Полный текст (3 250 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وفيهَا ولي الْأَمِير نجم الدّين إِبْرَاهِيم بن نور الدّين على بن السديد ولَايَة مصر عوضا عَن الْأَمِير عز الدّين أيبك الفخري. وسفر الْأَمِير سيف الدّين باسطي نَائِبا بقلعة صرخد والأمير عز الدّين أيبك الفخري والياً بالقلعة الْمَذْكُورَة. وَفِي يَوْم السبت سادس عشري شهر رَمَضَان: صرف قَاضِي الْقُضَاة صدر الدّين عمر بن تَاج الدّين عبد الْوَهَّاب ابْن بنت الْأَعَز عَن قَضَاء الْقُضَاة بديار مصر وَكَانَ قد سلك فِي ولَايَته طَرِيق الْخَيْر وَالصَّلَاح وتحري الْحق وَالْعدْل وتصلب فِي الْأَحْكَام وَاسْتقر عوضا عَنهُ قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن رزين الْحَمَوِيّ. وَفِيه خرج الْأَمِير بدر الدّين بكتاش النجمي إِلَى حمص مُجَردا وَخرج الْأَمِير عَلَاء الدّين أيدكين البندقداري الصَّالِحِي لحفظ السَّاحِل من الفرنج. وَكتب السُّلْطَان إِلَى الْأَمِير سيف الدّين بلبان الطباخي نَائِب حصن الأكراد بغزو الفرنج بالمرقب لمساعدتهم التتار عِنْد وصولهم حلب فَجمع التركمان وَغَيرهم وَحمل المجانيق والآلات ونازل المرقب فَانْهَزَمَ الْمُسلمُونَ ونهبهم الفرنج وَعدم من الْمُسلمين مِقْدَار مِائَتي فَارس وراجل. فَكبر ذَلِك على السُّلْطَان وتحرك للسَّفر وَخرج فِي أول ذِي الْحجَّة واستخلف ابْنه الْملك الصَّالح وخيم بِمَسْجِد تبر. ورتب السُّلْطَان الْأَمِير علم الدّين سنجر الشجاعي. فِي اسْتِخْرَاج الْأَمْوَال وتدبير أُمُور المملكة وَجعله فِي خدمَة الْملك الصَّالح مَعَ الْوَزير برهَان الدّين السنجاري. وَأقَام القَاضِي محيي الدّين بن عبد الظَّاهِر بِالْقَاهِرَةِ لقِرَاءَة الْبَرِيد وتنفيذ الأشغال وَأقر فِي نِيَابَة السلطنة بديار مصر الْأَمِير زين الدّين كتبغا المنصوري. وَقدم الْأَمِير شرف الدّين عيسي بن مهنا من الْعرَاق وترامي على السُّلْطَان فَعَفَا عَنهُ وأكرمه وَركب إِلَى لِقَائِه وَأحسن إِلَيْهِ. وَمَات فِي هَذِه السّنة الشَّيْخ الصَّالح المعمر طير الْجنَّة وَدفن بقرافة مصر. وَمَات الأديب الشَّاعِر جمال الدّين أَبُو الْحسن يحيي بن عبد الْعَظِيم بن يحيي بن مُحَمَّد ابْن على الجزار فِي ثَانِي عشر شَوَّال. وَمَات الْأَمِير الْكَبِير جمال الدّين أقوش الشمسي نَائِب حلب بهَا فِي خَامِس الْمحرم وَهُوَ الَّذِي قتل كتبغا نوين مقدم التتار يَوْم عين جالوت وهر الَّذِي أمسك الْأَمِير عز الدّين أيدمر الظَّاهِرِيّ وَولي نِيَابَة حلب بعده علم الدّين سنجر الباشقردي.
стр. 597
وَمَات الْأَمِير على بن عمر الطوري وَقد أناف على تسعين سنة وَكَانَ أحد أبطال الْمُسلمين وَمَات الْأَمِير سيف الدّين أَبُو بكر بن أسباسلار وَإِلَى مصر فِي ربيع الأول بعد مَا ولي مصر عدَّة سِنِين وَكَانَ خَبِيرا عَظِيم السّمن. وَتُوفِّي شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن النن الْبَغْدَادِيّ الشَّافِعِي بالإسكندرية عَن ثَمَانِينَ سنة. وَتُوفِّي الْأَمِير نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن بركَة خَان خَال الْملك السعيد وَهُوَ بِدِمَشْق.
стр. 598
سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة فِيهَا سَار السُّلْطَان قلاوون من ظَاهر الْقَاهِرَة فَأَتَتْهُ رسل الفرنج وَهُوَ بِمَنْزِلَة الروحا فِي تَقْرِير الْهُدْنَة فتقررت بَين مقدم بَيت الإسبتار وَسَائِر الإسبتارية بعكا وَبَين السُّلْطَان وَولده الْملك الصَّالح لمُدَّة عشر سِنِين وَعشرَة أشهر وَعشرَة أَيَّام وَعشر سَاعَات أَولهَا يَوْم السبت ثَانِي عشري الْمحرم. وتقررت الْهُدْنَة أَيْضا مَعَ متملك طرابلس الشَّام بيتند بن بيمند لمُدَّة عشر سِنِين أَولهَا سَابِع عشري شهر ربيع الأولى. وعادت الرُّسُل وَتوجه الْأَمِير فَخر الدّين أياز الْمقري الْحَاجِب لتحليف الفرنج ومقدم الإسبتار على ذَلِك فخلفهم.
стр. 599
وَفِيه بلغ الْأَمِير بدر الدّين بيسري الشمسي أَن الْأَمِير سيف الدّين كوندك الظَّاهِرِيّ السعيدي قد وَافق عدَّة من الظَّاهِرِيَّة والسعيدية على الفتك بالسلطان عِنْد المخاضة بنهر الشَّرِيعَة بعد الرحيل من بيسان فَأعْلم السُّلْطَان بذلك. وَاتفقَ وُرُود كتب من عكا تَتَضَمَّن أَن السُّلْطَان يحْتَرز على نَفسه فَإِن عِنْده جمَاعَة من الْأُمَرَاء قد اتَّفقُوا على قَتله وكاتبوا الفرنج بِأَنَّهُم لَا يصالحون فَإِن الْأَمر لَا يبطئ فاحترز السُّلْطَان على نَفسه. وهم كوندك بِأَن يغتال السُّلْطَان وَهُوَ بِمَنْزِلَة الروحا فَوَجَدَهُ قد تحفظ واستعد ثمَّ إِن السُّلْطَان رَحل من الروحا ولاطف الْأَمر حَتَّى اجْتمع الْأُمَرَاء عِنْده فِي حَمْرَاء
стр. 600
بيسان فونج كوندك وَمن مَعَه وَذكر لَهُم مَا اعتمدوه من مُكَاتبَة الفرنج فَلم ينكروا وسألوا الْعَفو. فَأمر السُّلْطَان بهم فَقبض عَلَيْهِم وهم: كوندك وأيدغمش الحكيمي وبيبرس الرَّشِيدِيّ وساطلمش السِّلَاح دَار الظَّاهِرِيّ وعَلى ثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ من الْأُمَرَاء البرانية والمماليك الجوانية وفر عشرَة أُمَرَاء وَمِائَتَا فَارس فَأخذُوا من بعلبك وصرخد وَأخذ كوندك الْأَمِير حسام الدّين طرنطاي نَائِب السلطة وَمضى بِهِ إِلَى بحيرة طبرية وَضرب عُنُقه ثمَّ غرقه بهَا هُوَ والبقية. فَركب الْأَمِير سيف الدّين أيتامش السعيدي والأمير سيف الدّين بلبان الهاروني فِي نَحْو ثَلَاثمِائَة من البحرية الظَّاهِرِيَّة والتتار الوافدية وتوجهوا إِلَى سنقر الْأَشْقَر بصهيون. فَخرج الْأَمِير بدر الدّين بكتاش الفخري والأمير ركن الدّين طقصوا الناصري فِي أَثَرهم فَلم يدركهم وأوقعت الحوطة على مَوْجُود من قتل وَمن هرب. وَسَار السُّلْطَان إِلَى دمشق فَدَخلَهَا فِي تَاسِع عشر الْمحرم وَهُوَ أول قدومه إِلَيْهَا فِي سلطنته فَكَانَ يَوْمًا مشهوداً وَقد اجْتمع لَهُ عَسْكَر عدته خَمْسُونَ ألفا. وَفِي ثَانِي عشري الْمحرم: صرف ابْن خلجان عَن قَضَاء دمشق وأعيد عز الدّين مُحَمَّد بن الصَّائِغ. وَاسْتقر فِي قَضَاء الْحَنَابِلَة بِدِمَشْق نجم الدّين أَحْمد بن شمس الدّين عبد الرَّحْمَن الْحَنْبَلِيّ وَكَانَ قَضَاء الْحَنَابِلَة قد شغر من دمشق مُنْذُ عزل نَفسه قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين فاستقر ابْنه نجم الدّين بِتَعْيِين وَالِده. وَفِي عَاشر الْمحرم: مَاتَ قَاضِي الْقُضَاة صدر الدّين عمر بن تَاج الدّين عبد الْوَهَّاب ابْن بنت الْأَعَز الشَّافِعِي بِمصْر فاستقر عوضه فِي نظر التربة الصالحية بِخَط بَين القصرين الطواشي حسام الدّين بِلَال المغيثي اللالا. وَاسْتقر فِي نظر المشهد الْحُسَيْنِي بِالْقَاهِرَةِ القَاضِي برهَان الدّين بن الطرائفي كَاتب الْإِنْشَاء فورد مرسوم السُّلْطَان من دمشق بِولَايَة الْأَمِير عَلَاء الدّين كشتغدي الشمسي الأستادار نظر المشهد الْحُسَيْنِي وَولَايَة القَاضِي تَقِيّ الدّين عبد الرَّحْمَن بن عبد الْوَهَّاب ابْن بنت الْأَعَز الْمدرسَة الصالحية والتربة الصالحية عوضا عَن أَخِيه مُضَافا لما بِيَدِهِ من نظر الخزائن المعمورة وَأَن يَكْتَفِي بِمَعْلُوم الْمدرسَة والتربة والمناصب الَّتِي كَانَت بيد أَخِيه وبتوفر معلومه عَن نظر الخزائن.
стр. 601
وَفِي ربيع الأول: صرف الصاحب برهَان الدّين الْخضر السنجاري عَن الوزارة بِمصْر وَقبض عَلَيْهِ وعَلى وَلَده واعتقلا بقلعة الْجَبَل. وَفِي صفر: جرد السُّلْطَان من دمشق الْأَمِير عز الدّين أيبك الأفرم والأمير عَلَاء الدّين كشتغدي الشمسي فِي عدَّة من الأجناد فَسَارُوا إِلَى شيزر فَبعث سنقر الْأَشْقَر يطْلب الصُّلْح على أَن يسلم شيزر ويعوض عَنْهَا الشغر وبكاس وكانتا قد أخدتا مِنْهُ ومعهما فامية وَكفر طلب وأنطاكية وعدة ضيَاع مَعَ مَا بِيَدِهِ من صهيون وبلاطنس ونرزية واللاذقية وَشرط أَيْضا أَن يكون أَمِيرا بستمائة فَارس وَيُؤمر من عِنْده من الْأُمَرَاء فَأُجِيب إِلَى ذَلِك. وَحضر فِي رَابِع ربيع الأول الْأَمِير علم الدّين سنجر الدواداري وَمَعَهُ رَسُول سنقر الْأَشْقَر بنسخة يَمِينه على مَا تقرر فَحلف لَهُ السُّلْطَان وَكتب لَهُ تقليدا بالبلاد الْمَذْكُورَة ونعت فِيهِ بالأمير وخوطب فِي مكاتباته بالمقر العالي المولوي السيدي العالي العادلي الشمسي وَنُودِيَ فِي دمشق باجتماع الْكَلِمَة. وجهزت رسل سنقر الْأَشْقَر وَمَعَهُمْ الْأَمِير فَخر الدّين أياز الْمقري الْحَاجِب والأمير شمس الدّين قراسنقر المنصوري فحلفاه وعادا فِي ثَانِي عشره فَضربت وَبعث السُّلْطَان إِلَى سنقر الْأَشْقَر من الأقمشة والأواني وَغَيرهَا شَيْئا كثيرا وعادت العساكر من شيزر إِلَى دمشق. وَفِي يَوْم الْخَمِيس أول شهر ربيع الأول وَهُوَ خَامِس عشري بؤونة: كَانَ قاع النّيل بِمصْر سِتَّة أَذْرع وَثَمَانِية عشر إصبعاً. وقدمت رسل الْملك المسعود حضر بن الظَّاهِر صَاحب الكرك فِي طلب الصُّلْح وَالزِّيَادَة على الكرك ليَكُون لَهُ مَا كَاد للناصر صَلَاح الدّين دَاوُد فَلم يجب السُّلْطَان إِلَى ذَلِك فترددت الرُّسُل بَينهمَا إِلَى أَن تقرر أَن يكود لَهُ من حد الْمُوجب إِلَى الحسا وَأَن تجهز إِلَيْهِ إخْوَته الذُّكُور وَالْإِنَاث وَترد عَلَيْهِم الْأَمْلَاك الظَّاهِرِيَّة. وَتوجه الْأَمِير بدر الدّين بيليك المحسني السِّلَاح دَار وَالْقَاضِي عماد الدّين بن الْأَثِير ليحلفاه فانبرم الصُّلْح فِي أَوَائِل شهر ربيع الأول وَشهر النداء بذلك فِي دمشق. وَفِي هَذَا الشَّهْر: دارت الْجِهَة المفردة بِدِمَشْق وأعمالها وضمنت بألفي ألف دِرْهَم فِي كل سنة.
