← Тараджим

Тараджим · id 6667

السلوك لمعرفة دول الملوك

المقريزي

Полный текст (3 250 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

عِيسَى بن الْعَادِل أبي بكر بن أَيُّوب، بحماة فِي ثامن عشرى ربيع الآخر. وَمَات الْأَمِير سيف الدّين ملكتمر الناصري الْمَعْرُوف بِالدَّمِ الْأسود بِدِمَشْق، وَكَانَ ظَالِما. وَمَات الْأَمِير فَخر الدّين أقجبا الظَّاهِرِيّ بِدِمَشْق، وَكَانَ خيرا، وَمَات الشَّيْخ تَقِيّ الدّين رَجَب بن أشترك العجمي، صَاحب زَاوِيَة تَقِيّ الدّين تَحت قلعة الْجَبَل، فِي ثامن رَجَب، وَكَانَ لَهُ أَتبَاع ومريدون، وَله حُرْمَة ووجاهة عِنْد أهل الدولة، وَمَات الشَّيْخ شرف الدّين أَبُو الْهدى أَحْمد بن قطب الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْقُسْطَلَانِيّ بِالْقَاهِرَةِ، ومولده بِمَكَّة فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وسِتمِائَة، وَكَانَ ورعا دينا، وَمَات الشَّيْخ المعمر مُحَمَّد بن مَحْمُود بن الْحُسَيْن بن الْحسن الْمَعْرُوف بحياك الله الموصلين فِي يَوْم الْخَمِيس تَاسِع ربيع الأول، بزاويته من سويقة الريش خَارج الْقَاهِرَة، عَن مائَة وَسِتِّينَ سنة، وَكَانَ قد سُئِلَ عَن مولده، فَقَالَ إِنَّه قدم إِلَى الْقَاهِرَة فِي أَيَّام الْمعز أيبك، وعمره مجد الدّين عِيسَى بن الخشاب، وَكيل بَيت المَال، يَوْم الْإِثْنَيْنِ تَاسِع شعْبَان، وَولى عوضه مجد الدّين حرمي، وَمَات القَاضِي سعد الدّين مُحَمَّد بن فَخر الدّين عبد الْمجِيد بن صفي الدّين عبد الله الأقفهسي، نَاظر الخزانة، يَوْم الْجُمُعَة ثامن عشرى ذِي الْحجَّة فَجْأَة، وَاسْتقر عوضه الصاحب ضِيَاء الدّين النشائي. وَمَات القَاضِي شمس الدّين عبد الله بن غَائِب بالقدس، فَقدم بعد مَوته لَيْلَة رَابِع عشريه، فقررت جامكيته باسم ابْنه، واستنيب عَنهُ، مَاتَ القَاضِي تَقِيّ الدّين بن الفائزي، لَيْلَة الْجُمُعَة ثَانِي عشرى صفر. وَمَات الشَّيْخ رَجَب مُوسَى بن سمْعَان النَّصْرَانِي، كَاتب الْأَمِير قطلوبك الجاشنكير بحران، وَذَلِكَ أَنه نصر مُسلما، وكواه على يَده مِثَال صَلِيب، فَحكم قَاضِي الْقُضَاة جمال الدّين الْمَالِكِي بقتْله، فَقتل.

стр. 947

سنة خمس عشر وَسَبْعمائة فِي أول الْمحرم: سَار الْعَسْكَر من دمشق إِلَى حلب، وَعَلِيهِ الْأَمِير سيف الدّين تنكز نَائِب الشَّام، وَقد استصحب مَعَه قَاضِي الْقُضَاة نجم الدّين بن صصرى وَشرف الدّين ابْن فضل الله، وَجَمَاعَة من الموقعين، وَكَانَ تنكز بزِي الْمُلُوك من العصائب والكوسات، وَلم تجر عَادَة نَائِب قبله بذلك، وَتَبعهُ عَسْكَر صفد وحمص حماة وطرابلس. فَلَمَّا مر الْأَمِير تنكز بحماة أعرض عَن صَاحبهَا لكَونه لم يتلقه من بعد، وَلم يَأْكُل مَا أعده لَهُ من الطَّعَام، وَسَار تنكز إِلَى حلب فَجرد مِنْهَا الْأَمِير قرطاي والأمير ملكتمر الجمدار إِلَى ملطية، وَكَانَ فِي الظَّن أَن الْمسير إِلَى سيس. وَسبب غَزْو ملطية أَن السُّلْطَان بعث فداوية من أهل مصياب لقتل قرا سنقر، فَصَارَ هُنَاكَ رجل من الأكراد يُقَال لَهُ مندوه يدل على قصاد السُّلْطَان أَخذ مِنْهُم جمَاعَة، فشق

стр. 948

ذَلِك على السُّلْطَان، وَأخذ فِي الْعَمَل عَلَيْهِ. فَبَلغهُ أَنه صَار يجني خراج مطلية، وَكَانَ نائبها من جِهَة جوبان يُقَال لَهُ بدر الدّين ميزامير بن نور الدّين، فخاف من مندوه أَن يَأْخُذ مِنْهُ نِيَابَة ملطية، فَمَا زَالَ السطلان يتحيل حَتَّى كَاتبه ميزامير. وَقرر مَعَه أَن يسلم الْبَلَد لعساكره. فَجهز السُّلْطَان العساكر، وروى أَنَّهَا تقصد سيس حَتَّى نزلت بحلب، وسارت العساكر مِنْهَا مَعَ الْأَمِير تنكز على عينتاب إِلَى أَن وصل الدرنبد، فألبس الْجَمِيع السِّلَاح وسلك الدرنبد إِلَى أَن نزل على ملطية يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث عشريه، وحاصرها ثَلَاثَة أَيَّام. فاتفق الْأَمِير ميزامير مَعَ أَعْيَان ملطية على تَسْلِيمهَا، وَخرج فِي عدَّة من الْأَعْيَان إِلَى الْأَمِير تنكز، فَأَمنَهُمْ وألبسهم التشاريف السُّلْطَانِيَّة المجهزة من الْقَاهِرَة، وَأعْطى الْأَمِير ميزامير، سنجقا سُلْطَانا، وَنُودِيَ فِي الْعَسْكَر أَلا يدْخل أحد إِلَى الْمَدِينَة. وَسَار الْأَمِير ميزامير وَمَعَهُ الْأَمِير بيبرس الْحَاجِب والأمير أركتمر حَتَّى نزل بداره، وَقبض وَقتلُوا عدَّة من أَهلهَا. فشق ذَلِك على الْأَمِير تنكز، وَركب مَعَه الْأُمَرَاء، ووقف على الْأَبْوَاب وَأخذ النهوب من الْعَسْكَر، ورحل من الْغَد وَهُوَ رَابِع عشرى الْمحرم بالعسكر، وَترك نَائِب حلب مُقيما عَلَيْهَا لهدم أسوارها. ففر مندوه قبل الدُّخُول إِلَى الدرنبد. وَفَاتَ أمره. فَلَمَّا قطعُوا الدرنبد أحضرت الْأَمْوَال الَّتِي نهبت والأسرى، فَسلم من فيهم من الْمُسلمين إِلَى أَهله، وأفرد الأرمن. فَلَمَّا فتحت ملطية سَار الْأَمِير قجليس إِلَى مصر بالبشارة، فَقدم يَوْم الْخَمِيس ثَالِث صفر، ودقت البشائر بذلك. وَتَبعهُ الْأَمِير تنكز بالعساكر - وَمَعَهُ الْأَمِير ميزامير وَولده - حَتَّى نزل عينتاب ثمَّ دابق، فَوجدَ فِيهَا تِسْعَة عشر ألف نول تعْمل الصُّوف، وتجلب كلهَا إِلَى حلب. ثمَّ سَار تنكز، فَقدم دمشق فِي سادس عشر ربيع الأول، وسير ميزامير وَابْنه فِي ثَلَاثِينَ رجلا مَعَ الْعَسْكَر الْمصْرِيّ إِلَى الْقَاهِرَة فقدموا فِي خَامِس ربيع الآخر. وفيهَا قبض على الأميرين عَلَاء الدّين أيدغدي شقير، وجمال الدّين بكتمر الحسامي الْحَاجِب، فِي أول ربيع الآخر، فَقتل شقير من يَوْمه لِأَنَّهُ اتهمَ بِأَنَّهُ يُرِيد الفتك بالسلطان، وَأخذ لبكتمر الْحَاجِب مائَة ألف دِينَار، وسجن. وَكَانَ قد قبض على الْأَمِير بهادر المغزي فِي عَاشر الْمحرم، وَقبض أَيْضا بعد الْقَبْض على شقير على الْأَمِير طغاي، وَقبض على تمر الساقي نَائِب طرابلس وَحمل إِلَى قلعة الْجَبَل، وَقبض على الْأَمِير بهادر آص وَحمل إِلَى الكرك. وَاسْتقر الْأَمِير سيف الدّين كستاي الناصري فِي نِيَابَة طرابلس.

стр. 949

وَأَفْرج فِي مستهل ربيع الآخر عَن دَاوُد وجبا أخوى الْأَمِير سلار، وَأَفْرج عَن الْأَمِير سيف الدّين قجماس المنصوري أحد البرجية. وَأخرج الْأَمِير بدر الدّين مُحَمَّد الوزيري عَن مصر ليقيم بِدِمَشْق، فِي يَوْم السبت سلخ ربيع الآخر، وأنعم عَلَيْهِ بِمَا خص السُّلْطَان من خمس ملطية، وَهُوَ نَحْو الْخمسين ألف دِرْهَم. وَفِي ثامن عشرى رَجَب: أفرج عَن الْأَمِير جمال الدّين أقوش نَائِب الكرك، وخلع عَلَيْهِ، وَأمر فِي ثامن عشرى شهر رَجَب، ثمَّ أنعم عَلَيْهِ فِي ثَالِث عشر شعْبَان بإقطاع الْأَمِير حسام الدّين لاجين أستادار بعد مَوته. وَفِيه قدم مُحَمَّد بن عِيسَى أَخُو الْأَمِير مهنا، وَاعْتذر عَن أَخِيه مهنا، وَقدم فرسا أصيلا للسُّلْطَان، فَقدمت الْفرس للسُّلْطَان فِي شعْبَان، وَعرفت ببنت الكزتا، بلغ ثمنهَا وكلفتها سِتّمائَة ألف دِرْهَم. فَكتب السُّلْطَان إِلَى مهنا بِالرُّجُوعِ إِلَى الْبِلَاد، وخلع على مُحَمَّد بن عِيسَى، ثمَّ بعث إِلَى مهنا بِاثْنَيْ عشر ألف دِينَار، وأنعم عَلَيْهِ بِمِائَتي ألف دِرْهَم، وَكتب لَهُ بضيعة من الْخَاص على سَبِيل الْملك. وَفِي يَوْم الْجُمُعَة عشرى جُمَادَى الأولى: - تَاسِع عشرى مسرى: كَانَ وَفَاء النّيل، وَفتح الخليج على الْعَادة. وَفِي ثامن عشريه: عزل عَلَاء الدّين القطزي من ولَايَة مصر، وَولي بعده ابْن أَمِير حَاجِب، نقل إِلَيْهَا من ولَايَة الشرقية. وَفِي ثَالِث جُمَادَى الْآخِرَة: حضر الشريف أَسد الدّين أَبُو غرارة رميثة ابْن أبي نمى، من مَكَّة فَارًّا من أَخِيه حميضة، وَأخْبر أَنه قطع اسْم السُّلْطَان من الْخطْبَة بِمَكَّة، وخطب لصَاحب الْيمن. فَجرد السُّلْطَان مَعَه الْأَمِير سيف الدّين طيدمر، والأمير نجم الدّين ذمرخان بن قرمان، وثلاثمائة فَارس من أجناد القلعة وأجناد الْأُمَرَاء. وفيهَا قدم الْأَمِير سيف الدّين الْخَاص تركي وزين الدّين قراجا الخازندار من بِلَاد طقطاي، وَمَعَهُمْ رسل الْملك أزبك الْقَائِم بعد طقطاي، وأخبروا بِإِسْلَامِهِ وَمَعَهُمْ هَدِيَّة. فَأكْرم السُّلْطَان الرُّسُل، وَكتب جَوَابه، وسفرهم، وَبعث مَعَهم الْأَمِير عَلَاء الدّين أيدغدي الْخَوَارِزْمِيّ بهدية. وفيهَا قدم الْبَرِيد من حلب بقدوم وَالِدَة صَاحب ماردين تُرِيدُ الْحَج، فرسم للنواب بخدمتها وَالْقِيَام بِمَا يَلِيق بهَا.

стр. 950

وفيهَا قدم الْبَرِيد بِخُرُوج سُلَيْمَان بن مهنا عَن الطَّاعَة، ونهبه القريتين، وتوجهه نَحْو الْعرَاق من أجل خُرُوج إقطاعه عَنهُ. فَكتب إِلَى مهنا فِي ذَلِك، فَأجَاب بِأَنَّهُ خَارج عَن طَاعَته. وفيهَا قدمت رسل صَاحب الْيمن، وهما بدر الدّين حسن بن أبي المنجا، والطوشي جمال الدّين فَيْرُوز، وَقد خرج عَلَيْهِمَا عرب صحراء عيذاب، وَأخذُوا مِنْهُمَا الْهَدِيَّة. فَجرد السُّلْطَان من الْأُمَرَاء عَلَاء الدّين مغلطاي بن أَمِير مجْلِس، وَسيف الدّين ساطي السِّلَاح دَار، وصارم الدّين أزبك الجرمكي، وَعز الدّين أيدمر الدوادار، عَلَاء الدّين عَليّ بن قرا سنقر، وَعلم الدّين سنجر الدنيسري، فِي عدَّة من الأجناد ومقدمي الْحلقَة، وَأمرُوا بالتوجه إِلَى دملقة بالنوبة، فَسَارُوا فِي أول شَوَّال. وَفِي الْعشْر الْأَخير من شعْبَان: وَقع الشُّرُوع فِي روك أَرض مصر وَسبب ذَلِك أَن السُّلْطَان استكثر أَخْبَار المماليك أَصْحَاب بيبرس الجاشنكير وسلار النَّائِب وَبَقِيَّة البرجية، وَكَانَ الْخبز الْوَاحِد مَا بَين ألف مِثْقَال فِي السّنة إِلَى ثَمَانمِائَة مِثْقَال، وخشي السُّلْطَان من وُقُوع الفتة بِأخذ أخبازهم. فقرر السُّلْطَان مَعَ الْفَخر مُحَمَّد بن فضل الله نَاظر الْجَيْش روك الْبِلَاد وَإِخْرَاج الْأُمَرَاء إِلَى الْأَعْمَال فَتعين الْأَمِير بدر الدّين جنكلي

