← Тараджим

Тараджим · id 6678

خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر

المحبي

Полный текст (1 978 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

علوان وَكَانَ كثيرا مَا يخرج من حمص إِلَى حماة لزيارته فخطر لَهُ خاطر فِي طلب الْعلم فاسشار أَبَاهُ فَقَالَ لَهُ أَبوهُ اذْهَبْ إِلَى شيخك سَيِّدي أبي الْوَفَاء وَانْظُر إِلَى مَا يُشِير بِهِ عَلَيْك وَأي مَدِينَة يَأْمُرك بِالسَّفرِ إِلَيْهَا وَطلب الْعلم بهَا فسافر إِلَى الشَّيْخ وقص لَهُ قصَّته وَمَا قَالَ لَهُ أَبوهُ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ أَبُو الْوَفَاء اذْهَبْ موقف حماة فهناك مجذوب قف أَمَامه وَقل لَهُ إِن وَفَاء بن علوان يُقْرِئك السَّلَام وَلَا تزد على ذَلِك وَانْظُر مَاذَا يجيبك بِهِ قَالَ فمضيت إِلَيْهِ ووقفت أَمَامه فَلَمَّا أحس بِي رفع إِلَيّ رَأسه فَقلت لَهُ إِن الشَّيْخ وَفَاء ابْن الشَّيْخ علوان يُقْرِئك السَّلَام فَقَالَ حَيَّاهُ الله عَلَيْك وَعَلِيهِ السَّلَام ثمَّ انتصب قَائِما وصفق بيدَيْهِ ونادى بِأَعْلَى صَوته حَيا الله بِلَاد الشَّام فِيهَا الخوخ وَالرُّمَّان فِيهَا زقزق العصفور فِيهَا شيخ بِلَا طرطور وَكرر ذَلِك مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا قَالَ فَرَجَعت وأخبرت الشَّيْخ فَقَالَ لي يَا عبد الْحَيّ اذْهَبْ إِلَى دمشق يحصل لَك الْعلم وَالدُّنْيَا وَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ فَقبل إِشَارَة شَيْخه وسافر إِلَى دمشق وَقَرَأَ بهَا على الْعَلامَة الْعلَا بن عماد الدّين والشهاب أَحْمد الطَّيِّبِيّ ثمَّ لزم أَبَا الْفِدَاء اسماعيل النابلسي ورفيقه الْعِمَاد الْحَنَفِيّ حَتَّى برع ودرس بِالْعَرَبِيَّةِ والتركية وَكَانَ يعرف اللُّغَة التركية معرفَة متقنة وَكَانَ يحب الصَّالِحين ويتردد إِلَيْهِم وسافر إِلَى الرّوم وَكَانَ مِمَّن أَخذ عَنهُ الْمولى يحيى ابْن زَكَرِيَّاء وَلما ولي قَضَاء الشَّام أَجله وَاتفقَ لَهُ أَنه كَانَ مدرساً بِالْمَدْرَسَةِ الظَّاهِرِيَّة فَأخذ توليتها القَاضِي مُحَمَّد بن الكيال وَكَانَ بالروم انْتَمَى إِلَى الْمولى يحيى الْمَذْكُور وَعَاد فِي خدمته إِلَى دمشق فَوَقع بَينه وَبَين صَاحب التَّرْجَمَة بِسَبَب التَّوْلِيَة وتشاتما ثمَّ ترافعا إِلَى القَاضِي وكل مِنْهُمَا يعْتَمد مَاله عَلَيْهِ من النّظر فَلم ينصف عبد الْحَيّ واشار عَلَيْهِمَا بِالصُّلْحِ فَلَمَّا قَامَ من الْمجْلس دخل على شَيخنَا القَاضِي محب الدّين فاحتشم لَهُ وَغَضب من أَجله ثمَّ التمس شَيخنَا الشهَاب العيثاوي وَبَقِيَّة أهل الْعلم وَتَشَاوَرُوا فِي ذَلِك فَاقْتضى الرَّأْي أَن يجتمعوا فِي الْيَوْم الثَّانِي ويذهبوا إِلَى القَاضِي ويطلبوا مِنْهُ الْخُرُوج من حق ابْن الكيال بالتعزيز فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّانِي اجْتَمَعنَا فَلَمَّا حضر الشَّيْخ عبد الْحَيّ تشكر من الْحَاضِرين وقص علينا رُؤْيا أَنه رأى الشَّيْخ عبد الْقَادِر ابْن حبيب الصَّفَدِي فِي الْمَنَام وَهُوَ فِي بُسْتَان عَظِيم قَالَ فَدخلت عَلَيْهِ فشكوت إِلَيْهِ فَقَالَ لي يَا عبد الْحَيّ أما قَرَأت تأتين فَقلت نعم فَقَالَ أما قَرَأت قولي فِيهَا (إِن لم تَجِد منصفا للحق كُله إِلَى ... مولى البرايا وخلاق السَّمَوَات) قَالَ فَاسْتَيْقَظت وخاطري متبلخ واستخرت الله عَن الِانْتِصَار فجزاكم الله تَعَالَى

стр. 842

عَنَّا خيرا وشكر سعيكم ثمَّ صرف الْقَوْم قَالَ وَكَانَت وَفَاته يَوْم الْأَحَد سادس شهر رَمَضَان سنة عشر بعد الْألف وَدفن بمقبرة الفراديس وَرَأَيْت بِخَط مُحَمَّد المرزناتي الصَّالِحِي أَن وَفَاته كَانَت لَيْلَة الْخَمِيس بَين الأذانين بعد أَن تسحر ثَالِث عشر شهر رَمَضَان من السّنة الْمَذْكُورَة عبد الْحَيّ بن يُوسُف الْكرْدِي نزيل دمشق أحد أَعْيَان الْعلمَاء كَانَ لَهُ بَاعَ طائل فِي المعقولات اتَّصل أَولا بِخِدْمَة أَو يس باشا وَلما ولى مصر كَانَ مَعَه وَجعله قَاضِي الحضرة وَحصل بهَا مَالا كثيرا ثمَّ رَجَعَ إِلَى دمشق فَلَزِمَ بَيته لَا يخرج لجمعة وَلَا جمَاعَة إِلَّا نَادرا وَكَانَ فِي الأَصْل شافعياً ثمَّ صَار حنفياً وَولي تدريس الْمدرس المعينية وَكَانَ لَهُ مُرَتّب فِي جوالي بَيت المَال وَكَانَ يتَرَدَّد إِلَى الْقُضَاة والولاة وَصَحب أَحْمد باشا الْحَافِظ لما كَانَ فحافظ الديار الشامية وعلت كَلمته عِنْده وَلم يعْهَد مِنْهُ ضَرَر لأحد من النَّاس وَلما مَاتَ الْحسن البوريني وَجه إِلَيْهِ قَاضِي دمشق عَنهُ الْمدرسَة الشامية البرانية فَبَقيت فِي يَده أشهراً ثمَّ وجهت من طرف السلطنة إِلَى الشهَاب العيثاوي بَقِي عبد الْحَيّ على عزلته وانزوائه إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة خمس وَعشْرين وَألف عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن الْعلم ابْن إِبْرَاهِيم بن عمر بن عبد الله وطب بن مُحَمَّد النَّضر بن عبد الله بن مُحَمَّد بن الشَّيْخ عبد الله باعلوي الْمَعْرُوف كسلفة بالمعلم أوحد الزَّمَان وباقعة الدَّهْر إِمَام العارفين وقدوة الصُّوفِيَّة ولد بِمَدِينَة قسم وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن واشتغل بالعلوم والمعارف وَأكْثر الْأَخْذ عَن عُلَمَاء عصره وَصَحب أكَابِر العارفين وانتفع وَأخذ بِبَلَدِهِ عَن الإِمَام الْعَارِف الأديب خسن بن إِبْرَاهِيم باشعيب وَعَن أَوْلَاد الشَّيْخ أبي بكر بن سَالم وَدخل مَدِينَة تريم وَأخذ عَن الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس وَولده تَاج العارفين عَليّ زين العابدين وحفيده عبد الرَّحْمَن السقاف بن مُحَمَّد وَالْقَاضِي عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين وَأَوْلَاده الْمَشْهُورين وَرجل إِلَى الواديين الْمَشْهُورين وَادي دوعن ووادي عمد وَأخذ بهما عَن أجلاء أكَابِر مِنْهُم الشَّيْخ الْعَارِف أَحْمد بن عبد الْقَادِر الشهير بباعشن وَجَمَاعَة من العموديين ثمَّ رَحل إِلَى الْحَرَمَيْنِ وَأخذ عَن السَّيِّد عمر بن عبد الرَّحِيم وَالشَّيْخ أَحْمد بن عَلان وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن الخياري والصفي القشاشي وَالشَّيْخ أَحْمد الشناوي وَغَيرهم وتفنن فِي فنون كَثِيرَة لَكِن غلب عَلَيْهِ علم التصوف والحقائق

стр. 843

وازدهت بِهِ بَلَده وَاتَّفَقُوا على تَقْدِيمه وإمامته وَكَانَ أول أمره يعلم الْقُرْآن وَلما رَحل قَامَ أَخُوهُ مقَامه وَلما عَاد نصب نَفسه لتدريس الْعُلُوم وَكَانَ لَهُ غوص على دقائق السلوك وَله فِي لبس خرقَة التصوف طرق متبوعة وأجيز بالإرشاد والإلباس والتربية وَبلغ الْغَايَة القصوى وعد من الفحول وَوصل بِصُحْبَتِهِ كَثِيرُونَ إِلَى الْمَرَاتِب الْعلية فظهرت لَهُم مِنْهُ آيَات عالية قَالَ الشلي وصحبته مُدَّة مديدة وَحَضَرت لَهُ مجَالِس وَكَانَ يخبو على حنو الْوَالِد وأتحفنى بفوائد كَثِيرَة وَله فِي التصوف رسائل مفيدة وَأَشْيَاء لَطِيفَة وَكَانَ لَهُ حسن خلق وسمت كثيرا لوقار لم تسمع مِنْهُ كلمة مجون متواضعا متقشفا محبوبا عِنْد النَّاس مُعْتَقدًا عِنْدهم مَقْبُول القَوْل لديهم زاهدا فِيمَا بِأَيْدِيهِم مغتنما لوقته مشتغلا بِنَفسِهِ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع وَخمسين وَألف بقرية قسم وَدفن بتربتها الْمَشْهُورَة بالمصف وقبره مَشْهُور يزار عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم الْكرْدِي الصهري الشَّافِعِي نزيل ديار بكر الْعَلامَة الْمُحَقق أَخذ عَن ملاجلبي الْجَزرِي الْكرْدِي وَبِه تخرج وَمن مؤلفاته رِسَالَة فِي سُورَة يس وحاشية على حَاشِيَة عِصَام على الْجُزْء الْأَخير من الْقُرْآن وَله مَا ينيف على أَرْبَعِينَ رِسَالَة وَله رباعي فَارسي ذكر فِيهِ ابْتِدَاء تَحْصِيله للعلوم وَهُوَ قَوْله (شدّ هزار وبيست بنج از هجرت خير الْأَنَام ... كشت ازان بس بنده مر استاد صرفي راغلام) (شهر ثَانِي از شهور جَار وَجل بعد ازهزار ... دروى آمد شكر لله صدر تدر يسم مقَام) وَكَانَت تَأتيه النَّاس من الْعَجم وَمَا وَرَاء النَّهر للأخذ عَنهُ وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَربع أَو خمس وَسِتِّينَ وَألف بِمَدِينَة ديار بكر والصهري بِضَم الصَّاد وَسُكُون الْهَاء نِسْبَة إِلَى صهران عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم الْمَعْرُوف بِابْن المزور الدِّمَشْقِي الْحَنَفِيّ نزيل قسطنطينية وخاطب جَامع السُّلْطَان أَحْمد بهَا وَكَانَ إِمَامه أَيْضا وَكَانَ من خِيَار الْعلمَاء مشاركاً فِي عُلُوم شَتَّى وَكَانَ صَالحا حسن السمت لَهُ تواضع ومسكنة وَكَانَ عَالما بالقراآت وانتفع بِهِ خلق كثير من أهالي الرّوم وَذكره شَيخنَا الخياري فِي رحلته وَأثْنى عَلَيْهِ قَالَ وَحج مرَارًا وجاور بِالْمَدِينَةِ أشهراً وَاتفقَ لَهُ أَمر لم يتَّفق لغيره من أهل الأقطار وَذَلِكَ أَنه لما وصل الْمَدِينَة الشَّرِيفَة كَانَ شيخ الْحرم إِذْ ذَاك بهَا من قبل السُّلْطَان المرحوم

стр. 844

عبد الْكَرِيم أغا وَكَانَ تلميذاً لعبد الرَّحْمَن فَطلب لَهُ من خطباء ذَلِك الْمقَام الْمُبَاشرَة فِي نوبَته نِيَابَة عَنهُ طلبا للتشرف فوافقه على ذَلِك فباشر خطْبَة بذلك الْمِنْبَر الشريف وَكَانَ كثير الافتخار بذلك على سَائِر خطباء الْأَمْصَار وَوَجهه أَنه لم يعْهَد مُبَاشرَة الْخطْبَة بالمنبر الشريف لمن لَيْسَ لَهُ نوبَة من خطبائه وَكَانَ وَهُوَ بالروم اخترع أَدَاء مولداً بَين وضع التّرْك وَالْعرب وَقد عمر كثيرا حَتَّى قَارب الْمِائَة وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَألف بقسطنطينية عبد الرَّحْمَن بن أبي الْفضل بن بَرَكَات الْموصِلِي الميداني الشَّافِعِي كَانَ شيخ زَاوِيَة الموصليين بمحلة ميدان الْحَصَى وَلما اسْتَخْلَفَهُ وَالِده فِي حَيَاته ذكر أَنهم كَانَ لَهُم حَلقَة يَوْم الْجُمُعَة فِي الْجَامِع الْأمَوِي قد تركت من زمَان قديم فَأذن لوَلَده الْمَذْكُور فَعمِلت لَهُم حَلقَة غربي بَاب السنجق دَاخل الْجَامِع فِي حُدُود الْألف وَكَانَ عبد الرَّحْمَن أسن إخْوَته وَكَانَ صافي المشرب لين العريكة وَكَانَت وَفَاته أول وَقت الظّهْر ليَوْم الِاثْنَيْنِ ثَانِي شهر ربيع الثَّانِي سنة سبع عشرَة بعد الْألف وَدفن لصيق وَالِده فِي تربتهم الملاصقة لمَسْجِد النارنج وَمَسْجِد الْمصلى وَجلسَ مَكَانَهُ بعده أَخُوهُ الشَّيْخ بدر الدّين فِي يَوْم الثُّلَاثَاء سادس عشر شهر ربيع الثَّانِي بِإِجَازَة عَمه الشَّيْخ الصَّالح تَقِيّ الدّين السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد الْبيض بن عبد الرَّحْمَن بن حُسَيْن بن عَليّ بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْأُسْتَاذ الْأَعْظَم الْفَقِيه الْمُقدم الملقب وجيه السَّيِّد الْهمام الْعلي الْقدر والهمة أحد أَشْرَاف بني علوي الْمَشْهُورين ولد ببندر الشحر وَحفظ الْقُرْآن واشتغل بتحصيل الْعلم حَتَّى حصل طرفا صَالحا مِنْهُ ثمَّ رَحل إِلَى تريم وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة من العارفين ثمَّ قصد عينات لزيارة الشَّيْخ الْكَبِير أبي بكر بن سَالم فلازمه مُلَازمَة تَامَّة حَتَّى تخرج بِهِ وَألبسهُ خرقَة التصوف وَحكمه واعتنى بِعلم التصوف والْحَدِيث وَالْأَدب وَله نظم حسن ومدح شَيْخه الشَّيْخ أَبَا بكر الْمَذْكُور وَغَيره بقصائد كَثِيرَة ونظمه متداول وَكَانَ ظَاهر الْفضل باهر الْعقل مَعَ الذكاء العجيب والفهم الْغَرِيب والمكارم الْعلية والأخلاق اللطيفة واقتنى كتبا كَثِيرَة وَكَانَت وَفَاته لست خلون من جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَألف وَدفن بمقبرة بندر الشحر وقبره مَعْرُوف يزار السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أَحْمد الإدريسي المكناسي الحسني المغربي نزيل مَكَّة السَّيِّد الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى قطب زَمَانه كَانَ من كبار الْأَوْلِيَاء لَهُ الْكَشْف الصَّرِيح وَالْأَحْوَال الباهرة وَهُوَ الَّذِي يَقُول فِيهِ الأديب مُحَمَّد بن الدرا