стр. 602
فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْأَحَد خَامِس عشريه: خرج مرسوم بإراقة الْخُمُور وَإِبْطَال هَذِه الْجِهَة الخبيثة فَبَطل ذَلِك. وَفِيه عزل برهَان الدّين الْخضر السنجاري عَن الوزارة وصودر وأهين. وَفِي يَوْم الْأَرْبَعَاء تَاسِع عشره: وصلت أم الْملك السعيد نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن بركَة قان ابْن الْملك الظَّاهِر بيبرس وَهُوَ مَعهَا فِي تَابُوت إِلَى ظَاهر دمشق فَرفع فِي لَيْلَة الْخَمِيس الْعشْرين مِنْهُ بحبال إِلَى أَعلَى السُّور وأرخي وَحمل إِلَى تربة وَالِده الْملك الظَّاهِر وألحده مَعَ أَبِيه قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين بن الصَّائِغ. فَلَمَّا كمان بكرَة يَوْم الْخَمِيس: حضر السُّلْطَان والأمراء وَسَائِر الْأَعْيَان وَكثير من الْقُرَّاء والوعاظ إِلَى الْقَبْر فَكَانَ وقتا مشهوداً. وَفِي هَذَا الْيَوْم: أوفي النّيل بِمصْر سِتَّة عشر ذِرَاعا وَثَلَاثَة أَصَابِع وَوَافَقَهُ رَابِع عشر مسري فَكتب إِلَى السُّلْطَان بذلك. وَفِي شهر ربيع الآخر ولي نظر الْإسْكَنْدَريَّة كَمَال الدّين بن سَلامَة بعد وَفَاة رشيد الدّين بن بصاقة. وَفِي جُمَادَى الأولى. شنق بِالْقَاهِرَةِ رجلَانِ. أَحدهمَا مر بِهِ سقاء فزحمه بِحمْلِهِ حَتَّى أتلف ثِيَابه فَضَربهُ بسكين قَتله فشنق وَالْآخر جندي طَالب خياطا بمتاع لَهُ عِنْده فَلَمَّا مطله ضربه فَمَاتَ فشنق أَيْضا. وَفِيه مَاتَ رَسُول ملك الفرنج فأحيط بموجوده. وَفِيه قبض على شخص يعرف بالكريدي فِي طَرِيق مصر كَانَ يقطع الطَّرِيق على النَّاس فسمر على جمل وَأقَام أَيَّامًا يُطَاف بِهِ أسواق مصر والقاهرة فَقطع عَنهُ الْمُوكل بِهِ الْأكل وَالشرب فَلَمَّا طَالب بذلك قَالَ لَهُ الْمُوكل بِهِ: إِنَّمَا أردْت أَن أَهْون عَلَيْك لتَمُوت سَرِيعا حَتَّى تستريح مِمَّا أَنْت فِيهِ فَقَالَ لَهُ: لَا تقل كَذَا فَإِن شَرّ الْحَيَاة خير من الْمَوْت فَنَاوَلَهُ مَا أكله وسقاه. فاتفق إِنَّه وَقعت فِيهِ شَفَاعَة فَأطلق وسجن فَعَاشَ أَيَّامًا ثمَّ مَاتَ فِي السجْن. وَفِي عَاشر جُمَادَى الْآخِرَة وَهُوَ تَاسِع عشري توت: انْتَهَت زِيَادَة مَاء النّيل إِلَى ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا وَأَرْبَعَة أَصَابِع.
стр. 603
وَفِي هَذَا الشَّهْر: ثار العشير ونهبوا مَدِينَة غَزَّة وَقتلُوا خلقا كثيرا وأفسدوا فَبعث السُّلْطَان الْأَمِير عَلَاء الدّين أيدكين الفخري على عَسْكَر من دمشق وَخرج من الْقَاهِرَة الْأَمِير شمس الدّين سنقر البدوي على عَسْكَر. وَفِيه ورد الْخَبَر بِدُخُول منكوتمر أخي ابغا بن هولاكو بن طلوي بن جنكزخان إِلَى بِلَاد الرّوم بعساكر الْمغل وَأَنه نزل بَين قيسارية والأبلستين. فَبعث السُّلْطَان الكشافة فَلَقوا طَائِفَة من التتر أَسرُّوا مِنْهُم شخصا وبعثوا بِهِ إِلَى السُّلْطَان فَقدم إِلَى دمشق فِي الْعشْرين من جُمَادَى الأولى فآتاه السُّلْطَان وَلم ينزل بِهِ حَتَّى أعلمهُ أَن التتر فِي نَحْو ثَمَانِينَ ألفا وَإِنَّهُم يُرِيدُونَ بِلَاد الشَّام فِي أول فشرع السُّلْطَان فِي عرض العساكر واستدعى النَّاس فَحَضَرَ الْأَمِير أَحْمد بن حجي من الْعرَاق فِي جمَاعَة كَبِيرَة من آل مراتكون زهاء أَرْبَعَة آلَاف فَارس شاركين فِي السِّلَاح على الْخُيُول المسومة وَعَلَيْهِم القزغندات الْحمر من الأطلس المعدني والديباج الرُّومِي وعَلى رُءُوسهم الْبيض مقلدين سيوفهم وبأيديهم الرماح وأمامهم العبيد تميل على الركائب وترقص بتراقص المهاري وبأيديهم الجناب ووراءهم الظعائن والحمول وَمَعَهُمْ مغنية تعرف بالحضرمية سافرة فِي الهودج وَهِي تغني:
стр. 604
وَكُنَّا حَسبنَا كل بَيْضَاء شحمة ليَالِي لاقينا جذام وحميرا وَلما لَقينَا عصبَة تغلبية يقودون جردا للمنية ضمرا فَلَمَّا قرعنا النبع بالنبع بعضه بِبَعْض أَبَت عيدانه أَن تنكسرا سقيناهم كأسا سقونا بِمِثْلِهَا وَلَكنهُمْ كَانُوا على الْمَوْت أصبرا فَقَالَ رجل: هَكَذَا يكون وَرب الْكَعْبَة. فَكَانَ كَمَا قَالَ فَإِن الكسرة كَانَت أَولا على الْمُسلمين ثمَّ كَانَت النُّصْرَة لَهُم واستحر الْقَتْل بالتتار كَمَا ستراه. وقدمت نجدة من الْملك المسعود خضر وقدمت عَسَاكِر مصر وَسَائِر العربان والتركمان وَغَيرهم. فوردت الْأَخْبَار. بمسير التتر وَأَنَّهُمْ انقسموا فسارت فرقة مَعَ الْملك أبغا بن هولاكو إِلَى الرحبة وَمَعَهُ صَاحب ماردين وَفرْقَة أُخْرَى من جَانب آخر فَخرج بجكا العلائي فِي طَائِفَة من الكشافة إِلَى جِهَة الرحبة. وجفل النَّاس من حلف إِلَى حماة وحمص حَتَّى خلت من أَهلهَا وَعظم الإرجاف. وتتابع خُرُوج العساكر من دمشق إِلَى يَوْم الْأَحَد سادس عشري جُمَادَى الْآخِرَة فَخرج السُّلْطَان إِلَى المرج. بِمن بَقِي من العساكر وَأقَام بِهِ إِلَى سلخ الشَّهْر ثمَّ رَحل يُرِيد حمص فَنزل عَلَيْهَا فِي حادي عشر رَجَب وَمَعَهُ سَائِر العساكر وَحضر الْأَمِير سنقر الْأَشْقَر من صهيون وَمَعَهُ أيتمش السَّعْدِيّ وأزدمر الْحَاج وسنجر الدواداري وبيجق الْبَغْدَادِيّ وكراي وشمس الدّين الطنطاش وَمن مَعَهم من الظَّاهِرِيَّة فسر السُّلْطَان بذلك وَأكْرمهمْ وأنعم عَلَيْهِم وَكَانَ ذَلِك فِي ثَانِي عشره فَنزل سنقر الْأَشْقَر على الميسرة وقويت الأراجيف بِقرب الْعَدو. وَفِي ثَالِث عشره: اجْتمع النَّاس بأسرهم فِي جَامع دمشق وَتَضَرَّعُوا إِلَى الله وضجوا وَبكوا وحملوا الْمُصحف العثماني على الرُّءُوس وَخَرجُوا من الْجَامِع إِلَى الْمصلى خَارج الْبَلَد وهم يسْأَلُون الله النَّصْر على الْأَعْدَاء. وَوصل التتار إِلَى أَطْرَاف بِلَاد حلب وَقدم منكوتمر إِلَى عين تَابَ ونازل الْملك أبغا قلعة الرحبة فِي سادس عشرى جُمَادَى الْآخِرَة وَمَعَهُ نَحْو ثَلَاثَة آلَاف فَارس. وَتقدم منكوتمر قَلِيلا قَلِيلا حَتَّى وصل حماة وأفسد نَوَاحِيهَا وَخرب جواسق الْملك الْمَنْصُور صَاحب حماة وبستانه فورد الْخَبَر إِلَى السُّلْطَان بذلك وَهُوَ على حمص وَأَن منكوتمر فِي خمسين ألفا من الْمغل وَثَلَاثِينَ ألفا من الكرج وَالروم والأرمن والفرنجة وَأَنه قد قفز إِلَيْهِ مَمْلُوك الْأَمِير ركن الدّين بيبرس العجمي الجالق ودله على عورات الْمُسلمين.