стр. 951

والبحيرة بلبان الصرخدي والقلنجي وَابْن طرنطاي وبيبرس الجمدار وللصعيد التليلي والمرتيني. وفيهَا توجه السُّلْطَان فِي شعْبَان إِلَى بِلَاد الصَّعِيد وَقدم فِي يَوْم الْخَمِيس ثامن عشر شَوَّال. وفيهَا توجه من حلب سِتّمائَة فَارس عَلَيْهِم الْأَمِير شهَاب الدّين قرطاي للغارة على بِلَاد ماردين ودنيسر لقلَّة مُرَاعَاة صَاحب ماردين لما يرسم بِهِ. فشن قرطاي الْغَارة على بِلَاد ماردين يَوْمَيْنِ فصادف قراوول التتار قد قدم إِلَى ماردين على عَادَته كل سنة لجباية القطيعة وهم فِي ألفي فَارس فحاربهم قرطاي وَقتل مِنْهُم سِتّمائَة رجل وَأسر مِائَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَقدم بالرءوس والأسرى إِلَى حلب وَمَعَهُمْ عدَّة خُيُول. فَلَمَّا قدم الْبَرِيد سر السُّلْطَان سُرُورًا زَائِدا وَبعث بالتشريف لنائب حلب ولقرطاي. وَقدم الْخَبَر من مَكَّة بقتل أبي الْغَيْث فِي حَرْب مَعَ أَخِيه حميضة وَأَن الْعَسْكَر الْمُجَرّد إِلَى مَكَّة وَاقع حميضة وَقتل عدَّة من أَصْحَابه فَانْهَزَمَ حميضة وَسَار يُرِيد بِلَاد خربندا فَتَلقاهُ خربندا وأكرمه وَأقَام حميضة عِنْده شهرا وَحسن لَهُ إرْسَال طَائِفَة من الْمغل إِلَى بِلَاد الْحجاز ليملكها ويخطب لَهُ على منابرها. وَقدم الْعَسْكَر الْمُجَرّد إِلَى الْحجاز فِي ثامن عشرى رَجَب وَكَانَ السُّلْطَان قد أنعم على مُحَمَّد بن مَانع بإمرة مهنا فشن الغارات وَأخذ جمال مهنا وطرده. فَسَار مهنا أَيْضا إِلَى خربندا فسر بِهِ وأنعم عَلَيْهِ. وجرد خربندا مَعَ الشريف حميضة من عَسْكَر خُرَاسَان أَرْبَعَة آلَاف فَارس وَسَار حميضة بهم فِي رَجَب يُرِيد مَكَّة. وَأخذ خربندا فِي جمع العساكر لعبور بِلَاد الشَّام فَقدر الله مَوته فخاف مهنا من الْإِقَامَة بالعراق فَسَار من بَغْدَاد وَبلغ مُحَمَّد بن عِيسَى أَخا مهنا سير الشريف حميضة بعسكر الْمغل إِلَى مَكَّة فشق عَلَيْهِ استيلاؤهم على الْحجاز فَلَمَّا علم بِمَوْت خربندا وَخُرُوج أَخِيه مهنا من بَغْدَاد سَار فِي عربانه وكبس عَسْكَر حميضة لَيْلًا وَوضع فيهم السَّيْف وَهُوَ يَصِيح باسم الْملك النَّاصِر فَقتل أَكْثَرهم. وَنَجَا حميضة وَوَقع فِي الْأسر من الْمغل أَرْبَعمِائَة رجل وغنم الْعَرَب مِنْهُم مَالا كثيرا وخيولاً وجمالاً. وَكتب وخيولاً وجمالاً.

стр. 952

وخيولا وجمالا وَكتب بذلك إِلَى السُّلْطَان فسر بِهِ وَأعَاد الإمرة إِلَى مهنا واستدعى مُحَمَّد بن عِيسَى فَقدم إِلَى مصر وشمله من إنعام السُّلْطَان شَيْء كثير. وفيهَا وصل إِلَى السُّلْطَان مهرَة تعرف ببنت الكرتا كَانَ قد بذل فِيهَا نَحْو مِائَتي ألف وَتِسْعين ألف دِرْهَم وضيعة من بِلَاد حماة وَيُقَال إِنَّهَا بلغت كلفها على السُّلْطَان سِتّمائَة ألف دِرْهَم. وفيهَا وعك السُّلْطَان أَيَّامًا فَلَمَّا عوفي وَدخل الْحمام حلق رَأسه كُله فَلم يبْق أحد من الْأُمَرَاء والمماليك الناصرية حَتَّى حلق رَأسه. وَمن يَوْمئِذٍ بَطل إرخاء الْعَسْكَر ذوائب الشّعْر وَاسْتمرّ إِلَى الْيَوْم وَجلسَ السُّلْطَان يَوْم عيد النَّحْر بعد عافيته وَأَفْرج عَن أهل السجون وطلع النَّاس للهناء وَنُودِيَ بزينة الْقَاهِرَة ومصر فَكَانَ يَوْمًا مشهوداً. وَفِيه فرغ الْعَمَل من بِنَاء الإيوان وَذَلِكَ أَن السُّلْطَان هدم الإيوان الَّذِي بناه أَبوهُ الْملك الْمَنْصُور وجدده أَخُوهُ الْملك الْأَشْرَف ثمَّ أنشأ إيواناً جَلِيلًا وَعمل بِهِ قبَّة عالية متسعة ورخمه رخاماً وَأما الْأُمَرَاء الَّذين توجهوا إِلَى روك أَعمال مصر فَإِن كلا مِنْهُم لما نزل بِأول عمله استدعى مَشَايِخ الْبِلَاد ودللاءها وقياسيها وعدولها وسجلات كل بلد. وَعرف متحصلها وَمِقْدَار فدنها ومبلغ عبرتها وَمَا يتَحَصَّل للجندي من الْعين وَالْغلَّة والدجاج والخراف والبرسيم والكشك والعدس والكعك ثمَّ قَاس تِلْكَ النَّاحِيَة وَكتب بذلك عدَّة نسخ وَلَا يزَال يعْمل ذَلِك حَتَّى انْتهى أَمر عمله. وعادوا بعد خَمْسَة وَسبعين يَوْمًا بالأوراق فتسلمها الْفَخر نَاظر الْجَيْش ثمَّ طلب السُّلْطَان الْفَخر نَاظر الْجَيْش والتقى الأسعد بن أَمِين الْملك - الْمَعْرُوف بكاتب برلغي - وَسَائِر مُسْتَوْفِي الدولة وألزمهم بِعَمَل أوراق تشْتَمل على بِلَاد الْخَاص السلطاني الَّتِي عينهَا لَهُم وعَلى إقطاعات الْأُمَرَاء وأضاف على عِبْرَة كل بلد مَا كَانَ فلاحيها من الضِّيَافَة المقررة وَمَا فِي كل بلد من الجوالى وَكَانَت الجوالى قبل ذَلِك إِلَى وَقت الروك ديواناً مُفردا يخْتَص بالسلطان فأضيف جوالى كل بلد إِلَى متحصل خراجها.

стр. 953

وأبطلت عدَّة جِهَات من المكوس مِنْهَا سَاحل الْغلَّة وَكَانَت هَذِه الْجِهَة مقطعَة لأربعمائة من أجناد الْحلقَة سوى الْأُمَرَاء ومتحصلها فِي السّنة أَرْبَعَة آلَاف ألف وسِتمِائَة ألف دِرْهَم وإقطاع الجندي مِنْهَا من عشرَة آلَاف دِرْهَم فِي السّنة إِلَى ثَلَاثَة آلَاف وللأمراء من أَرْبَعِينَ ألف إِلَى عشرَة آلَاف واقتنى مِنْهَا المباشرون أَمْوَالًا عَظِيمَة فَإِنَّهَا أعظم الْجِهَات الديوانية وَأجل معاملات مصر وَكَانَ النَّاس مِنْهَا فِي أَنْوَاع من الشدائد لِكَثْرَة المغارم والتعب وَالظُّلم فَإِن أمرهَا كَانَ يَدُور مَا بَين ظلم نواتيه المراكب والكيالين والمشدين وَالْكتاب وَكَانَ الْمُقَرّر على كل أردب مبلغ دِرْهَمَيْنِ للسُّلْطَان ويلحقه نصف دِرْهَم أخر سوى مَا ينهب وَكَانَ لَهُ ديوَان فِي بولاق خَارج المقس وَقَبله كَانَ خص يعرف بخص الكيالة فَلَمَّا ولى ابْن الشيخي شدّ هَذِه الْجِهَة - قبل أَن يَلِي الوزارة - عمر مَكَان الخص مقْعدا وَجلسَ فِيهِ وَكَانَ فِي هَذِه الْجِهَة نَحْو السِّتين رجلا مَا بَين نظار ومستوفين وَكتاب وَثَلَاثِينَ جندياً وَكَانَت غلال الأقاليم لَا تبَاع إِلَّا فِيهِ. وَمن المكوس الَّتِي أبطلها السُّلْطَان النَّاصِر أَيْضا نصف السمسرة الَّذِي أحدثه ابْن الشيخي فِي وزارته وَهُوَ أَن من بَاعَ شَيْئا فَإِن دلَالَته على كل مائَة دِرْهَم دِرْهَمَيْنِ يُؤْخَذ مِنْهُمَا دِرْهَم للسُّلْطَان فَصَارَ الدَّلال يحْسب حسابه ويخلص درهمه قبل دِرْهَم السُّلْطَان. وَمِنْهَا رسوم الولايات والمقدمين والنواب والشرطية وَكَانَت جِهَة تتَعَلَّق بالولاة والمقدمين فيجيبها المذكورون من عرفاء الْأَسْوَاق وبيوت الْفَوَاحِش وَعَلَيْهَا جند مستقطعة وأمراء وَكَانَ فِيهَا من الظُّلم والعسف وَالْفساد وهتك الْحرم وهجم الْبيُوت مَا لَا يُوصف. وَمِنْهَا مُقَرر الحوائص وَالْبِغَال وَهِي تجبى من الْمَدِينَة وَسَائِر معاملات مصر كلهَا من الْوَجْهَيْنِ القبلي والبحري فَكَانَ على كل من الْوُلَاة والمقدمين مُقَرر يحمل فِي كل قسط من أًقساط السّنة إِلَى بَيت المَال عَن ثمن حياصة ثَلَاثمِائَة دِرْهَم وَعَن ثمن بغل خَمْسمِائَة دِرْهَم وَكَانَ عَلَيْهَا عدَّة مقطعين سوى مَا يحمل وَكَانَ فِيهَا من الظُّلم بلَاء عَظِيم. وَمِنْهَا مُقَرر السجون وَهُوَ على كل من يسجن وَلَو لَحْظَة وَاحِدَة مبلغ سِتَّة دَرَاهِم سوى مَا يغرمه وعَلى هَذِه الْجِهَة عدَّة من المقطعين وَلها ضَمَان وَكَانَت تجبى من سَائِر السجون. وَمِنْهَا مقرّ طرح الفراريج وَلها ضَمَان فِي سَائِر نواحي الإقليم فتطرح على النَّاس فِي النواحي الفراريج وَكَانَ فِيهَا من الظُّلم والعسف وَأخذ الْأَمْوَال من الأرامل والفقراء والأيتام مَا لَا يُمكن شَرحه وَعَلَيْهَا عدَّة مقطعين ومرتبات وَلكُل إقليم ضَامِن مُفْرد وَلَا يقدر أحد أَن يَشْتَرِي فروجاً فَمَا فَوْقه إِلَّا من الضَّامِن. وَمِنْهَا مُقَرر الفرسان وَهِي شَيْء يستهديه الْوُلَاة والمقدمون من سَائِر الأقاليم فَيَجِيء من ذَلِك مَال عَظِيم وَيُؤْخَذ فِيهِ الدِّرْهَم ثَلَاثَة دَرَاهِم لِكَثْرَة الظَّالِم. وَمِنْهَا مُقَرر

стр. 954

الأقصاب والمعاصر وَهُوَ مَا يجبى من مزارعي الأقصاب وأرباب المعاصر وَرِجَال المعصرة. وَمِنْهَا رسم الأفراح هِيَ تجبى من سَائِر الْبِلَاد وَهِي جِهَة بذاتها لَا يعرف لَهَا أصل. وَمِنْهَا حماية المراكب وَهِي تجبى من سَائِر المراكب الَّتِي فِي النّيل بتقرير معِين على كل مركب يُقَال لَهُ مُقَرر الحماية ويجبى من الْمُسَافِرين فِي المراكب سَوَاء إِن كَانُوا أَغْنِيَاء أَو فُقَرَاء. وَمِنْهَا حُقُوق الْقَيْنَات وَهِي مَا كَانَ يَأْخُذهُ مهتار الطشتخاناه من البغايا ويجمعه من الْمُنْكَرَات وَالْفَوَاحِش من أوباش مصر وَضَمان تجيب بِمصْر. وَمِنْهَا شدّ الزعماء وَحُقُوق السودَان وكشف مراكب النّوبَة فَيُؤْخَذ من كل عبد وَجَارِيَة مُقَرر مَعْلُوم عِنْد نزولهم فِي الْخَانَات وَكَانَت جِهَة قبيحة شنعة. وَمِنْهَا متوفر الجراريف وتجبى من المهندسين والولاة بِسَائِر الأقاليم وَعَلَيْهَا عدَّة من الأجناد. وَمِنْهَا مُقَرر المشاعلية وَهِي مَا يُؤْخَذ عَن تنظيف أسربة الْبيُوت والحمامات والمسامط وَغَيرهَا وَحمل مَا يخرج مِنْهَا من الْوَسخ إِلَى الكيمان فَإِذا امْتَلَأَ سرب مدرسة أَو مَسْجِد أَو بَيت لَا يُمكن شيله حَتَّى يحضر الضَّامِن ويقرر أجرته بِمَا يخْتَار فَمَتَى لم يُوَافقهُ صَاحب الْبَيْت تَركه حَتَّى يحْتَاج إِلَيْهِ ويبذل لَهُ مَا طلب. وَمِنْهَا ثمن العبي الَّتِي كَانَت تستأدى من الْبِلَاد. وَمِنْهَا مُقَرر الأتبان الَّتِي كَانَت تُؤْخَذ لمعاصر الأقصاب بِغَيْر ثمن. وَمِنْهَا زَكَاة الرجالة بالديار المصرية. وابطل السُّلْطَان أَيْضا وظيفتي النّظر والاستيفاء من سَائِر الْأَعْمَال فِي كل بلد نَاظر ومستوف وعدة مباشرين فرسم أَلا يستخدم أحد فِي إقليم لَا يكون للسُّلْطَان فِيهِ مَال وَمَا كَانَ للسُّلْطَان فِيهِ مَال يكون فِي كل إقليم نَاظر وَأمين حكم لَا غير. وَرفع السُّلْطَان سَائِر المباشرين. ورسم بالمسامحة بالبواقي الديوانية والإقطاعية من سَائِر النواحي إِلَى آخر سنة أَربع وَسَبْعمائة. وَجعل المَال الْهِلَالِي لاستقبال صفر سنة سِتّ عشرَة وَالْمَال الخراجي لاستقبال ثلث مغل سنة خمس عشرَة وَسَبْعمائة. وأفرد السُّلْطَان لخاصة الجيزية وأعمالها وبلاد هُوَ والكوم الْأَحْمَر ومنفلوط والمرج وَالْخُصُوص وعدة بِلَاد. وأخرجت الجوالى من الْخَاص وَفرقت فِي الْبِلَاد. وأفردت جِهَات المكس كلهَا وأضيف للوزارة. وأفردت للحاشية بِلَاد ولجوامك المباشرين بِلَاد ولأرباب الرَّوَاتِب جِهَات. وارتجعت عدَّة بِلَاد كَانَت اشْتريت وأدخلت فِي الإقطاعات. واعتد فِي سَائِر الْبِلَاد بِمَا كَانَ يهديه الْفَلاح وَحسب من جملَة الإقطاع.

