلَّا الْقَلِيل مَعَ كَثْرَة رمم التتار الَّتِي هُنَاكَ فشق عَلَيْهِ ذَلِك وَكَانَ قد وشي إِلَيْهِ بالبرواناه إِنَّه هُوَ الَّذِي كَاتب الْملك الظَّاهِر حَتَّى أقدمه إِلَى بِلَاد الرّوم فخنق لقلَّة عدد قَتْلِي الرّوم. وَعَاد أبغا إِلَى قيسارية فنهبها وَقتل من بِبِلَاد الرّوم من الْمُسلمين وأغار التتار مسيرَة سَبْعَة أَيَّام فَيُقَال إِنَّه قتل من الْفُقَهَاء والقضاة والرعايا مَا يزِيد على مِائَتي ألف نفس وَلم يقتل أحدا من النَّصَارَى. وكل الْقَتْل من أرزن الرّوم إِلَى قيسارية فَيُقَال إِن عدَّة الْقَتْلَى كَانَت خَمْسمِائَة ألف ثمَّ سَار أبغا وَمَعَهُ السُّلْطَان غياث الدّين صَاحب الرّوم ووكل بالبرواناه من يحفظه. وَسَار السُّلْطَان بيبرس من حارم إِلَى أنطاكية وَنزل بمروجها. الْأَمِير عز الدّين إيغان الْمَعْرُوف بِسم الْمَوْت أيحد أُمَرَاء مصر وَهُوَ بقلعة الْجَبَل
стр. 561
مسجونا فَدفن خَارج بَاب النَّصْر. وفيهَا حج الصاحب تَاج الدّين حنا وَكَانَ بِمَكَّة غلاء عَظِيم. وَتُوفِّي شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن مَنْصُور الْحَرَّانِي الْحَنَفِيّ بِدِمَشْق بعد مَا أَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ عينا وَكَانَ قد ولي قَضَاء بعض الْأَعْمَال. وَتُوفِّي بدر أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن القويرة الْحَنَفِيّ الْفَقِيه الأديب نَحْو أَرْبَعِينَ سنة بِدِمَشْق. وَتُوفِّي فَخر الدّين أَبُو الْوَلِيد مُحَمَّد بن سعيد بن مُحَمَّد بن هِشَام بن عبد الْحق الْكِنَانِي الشاطبي الْحَنَفِيّ النَّحْوِيّ الأديب عَن سِتِّينَ سنة بِدِمَشْق. وَتُوفِّي قطب الدّين أَبُو الْمَعَالِي أَحْمد بن عبد السَّلَام بن المطهر بن أبي سعد عبد الله ابْن مُحَمَّد بن هبة الله بن على بن المطهر بن أبي عصرون التَّمِيمِي الْموصِلِي الشَّافِعِي عَن ثَلَاث وَثَمَانِينَ سنة بحلب. وَتُوفِّي الأديب شهَاب الدّين أَبُو المكارم مُحَمَّد بن يُوسُف بن مَسْعُود بن بركَة الشَّيْبَانِيّ التلمفري عَن اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سنة بحماة. وَمَات الشَّيْخ الْعَبَّاس خضر بن أبي بكر بن مُوسَى المهراني الْعَدوي الْكرْدِي فِي محبسه بقلعة وماس متملك تونس أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْمُسْتَنْصر بن السعيد أبي زَكَرِيَّا يحيي بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص فِي عَاشر ذُو الْحجَّة فَكَانَت مدَّته ثمانيا وَعشْرين سنة وَخَمْسَة أشهر وَعشرَة أَيَّام وبويع بعده ابْنه أَبُو زَكَرِيَّا يحيي الواثق.