стр. 605
ثمَّ ورد الْخَبَر بِأَن منكوتمر قد عزم أَن يرحل عَن حماة وَيكون اللِّقَاء فِي يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشر رَجَب. وَاتفقَ عِنْد رحيله أَن يدْخل رجل مِنْهُم إِلَى حماة وَقَالَ للنائب: اكْتُبْ السَّاعَة إِلَى السُّلْطَان على جنَاح الطَّائِر بِأَن الْقَوْم ثَمَانُون ألف مقَاتل فِي الْقلب مِنْهُم أَرْبَعَة وَأَرْبَعُونَ ألفا من الْمغل وهم طالبون الْقلب وميمنتهم قَوِيَّة جدا فيقوي ميسرَة الْمُسلمين ويحترز على السناجق. فَسقط الطَّائِر بذلك وَعلم بِمُقْتَضَاهُ وَبَات الْمُسلمُونَ على ظُهُور خيولهم. وَعند إسفار الصَّباح من يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشر شهر وَجب: ركب السُّلْطَان ورتب العساكر: فَجعل فِي الميمنة الْملك الْمَنْصُور صَاحب حماة والأمير بدر الدّين بيسري والأمير عَلَاء الدّين طيبرس الوزيري والأمير عز الدّين أيبك الأفرم والأمير عَلَاء الدّين كشتغدي الشمسي ومضافيهم وَجعل فِي رَأس الميمنة الْأَمِير شرف الدّين عيسي بن مهنا وَآل فضل وَآل مرا وعربان الشَّام وَمن انْضَمَّ إِلَيْهِم وَجعل فِي الميسرة الْأَمِير سنقر الْأَشْقَر وَمن مَعَه من الْأُمَرَاء والأمير بدر الدّين بيليك الأيدمري والأمير بدر الدّين بكتاش أَمِير سلَاح والأمير علم الدّين سنجر الْحلَبِي والأمير بجكا العلائي والأمير بدر الدّين بكتوت العلائي والأمير سيف الدّين حيرك التتري ومضافيهم وَجعل فِي رَأس الميسرة التركمان بجموعهم وعسكر حصن الأكراد وَجعل فِي الجاليش وَهُوَ مُقَدّمَة الْقلب الْأَمِير حسام الدّين طرنطاي نَائِب السلطنة بديار مصر وَمن مَعَه من مضافيه والأمير ركن الدّين أياجي الْحَاجِب والأمير بدر الدّين بكتاش بن كرمون والمماليك السُّلْطَانِيَّة ووقف السُّلْطَان تَحت الصناجق وَمَعَهُ خاصته وألزامه وأرباب الْوَظَائِف فَكَانَت عُمْدَة حلقته أَرْبَعَة آلَاف فَارس وَهِي أقوي وَأَشد وعدة مماليك السُّلْطَان ثَمَانمِائَة مَمْلُوك. وَكَانَ فِي الْعَسْكَر حَشْو كثير من الْأُمَرَاء الأكراد والتركمان سوي أُمَرَاء مصر وَالشَّام. ثمَّ اخْتَار السُّلْطَان من مماليكه مِائَتي فَارس وَانْفَرَدَ عَن العصائب ووقف على تل فَكَانَ إِذا رَأْي طلبا قد اخْتَلَّ أردفه بثلاثمائة من مماليكه. فَأَشْرَفت كراديس التتار وهم مثلا عَسَاكِر الْمُسلمين وَلم يعتدوا مُنْذُ عشْرين سنة مثل هَذِه الْعدة وَلَا جمعُوا مثل جمعهم هَذَا فَإِن أبغا عرض من سيره صُحْبَة أَخِيه منكوتمر فَكَانُوا خَمْسَة وَعشْرين ألف فَارس منتخبة. فالتحم الْقِتَال بَين الْفَرِيقَيْنِ بوطاة حمص قَرِيبا من مشْهد خَالِد بن الْوَلِيد وَيَوْم الْخَمِيس رَابِع عشر رَجَب من ضحوة النَّهَار إِلَى آخِره وَقيل من السَّاعَة الرَّابِعَة. فصدمت ميسرَة التتار ميمنة الْمُسلمين صدمة شَدِيدَة ثبتوا لَهَا ثباتا عَظِيما وحملوا على ميسرَة التتار فَانْكَسَرت وانتهت إِلَى الْقلب وَبِه
стр. 606
منكوتمر. وصدمت ميمنة التتر ميسرَة الْمُسلمين فَانْكَسَرت الميسرة وَانْهَزَمَ من كَانَ فِيهَا وانكسر جنَاح الْقلب الْأَيْسَر. وسَاق التتر خلف الْمُسلمين حَتَّى انتهو إِلَى تَحت حمص وَقد غلقت أَبْوَابهَا ووقعوا فِي السوقة والعامة والرجالة والمجاهدين والغلمان بِظَاهِر حمص فَقتلُوا مِنْهُم خلقا كثيرا وأشرف النَّاس على التلاف. وَلم يعلم الْمُسلمُونَ من أهل الميسرة. بِمَا جري للْمُسلمين أهل الميمنة من النَّصْر وَلَا علم التتار الَّذين ساقوا خلف الْمُسلمُونَ مَا نزل. بميسرتهم من الْكسْوَة وَوصل إِلَى بعض المنهزمين إِلَى صفد وَكثير مِنْهُم دخل دمشق وَمر بَعضهم إِلَى غَزَّة فاضطرب النَّاس بِهَذِهِ الْبِلَاد وانزعجوا انزعاجاً عَظِيما. وَأما التتر الَّذين ساقوا خلف المنهزمين من الْمُسلمين أَصْحَاب الميسرة فَإِنَّهُم نزلُوا عَن خيولهم وأيقنوا بالنصر وَأَرْسلُوا خيولهم توعي فِي مرج حمص وأكلوا ونهبوا الأثقال والوطاقات والخزانة وهم يحسبون أَن أَصْحَابهم ستدركهم فَلَمَّا أبطأوا عَلَيْهِم بعثوا من يكْشف الْخَبَر فَعَادَت كشافتهم وَأَخْبَرتهمْ أَن منكوتمر هرب فَرَكبُوا وردوا رَاجِعين. هَذَا مَا كَانَ من أَمر ميمنة التتار وميسرة الْمُسلمين. وَأما ميمنة الْمُسلمين فَإِنَّهَا ثبتَتْ وهزمت ميسرَة التتار حَتَّى انْتَهَت إِلَى الْقلب إِلَّا الْملك الْمَنْصُور قلاوون فَإِنَّهُ ثَبت تَحت الصناجق وَلم يبْق مَعَه غير ثَلَاثمِائَة فَارس والكوسات تضرب. وَتقدم سنقر الْأَشْقَر وبيسري وطيبرس الوزيري وأمير سلَاح وأيتمش السَّعْدِيّ ولاجين نَائِب دمشق وطرنطاي نَائِب مصر والدواداري وأمثالهم من أَعْيَان الْأُمَرَاء إِلَى التتار وأتاهم عيسي بن مهنا فِيمَن مَعَه فَقتلُوا من التتار مقتلة عَظِيمَة. وَكَانَ منكوتمر مقدم التتار قَائِما فِي جَيْشه فَلَمَّا أَرَادَهُ الله من هزيمته نزل عَن فرسه وَنظر من تَحت أرجل الْخَيل فرأي الأثقال وَالدَّوَاب فَاعْتقد أَنَّهَا عَسَاكِر وَلم يكن الْأَمر كَذَلِك بل كَانَ السُّلْطَان قد تَفَرَّقت عَنهُ عساكره مَا بَين مُنْهَزِم وَمن تقدم الْقِتَال حَتَّى بَقِي مَعَه نَحْو الثلاثمائة فَارس لَا غير. فَنَهَضَ منكوتمر من الأَرْض ليركب فتقنطر عَن فرسه فَنزل التتر كلهم لأَجله وأخذوه. فعندما رَآهُمْ الْمُسلمُونَ قد ترجلوا حملُوا عَلَيْهِم وَاحِدَة كَانَ الله مَعَهم فِيهَا فانتصروا على التتار. وَقيل إِن الْأَمِير عز الدّين أزدمر الْحَاج حمل فِي عَسْكَر التتار وَأظْهر أَنه من المنهزمين فَقَدمهُمْ وسال أَن يُوصل إِلَى منكوتمر فَلَمَّا قرب مِنْهُ حمل عَلَيْهِ وألقاه عَن فرسه إِلَى الأَرْض فَلَمَّا سقط نزل التتار إِلَيْهِ من أجل إِنَّه وَقع فَحمل الْمُسلمُونَ عَلَيْهِم عِنْد ذَلِك
стр. 607
فَلم يثبت منكوتمر وَانْهَزَمَ وَهُوَ مَجْرُوح فَتَبِعَهُ جَيْشه وَقد افْتَرَقُوا فرْقَتَيْن: فرقة أخذت نَحْو سلمية والبرية وَفرْقَة أخذت جِهَة وَأما ميمنة التتار الَّتِي كسرت ميسرَة الْمُسلمين فَإِنَّهَا لما رجعت من تَحت حمص كَانَ السُّلْطَان قد أَمر أَن تلف الصناجق وَيبْطل ضرب الكوسات فَإِنَّهُ لم يبْق مَعَه إِلَّا نَحْو الْألف فمرت بِهِ التتار وَلم تعرض لَهُ فَلَمَّا تقدموه قَلِيلا سَاق عَلَيْهِم فَانْهَزَمُوا هزيمَة قبيحة لَا يلوون على شَيْء وَكَانَ ذَلِك تَمام النَّصْر وَهُوَ عِنْد غرُوب الشَّمْس من يَوْم الْخَمِيس. وَمر هَؤُلَاءِ المنهزمون من التتار نَحْو الْجَبَل يُرِيدُونَ منكوتمر فَكَانَ ذَلِك من تَمام نعْمَة الله على الْمُسلمين وَإِلَّا لَو قدر الله أَنهم رجعُوا على الْمُسلمين لما وجدوا فيهم قُوَّة وَلَكِن الله نصر دينه وَهزمَ عدوه مَعَ قوتهم وكثرتهم. وانجلت هَذِه الْوَاقِعَة عَن قَتْلِي كَثِيرَة من التتر لَا يُحْصى عَددهمْ. وَعَاد السُّلْطَان فِي بَقِيَّة يَوْمه إِلَى مَنْزِلَته بعد انْقِضَاء الْحَرْب وَكتب البطائق بالنصرة وَلم يفقد كثير شَيْء من مَاله فَإِنَّهُ كَانَ قد فرق مَا فِي الخزائن على مماليكه أكياسا فِي كل كيس ألف دِينَار ليحملوه على أوساطهم فَسلم لَهُ المَال. وَبَات لَيْلَة الْجُمُعَة إِلَى السحر فِي مَنْزِلَته فثار صياح لم يشك النَّاس فِي عود التتار فبادر السُّلْطَان وَركب وَسَائِر العساكر فَإِذا الْعَسْكَر الَّذِي تبع التتار وَقت الْهَزِيمَة قد عَاد. وَقتل من التتار فِي الْهَزِيمَة أَكثر مِمَّن قتل فِي المصاف واختفي كثير مِنْهُم يجانب الْفُرَات. فَأمر السُّلْطَان أَن تضرم النيرَان بالأزوار الَّتِي على الْفُرَات فَاحْتَرَقَ مِنْهُم طَائِفَة عَظِيمَة وَهلك كثير وَفِي يَوْم الْجُمُعَة: خرج من الْعَسْكَر طَائِفَة فِي تتبع التتار مقدمهم الْأَمِير بدر الدّين بيليك الأيدمري ورحل السُّلْطَان من ظَاهر حمص إِلَى الْبحيرَة ليبعد عَن الْجِيَف. وَقتل من التتار صمغار وَهُوَ من أكبر مقدميهم وعظمائهم وَكَانَت لَهُ إِلَى الشَّام غارات عديدة. وَاسْتشْهدَ من الْمُسلمين زِيَادَة على مِائَتي رجل: مِنْهُم الْأَمِير عز الدّين أزدمر الْحَاج وَهُوَ الَّذِي جرح منكوتمر مقدم التتار وألقاه عَن فرسه وَكَانَ سَبَب هزيمتهم وَكَانَ من أَعْيَان الْأُمَرَاء وتحدثه نَفسه أَنه يملك فَعوضهُ الله الشَّهَادَة والأمير سيف الدّين بلبان الرُّومِي الدوادار الظَّاهِرِيّ وَعلم الدّين سنجر الإربلي وَبدر الدّين بكتوت الخازندار
стр. 608
وشمس الدّين سنقر العرسي وشهاب الدّين توتل الشهرزوري وَسيف الدّين بلبان الْحِمصِي وناصر الدّين مُحَمَّد بن جمال الدّين صبرم الكاملي وعلاء الدّين على ابْن الْأَمِير سيف الدّين بكتمر الساقي العزيزي وناصر الدّين مُحَمَّد بن أيبك الفخري وَبدر الدّين بيليك الشرفي وَشرف الدّين بن علكان وَصَاحب الْموصل وَالْقَاضِي شمس الدّين بن قُرَيْش كَاتب الدرج وَقد عدم فَلم يعرف لَهُ خبر وَهُوَ آخر من مَاتَ من كتاب الْملك الْكَامِل مُحَمَّد بن الْعَادِل وَكَانَ قد كتب لَهُ ولابنيه الْعَادِل والصالح وَلمن بعدهمَا من الْمَمْلُوك. وَأما أهل دمشق فَإِنَّهُ لما كَانَ بعد صَلَاة الْجُمُعَة فِي الْيَوْم الثَّانِي من الْوَقْعَة سقط الطَّائِر بالنصرة ودقت البشائر بقلعة دمشق وسر النَّاس سُرُورًا كَبِيرا وزينت القلعة وَالْمَدينَة. فَلَمَّا كَانَ بعد نصف اللَّيْل من لَيْلَة السبت وصل جمَاعَة كَثِيرَة من المنهزمين وأخبروا. بِمَا شاهدوا من الكسرة وَلم يكن عِنْدهم علم. بِمَا تجدّد بعدهمْ من النُّصْرَة فارتجت دمشق واضطرب النَّاس وَأخذُوا فِي أَسبَاب الرحيل وَفتحت أَبْوَاب دمشق وَلم يبْق إِلَّا خُرُوج النَّاس مِنْهَا على وُجُوههم هاربين فورد بعد سَاعَة الْبَرِيد يخبر النَّصْر وَكَانَت موافاته عِنْد أَذَان الْفجْر فقرئ كِتَابه بالجامع فاطمأن النَّاس. وَورد الْخَبَر إِلَى مصر فِي يَوْم الْخَمِيس حادي عشري شهر رَجَب على جنَاح الطَّائِر فِي بطاقة من قاقون بِأَن جمَاعَة من ميسرَة العساكر المنصورة وصلوا منهزمين من الْعَدو المخذول وَوصل بعض الْأُمَرَاء إِلَى قطيا مِنْهُم ابْن الأيدمري. وَقد كَانَ أهل مصر صَارُوا يقنتون فِي صلواتهم وَكَثُرت قِرَاءَة صَحِيح البُخَارِيّ وَأَقْبل النَّاس على تِلَاوَة الْقُرْآن وتجمعوا فِي المشهد الْحُسَيْنِي وَفِي الْجَوَامِع والمساجد وَكثر ضجيجهم ودعاؤهم. فَاشْتَدَّ القلق عِنْد وُرُود هَذَا الْخَبَر وجرد الْملك الصَّالح فِي الْحَال عسكراً عَلَيْهِ الْأَمِير صارم الدّين أربك الفخري فِي كثير من العربان إِلَى قطيا لرد المنهزمين وإعادتهم إِلَى السُّلْطَان وَمنع أحد مِنْهُم أَن يعبر إِلَى الْقَاهِرَة فاعتمد ذَلِك. وَلم يسْتَمر قلق النَّاس غير سَاعَات من النَّهَار وَإِذا بالطيور قد وَقعت محلقة تحمل البطائق المخلقة وتخبر فِيهَا بالبشائر العظمي من كسر التتار. وقدمت البريدية بكتب البشائر أَيْضا فدقت البشائر وزينت الْقَاهِرَة ومصر وقلعة الْجَبَل وَكتب إِلَى أَعمال مصر بالزينة. وَكتب الْملك الصَّالح إِلَى السُّلْطَان وَالِده يشفع فِي المنهزمين وَيسْأل الْعَفو عَنْهُم وَكتب أَيْضا إِلَى الْأَمِير بدر الدّين بيسري يُؤَكد عَلَيْهِ فِي الشَّفَاعَة فيهم.