стр. 845

الدِّمَشْقِي فِي أَيَّام مجاورته بِمَكَّة المشرفة (فِي ظلّ حمى السَّيِّد عبد الرَّحْمَن ... خيم لتفوز بالرضى والغفران) (واحفظ نجواك عِنْده والإعلان ... كي تَنْشَق عرف عَرَفَات الْإِحْسَان) ولد بمكناسة الزَّيْتُون من أَرض الْمغرب الْأَقْصَى فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف ورحل فِي ابْتِدَائه من الْمغرب فَدخل مصر وَالشَّام وبلاد الرّوم وَاجْتمعَ بالسلطان مُرَاد وَوَقع لَهُ كرامات خارقة وَحج سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَألف وجاور بِمَكَّة ثمَّ رَحل إِلَى الْيمن لزيارة من بهَا من الْأَوْلِيَاء فَاجْتمع بكثيرين من أكَابِر الْمَشَايِخ مِنْهُم السَّيِّد عبد الرَّحْمَن ابْن عقيل صَاحب المخا ثمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة وتديرها وَصَارَ مرجعاً لأَهْلهَا والواردين إِلَيْهَا وَكَانَ فِي الْكَرم غَايَة لَا تدْرك وَكَانَ يعْمل الولائم الْعَظِيمَة للخاص وَالْعَام وَكَانَت النذور تَأتيه من الْمغرب والهند وَالشَّام ومصر ويصرفها للْفُقَرَاء وَكَانَ مَقْبُول الْكَلِمَة عِنْد جَمِيع النَّاس وَإِذا جَاءَهُ الْمَدِين الْمُفلس ليشفع لَهُ عِنْد دائنه فبمجرد أَنه يكلمهُ فِي ذَلِك يمتثل أمره بِطيب نفس وَرُبمَا أَبرَأَهُ من دينه وَإِذا جَار أحد من السَّادة على عبد أَو أمة وَدخل عَلَيْهِ اشْتَرَاهُ مِنْهُ بأغلى ثمن وَأعْتقهُ حَتَّى أعتق أرقاء كثيرا ووقف عَلَيْهِم دوراً وَكَانَ حسن الْعشْرَة إِذا اجْتمع بِهِ أحد لم يرد مُفَارقَته وَكَانَ كثير الشفاعات وَكَانَ يحب الْعلمَاء ويكرمهم وَيحسن للْفُقَرَاء ويتفقدهم بِالنَّفَقَةِ وَالْكِسْوَة الْعَظِيمَة وَكَانَ يَدْعُو الله تَعَالَى بِحَالهِ ومقاله وَكَانَ لَا يلبس إِلَّا ثوبا وَاحِدًا صيفاً وشتاءً وقلنسوة وعَلى رَأسه يلبس سروالاً وَكَانَ يحث من يجْتَمع بِهِ على مُلَازمَة مَا يُنَاسِبه من صنوف الْخَيْر من تِلَاوَة قُرْآن وَصَلَاة على النَّبِي وَكَثْرَة اسْتِغْفَار وأوراد حسان ويحض من رَأْي فِيهِ عَلامَة خير على اعْتِقَاد الصُّوفِيَّة والتصديق بكلامهم وعلومهم وأحوالهم وخصوصاً الشَّيْخ الْأَكْبَر فَإِنَّهُ كَانَ يعظمه كثيرا وَيَأْمُر بتعظيمه حكى لي الْأَخ الْفَاضِل الْكَامِل الشَّيْخ مصطفى بن فتح الله قَالَ دخلت عَلَيْهِ فِي بَيته بِمَكَّة مَعَ الشَّيْخ الْعَارِف حُسَيْن بن مُحَمَّد با فضل وَكنت لم أَدخل عَلَيْهِ قبل ذَلِك وَكَانَ لَا يخْطر ببالي ذكر الصُّوفِيَّة وَلَا أَحْوَالهم فحين اجتماعي بِهِ قَالَ لي مَا تَقول فِي الصُّوفِيَّة فَسكت لعدم معرفتي بِشَيْء من ذَلِك فَذكر الإِمَام الْغَزالِيّ وَمَا وَقع للْقَاضِي عِيَاض بِسَبَب إِنْكَاره عَلَيْهِ وَحَرقه كتاب الْأَحْيَاء فِي قصَّة طَوِيلَة عَجِيبَة ثمَّ ذكر الشَّيْخ الْأَكْبَر محيي الدّين بن عَرَبِيّ وأحواله ومؤلفاته وَأطَال فِي وَصفه وَأَنه الْخَتْم الإلهي وَأَمرَنِي أمرا جَازِمًا باعتقاد الصُّوفِيَّة

стр. 846

ومطالعة كتبهمْ وَالتَّسْلِيم لَهُم والتصديق بعلومهم وأحوالهم قَالَ فَكَأَنَّمَا طبع الله كَلَامه فِي قلبِي فَمن ذَلِك الْوَقْت وَللَّه الْحَمد ملئت اعتقادا ومحبة فيهم وَإِن لم أكن على سُنَنهمْ وَأَرْجُو من الله سُبْحَانَهُ أَن يحشرني مَعَهم وَفِي حزبهم ولقنني ﵁ الذّكر لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله وألبسني الْخِرْقَة الشَّرِيفَة وَكَانَ يَدْعُو لي كثيرا وَكَانَ لَهُ الكرامات الْعَظِيمَة مِنْهَا مَا حَكَاهُ السَّيِّد الْجَلِيل عمر بن سَالم شَيْخَانِ يَا علوي أَنه سَافر مَعَه إِلَى الْيمن وَكَانَ مَعَهُمَا الشَّيْخ الْفَاضِل عبد الله بن مُحَمَّد الطَّاهِر العباسي الْمَكِّيّ فهاج عَلَيْهِم الْبَحْر وكادوا يشرفون على الْهَلَاك فَقَالُوا لَهُ يَا سَيِّدي انْظُر إِلَى مَا نَحن فِيهِ من الْحَال ادْع الله لنا أَن يفرج عَنَّا فَقَالَ للبحر اسكن بِإِذن الله فسكن من حِينه ووقف الرّيح فَقَالَ للريس سر على بركَة الله تَعَالَى فَقَالَ يَا سَيِّدي كَيفَ أسافر بِلَا ريح فَقَالَ لَهُ سر يَأْتِي الله بِالرِّيحِ فَسَار فأتتهم ريح طيبَة وصلوا فِيهَا إِلَى مقصودهم وَزَالَ عَنْهُم مَا كَانُوا يجدونه من الْخَوْف ببركته وَمِنْهَا أَيْضا مَا أخبر بِهِ السَّيِّد الْمَذْكُور أَنه لما ذهب نفع الله تَعَالَى بِهِ إِلَى زِيَارَة سَيِّدي الشَّيْخ أَحْمد بن علوان بِمَدِينَة يغْرس أَتَى الشَّيْخ خادمه فِي الْمَنَام قبل وُصُول السَّيِّد بليلة وَقَالَ لَهُ فِي غَد يصبح عَلَيْك رجل صفته كَذَا وَكَذَا فأفعل لَهُ ضِيَافَة عَظِيمَة وَبَالغ فِي تَعْظِيمه وَأكْرم نزله ومثواه فَإِنَّهُ من أكَابِر أهل الله فامتثل الْخَادِم أَمر الشَّيْخ وَفعل مَا أمره بِهِ وانتظره فِي الْوَقْت الَّذِي ذكره لَهُ فَلم يجده فَذهب خَارج الْبَلَد لَعَلَّه يجده فَلم ير لَهُ أثرا وَلَا خَبرا فَرجع وَقد أيس من وُصُوله وَدخل مقَام الشَّيْخ فَوَجَدَهُ فِيهِ بِصفتِهِ وَكَانَت الْأَبْوَاب مصكوكة ففتحت لَهُ ومفاتيحها بيد الْخَادِم فَعرفهُ وَقبل يَدَيْهِ وَذكر لَهُ مَا أمره بِهِ الشَّيْخ وَذهب بِهِ إِلَى مَكَان الضِّيَافَة وَبَالغ فِي إكرامه وَمِنْهَا مَا حَكَاهُ السَّيِّد الْمَذْكُور أَنه كَانَ ببندر المخا وَكَانَ رجلَانِ من أَصْحَابه متوجهين إِلَى الْهِنْد فَأتيَا إِلَيْهِ يودعانه ويطلبان مِنْهُ الدُّعَاء فَقَالَ لأَحَدهمَا يحصل لَك مشقة كَبِيرَة فِي الْبَحْر وَلَكِن عَاقبَتهَا سليمَة فَكَانَ كَمَا قَالَ وَقَالَ للْآخر إِذا رَأَيْتنِي فِي الْهِنْد فَلَا تكلمني فَلَمَّا وصل إِلَى الْهِنْد وَتوجه إِلَى دهلي جهان آباد سَرِير السُّلْطَان فَجَلَسَ يَوْمًا على بَاب دَاره فَإِذا أَبَا السَّيِّد مقبل وَعَلِيهِ سلهامة سَوْدَاء فَعرفهُ وَقَالَ لبَعض أَصْحَابه هَذَا السَّيِّد عبد الرَّحْمَن وركض ليقبل يَدَيْهِ فشزره بِعَيْنيهِ فَتذكر كَلَامه فَرجع وأغشى عَلَيْهِ وَحصل لَهُ حَال عَظِيم فَلَمَّا أَفَاق لم يره نفع الله بِهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ خَاتِمَة الْأَوْلِيَاء فِي عصره وَقد تقدم ذكر وِلَادَته وَأما وَفَاته فقد كَانَت نَهَار الْأَرْبَعَاء سَابِع عشر ذِي الْقعدَة سنة خمس وَثَمَانِينَ وَألف وَدفن

стр. 847

بزاوية السَّيِّد سَالم شَيْخَانِ اشْتَرَاهَا من أَوْلَاده وَأوصى أَن يدْفن فِيهَا رَحمَه الله تَعَالَى عبد الرَّحْمَن بن إِسْمَاعِيل الخلي اليمني الْأنْصَارِيّ الشَّافِعِي القحطاني وجيه الدّين وَأحد الْقُضَاة الْعدْل بِالْيمن الميمون ولد بِبَلَدِهِ الجديدة فِي سنة ثَمَان عشرَة بعد الْألف وَبهَا نَشأ وَأخذ عَن أكَابِر الشُّيُوخ بِالْيمن وأجيز بالإفتاء والتدريس وَهُوَ ابْن ثَمَانِي عشرَة سنة وَولي الْقَضَاء الْأَكْبَر بِبَلَدِهِ وَسَار فِيهِ أحسن سيرة ونفذت كَلمته وَأَحْكَامه حَتَّى أَن أَئِمَّة الدّين لَا تنقض حكمه إِذا قضى فِي مسئلة وَلَو كَانَت مُخَالفَة لما هم عَلَيْهِ وَبَالغ النَّاس فِي الثَّنَاء عَلَيْهِ بالتقوى وَالدّين وَزِيَادَة الْعلم والتمكين حَتَّى قَالَ بَعضهم لَيْسَ فِي تهَامَة الْيمن الْآن مثله وَله من شعر الْعلمَاء مَا يقبل فَمن ذَلِك مَا كتبه إِلَى ابْن عَمه الْفَاضِل أَحْمد الخلي فِي صدر رِسَالَة (سَلام على الْوَلَد الْفَاضِل ... سليل الْكِرَام الْوَلِيّ الْكَامِل) (وَمن حبه صَار فِي مهجتي ... مُقيما بهَا لَيْسَ بالراحل) (على الْعلم الْفَرد عالي الذرى ... وَمن مجده لَيْسَ بالزائل) (هُوَ الْعلم الْمَاجِد المرتضى ... حَلِيف التقى ذُو الْمقَام الْعلي) (على أَحْمد خير مولى لقد ... تسامى بِفضل وفخر جلى) (فَتى أَحْمد خير أفرانه ... هُوَ ابْن مُحَمَّد أَبوهُ على) (فَتى عمر الْخَيْر خليهم ... وَمن فَضله قطّ لم يجهل) (أَمَام تسلسل من سادة ... حووا الْعلم فِي الزَّمن الأوّل) (وأنصار دين إِلَه الورى ... وَمن يجهل الْقدر فليسأل) (وشهرتهم تغنى عَن وَصفهم ... وَذَا غير خَافَ على الْفَاضِل) (وَذَا أَحْمد نجلهم قد غَدا ... كشمس الضُّحَى فاعتمد مقولي) (وَبعد وصلني الْكتاب الَّذِي ... لَهُ يشْرَح الصَّدْر للمجتلي) (قَرَأت لَهُ بعد تقبيله ... وَوضع على الرَّأْس والكاهل) (تضمن لفظا عَزِيزًا غَدا ... كدر يجيد لذات الْحلِيّ) (وحسناً لَهَا رُتْبَة فِي الملا ... بقدّ قويم وَوجه جلى) (هِيَ السؤل يَا سَيِّدي والمنى ... أدام صفاه إِلَى الموئل) (وَإِعْرَابه عَن صفا حالكم ... بِهِ حصل الْقَصْد للآمل)