стр. 955

فَلَمَّا فرغ الْعَمَل من ذَلِك نُودي فِي النَّاس بِالْقَاهِرَةِ ومصر وَسَائِر الْأَعْمَال بِإِبْطَال مَا أبطل من الْجِهَات وكتبت المراسيم إِلَى النواحي بِهِ فسر النَّاس سُرُورًا كَبِيرا. وَجلسَ السُّلْطَان بالإيوان الَّذِي أنشأه لتفرقة المثالات فِي يَوْم الْخَمِيس ثَانِي عشرى ذِي الْحجَّة بَعْدَمَا دارت النُّقَبَاء على جَمِيع الأجناد وحضروا ورسم أَن يفرق كل يَوْم على أميرين من المقدمين بمضافيهما. فَكَانَ الْمُقدم يقف بمضافيه ويستدعي السُّلْطَان المقدمين كل أحد باسمه فَإِذا تقدم الْمَطْلُوب سَأَلَهُ السُّلْطَان: من أَيْن أَنْت ومملوك من حَتَّى لَا يخفى عَلَيْهِ شَيْء من أمره ثمَّ يُعْطه مِثَالا على مَا قسم لَهُ من غير تَأمل وأنبأ السُّلْطَان فِي الْعرض عَن معرفَة تَامَّة بأحوال الأجناد وأمراء الْجَيْش. وَكَانَ الْأُمَرَاء عِنْد الْعرض قد جلس أكابرهم بخدمته على الْعَادة وَإِذا أخذُوا فِي شكر جندي عاكسهم وَأَعْطَاهُ دون مَا كَانَ فِي أملهم لَهُ وَأَرَادَ بذلك أَلا يتَكَلَّم أحد فِي الْمجْلس. فَلَمَّا فطنوا لذَلِك أَمْسكُوا عَن الْكَلَام وَالشُّكْر بِحَيْثُ لم يتَكَلَّم أحد بعْدهَا إِلَّا جَوَابا لَهُ عَمَّا يسْأَل السُّلْطَان عَنهُ مِنْهُم. وَفعل فِي عرض المماليك مثل عرض الأجناد فَكَانَ الْمَمْلُوك إِذا تقدم إِلَيْهِ سَأَلَهُ عَن اسْم تاجره وَعَن أَصله وفرعه وَكم حضر من مصَاف وَكم رأى بيكاراً وَأي قِطْعَة حاصر فَإِن أَجَابَهُ بِصدق أنصفه. وَكَانَ السُّلْطَان يُخَيّر الشَّيْخ المسن بَين الإقطاع والرواتب فيعطيه مَا يخْتَار وَلم يقطع فِي الْعرض الْعَاجِز عَن الْحَرَكَة بل كَانَ يرتب لَهُ مَا يقوم بِهِ عوضا عَن إقطاعه. وَاتفقَ لَهُ فِي الْعرض أَشْيَاء: مِنْهَا أَنه تقدم إِلَيْهِ شَاب تَامّ الْخلقَة فِي وَجهه أثر شبه ضَرْبَة سيف فأعجبه وناوله مِثَالا بإقطاع جيد وَقَالَ لَهُ: فِي أَي مصف وَقع فِي وَجهك هَذَا السَّيْف. فَقَالَ لقلَّة سعادته: يَا خوند هَذَا مَا هُوَ أثر سيف وَإِنَّمَا وَقعت من سلم. فَصَارَ فِي وَجْهي هَذَا الْأَثر فَتَبَسَّمَ وَتَركه. فَقَالَ الْفَخر نَاظر الْجَيْش: يَا خوند مَا بَقِي يصلح لَهُ هَذَا الْخبز ﴿. فَقَالَ السُّلْطَان لَا﴾ قد صدقني وَقَالَ الْحق وَأخذ رزقه فَلَو قَالَ أصبت فِي المصف الْفُلَانِيّ من الَّذِي يكذبهُ فدعَتْ الْأُمَرَاء لَهُ وَانْصَرف الشَّاب بالمثال. وَتقدم إِلَيْهِ رجل ذميم الشكل وَله إقطاع ثقيل عِبْرَة ثَمَانمِائَة دِينَار. فَأعْطَاهُ مِثَالا وَانْصَرف. فَإِذا بِهِ عِبْرَة نصف مَا كَانَ مَعَه. فَعَاد وَقبل الأَرْض. فَسَأَلَهُ السُّلْطَان عَن حَاجته. فَقَالَ: الله يحفظ السُّلْطَان! فَإِنَّهُ غلط فِي حَقي فَإِن إقطاعي كَانَت عبرته ثَمَانمِائَة دِينَار وَهَذَا أَرْبَعمِائَة. فَقَالَ السُّلْطَان: بل الْغَلَط كَانَ فِي إقطاعك الأول فَمضى بِمَا قسم لَهُ. فَلَمَّا انْتَهَت تَفْرِقَة المثالات فِي آخر الْمحرم سنة سِتّ عشرَة توفر مِنْهَا نَحْو مِائَتي مِثَال.

стр. 956

ثمَّ أَخذ السُّلْطَان فِي عرض طباق المماليك ووفر جوامك عدَّة مِنْهُم ورواتبهم وَأَعْطَاهُمْ الإقطاعات. وأفرد جِهَة قطيا للعاجزين من الأجناد وَقرر لكل ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم فِي السّنة. وارتجع السُّلْطَان مَا كَانَت البرجية قد اشترته من أَرَاضِي الجيزة وَغَيرهَا وارتجع مَا كَانَ لبيبرس وبرلغي والجوكندار وَغَيرهم من المتاجر وأضاف ذَلِك للخاص. وَبَالغ السُّلْطَان فِي إِقَامَة أَيَّام الْعرض. وَعرف النَّائِب وأكابر الْأُمَرَاء أَنه من رد مِثَالا أَو تضرر أَو شكا ضرب وَحبس وَقطع خبزه وَأَن أحدا من الْأُمَرَاء لَا يتَكَلَّم مَعَ السُّلْطَان فِي أَمر جندي وَلَا مَمْلُوك فَلم يَجْسُر أحد أَن يُخَالف مَا رسم بِهِ. وَعين فِي هَذَا الْعرض أَكثر الأجناد فَإِنَّهُم أخذُوا إقطاعات دون الَّتِي كَانَت مَعَهم وَقصد الْأُمَرَاء التحدث فِي ذَلِك مَعَ السُّلْطَان والنائب أرغون ينهاهم عَنهُ. فَقدر الله أَن السُّلْطَان نزل إِلَى الْبركَة لصيد الكركي وَجلسَ فِي الْبُسْتَان المنصوري ليستريح فَدخل بعض المرقدارية - وَكَانَ يُقَال لَهُ عَزِيز - وَمن عاداته الْهزْل قُدَّام السُّلْطَان والمزح مَعَه فَأخذ يهزل على عَادَته قُدَّام السُّلْطَان والأمراء جُلُوس وَهُنَاكَ ساقية وَالسُّلْطَان ينظر إِلَيْهَا. فتمادى عَزِيز لشؤم بخته فِي الْهزْل إِلَى أَن قَالَ: وجدت جندي من جند الروك الناصري وَهُوَ رَاكب إكديش وخرجه ومخلاة فرسه وَرمحه على كتفه وَأَرَادَ أَن يتم الْكَلَام. فَاشْتَدَّ غضب السُّلْطَان. وَصَاح فِي المماليك. عروه ثِيَابه فللحال خلعت عَنهُ الثِّيَاب وربط مَعَ قواديس الساقية وَضربت الأبقار حَتَّى أسرعت فِي الدوران وعزيز تَارَة ينغمر فِي المَاء وَتارَة يظْهر وَهُوَ يستغيث وَقد عاين الْمَوْت وَالسُّلْطَان يزْدَاد غَضبا. فَلم تجسر الْأُمَرَاء على الشَّفَاعَة فِيهِ حَتَّى مضى نَحْو ساعتين وَانْقطع حسه فَتقدم إِلَيْهِ الْأَمِير طغاي والأمير قطلوبغا الفخري وَقَالا: ياخوند! هَذَا الْمِسْكِين لم يرد إِلَّا أَن يضْحك السُّلْطَان ويطيب خاطره وَلم يرد غير ذَلِك وَمَا زَالا بِهِ حَتَّى أخرج الرجل وَقد أشفى على الْمَوْت ورسم بنفيه من أَرض مصر فَحَمدَ الله الْأُمَرَاء على سكوتهم وتركهم الشَّفَاعَة فِي تَغْيِير مثالات الأجناد وَفِي هده السّنة: ظهر بِبِلَاد الصَّعِيد فأر عَظِيم يخرج عَن الإحصاء بِحَيْثُ إِن مباشري نَاحيَة أم الْقُصُور من بِلَاد منفلوط قتلوا فِي أَيَّام قَلَائِل من الفأر مبلغ ثَلَاثمِائَة وَسَبْعَة عشر أردباً ينقص ثلث أردب واعتبروا أردباً فجَاء عدَّة ثَمَانِيَة آلَاف وَأَرْبَعمِائَة فأر وكل ويبة ألف وَأَرْبَعمِائَة فأر

стр. 957

وفيهَا وَقعت نَار فِي البرج المنصوري من قلعة الْجَبَل وطباق الجمدارية فأحرقت شَيْئا كثيرا وَذَلِكَ فِي تَاسِع عشرى شعْبَان. وفيهَا غلقت كنائس الْيَهُود وَالنَّصَارَى بأجمعها فِي مصر والقاهرة فِي يَوْم السبت سَابِع عشرى شَوَّال فَلَمَّا كَانَ يَوْم الثُّلَاثَاء الْعشْرين من ذِي الْحجَّة فتحت الْكَنِيسَة الْمُعَلقَة وخلع على بطرك النَّصَارَى. وفيهَا حج الْأَمِير سيف الدّين أرغون النَّائِب وقاضي الْقُضَاة بدر الدّين مُحَمَّد بن جمَاعَة مَعَ الركب وَكَانَ أَمِير الركب عز الدّين أيدمر الكوكندي. وَمَات فِي هَذِه السّنة مِمَّن لَهُ ذكر شهَاب الدّين أَحْمد بن حُسَيْن بن عبد الرَّحْمَن الأرمنتي الْمَعْرُوف بِابْن الأسعد يَوْم الْجُمُعَة رَابِع عشرى رَمَضَان وَكَانَ فَقِيها شافعياً مشكور السِّيرَة. وَمَات جلال الدّين إِسْمَاعِيل بن أَحْمد بن إِسْمَاعِيل بن بريق بن برعس أَبُو الطَّاهِر القوصي الْفَقِيه الْحَنَفِيّ كَانَ متصدراً بِجَامِع أَحْمد بن طولون وَله فَضِيلَة فِي الْفِقْه والقراءات والعربية وصنف وَحدث وَله شعر مِنْهُ: حرمت الطيف مِنْك فَفَاضَ دمعي وطرفي فِيك محرم وَسَائِل وَمَات تَقِيّ الدّين سُلَيْمَان بن حَمْزَة بن عمر بن أبي عمر مُحَمَّد بن أَحْمد بن قدامَة الْمَقْدِسِي الْحَنْبَلِيّ قَاضِي الْحَنَابِلَة بِدِمَشْق فِي حادي عشرى ذِي الْقعدَة ومولده سنة ثَمَان وَعشْرين وسِتمِائَة وَكَانَ فَاضلا وَاسع الرِّوَايَة لَهُ مُعْجم فِي مجلدين وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الْفُقَهَاء مَعَ الدّين والتواضع. وَمَات شمس الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْقَاسِم بن عبد السَّلَام بن جميل التّونسِيّ الْمَالِكِي بِالْقَاهِرَةِ لَيْلَة الْحَادِي وَالْعِشْرين من صفر عَن سِتّ وَتِسْعين سنة ودفق بالقرافة ومولده سنة تسع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وناب فِي الحكم بالحسينية خَارج الْقَاهِرَة ثمَّ ولي قَضَاء الْإسْكَنْدَريَّة وَهُوَ أول من درس بِالْمَدْرَسَةِ المنكوتمرية بِالْقَاهِرَةِ. وَمَات السَّيِّد الإِمَام الْعَلامَة ركن الدّين أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْن بن شرف الدّين شاه

стр. 958

الْحُسَيْنِي الْعلوِي الأستراباذي عَالم الْموصل ومدرس الشَّافِعِيَّة وشارح الْمُخْتَصر لِابْنِ الْحَاجِب ومقدمي ابْن الْحَاجِب وَالْحَاوِي فِي الْمَذْهَب وَله سَبْعُونَ سنة وَأخذ عَن النصير الطوسي وَتقدم عِنْد التتار وتوفرت حرمته وبرع فِي عُلُوم المعقولات وَكَانَ يجيد الْفِقْه وَغَيره. وَمَات شرف الدّين مُحَمَّد بن نصر الله القلانسي التَّمِيمِي الدِّمَشْقِي فِي ثَانِي عشر الْمحرم بِدِمَشْق ومولده بهَا سنة سِتّ وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَكَانَ أحد الْأَعْيَان الأخيار. وَمَات الشَّيْخ صفي الدّين مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد الأرموي - الْمَعْرُوف بالهندي الأرموي - الْفَقِيه الشَّافِعِي فِي تَاسِع عشرى صفر بِدِمَشْق ومولده ثَالِث ربيع الآخر سنة أَربع وَتِسْعين وسِتمِائَة وَله تصانيف مفيدة وَقدم من الْهِنْد إِلَى مصر بعد حجه وَسَار إِلَى الرّوم فَأَقَامَ بهَا إِحْدَى عشرَة سنة وَسكن دمشق من سنة خمس وَثَمَانِينَ وسِتمِائَة وَسمع بهَا ودرس وَكَانَ إِمَامًا عَالما دينا. وملت شرف الدّين مُحَمَّد بن تَمِيم الإسْكَنْدراني كَاتب الْملك الْمُؤَيد هزبر الدّين صَاحب الْيمن بهَا وَكَانَ إِمَامًا فِي الْإِنْشَاء وَله نظم. وَمَات عز الدّين مُوسَى بن على بن أبي طَالب الشريف أَبُو الْفَتْح الموسوي الْحَنَفِيّ الْعدْل فِي سَابِع ذِي الْحجَّة بِمصْر وَانْفَرَدَ بالرواية عَن ابْن الصّلاح والسخاوي ورحل النَّاس إِلَيْهِ. وَمَات الْأَمِير عز الدّين حُسَيْن بن عمر بن مُحَمَّد بن صبرَة فِي تَاسِع عشر رَجَب بطرابلس وَولي حاجباً بِدِمَشْق مُدَّة وَكَانَ مشكوراً. وَمَات الشريف أَبُو الْغَيْث بن أبي نمي. وَمَات الْأَمِير عَلَاء الدّين أيدغدي شقر الحسامي أحد مماليك الْملك الْمَنْصُور حسام الدّين وَمَات حسام الدّين قرا لاجين المنصوري الأستادار لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثَالِث عشر شعْبَان وَكَانَ جواداً خيرا سليم الْبَاطِن وَا نعم بإقطاعه على الْأَمِير جمال الدّين أقوش الأشرفي وتوفرت الأستادارية وَمَات الْأَمِير سيف الدّين جيرجين الخازن تَحت الْعقُوبَة يَوْم السبت عَاشر ربيع الآخر. وَمَات الْأَمِير بدر الدّين مُوسَى بن الْأَمِير سيف الدّين أبي بكر مُحَمَّد الأزكشي بِدِمَشْق فِي ثامن شعْبَان وَكَانَ شجاعاً شهماً.