стр. 609
وَاتفقَ أَن الْأَمِير طرنطاي النَّائِب وَقع على جمَاعَة من أَصْحَاب منكوتمر فأسرهم وَفِيهِمْ حَامِل حرمدانة فَوجدَ فِي الحرمدار كتبا من الْأُمَرَاء مثل سنقر الْأَشْقَر وأيتمش السَّعْدِيّ وَغَيرهم مِمَّن كَانَ مَعَ سنقر الْأَشْقَر إِلَى التتار يحرضونهم على دُخُول الشَّام ويعدونهم بالمساعدة على أَخذهَا فَشَاور طرنطاي السُّلْطَان عَلَيْهَا فَأمر بغسلها فغسلت وَلم يطلع عَلَيْهَا أحد. وَأما السُّلْطَان فَإِنَّهُ وادع الْأَمِير سنقر الْأَشْقَر ورده وَمن حمص إِلَى عمله بصهيون على عَادَته ورد مَعَه من كَانَ عِنْده من الْأُمَرَاء. وهم أيتمش السَّعْدِيّ وسنجر الدواداري وكراي التتري وَغَيرهم. ورحل السُّلْطَان إِلَى دمشق فَقَدمهَا يَوْم الْجُمُعَة ثَانِي عشري رَجَب فَكَانَ يَوْمًا عَظِيما إِلَى الْغَايَة عظم فِيهِ سرُور النَّاس وَكثر فَرَحهمْ وَقَالَ فِيهِ الشُّعَرَاء عدَّة قصائد. وَفِي سَابِع: ورد الْخَبَر إِلَى الْقَاهِرَة. يعود السُّلْطَان إِلَى دمشق وَأَنه عِنْدَمَا اسْتَقر بهَا جرد الْعَسْكَر مَعَ الْأَمِير بدر الدّين الأيدمري إِلَى الرحبة ليدفع من عَلَيْهَا من التتار. وَأما أبغا بن هولاكو ملك التتار فَإِنَّهُ لم يشْعر وَهُوَ على الرحبة إِلَّا وَقد وَقعت بطاقة من السُّلْطَان إِلَى نَائِب الرحبة. بِمَا من الله بِهِ من النَّصْر وكسرة التتار فعندما بلغه ذَلِك بدق بشائر القلعة رَحل إِلَى بَغْدَاد. وَوصل الْأَمِير بدر الدّين الأيدمري إِلَى حلب وَبعث فِي طلب التتار إِلَى الْفُرَات فَفرُّوا من الطّلب وغرق مِنْهُم خلق كثير. وعبرت طَائِفَة مِنْهُم على قلعة البيرة فأتلهم أَهلهَا وَقتلُوا مِنْهُم خَمْسمِائَة وأسروا مائَة وَخمسين. وَتوجه مِنْهُم ألف وَخَمْسمِائة فَارس إِلَى بغراس وَفِيهِمْ أكَابِر أَصْحَاب سيس وأقاربهم فَخرج عَلَيْهِم الْأَمِير شُجَاع الدّين السينَانِي بِمن مَعَه فَقَتلهُمْ وأسرهم عَن آخِرهم بِحَيْثُ لم يفلت مِنْهُم إِلَّا دون الْعشْرين. وَتوجه مِنْهُم على سلمية نَحْو أَرْبَعَة آلَاف فَأخذ عَلَيْهِم نواب الرحبة الطرقات والمعابر فَسَارُوا فِي الْبَريَّة فماتوا عطشا وجوعا وَلم يسلم مِنْهُم إِلَّا نَحْو سِتّمائَة فَارس. فَخرج إِلَيْهِم أهل الرحبة فَقتلُوا أَكْثَرهم وأحضروا عدَّة مِنْهُم إِلَى الرحبة ضربت أَعْنَاقهم بهَا. وَأدْركَ بَقِيَّة التتر الْملك أبغا وَفِيهِمْ أَخُوهُ منكوتمر وَهُوَ مَجْرُوح فَغَضب عَلَيْهِ وَقَالَ: لم لَا مت أَنْت والجيش وَلَا انْهَزَمت وَغَضب أَيْضا على المقدمين. فَلَمَّا دخل أبغا بَغْدَاد سَار مِنْهَا إِلَى جِهَة همذان وَتوجه منكوتمر إِلَى بِلَاد الجزيرة فَنزل بِجَزِيرَة ابْن عمر وَكَانَت الجزيرة لأمه قد أَعْطَاهَا إِيَّاهَا أَبوهُ هولاكو لما أَخذهَا.
стр. 610
وَفِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ حادي عشريه: قدم الْأَمِير بدر الدّين الأيدمري بِمن مَعَه من الْعَسْكَر بَعْدَمَا أنكي فِي التتار. ورسم السُّلْطَان أَن تكون البشائر إنعاماً على من ذكر. وَهِي الْقَاهِرَة ومصر على يَد الْأَمِير حسام الدّين لاجين السِّلَاح دَار الرُّومِي وقوض وَالْوَجْه القبلي خلا الفيوم على يَد الْأَمِير بدر الدّين بيدر المنصوري أَمِير مجْلِس والفيوم على يَد الْأَمِير علم الدّين سنجر أَمِير خور والإسكندرية على يَد الْأَمِير علم الدّين سنجر أَمِير جاندار ودمياط على يَد الْأَمِير بدر الدّين بيليك أَبُو شامة المحسني والغربية على يَد الْأَمِير أيبك السِّلَاح دَار المنصوري وأشموم على يَد الْأَمِير شمس مُحَمَّد بن الجمقدار نَائِب أَمِير جاندار. وَورد كتاب السُّلْطَان إِلَى قلعة الْجَبَل ليجهز إِلَى الْملك المظفر شمس الدّين بن رَسُول بِالْيمن. بِمَا من الله بِهِ من النَّصْر على التتار فَكتب قَرِيبه الْملك الصَّالح كتابا من إنْشَاء محيي الدّين بن عبد الظَّاهِر خُوطِبَ فِيهِ: أعز الله أنصار الْمقَام العالي المظفري الشمسي. وَفِي شهر رَجَب: رتب السُّلْطَان غرس الدّين بن شاور فِي ولَايَة لد والرملة عوضا عَن سعد الدّين بن قلج بِحكم انْتِقَاله مِنْهَا إِلَى ولَايَة بلد الْخَلِيل ﵇. ورتب تَقِيّ الدّين تَوْبَة فِي نظر النظار بِالشَّام شَرِيكا للْقَاضِي تَاج الدّين عبد الرَّحِيم بن تَقِيّ الدّين عبد الْوَهَّاب بن الْفضل بن يحيي السنهوري. ورتب الْأَمِير علم الدّين سنجر الدواداري شاداً ومدبراً من غَزَّة إِلَى الْفُرَات. وَفِيه ثارت العشران ونهبوا نابلسي وَقتلُوا مقتلة عَظِيمَة مركب الْأَمِير عَلَاء الدّين أيدكين الفخري من غَزَّة وَقبض على جمَاعَة مِنْهُم وشنق اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ من أكابرهم وسجن كثيرا مِنْهُم بصفد ورتب الْأَمِير عَلَاء الدّين أيدغدي الصرخدي نَائِبا بالبلاد الغزاوية والساحلية لردع الْعشْرين. وَفِيه قرر الشَّيْخ تفي الدّين مُحَمَّد بن دَقِيق الْعِيد فِي تدريس الْمدرسَة بجوار قبَّة الشَّافِعِي من قرافة مصر على عَادَة القَاضِي تَقِيّ الدّين بن رزين بعد وَفَاته. وَاسْتقر الشَّيْخ علم الدّين ابْن بنت الْعِرَاقِيّ فِي تدريس المشهد الْحُسَيْنِي بِالْقَاهِرَةِ. وَفِيه وصل الْأَمِير شهَاب الدّين أَحْمد ابْن وَإِلَى القلعة أَمِير شكار من دمشق لتحريج الْجَوَارِح وإصلاحها. وَفِيه اسْتَقر الْأَمِير سيف الدّين بازي المنصوري نَائِبا بحمص وَمَعَهُ الْأَمِير صارم الدّين الْحِمصِي مساعداً لَهُ.
стр. 611
وَاسْتقر الْأَمِير جمال الدّين أقش الْحِمصِي نَائِبا فِي مَدِينَة نابلس عوضا عَن زين الدّين قراجا البدري. وَفِيه افرج عَن الْأَمِير سيف الدّين قطز المنصوري والأمير سنجر الْحَمَوِيّ أَبُو خرص. وَفِيه كَانَت وقْعَة فِي صحراء عيذاب بَين عرب جُهَيْنَة وَرِفَاعَة قتل فِيهَا جمَاعَة فَكتب إِلَى الشريف علم الدّين صَاحب سواكن بِأَن يوفق بَينهم وَلَا يعين طَائِفَة على أُخْرَى خوفًا على فَسَاد الطَّرِيق. وَفِيه ولي زين الدّين بن القماح نظر الْبحيرَة عوضا عَن موفق الدّين بن الشماع. وَاسْتقر شمس الدّين مُحَمَّد بن القَاضِي علم الدّين بن القماح فِي الْإِعَادَة. بمدرسة الشَّافِعِي من القرافة بتوقيع شرِيف. وَفِي شعْبَان: افترق بَنو صُورَة بِنَاحِيَة المنوفية من أَعمال مصر فرْقَتَيْن وحشدوا وركبوا بآلات الْحَرْب فَخرج إِلَيْهِم عدَّة من أجناد الْحلقَة ورسم بِأخذ خيلهم وسلاحهم فسكن مَا كَانَ بَينهم. وَفِي يَوْم الْأَحَد ثَانِي شعْبَان: سَار السُّلْطَان من دمشق وَكتب إِلَى مصر بتجهيز الزِّينَة وَنصب القلاع وَأَن يتَقَدَّم إِلَى نواب الْأُمَرَاء بِالشُّرُوعِ فِي تَقْسِيم الْمَوَاضِع لقلاعهم والاهتمام بالزينة. فرتبت الإقامات فِي عاشره على يَد الْأَمِير علم الدّين سنجر الشجاعي وَجعل فِي كل منزلَة من الدَّقِيق سِتِّينَ قِطْعَة وشعيرا أَرْبَعمِائَة أردب وأغناما مائَة رَأس ودجاجا مِائَتي طَائِر وحماما خمسين طائرا وأثبانا مائَة حمل وحطب سنطٍ مائَة قِنْطَار. وَخرج السُّلْطَان من غَزَّة بكرَة يَوْم الْخَمِيس ثَالِث عشره وَوصل قطيا يَوْم الْإِثْنَيْنِ سَابِع عشره وَقد تَأَخَّرت العساكر وَرَاءه وَنزل غيفة يَوْم الْخَمِيس الْعشْرين مِنْهُ وخيم بهَا.