стр. 848

(وَلَا زلتم فِي الصَّفَا والوفا ... بِحَق رَسُول الاله الْوَلِيّ) (وشوقي لكم قد غَدا زَائِدا ... ووجدي بكم سَيِّدي مذهلي) (سَأَلت إلهي اللقا عَاجلا ... بكم قبل سيري للمنزل) (بِحَق الرَّسُول النَّبِي الْمُجْتَبى ... مُحَمَّد خير الورى الْأَفْضَل) (وبالآل والصحب أهل التقى ... نُجُوم الْهدى السَّادة الكمل) فَرَاجعه بقوله (أما آن للموعد الماطل ... يجود بوصل على السَّائِل) (جرى مَا كفى بل كفى مَا جرى ... من المدمع الفائض السَّائِل) (بروحي من علمتني الْهوى ... محَاسِن وَجه لَهُ كَامِل) (وَقد كنت من قبله فَارغًا ... فَأَصْبَحت فِي شغل شاغل) (إِلَى الله أَشْكُو غرامي بِهِ ... ووجدي الَّذِي لَيْسَ بالزائل) (وتقريح جفن طما مَاؤُهُ ... فأغنى عَن الْعَارِض الهاطل) (وشرخ الشَّبَاب الَّذِي لم يزل ... يمر ويمضي بِلَا طائل) (وَطول اشتغالي بِمَا لم يفد ... وَكَثْرَة ممشاي فِي الْبَاطِل) (فيا نفس لَا تطلبي عَاجلا ... يَزُول قَرِيبا عَن الآجل) (وخل الدنا وخيالاتها ... فَلَيْسَتْ تخيل على عَاقل) (أَلَيْسَ قصارى مُقيم بهَا ... رحيل فَمَا الشّغل بالراحل) (فهيىء لقد طَال نومك فِي البطالة ... من حظك الخامل) (فَإِن البطالة قتالة ... وَمَا نَام فِيهَا سوى جَاهِل) (فقومي بجد وجدي السرى ... فَمن جد يلْحق بالواصل) (وَلَا تتراخي إِلَى قَابل ... فكم قد مضى لَك من قَابل) (عَسى نفحة من جناب الْوَجِيه ... خلنا الْعَالم الْعَامِل) (نفك عَن العَبْد أغلاله ... وَتكشف عَن قلبه الغافل) (وتغسل أدرانه قبل أَن ... يَمُوت ويعرض للغاسل) (فيا غيث بريعم الورى ... وبحر عُلُوم بِلَا سَاحل) (أَتَانِي كتابك من بعد أَن ... تَمَادى المطال على الآمل) (وكدت أقطع حَبل الرجا ... وأرضى وأقنع بالحاصل) (فَلَمَّا فضضت ختام الْكتاب ... سكرت بريحانه الذابل)

стр. 849

(ونزهت طرفِي فِي حسنه ... وأدهشت من سحره البابلي) (وأيقنت بِالْفَتْح من سَاعَتِي ... وَقلت قد انْفَتح الْبَاب لي) (فشكراً لما خولتني يداك ... فَمَا ذَاك مِنْك ابتدا نائل) (فكم مِنْك لاحت عُقُود الثنا ... قَدِيما على جيدي العاطل) (وألبستني من فنون المديح ... بروداً بهَا الزهو قد طَابَ لي) (وحملتني ممناً جمة ... وحقك قد أثقلت كاهلي) (فَلَا زلت يَا نجم بَادِي السنا ... تلوح لنا لست بالآفل) وللمترجم غير مَا أوردته لَهُ من الْآثَار وَقد اكتفيت عَنْهَا بِهَذِهِ الْقطعَة المثبتة لشرف الْقَائِل وَكَانَت وَفَاته فِي عَاشر الْمحرم سنة خمس وَتِسْعين وَألف والخلى بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَاللَّام الْمُشَدّدَة نِسْبَة إِلَى الْخلّ الْمَعْرُوف نسب إِلَيْهِ لكرامة صدرت من بعض أسلافه بقلب المَاء خلا وَكثير من النَّاس بِكَسْر الْخَاء ويهم فِي ذَلِك وَمَا ذكرته فِي سَبَب النِّسْبَة هُوَ المتلقى عَنْهُم فَلَا عدُول عَنهُ إِلَى أَن تكون النِّسْبَة إِلَى الْخلّ مَوضِع بَين مَكَّة وَالْمَدينَة قرب مرحح وَلَا إِلَى الْخلّ منزل فِي طَرِيق وَاسِط إِلَى مَكَّة قرب لينَة وَلَا إِلَى خلة بِزِيَادَة الْهَاء قَرْيَة بِالْيمن قرب عدن وَبَنُو الخلى قوم صَالِحُونَ يتوارثون الْعلم وموطنهم من الْيمن بَيت مرجل فِيهِ جمَاعَة مِنْهُم ومسكن صَاحب التَّرْجَمَة الحديدة وَهِي بساحل الْبَحْر بِالْقربِ من بَيت الْفَقِيه أَحْمد بن عجيل عبد الرَّحْمَن بن أويس الْكرْدِي الأَصْل الشَّافِعِي الْمَذْهَب نزيل دمشق الْفَاضِل الْوَرع الْخَيْر قدم إِلَى دمشق وَصَارَ معلما لأَوْلَاد الْوَزير حسن باشا بن سِنَان باشا واستوطن دمشق وَسكن بِالْمَدْرَسَةِ الناصرية وَلما مَاتَ الْحسن البوريني كَانَ مدرساً بهَا فوجهت إِلَيْهِ وَبقيت فِي يَده ثمَّ أخذت عَنهُ وَبعد ذَلِك شطرت بَينه وَبَين شهَاب الدّين الْعِمَادِيّ الْمُقدم ذكره وَحج صَاحب التَّرْجَمَة وسافر إِلَى مصر مرَارًا وَحفظ فِي آخر عمره الْقُرْآن ولازم على تِلَاوَته واشتهر بِالْعلمِ وَالصَّلَاح وَلم يزل بِدِمَشْق إِلَى أَن مَاتَ فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف وَدفن بمقبرة الفراديس عبد الرَّحْمَن بن حسان الدّين الْمَعْرُوف بحسام زَاده الرُّومِي مفتي الدولة العثمانية وَوَاحِد الدَّهْر الَّذِي باهت بفضله الْأَيَّام وتاهت بمعارفه الْأَزْمَان وَكَانَ عَالما متجراً

стр. 850

كثير الْإِحَاطَة بمواد التَّفْسِير والعربية جم الْفَائِدَة ممدحاً كَبِير الشَّأْن وكل من رَأَيْته من الْفُضَلَاء يغلو فِي تَقْدِيمه وَحفظ محاسنه وَيَقُول إِنَّه لم تخرج الرّوم مثله فِي الْجمع بَين أفانين المعلومات العجيبة والألفاظ المزخرفة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ أشهر الْمُتَأَخِّرين من عُلَمَاء الرّوم فِي ديار الْعَرَب وأكبرهم شَأْنًا وَسبب شهرته الزَّائِدَة طول تردده إِلَى هَذِه الْبِلَاد وَكَثْرَة مدح شعرائها لَهُ والمغالاة فِي وَصفه وشيوع خَبره بِالْكَرمِ والعطايا الجزيلة وَكَانَ حسن الْخط إِلَى الْغَايَة وَالنَّاس يضْربُونَ بجودة خطه الْمثل لمتانته وَحسن أسلوبه وَكَانَ حسن النادرة كثير اللطائف وَمن لطائفه أَنه سُئِلَ عَن الحَدِيث الصَّدَقَة تدفع الْبلَاء مالمراد بالبلاء فَأجَاب بِمَا قيل فِيهِ ثمَّ قَالَ وَيحْتَمل أَن يكون الْبلَاء هُوَ السَّائِل نَفسه فالصدقة تَدْفَعهُ بِمَعْنى تدفع ثقله وَقد نَشأ على التَّحْصِيل حَتَّى فاق ولازم من الْمولى مُحَمَّد بن سعد الدّين ثمَّ درس بمدارس قسطنطينية وسافر مَعَ أَبِيه من الْبَحْر على طَرِيق مصر إِلَى الْقُدس فِي سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَأخذ بهَا الحَدِيث عَن الشَّيْخ مُحَمَّد بن أَحْمد الدجاني وتلقن كلمة التَّوْحِيد فِي ضريح سيدنَا دَاوُد ﵇ ثمَّ عزل وَالِده عَن الْقُدس وَعوض عَنْهَا بِالْمَدِينَةِ المنورة ثمَّ عَاد فِي خدمَة وَالِده إِلَى وَطنه فولى تفتيش الْأَوْقَاف وباشره أحسن مُبَاشرَة فاشتهر بالعفة حَتَّى نما خَبره إِلَى السُّلْطَان مُرَاد فاتصل بجانبه وَبَلغنِي أَن الْعلَّة فِي تقربه إِلَيْهِ إتقانه للرمي بِالسِّهَامِ وَمِنْه تعلمه السُّلْطَان الْمَذْكُور وأتقنه وَلم يزل مشمولاً بعنايته وَهُوَ يترقى فِي الْمدَارِس إِلَى أَن وصل إِلَى الْمدرسَة السليمانية وَولي مِنْهَا قَضَاء حلب فَقدم إِلَيْهَا وَسيرَته بهَا مَذْكُورَة مَشْهُورَة ولأدبائها فِيهِ مدائح كَثِيرَة وَكَانَ الأديب يُوسُف البديعي الدِّمَشْقِي نزيل حلب إِذْ ذَاك من خواصه وندماء مَجْلِسه وباسمه ألف كِتَابيه ذكرى حبيب وَالصُّبْح المنبي عَن حيثية المتنبي وترجمة بترجمة مُسْتَقلَّة وَذكر أَنه كَانَ بَينه وَبَين النَّجْم الحلفاوي مودّة أكيدة وَلم يتَّفق لَهُ نظم شَيْء من الشّعْر إِلَّا هذَيْن الْبَيْتَيْنِ قالهما فِي حق النَّجْم الْمَذْكُور وهما (عَلَيْك بِنَجْم الدّين فالزمه إِنَّه ... سيهدي إِلَى جنس الْعُلُوم بِلَا فصل) (بِنور اسْمه السَّامِي هدى كل عَارِف ... أَلا إِنَّه شمس المعارف وَالْفضل) قَالَ وَلما أنشدهما قلت بديهة مُخَاطبا شَيخنَا الحلفاوي بِقَوْلِي (كَفاك افتخاراً أَيهَا النَّجْم إِن ذَا المآثر ... بدر الْمجد شمس ضحى الْعدْل)

стр. 851

(حَلِيف العلى نجل الحسام الْمُهَذّب الَّذِي ... عزمه مَا زَالَ أمضى من النصل) (وَمن أشرقت شهباؤنا بِعُلُومِهِ ... وزحزح عَنْهَا ظلمَة الظُّلم وَالْجهل) (حباك ببيتي سودد بل بدرّتي ... فحار على أهل المآثر وَالْفضل) ثمَّ نقل من قَضَاء حلب إِلَى قَضَاء الشَّام وقدمها فِي منتصف شعْبَان سنة إِحْدَى وَخمسين وَألف وَله فِيهَا مآثر مَا زَالَت تتداولها الشفاه وتتناقلها الروَاة وَلما وردهَا صَحبه البديعي الْمَذْكُور فصيره نَائِبا بالمحكمة العونية وَكَانَ فِي خدمته أَيْضا الأديب الْفَائِق الْمَشْهُور مصطفى بن عُثْمَان الْمَعْرُوف بالبابي وَهُوَ الْقَائِل فِيهِ من قصيدة مستهلها (هُوَ الشوق حَتَّى يَسْتَوِي الْقرب والبعد ... وَصدق الوفا حَتَّى كانّ القلى ودّ) يَقُول من جُمْلَتهَا فِي مدحه (همام تناجينا مخايل عزمه ... بأنّ إِلَيْهِ يرجع الْحل وَالْعقد) (وأنّ على أعتابه تقصر العلى ... وأنّ إِلَى آرائه يَنْتَهِي الْجد) (هَمت راحتاه للعدا وعفاته ... فَمن هَذِه سم وَمن هَذِه شهد) (من الْقَوْم قد صانوا حمى حوزة العلى ... طريفاً وصانتهم معاليهم التلد) (هُنَالك ألْقى رَحْله الْبَأْس والندى ... وَألقى عَصا التسيار واستوطن الْمجد) (حديقة فضل لَا يصوّح نبتها ... ونهر عَطاء مَا لسائله رد) (ورقة أَخْلَاق يسير بهَا الصِّبَا ... وبأس لَهُ ترى فرائسها الْأسد) (قطفنا جنى جدواه جينا وَلم يزل ... علينا لَهُ ظلّ من السّير ممتد) (وَغَابَ وَعِنْدِي من أياديه شَاهد ... وواعجبا من أَيْن لي بعْدهَا عِنْد) (وآب فلاد ورد البشاشة ناضب ... لَدَيْهِ وَلَا بَاب المكارم منسد) (فيا أوبة ذَابَتْ لَهَا كبد النَّوَى ... لأَنْت برغم الْبعد فِي كَبِدِي برد) (وَفَاء بِلَا وعد من الدَّهْر حَيْثُ لم ... يكن قبل قسطنطينة باللقا وعد) (أروض اللقا وَالله يبقيك أخضراً ... أبن لي هَل آس نباتك أم ورد) (هَنِيئًا بالقسطنطينة الرّوم قد قَضَت ... لبانتها واسترجع المنضل الغمد) (أرانيه فِيهِ الله والدهر لائذ ... بأعتابه مَا الْوَفْد يزحمه الْوَفْد) وَهِي قصيدة لَطِيفَة المسلك وَسَتَأْتِي تَتِمَّة غزلها فِي تَرْجَمَة البابي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَت أَيَّام ابْن الحسام بالشأم شامة فِي وَجه الدَّهْر هِيَ مواسم الْأَدَاء وأعياد