стр. 959

وَمَات الْملك خربندا بن أبغا بن أرغون فِي سادس شَوَّال وَتسَمى بِمُحَمد وَكَانَ رَافِضِيًّا قتل أهل السّنة وَكَانَ منهمكاً فِي شرب الْخمر متشاغلاً باللهو وَقَامَ بعده ابْنه أَبُو سعيد بعهده إِلَيْهِ وَكَانَ محولاً بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ عادلاً فِي رَعيته ملك ثَلَاث عشرَة سنة وأشهراً. وَمَات الْأَمِير سيف الدّين كستاي النَّاصِر نَائِب طرابلس بهَا وَكَانَ حسوراً قوي النَّفس معجباً بِنَفسِهِ شَدِيد الْكبر إِلَّا أَنه بَاشر طرابلس بعفة وَحُرْمَة مُدَّة شَهْرَيْن ثمَّ طلب من النَّاس التقادم وأَخذها. وَمَات الْأَمِير بدر الدّين بن الْملك المغيث فِي ثَانِي شعْبَان. مَاتَ بهاء الدّين بن الْمحلي فِي خَامِس شعْبَان. وَمَات الْفَقِيه شرف الدّين بن محيي الدّين بن الْفَقِيه نجيب الدّين فِي تَاسِع رَجَب. وَمَات الشَّيْخ نَاصِر الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْفضل يُوسُف بن مُحَمَّد بن عبد الله بن المهتار الْكَاتِب بِدِمَشْق فِي سادس عشرى ذِي الْحجَّة انْفَرد بِرِوَايَة عُلُوم الحَدِيث بِسَمَاعِهِ من مُؤَلفه ابْن الصّلاح وبرواية الزّهْد لِأَحْمَد بن حَنْبَل وشيوخه كَثِيرَة ومولده فِي رَجَب سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة. وَمَات الشَّيْخ تَاج الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن عبد الله بن الشَّيْخ مرهف إِمَام الْجَامِع الْجَدِيد الناصري خَارج مصر لَيْلَة الْأَرْبَعَاء خَامِس عشر رَجَب. وَمَات الشَّيْخ الْمُقْرِئ أَمِين الدّين بن الصَّواف المتصدر بِجَامِع عَمْرو بِمصْر لَيْلَة الْجُمُعَة ثَانِي عشرى شعْبَان. وَمَات الشَّيْخ ابْن أبي مفصلة لَيْلَة الْأَحَد سادس عشر رَمَضَان. وَمَات الشَّيْخ زين الدّين الْمَهْدَوِيّ يَوْم الْخَمِيس تَاسِع رَجَب. وَمَات الطواشي شبْل الدولة كافرر الأقطواني الصَّالِحِي شاد الخزانة السُّلْطَانِيَّة لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ رَابِع عشر ذِي الْقعدَة. وَمَات فتح الدّين بن زين الدّين بن وجيه الدّين بن عبد السَّلَام فِي سَابِع عشرى ذِي الْقعدَة.

стр. 960

فارغة

стр. 961

(سنة سِتّ عشر وَسَبْعمائة) فِي الْمحرم: قدم الْبَرِيد من حلب بِمَوْت خربندا وجلوس وَلَده أبي سعيد بعده. وَفِي يَوْم السبت ثَالِث عشريه: سمع بِالْقَاهِرَةِ هدة عَظِيمَة شبه الصاعقة وتبعها رعد ومطر كثير وَبرد وغرقت بلبيس لِكَثْرَة الْمَطَر. وَفِي ثامن صفر: اسْتَقر شمس الدّين مُحَمَّد بن مُسلم بن مَالك بن مزروع فِي قَضَاء الْحَنَابِلَة بِدِمَشْق وجهز لَهُ توقيعه من الْقَاهِرَة فَلم يُغير زيه وَاسْتمرّ يحمل مَا يَشْتَرِيهِ من السُّوق بِنَفسِهِ وَيجْلس على ثوب يبسطه بِيَدِهِ فِي مجْلِس الحكم وَيحمل نَعله بِيَدِهِ. وَفِي أول ربيع الأول: فوضت إمرة الْعَرَب بِالشَّام إِلَى الْأَمِير شُجَاع الدّين فضل بن عِيسَى بن مهنا. وَفِيه قدم الْبَرِيد بِوُقُوع الْمَطَر فِي قارا وحمص وبعلبك وَفِي بِلَاد حلب وإعزاز وحارم بِخِلَاف الْمَعْهُود وعقبه برد قدر النارنج فِيهَا مَا زنته ثَلَاث أَوَاقٍ دمشقية هلك بهَا من النَّاس والأَغنام وَالدَّوَاب شَيْء كثير. وَخَربَتْ عدَّة ضيَاع وَتلف من التركمان وَأهل الضّيَاع خلق كثير. وعقب هَذَا الْمَطَر نزُول سمك كثير مَا بَين صغَار وكبار بِالْحَيَاةِ تنَاوله أهل الضّيَاع واشتروه وأكلوه. وَسقط بالمعرة وسرمين عقيب هَذَا الْمَطَر ضفادع كَثِيرَة فِي غَايَة الْكبر مِنْهَا ميت وَمِنْهَا بِالْحَيَاةِ ثمَّ نزل ثلج عَظِيم طم الْقرى وسد الطرقات والأودية وَامْتنع السّفر حَتَّى بعث النواب الرِّجَال من الْبِلَاد وَالْجِبَال مَعَ الْوُلَاة بِالْمَسَاحِي وَعمِلُوا فِيهَا حَتَّى فتحت الطرقات. وَفِي سادس عشرى جُمَادَى الأولى: اسْتَقر قَاضِي الْقُضَاة نجم الدّين بن صصري فِي مشيخة الشُّيُوخ بِدِمَشْق عوضا عَن شهَاب الدّين مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله البكاشغري. فِيهَا رأى السُّلْطَان أَن يقدم برشنبو النوبي وَهُوَ ابْن أُخْت دَاوُد ملك النّوبَة فَجهز

стр. 962

صحبته الْأَمِير عز الدّين أيبك على عَسْكَر. فَلَمَّا بلغ ذَلِك كرنبس ملك النّوبَة بعث ابْن أُخْته كنز الدولة بن شُجَاع الدّين نصر بن فَخر الدّين مَالك بن الْكَنْز يسْأَل السُّلْطَان فِي أمره فاعتقل كنز الدولة. وَوصل الْعَسْكَر إِلَى دمقلة وَقد فر كرنبس وَأَخُوهُ أبرام فَقبض عَلَيْهِمَا وحملا إِلَى الْقَاهِرَة فاعتقلا. وَملك عبد الله برشنبو دمقلة وَرجع الْعَسْكَر فِي جُمَادَى الأولى سنة سبع عشرَة. وَأَفْرج عَن كنز الدولة فَسَار إِلَى دمقلة وَجمع النَّاس وَحَارب برشنبو فخذله جماعته حَتَّى قتل وَملك كنز الدولة. فَلَمَّا بلغ السُّلْطَان ذَلِك أطلق أبرام وَبَعثه إِلَى النّوبَة ووعده إِن بعث إِلَيْهِ بكنز الدولة مُقَيّدا أفرج عَن أَخِيه كرنبس. فَلَمَّا وصل أبرام خرج إِلَيْهِ كنز الدولة طَائِعا فَقبض عَلَيْهِ ليرسله فَمَاتَ أبرام بعد ثَلَاثَة أَيَّام من قَبضه فَاجْتمع أهل النّوبَة على كنز الدولة وفيهَا أَخذ عرب بَريَّة عيذاب رسل صَاحب الْيمن وعدة من التُّجَّار وَجَمِيع مَا مَعَهم فَبعث السُّلْطَان الْعَسْكَر وهم خَمْسمِائَة فَارس عَلَيْهِم الْأَمِير عَلَاء الدّين مغلطاي بن أَمِير مجْلِس فِي الْعشْرين من شَوَّال فَسَارُوا إِلَى قوص ومضوا مِنْهَا فِي أَوَائِل الْمحرم سنة سبع عشرَة إِلَى صحراء عيذاب ومضوا إِلَى سواكن حَتَّى الْتَقَوْا بطَائفَة يُقَال لَهَا حَيّ الهلبكسة وهم نَحْو الألفي رَاكب على الهجن بحراب ومزاريق فِي خلق من المشاة عرايا الْأَبدَان فَلم يثبتوا لدق الطبول وَرمى النشاب وانهزموا بعد مَا قتل مِنْهُم عدد كَبِير. وَسَار الْعَسْكَر إِلَى نَاحيَة الْأَبْوَاب ثمَّ مضوا إِلَى دمقلة وعادوا إِلَى الْقَاهِرَة تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَة سنة سبع عشرَة وَكَانَت غيبتهم ثَمَانِيَة أشهر. وَكَثْرَة الشكاية من الْأَمِير عَلَاء الدّين مغلطاي بن أَمِير مجْلِس مقدم عَسْكَرهمْ فَأخْرج إِلَى دمشق. وفيهَا أغار من الططر نَحْو ألف فَارس على أَطْرَاف بِلَاد حلب ونهبوا إِلَى قرب قلعة كمختا فَقَاتلهُمْ التركمان وَقتلُوا كثيرا مِنْهُم وأسروا سِتَّة وَخمسين من أعيانهم وغنموا مَا كَانَ مَعَهم فَقدمت الأسرى إِلَى الْقَاهِرَة فِي صفر سنة سبع عشرَة. وفيهَا هبت ريح سَوْدَاء مظْلمَة بِأَرْض أسوان وسود وإسنا وأرمنت وقدحت لشدَّة حرهَا نَار عَظِيمَة أحرقت عدَّة أَجْرَانِ من الغلال. ثمَّ أمْطرت السَّمَاء فعقب ذَلِك وباء هلك فِيهِ وفيهَا أفرج عَن الْأَمِير بكتمر الحسامي الْحَاجِب. وخلع عَلَيْهِ فِي يَوْم الْخَمِيس ثَالِث عشر شَوَّال بنيابة صفد وَا نعم عَلَيْهِ بِمِائَتي ألف دِرْهَم فَسَار على الْبَرِيد ودخلها فِي آخر ذِي الْحجَّة. وَكَانَ بكتمر فِي مُدَّة اعتقاله مكرماً لم يفقد غير ركُوب الْخَيل وَبعث إِلَيْهِ السُّلْطَان بِجَارِيَة حبلت مِنْهُ فِي الاعتقال وَولدت ولدا سَمَّاهُ نَاصِر الدّين مُحَمَّدًا

стр. 963

فَكَانَت مُدَّة سجنه سنة وَسَبْعَة أشهر وأياماً. وفيهَا ولي الْأَمِير سيف الدّين أرقطاي نِيَابَة حمص فِي تَاسِع رَجَب عوضا عَن شهَاب الدّين قرطاي بِحكم انْتِقَاله إِلَى نِيَابَة طرابلس فِي جُمَادَى الْآخِرَة. رفيها أخرجت قطيا عَن الأجناد وأضيفت إِلَى الْخَاص وَخرج إِلَيْهَا نَاظر وشاد. وَعوض الأجناد بجهات فِي الْقَاهِرَة بعد عرضهمْ على السُّلْطَان وَأعْطى كل مِنْهُم نَظِير مَا كَانَ لَهُ. وفيهَا توجه الْأَمِير بهاء الدّين أرسلان الدوادار إِلَى الْأَمِير مهنا وَعَاد. وفيهَا أفرج عَن الْأَمِير كراي المنصوري والأمير سنقر الكمالي من سجن الكرك وقدما إِلَى الْقَاهِرَة فسجنا بالقلعة ومعهما نساؤهما. وفيهَا قدمت رسل أزبك ورسل ملك الكرج ورسل طغاي قريب أزبك بِهَدَايَا فأجيبوا وسيرت إِلَيْهِم الْهَدَايَا. فَاجْتمع هَذِه السّنة ثَمَانِيَة رسل وهم رسل جوبان وَأبي سعيد وأزبك وطغاي وَصَاحب برشلونة وَصَاحب إسطنبول وَصَاحب النّوبَة وَملك الكرج وَكلهمْ يبْذل الطَّاعَة وَلم يتَّفق فِي الدولة التركية مثل ذَلِك وَأكْثر مَا اجْتمع فِي الْأَيَّام الظَّاهِرِيَّة خَمْسَة رسل. وفيهَا سَافر فِي الرسلية إِلَى بِلَاد أزبك الْأَمِير عَلَاء الدّين أيدعدي الْخَوَارِزْمِيّ مَمْلُوك يازي وَمَعَهُ حُسَيْن بن صَارُوا أحد مقدمي الْحلقَة بالهدية فِي آخر الْمحرم وَهِي مِائَتَا عدَّة كَامِلَة مَا بَين جوشن وخوذة وبركستوان وخلعة كَامِلَة التحتاني أطلس أَحْمَر مزركش وشاش كافوري وبلغطاق فوقاني مفرج مقصب مُحَقّق بطرز ذهب وكلفتاه ذهب وحياصة ذهب وَفرس مسرجة ملجمة بِذَهَب مرصع وجتر وَسيف بحلية ذهب وَسَار مَعَهم بطرك الملكية. وفيهَا قدمت أم الْأَمِير بكتمر الساقي. وفيهَا تغير السُّلْطَان على الْأَمِير سيف الدّين طغاي وضربه بِيَدِهِ بالمقرعة على رَأسه ثمَّ رَضِي عَنهُ وخلع عَلَيْهِ. وفيهَا صرف بهادر الإبراهيمي من نقابة المماليك وَبَقِي على إمرته وَولى عوضه دقماق نقابة المماليك. وفيهَا مَرضت زَوْجَة الْأَمِير طغاي فعادها السُّلْطَان مرَارًا فَلَمَّا مَاتَت نزل الْأُمَرَاء كلهم للصَّلَاة عَلَيْهَا، وَعمل كريم الدّين لَهَا مهما عَظِيما.

стр. 964

وفيهَا سَار السُّلْطَان إِلَى الصَّيْد فِي يَوْم الْجُمُعَة سَابِع شعْبَان وَتوجه إِلَى بِلَاد الصَّعِيد. وَعَاد إِلَى قلعة الْجَبَل يَوْم الْإِثْنَيْنِ تَاسِع عشر رَمَضَان وَأعْطى الْأُمَرَاء دستوراً وَنزل تَحت الأهرام. وفيهَا توجه كريم الدّين إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة وَعَاد وَهُوَ متوعك فَخلع السُّلْطَان عَلَيْهِ فرجية أطلس أَبيض بطراز وأنعم عَلَيْهِ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم. وَكَانَ وَفَاء النّيل يَوْم الْأَرْبَعَاء حادي عشرى جُمَادَى الأولى - فِي ثامن عشر مسري - بعد أَن بلغ فِي يَوْم الثُّلَاثَاء أَربع عشرَة إصبعاً من سِتَّة عشر ذِرَاعا. فَانْقَطع الجسر المجاور للقناطر الْأَرْبَعين بالجيزة فنقص عدَّة أَصَابِع وَجمع لسده خلق كثير غرق مِنْهُم نَحْو ثَلَاثِينَ رجلا فِي سَاعَة وَاحِدَة انطبق عَلَيْهِم الجسر. ثمَّ جمع من مصر رجال كَثِيرَة وكتفوا وأنزلوا فِي مركب وعدتهم سَبْعُونَ رجلا فَانْقَلَبت بهم الْمركب فَغَرقُوا بأجمعهم فِي يَوْم السبت سَابِع عشره. ثمَّ زَاد النّيل حَتَّى أوفى. وفيهَا قطعت أرزاق المرتزفة من أَرْبَاب الرَّوَاتِب لاستقبال الْمحرم وعوضوا على جِهَات أَجودهَا نسترواة فَصَارَت سنتهمْ ثَمَانِيَة أشهر. وَتَوَلَّى ذَلِك الصاحب سعد الدّين مُحَمَّد بن عطايا والسعيد مُسْتَوْفِي الرَّوَاتِب. وَمنع شهر الْمحرم وصولح من لَهُ راتب بِثلث الْمدَّة - وَهِي شَهْرَان وَثلثا شهر - وأحيلوا على المطابخ وثمنت عَلَيْهِم قطارة فَحصل من كل دِينَار سدسه. وَنزل بِالنَّاسِ من ذَلِك شدَّة وحصلت ذلة للحرم والأيتام وسماهما النَّاس سعد الذَّابِح وَسعد بلع وشافهوهما بِكُل مَكْرُوه. وفيهَا قدم الْملك الْمُؤَيد عماد الدّين إِسْمَاعِيل صَاحب حماة فِي تَاسِع عشر جُمَادَى الأولى وَنزل بمناظر الْكَبْش وَحمل تقدمته فِي غده وَسَار فِي تَاسِع عشر جُمَادَى الْآخِرَة. وفيهَا لعب السُّلْطَان بالميدان الْجَدِيد تَحت القلعة فِي يَوْم السبت ثامن جُمَادَى الْآخِرَة وخلع على الْأُمَرَاء وعَلى الْملك الْمُؤَيد صَاحب حماة. وفيهَا اسْتَقر الصاحب أَمِين الدّين بن الغنام نَاظر الدَّوَاوِين بمفرده فِي خَامِس عشر رَجَب بعد موت التقي أسعد كَاتب برلغي. وفيهَا سَافر الْفَخر نَاظر الْجَيْش وقاضي الْقُضَاة بدر الدّين مُحَمَّد بن جمَاعَة إِلَى الْقُدس وَقدم ابْن جمَاعَة فِي تَاسِع عشرى رَمَضَان. وَفِيه اسْتَقر الْعلم أَبُو شَاكر بن سعيد الدولة فِي نظر الْبيُوت وَاسْتقر كريم الدّين