стр. 612
وَدخل الْأَمِير شرف الدّين الجاكي المهمندار من الدهليز السلطاني لترتيب رسل الْمُلُوك الَّذين بِالْقَاهِرَةِ وخروجهم إِلَى لِقَاء السُّلْطَان. وَخرج الْملك الصَّالح والأمير زين الدّين كتبغا نَائِب السلطنة إِلَى الملتقي وَاسْتمرّ الْأَمِير علم الدّين سنجر المنصوري بقلعة الْجَبَل. فَصَعدَ السُّلْطَان إِلَى قلعته فِي يَوْم السبت ثَانِي عشريه تَحت صناجقه وأسري التتار بَين يَدَيْهِ وَقد حمل بَعضهم الصناجق التترية وَهِي مَكْسُورَة. فَبعث السُّلْطَان بالأسري وطبول التتار وحتر منكوتمر من جِهَة بَاب النَّصْر حَتَّى شَقوا الْقَاهِرَة إِلَى بَاب زويلة وَسَارُوا إِلَى القلعة وَلم يشق السُّلْطَان الْقَاهِرَة وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً اجْتمع النَّاس فِيهِ من الأقطار وَكثر فَرَحهمْ وسرورهم. وَفِي يَوْم الْأَحَد ثَالِث عشري شعْبَان: أفرج السُّلْطَان عَن الْأَمِير ركن الدّين منكورس النَّاصِر وَفِيه دخل السُّلْطَان إِلَى الخزانة الشَّرِيفَة ورتب الْخلْع لسَائِر الْأُمَرَاء والخواص وَالْكتاب بالدرد الَّذين كَانُوا فِي الْخدمَة. وَفِي يَوْم الْخَمِيس سَابِع عشريه: جلس السُّلْطَان وأحضرت هَدِيَّة الْملك المظفر شمس الدّين يُوسُف بن عمر بن على بن رَسُول صَاحب الْيمن على يَد رسله: وهم مجد الدّين بن أبي الْقَاسِم وَالْقَاضِي محيي الدّين يحيي بن البيلقاني. فَقبل السُّلْطَان هديته وَكَانَت من طرائف الْيمن من الْعود والعنبر والصيني ورماح القنا وَغير ذَلِك. وَفِي تَاسِع عشريه: أُعِيد إقطاع الْأَمِير سيف الدّين أيتمش السَّعْدِيّ إِلَيْهِ وهوناي وطنان وإمرة مائَة فَارس وَكَانَ قد أَخذه عِنْد توجهه إِلَى سنقر الْأَشْقَر الْأَمِير عز الدّين
стр. 613
أيبك الأفرم وأعيد على الأفرم إقطاعه الْقَدِيم مِمَّن أَخذه. وَفِيه أقرّ الْأَمِير سيف الدّين قطز. وَفِيه فوض قَضَاء الشَّافِعِيَّة إِلَى وجيه الدّين عبد الْوَهَّاب بن حُسَيْن المهلبي الهنسي فِي سَابِع شعْبَان عوضا عَن تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن رزين بِحكم وَفَاته. وَفِيه قبض على الْأَمِير ركن الدّين بيبرس الْحلَبِي الْمَعْرُوف بأياجي الحاجبي من أجل أَنه انهزم على حمص. وَفِي يَوْم السبت سادس رَمَضَان: حضرت رسل الْملك المظفر شمس الدّين يُوسُف ابْن عمر بن على بن رَسُول متملك الْيمن وسألوا أَن يكْتب لمرسلهم أَمَان على قَمِيص وَتعلم عَلَيْهِ الْعَلامَة السُّلْطَانِيَّة فأجيبوا إِلَى ذَلِك. وجهزت إِلَيْهِ هَدَايَا وتحف فِيهَا قِطْعَة زمرد وعدة من أكاديش التتار وَشَيْء من عَددهمْ. وَفِيه عملت نُسْخَة حلف السُّلْطَان للْملك الأشكري صَاحب القسطنطنية وَكَانَت رسله قد وصلت بنسخة يَمِينه فِي تَارِيخ مُوَافق آخر الْمحرم سنة ثَمَانِينَ وسِتمِائَة. وَفِيه ولي الْأَمِير بهاء الدّين قراقوش قوص وأخميم عوضا عَن الْأَمِير بيبرس مَمْلُوك عَلَاء الدّين حَرْب دَار. وَفِي شَوَّال: سَار الْمحمل إِلَى الْحجاز على الْعَادة. وَفِي يَوْم الْخَمِيس أول ذِي الْقعدَة: اسْتَقر عز الدّين أيبك الفخري والياً بقوص وأخميم عوضا عَن قراقوش. وَفِي خامسه: قبض على الْأَمِير أيتمش السَّعْدِيّ وعَلى عدَّة من الْأُمَرَاء واعتقلوا وَقبض أَيْضا بِدِمَشْق على الْأَمِير سيف الدّين بلبان الهاروني وسيقران الْكرْدِي وَغَيرهمَا وَذَلِكَ لأَنهم كَانُوا مِمَّن كَانَ مَعَ سنقر الْأَشْقَر. وَفِيه سَافر الْأَمِير نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن المحسني الْجَزرِي الْحَاجِب وَالْقَاضِي شرف الدّين إِبْرَاهِيم بن فرج كَاتب الدرج إِلَى الْيمن من جِهَة عيذاب فِي الرسَالَة عَن السُّلْطَان. وَفِي ذِي الْقعدَة: أخرج السُّلْطَان جَمِيع نسَاء الْملك الظَّاهِر بيبرس وخدامه من الْقَاهِرَة وبعثهم إِلَى الكرك. وَفِي أول ذِي الْحجَّة: فوض قَضَاء الْمَالِكِيَّة بديار مصر إِلَى تَقِيّ الدّين أبي على
стр. 614
الْحُسَيْن ابْن الْفَقِيه شرف الدّين أبي الْفضل عبد الرَّحِيم بن الْفَقِيه الإِمَام مفتي الْفرق جلال الدّين أبي مُحَمَّد بن عبد الله بن شَاس الجذامي السَّعْدِيّ الْمَالِكِي عوضا عَن قَاضِي الْقُضَاة نَفِيس الدّين مُحَمَّد بن سكر بِحكم وَفَاته. وَمَات فِي هَذِه السّنة من الْأَعْيَان القان أبغا بن هولاكو بن طلوي بن جنكزخان بنواحي همذان عَن نَحْو خمسين سنة مِنْهَا مُدَّة ملكه سبع عشرَة سنة وَقَامَ فِي الْملك بعده أَخُوهُ تكدار بن هولاكو. وَمَات الْأَمِير عز الدّين أيبك الشجاعي بِدِمَشْق عَن خمس وَثَمَانِينَ سنة. وَمَات الْأَمِير شمس الدّين سنقر الألفي نَائِب السلطنة بديار مصر فِي السجْن بالإسكندرية عَن وَتُوفِّي قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن رزين بن مُوسَى ابْن عيسي بن مُوسَى بن نصر الله العامري الْحَمَوِيّ الشَّافِعِي عَن سبع وَسبعين سنة: وَتُوفِّي قَاضِي دمشق نجم الدّين أَبُو بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن يحيي بن هبة الله بن الْحسن بن يحيي بن سني الدولة الشَّافِعِي عَن أَربع وَسِتِّينَ سنة بِدِمَشْق. وَتُوفِّي قَاضِي الْقُضَاة صدر الدّين أَبُو حَفْص عمر بن تَاج الدّين أبي مُحَمَّد عبد الْوَهَّاب بن خلف بن أبي الْقَاسِم ابْن بنت الْأَعَز العلامي الشَّافِعِي عَن خمس وَخمسين سنة. وَتُوفِّي موفق الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يُوسُف بن الْحسن بن رَافع الشَّيْبَانِيّ الْموصِلِي الكواشي عَن تسعين سنة بالموصل. وَتُوفِّي الْحَافِظ شمس الدّين أَبُو حَامِد مُحَمَّد بن على بن مَحْمُود بن أَحْمد بن على بن الصَّابُونِي المحمودي بِدِمَشْق عَن سِتّ وَسبعين سنة. وَتُوفِّي الْمسند شمس الدّين أَبُو الْغَنَائِم مُسلم بن مُحَمَّد بن مُسلم بن مكي بن خلف بن عَلان الْقَيْسِي الدِّمَشْقِي نَاظر الدَّوَاوِين بِدِمَشْق عَن سِتّ وَثَمَانِينَ سنة بهَا. وَتُوفِّي الشريف شهَاب الدّين أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن على بن مُحَمَّد بن على بن مُحَمَّد بن
стр. 615
عبد الله بن جَعْفَر بن زيد بن جَعْفَر بن أبي إِبْرَاهِيم مُحَمَّد الممدوح الحسني كَاتب الْإِنْشَاء بحلب عَن خمس وَثَلَاثِينَ سنة بهَا وَتُوفِّي الأديب الْكَاتِب الحاسب عَلَاء الدّين أَبُو الْحسن على بن مَحْمُود بن الْحسن بن نَبهَان الْيَشْكُرِي عَن خمس وَثَمَانِينَ سنة بِدِمَشْق. وَتُوفِّي الأديب شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أَحْمد بن مَكْتُوم البعلبكي فِي وقْعَة حمص شَهِيدا. وَتُوفِّي الأديب بدر الدّين أَبُو المحاسن بن يُوسُف بن لُؤْلُؤ بن عبد الله الذَّهَبِيّ الدِّمَشْقِي عَن ثَلَاث وَسبعين سنة بِدِمَشْق. وَمَات منكوتمر بن هولاكو بن طلوي بن جنكزخان بِجَزِيرَة ابْن عمر مكموداً عقب كَسرته على حمص. وَمَات عَلَاء الدّين عطا ملك بن مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ صَاحب الدِّيوَان بِبَغْدَاد بَعْدَمَا نقم عَلَيْهِ الْملك أبغا وَنسبه إِلَى مواطأة الْمُسلمين فَقبض عَلَيْهِ وَأخذ أَمْوَاله. وَكَانَ صَدرا كَبِيرا فَاضلا وَله شعر حسن وَولي بعده بَغْدَاد ابْن أَخِيه هَارُون بن مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ
стр. 616
(سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة)