стр. 852

الْفُضَلَاء وَمَا اتّفق فِي زَمَنه من نفاق سوق الْأَدَب ورواق سعر الشّعْر لم يتَّفق فِي زمن غَيره من الْقُضَاة وَكَانَ أدباء ذَلِك الْحِين كالشاهيني والأمير المنجكي لَا ينفكون عَن مَجْلِسه إِلَّا نَادرا وَيَقَع بَينهم محاورات ومطارحات وَلَهُم فِيهِ مدائح لَو أفردت بالتدوين لجاءت فِي مجلدة فَمن ذَلِك مَا قَالَه الشاهيني فِيهِ (يَا سيدا فَوق مَا قَالُوا وَمَا كتبُوا ... وَفَوق مَا وصفوا دهراً وَمَا نسبوا) (وَيَا وحيداً رأى الشَّام الشريف بِهِ ... أَضْعَاف مَا قد رَأَتْ من عدله حلب) (وَيَا مجيداً وَصفنَا بعض سؤدده ... وفاتنا مِنْهُ مِقْدَار الَّذِي يجب) (وَيَا كَرِيمًا رَأينَا من بدائعه ... مَا قصرت دونه الْأَخْبَار والكتب) (سعيت نَحْوك شوقاً طَالبا أدباً ... يَا من لَدَيْهِ يصاب الْعلم وَالْأَدب) (فصدّني عَنْك حظى والحجاب بِهِ ... وَلَيْسَ نور ذكاء تمنع الْحجب) (فَعَاد عَنْك بِطرف مطرق رمد ... وَقد تذكر بَيْتا صوغه عجب) (لَيْسَ الْحجاب بمقص عَنْك لي أملاً ... إنّ السَّمَاء ترجى حِين تحتجب) (وَاعْلَم بِأَنِّي محب لَا لشائبة ... وَلَيْسَ من رِيبَة تخشى فتجتنب) (وإنني بك رَاض فِي معاملتي ... لأَنْت يَا سَيِّدي قَاض ومحتسب) (واسلم فإنّ دُعَاء بتّ أرْسلهُ ... إِلَيْك حَقًا نَظِير الْغَيْث ينسكب) وللأمير المنجكي فِيهِ من جملَة مدائح مَذْكُورَة فِي ديوانه (آلى الزَّمَان عَلَيْهِ أَن يواليكا ... يثني عَلَيْك وَلَا يَأْتِي بشانيكا) (فَإِن سَطَا فبأحكام تنفذها ... وَإِن سخا فبفضل من مساعيكا) (لِيهن ذَا الْعِيد حَظّ مِنْك حِين غَدَتْ ... علاهُ ثمَّ حلاه من أياديكا) (مُجملا بأياد مِنْك فائقة ... معطراً بغوال من غواليكا) (وافى يهنى بك الدُّنْيَا وَنحن بِهِ ... يَا بهجة الدّين وَالدُّنْيَا نهنيكا) (من ذَا يضاهيك فِيمَا حزت من شرف ... وَمن يدانيك فِي حكم ويحكيكا) (فالشمس مهما ترقت فَهِيَ قَاصِرَة ... عَن بعض أيسر شَيْء من مراقيكا) (والبدر طود تسامى فَهُوَ محتقر ... إِذا بَدَت وهذي من دراريكا) (وكل مجد فَمن علياك مكتسب ... وكل فَخر نرَاهُ من حواشيكا) (وَمَا حكى السّلف الْمَاضِي وحدّثنا ... من السجايا بِهِ إِحْدَى الَّتِي فيكا) (تعنوا لَرَفَعَتْك الزهاد مذعنة ... ويحسد الْفلك الْأَعْلَى مغانيكا)

стр. 853

(يَا ابْن الحسام الَّذِي للدّين نصرته ... أَنْت المفدى فَكل النَّاس تفديكا) (أعيادنا كلهَا يَوْم نرَاك بِهِ ... وَلَيْلَة الْقدر وَقت من لياليكا) وَله أَيْضا فِي يَوْم نوروز (النَّاس كلهم شِرَاء عطائه ... والعيد والنوروز من آلائه) (يختال ذَا بالحلي من عليائه ... شرفا وَذَا بالوشي من نعمائه) (قرت بِهِ عين الغزالة واعتدت ... مكحولة فِي أفقها بضيائه) (مَا أنبت الأدواح بعد ذيولها ... إِلَّا سُقُوط الطل من أنوائه) (سلسالها ونسيمها من لطفه ... وعبيرها من بعض طيب ثنائه) (مولى أقل هباته الدُّنْيَا فَقل ... مَا شِئْت فِي معروفه وسخائه) (عدل لَهُ مَا زَالَ يورق عوده ... حَتَّى استظل النَّاس فِي أفيائه) (غيث أغاث بِهِ الْمُهَيْمِن خلقه ... متفضلا وَقضى لَهُم بِقَضَائِهِ) (نجل لذِي الأفضال من كفائه ... وحسام دين الله من أَسْمَائِهِ) (السعد من خُدَّامه والعز من ... أَتْبَاعه وَالْمجد من ندمائه) (تسْعَى المواسم كلهَا الرحابة ... إِذْ لَا بهاء لَهَا بِغَيْر بهائه) وَله أَيْضا فِيهِ هَذِه الْقطعَة (فَضَح الشَّمْس بالضياء بهاؤه ... بدر عدل أفق السداد سماؤه) (من لَهُ المكرمات والجود وَالْفضل ... صِفَات تسمو بهَا أسماؤه) (الْوَلِيّ الْوَلِيّ من غادر الدَّهْر ... رياضا تغيثها أنداؤه) (استمالت قُلُوبنَا واسترقت ... لذراه رقابنا آلاؤه) (لوسها عَن ثَنَا علاهُ لِسَان ... لرأي مج حمله أعضاؤه) (من يرَاهُ وَلَو بلمحة طرف ... فسعيد صباحه ومساؤه) وَأهْدى إِلَيْهِ المنجكي طرفا وَكتب مَعَه هَذِه الأبيات (يَا من إِذا وهب الدُّنْيَا فيحسبها ... بخلا وحاشا علاهُ فَهُوَ مفضال) (أهديك طرفا وَمن نعماك كم أخذت ... مثلي وَمثل الَّذِي أهديت سُؤال) (لَكِن عَبدك يخْشَى أَن يُقَال لَهُ ... لَا خيل عنْدك تهديها وَلَا مَال) (قبولك الْمِنَّة الْعُظْمَى عَليّ ولي ... بهَا من الدَّهْر إكرام وإجلال) ثمَّ عزل عَن قَضَاء دمشق وأنشده النَّجْم الْغَزِّي ارتجالا يَوْم وُصُول خبر عَزله قَوْله

стр. 854

(عزلك يَا ابْن الحسام مَا تمّ ... وَمن يجي بعد كم فَمَا تمّ) وسافر إِلَى الرّوم وَأقَام بهَا مدّة معزولا ثمَّ صَار قَاضِي دَار السلطنة وَكَانَ ذَلِك فِي حَيَاة وَالِده وَكَانَ وَالِده معزولا عَن قَضَائهَا فساواه فِي الرُّتْبَة وَهَذَا من أغرب مَا وَقع بَين موَالِي الرّوم وَقد اتّفق لَهُ أَيْضا أَنه لما انْتقل وَالِده بالوفاة فِي صفر سنة أَربع وَخمسين وَألف وَجه إِلَيْهِ مَا بِيَدِهِ من وَظِيفَة وَقَضَاء تأبيدا ثمَّ بعد مُدَّة صَار قَاضِيا بعسكر أناطولي وَذَلِكَ فِي سنة تسع وَخمسين فَقَالَ ابْن عَم وَالِدي الأديب مُحَمَّد بن عبد الْبَاقِي المحبي القَاضِي فِي تَارِيخ تَوليته وَكَانَ أذذاك بقسطنطينة (لما تولى الْعَالم ابْن الحسام ... قَاضِي العساكر أوحد الْأَعْلَام) (صدر الموَالِي الحبر والكثز الَّذِي ... كَأبي حنيفَة مَا هد الْأَحْكَام) (فَهُوَ الَّذِي افتخر الزَّمَان بعد لَهُ ... وبحكمه بالروم غب الشَّام) (فلذاك عَام السعد قَالَ مؤرخاً ... بشرى الورى بالعادل ابْن حسام) ثمَّ صَار قَاضِيا بِولَايَة الرّوم فِي ثَانِي شهر رَمَضَان سنة اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَألف وَلما وَقعت فتْنَة الْوَزير الْأَعْظَم ابشير عزل الْمُفْتِي أَبُو سعيد بن أسعد فصيرا بن الحسام صَاحب التَّرْجَمَة مفتيا مَكَانَهُ وَذَلِكَ فِي رَجَب سنة خمس وَسِتِّينَ ثمَّ عزل فِي عَاشر جُمَادَى الأولى سنة سِتّ وَسِتِّينَ وَأعْطى قَضَاء الْقُدس وَصَارَ مفتيا مَكَانَهُ الْمولى مصطفى الْمَعْرُوف بممك زَاده نصف لَيْلَة وَفِي ثَانِي يَوْم قَامَ الْعَسْكَر فِي الصَّباح وعزلوه وأرسلوه إِلَى حلب وَمَات بهَا ورحل ابْن الحسام من الرّوم فورد دمشق وَأقَام بهَا مُدَّة وَبدل عَن قَضَاء الْقُدس بِقَضَاء طرابلس الشَّام وَأرْسل إِلَيْهَا نَائِبا وَاسْتقر هُوَ بِدِمَشْق وَفِي أَيَّام استقراره هَذَا أَشَارَ إِلَى وَالِدي رَحمَه الله تَعَالَى بِجمع ديوَان الْأَمِير المنجكي فَجمع أَكثر شعره وعنونه باسم ابْن الحسام وَهُوَ المتداول الْآن فِي أَيدي النَّاس وَكَانَ لصَاحب التَّرْجَمَة ولد اسْمه أسعد بَقِي فِي الرّوم وَكَانَ من مدرسي إِحْدَى الْمدَارِس الثمان فورد عَلَيْهِ خبر مَوته وَهُوَ بِدِمَشْق فَحزن لمَوْته حزنا عَظِيما وَكَانَ وَلَده هَذَا من الْفُضَلَاء الْمَشْهُورين والأدباء الْمَذْكُورين وَحكى لي وَالِدي روح الله تَعَالَى روحه قَالَ بَلغنِي أَنه لما مَاتَ رثاه الْفَاضِل مصطفى البابي بقصيدة فائية قَالَ وأنشدتها فَلم يعلق فِي فكري مِنْهَا شَيْء فَبعد إِتْمَامهَا بأيام رَآهُ البابي فِي الْمَنَام فَقَالَ لَهُ مَا فعل الله بك فَأَجَابَهُ بِهَذَا الْبَيْت وَهُوَ من بَحر القصيدة ورويها (لقد لطف الْمولى بِنَا فأراحنا ... وأغلب ظَنِّي أَنه بك يلطف)

стр. 855

ثمَّ بعد ذَلِك عزل المترجم عَن قَضَاء طرابلس وَأمر بالتوجه إِلَى مصر وَأعْطى قَضَاء الجيزة فَرَحل من دمشق إل مصر وَأقَام بهَا مُدَّة حَيَاته مُعظما مبجلا وَكَانَ كبراء مصر وعلماؤها يهرعون إِلَيْهِ ويعظمون حَضرته التَّعْظِيم البليغ ويقبلون شَفَاعَته وَكَانَ يدرس فِي بَيته التَّفْسِير فيحضره الْفُضَلَاء المشهورون من فضلاء مصر وَكَانَ كثير الاعتناء بالكشاف دَائِم المطالعة فِيهِ ويحفظ أَكثر أبحاثه عَن ظهر قلب وَبِالْجُمْلَةِ ففضائله وأحواله مِمَّا يطرز بهَا كم الْمجد وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَلَاث بعد الْألف وَتُوفِّي بِمصْر فِي أواسط جُمَادَى الأولى سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَألف عبد الرَّحْمَن بن حسن بن شيخ بن حسن بن شيخ بن عَليّ بن شيخ بن عَليّ بن مُحَمَّد مولى الدويلة الشَّيْخ الْجَلِيل الْكَبِير أحد عُلَمَاء الْيمن وكبرائها ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن واشتغل بِطَلَب الْعلم واجتهد فِي التصوف وَأخذ عَن عُلَمَاء كثيرين وَصَحب جمَاعَة وواظب على مصاحبة أهل الْخَيْر وَالصَّلَاح وَلزِمَ الطَّرِيقَة الحميدة ورحل إِلَى الْيمن وَأخذ بهَا عَن جمَاعَة وَأقَام فِي بندر المخا وَحصل لَهُ بِهِ قبُول تَامّ وانتشر ذكره وَاسْتمرّ هُنَاكَ إِلَى أَن توفّي وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع عشرَة بعد الْألف عبد الرَّحْمَن بن زين العابدين بن مُحَمَّد بن أبي الْحسن الْبكْرِيّ الصديقي سبط آل الْحسن القاهري الاستاذ الشهير السَّامِي الْقدر الجم الْفَضَائِل كَانَ من كبار الْعلمَاء وأرباب الْأَحْوَال وَهُوَ الْأَوْسَط من أَوْلَاد الاستاذ الْأَعْظَم زين العابدين وهم أَحْمد وَقد تقدم ذكره وَعبد الرَّحْمَن هَذَا والاستاذ مُحَمَّد وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقد رَأَيْت لعبد الرَّحْمَن هَذَا تَرْجَمَة بِخَط الْأَخ الْفَاضِل مصطفى بن فتح الله قَالَ فِيهَا هُوَ شيخ الْمَشَايِخ السَّادة الجلة الْعِظَام وَرَئِيس رُؤَسَاء القادة الفخام يم الْفضل الَّذِي يُفِيد وَيفِيض وجم الْفضل الَّذِي لَا ينضب وَلَا يغيض الْمُحَقق الَّذِي لَا يراع لَهُ يراع والمدقق الَّذِي راق فَضله وراع المفنن فِي جَمِيع الْفُنُون والمفتخر بِهِ الْآبَاء والبنون قَرَأَ على أَخِيه أَحْمد وَبِه تخرج وبرع وتفوق وَأخذ عَن الْعَلامَة جودة الضَّرِير الْمَالِكِي عُلُوم الْعَرَبيَّة وَقَامَ بعد أَخِيه الْمَذْكُور مقَامه فِي التدريس فنشر للفضل حللاً مطرزة الأكمام وماط عَن مباسم أزهار الْعُلُوم لثام الاختتام وَكَانَ ينظم الشّعْر وَمن شعره قَوْله (بِاللَّه أَي فَتى مثلي بكم فتنا ... يبكي فيبكى حَماما فِي الدجى شجنا) (أنفاسه كلهيب الْبَرْق وامضة ... وَقَلبه برعود الشوق ماسكنا)