стр. 965

أكْرم الصَّغِير فِي نظر الدَّوَاوِين شَرِيكا لأمين الدّين فِي يَوْم الْأَحَد أول ذِي الْقعدَة. وَفِيه توجه الْأَمِير أرغون النَّائِب إِلَى الْحجاز. عز الدّين أَحْمد بن جمال الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن ميسر الْمصْرِيّ بِدِمَشْق فِي لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ أول رَجَب ومولده بِمصْر فِي حادي عشرى رَمَضَان سنة تسع وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَكَانَ فَاضلا جليل الْقدر ولي نظر الدَّوَاوِين بِمصْر وَولي نظر الشَّام وطرابلس وإسكندرية ثمَّ تَغَيَّرت حَالَته وانحطت رتبته وَاسْتقر فِي نظر أوقاف دمشق مَعَ الْحِسْبَة وَكَانَ عَاقِلا خَبِيرا بالولايات وَفِيه لين وَسُكُون ومروءة وسماح لمن تَحت يَده من المباشرين. وَمَال صدر الدّين أَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل بن يُوسُف بن أبي الْيُسْر مَكْتُوم بن أَحْمد الْقَيْسِي السويدي الدِّمَشْقِي فِي لَيْلَة السبت ثَالِث عشرى شَوَّال بِدِمَشْق كَانَ فَقِيها مقرئاً مُحدثا درس وَانْفَرَدَ بالرواية عَن جمَاعَة. وَمَات الْأَمِير جمال الدّين أقوش الأفرم أحد مماليك الْمَنْصُور قلاوون وَكَانَ نَائِب دمشق فِي ثَالِث عشرى الْمحرم بهمذان. وَمَات الشَّيْخ نجم الدّين سُلَيْمَان بن عبد الْقوي بن عبد الْكَرِيم الطوفي الْبَغْدَادِيّ الْحَنْبَلِيّ فِي رَجَب بِبَلَد الْخَلِيل ﵇ أَقَامَ بِالْقَاهِرَةِ مُدَّة وامتحن بهَا. وَمَات شمس الدّين عبد الْقَادِر بن يُوسُف بن مظفر الخطيري الدِّمَشْقِي فِي جُمَادَى الأولى عَن إِحْدَى وَثَمَانِينَ سنة حدث وَولي نظر الخزانة بِدِمَشْق وَكَذَلِكَ نظر الْجَامِع الْأمَوِي والمارستان النَّوَوِيّ بهَا وَكَانَ دينا صيناً. وَمَات الْكَاتِب عَلَاء الدّين عَليّ بن المظفر بن إِبْرَاهِيم الكندري - عرف بكاتب ابْن

стр. 966

ابْن ودَاعَة - الأديب البارع الْمُقْرِئ وَمَات الشَّيْخ صدر الدّين مُحَمَّد بن عمر بن مكي - الْمَعْرُوف بِابْن المرحل وبابن الْوَكِيل - فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء رَابِع عشرى ذِي الْحجَّة بِالْقَاهِرَةِ ومولده بدمياط فِي شَوَّال سنة خمس وَسِتِّينَ وسِتمِائَة وَاسْتقر بعده فِي تدريس الزاوية بِجَامِع عَمْرو شهَاب الدّين بن الْأنْصَارِيّ وَفِي تدريس المجدية شمس الدّين مُحَمَّد بن اللبان. وَقتل بالكرك من الْأُمَرَاء سيف الدّين أسندمر كرجي وَسيف الدّين بينجار المنصوري وبكتوت الشجاعي وبيبرس العلمي وبيبرس الْمَجْنُون وقطلوبك الْكَبِير وبكتمر الجوكندار نَائِب السلطنة وبلبان طرنا خنقوا فِي لَيْلَة وَاحِدَة. وَمَات بطرابلس نائبها الْأَمِير سيف الدّين كستاي الناصري فِي تَاسِع جُمَادَى الْآخِرَة وَاسْتقر عوضه الْأَمِير شهَاب الدّين قرطاي الصَّالِحِي نَائِب حمص وَولي حمص أرقطاي الجمدار. وَمَات الْأَمِير سيف الدّين طقتمر الدِّمَشْقِي طنبغا الشمسي أحد أُمَرَاء مصر وَكَانَ حشماً عَاقِلا. وَمَات الصاحب ضِيَاء الدّين أَبُو بكر بن عبد الله بن أَحْمد بن مَنْصُور بن شهَاب النشائي وَزِير مصر فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ تَاسِع عشرى رَمَضَان وَكَانَ قد ولي التدريس بِالْمَدْرَسَةِ الَّتِي بجوار الشَّافِعِي بالقرافة ومشيخه الميعاد بالجامع الطولوني وَنظر الأحباس وَنظر الخزانة وَكَانَ مشكور السِّيرَة فَقِيها فَاضلا إِمَامًا فِي الْفَرَائِض مشاركاً فِي علم الحَدِيث كثير الصَّدَقَة وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء يرثيه: إِن بَكَى النَّاس بالمدامع حمرا فَهُوَ شَيْء يُقَال من حناء فاختم الدست بالنشائي فَإِنِّي لأرى الْخَتْم دَائِما بالنشاء وَكَانَ فِي وزارته غير نَافِذ الْأَمر وَقَالَ فِيهِ أَحْمد بن عبد الدَّائِم الشارمساحي من أَبْيَات: زقوا منصب الوزارة حَتَّى لزقوها وقتنا بالنشاء وَولي بعده نظر الخزانة تَقِيّ الدّين أَحْمد بن قَاضِي الْقُضَاة عز الدّين عمر بن عبد الله الْحَنْبَلِيّ. وَمَات تَقِيّ الدّين أسعد الْأَحْوَال بن أَمِين الْملك - الْمَعْرُوف بكاتب برلغي - نَاظر الدَّوَاوِين فِي لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ ثامن شهر رَجَب فاستقر بعده الصاحب أَمِين الدّين بن الغنام والتقى هَذَا هُوَ الَّذِي كَانَ سَبَب الروك بتحسينه عمل ذَلِك للسُّلْطَان وَهُوَ

стр. 967

الَّذِي أَدخل جِهَات المكوس فِي ديوَان الوزارة وَجعلهَا برسم المطبخ وَفرق جوالي الذِّمَّة فِي الإقطاعات بَعْدَمَا كَانَت قَلما مُفردا فَمَا زَالَ رجال الدولة بالسلطان حَتَّى تنكر عَلَيْهِ وسبه ولعنه وهدده بِالْقَتْلِ فأثر فِيهِ الْخَوْف وَلزِمَ فرَاشه حَتَّى مَاتَ وَكَانَ من الظلمَة اللئام واستسلمه الْأَمِير برلغي وَلم يُوجد لَهُ بعد مَوته شَيْء سوى دَوَاة وأثاث لم تبلغ قِيمَته مِائَتي دِرْهَم. وَمَات نَاصِر الدّين أَبُو بكر بن عمر بن السلار - بتَشْديد اللَّام بعد السِّين الْمُهْملَة - فِي لَيْلَة الثُّلَاثَاء ثَانِي عشر الْمحرم ومولده لَيْلَة الِاثْنَيْنِ تَاسِع عشر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَخمسين وسِتمِائَة بِدِمَشْق وَكَانَ أديباً بارعاً بديع الْكِتَابَة وتفتن فِي عدَّة فَضَائِل وَهُوَ من بَيت إِمَارَة وَمن شعره: لعمرك مَا مصر بِمصْر وَإِنَّمَا هِيَ الْجنَّة الدُّنْيَا لمن يتبصر فأولادها الْوَالِدَان من نسل آدم وروضتها الفردوس والنيل كوثر وَمَات الطواشي ظهير الدّين مُخْتَار المنصوري - الْمَعْرُوف بالبلبيسي - الخازندار بِدِمَشْق فِي عَاشر شعْبَان وَكَانَ يقراً الْقُرْآن وَفِيه شجاعة وشهامة وَفرق مَاله على عتقائه قبل مَوته ووقف أملاكه على تربته. وَمَات الْأَمِير بدر الدّين مُحَمَّد بن كيدغدي بن الوزيري بِدِمَشْق فِي سادس عشر شعْبَان. وَمَاتَتْ المسندة المعمرة سِتّ الوزراء أم مُحَمَّد وتدعى وزيرة ابْنة عمر بن أسعد بن المنجا التنوخية بِدِمَشْق فِي ثامن عشر شعْبَان ومولدها فِي سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة وَحدثت بِصَحِيح البُخَارِيّ فِي الْقَاهِرَة ومصر وقلعة الْجَبَل سنة خمس وَسَبْعمائة. وَمَات القَاضِي فَخر الدّين عَليّ ابْن قَاضِي الْقُضَاة تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن دَقِيق الْعِيد فِي يَوْم الثُّلَاثَاء عشرى رَمَضَان. ومولده بقوص سنة تسع وَخمسين وسِتمِائَة وَانْقطع بعد أَبِيه للأشغال ودرس بالكهاربة من الْقَاهِرَة. وَمَات الْكَاتِب المجود نجم الدّين مُوسَى بن على بن مُحَمَّد بن الْبَصِير الدِّمَشْقِي بهَا

стр. 968

فِي عَاشر ذِي الْقعدَة وَولد سنة إِحْدَى وَخمسين وسِتمِائَة وَكَانَ شيخ الْكِتَابَة بِدِمَشْق. وَمَات نجاد بن أَحْمد بن حجي أَمِير آل مرا وَحضر ثَابت بن عساف بن أَحْمد بن حجي إِلَى الْقَاهِرَة وَاسْتقر عوضه. وَقتل سيف الدّين خَاص بك فِي يَوْم السبت سَابِع عشر جُمَادَى الأولى ضربت عُنُقه وَكَانَ مِمَّن فر إِلَى بِلَاد الْمغرب وَقبض عَلَيْهِ. وَمَات الشَّيْخ نور الدّين الْكِنَانِي الْمُقْرِئ لَيْلَة الْأَرْبَعَاء عشرى جُمَادَى الأولى بروضة مصر. مَاتَ سراج الدّين عمر الأسعردي فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث رَجَب. وَمَات الطواشي شبْل الدولة كافور الطيبرسي - الشهير بالعاجي - يَوْم الْخَمِيس ثامن عشر رَجَب. وَمَات جمال الدّين عبد الله بن قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين مُحَمَّد بن جمَاعَة يَوْم الثُّلَاثَاء رَابِع عشرى رَجَب. وَمَات شهَاب الدّين أَحْمد بن الْعَسْقَلَانِي إِمَام جَامع المنشاة يَوْم الْأَرْبَعَاء سلخ رَجَب. وَمَات شهَاب الدّين مُحَمَّد بن عبد الحميد - المتصدر بِجَامِع عَمْرو - بِمصْر يَوْم الْأَحَد تَاسِع عشر شعْبَان ومولده سنة أَربع وَعشْرين وسِتمِائَة وَكَانَ مُعْتَقدًا.

стр. 969

(سنة سبع عشر وَسَبْعمائة) أول الْمحرم: قدم طيبغا الْحَمَوِيّ مبشراً بسلامة الْحَاج وَوصل القَاضِي كريم الدّين نَاظر الْخَاص من الْقُدس يَوْم الْإِثْنَيْنِ سادسه. وقمم الْأَمِير سيف الدّين أرغون النَّائِب من الْحجاز يَوْم الثُّلَاثَاء سابعه. وَفِيه مَرضت امْرَأَة الْأَمِير سيف الدّين طغاي وَمَاتَتْ فَأكْثر زَوجهَا من الصَّدَقَة وَفرق بداره الَّتِي كَانَت للْملك الْمَنْصُور قلاوون بِالْقَاهِرَةِ مَالا على الْفُقَرَاء وَهلك فِي الزحام اثْنَا عشر شخصا وبهيمة كَانَت تَحت أحدهم. وَفِي حادي عشرى صفر: شنع النَّاس بِمَوْت القَاضِي كريم الدّين فَركب فِي سادس عشريه وَصعد إِلَى مصر فزينت لَهُ وَأوقدت الشموع. وَفِيه قدم الْبَرِيد بِمحضر ثَابت على قَاضِي بعلبك بنزول مطر فِي يَوْم الثُّلَاثَاء سَابِع صفر ببعلبك عقبه سيل عَظِيم أتلف شَيْئا كثيرا وَهدم قِطْعَة من السُّور وغرق الْمَدِينَة وَتلف بهَا شَيْء كثير وَمَات ألف وَخَمْسمِائة إِنْسَان سوى من مَاتَ تَحت الرَّدْم وانهدم مِنْهُ بستاناً وَثَلَاثَة عشر جَامعا ومدرسة ومسجداً وَسَبْعَة عشر فرناً وَأحد عشر طاحوناً وَهدم برجاً من السُّور ارتفاعه ثَمَانِيَة وَثَلَاثُونَ ذِرَاعا ودوره من أَسْفَله ثَلَاثَة عشر ذِرَاعا ذهب جَمِيعه. وَفِي ثَالِث عشر جُمَادَى الأولى - وَهُوَ يَوْم السبت تَاسِع عشرى أبيب -: قدم الْمُفْرد إِلَى مصر وعلق السّتْر فنقص النّيل فِي لَيْلَة الْأَحَد ثَلَاثَة أَصَابِع فخلق المقياس يَوْم الْأَحَد وَفتح الخليج مَعَ النَّقْص ثمَّ رد النّيل وَزَاد إِصْبَعَيْنِ نُودي بهما يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث مسرى. واستمرت الزِّيَادَة فَكَانَ يُنَادي فِي الْيَوْم بِتِسْعَة أَصَابِع وَمَا دونهَا حَتَّى بلغت الزِّيَادَة فِي يَوْم الْأَحَد رَابِع عشرى توت - وَهُوَ ثَالِث رَجَب - ثَمَانِيَة عشر ذِرَاعا وَسِتَّة أَصَابِع وَفَسَد من ذَلِك عدَّة مَوَاضِع لقلَّة الاعتناء بالجسور. وَفِي بكرَة يَوْم الْخَمِيس رَابِع جُمَادَى الأولى: سَار السُّلْطَان وَمَعَهُ خَمْسُونَ أَمِيرا وكريم الدّين الْكَبِير نَاظر الْخَاص. وَالْفَخْر نَاظر الْجَيْش وعلاء الدّين بن الْأَثِير كَاتب السِّرّ بَعْدَمَا فرق فِي كل وَاحِد فرسا مسرجاً وهجينين وَبَعْضهمْ ثَلَاثَة هجن. وَركب السُّلْطَان إِلَى الْأَمِير تنكز نَائِب الشَّام أَن يلقاه بالإقامات لزيارة الْقُدس فَتوجه إِلَى الْقُدس وَدخل إِلَى الكرك وَعَاد فِي رَابِع جُمَادَى الْآخِرَة فَكَانَت غيبته أَرْبَعِينَ يَوْمًا.