فِي مستهل صفر: قبض على الْأَمِير بدر الدّين بيسري الشمسي والأمير كشتغدي الشمسي. فأغلق بَاب زويلة وَعَامة الْأَسْوَاق وارتجت الْقَاهِرَة حَتَّى نُودي: من أغلق دكانه شنق ففتحت الْأَسْوَاق. وَفِي ربيع الأول: وصلت رسل الأشكري ورسل ألفونس بهدية. وَفِي حادي عشر ربيع الآخر: اسْتَقر فِي الوزارة نجم الدّين حَمْزَة بن مُحَمَّد الأصفوني. وَفِي آخر جُمَادَى الْآخِرَة: استعفي قَاضِي الْقُضَاة وجيه الدّين عبد الْوَهَّاب بن حسن البهنسي من قَضَاء الْقَاهِرَة وَالْوَجْه البحري وَذكر أَنه يضعف عَن الْجمع بَين قَضَاء المدينتين مصر والقاهرة والوجهين القبلي والبحري فأعفي من قَضَاء الْقَاهِرَة وَالْوَجْه البحري. وفوض السُّلْطَان ذَلِك فِي أول رَجَب لشهاب الدّين مُحَمَّد الخوي وَكَانَ يَلِي أَولا قَضَاء الغربية من أَعمال مصر فَنقل مِنْهَا إِلَى قَضَاء الْقَاهِرَة وَانْفَرَدَ للبهنسي قَضَاء مصر وَالْوَجْه القبلي. وَفِي شعْبَان: حلف الشريف أَبُو نمي أَمِير مَكَّة للسُّلْطَان وَولده بِالطَّاعَةِ لَهما وَأَنه الْتزم تَعْلِيق الْكسْوَة الْوَاصِلَة من مصر على الْكَعْبَة فِي كل موسم وَأَنه لَا يعلق عَلَيْهَا كسْوَة غَيرهَا وَأَن يقدم علم الْملك الْمَنْصُور على كل علم فِي كل موسم وَألا يتقدمه علم غَيره وَأَن يسبل زِيَارَة الْبَيْت الْحَرَام أَيَّام مواسم الْحَج وَغَيرهَا للزائرين والطائفين والبادين والعاكفين والآمين وَأَن يحرس الْحَاج ويؤمنهم فِي سربهم وَأَن يسْتَمر بإفراد الْخطْبَة وَالسِّكَّة بِالِاسْمِ الشريف المنصوري وَأَن يفعل الْخدمَة فِي فعل المخلص الْوَلِيّ للسُّلْطَان ويمتثل مراسمه امْتِثَال النَّائِب للمستنيب. وَفِيه وصلت رسل الْملك أَحْمد أغا سُلْطَان بن هولاكو وهم الشَّيْخ مطب الدّين مَحْمُود بن مَسْعُود بن مصلح الشِّيرَازِيّ قَاضِي سيواس والأمير بهاء الدّين أتابك السُّلْطَان مَسْعُود صَاحب الرّوم والصاحب شمس الدّين مُحَمَّد بن الصاحب شرف الدّين بن التيتي وَزِير ماردين. وَكَانُوا عِنْد قدومهم إِلَى البيرة قد سَار إِلَيْهِم الْأَمِير حسام الدّين لاجين الرُّومِي والأمير سيف الدّين كبك الحاجبان وَقد أمرا أَن يبالغا فِي
стр. 617
الِاحْتِرَاز على الرُّسُل وإخفائهم عَن كل أحد. واحترزا عَلَيْهِم حَتَّى لم يشاهدهم أحد وسارا بهم فِي اللَّيْل حَتَّى قدمُوا قلعة الْجَبَل بِكِتَاب الْملك أَحْمد: وَفِيه أَنه مُسلم وَأَنه أَمر بِبِنَاء الْمَسَاجِد والمدارس والأوقاف وَأمر بتجهيز الْحجَّاج. وسال اجْتِمَاع الْكَلِمَة وإخماد الْفِتْنَة وَالْحَرب وَأَنه ظفر بجاسوس وَعَادَة مثله أَن يقتل فجهزه إِلَى الْأَبْوَاب السُّلْطَانِيَّة وَقَالَ إِنَّه لَا حَاجَة إِلَى الجواسيس وَلَا غَيرهم بعد الِاتِّفَاق واجتماع الْكَلِمَة وَبَالغ فِي استجلاب خاطر السُّلْطَان. وتاريخ الْكتاب فِي جُمَادَى الأولى وَأَنه كتب بواسط. فَأُجِيب بتهنئته بِالْإِسْلَامِ والرضي بِالصُّلْحِ وأعيدت الرُّسُل وَقد أكْرمُوا من غير أَن
стр. 618
يُوجد صفحة فارغة
стр. 619
تُوجد صفحة فارغة
стр. 620
تُوجد صفحة فارغة
стр. 621
يعلم النَّاس بدخولهم وَلَا خُرُوجهمْ. وَسَارُوا سرا كَمَا قدمُوا سرا لَيْلَة السبت ثَانِي رَمَضَان صُحْبَة الحاجبين فوصلوا إِلَى حلب فِي سادس شَوَّال وعبروا إِلَى بِلَادهمْ. وَفِي رَمَضَان: وصل الْأَمِير شمس الدّين سنقر الغتمي ورفقته الَّذين خَرجُوا إِلَى بَيت بركَة فِي الرسَالَة. وَفِيه قبض على الْأَمِير بدر الدّين بكتوت الشمسي وعلاء الدّين أقطوان الساقي وشهاب الدّين قرطاي واعتقلوا. وَفِيه اسْتَقر الْأَمِير شمس الدّين قراسنقر الجوكندار المنصوري فِي نِيَابَة السلطة بحلب عوضا عَن علم الدّين سنجر الباشقردي وَعمر جَامعهَا وقلعتها وَكَانَا قد خربهما التتار. وَفِيه قدم الشَّيْخ على الإوبراني وَكَانَ قد أسلم وخدم الْفُقَرَاء وسلك طَرِيق الله وَظَهَرت على يَده كرامات وَتَبعهُ جمَاعَة من أَوْلَاد الْمغل فَسَار بهم إِلَى الشَّام ومصر وَمثل بِحَضْرَة السُّلْطَان من قلعة الْجَبَل فِي ثامن عشر ذِي الْقعدَة وَمَعَهُ إخْوَته الأقوش وَعمر وطوخي وجوبان وَجَمَاعَة غَيرهم. فَأحْسن السُّلْطَان إِلَيْهِ وَإِلَى من مَعَه ورتب بَعضهم فِي حَملَة الخاصكية ثمَّ نقل إِلَى الإمرايات مِنْهُم الأقوش وتمر وَعمر وهم إخْوَة. ثمَّ ظهر من الشَّيْخ على مَا أوجب أَن يسجن فسجن هُوَ والأقوش وَمَات تمر وَعمر فِي الْخدمَة.
стр. 622
وَفِي حادي عشريه: وَقعت نَار بِدِمَشْق أَقَامَت ثَلَاثَة أَيَّام فَاحْتَرَقَ فِيهَا شَيْء كثير مِنْهَا سوق الكتبيين وَاحْتَرَقَ لشمس الدّين إِبْرَاهِيم الْجَزرِي الكتبي خَمْسَة عشر ألف مُجَلد سوي الكراريس. وَفِي يَوْم عَرَفَة: قبض بِدِمَشْق على الْأَمِير عز الدّين أيبك كرجي أَمِير علم والأمير نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن عز الدّين أيدمر النَّائِب بِدِمَشْق وعَلى زين الدّين بن الشَّيْخ على واعتقلوا وَفِيه تزوج السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور قلاوون بخوند أشلون ابْنة الْأَمِير سكناي ابْن قراجين بن جنغان نوبن القادم إِلَى الْقَاهِرَة فِي الدولة الظَّاهِرِيَّة وَهِي أم الْملك النَّاصِر مُحَمَّد. وَتزَوج الْملك الصَّالح على ابْن السُّلْطَان بخوند منكبك ابْنة الْأَمِير سيف الدّين نوكيه وَكَانَت تَحت الْأَمِير زين الدّين كتبغا المنصوري فرآها الْملك الصَّالح يَوْم حضرت مَعَ نسَاء الْأُمَرَاء مُهِمّ أشلون يَوْم زفت إِلَى السُّلْطَان ففتنه حسنها حَتَّى كَاد يهْلك فمازال السُّلْطَان بطرنطاي النَّائِب حَتَّى ألزم كتبغا بِطَلَاقِهَا فَطلقهَا. وَأَفْرج السُّلْطَان عَن أَبِيهَا نوكيه من سجن الْإسْكَنْدَريَّة وأحضر إِلَى الْقَاهِرَة وأنعم عَلَيْهِ بإمرة وفيهَا بلغ السُّلْطَان أَن ملك الكرج توماسوطا بن كلياري خرج من بِلَاده وَمَعَهُ رَفِيق لَهُ اسْمه طيبغا بن انكواد يُرِيد زِيَارَة الْقُدس سرا فَحفِظت عَلَيْهِ الطرقات من كل جِهَة فَلم يصل إِلَى مَوضِع مُنْذُ خرج من بَلَده إِلَى أَن قدم الْقُدس إِلَّا ويصل خَبره وهيئة حَاله إِلَى السُّلْطَان. فَقبض عَلَيْهِ بالقدس وأحضر إِلَى قلعة الْجَبَل هُوَ ورفيقه واعتقلا. وانتهت زِيَادَة النّيل فِي هَذِه السّنة إِلَى سَبْعَة عشر ذِرَاعا وَثَمَانِية عشر إصبعا. وَخرج من الْقَاهِرَة بالمحمل الْأَمِير نَاصِر الدّين ألطنبغا الْخَوَارِزْمِيّ وَمَعَهُ كسْوَة الْكَعْبَة وَسَار بالسبيل حسام الدّين مظفر أستادار الفارقاني. وَحج الْأَمِير عَلَاء الدّين البندقداري فِي ركب كَبِير. وفيهَا ولي نجم الدّين أَبُو حَفْص عمر بن الْعَفِيف أبي المظفر خصر بن مَنْصُور الشَّيْبَانِيّ قُضَاة الشَّافِعِيَّة بحلب عوضا عَن تَاج الدّين أبي الْمَعَالِي عبد الْقَادِر بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن علوي السنجاري. وفيهَا فِي آخر شَوَّال خلع متملك تونس أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن يحيي بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص وَكَانَت مدَّته ثَلَاث سِنِين وَسَبْعَة أشهر. وَقَامَ من بعده الدعي
стр. 623
أَحْمد بن مَرْزُوق بن عمار المسبلي الْخياط وَزعم أَنه الواثق أَبُو زَكَرِيَّا يحيي بن الْمُسْتَنْصر. وفيهَا أقيم فِي الْملك تكدار بن هولاكو بعد موت أَخِيه أبغا بن هولاكو فِي الْمحرم فاظهر أَنه أسلم وَمَات فِي هَذِه السّنة من الْأَعْيَان شمس الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن بهاء الدّين أبي بكر بن خلكان الْبَرْمَكِي الإربلي الشَّافِعِي المؤرخ قَاضِي دمشق فِي رَجَب. وَتُوفِّي قَاضِي الْمَالِكِيَّة بِدِمَشْق زين الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الْكَرِيم بن على بن عمر الزواوي الْمَالِكِي بعد مَا عزل نَفسه عَن اثْنَتَيْنِ وَتِسْعين سنة بِدِمَشْق. وَتُوفِّي برهَان الدّين أَبُو الثَّنَاء مَحْمُود بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عمر بن عيسي المراغي الْفَقِيه الشَّافِعِي وَقد أناف على خمس وَسبعين سنة بِدِمَشْق. وَمَات الصاحب عَلَاء الدّين عطا ملك ابْن الصاحب بهاء الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ مُدبر دوَل الْعرَاق بِنَاحِيَة أران. وَله فضل وَشعر جيد. وَتُوفِّي الْمسند برهَان الدّين أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن يحيي بن علوي بن الدرجي الْقرشِي الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ عَن اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ سنة. وَمَات الْأَمِير حسام الدّين بشار الرُّومِي وَهُوَ أحد من قدم فِي الْأَيَّام الظَّاهِرِيَّة بيبرس من بِلَاد الرّوم بعد مَا بلغ مائَة وَعشْرين سنة وناب وَحج وَترك الإمرة وَعوض عَنْهَا براتب أجري عَلَيْهِ. وَتُوفِّي السديد عبد الله الماعز. وَقد بَاشر ديوَان المرتجع فِي الْأَيَّام الظَّاهِرِيَّة فنقله الْمَنْصُور قلاوون إِلَى ديوانه. وَمَات أَيْضا منكوتمر بن طوغان بن باطو بن دوشي خَان بن جنكزخان ملك التتر بِبِلَاد الشمَال. وَملك بعده أَخُوهُ تدان منكو وَجلسَ على كرْسِي الْملك. بِمَدِينَة صراي.