стр. 856

(كَأَنَّمَا جفْنه سحب الشتَاء إِذا ... كانونها بهمير الدمع قد هتنا) (قد صَار من شغف فِيكُم من أَسف ... حَلِيف وجد وأشجان بكم وضنى) (وَأَن يُنَادي مُنَاد كل نَاحيَة ... من عذب الْحبّ والهجران قلت أَنا) (وَالله مَا ملت عَنْكُم بعدكم أبدا ... وَلَا مللت سهاداً أحرم الوسنا) (وإنني عَابِد الرَّحْمَن منتسب ... إِلَى صديق نَبِي أوضح السننا) (أبي هُوَ القطب زين العابدين وَمن ... فِي سبل أهل الْمَعَالِي اقتفى السننا) وَكَانَت وَفَاته بِمصْر يَوْم الْخَمِيس خَامِس شهر رَمَضَان سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وَألف من غير مرض وَدفن يَوْم الْجمع بالقرافة الْكُبْرَى بتربة أسلافه عبد الرَّحْمَن بن شحاذة الْمَعْرُوف باليمني الشَّافِعِي شيخ الْقُرَّاء وَإِمَام المجودين فِي زَمَانه وفقيه عصره وشهرته تغنى عَن الْأَطْنَاب فِي وَصفه ولد بِمصْر وَبهَا نَشأ وَقَرَأَ بالروايات السَّبع على وَالِده من أول الْقُرْآن إِلَى قَوْله تَعَالَى فَكيف إِذا جِئْنَا من كل أمة بِشَهِيد إِلَى آخر الْآيَة ثمَّ توفّي وَالِده فاستأنف الْقِرَاءَة جمعا للسبعة ثمَّ للعشرة على تلميذ وَالِده الشهَاب أَحْمد بن عبد الْحق السنباطي وَحضر دروس الشَّمْس الرَّمْلِيّ فِي الْفِقْه مُدَّة ولازم بعده النُّور والزيادي وَبِه تخرج وَأخذ عُلُوم الْأَدَب عَن كثيرين حَتَّى بلغ الْغَايَة فِي الْعُلُوم وانتهت إِلَيْهِ رياسة علم القراآت وَكَانَ شَيخا مهاباً عَظِيم الْهَيْئَة حسن الْوَجْه والحلية جليل الْمِقْدَار عِنْد عَامَّة النَّاس وخاصتهم وَكَانَ يقْرَأ فِي كل سنة كتابا من كتب الْفِقْه الْمُعْتَبرَة وَكَانَ النُّور الشبراملسي من ملازمي دروسه الْفِقْهِيَّة وَغَيرهَا وَكَانَ لَا يفتر عَن الثَّنَاء عَلَيْهِ فِي مجالسه وَكَانَ هُوَ شَدِيد الْمحبَّة للشبراملسي وَاتفقَ للشبراملسي أَنه حضر بعض معاصريه فِي شرح التَّلْخِيص للسعد فَبَلغهُ ذَلِك فَقَالَ لَهُ لما أَتَى إِلَى الدَّرْس بَلغنِي أَنَّك تحضر فلَانا وَإنَّك وَالله أفضل مِنْهُ وَحلف عَلَيْهِ بِالطَّلَاق الثَّلَاث أَن لَا يحضر دروسه فِيمَا بعد فامتثل أمره وَكَانَ يتعاطى التِّجَارَة وَله أَمْوَال كَثِيرَة زَائِدَة الْوَصْف وَكَانَ كثير الْبر لطلبة الْعلم والفقراء وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ كَانَ من أهل الْخَيْر وَالدّين وأكابر أَوْلِيَاء الله تَعَالَى العارفين وَمِمَّنْ قَرَأَ عَلَيْهِ بالروايات الشبراملسي الْمَذْكُور وَالشَّيْخ عبد السَّلَام بن إِبْرَاهِيم اللَّقَّانِيّ وَالشَّيْخ عبد الْبَاقِي الْحَنْبَلِيّ الدِّمَشْقِي وَمُحَمّد البقري وشاهين الأرمناوي وغالب قراء جِهَات الْحجاز وَالشَّام ومصر أخذُوا عَنهُ هَذَا الْعلم وانتفعوا بِهِ وَعم نفعهم ببركته وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة

стр. 857

وَتُوفِّي فَجَاءَهُ لَيْلَة الِاثْنَيْنِ خَامِس عشرى شَوَّال سنة خمسين وَألف عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن الشَّيْخ عَليّ بن أبي بكر بن السقاف الْحَضْرَمِيّ مفتي الشَّافِعِيَّة بديار حَضرمَوْت الشَّيْخ الْعَالم الْعلم قَاضِي الْقُضَاة ذكره الشلي وَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ ولد بِمَدِينَة تريم فِي سنة خمس وَأَرْبَعين وَتِسْعمِائَة وَحفظ الْقُرْآن والإرشاد والقطر والملحة وَغَيرهَا واشتغل بالتحصيل وَأخذ الْعُلُوم الشهيرة عَن مَشَايِخ كثيرين من أَجلهم الْمُحدث مُحَمَّد بن عَليّ خرد وَالْقَاضِي مُحَمَّد بن حسن بن الشَّيْخ عَليّ وَالشَّيْخ حُسَيْن بن عبد الله بَافضل وارتحل إِلَى الْحَرَمَيْنِ وَأخذ بهما عَن جمَاعَة من المجاورين وبرع فِي التَّفْسِير والْحَدِيث وَالْفِقْه والعربية وَأَجَازَهُ جمَاعَة من مشايخه بالإفتاء والتدريس وَلبس الْخِرْقَة من مشايخه الْمَذْكُورين وَحكمه غير وَاحِد وأذنوا لَهُ فِي الإلباس والتحكيم وَجلسَ للدروس وَأَقْبل عَلَيْهِ الطلاب وانتفع بِهِ خلق كثير وَتخرج بِهِ جمَاعَة مِنْهُم أَوْلَاده والشلّي الْكَبِير وَالِد المؤرخ وَعبد الله بن عمر بن سَالم بَافضل وَمُحَمّد الْخَطِيب القطب ثمَّ ولي الْقَضَاء بتريم فسلك أحسن السلوك وَلم يشْغلهُ الْقَضَاء عَن التدريس والإفتاء وَكَانَ حسن الْعبارَة وَله فَتَاوَى مفيدة قَالَ الشلّي وَهُوَ شيخ مَشَايِخنَا الَّذين عَادَتْ علينا بَرَكَات أنفاسهم واستضأنا من ضِيَاء نبراسهم وَكَانَ مَحْفُوظ الْأَوْقَات مواظباً على قيام اللَّيْل وَالذكر والتلاوة وَجمع من الْكتب النفيسة مَا لم يجمعه أحد من أهل عصره ووقفها على طلبة الْعلم الشريف بِمَدِينَة تريم وَقَالَ الشلي فِي تَارِيخه الْمُرَتّب على السنين تَرْجمهُ تِلْمِيذه شيخ عبد الله فِي السلسلة قَالَ وَكَانَ ذَا سخاء ومروءة وَعلم وفتوة ثمَّ قرب بانتقاله حصلت لَهُ جذبة من جذبات الْحق اندهش بهَا عقله وَأخذ عَن نَفسه فَكَانَ يقوم إِلَى الصَّلَاة بطرِيق الْعَادة وَهُوَ مَأْخُوذ عَن نَفسه وَرُبمَا صلى إِلَى غير الْقبْلَة وَذَلِكَ لما استولى عَلَيْهِ من سُلْطَان الْحَقِيقَة فتلاشت عنديته وَنُودِيَ بِفنَاء الفناء من عَالم الْبَقَاء وَرفعت عَنهُ الْجِهَات لما تحقق بِحَقِيقَة الإبصار وأشرق فِيهِ نور حَضْرَة الْبَهَاء وَشَاهد سره الْمُعظم إِلَّا على حكم سر قَوْله تَعَالَى فأينما توَلّوا فثم وَجه الله وَصَارَت لَهُ جَمِيع الْجِهَات مصلى وَمكث كَذَلِك أشهراً إِلَى أَن مَاتَ قَالَ الشلي وَكَانَت وَفَاته نَهَار الْإِثْنَيْنِ رَابِع عشر شهر رَمَضَان سنة أَربع عشرَة وَألف بِمَدِينَة تريم وَدفن بمقبرة زنيل وَحضر الصَّلَاة عَلَيْهِ جم غفير وَصلى عَلَيْهِ إِمَامًا بِالنَّاسِ الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس

стр. 858

بِوَصِيَّة مِنْهُ بقوله السَّيِّد عبد الله أولى بِي حَيا وَمَيتًا عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن دَاوُد بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن عَليّ بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن عبد الله بن دعيش بن عيثان بن مُحَمَّد الشّعبِيّ ثمَّ الْخَولَانِيّ ثمَّ الْحرَازِي ذكره ابْن أبي الرِّجَال فِي تَارِيخه وَقَالَ فِي حَقه الْعَلامَة المحدّث الْمُجْتَهد العابد السائح المتأله شيخ الشُّيُوخ وَإِمَام الرسوخ صَاحب الْعِبَادَة والزهادة والسياحة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَكَانَ لَا يلْحق فِي علم الْكَلَام إِمَامًا فِي الْعَرَبيَّة مُفَسرًا لِلْقُرْآنِ صنف تَفْسِيرا وَكتبه فِي مصحف جمع فِيهِ صناعات الْمَصَاحِف وصيره إِمَامًا يقْتَدى بِهِ واستقصى على مَا فِي الْمُصحف العثماني وَجمع فِيهِ مَا لَا يُوجد بِغَيْرِهِ واصطنع الكاغد بِيَدِهِ ليَكُون طَاهِرا بِالْإِجْمَاع والحبر وخدمه خدمَة فائقة وَهُوَ مرجع قد كتب عَلَيْهِ بعض الْعلمَاء مُصحفا وَأمر الإِمَام بِكِتَابَة مصحف أَيْضا يجمع مَا فِيهِ وَلم أتيقن تَمام ذَلِك وَصَارَ هَذَا الْمُصحف بيد السَّيِّد صفيّ الدّين أَحْمد بن الإِمَام الْقَاسِم استهداه من ابْنة الْعَلامَة الْمَذْكُور فَإِنَّهَا عاشت مدّة مواظبة على الْعِبَادَة وَكَانَ صَاحب التَّرْجَمَة يسيح فِي الْبِلَاد ويمضي فِي مَوَاقِف الْعلمَاء والهجر ويصحح النّسخ ويحشى عَلَيْهَا إِذا مر بخزانة كتب فِي بعض الهجر أَقَامَ حَتَّى يمر عَلَيْهَا ويصحح مَا فِيهَا مَعَ اطِّلَاعه فَكل كتاب قد مر عَلَيْهِ فَهُوَ إِمَام غير مُحْتَاج إِلَى أستاذ وَكَانَ يلبس الخشن وَيحمل مَعَه آلَة النجارة وَيصْلح بهَا أَبْوَاب الْمَسَاجِد وَنَحْوهَا وَلَعَلَّه يسترزق مِنْهَا وَكَانَ فِي الحَدِيث إِمَامًا جَلِيلًا وَكَانَ شَيخنَا الْوَجِيه عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بثنى عَلَيْهِ إِلَّا أَنه زعم أَنه حفظ الْمُتُون حفظا عَظِيما وَلم يطلع على شُرُوح الحَدِيث وَله كتب نافعة من مشهورها رِسَالَة فِي نظر الْأَجْنَبِيَّة وتضعيف الرِّوَايَة عَن الْفُقَهَاء الشَّافِعِيَّة وَالْحَنَفِيَّة بِجَوَاز ذَلِك وَاسْتظْهر بالأدلة وبأقوال الْفَرِيقَيْنِ وَأحسن مَا شَاءَ وَلَا جرم أَن تِلْكَ الرِّوَايَة غلط مِنْهُم وَقد حرّر الإِمَام الْمُؤَيد بِاللَّه مُحَمَّد بن الْقَاسِم سؤالاً إِلَى شيخ الشَّافِعِيَّة مُحَمَّد بن الْخَالِص بن عنقاء فَأَجَابَهُ بِجَوَاب بسيط حَاصله مَا ذَكرْنَاهُ وَإِن لم أطلع عَلَيْهِ لكنه أفادنيه شَيْخي شمس الدّين وَصَاحب التَّرْجَمَة شيخ الإِمَام الْقَاسِم وَشَيخ الْعَلامَة عبد الْهَادِي الحسوسة وَكَانَت وَفَاته فِي ثَالِث عشر شَوَّال سنة ثَلَاث بعد الْألف وقبره بحدبة الرَّوْض وَهُوَ يلتبس برجلَيْن من الحيمة أَحدهمَا القَاضِي الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن بن عبد الله الْآتِي ذكره والعلامة الْكَبِير عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد شيخ الْمَعْقُول وَالْمَنْقُول وَكَانَ حَافِظًا وَإِن لم يكن لَهُ قُوَّة وَإِدْرَاك

стр. 859

فِي النَّقْد والاستنباط وَتعلق بكتب الأشاعرة وَحفظ مِنْهَا كثيرا قَرَأنَا عَلَيْهِ فَهُوَ أحد شُيُوخنَا فِي الْمُنْتَهى والعضد إِلَى الْمَقَاصِد وَفِي كتاب شرح الكافية لنجم الْأَئِمَّة إِلَى التوابع وَالْمُغني إِلَى اللَّام والألفية لِلْحَافِظِ الْعِرَاقِيّ والألفية للسيوطي وَكَانَ وَالِده مُحَمَّد فِيمَا حَكَاهُ سيدنَا سعد الدّين وَالِد القَاضِي أَحْمد من صالحي الْعلمَاء وَمن أهل الْمَوَدَّة لعترة رَسُول الله قَرَأَ عَلَيْهِ سيدنَا سعد الدّين فِي الْفَرَائِض عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن عَتيق الْحَضْرَمِيّ الأَصْل الْمَكِّيّ المولد والمنشأ وَزِير الشريف حسن بن أبي نمى صَاحب مَكَّة تزوج وَالِده بنت الشَّيْخ مُحَمَّد جَار الله بن أَمِين الظهيري فَجَاءَت مِنْهُ بِصَاحِب التَّرْجَمَة وأخيه أبي بكر فخدم الشريف حسن ابْن أبي نمى سنة ثَلَاث بعد الْألف وأفهمه النصح فِي الْخدمَة وسحره إِلَى أَن تمكن مِنْهُ غَايَة التَّمَكُّن وَبَقِي حَاله كَمَا قَالَ الشَّاعِر (أَمرك مَرْدُود إِلَى أمره ... وَأمره لَيْسَ لَهُ رد) فتسلط على جَمِيع المملكة وَتصرف فِيهَا كَيفَ شَاءَ وَبَقِي كل من يَمُوت من أهل الْبَلَد أَو من الْحجَّاج يستأصل مَاله بِحَيْثُ لَا يتْرك لوَارِثه شَيْئا فَإِذا تكلم الْوَارِث ظهر لَهُ حجَّة أَن مُوَرِثه كَانَ قد اقْترض مِنْهُ فِي الزَّمن الْفُلَانِيّ كَذَا كَذَا ألف دِينَار وَيَقُول هَذَا الَّذِي أَخَذته دون حَقي وَبَقِي لي كَذَا وَكَذَا وَطَرِيق كِتَابَته لهَذِهِ الْحجَّة وأمثالها أَن كتبة المحكمة تَحت أمره وقهره فيأمرهم بِكِتَابَة الْحجَّة فيكتبونها وَعِنْده أَكثر من مائَة مهر للقضاة والنواب السَّابِقين فيمهرها وَيَأْمُر عبد الرَّحْمَن المحالبي أَن يكْتب إِمْضَاء القَاضِي الَّذِي قد مهر الْحجَّة بمهره وَيكْتب خَاله الشَّيْخ على ابْن جَار الله وَعبد الْقَادِر بن مُحَمَّد بن جَار الله شَهَادَتهمَا وَيكْتب الشَّيْخ عَليّ أَيْضا عَلَيْهَا مَا نَصه تَأَمَّلت هَذِه الْحجَّة فَوَجَدتهَا مسددة وَشهد بذلك مُحَمَّد بن عبد الْمُعْطِي الظهيري وَابْن عَمه صَلَاح الدّين بن أبي السعادات الظميري وَأحمد بن عبد الله الْحَنْبَلِيّ الظهيري وَغَيرهم ثمَّ إِنَّه يظْهر الْحجَّة ويقرؤها بَين النَّاس وجميعهم يعرف أَنَّهَا زور وَلَا أصل لَهَا وَلَا يقدرُونَ أَن يتكلموا بِكَلِمَة وَاحِدَة خوفًا من شَره وَقُوَّة قهره وَاسْتولى بِهَذَا الأسلوب على مَا أَرَادَ كَمَا أَرَادَ وَإِذا شكى إِلَى الشريف حسن يَقُول هَذِه حجَّة شَرْعِيَّة وشهودها مثل هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَة الإجلاء فنفرت قُلُوب النَّاس من ابْن عَتيق وضجوا وضجروا وكل من أمكنه السّفر سَافر وَمَا تَأَخّر إِلَّا الْعَاجِز وَكَانَ