стр. 970

وَفِي ثامن عشره: قدم الْأَمِير عَلَاء الدّين مغلطاي الجمالي وَمَعَهُ الْأَمِير سيف الدّين بهادر آص والأمير ركن الدّين بيبرس الدوادار من سجن الكرك فَخلع السُّلْطَان عَلَيْهِمَا وأنعم على بهادر بإمرة فِي دمشق وَلزِمَ بيبرس دَاره ثمَّ أنعم عَلَيْهِ بتقدمه ألف على عَادَته. وَفِيه صرف أَمِين الدّين عبد الله بن الغنام من نظر الدَّوَاوِين وَنزل بتربته من القرافة وَاسْتمرّ التَّاج إِسْحَاق بن القماط والموفق هبة الله مُسْتَوْفِي الْأَمِير سلار فِي نظر الدَّوَاوِين عوضه نقلا من اسْتِيفَاء الدولة وَاسْتقر كريم الدّين أكْرم الصَّغِير فِي نظر الكارم وَدَار القند فِي ثَالِث عشريه وخلع على الثَّلَاثَة فِي يَوْم السبت خَامِس عشريه. وَفِي رَابِع رَجَب: تقطعت جسور منية الشيرج وقليوب وغرقت لَيْلَة خامسه وفر أَهلهَا وَتَلفت أَمْوَالهم وغلالهم. فَركب مُتَوَلِّي الْقَاهِرَة وغلق سَائِر الحوانيت والأسواق وَأخذ النَّاس والعسكر والأمراء لتدارك مَا بَقِي من الجسور. وَفِيه قدم الْأَمِير مُحَمَّد بن عِيسَى وَمَعَهُ ابْن أَخِيه مُوسَى بن مهنا فأنعم عَلَيْهِمَا. وَفِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ ثامن عشره: صرف قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين الحريري الْحَنَفِيّ عَن قَضَاء مصر خَاصَّة وَاسْتقر عوضه سراج الدّين عمر بن مَحْمُود بن أبي بكر الْحَنَفِيّ قَاضِي الحسينية فَجَلَسَ سراج الدّين للْحكم فِي يَوْم الثُّلَاثَاء تَاسِع عشره وَمَات لَيْلَة الثَّانِي وَالْعِشْرين من رَمَضَان وَعَاد ابْن الحريري إِلَى قَضَاء مصر. وَكَانَ سَبَب عَزله أَنه بَالغ فِي الْحَط على الْكتاب من النَّصَارَى والمسالمة وأخرق بِجَمَاعَة مِنْهُم وضربهم وَكَانَ إِذا رأى نَصْرَانِيّا رَاكِبًا أنزلهُ وأهانه وَإِذا رأى عَلَيْهِ ثيابًا سَرِيَّة نكل بِهِ فَضَاقَ ذرعهم بِهِ وَشَكوا أَمرهم إِلَى كريم الدّين الْكَبِير. فَلَمَّا أَخذ السُّلْطَان دَار الْأَمِير سلار ودور إخْوَته وقطعتة من الميدان وَأَنْشَأَ الْأَمِير سيف الدّين بكتمر الساقي المظفري قصراً فِي مَوضِع ذَلِك على بركَة الْفِيل. أَرَادَ السُّلْطَان أَن يدْخل فِيهِ قِطْعَة من أَرض بركَة الْفِيل وَهِي فِي أوقاف الْملك الظَّاهِر بيبرس على أَوْلَاده فَأَرَادَ استبدال مَا يحْتَاج إِلَيْهِ مِنْهَا بِموضع آخر وَأَرَادَ من ابْن الحريري الحكم بذلك كَمَا هُوَ مذْهبه فابى وَجَرت بَينه وَبَين السُّلْطَان مُفَاوَضَة قَالَ فِيهَا: لَا سَبِيل إِلَى هَذَا وَلَا يجوز الِاسْتِبْدَال فِي مذهبي ونهض قَائِما وَقد اشْتَدَّ حنق السُّلْطَان

стр. 971

مِنْهُ. فسعى السراج عِنْد كريم الدّين الْكَبِير فِي قَضَاء مصر. ووعد بِأَنَّهُ يحكم بذلك فَأُجِيب وَحكم بالاستبدال وَصَارَ ابْن الحريري على قَضَاء الْحَنَفِيَّة بِالْقَاهِرَةِ فَقَط فَمَرض السراج عقيبها إِلَى أَن مَاتَ فِي ثَالِث عشرى رَمَضَان فعد ذَلِك من بركَة الحريري وأعيد إِلَيْهِ قَضَاء مصر. وَفِي أَوَاخِر شعْبَان: عدى جمَاعَة من الططر الْفُرَات وَقدم دمشق فِي سادس رَمَضَان مِنْهُم وَفِي رَمَضَان: عَادَتْ الرُّسُل من عِنْد أزبك وهم أيدغدي الْخَوَارِزْمِيّ وَمن مَعَه وصحبته رسل إزبك. وَفِيه قدم الْبَرِيد بِأَنَّهُ ظهر فِي سَابِع عشر ذِي الْقعدَة رجل من أهل قَرْيَة قرطياوس من أَعمال جبلة زعم أَنه مُحَمَّد بن الْحسن الْمهْدي وَأَنه بَينا هُوَ قَائِم يحرث إِذْ جَاءَهُ طَائِر أَبيض فَنقبَ جنبه وَأخرج روحه وَأدْخل فِي جسده روح مُحَمَّد بن الْحسن فَاجْتمع عَلَيْهِ من النصيرية الْقَائِلين بإلهية عَليّ بن أبي طَالب نَحْو الْخَمْسَة آلَاف وَأمرهمْ بِالسُّجُود لَهُ فسجدوا وأباح لَهُم الْخمر وَترك الصَّلَوَات وَصرح بِأَن لَا إِلَه إِلَّا عَليّ وَلَا حجاب إِلَّا مُحَمَّد وَرفع الرَّايَات الْحمر وشمعة كَبِيرَة تقد بالهار ويحملها شَاب أَمْرَد زعم أَنه إِبْرَاهِيم بن أدهم وَأَنه أَحْيَاهُ وَسمي أَخَاهُ الْمِقْدَاد بن الْأسود الْكِنْدِيّ وَسمي أخر جِبْرِيل وَصَارَ يَقُول لَهُ: اطلع إِلَيْهِ وَقل كَذَا وَكَذَا وَيُشِير إِلَى الْبَارِي وَهُوَ بِزَعْمِهِ عَليّ بن أبي طَالب فَيخرج الْمُسَمّى جِبْرِيل ويغيب قَلِيلا ثمَّ يَأْتِي وَيَقُول: افْعَل رَأْيك. ثمَّ جمع هَذَا الدعي أَصْحَابه وهجم على جبلة يَوْم الْجُمُعَة الْعشْرين مِنْهُ فَقتل وسبى وأعلن بِكُفْرِهِ وَسَب أَبَا بكر وَعمر ﵄. فَجرد إِلَيْهِ نَائِب طرابلس الْأَمِير شهَاب الدّين قرطاي الْأَمِير بدر الدّين بيليك العثماني المنصوري على ألف فَارس فَقَاتلهُمْ إِلَى أَن قتل الدعي وَكَانَت مُدَّة خُرُوجه إِلَى قَتله خَمْسَة أَيَّام. وَفِيه قدم كتاب الْمجد إِسْمَاعِيل بن مُحَمَّد بن ياقوت السلَامِي بإذعان الْملك أبي سعيد

стр. 972

ابْن خربندا ووزيره خواخا على شاه والأمير جوبان والأمراء أكَابِر الْمغل للصلح وَمَعَهُ هَدِيَّة من جِهَة خواجا رشيد الدّين فجهزت إِلَى أبي سعيد هَدِيَّة جليلة من جُمْلَتهَا فرس وَسيف وقرفل. وَفِيه أفرج عَن الشريف مَنْصُور بن جماز أَمِير الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة وَكَانَ قد قبض عَلَيْهِ وَحضر مَعَ أَمِير الركب وأعيد إِلَى ولَايَته عوضا عَن أَخِيه ودي بن جماز وَسَار مَنْصُور إِلَى الْمَدِينَة وَمَعَهُ عز الدّين أيدمر الكوندكي. وَفِيه قدم الْبَرِيد من حلب بِخُرُوج ريح فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَالِث عشر ربيع الأول وَقت الْعَصْر سَوْدَاء مظْلمَة تمادت تِلْكَ اللَّيْلَة وَمن الْغَد عَقبهَا برق ورعد عَظِيم ومطر غزير وَبرد كبار وَجَاء سيل لم يعْهَد مثله فَأخذ كل مَا مر بِهِ من شجر وَغَيره وَتَكون عَمُود من نَار مُتَّصِل اقتلع كَنِيسَة كَبِيرَة من عهد الرّوم وَمَشى بهَا رمية سهم ثمَّ فرقها الرّيح حجرا. وَفِيه قدم الْخَبَر بِعُود حميضة من الْعرَاق إِلَى مَكَّة وَمَعَهُ نَحْو الْخمسين من الْمغل فَمَنعه أَخُوهُ رميثة من الدُّخُول إِلَّا بِإِذن السُّلْطَان فَكتب بِمَنْعه من ذَلِك مَا لم يقدم إِلَى مصر. وَفِيه قبض على الْأَمِير أقبغا الحسني وَضرب وَأخرج إِلَى دمشق على إمرة من أجل أَنه شرب الْخمر وَفِيه قدم الشريف رميثة أَمِير مَكَّة فَارًّا من أَخِيه حميضة وَأَنه ملك مَكَّة وخطب لأبي سعيد بن خربندا وَأخذ أَمْوَال التُّجَّار فرسم بتجريد الْأَمِير صارم الدّين أزبك الجرمكي والأمير سيف الدّين بهادر الإبراهيمي فِي ثَلَاثمِائَة فَارس من أجناد الْأُمَرَاء مَعَ الركب إِلَى مَكَّة. وَفِيه عزل الْأَمِير ركن الَّذين بيبرس أَمِير أخور من الحجوبية وَاسْتقر عوضه الْأَمِير سيف الدّين ألماس وَكَانَ ألماس تركياً غتمياً لَا يعرف بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيّ. وفيهَا أخرج إِلَى الشَّام الْأَمِير عز الدّين أيدمر الدوادار وعلاء الدّين على الساقي وعلاء الدّين مغلطاي السنجري وطغاي الطباخي وَشرف الدّين قيران الحسامي أَمِير علم. وأنعم عَلَيْهِم بإمريات وإقطاعات بهَا. وَفِيه قدم مندوه الْكرْدِي الفار من أسره بملطية بَعْدَمَا أَمن فأنعم عَلَيْهِ بأمرة فِي دمشق.

стр. 973

وَفِيه حاصر الْأَمِير سنجر الجاولي غَزَّة قلعة سلع - وَمَعَهُ نَحْو الْعشْرَة آلَاف فَارس - مُدَّة عشْرين يَوْمًا إِلَى أَن أَخذهَا وَقتل من أَهلهَا سِتِّينَ رجلا من الْعَرَب المفسدين وغنم الْعَسْكَر مِنْهَا شَيْئا كثيرا ورتب الجاولي بهَا رجَالًا وَعَاد إِلَى غَزَّة. وَفِي جُمَادَى الأول اسْتَقر فَخر الدّين أَحْمد بن تَاج الدّين سَلامَة السكندري الْمَالِكِي فِي قَضَاء الْمَالِكِيَّة بِدِمَشْق عوضا عَن جمال الدّين مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن سومر الزواوي بعد مَوته فَسَار وَفِيه كَانَ روك المملكة الطرابلسية على يَد شرف الدّين يَعْقُوب نَاظر حلب فاستقر أمرهَا لاستقبال رَمَضَان سنة عشر وَسَبْعمائة الْهِلَالِي وَمن الخراجى لاستقبال مغل سنة سبع عشرَة. وتو بِهَذَا الروك إقطاعات سِتَّة أُمَرَاء طبلخاناه وَثَلَاثَة إقطاعات أُمَرَاء عشروات وأبطل مِنْهَا رسوم الأفراح ورسوم السجون وَغير ذَلِك من المكوس الَّتِي كَانَ مبلغها فِي كل سنة مائَة ألف دِرْهَم وَعشرَة آلَاف دِرْهَم وَقدم شرف الدّين بأوراق الروك إِلَى الْقَاهِرَة. وَفِيه قدم الْأَمِير عَلَاء الدّين أيدغدي الْخَوَارِزْمِيّ وحسين بن صَارُوا وبطرك الملكية من بِلَاد أزبك وَمَعَهُمْ عدَّة من رسل أزبك: وهم شرنك وبغرطاي وقرطقا وَعمر القرمي ورسل الأشكري صَاحب قسطنطينية وهم خادمه وكبير بَيته ميخائيل وكاشمانوس وتادروس وَمَعَهُمْ الْهَدَايَا: فديَة أزبك ثَلَاث سناقر وَسِتَّة مماليك وزردية وخوذة فولاذ وَسيف فأكرموا وأعيدوا مَعَ الْأَمِير سيف الدّين أطرجي والأمير سيف الدّين بيرم خجا بهدية قيمتهَا عشرَة آلَاف دِينَار. وَفِيه سَافر السُّلْطَان إِلَى الصَّيْد بالبحيرة وَأقَام أَيَّامًا وَعَاد. وَفِيه أعْطى السُّلْطَان زين الدّين قراجا التركماني النَّازِل بِالْبركَةِ إمرة. وَفِيه اسْتَقر الشهَاب مَحْمُود بن سُلَيْمَان بن فَهد الْحلَبِي فِي كِتَابَة السِّرّ بِدِمَشْق بعد موت شرف الدّين عبد الْوَهَّاب بن فضل الله الْعمريّ. وَاسْتقر الْأَمِير سيف الدّين ألجاي دواداراً بعد موت بهاء الدّين أرسلان. وَفِيه طلق السُّلْطَان زَوجته خوندا أردركين ابْنة الْأَمِير سيف الدّين نوكاي. وَفِيه أنعم على الْأَمِير بدر الدّين جنكلي بن البابا بإقطاع الْأَمِير سيف الدّين قلي السِّلَاح دَار بعد مَوته. وَحج بالركب الْأَمِير سيف الدّين مجليس وَمَعَهُ من الْأُمَرَاء شرف الدّين أَمِير بن جندر وعرلوا الجوكندار وَسيف الدّين ألجاي الساقي وَسيف الدّين طقصبا