стр. 624
سنة اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة فِي الْمحرم: وصل الْملك الْمَنْصُور صَاحب حماة فَركب السُّلْطَان إِلَى لِقَائِه وأنزله بمناظر الْكَبْش وأقيم بواجبه. وَفِيه استخرجت الجوالي من الذِّمَّة وَكَانَت الْعَادة أَن تستخرج فِي شهر رَمَضَان فَأخر استخراجها إِلَى الْمحرم رفقا بهم وَحضر الصاحب نجم الدّين الأصفوني بدار الْعدْل تَحت القلعة لاستخراجها. وَفِيه رسم أَن تكون جوالي الذِّمَّة بالقدس وبلد الْخَلِيل وَبَيت لحم وَبَيت جمالا مرصدة لعمارة بركَة فِي بلد الْخَلِيل. وَفِي سادسه: توجه السُّلْطَان إِلَى بر الجيزة وَسَار إِلَى الْبحيرَة لحفر الخليج الْمَعْرُوف بالطبرية وَأقَام الْأَمِير علم الدّين سنجر الشجاعي بالقلعة وَمَعَهُ الْأَمِير قراسنقر الجركندار وعلاء الدّين أيدغدي السِّلَاح دَار وَعز الدّين أيبك الخازندار ورتب مَعَ الْأَمِير علم الدّين الْخياط وَإِلَى الْقَاهِرَة عدَّة من أَصْحَاب الْأُمَرَاء يطوفون كل لَيْلَة من بعد الْعَصْر حول القلعة وَفِي ظواهر الْقَاهِرَة. وَنُودِيَ على الأجناد فِي الْقَاهِرَة بِالْخرُوجِ لحفر الخليج وَوَقع الْعَمَل فِيهِ فَكَانَ طوله سِتَّة آلَاف وَخَمْسمِائة قَصَبَة فِي عرض ثَلَاث قصبات وعمق أَربع قصبات بالقصبة الحاكمية وَفرغ من عمله فِي عشرَة أَيَّام. فَحصل بِسَبَبِهِ نفع كَبِير وَرُوِيَ مِنْهُ مَا لم يكن قبل ذَلِك يروي. وَفِيه وصل من الشروق تِسْعَة عشر وافدا بأولادهم. وَفِي رَابِع عشره: وصلت رسل صَاحب بِلَاد سيلان من أَرض الْهِنْد واسْمه أَبُو أنكيه بكتابه. وَهُوَ صحيفَة ذهب عرض ثَلَاثَة أَصَابِع فِي طول نصف ذِرَاع بداخلها شَيْء أَخْضَر يشبه الخوص مَكْتُوب فِيهِ بقلم لم يُوجد فِي الْقَاهِرَة من يحسن قِرَاءَته فَسئلَ الرُّسُل عَنهُ فَقَالُوا إِنَّه يتَضَمَّن السَّلَام والمحبة وَإنَّهُ ترك صُحْبَة صَاحب الْيمن وَتعلق بمحبة السُّلْطَان وَيُرِيد أَن يتَوَجَّه إِلَيْهِ رَسُول وَذكر أَن عِنْده أَشْيَاء عدهَا من الْجَوَاهِر والفيلة والتحف وَنَحْوهَا وَأَنه عبأ تقدمة إِلَى أَبْوَاب السُّلْطَان وَأَن فِي مملكة سيلان سبعا وَعشْرين قلعة وَبهَا معادن الْجَوَاهِر والياقوت وَأَن خزائنه ملآنة من الْجَوَاهِر.
стр. 625
وَفِي رَابِع صفر: عَاد الْمَنْصُور صَاحب حماة بَلَده، وَخرج السُّلْطَان مَعَه لوداعه.) وَفِي خَامِس ربيع الأول: جرت الْهُدْنَة بَين السُّلْطَان وَبَين الفرنج بعكا مُدَّة عشر سِنِين أَولهَا خَامِس الْمحرم من هَذِه السّنة.
стр. 626
وَفِي عاشره: ولي الصاحب برهَان الدّين السنجاري تدريس الْمدرسَة بجوار الشَّافِعِي من القرافة.
стр. 627
وَفِي مَاتَ الصاحب نجم الدّين حَمْزَة الأصفوني وَولي شرف الدّين أَبُو طَالب بن النابلسي نظر الْوَجْه القبلي وَنقل القَاضِي عز الدّين بن شكر من نظر ديوَان الْجَيْش إِلَى نظر الْوَجْه البحري وخلع عَلَيْهِمَا. وَبَقِي الْأَمِير علم الدّين سنجر الشجاعي مدير المماليك وهما بَين يَدَيْهِ يصرفان الْمُهِمَّات. وفيهَا خرجت تجريدة من قلعة كركر إِلَى حِصَار قلعة قطيبا إِحْدَى قلاع أمد فَأَخَذُوهَا من أَيدي التتار وأقيم فِيهَا الرِّجَال وعملت بهَا الأسلحة والغلال فَصَارَت من حصون الْإِسْلَام المنيعة. وَأخذت أَيْضا قلعة كختا من النَّصَارَى بسؤال أَهلهَا فتسلمها أُمَرَاء السُّلْطَان. بِمَدِينَة حلب وشحنت بالأسلحة وَغَيرهَا وَصَارَت مسلطة على الأرمن. وَفِي جُمَادَى الأولى: خرج أرغون بن أبغا على عَمه تكدار الْمُسَمّى أَحْمد سُلْطَان بخراسان فَسَار إِلَيْهِ وَقَتله وهزمه ثمَّ أسره فَقَامَتْ الخواتين مَعَ أرغون وسألن الْملك تكدار أَحْمد فِي الإفراج عَنهُ وتوليته خُرَاسَان فَلم يرض بذلك. وَكَانَت الْمغل قد تَغَيَّرت على تكدار لكَونه دخل فِي دين الْإِسْلَام وإلزامه لَهُم بِالْإِسْلَامِ فثاروا وأخرجوا أرغون من الاعتقال وطرقوا ألناق نَائِب تكدار ليقتلوه ففر مِنْهُم فأدركوه وَقتلُوا تكدار أَيْضا وَأَقَامُوا أرغون بن أبغا ملكا. فولي أرغون وزارته سعد الدولة الْيَهُودِيّ وَولي ولديه خرابندا وقازان خُرَاسَان وَعمل أتبكهما الْأَمِير نوروز. وَمَات الأشكري متملك قسطنطنية واسْمه ميخائيل وَملك بعده ابْنه الدوقش. وَفِي النّصْف من جُمَادَى الأولى: توجه السُّلْطَان من قلعة الْجَبَل إِلَى بِلَاد الشَّام فَنزل غَزَّة فِي سَابِع جُمَادَى الْآخِرَة وَقبض على غرس الدّين بن شاور مُتَوَلِّي رَملَة ولد وَولي عوضه الْأَمِير علم الدّين سنجر الصَّالِحِي وعزل عماد الدّين بن أبي الْقَاسِم عَن الْقُدس بِنَجْم الدّين السونجي. وَدخل السُّلْطَان دمشق يَوْم الْجُمُعَة ثامن شهر رَجَب فرسم أَن كل من استخدم ترد جامكيته على مَا كَانَت عَلَيْهِ فِي الدولة الظَّاهِرِيَّة وتستعاد مِنْهُ الزِّيَادَة فاستخرج من ذَلِك مَال كَبِير. وَفِي يَوْم الْجُمُعَة حادي عشري رَجَب: عوق قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين مُحَمَّد بن عبد
стр. 628
الْقَادِر بن عبد الْخَالِق بن خَلِيل الْأنْصَارِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الصَّائِغ ثمَّ صرف عَن الْقَضَاء بِدِمَشْق وطولب بِثمَانِيَة آلَاف دِينَار أودعها عِنْده الطواشي ريحَان الخليفتي وأوصاه عيلها وطولب بعدة ودائع أُخْرَى فَقَامَ فِي حَقه الْأَمِير حسام الدّين لاجين نَائِب الشَّام والأمير حسام الدّين طرنطاي نَائِب مصر ومازالا حَتَّى أفرج عَنهُ فِي ثامن عشري شعْبَان وَلزِمَ دَاره. وَاسْتقر عوضه فِي قَضَاء دمشق بهاء الدّين يُوسُف بن محيي الدّين يحيي بن مُحَمَّد بن على بن مُحَمَّد بن على الزكي. وَفِيه اسْتَقر شرف الدّين بن مزهر فِي نظر الشَّام ثَالِثا للناظرين. وَاسْتقر قراسنقر نَائِبا بحلب عوضا عَن سنجر الباشقردي وَقيل بل كَانَ ذَلِك فِي سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ كَمَا تقدم وأنعم على الباشقردي بإقطاع بدر الدّين الأزدمر. بِمصْر. وَاسْتقر بدر الدّين بكتوت السَّعْدِيّ نَائِبا بحمص. وَفِي ثَانِي رَمَضَان: خرج السُّلْطَان من دمشق وَدخل قلعة الْجَبَل يَوْم الْخَمِيس رَابِع عشريه وَخرج الْمحمل على الْعَادة. وَفِي هَذِه السّنة: غارت العساكر على بِلَاد الأرمن ووصلوا إِلَى مَدِينَة أياس وَقتلُوا ونهبوا وحرقوا واقتتلوا مَعَ الأرمن عِنْد بَاب إسكندرونة وهزموهم إِلَى تل حمدون وعادوا سَالِمين ظافرين بالغنائم. وفيهَا كَانَت وقْعَة بِبِلَاد بيروت مَعَ فرج قبرس حِين قصدهم بِلَاد السَّاحِل قتل فِيهَا عدَّة من الفرنج وَأسر مِنْهُم زِيَادَة على ثَمَانِينَ رجلا وَأخذت مِنْهُم غَنَائِم كَثِيرَة. وفيهَا وصلت رسل تدان منكو بن طوغان بن باطو بن دوشي بن جنكزخان ملك القبجاق بِكِتَاب خطه بالقلم المغلي: يتَضَمَّن أَنه أسلم وَيُرِيد أَن ينعَت نعتا من نعوت
стр. 629
أهل الْإِسْلَام ويجهز لَهُ علم خليفتي وَعلم سلطاني يُقَاتل بهما. أَعدَاء الدّين. فجهزت الرُّسُل إِلَى الْحجاز ثمَّ عَادوا وَسَارُوا إِلَى بِلَادهمْ. بِمَا سَأَلُوا فِيهِ. وفيهَا اشْتريت الدَّار القطية بِخَط بَين القصرين من الْقَاهِرَة من خَالص مَال السُّلْطَان وَعوض سكانها عَنْهَا قصر الزمرد برحبة بَاب الْعِيد فِي ثامن عشري شهر ربيع الأول. وَقَامَ الْأَمِير علم الدّين سنجر الشجاعي فِي عمارتها مارستاناً وقبة ومدرسة باسم
стр. 630
فارغة
стр. 631
السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور قلاوون فأظهر من الاهتمام فِي الْعِمَارَة مَا لم يسمع. بِمثلِهِ. وفيهَا قدم الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن فِي الرسَالَة من الْملك أَحْمد أغا سُلْطَان إِلَى البيرة وعَلى رَأسه الجتر كَمَا هِيَ عَادَته فِي بِلَاد التتر فَتَلقاهُ الْأَمِير جمال الدّين أقش الْفَارِسِي أحد أُمَرَاء حلب وَمنعه من حمل الجتر وَالسِّلَاح وَعدل بِهِ عَن الطَّرِيق المسلوك إِلَى أَن أدخلهُ حلب ثمَّ إِلَى دمشق فوصلها لَيْلَة الثُّلَاثَاء ثَانِي عشر ذِي الْحجَّة من غير أَن يُمكن أحدا من الِاجْتِمَاع بِهِ وَلَا من رُؤْيَته. وَلما وصل إِلَى دمشق أنزل بقلعتها فَأَقَامَ بقاعة رضوَان من القلعة إِلَى أَن وصل السُّلْطَان إِلَى دمشق فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ. وَأجْرِي عَلَيْهِ فِي كل يَوْم ألف دِرْهَم ومأكل وحلوي وَفَاكِهَة بِأَلف أُخْرَى. وفيهَا استدعى تَاج الدّين السنهوري من دمشق وَاسْتقر فِي نظر الدَّوَاوِين بديار مصر عوضا عَن عز الدّين إِبْرَاهِيم بن مقلد بن أَحْمد بن شكر رَفِيقًا لشرف الدّين بن النابلسي. وَتزَوج الْملك الْأَشْرَف صَلَاح الدّين خَلِيل ابْن السُّلْطَان باردكين ابْنة الْأَمِير سيف الدّين نوكيه أُخْت زَوْجَة أَخِيه الْملك الصَّالح على. وفيهَا ولي مجد الدّين أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن عبد الرَّحْمَن بن مكي قَضَاء الْحَنَفِيَّة بحلب عوضا عَن نجم الدّين أبي حَفْص عمر بن نصر بن مَنْصُور الْأنْصَارِيّ البيساني مُدَّة يسيرَة ثمَّ عزل.