стр. 860

الشريف أَبُو طَالب بن حسن كلما سمع شَيْئا من هَذِه الْأُمُور تألم غَايَة التألم فأوّل مَا اسْتَقل بالشرافة أرسل من الْمَبْعُوث قبل وُصُوله إِلَى مَكَّة رسله بمسك ابْن عَتيق فمسك يَوْم الْجُمُعَة بعد الْعَصْر وَاسْتمرّ فِي الْحَبْس يَوْم السبت والأحد فَلَمَّا وصل الشريف أَبُو طَالب إِلَى مَكَّة وَتَوَلَّى أَمر وَالِده الشريف حسن وَدَفنه استدعى ابْن عَتيق وَسَأَلَهُ عَن أَحْوَاله فَقَالَ قد فعلت جَمِيع ذَلِك ثمَّ ردّه إِلَى الْحَبْس فَفِي لَيْلَة الْإِثْنَيْنِ أَخذ ابْن عَتيق جنبية العَبْد الوصيف المرسم عَلَيْهِ وَهُوَ نَائِم فَاسْتَيْقَظَ العَبْد وخلصها مِنْهُ فَأخْبر سَيّده الشريف أَبَا طَالب بذلك فَأعْطَاهُ جنبية وَقَالَ لَهُ خُذ هَذِه وَقل لَهُ لَا تسرق الجنبية بِاللَّيْلِ وأسرع بإرسالها إِلَى جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير فَأخْبرهُ الوصيف بِمَا قَالَه الشريف فَأَخذهَا مِنْهُ وَأدْخل مِنْهَا فِي بَطْنه نَحْو أصْبع ثمَّ أخرجهَا ثمَّ أَعَادَهَا وَأدْخل مِنْهَا ضعف الأول ثمَّ أدخلها جَمِيعًا ثمَّ أخرجهَا وَقَالَ وامالي وَاسْتمرّ ذَلِك الْيَوْم إِلَى ظهر يَوْم الثُّلَاثَاء ثَانِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة عشر وَألف فَمَاتَ وَكَانَ يتبجح وَيَقُول الشَّرْع مَا نريده وأبطل فِي أَيَّامه عدَّة من الْمسَائِل الشَّرْعِيَّة كالوصايا وَالْعِتْق وَالتَّدْبِير وَبَاعَ أُمَّهَات الْأَوْلَاد بأولادهن وَرمى بِهِ فِي درب جدة فِي حُفْرَة صَغِيرَة بِلَا غسل وَلَا صَلَاة وَلَا كفن ورمت عَلَيْهِ الْعَامَّة الْحِجَارَة وعملت الْفُضَلَاء فِيهِ تواريخ فَمِنْهَا قَول بَعضهم (أَشْقَى النُّفُوس الباغية ... ابْن عَتيق الطاغية) (نَار الْجَحِيم استعوذت ... مِنْهُ وَقَالَت مَا ليه) (لما أَتَى تَارِيخه ... أجب لظى والهاوية) ذكر ذَلِك عبد الْكَرِيم بن محب الدّين القطبي فِي تَارِيخه الَّذِي ذكر فِيهِ بعض وقائع مَكَّة عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أَحْمد بن مُحَمَّد كريشه بن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن السقاف اشْتهر جده الْأَعْلَى بكريشة أحد الْعلمَاء الأجلاء الزَّاهِد العابد الْوَرع ولد بِمَكَّة فِي سنة أَربع عشرَة وَألف وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن واشتغل على خَاله عمر بن عبد الرَّحِيم وتأدب بِهِ وَصَحبه من صغره ولازمه فِي دروسه واقتدى بِهِ فِي أَحْوَاله وَكَانَ يُحِبهُ ويثني عَلَيْهِ وَأَجَازَهُ بمروياته وَأذن لَهُ فِي الْإِفْتَاء والتدريس وَأَرَادَ أَن ينزل لَهُ عَن وَظِيفَة التدريس فَأبى وَقَالَ أَنا رجل مَشْغُول بِالتِّجَارَة وانتفع بِهِ جمَاعَة من أَصْحَابه وَكَانَ لَهُ نفع عَام وَنظر دَقِيق حَرِيصًا على سلوك مسالك أهل السّنة

стр. 861

وَالْجَمَاعَة مواظباً على الْخَيْر مَعَ أدب باهر وَمَات وَهُوَ فِي حد الاكتهال وَكَانَت وَفَاته فِي سنة أَربع وَخمسين وَألف وعمره يَوْمئِذٍ أَرْبَعُونَ سنة وَدفن بالمعلاة بمقبرة بني علوي وقبره مَعْرُوف يزار عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن صَلَاح بن سُلَيْمَان بن مُحَمَّد بن دَاوُد بن إِبْرَاهِيم بن أَحْمد ابْن عَليّ القَاضِي الْعَلامَة الْمُفِيد كَانَ فَقِيها عَارِفًا ولي الْقَضَاء بِجِهَة الحيمة من الْيمن للْإِمَام الْمُؤَيد وأخيه الإِمَام المتَوَكل وَكَانَ نبيلاً فَاضلا حسن التِّلَاوَة لِلْقُرْآنِ الْعَظِيم مُؤديا لَهُ تأدية حَسَنَة ويلتقي نسبه وَنسب عبد الرَّحْمَن بن عبد الله شيخ الإِمَام الْقَاسِم فِي دَاوُد بن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور وجدّهما سُلَيْمَان الْمَذْكُور يجمع نسبهم وَنسب فُقَهَاء حصيان وفقهاء العيانة ومشايخ سماة بني النجار وفقهاء الرَّجْم هَكَذَا قَالَه المترجم قَالَ بعض اليمينيين وبنوا النوار فِيمَا أَحسب ينسبون أنفسهم إِلَى غير هَذَا النّسَب وَالله أعلم وَكَانَت وَفَاته فِي نَيف وَسِتِّينَ وَألف وَاخْتَلَطَ فِي آخر عمره عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أَحْمد بن عَليّ بن هرون بن حسن بن عَليّ بن الشَّيْخ مُحَمَّد حمل اللَّيْل الإِمَام الْعَالم الفصيح الزَّاهِد النَّاصِر للشريعة الْمُجَاهِد ذكره الشلي وَوَصفه وَصفا بليغاً من جنس هَذَا الْوَصْف ثمَّ قَالَ ولد بتريم وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن ثمَّ اشْتغل بتحصيل الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وفنون الْأَدَب فتفقه على القَاضِي أَحْمد بن حُسَيْن وَالشَّيْخ أَحْمد بن عمر عيديد وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن علوي بافقيه وَأخذ عَن الشَّيْخ عبد الله بن شيخ العيدروس وَولده زين العابدين وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف العيدروس وَأخذ عَن السَّيِّد الْجَلِيل مُحَمَّد الْهَادِي بن شهَاب وأخيه الشَّيْخ أبي بكر ابْن شهَاب وَغَيرهم وَحفظ عدّة متون وعرضها على مشايخه ثمَّ دخل الْهِنْد وَاجْتمعَ بِجَمَاعَة من علمائها وأحبه بعض أمرائها الْكِبَار ثمَّ حج وَعَاد إِلَى تريم وَأخذ عَمَّن بهَا ودرس وَأخذ عَنهُ جمع طَرِيق الْقَوْم ثمَّ عَاد إِلَى الْهِنْد ودرس بهَا وَأخذ عَنهُ جمع كثير ودرس فِي الحَدِيث قَالَ الشلي وَاجْتمعت بِهِ هُنَاكَ ولازمته مُدَّة يسيرَة واستفدت مِنْهُ فَوَائِد غزيرة وَكَانَ مُقيما عِنْد بعض الوزراء ونال مِنْهُ كثيرا من الْأَمْتِعَة ثمَّ ورد إِلَى وَطنه وَأقَام بهَا مُجْتَهدا فِي الطَّاعَة وَطلب للْقَضَاء فَأبى فعاودوه حَتَّى قبله وَمَشى على طَرِيق الْقُضَاة قبله فحمدت أَفعاله وَلم يشْغلهُ الْقَضَاء عَن الإفادة وَالِاجْتِهَاد فِي الْعِبَادَة وَتُوفِّي فِي سنة سبعين وَألف وَقد أناف على السِّتين وَدفن بمقبرة زنبل

стр. 862

عبد الرَّحْمَن بن عبد الْوَهَّاب بن أَحْمد بن عَليّ بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن زوقا بن مُوسَى بن أَحْمد السُّلْطَان بِمَدِينَة تونس فِي عصر الشَّيْخ أبي مَدين بن السُّلْطَان سعيد بن السُّلْطَان فاشين ابْن السُّلْطَان يحيى ابْن السُّلْطَان زوقا الشعراوي وَيُقَال الشعراني أَيْضا الْمصْرِيّ الْأُسْتَاذ الْعَام الصَّالح ابْن الإِمَام الْكَبِير العابد الزَّاهِد صَاحب التآليف الْكَثِيرَة السائرة وَيَنْتَهِي نسبهم إِلَى الإِمَام مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَكَانَ عبد الرَّحْمَن هَذَا لطيف الذَّات حسن الْخلال وَلما مَاتَ وَالِده فِي سنة ثَلَاث وَسبعين وَتِسْعمِائَة قَامَ بعده بزاويته الْمَعْرُوفَة بَين السورين فَقَامَ عَلَيْهِ أَوْلَاد عَمه ومقدمهم الشَّيْخ عبد اللَّطِيف وسلك سَبِيل عَمه وَالِد صَاحب التَّرْجَمَة فِي الْكَرم والبذل والإيثار حَتَّى بملبوسه فضلا عَن طَعَامه وَكَانَ عبد الرَّحْمَن يرْمى بالإمساك فَمَال فُقَرَاء الزاوية عَلَيْهِ مَعَ عبد اللَّطِيف فترافعوا للحكام غير مرّة وَكَاد أَمرهم يتم فَلم يلبث عبد اللَّطِيف أَن مَاتَ وَاسْتقر الْأَمر لصَاحب التَّرْجَمَة فَصَارَ مُعظما عِنْد الْحُكَّام وانتظم أَمر الزاوية لكنه أقبل على جمع المَال ثمَّ ترك الْمدرسَة وتحوّل بعياله فسكن على بركَة الْفِيل وَصَارَ لَا يَأْتِي إِلَى الزاوية إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة غَالِبا فتلاشت أحوالها جدا حَتَّى صَار مجْلِس لَيْلَة الْجُمُعَة يجلس فِيهِ نَحْو اثْنَيْنِ أَو ثَلَاثَة أول اللَّيْل ثمَّ يغلب عَلَيْهِم النّوم وَكَانَ فِي زمن وَالِده يصعد المؤذنون من نَحْو نصف اللَّيْل فَيحصل من إيقاظ النيام والاشتغال بِالذكر والتهجد وَالْقِيَام والأنس التَّام مَا يثلج الصُّدُور ويحث على فعل الحبور وَبِالْجُمْلَةِ فبيتهم مبارك لَا يزَال مُتَّصِل المدد وَفِيه الْخَيْر وَالْبركَة وَكَانَت وَفَاة صَاحب التَّرْجَمَة فِي أَوَاخِر سنة إِحْدَى عشرَة بعد الْألف وَدفن بزاوية وَالِده بِبَاب الشعرية والشعراوي تقدّم الْكَلَام عَلَيْهَا فِي تَرْجَمَة قريبَة أبي السُّعُود بن عبد الرَّحِيم الشعراني القَاضِي عبد الرَّحْمَن بن عقيل بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن عقيل بن أَحْمد بن الشَّيْخ عَليّ اليمني شيخ مَشَايِخ الطَّرِيقَة المربي الْكَامِل مُلْحق الأصاغر بالأكابر قَالَ الشلي فِي تَرْجَمته ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن وَطلب الْعلم خُصُوصا التصوف وَأكْثر من قِرَاءَة الْأَحْيَاء والعوارف وَصَحب أكَابِر العارفين وَلبس الْخِرْقَة فَمن مشايخه بتريم السَّيِّد عبد الله بن شيخ العيدروس وَولده زين العابدين وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن شهَاب الدّين والفقيه الإِمَام السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن عقيل وَمُحَمّد بن إِسْمَاعِيل بَافضل ثمَّ فَارق ديار حَضرمَوْت ورحل إِلَى الْيمن وَأخذ عَن الْعَارِف بِاللَّه الْوَلِيّ عبد الله بن