стр. 974

الظَّاهِرِيّ وشمس الدّين سنقر المرزوقي وَحج أَيْضا الْأَمِير شرف الدّين عِيسَى بن مهنا وَأَخُوهُ مُحَمَّد فِي عدَّة من عرب آل فضل بلغت عدتهمْ نَحْو اثنى عشر ألف رَاحِلَة. وَفِيه تمزقت جمَاعَة الثائر بجبلة وَكَانَ قد قَامَ فِي النصيرية وَادّعى أَنه الْمهْدي وَأَن دين النصيرية حق وَأَن الْمَلَائِكَة تنصره. فَركب الْعَسْكَر وقاتلوه فَقتل ورسم أَن يبْنى بقرى النصيرية فِي كل قَرْيَة مَسْجِد وتعمل لَهُ ارْض لعمل مَصَالِحه وَأَن يمْنَع النصيرية من الْخطاب وَهُوَ أَن الصَّبِي إِذا بلغ الْحلم عملت لَهُ وَلِيمَة فَإِذا اجْتمع النَّاس وأكلوا وَشَرِبُوا حلفوا الصَّبِي أَرْبَعِينَ يَمِينا على كتمان مَا يودع من الذَّهَب ثمَّ يعلمونه مَذْهَبهم وَهُوَ إلهية عَليّ بن أبي طَالب وَأَن الْخمر حَلَال وَأَن تناسخ الْأَرْوَاح حق وَأَن الْعَالم قديم والبعث بعد الْمَوْت بَاطِل وإنكار الْجنَّة وَالنَّار وَأَن الصَّلَوَات خمس وَهِي إِسْمَاعِيل وَحسن وحسين ومحسن وَفَاطِمَة وَلَا غسل من جَنَابَة بل ذكر هَذِه الْخَمْسَة يُغني عَن الْغسْل وَعَن الْوضُوء وَأَن الصّيام عبارَة عَن ثَلَاثِينَ رجلا وَثَلَاثِينَ امْرَأَة ذكروهم فِي كتبهمْ وَأَن إلههم عَليّ بن أبي طَالب خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَهُوَ الرب وَأَن مُحَمَّدًا هُوَ الْحجاب وسلمان هُوَ الْبَاب. من مَاتَ فِي هَذِه السّنة مِمَّن لَهُ ذكر شمس الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم الْأَسدي الطَّيِّبِيّ بطرابلس فِي سادس عشرى رَمَضَان عَن تسع وَسِتِّينَ سنة كَانَ أديباً فالملا بَاشر الْإِنْشَاء مُدَّة وَنفل إِلَى طرابلس فِي توقيعها إِلَى أَن مَاتَ وَمن شعره: هجرت الْخمر لما صَحَّ عِنْدِي بِأَن الْخمر آفَة كل طَاعَة وَلم تَرَ مقلتي فِي الْخمر شَيْئا سوى أَن تجمع الأحباب سَاعَة وَمَات الْأَمِير بهاء الدّين أرسلان الدوادار الناصري يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث عشرى رَمَضَان فَوجدَ لَهُ مَال جزيل: مِنْهُ أَرْبَعُونَ حياصة ذَهَبا وَأَرْبَعُونَ كلفتاه زركش ومبلغ ثَلَاثِينَ ألف دِينَار وَإِلَيْهِ تنْسب خانكاه بهاء الدّين بمنشاة المهراني. وَمَات شرف الدّين عبد الْوَهَّاب بن فضل الله الْعمريّ كَاتب السِّرّ يَوْم الثُّلَاثَاء ثَالِث رَمَضَان بِدِمَشْق ومولده سَابِع ذِي الْحجَّة سنة ثَلَاث وَعشْرين وسِتمِائَة حدث عَن ابْن عبد السَّلَام وبرع فِي الْأَدَب وَكَانَ دينا عَاقِلا وقوراً ناهضا ثِقَة أَمينا مشكوراً. مليح الْخط جيد الْإِنْشَاء فولي بعده شهَاب الدّين أَبُو الثَّنَاء مَحْمُود بن سُلَيْمَان

стр. 975

الْحلَبِي أحد كتاب الدرج بديار مصر نقل إِلَيْهَا من الْقَاهِرَة فَقدم دمشق ثامن عشرى شَوَّال. وَمَات فَخر الدّين عُثْمَان بن بلبان بن مقَاتل معيد الْمدرسَة المنصورية بَين القصرين وَكَانَ فَاضلا حدث وروى وَحصل وَكتب وَخرج وَمَات عَن اثْنَتَيْنِ وَخمسين سنة. وَمَات عَلَاء الدّين على ن فتح الدّين مُحَمَّد بن محيي الدّين عبد الله بن عبد الظَّاهِر السَّعْدِيّ أحد أَعْيَان كتاب الْإِنْشَاء يَوْم الْخَمِيس رَابِع رَمَضَان وَكَانَ عالي الهمة صَاحب مَكَارِم وَتمكن من الْأَمِير سلار أَيَّام نيابته فَإِنَّهُ كَانَ موقعه. وَمَات زين الدّين مُحَمَّد بن سُلَيْمَان بن أَحْمد ابْن يُوسُف الصنهاجي المراكشي الإسكندارني فِي أول يَوْم من ذِي الْحجَّة. وَمَات جمال الدّين أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الرّبيع سُلَيْمَان بن سومر الزواوي الْمَالِكِي قَاضِي دمشق فِي تَاسِع جُمَادَى الأولى بهَا ومولده سنة تسع وَعشْرين وسِتمِائَة وَقدم الْإسْكَنْدَريَّة وَهُوَ شَاب وتفقه بهَا حَتَّى برع فِي مَذْهَب مَالك وأَكثر من سَماع الحَدِيث فَسمع من ابْن رواج والسبط وَأبي عبد الله المريني وَأبي الْعَبَّاس الْقُرْطُبِيّ وَابْن عبد السَّلَام وَأبي مُحَمَّد بن برطلة وَولي قَضَاء الْمَالِكِيَّة بِدِمَشْق ثَلَاثِينَ سنة بصرامة وَقُوَّة فِي الْأَحْكَام وَشدَّة فِي إِرَاقَة دِمَاء الْمُلْحِدِينَ والزنادقة والمخالفين إِلَى أَن اعتل بالرعشة نَحْو عشْرين سنة ومازال إِلَى يعلته أَن عجز عَن الْكَلَام فصرف. وَمَات بعد عَزله بِعشْرين يَوْمًا وَبعد أَن علم بِالْعَزْلِ بسبعة أَيَّام. وَمَات الصَّدْر شرف الدّين مُحَمَّد بن الْجمال إِبْرَاهِيم بن الشّرف عبد الرَّحْمَن بن صصري الدِّمَشْقِي يَوْم الْجُمُعَة سَابِع ذِي الْحجَّة بِمَكَّة وعمره خمس وَثَلَاثُونَ سنة فَدفن بالمعلاة وَكَانَ حسن الْأَخْلَاق. وَمَات بطرابلس عماد الدّين مُحَمَّد بن صفي الدّين مُحَمَّد بن شرف الدّين يَعْقُوب النويري صَاحب ديوَان طرابلس.

стр. 976

وَمَات الْأَمِير سيف الدّين قلني السِّلَاح دَار. وَمَات الْأَمِير شمس الدّين الذّكر السِّلَاح دَار - صهر علم الدّين سنجر الشجاعي - وَهُوَ فِي الْحَبْس. وَمَات الْأَمِير سيف الدّين ألكتمر - صهر الجوكندار - بِالْحَبْسِ أَيْضا. وَمَات الْخَطِيب عماد الدّين ابْن بنت المخلص فِي حادي عشرى الْمحرم. وَفِيه خلع نَفسه الْأَمِير أَبُو يحيى زَكَرِيَّا اللحياني بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص ملك تونس وَولى ابْنه أَبَا عبد الله مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِأبي ضَرْبَة فِي آخر ربيع الآخر وَكَانَت مدَّته سِتّ سِنِين.

стр. 977

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم سنة ثَمَان عشرَة وَسَبْعمائة فِي الْمحرم: قدم الركب من الْحجاز على الْعَادة وصحبته المجردون فَشكى الصارم أزبك الجرمكي من بهادر الإبراهيمي وَأَنه مَنعه من اخذ الشريف حميضة وَأَنه تعاطى الْخُمُور فَقبض عَلَيْهِ وعَلى رَمَضَان الْمُقدم وأقجبا وَجَمَاعَة وسجنوا بالإسكندرية وأنعم على الْأَمِير مغلطاي الجمالي بِخبْز الإبراهيمي. وَفِيه قدم الْبَرِيد من حلب بغلاء الأسعار بديار بكر والموصل وبغداد وتوريز وَكَثْرَة الوباء وَالْمَوْت بهَا. وَأَن جَزِيرَة ابْن عمر خلت من السَّاكِن وميافارقين لم يُوجد من يخْطب بهَا فِي جَامعهَا. وَفِي أول صفر: توجه القَاضِي كريم الدّين الْكَبِير إِلَى دمشق فَدَخلَهَا فِي سابعه وتلقاه الْأَمِير تنكز النَّائِب وأنزله بدار السَّعَادَة وَقدم إِلَيْهِ هَدِيَّة سنية فَلم يقبل مِنْهَا غير فرس وَاحِد ورد وَفِي سابعه: اسْتَقر كريم الدّين أكْرم الصَّغِير فِي نظر الدَّوَاوِين. وَفِي سادس عشره: وصل الْأَمِير جمال الدّين بكتمر الحسامي نَائِب صفد وأنعم عَلَيْهِ بتقدمة ألف فِي سادس عشرَة. وَفِي سَابِع عشرَة: سَافر الصاحب أَمِين الدّين بن الغنام على الْبَرِيد إِلَى طرابلس نَاظرا. وَسبب ذَلِك أَنه لما طَالَتْ عطلته اجْتمع بالأمير سيف الدّين البوبكري وَحط على كريم الْكَبِير وَأَنه قد استولى على الْأَمْوَال وأنفقها على مماليك السُّلْطَان ليصانع بهَا عَن نَفسه. فَعرف البوبكري السُّلْطَان عَنهُ مَا قَالَ فَأعْلم بِهِ كريم الدّين فَقَالَ هُوَ يَا خوند مَعْذُور فَأَنَّهُ قد بَطل ولابد لَهُ من شغل يَأْكُل فِيهِ صَدَقَة السُّلْطَان. وعينه لنظر طرابلس. فَبعث السُّلْطَان إِلَيْهِ فِي الْحَال بخلعة وبريدي وَخرج لوقته. وَفِي حادي عشريه: عزل الْأَمِير بدر الدّين مُحَمَّد بن التركماني من شدّ الدَّوَاوِين وَنزل إِلَى دَاره. وَفِيه عوفي قَاضِي الْقُضَاة بدر الدّين مُحَمَّد بن جمَاعَة وَركب إِلَى القلعة وَترك مَعْلُوم الْقُضَاة تنزهاً عَنهُ فَخلع عَلَيْهِ وباشر بِغَيْر مَعْلُوم.

стр. 978

وَفِي يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي عشريه: خلع على الْأَمِير سيف الدّين طغاي الحسامي الْكَبِير وسفر على خيل الْبَرِيد لنيابة صفد عوضا عَن بكتمر الحاحب. وَسبب ذَلِك كَثْرَة دالته على السُّلْطَان وتحكمه فِي الْأُمَرَاء والمماليك وَقُوَّة حرمته وتعرضه على السُّلْطَان فِيمَا يَفْعَله من ملاذه. وَخرج مَعَه مغلطاي الجمالي فوصل صفد فِي تَاسِع عشر ربيع أول وَقدم الْأَمِير بكتمر الْحَاجِب إِلَى الْقَاهِرَة. وَفِيه قدم الْبَرِيد بِأَنَّهُ فِي يَوْم الْأَرْبَعَاء ثَانِي صفر هبت ريح شَدِيدَة بِأَرْض طرابلس وَمَرَّتْ على أَبْيَات مقدم التركمان بالجون فكسرتها وَصَارَت عموداً أغبر هَيْئَة تنين مُتَّصِل بالسحاب وَمر ذَلِك العمود على أَبْيَات عَلَاء الدّين طوالي بن اليكي مقدم التركمان وتلوى يَمِينا وَشمَالًا فَلم يتْرك هُنَاكَ شَيْئا حَتَّى أهلكه وطوالي يَصِيح: يَا رب قد أخذت الرزق وَتركت الْعِيَال بِغَيْر رزق فإيش أطْعمهُم فَعَاد ذَلِك التنين إِلَيْهِ بعد مَا كَانَ خرج عَنهُ وأهلكه وَامْرَأَته وَأَوْلَاده وَثَلَاثَة عشر نفسا. وحملت الرّيح جملين حَتَّى ارتفعا فِي السَّمَاء قدر عشرَة أرماح وأتلفت الْقُدُور الْحَدِيد. وَمَرَّتْ على عربان هُنَاكَ فاحتملت لَهُم أَرْبَعَة جمال حَتَّى غَابَتْ عَنْهُم فِي الْيَوْم ثمَّ نزلت مقطعَة. وعقب هَذَا الرّيح مطر وَبرد زنة الْبردَة الْوَاحِدَة مِنْهُ ثَلَاث أَوَاقٍ دمشقية. وَفِيه أَجْلِس السُّلْطَان جمَاعَة من مقدمي الْحلقَة الشُّيُوخ فِي أَوْقَات المشورة مَعَ الْأُمَرَاء وَسمع كَلَامهم. وَفِيه سَأَلَ النَّصَارَى فِي رم جدران كَنِيسَة بربارة بحارة الرّوم فَأذن لَهُم السُّلْطَان فِي رمها. فَاجْتمع لعمارتها جمَاعَة كَثِيرَة من النَّصَارَى وأحضر الأقباط لَهُم الْآلَات وَأَقَامُوا على عَملهَا عدَّة من الْمُسلمين شادين ومستحثين فَجَاءَت كأحسن المبانى. فشق ذَلِك على جيران الْكَنِيسَة من الْمُسلمين وَشَكوا أمرهَا إِلَى الْأَمِير أرغون النَّائِب وَالْفَخْر نَاظر الْجَيْش وَأَن ذَلِك وَقع بجاه كريم الدّين الْكَبِير وكريم الدّين الصَّغِير وَرفعُوا عدَّة قصَص إِلَى السُّلْطَان بدار الْعدْل. فساعد النَّائِب وَالْفَخْر عِنْد قِرَاءَة الْقَصَص فِي الْإِنْكَار على بِنَاء الْكَنِيسَة إِلَى أَن رسم لمتولي الْقَاهِرَة على علم الدّين سنجر الخازن بخراب مَا جدد فِيهَا من الْبناء فَنزل إِلَيْهَا علم الدّين وَاجْتمعَ إِلَيْهِ من النَّاس عدد لَا يُحْصِيه إِلَّا الله وَهدم مَا جدد فِيهَا وَمضى لسبيله. فَقَامَتْ طَائِفَة من الْمُسلمين وبنوا الْجَانِب الَّذِي هدم محراباً وأذنوا فِيهِ أَوْقَات الصَّلَوَات وصلوا وقرأوا هُنَاكَ الْقُرْآن ولزموا الْإِقَامَة فِيهِ. فحنق النَّصَارَى من ذَلِك وَشَكوا أَمرهم إِلَى كريم الدّين فَرفع كريم الدّين ذَلِك للسُّلْطَان وأغراه مِمَّن فعل ذَلِك وَأَنه يُرِيد نهب النَّصَارَى وَأخذ أَمْوَالهم وشنع القَوْل. فرسم السُّلْطَان للخازن بهدم

стр. 979

الْمِحْرَاب وإعادة الْبناء وَقبض أهل حارة الرّوم وعملهم فِي الْحَدِيد فَلَمَّا توجه الخازن لذَلِك اجْتمع النَّاس وصاحوا بِهِ فساس الْأَمِير وتركهم وأهمل ذَلِك الْموضع حَتَّى صَار كوم تُرَاب. وَفِيه تجهز السُّلْطَان لركوب الميدان وَفرق الْخُيُول على جَمِيع الْأُمَرَاء واستجد بركوب الأوشاقية بكوافي زركش على صفة الطاسات وهم الَّذين عرفُوا باسم الجفتاوات. واستجد النداء فِي الْبَحْر على أَرْبَاب المراكب أَلا يركبُوا أحدا من مماليك السُّلْطَان فِي مركب يَوْم الميدان وشدد الْإِنْكَار على الطواشي الْمُقدم فِي غفلته عَن المماليك. وَفِيه شدد على الْأُمَرَاء المسجونين ببرج السبَاع من قلعة الْجَبَل وهم: طوغان نَائِب البيرة وَعلم الدّين سنجر البرواني وبيبرس الْمَجْنُون وفخر الدّين أياز نَائِب قلعة الرّوم والحاج بيليك وَسيف الدّين طاجا وَالشَّيْخ على مَمْلُوك سلار وَمنع حريمهم من الْإِقَامَة عِنْدهم. وَفِيه خرج الْأَمِير مغلطاي الجمالي على الْبَرِيد إِلَى صفد بتقليد الْأَمِير طغاي نِيَابَة حلب وَكتب إِلَى الْأَمِير سيف الدّين أقطاي نَائِب حمص بنيابة صفد عوضا عَن طغاي واستقرار الْأَمِير بدر الدّين بكتوت القرماني فِي نِيَابَة حمص. وَأسر السُّلْطَان إِلَى الْأَمِير مغلطاي الْقَبْض على طغاي. فَتوجه مغلطاي إِلَى صفد للقبض على طغاي. فَتوجه مغلطاي إِلَى صفد بعد اجتماعه بالأمير تنكز نَائِب الشَّام وَهُوَ على طغاي وأحضره إِلَى قبَّة النَّصْر خَارج الْقَاهِرَة فَخرج إِلَيْهِ الْأَمِير قجليس وَصعد إِلَى القلعة وَهُوَ مُقَيّد فِي خَامِس عشر جُمَادَى الأ ولى وَأخرج بِهِ فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء تَاسِع جُمَادَى الأولى إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة فَكَانَ أخر الْعَهْد بِهِ. وَأخرج بهادر أَيْضا إِلَى سجن الْإسْكَنْدَريَّة وَوَقعت الحوطة فِي يَوْم الْخَمِيس عشريه على موجوده وَفرقت مماليكه على وَفِيه توجه الْأَمِير قجليس إِلَى الشَّام. وَفِيه ابتدئ فِي صفر بهدم المطبخ وَهدم الْحَوَائِج خاناه والطشت خاناه والفرش وجامع القلعة وَبنى الْجَمِيع جَامعا فجَاء على مَا هُوَ عَلَيْهِ الْآن من أحسن المباني. تمّ بِنَاؤُه ورخامه جلس فِيهِ السُّلْطَان واستدعى سَائِر مؤذني الْقَاهِرَة ومصر وقراءها وخطباءهما وعرضوا عَلَيْهِ فَاخْتَارَ عشْرين مُؤذنًا رتبهم فِيهِ وَقرر بِهِ درساً وقارئ مصحح وأوقف عَلَيْهِ الْأَوْقَاف الْكَثِيرَة.