стр. 632
وَفِي أَوَائِل هَذِه السّنة: تحرّك سعر الْغلَّة حَتَّى بلغ الأردب الْقَمْح خَمْسَة وَثَلَاثِينَ درهما فكرة السُّلْطَان ذَلِك وَتوجه بالعسكر إِلَى الشَّام تَخْفِيفًا عَن النَّاس فَلم ينحط السّعر فَجمع الْأُمَرَاء وَأَرَادَ أَن يكْتب بِفَتْح أهراء مصر أدخلهُ حلب ثمَّ إِلَى دمشق فوصلها لَيْلَة الثُّلَاثَاء وَبيع الْغلَّة مِنْهَا بِسعْر خَمْسَة وَعشْرين درهما الأردب فَقَالَ لَهُ الأيدمري: قُلُوب النَّاس مُتَعَلقَة. بِمَا فِي الأهراء فَإِنَّهَا خزانَة الْمُسلمين كلما نظرُوا إِلَيْهَا ملآنة شبعت نُفُوسهم وَمَا يُؤمن ارْتِفَاع السّعر أَيْضا. والرأي أَن الْأُمَرَاء بأسرهم يَكْتُبُونَ بِفَتْح شونهم وَبيع الْقَمْح بِخَمْسَة وَعشْرين درهما الأردب فَإِذا وَقع البيع مِنْهَا دفْعَة وَاحِدَة مَعَ بَقَاء الأهراء ملآنة رُجي انحطاط السّعر والأمراء لَا يضرهم إِذا نقصت شونهم نصف مَا فِيهَا. فأعجب السُّلْطَان ذَلِك وَكتب الْأُمَرَاء بِفَتْح شونهم ففتحت وَبيع الْقَمْح مِنْهَا بِخَمْسَة وَعشْرين درهما الأردب فَانْحَطَّ السّعر إِلَى عشْرين ثمَّ إِلَى ثَمَانِيَة عشر وَاسْتمرّ كَذَلِك حَتَّى قدم الْجَدِيد من الْمغل. وفيهَا قتل متملك الرّوم غياث الدّين كيخسرو بن ركن الدّين قلج أرسلان بن كيخسرو بن كيقباد وأقيم بعده مَسْعُود بن عز الدّين كيكاوس بن كيخسرو بن كيقباد بن كيخسرو بن قلج أرسلان بن مَسْعُود بن قلج أرسلان بن سُلَيْمَان بن قطلومش بن أرسلان بيغو بن سلجوق وَهُوَ آخر من سمي بالسلطان من السلجوقية بِبِلَاد الرّوم وَقد افْتقر وانكشف حَاله وَمَات قريب سنة ثَمَان عشرَة وَسَبْعمائة. وفيهَا كَانَت وَفَاة الشَّيْخ الإِمَام عماد الدّين بن الْفضل مُحَمَّد ابْن قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين أبي نصر مُحَمَّد بن هبة الله الشِّيرَازِيّ ببستانه بالمزة فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ سَابِع عشر صفر وَصلي عَلَيْهِ بعد صَلَاة الْعَصْر بِجَامِع الْجَبَل وَدفن بتربة فِيهَا قبر أَخِيه عَلَاء الدّين رحمهمَا الله تعالي. وَكَانَ شيخ الْكِتَابَة أتقن الْخط الْمَنْسُوب وَبلغ فِيهِ مبلغا عَظِيما حَتَّى أتقن قلم الْمُحَقق وَكتبه أَجود من شيخ الصِّنَاعَة ابْن البواب. وفيهَا توفّي الصاحب مجد الدّين أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن أبي الْقَاسِم بن أبي طَالب بن كسيرات الْموصِلِي وَكَانَت وَفَاته فِي سَابِع عشري رَمَضَان بداره بجبل الصالحية وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى كثير الْمُرُوءَة وَاسع الصَّدْر كثير الهيبة وَالْوَقار جميل الصُّورَة حسن المنظر والشكل كثير التعصب لمن يَقْصِدهُ محافظا على مَوَدَّة أصدقائه وَقَضَاء حوائجهم كثير التفقد لَهُم. وَأَصله من الْموصل من بَيت الوزارة كَانَ وَالِده
стр. 633
وَزِير الْملك الْمَنْصُور عماد الدّين زنكي ابْن الْملك الْعَادِل نور الدّين أرسلان شاه بن عز الدّين مَسْعُود بن مودود بن زنكي بن آقسنقر ثمَّ بَاشر نظر الخزانة للْملك الرَّحِيم بدر الدّين لُؤْلُؤ ثمَّ نَقله إِلَى نظر الجزيرة العمرية لما فتحهَا وَوصل إِلَى الشَّام صُحْبَة الْملك الْمُجَاهِد سيف الدّين إِسْحَاق لما وصل فِي الدولة الظَّاهِرِيَّة وَسكن دمشق وَولي نظر الْبر بهَا ثمَّ نقل إِلَى نظر نابلس ثمَّ أُعِيد إِلَى دمشق فباشر نظر الزَّكَاة بهَا ثمَّ انْتقل إِلَى صحابة الدِّيوَان بِالشَّام إِلَى أَن ملك سنقر الْأَشْقَر دمشق فاستوزره كَمَا تقدم وَبَطل بعد ذَلِك عَن الْمُبَاشرَة وَسكن دَاره الَّتِي أَنْشَأَهَا بجبل قاسيون جوَار البيمارستان فَكَانَ بهَا إِلَى أَن مَاتَ. قَالَ شمس الدّين الْجَزرِي: قلت لَهُ يَوْمًا وَقد أضرت بِهِ البطالة: يَا مَوْلَانَا لَو ذكرت أحدا من أَصْحَابك الْأُمَرَاء حَتَّى يذكر بك السُّلْطَان أَو نَائِب السلطنة فكاتب فِي أَمرك فَإِن لَك خدما لذ خمولي وحلا مره وصانني عَن كل مَخْلُوق نَفسِي معشوقي ولي غيرَة تمنعني عَن بذل معشوقي وفيهَا فِي يَوْم الْخَمِيس عَاشر شهر رَمَضَان: توفّي الْملك الْعَادِل سيف الدّين أبي بكر ابْن الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين دواد ابْن الْملك الْمُعظم شرف الدّين عيسي ابْن السُّلْطَان الْملك الْعَادِل سيف الدّين أبي بكر مُحَمَّد بن أَيُّوب وَكَانَت وَفَاته بِدِمَشْق وَصلي عَلَيْهِ بعد صَلَاة الْجُمُعَة وَدفن بالتربة المعظمية. وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى قد جمع بَين الرياسة والفضيلة وَالْعقل الوافر والخصال الجميلة وَكَانَ مجانبا النَّاس مَحْبُوب الصُّورَة ﵀ تعالي. وفيهَا فِي سادس عشري شعْبَان: توفّي القَاضِي عز الدّين إِبْرَاهِيم بن الصاحب الْوَزير الْأَعَز فَخر الدّين أبي الفوارس مِقْدَام ابْن القَاضِي كَمَال الدّين أبي السعادات أَحْمد بن شكر. وَكَانَ قد ولي نظر الجيوش بالديار المصرية فِي شهر رَمَضَان سنة خمس وَسبعين وسِتمِائَة كَمَا تقدم. ﵀ تعالي. وفيهَا توفّي الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة العابد الزَّاهِد شمس الدّين أَبُو مُحَمَّد عبد الرَّحْمَن ابْن شيخ الْإِسْلَام أبي عمر عمد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن قدامَة بن مِقْدَام بن نصر الْقُدسِي شيخ الْحَنَابِلَة بِالشَّام. وَكَانَ قد ولي قَضَاء الْقُضَاة على كره مِنْهُ سنة أَربع وَسِتِّينَ وسِتمِائَة كَمَا تقدم ثمَّ ترك الحكم وتوفر على الْعِبَادَة والتدريس وأشغال الطّلبَة والتصنيف. وَيُقَال إِنَّه قطب بِالشَّام وَاسْتدلَّ على ذَلِك. يمراء توافقت عَلَيْهَا جمَاعَة
стр. 634
تعرفه فِي سنة. سبع وَسبعين وسِتمِائَة أَنه قطب وَكَانَ أوحد زَمَانه. وَكَانَت وَفَاته فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ سلخ ربيع الآخر مِنْهَا وَدفن بقاسيون بتربة وَالِده قدس الله روحه. ومولده فِي السَّابِع وَالْعِشْرين من الْمحرم سنة سبع وَتِسْعين وَخَمْسمِائة. وَلما مَاتَ رثاه الْمولي الْفَاضِل شهَاب الدّين مَحْمُود كَاتب الْإِنْشَاء بقصيدة أَولهَا: مَا للوجوه وَمد علاهُ ظلام أعراه خطب أم عداهُ مرام أم قد أُصِيب بشمسه فغدا وَقد لبست عَلَيْهِ حدادها الْأَيَّام وَجَاء مِنْهَا. لكم الكرامات الجليلات الَّتِي لَا تَسْتَطِيع جحودها الأقوام وَهِي قصيدة تزيد على سِتِّينَ بَيْتا. ورثاه جمَاعَة ﵀ تعالي. وفيهَا توفّي الْأَمِير عَلَاء الدّين كندغدي المشرقي الظَّاهِرِيّ الْمَعْرُوف بأمير مجْلِس كَانَ من أَعْيَان الْأَمِير بالديار المصرية وَظهر قبل وَفَاته. بِمدَّة يسيرَة أَنه بَاقٍ على الرّقّ فَاشْتَرَاهُ السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور بجملة وَأعْتقهُ وقربه لَدَيْهِ وَكَانَ شجاعا بطلا مقداما. وَكَانَت وَفَاته بِالْقَاهِرَةِ فِي يَوْم الْجُمُعَة مستهل صفر وَدفن. بمقابر بِبَاب النَّصْر ﵀ تعالي. وفيهَا توفّي الْأَمِير شهَاب الدّين أَحْمد بن حجي بن يزِيد الْبَرْمَكِي أَمِير آل مرا وَكَانَت وَفَاته ببصري. وَكَانَت غراته تَنْتَهِي إِلَى أقصي نجد والحجاز وَأَكْثَرهم يؤدون إِلَيْهِ أتاوة فِي كل سنة فَمن قطعهَا مِنْهُم أغار عَلَيْهِ وَكَانَ يَدعِي إِنَّه من نسل جَعْفَر الْبَرْمَكِي من العباسة أُخْت الرشيد وَيَقُول إِنَّه تزَوجهَا ورزق مِنْهَا أَوْلَادًا وَلما
стр. 635
جري على البرامكة مَا جري هرب أَوْلَاده مِنْهَا إِلَى الْبَادِيَة فَأَخذهُم جده وَالله أعلم. وَكَانَ يَقُول للْقَاضِي شمس الدّين ابْن خلكان أَنْت ابْن عمي وَكَانَ بَينهمَا مهاداة وانتفع ابْن خلكان بِهِ وباعتنائه عِنْد السُّلْطَان. وفيهَا فِي سَابِع عشري الْمحرم: كَانَت وَفَاة شمس الدّين عيسي بن الصاحب برهَان الخضري السنجاري كَانَ يَنُوب عَن وَالِده فِي الوزارة الأولى فِي سنة ثَمَان وَسبعين وسِتمِائَة وَولي نظر الأحباس وَنظر خانقاه سعيد السُّعَدَاء ثمَّ ولي بعد ذَلِك تدريس الْمدرسَة الصلاحية الْمَعْرُوفَة بزين التُّجَّار ثمَّ قبض عَلَيْهِ مَعَ وَالِده بعد انْفِصَاله من الوزارة الثَّانِيَة كَمَا تقدم. فَلَمَّا أفرج عَنهُ سكن الْمدرسَة المعزية. بِمصْر وَكَانَ بهَا إِلَى أَن توفّي وَكَانَ حسن الصُّورَة والشكل ﵀ تعالي. وفيهَا فِي سادس شَوَّال. توفيت زَوْجَة السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور وَالِدَة وَلَده الْملك الصَّالح عَلَاء الدّين على رحمهمَا الله تعالي. وفيهَا فِي يَوْم الْأَحَد ثَانِي عشر جُمَادَى الأولى: توفّي الشَّيْخ ظهير الدّين جَعْفَر بن يحيي بت جَعْفَر الْقرشِي التزمنتي الشَّافِعِي مدرس الْمدرسَة القطبية بِالْقَاهِرَةِ وَأحد المعيدين. بمدرسة الشَّافِعِي. ﵀ تعالي. وفيهَا فِي يَوْم السبت ثَانِي عشري رَجَب: توفّي الْأَمِير علم الدّين سنجر أَمِير جاندار أغاي أحد الْأُمَرَاء بالديار المصرية وَكَانَت وَفَاته بِدِمَشْق لما كَانَ السُّلْطَان بهَا وَدفن بظاهرها عِنْد قباب التركمان. بميدان الْحَصَا رَحمَه الله تَعَالَى.
следующие страницы →