стр. 562
سنة سِتّ وَسبعين وسِتمِائَة فِي خَامِس الْمحرم: دخل السُّلْطَان من أنطاكية إِلَى دمشق بعساكره وَنزل بِالْقصرِ الأبلق فكثرت الْأَخْبَار بقدوم أبغا إِلَى الأبلستين وَأَنه يُرِيد بِلَاد الشَّام فَضرب الدهليز على الْقصر ليخرج السُّلْطَان إِلَى لِقَائِه فورد الْخَبَر بِرُجُوع ألبغا إِلَى بِلَاده فَرد الدهليز إِلَى دمشق. وَلما كَانَ فِي يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشره: جلس السُّلْطَان لشرب القمز وَقد عظم سروره وفرحه وتناهي سعده فَأكْثر من الشّرْب وانقضي الْمجْلس فتوعك بدنه وَأصْبح يشكو فتقيأ وَركب بعد الصَّلَاة إِلَى الميدان ثمَّ عَاد إِلَى الْقصر الأبلق آخر النَّهَار وَبَات فِيهِ فَلَمَّا أصبح وَهُوَ يشكو حرارة فِي بَاطِنه اسْتعْمل دَوَاء لم يكن عَن رَأْي طَبِيب فَلم ينجح وتزايد ألمه فاستدعى الْأَطِبَّاء فانكروا اسْتِعْمَاله الدَّوَاء وَاتَّفَقُوا على أَخذ مسهل وسقوه فَلم يفد فحركوه بدواء آخر فأفرط بِهِ الإسهال وتضاعفت الحمي وَرمي دَمًا يُقَال إِنَّه كبده فعولج بجواهر وَمَات. وَقَالَ الشَّيْخ قطب الدّين اليونيني فِي تَارِيخه: إِن الظَّاهِر كَانَ مُولَعا بِعلم النُّجُوم فَقيل لَهُ أَنه يَمُوت بِدِمَشْق فِي سنة سِتّ وَسبعين هَذِه ملك بالسم فاهتم من ذَلِك وَيُقَال إِنَّه كَانَ فِيهِ حد فَلَمَّا دخل مَعَه إِلَى بِلَاد الرّوم الْملك القاهر بهاء الدّين عبد الْملك بن الْملك الْمُعظم عيسي بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب أبلي فِي المصاف بلَاء عَظِيما أنكي بِهِ الْعَدو وتعجب النَّاس لعظم شجاعته فأثر ذَلِك عِنْد السُّلْطَان. وَاتفقَ أَن السُّلْطَان كَانَ مِنْهُ ذَلِك الْيَوْم فتور وَظهر عَلَيْهِ الْخَوْف والندم على مَا فعله من تورط نَفسه وعساكره بِبِلَاد الرّوم فَأنْكر عَلَيْهِ الْملك القاهر وقبح فعله فَأسر لَهُ السُّلْطَان ذَلِك إِلَى أَن قدم فِي دمشق فَسمع السُّلْطَان النَّاس تلهج مِمَّا فعله الْملك القاهر فِي وَقت المصاف فَاشْتَدَّ حنقه وَأخذ يتحيل فِي سمه ليَصِح فِيهِ مَا دلّت عَلَيْهِ النُّجُوم من موت ملك بِالشَّام فَإِنَّهُ يُطلق عَلَيْهِ اسْم الْملك فَعمل دَعْوَة لشرب القمز حضرها الْملك
стр. 563
القاهر وَقد أعد السُّلْطَان سما من غير أَن يشْعر بِهِ أحد. وَكَانَ لَهُ ثَلَاث هنابات تخْتَص بِهِ مَعَ ثَلَاثَة سقاة لَا يشرب فِيهَا غَيره أَو من يُكرمهُ فيناوله أَحدهَا بِيَدِهِ فَلَمَّا قَامَ الْملك القاهر لقَضَاء حَاجته جعل السُّلْطَان السم الَّذِي أعده فِي هناب وأمسكه بِيَدِهِ فَلَمَّا عَاد الْملك القاهر نَاوَلَهُ إِيَّاه فَقبل الأَرْض وَشرب جَمِيع مَا فِيهِ وَقَامَ السُّلْطَان لقَضَاء حَاجَة وَأخذ الساقي المناب من يَد الْملك القاهر وملأه على الْعَادة من غير أَن يشْعر بِمَا عمله السُّلْطَان من السم فِيهِ وأمسكه بِيَدِهِ ووقف مَعَ السقاة فَلَمَّا عَاد السُّلْطَان من الْخَلَاء تنَاول ذَلِك المناب بِعَيْنِه وَشرب مَا فِيهِ وَهُوَ لَا يعلم إِنَّه المناب المسموم فعندما شربه أحس بالتغير وَعلم إِنَّه قد شرب بقايا السم الَّذِي كَانَ فِي المناب فتقيا فَلم يفد وَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى مَاتَ. وَذكر ركن الدّين بيبرس المنصوري المؤرخ أَن الْقَمَر خسف جَمِيع جرمه وَدلّ على موت رجل جليل الْقدر فَلَمَّا بلغ الْملك الظَّاهِر هَذَا خَافَ وَقصد صرف ذَلِك إِلَى غَيره فسم الْملك القاهر فِي كأس قمز وأحس الْملك القاهر بِالشَّرِّ فَقَامَ وَغلظ الساقي فَمَلَأ الكأس وسقاه السُّلْطَان فأحس بالنيران وَأقَام أَيَّامًا يشكو وَلَا يعلم الْأَطِبَّاء حَتَّى تمكن مِنْهُ وَمَات. وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشري الْمحرم بعد الزَّوَال فَكَانَت مُدَّة مَرضه ثَلَاثَة عشر يَوْمًا وَقد تجَاوز الْخمسين سنة وَمُدَّة ملكه سبع عشرَة سنة وشهران وَاثنا عشر يَوْمًا. وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء: أنعم السُّلْطَان على جَمِيع الْأُمَرَاء والمقدمين والقضاة والمتعممين بالتشاريف وَلبس السُّلْطَان تَشْرِيفًا كَامِلا بشربوش ثمَّ أنعم بِهِ على الْأَمِير سيف الدّين قلاوون الألفي ولعبوا على عَادَتهم. وَحصل الاهتمام بِأَمْر السماط وَنقل لَهُ من أَصْنَاف الْحَوَائِج مَا لَا يعد وسيق من الأغنام أُلُوف كَثِيرَة. ومدت الأسمطة وَحضر السُّلْطَان وَالنَّاس فِي خدمته إِلَى أَن أخذُوا حَاجتهم من الطَّعَام والحلاوات ثمَّ نقل جَمِيع ذَلِك وَأخذ. وَحَضَرت التقادم فَقبل السُّلْطَان مِنْهَا الْيَسِير مثل تقصيلة أَو رمح أَو شَيْء لطيف وَمَا قَامَ من مَجْلِسه حَتَّى أنعم بذلك فِي وقته وَدخل الْملك السعيد على ابْنة الْأَمِير قلاوون.
стр. 564
وَشرع السُّلْطَان فِي السّفر لأخذ بِلَاد الرّوم وَبعث إِلَى الْأُمَرَاء الروميين الْخُيُول والخيام وكل مَا يصلح من أُمُور السّفر. وتقرر الْأَمِير آقسنقر الفارقاني نَائِب الْغَيْبَة بقلعة الْجَبَل وَمَعَهُ الصاحب بهاء الدّين بن حنا ليكونا فِي خدمَة الْملك السعيد. وَتعين الصاحب زين الدّين أَحْمد بن الصاحب فَخر الدّين مُحَمَّد بن الصاحب بهاء الدّين لوزارة الصُّحْبَة. وَخرج السُّلْطَان من قلعة الْجَبَل يَوْم الْخَمِيس الْعشْرين من رَمَضَان ورحل فِي يَوْم السبت ثَانِي عشريه وَمَعَهُ الْأُمَرَاء والعساكر الإسلامية يُرِيد الْبِلَاد الشامية فَدخل دمشق يَوْم الْأَرْبَعَاء سَابِع عشر شَوَّال وَخرج مِنْهَا إِلَى حلب فِي الْعشْرين مِنْهُ فوصل إِلَى حلب مستهل ذِي الْقعدَة وَخرج مِنْهَا يَوْم الْخَمِيس ثَانِيه إِلَى حيلان وجرد السُّلْطَان الْأَمِير نور الدّين على بن محلي نَائِب حلب ليقيم على الْفُرَات بعسكر حلب ويحفظ معابر الْفُرَات لِئَلَّا يدْخل أحد من التتار إِلَى بِلَاد الشَّام وَوصل إِلَى الْأَمِير نور الدّين الْأَمِير شرف الدّين عيسي بن مهنا. وَكَانَ السُّلْطَان مُنْذُ خرج من مصر إِلَى أَن وصل إِلَى حلب لم يمر بمملكة إِلَّا أَخذ مَعَه عسكرها وخزائنها وأسلحتها فَترك بعض الثّقل بحيلان وَصَارَ مِنْهَا يَوْم الْجُمُعَة ثالثه إِلَى عين تَابَ وَقطع الدربندربات فِي وَطْأَة. وتوجهت العساكر جرائد على الْأَمر الْمَعْهُود وخففوا كل شَيْء وَتقدم الْأَمِير سنقر الْأَشْقَر جاليشا فِي عدَّة من الْعَسْكَر فَوَقع على ثَلَاثَة آلَاف فَارس من التتار ومقدمهم يُسمى كراي