стр. 863

عَليّ وَالسَّيِّد حَاتِم المهدلي وَحج حجَّة الْإِسْلَام وَاجْتمعَ فِي الْحَرَمَيْنِ بِجَمَاعَة ثمَّ دخل بِلَاد الْهِنْد وَأخذ بهَا عَن غير وَاحِد وَقَامَ بخدمته بعض الوزراء ثمَّ عَاد إِلَى الْيمن وَدخل بندر عدن وساح وَأخذ عَن جمَاعَة ثمَّ دخل بندر المخا وَاسْتقر بِهِ وَاجْتمعَ بالشيخ صندل المجذوب وانتفع بِصُحْبَتِهِ وشاع ذكره ثمَّة واجتهد فِي الْعِبَادَة وَنشر الْعلم وَكَانَ آيَة فِي الْفَهم وَالْحِفْظ وَغلب عَلَيْهِ التصوف وَله فِيهِ كَلَام مَقْبُول قَالَ الشلي وَفِي ثَمَان وَخمسين وَألف قدمت عَلَيْهِ وَأخذت عَنهُ وَكَانَ من الطَّائِفَة الَّذين يخفون أَكثر محاسنهم ويبالغون فِي نفي رُؤْيَة المخلوقين وَكَانَ لَهُ غيرَة على الدّين مصمماً فِي الْحق صادعاً بِالشَّرْعِ وَكَانَ لَهُ جاه عَظِيم تَأتيه النذور من كل مَكَان وَاجْتمعَ عِنْده مَال جسيم وَكَانَ لَا يدرى مِمَّن تِلْكَ الأنذار بل كَانَت ترمى فِي نَاحيَة من دَاره وَرُبمَا أكل الصُّوف العث والأرضة وَلم يزل مراقباً لله فِي سره ونجواه إِلَى أَن انْقَضتْ مُدَّة حَيَاته فَتوفي ببندر المخا ثَانِي عشر شهر ربيع الأول سنة تسع وَخمسين وَألف وَدفن بِجنب قبر السَّيِّد مُحَمَّد بن بَرَكَات كريشة وقبره مَعْرُوف يزار عبد الرَّحْمَن بن علوي بن أَحْمد بن علوي بن مُحَمَّد مولى عيديد يعرف كسلفه ببافقيه الْمُحدث الصُّوفِي الْفَقِيه الإِمَام قَالَ الشلي كَانَ مُقيما بِمَدِينَة حَضرمَوْت ومولده تريم وَنَشَأ بهَا وَحفظ الْقُرْآن وَأكْثر الْمِنْهَاج واعتنى بالفقه وَأكْثر انتفاعه بالشيخ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَالْقَاضِي عبد الرَّحْمَن بن شهَاب وَأخذ التصوف عَنْهُمَا وَعَن السَّيِّد سَالم بن أبي بكر الْكَاف وَالسَّيِّد الْفَقِيه مُحَمَّد بن الْفَقِيه عَليّ بن عبد الرَّحْمَن وَغَيرهم واجتهد فِي الْفُرُوع الْفِقْهِيَّة وشارك فِي الْأَصْلَيْنِ وَلبس الْخِرْقَة من جمَاعَة وَأَجَازَهُ غير وَاحِد بالإفتاء والتدريس وَكَانَ منعزلاً عَن النَّاس زاهداً فِي الدُّنْيَا مواظباً على الْجَمَاعَة وأنواع الْخَيْر وانتفع بِهِ كثير وَنشر الْعلم بعد اندراسه وَلَزِمتهُ الطّلبَة وَكَانَ متين المناظرة حسن الْعبارَة لطيف الْإِشَارَة قوي الحافظة إِذا قَالَ فِي المسئلة لَا أحفظ فِيهَا شَيْئا لَا تكَاد تُوجد فِي كتب الْأَصْحَاب وَكَانَ لَا يتوسع فِي الْعبارَة بل يقْتَصر على مسئلة الْكتاب وَمن تكلم عَلَيْهَا وَكَانَ مبارك التدريس يحْكى عَن جمَاعَة مِمَّن قرؤوا عَلَيْهِ أَنهم قَالُوا مَا وجدنَا عِنْد اُحْدُ مِمَّن قَرَأنَا عَلَيْهِ مَا وجدنَا عِنْده وغالب عُلَمَاء الْعَصْر أخذُوا عَنهُ قَالَ الشلي وَهُوَ شَيْخي الَّذِي أخذت عَنهُ فِي الْبِدَايَة واشتغلت عَلَيْهِ فِي عُلُوم الدِّرَايَة وَالرِّوَايَة وقرأت عَلَيْهِ كتبا كَثِيرَة وَسمعت مِنْهُ بِقِرَاءَة غَيْرِي الْكثير مِنْهَا التَّفْسِير الْكَبِير وإحياء عُلُوم الدّين بِقِرَاءَة شَيخنَا عمر الهندوان وَكَانَ

стр. 864

لَا يَقُول بالمحاباة فيزيف كَلَام الْغَيْر إِذا لم يرضه وَلَو كَانَ أَبَاهُ وَإِذا خَاضَ فِي عُلُوم الصُّوفِيَّة أَنْكَرُوا وَكَانَ شَدِيد الْإِنْكَار على النَّاس فِيمَا يُخَالف الشَّرْع لَا سِيمَا مَا أجمع على حظره أَو ترجح الْإِنْكَار فِي نظره لَا يقنع فِي أَمر الْحق بِغَيْر إِظْهَاره مطبوعاً على الالتذاذ بِهِ متحملاً للأذى من النَّاس بِسَبَبِهِ يدافع ذَلِك بِيَدِهِ وَلسَانه بِحَسب وَسعه وَإِذا لم يسْتَطع الدّفع تأثر بِهِ شَدِيدا وَرُبمَا أَصَابَته الْحمى وَقد ورد فِي الحَدِيث أَنه قَالَ يَأْتِي على النَّاس زمَان يذوب قلب الْمُؤمن كَمَا يذوب الْملح قيل يَا رَسُول الله مِم ذَلِك قَالَ مِمَّا يرى من الْمُنكر لَا يَسْتَطِيع تَغْيِيره وَكَانَ لصدقه وَحسن نِيَّته تهابه أَرْبَاب الْفسق ويهربون مِنْهُ وَرُبمَا إِذا أحس بِهِ الصّبيان تركُوا اللّعب هَيْبَة مِنْهُ وَكَانَ فِي جَمِيع أَحْوَاله ملازماً للأدب زاهداً فِي الدُّنْيَا وَعرض عَلَيْهِ قَضَاء بَلْدَة تريم فَلم يقبل وَكَانَ ملازماً للتلاوة وَالِاعْتِكَاف وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من محَاسِن عصره وتحائف دهره وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة زنبل من جنَّات بشار ﵀ عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الله الحديلي بن مُحَمَّد بن حسن الطَّوِيل بن مُحَمَّد بن عبد الله بن الْفَقِيه أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن علوي بن مُحَمَّد صَاحب مرباط عرف كسلفه بباحسن الحديلي صَاحب القاره أحد فضلاء الْيمن الْمَشْهُورين قَالَ الشلي ولد بِمَدِينَة تريم وتفقه بهَا وَأخذ التصوف عَن جمَاعَة وغلبت عَلَيْهِ فنون الْأَدَب فَكَانَ لَا يشار بهَا إِلَّا إِلَيْهِ وَكَانَ جيد البديهة حُلْو النادرة سريع الْجَواب وَهُوَ فِي ذَلِك من الْعَجَائِب وَكَانَ يسْأَل عَن الْمسَائِل المعمية فَيكْتب الْجَواب بِاللَّفْظِ الفصيح والسجع اللَّطِيف قَالَ وَكنت وقفت على بعض أجوبته فِي الصغر وَلم أظفر الْآن بِشَيْء مِنْهَا وَلَا أحفظ الْآن من تِلْكَ الْأَجْوِبَة إِلَّا قَوْله لجَعْفَر الصَّادِق لما قَالَ نصف اسْمِي فِي ثَلَاثَة أَرْبَاعه رَجَعَ وَله رسائل فائقة وأشعار مستعذبة وانتفع بِهِ كثير وَكَانَ لَهُ اعتناء بنظم الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الشَّيْخ عمر بن عبد بامخرمة فَجمع مِنْهُ مجلدات وَكَانَ يُوضح مشكلاته وَيبين مَا دق مِنْهُ وَكَانَ هُوَ وَإِمَام الْعُلُوم السَّيِّد عبد الله بن مُحَمَّد بروم فِي ذَلِك الزَّمَان فرسي رهان فَكَانَا عَيْني ذَلِك الْعَصْر وَأقَام بالقرية الْمُسَمَّاة بالقاره وصدقاته دارّة على الْفُقَرَاء وَكَانَ كثير الْإِحْسَان جم النوال وَكَانَت وَفَاته فِي سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَدفن بقرية القارة رَحمَه الله تَعَالَى

стр. 865

عبد الرَّحْمَن بن عَليّ بن مُوسَى بن خضر الخياري الشَّافِعِي نزيل الْمَدِينَة المنورة وخطيبها ومحدثها الإِمَام الْكَبِير الْجَلِيل الشَّأْن الْمَشْهُور فِي الْآفَاق أَخذ بِمصْر عَن الجلة من الْمَشَايِخ وشيوخه كَثِيرُونَ مِنْهُم النُّور الزيَادي وَهُوَ أَجلهم وَمِنْهُم أَبُو بكر الشنواني وَأحمد الغنيمي وَالشَّيْخ مُحَمَّد الخفاجي وَمن فِي طبقتهم من عُلَمَاء ذَلِك الْعَصْر وأجازوه وشهدوا لَهُ بِالْفَضْلِ وتصدر للإقراء بِجَامِع الْأَزْهَر ولازمه جمع من أكَابِر الشُّيُوخ وَأخذُوا عَنهُ الْعلم مِنْهُم النُّور الشبراملسي وَكَانَ يثني عَلَيْهِ كثيرا ويطرز درسه بِذكرِهِ وَيُشِير إِلَى جلالة قدره وَكَانَ هُوَ وَالشَّيْخ عَليّ الْحلَبِي صَاحب السِّيرَة كفرسي رهان وفارسي ميدان وَكَانَا إِذا مرا فِي الْأَزْهَر يُقَال أقبل السعد وَالسَّيِّد ثمَّ هَاجر إِلَى الْمَدِينَة المنورة وسكنها بِإِذن من النَّبِي حكى ذَلِك الشهَاب البشبيشي وَكَانَ وُصُوله إِلَيْهَا فِي أواسط الْمحرم سنة تسع وَعشْرين وَألف وانتفع بِهِ أَهلهَا للأخذ عَنهُ والتلقي مِنْهُ وَكَانَ لَهُ يَد طولى فِي جَمِيع الْفُنُون مَعَ السكينَة وَالْوَقار وَيُقَال إِنَّه كَانَ يرى رَسُول الله عيَانًا وَاتفقَ لَهُ أَن ختم كتابا فِي الحَدِيث وَشرع فِي الدُّعَاء ثمَّ وقف منتصباً رَافعا يَدَيْهِ كالمؤمّن على الدُّعَاء فَقَامَ أهل الدَّرْس من طلبة وَغَيرهم ثمَّ طَال وُقُوفه بِحَيْثُ أَن بَعضهم تَعب من الْوُقُوف وَذهب وَبَقِي الواقفون متعجبون مِنْهُ وَهُوَ مطرق وَكَأَنَّهُ فِي غير شُعُور فَبعد خَتمه الدُّعَاء قَالَ لَهُ بعض أخصائه من تلامذته مَا هَذَا الْوُقُوف يَا سَيِّدي فَإِنَّهُ لم يعْهَد لَك مثله فَقَالَ وَالله مَا وقفت إِلَّا وَقد رَأَيْت رَسُول الله وَاقِفًا يَدْعُو لنا فاستمريت منتظراً حَتَّى فرغ من دُعَائِهِ وَهَذِه من كراماته وَذكره الخفاجي فِي كِتَابه الخبايا فَقَالَ فِي وَصفه دوحة الزَّمَان بسام طليق وَعوده بُسْتَان وريق فَاضل جمع الْفضل فَهُوَ مُنْتَهى الجموع وكامل كَمَاله كثمار الْجنَّة غير مَقْطُوع وَلَا مَمْنُوع شَقِيق روحي وصديقها وَرَيْحَان مسرتي وشقيقها (وَنَفس بأعقاب الْأُمُور بَصِيرَة ... لَهَا من طباع الْغَيْب حاد وقائد) يلوح من بشره نور الْفَلاح وَمن سكينته وقار الصّلاح كأنّ الله جمع لَهُ المناقب فَاخْتَارَ مِنْهَا وانتقى وَرَأى أَن أحْسنهَا وَأَكْرمهَا التقى لَهُ فِي الْفُنُون يَد بَيْضَاء وَفِي الْأَدَب سجية سَمْحَة خضراء وَلما علم أَن الله أوصى بالجار رَحل لطيبة الطّيبَة وَسكن فِي جوَار النَّبِي الْمُخْتَار فَدخل رَوْضَة من رياض الْجنَّة فِي جناته وَإِذا أنعم الله بِنِعْمَة على عَبده فِي حَيَاته لَا يسلبها إِلَّا بعد مماته فَكتبت لَهُ متشوقاً للقائه

стр. 866

وملتمساً لصالح دُعَائِهِ (يَا نسيماً من نَحْو طيبَة ساري ... مهدياً عطر رندها والعرار) (من رَبًّا نشره بعنبر شحر ... فِي حَشا جونة الْفَتى الْعَطَّار) (خُذ فُؤَادِي فَذَاك مجمر شوق ... وغرامي بمضمر الوجد دَاري) (موقد فِيهِ عنبر من مديحي ... لحبيب الْمُهَيْمِن الْمُخْتَار) (لمقام بِمُقْتَضَاهُ بليغ ... لَا يُوفى بلاغة الْأَسْرَار) (وَلمن فِي ذراه من كل جَار ... حَاز خفضاً لعيشه بالجوار) (فهم خزرجي وأوسي وَإِن لم ... يسعف الدَّهْر بالمنى أَنْصَارِي) (سِيمَا صنوى الشَّقِيق وروحي ... وَهُوَ عبد الرَّحْمَن حامي الذمار) (قد تملى بروضة حَاز فِيهَا ... مثمر السعد مظهر الْأَنْوَار) (بَاعَ دنيا دنت بِأُخْرَى تسامت ... فغدا فِي بَيْعه بِالْخِيَارِ) (فعساه يمنّ لي بِدُعَاء ... مستجاب فِي ليله وَالنَّهَار) (ليحوز الشهَاب أعظم سؤل ... وأمان من مطلع الْأَنْوَار) (وَصَلَاة الْإِلَه فِي كل حِين ... لَك تهدى يَا سيد الْأَبْرَار) فَأَجَابَهُ بقوله (بعد اهدا أَسْنَى السَّلَام الساري ... من رَبًّا طيبه مقَام الْخِيَار) (فائقاً طيبه شذا كل مسك ... فاتقاً نوره دجى الأسحار) (لحبيب فِي الله خل وفيّ ... طيب الأَصْل ذِي الثَّنَاء الساري) (أَحْمد الْفِعْل والشهاب المرجى ... كاشف المشكلات كنز الفخار) (دَامَ فِي نعْمَة وَعز ولطف ... من إِلَه الورى الْكَرِيم الْبَارِي) (محيياً سنة الألى سَبَقُوهُ ... بِاتِّبَاع الألى وَحسن الْوَقار) (وَصَلَاة مَعَ السَّلَام دواماً ... للنبيّ الممجد الْمُخْتَار) (ولآل وَصَحبه مَا اضمحلت ... ظلم الظُّلم لاجتلا الْأَنْوَار) وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من خِيَار الْخِيَار وَكَانَت وَفَاته فِي الْيَوْم الثَّانِي وَالْعِشْرين من شهر ربيع الثَّانِي سنة سِتّ وَخمسين وَألف وَدفن ببقيع الْغَرْقَد وَقَالَ وَلَده شَيخنَا الإِمَام الْعَالم إِبْرَاهِيم فِي تَارِيخ مَوته (إِذا مَا قيل لي فِي أيّ عَام ... وَفَاة الحبر والدك الخيارى)