стр. 980

وَفِيه تجدّد بِدِمَشْق ثَلَاثَة جَوَامِع بظاهرها: وَهِي جَامع الْأَمِير تنكز والأمير كريم الدّين وجامع شمس الدّين غبريال بن سعد. وَفِيه غرقت مركب فِي بَحر الْملح وَهِي متوجهة إِلَى الْيمن وَكَانَ فِيهَا لكريم الدّين متجر. بمبلغ مائَة ألف دِينَار سوى مَا لغيره فَلم يسلم مِنْهَا سوى سَبْعَة أنفس وغرق الْجَمِيع. وَفِيه وَقعت الْفِتْنَة بَين الْمغل فَقتل فِيهَا نَحْو الثَّلَاثِينَ أَمِيرا سوى الأجناد والأتابك وَقتل من الخواتين سبع نسْوَة مَعَ عَالم عَظِيم وانتصر أَبُو سعيد. فسر السُّلْطَان بذلك لما فِيهِ من وُقُوع الوهن فِي الْمغل. وفيهَا قبض على الْأَمِير بدر الدّين ميزامير ابْن الْأَمِير نور الدّين صَاحب ملطية من أَنه كتب إِلَى جوبان الْقَائِم بدولة أبي سعيد بن خربندا بالأردو أَن يَطْلُبهُ من السُّلْطَان. وَقبض أَيْضا على وَفِيه حبس شيخ الْإِسْلَام تَقِيّ الدّين أَحْمد بن تَيْمِية بِسَبَب مَسْأَلَة الطَّلَاق وَكَانَ ذَلِك بسعي قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين بن الحريري الْحَنَفِيّ عَلَيْهِ وإغرائه السُّلْطَان بِهِ. وَفِيه أنعم على الْأَمِير ركن الدّين بيبرس الدوادار المنصوري بإقطاع مغلطاي ابْن أَمِير مجْلِس بإمرة ثَمَانِينَ فَارِسًا وخلع عَلَيْهِ وَجلسَ رَأس الميسرة وَنقل مغلطاي إِلَى الشَّام.

стр. 981

وَفِيه قدم صَاحب خرتبرت فأنعم بإمرية. وَفِيه اسْتَقر فِي نِيَابَة الكرك الْأَمِير عز الدّين أيبك الجمالي نَائِب قلعة دمشق وَاسْتقر عوضه فِي نِيَابَة قلعة دمشق الْأَمِير عز الدّين أيبك الدميتري. وَفِيه خرج الْأَمِير بدر الدّين بن عِيسَى بن التركماني بطَائفَة من الْعَسْكَر مجردين إِلَى الْحجاز فِي طلب الشريفين حميضة ورميثة. وَفِيه أفرج عَن الْأَمِير سيف الدّين أقبغا الحسني وأنعم عَلَيْهِ بإمرة فِي دمشق. وَفِي شعْبَان: قدم حمل سيس على الْعَادة. وَفِيه ولي قَضَاء الْقُضَاة الْمَالِكِيَّة بِالْقَاهِرَةِ ومصر تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر بن عيس ابْن بدران الأخنائي بعد موت زين الدّين عَليّ بن مخلوف فِي ثَانِي عشر جُمَادَى الْآخِرَة. وَفِيه حج بالركب الْمصْرِيّ الْأَمِير عَلَاء الدّين مغلطاي الجمالي وَقبض على الشريف رميثة وفر وَفِيه قدمت رسل ابْن قرمان بِدَرَاهِم ضربت باسم السُّلْطَان وَأَنه خطب هُنَاكَ

стр. 982

للسُّلْطَان وَهِي أَطْرَاف بِلَاد الرّوم فَكتب لَهُ تَقْلِيد وسيرت إِلَيْهِ هَدِيَّة جليلة. وَفِيه خلع أَبُو عبد الله مُحَمَّد الْمَعْرُوف بِأبي ضَرْبَة ابْن الْأَمِير أبي زَكَرِيَّا اللحياني ابْن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص فِي أخر شهر ربيع الآخر. وَكَانَت مدَّته سنة وَاحِدَة وَقَامَ بعده بتونس الْأَمِير أَبُو بكر بن يحيى بن إِبْرَاهِيم بن يحيي بن عبد الْوَاحِد بن أبي حَفْص. وَفِي هَذِه السّنة. انقرضت دولة بني قطلمش مُلُوك قونية. وَذَلِكَ أَن عز الدّين اسيكاوس بن كيخسرو لما مَاتَ سبع وَسبعين وسِتمِائَة ترك ابْنه مسعوداً فولاه أبغا بن هولاكو سيواس وَغَيرهَا. واستبد معِين الدّين سُلَيْمَان برواناه على ركن الدّين قلج أرسلان ابْن كيخسرو بقيصرية ثمَّ قَتله وَنصب ابْنه غياث الدّين كيخسرو فَعَزله أرغون بن أبغا وَولي ابْن عَمه مَسْعُود بن كيكاوس فَأَقَامَ مَسْعُود حَتَّى انحل أمره وافتقر وَبَقِي الْملك بالروم للتتر إِلَّا ملك بني أرتنا فَأَنَّهُ بَقِي بسيواس. وَمَات فِي هَذِه السّنة مِمَّن لَهُ ذكر كَمَال الدّين أَحْمد بن جمال الدّين أبي بكر مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله بن سحمان الكبري الوائلي الشريشي الْفَقِيه الشَّافِعِي. قدم مصر وَسمع بهَا وبالإسكندرية وبرع فِي الْأُصُول والنحو وناب بِدِمَشْق فِي الحكم عَن الْبَدْر مُحَمَّد بن جمَاعَة وَولى

стр. 983

وكَالَة بَيت المَال مرَّتَيْنِ ومشيخة دَار الحَدِيث الأشرفية بِدِمَشْق وعلق تعاليق وَقَالَ الشّعْر. ومولده فِي رَمَضَان سنة ثَلَاث وَخمسين وسِتمِائَة بسنجار وَتُوفِّي بِمَنْزِلَة الحسا من طَرِيق الْحجاز عَن سِتّ وَسِتِّينَ سنة فِي سلخ شَوَّال. وَمَات جمال الدّين أَبُو بكر بن إِبْرَاهِيم بن حيدرة بن عَليّ بن عقيل الْفَقِيه الشَّافِعِي الْمَعْرُوف بِابْن القماح فِي سَابِع عشر ذِي الْحجَّة وَهُوَ عَم القَاضِي شمس الدّين مُحَمَّد بن أَحْمد بن القماح. وَمَات شرف الدّين أَبُو الْفَتْح أَحْمد بن سُلَيْمَان بن أَحْمد بن أبي بكر مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب بن عبد الله السيرجي الْأنْصَارِيّ الدِّمَشْقِي فِي سَابِع عشري ربيع الأول. وَهُوَ من بَيت جليل وَولي عدَّة مناصب وَكَانَ دينا صَاحب مُرُوءَة وسعة وَمَات يَوْم الْإِثْنَيْنِ سَابِع عشري ربيع الأول. وَمَات فَخر الدّين أَحْمد بن تَاج الدّين بن أبي الْخَيْر سَلَامه بن أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن سَلامَة السكندري المالكى قَاضِي الْقُضَاة الْمَالِكِيَّة بِدِمَشْق ولد سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَمَات مستهل ذِي الْحجَّة وَكَانَ مشكور السِّيرَة بَصيرًا بِالْعلمِ ماهراً فِي الْأُصُول حشماً. وَمَات أَحْمد بن المغربي الإشبيلي كَانَ يَهُودِيّا يُقَال لَهُ سُلَيْمَان فَأسلم فِي أَيَّام الْملك الْأَشْرَف خَلِيل بن قلاوون سنة تسعين وستمائه وَتسَمى أَحْمد وَمَات فِي لَيْلَة الْعشْرين من صفر. وَكَانَ بارعاً فِي عدَّة عُلُوم إِمَامًا مي الفلسفة والنجامة ولي رياسه الْأَطِبَّاء بديار مصر.

стр. 984

وَمَات مجد الدّين أَبُو بكر بن مُحَمَّد بن قَاسم التّونسِيّ الْمُقْرِئ الْمَالِكِي النَّحْوِيّ. قدم فِي صباه إِلَى الْقَاهِرَة وَأخذ بهَا الْقرَاءَات والنحو حَتَّى برع فيهمَا وَسكن دمشق وأقرأ بهَا واشتغل فِي عدَّة عُلُوم من أصُول وَفقه وَغير ذَلِك وَكَانَ دينا رصيناً مفرط الذكاء فِيهِ تودد وَيُحب الإنفراد وَتخرج بِهِ الْفُضَلَاء. وَمَات يَوْم السبت سادس عشري ذِي الْقعدَة بِدِمَشْق عَن اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ سنة. وَمَات مُسْند الْوَقْت زين الدّين أَبُو بكر أَحْمد بن عبد الدايم بن نعْمَة الْمَقْدِسِي الصَّالِحِي سمع سنة ثَلَاثِينَ وسِتمِائَة على الْفَخر الإربلي وَسمع الصَّحِيح كُله على ابْن الزبيدِيّ وَسمع من الناصح ابْن الْحَنْبَلِيّ وَسَالم بن صصري وجعفر الهمذاني وَجَمَاعَة وأضر قبل مَوته بِثَلَاثَة أَعْوَام وَثقل سَمعه وَكَانَ لَهُ همة وجلادة وَفهم وَحدث وعاش ثَلَاثًا وَتِسْعين سنة. وَمَات لَيْلَة الْجُمُعَة تَاسِع عشري رَمَضَان ومولده فِي سنة خمس أَو سِتّ وسِتمِائَة. وَمَات زين الدّين أَبُو الْحسن عَليّ بن مخلوف بن ناهض بن مُسلم بن منعم بن خلف النويري الْجُزُولِيّ الْمَالِكِي قَاضِي الْقُضَاة الْمَالِكِيَّة بِالْقَاهِرَةِ ومصر فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء ثَانِي عشر جمادي الْآخِرَة وَأقَام قَاضِيا نَحوا من أَربع وَثَلَاثِينَ سنة ومولده سنة عشْرين وسِتمِائَة. وَكَانَ مشكور السِّيرَة خَبِيرا بتدبير أُمُوره الدُّنْيَوِيَّة كثير المداراة سيوساً محباً لقَضَاء الْحَوَائِج وَولي بعده نَائِبه تَقِيّ الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر بن عَتيق الأخنائي وَمَات مُحَمَّد بن قَاضِي الْجَمَاعَة أبي الْقَاسِم وَقيل أبي عمر أَحْمد ابْن القَاضِي أبي الْوَلِيد مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن الْحَاج وَقيل أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن القَاضِي أبي جَعْفَر بن الْحَاج أَبُو الْوَلِيد التجِيبِي الأندلسي الْقُرْطُبِيّ الإشبيلي ولد سنة ثَمَان وَثَلَاثِينَ وسِتمِائَة وَمَات أَبوهُ وجده فِي سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وسِتمِائَة وَورث مَالا

стр. 985

كثيرا فصادره ابْن الْأَحْمَر وَأخذ مِنْهُ عشْرين ألف دِينَار وَنَشَأ يَتِيما فِي حجر أمه ونقلته إِلَى شريش ثمَّ إِلَى غرناطة فَلَمَّا شب قدم تونس ثمَّ رَحل مِنْهَا بإبنيه إِلَى الْقَاهِرَة وَسكن دمشق حَتَّى مَاتَ بهَا فِي رَجَب. وَكَانَ فَاضلا دينا أم بمحراب الْجَامِع وَامْتنع من ولَايَة الحكم. وَمَات الْأَمِير شمس الدّين سنقر الكمالي الْحَاجِب بمحبسه من القلعة فِي ربيع الآخر وَكَانَ فِي ولَايَته مشكوراً حشماً صين اللِّسَان. وَمَات الْأَمِير عَلَاء الدّين أقطوان الظَّاهِرِيّ بِدِمَشْق فِي عَاشر رَمَضَان وَقد تجَاوز الثَّمَانِينَ سنة. وَمَات الْأَمِير سيف الدّين طغاي بمحبسه بالإسكندرية أول شعْبَان. وَمَات الْأَمِير شمس الدّين الدكز الأشرفي أحد المماليك المنصورية قلاوون بمحبسه بالقلعة. وَمَات الْأَمِير سيف الدّين منكوتمر الطباخي. وَمَات أركتمر بالجب من القلعة. وَأشيع موت الْأَمِير مُوسَى ابْن الْملك الصَّالح عَليّ بن قلاوون بقوص. وَمَات الْأَمِير عز الدّين طقطاي نَائِب الكرك. وَمَات ركن الدّين بيبرس نَائِب عجلون. وَفِيه قدم الْخَبَر. بِمَوْت الْوَزير رشيد الدولة أَبُو الْفضل فضل الله بن أبي الْخَيْر بن عالي الهمذاني الطَّبِيب فِي تَاسِع رَمَضَان. وَكَانَ قد علت مَنْزِلَته عِنْد غازان وَقدم مَعَه الشَّام وَتقدم فِي أَيَّام خربندا. فَلَمَّا مَاتَ خربندا عزل عَن وظائفه فصانع عَن نَفسه. بِمَال كَبِير فَلم يغنه شَيْئا واتهم أَنه قتل خربندا بالسم وَشهد عَلَيْهِ الأطباخي وَقتل وَحمل رَأسه إِلَى تبريز ثمَّ قطعت أعضاؤه وَحمل إِلَى كل بلد عُضْو. وَمَات الْأَمِير سيف الدّين بهادر الشمسي بقلعة دمشق فِي ذِي الْحجَّة.
следующие страницы →