فَانْهَزَمُوا قدامه وَأسر مِنْهُم جمَاعَة وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْخَمِيس تَاسِع الشَّهْر وَبلغ ذَلِك الْملك أبغا فَجهز جمَاعَة من عرب خفاجة لينازلوا عَسْكَر حلب على غرَّة فَبلغ ذَلِك نَائِب حلب وَهُوَ على الْفُرَات فَركب إِلَيْهِم وَقَاتلهمْ وَهَزَمَهُمْ وَأخذ مِنْهُم ألفا ومائتي جمل. وَورد الْخَبَر على السُّلْطَان بِأَن عَسْكَر التتار ومقدمهم تتاوون وعسكر الرّوم ومقدمهم معِين الدّين البرواناه قد اتَّفقُوا جَمِيعًا على لِقَائِه فرتب عساكره وتأهب للقاء وطلع بعساكره على جبال تشرف على صحراء هوتي من بلد أبلستين. وترتب المغول أحد عشر طلبا كل طلب يزِيد على ألف فَارس وعزلوا عَسْكَر الرّوم عَنْهُم
стр. 565
وجعلوه طلبا بمفرده لِئَلَّا يكون محاصرا عَلَيْهِم وَأَقْبلُوا فانصبت الْخُيُول الإسلامية عَلَيْهِم من جبل أبي المنجا وَهِي أجل قناطر أَرض مصر. وَعمل قناطر السبَاع بَين الْقَاهِرَة ومصر على الخليج الْكَبِير وحفر خليج الْإسْكَنْدَريَّة وبحر طناح وبحر الصماصم بالقليوبية وحفر خليج سردوس وَأصْلح بَحر دمياط وردم فَمه بالصخور. وَمن غَرِيب أمره إِنَّه أول مَا فتح من الْبِلَاد قيسارية من بِلَاد السَّاحِل وَآخر مَا فتح مَدِينَة قيسارية من بِلَاد الرّوم. وَأول جُلُوسه على مرتبه الْملك يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشري ذِي الْقعدَة وَآخر جُلُوسه على تخت الْملك بسلطنة آل سلجوق فِي قيسارية الرّوم يَوْم الْجُمُعَة سَابِع عشري ذِي الْقعدَة وَأول من بني مَدِينَة أنطاكية اسْمه بِالْعَرَبِيَّةِ الْملك الظَّاهِر وَالَّذِي أخربها الْملك الظَّاهِر. وَأول من قَامَ بدولة التّرْك السلجوقية ركن الدّين طغرلبك وَالْملك الظَّاهِر ركن الدّين بيبرس هُوَ الْقَائِم فِي الْحَقِيقَة بدولة التّرْك من يَوْم وقْعَة المنصورة. وركن الدّين طغرلبك هُوَ الَّذِي رد الْخلَافَة على بني الْعَبَّاس فِي نوبَة البساسيري وركن الدّين بيبرس هُوَ الَّذِي رد الْخلَافَة على بني الْعَبَّاس فِي نوبَة هولاكو. وَالْخطْبَة بديار مصر كَانَت بعد الْخَلِيفَة الْحَاكِم بِأَمْر الله الفاطمي للظَّاهِر لإعزاز دين الله وَكَذَا وَقع لَهُ فقد كَانَت الْخطْبَة بعد الْخَلِيفَة الْحَاكِم بِأَمْر الله العباسي للْملك الظَّاهِر بيبرس. وَكَانَ راتب مخابزة وعليقة لخاصة نَفسه ومماليكه فِي كل سنة مائَة ألف وَعشْرين ألف أردب وَكَانَ يطعم فِي كل لَيْلَة من ليَالِي شهر رَمَضَان خَمْسَة آلَاف نفس ويكسو فِي كل سنة سِتّمائَة كسْوَة خَارِجا عَمَّا يُطلقهُ من يَده من الكساوي وَكَانَ لَهُ من الْخبز ألفا قِنْطَار وَخَمْسمِائة فِي كل يَوْم. إِلَّا إِنَّه كَانَ كثير المصادرات للدواوين كثير الجباية للأموال من الرّعية. وأحدث وزيره ابْن حنا فِي أَيَّامه حوادث جليلة وقاس أَمْلَاك النَّاس بِمصْر والقاهرة وصادر أَرْبَاب الْأَمْوَال حَتَّى هلك كثير مِنْهُم تَحت الْعقُوبَة وَأخذ جوالي الذِّمَّة مضاعفة وَأمر بإحراقهم كلهم وَجمع لَهُم الأحطاب وحفر لَهُم حُفْرَة عَظِيمَة قُدَّام دَار النِّيَابَة بقلعة الْجَبَل ثمَّ عُفيَ عَنْهُم وَقرر عَلَيْهِم أَمْوَالًا
следующие страницы →