стр. 867

(أَقُول وَقد تدرعت اصطباراً ... نؤرخه أحلّ بِخَير دَار) عبد الرَّحْمَن بن عِيسَى بن مرشد أَبُو الوجاهة الْعمريّ الْمَعْرُوف بالمرشدي الْحَنَفِيّ مفتي الْحرم الْمَكِّيّ وعالم قطر الْحجاز وأوحد أَهله فِي الْفضل والمعرفة وَالْأَدب وَهُوَ من بَيت الْعلم وَالْفضل والديانة ذكر السخاوي فِي الضَّوْء اللامع والتقي التَّمِيمِي فِي طَبَقَات الْحَنَفِيَّة جمَاعَة من آل بَيته وَكَانَ هُوَ من كبار الْعلمَاء الأجلاء انْعَقَدت عَلَيْهِ صدارة الْحجاز نَشأ بِمَكَّة وَحفظ الْقُرْآن وَصلى بِهِ التَّرَاوِيح إِمَامًا فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَحفظ الألفية وَالْأَرْبَعِينَ للنووي وكنز الدقائق إِلَّا الْقَلِيل مِنْهُ والجزرية وَغَيرهَا وَشرع فِي الِاشْتِغَال من سنة تسع وَثَمَانِينَ وَتِسْعمِائَة فلازم الشَّيْخ عبد الرَّحِيم بن حسان وَأخذ عَن الشَّيْخ عَليّ بن جَار الله بن ظهيرة والمنلا عبد الله الْكرْدِي وَالسَّيِّد غضنفر وَالشَّيْخ عبد السَّلَام وَزِير السلار وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن عَليّ الركروك الجزائري وروى الحَدِيث عَن الشَّمْس الرَّمْلِيّ وَعَن الشَّيْخ المعمر المنلا حميد السندي وَالشَّيْخ أَحْمد الشربيني وَالشَّمْس النحراوي وَأخذ القراآت عَن الملا عَليّ الْقَارِي الْهَرَوِيّ وَولي تدريس مدرسة المرحوم مُحَمَّد باشا فِي حُدُود سنة تسع وَتِسْعين وَتِسْعمِائَة فدرس بهَا صَحِيح البُخَارِيّ وأملى عَلَيْهِ شرحاً بلغ فِيهِ إِلَى بَاب رفع الْعلم وَظُهُور الْجَهْل فعزل عَنْهَا ووليها مدرسها الأول ونظم منظومة فِي علم التصريف عدّتها خَمْسمِائَة بَيت من بَحر الرجز سَمَّاهَا ترصيف التصريف وَشَرحهَا شرحاً نفيساً سَمَّاهُ فتح اللَّطِيف وَشرح كتاب الْكَافِي فِي علمي الْعرُوض والقوافي سَمَّاهُ الوافي فِي شرح الْكَافِي وَألف رِسَالَة بديعة سَمَّاهَا براعة الاستهلال فِيمَا يتَعَلَّق بالشهر والهلال ونظم رِسَالَة مُتَعَلقَة بمنازل الْقَمَر موسومة بمناهل السمر وَشَرحهَا شرحاً لطيفاً وَألف رِسَالَة تتَعَلَّق بتفسير آيَة الْكُرْسِيّ معنونة بِالْفَتْح الْقُدسِي وَكتب قِطْعَة على الخزرجية فِي علم الْعرُوض وَولي التدريس بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام فِي سنة خمس وَألف وَشرع فِي كِتَابَة شرح الْكَنْز فِي سنة ثَمَان وَسُئِلَ عَن عبارَة وَقعت فِي تَفْسِير آخر سُورَة الْمَائِدَة من تَفْسِير الجلالين فَكتب عَلَيْهَا رِسَالَة موسومة بتعميم الْفَائِدَة بتتميم سُورَة الْمَائِدَة وتعاطى الْفَتْوَى على مَذْهَب أبي حنيفَة عَام وَفَاة شَيْخه القَاضِي عَليّ بن جَار الله وَهُوَ سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَألف وباشر ذَلِك وَشَيْخه فِي قيد الْحَيَاة استفتى فِي مسئلة فِي الْوَقْف فَأفْتى فِيهَا بِمَا هُوَ الْمُخْتَار للْفَتْوَى فِيهِ وَهُوَ قَول أبي يُوسُف من أَن الْوَقْف يتم بِمُجَرَّد التَّلَفُّظ بِهِ كَغَيْرِهِ من الْعُقُود من

стр. 868

غير حَاجَة إِلَى حكم حَاكم أَو تَسْلِيم إِلَى متول وبدخول أَوْلَاد الْبَنَات فِي الْوَقْف على الذُّرِّيَّة فخالفه فِي ذَلِك بعض الْقُضَاة فألف رِسَالَة فِي ذَلِك سَمَّاهَا وقف الْهمام الْمنصف عِنْد قَول الإِمَام أبي يُوسُف وأرسلها إِلَى مصر فأيده علماؤها وَكَتَبُوا على جَوَابه وصوبوه وخطؤوا قَول الْمُخَالف لَهُ فِي ذَلِك وَكَانَ ذَلِك فِي سنة ثَمَان عشرَة وَألف وَشرح عُقُود الجمان فِي الْمعَانِي للأسيوطي شرحاً حافلاً مزج فِيهِ عبارَة النّظم فِي الشَّرْح فاق على شرح مؤلفها بِكَثِير وَجرى فِي مجْلِس قَاضِي مَكَّة ذكر المسئلة الَّتِي ذكرهَا قَاضِي خَان فِي فَتَاوِيهِ وَهِي مَا لَو قَالَ قَائِل إِن كَانَ الله يعذب الْمُشْركين فامرأتي طَالِق قَالُوا إِنَّهَا لَا تطلق فألف فِيهَا رِسَالَة سَمَّاهَا الْجَواب المكين عَن مسئلة إِن كَانَ يعذب الْمُشْركين وَولي إِمَامَة الْمَسْجِد الْحَرَام وخطابته والإفتاء السلطاني فِي سنة عشْرين وَألف فباشر جَمِيع ذَلِك وَكَانَت مُبَاشَرَته للْإِمَامَة فِي يَوْم الْإِثْنَيْنِ سادس الْمحرم من السّنة الْمَذْكُورَة وَوَافَقَ ذَلِك الْيَوْم النوروز السلطاني وَكَانَ أوّل فرض صَلَاة بمقام الْحَنَفِيَّة ظهر الْيَوْم الْمَذْكُور اقْتِدَاء برَسُول الله حَيْثُ كَانَ أول صَلَاة صلاهَا بعد الافتراض هِيَ الظّهْر وباشر الخطابة فِي السَّابِع عشر من الشَّهْر الْمَذْكُور وَمَشى الْأَعْيَان بَين يَدَيْهِ ذَهَابًا وإياباً وأفاض عَلَيْهِ سُلْطَان مَكَّة حِينَئِذٍ وَهُوَ الشريف إِدْرِيس تَشْرِيفًا سلطانياً بعد فَرَاغه من الْخطْبَة وَالصَّلَاة ووردت إِلَيْهِ فِي آخر سنة ثَلَاث وَعشْرين وَألف الخلعة السُّلْطَانِيَّة المحمولة لمفتي مَكَّة فِي كل عَام صُحْبَة أَمِير الركب الْمصْرِيّ فلبسها من الْمحل الْمُعْتَاد الَّذِي يلبس مِنْهُ شرِيف مَكَّة وَكَانَ ذَلِك بعد انقطاعها نَحوا من خمس سِنِين بِمُوجب حكم سلطاني ورد إِلَى صَاحب مصر يتَضَمَّن الْأَمر بتجهيزها على الأسلوب السَّابِق وإفاضتها عَلَيْهِ وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْأَرْبَعَاء السَّابِع من ذِي الْحجَّة من السّنة الْمَذْكُورَة ثمَّ تولى تدريس الْمدرسَة السليمانية الْحَنَفِيَّة الَّتِي أَنْشَأَهَا المرحوم السُّلْطَان سُلَيْمَان جوَار الْمَسْجِد الْحَرَام برسم عُلَمَاء الْمذَاهب الْأَرْبَعَة وَكَانَت هَذِه الْمدرسَة أسست برسم الْحَنَفِيَّة وَكَانَ أوّل من وَليهَا مِنْهُم ودرس بهَا مفتي مَكَّة القطب الْمَكِّيّ النهرواني الْحَنَفِيّ ثمَّ وَليهَا بعد وَفَاته خير الدّين الرُّومِي الْحَنَفِيّ ثمَّ قررها بعده شرِيف مَكَّة الشريف حسن للقضاي عَليّ بن جَار الله الْحَنَفِيّ ثمَّ ورد فِيهَا مصلح الدّين الرُّومِي الْحَنَفِيّ ثمَّ بعد وَفَاته فِي أَوَاخِر سنة ثَلَاث عشرَة وَألف تقرّر فِيهَا القَاضِي يحيى بن أبي السعادات ابْن ظهيرة خطيب مَكَّة وغفل عَن كَونهَا مَشْرُوطَة للحنفية فَعِنْدَ وَفَاته فِي خَامِس

стр. 869

رَجَب سنة سبع وَعشْرين وَألف أَعَادَهَا الله لأصلها فقرّرها شرِيف مَكَّة الشريف إِدْرِيس لصَاحب التَّرْجَمَة وَذَلِكَ فِي سَابِع عشر رَجَب من السّنة الْمَذْكُورَة وباشر الدَّرْس فِيهَا سادس شعْبَان مِنْهَا وافتتح الدَّرْس فِي تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ من قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كتب عَلَيْكُم الصّيام كَمَا كتب على الَّذين من قبلكُمْ﴾ وَحضر مَجْلِسه فِيهَا يَوْمئِذٍ جَمِيع الْعلمَاء والأعيان وَكَانَ يَوْمًا مشهوداً وَورد إِلَيْهِ فِي غرَّة ذِي الْحجَّة سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَألف تَفْوِيض النّظر فِي قَضَاء مَكَّة وأعمالها من لدن قاضيها يَوْمئِذٍ الْمولى رضوَان بن عُثْمَان الْمُنْفَصِل عَن قَضَاء مصر لتخلفه عَن الْوُصُول إِلَى مَكَّة ففوض إِلَى صَاحب التَّرْجَمَة النّظر فِي ذَلِك فباشره وَأقَام أَخَاهُ القَاضِي أَحْمد نَائِبا بِمَكَّة ووقف بالحجيج تِلْكَ السّنة وَوَافَقَ يَوْم عَرَفَة يَوْم الْجُمُعَة وَكَانَ هُوَ خطيب التَّرويَة أَيْضا فِي تِلْكَ السّنة وخطيب الْجُمُعَة فِي شهر ذِي الْحجَّة وَكَانَ اتّفق لَهُ نَظِير ذَلِك فِي سنة عشْرين وَألف حِين تولى قَضَاء مَكَّة الْمولى صَالح بن الْمولى سعد الدّين إِلَّا أَنه لم يتَّفق لَهُ فِي ذَلِك الْعَام الْوُقُوف بالحجاج لانفصاله عَن النّظر فِي الْقَضَاء بالمولى أَحْمد الإياشي وَمِمَّا اتّفق لَهُ فِي هَذِه الْولَايَة الثَّانِيَة أَنه ورد من ابْن سُلْطَان الْهِنْد خرم شاه بن سليم شاه بن جلال الدّين الْأَكْبَر صَدَقَة إِلَى فُقَرَاء مَكَّة وَالْمَدينَة فأنيط توزيعها بنظره فوزعها بَين الْأَعْيَان والفقراء ذُكُورا وإناثاً واستوعبهم استيعاباً شَامِلًا وخطب بِمَسْجِد نمرة بِعَرَفَة وَالْحَاصِل أَنه لَقِي من سمو الشَّأْن وعلو الرُّتْبَة مَا لم يلقه أحد من معاصريه بالحجاز وَقد ذكره جمَاعَة من المؤرخين والمنشئين فَمِمَّنْ ذكره الْحسن البوريني وَأثْنى عَلَيْهِ ثَنَاء عَظِيما قَالَ وَاجْتمعت بِهِ فِي مَكَّة واختبرته فَرَأَيْت عربيته متينة وحركته فِي فهم الْعبارَات جَيِّدَة وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ الْآن عين مَكَّة وعالمها وَإِلَيْهِ يرجع عاميها وحاكمها انْتهى وَرَأَيْت فِي بعض المجاميع مَنْقُولًا من خطّ أبي الْعَبَّاس المقرى قَالَ ذكر الشَّيْخ أَبُو الْمَوَاهِب الْبكْرِيّ أَنه تمثل للشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المرشدي الْمَذْكُور بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ فِي أثْنَاء مكالمة وهما (عرضنَا أَنْفُسنَا عزت علينا ... عَلَيْكُم فاستخف بهَا الهوان) (وَلَو أَنا حفظناها لعزت ... وَلَكِن كل معروض يهان) قَالَ فَأَجَابَنِي (نفوسكم وحقكم لدينا ... نفيسات تعز وَلَا تهان) (وَتلك جَوَاهِر فلأجل هَذَا ... غَدَتْ معروضة بقيت تصان)

стр. 870

وَقد وقفت لَهُ على قصيدة عَجِيبَة فِي بَابهَا مدح بهَا الشريف حسن وَابْنه أَبَا طَالب مهنئاً لَهما بظفر الثَّانِي مِنْهُمَا بِأَهْل شمر وَهُوَ جبل بِنَجْد وَهِي (نقع العجاج لَدَى هياج العثير ... أذكى لدينا من دُخان العنبر) (وصليل تَجْرِيد الحسام ووقعه ... فِي الْهَام أشدى نَغمَة من جؤذر) (وسنا الأسنة لامعاً فِي قسطل ... أَسْنَى وأسمى من محيا مُسْفِر) (وتسربل فِي سابغات مزرد ... أبهى علينا من قبَاء عبقري) (وتتوج بقوانس مصقولة ... أزهى علينا من سدوس أَخْضَر) (وكذاك صهوة سابح ومطهم ... أشهى إِلَيْنَا من أريكة أحور) (ولقا الكمى مدرعاً فِي مغفر ... كلقا الغرير بمقنع وبمخمر) (ألفت أسنتنا الْوُرُود بمنهل ... علقت بِهِ علق النجيع الْأَحْمَر) (وسيوفنا هجرت جوَار غمودها ... شوقاً لهامة كل أصيد أصعر) (فتخالها لما تجرد عِنْدَمَا ... هام القتام بوارقاً بكنهور) (وصهيل جرد الْخَيل خيل كَأَنَّهُ ... رعد يزمجر فِي الجدى المتعنجر) (وَدم العدى متقاطراً متدفقاً ... كالوبل كالسيل الجراف الْجور) (ورؤوسهم تجْرِي بِهِ كجنادل ... قذفت بِهِ موج السُّيُول الهمر) (غشيتهم فِي الْعَام منا فرقة ... تركت فريقهم كسبسب مقفر) (أودتهم قتلا وأجلتهم إِلَى ... أَن حطم الْهِنْدِيّ ظهر الْمُدبر) (تركت صحاراهم مَوَائِد ضمنت ... أشلاء كل مسود وغضنفر) (ودعت ضيوف الْوَحْش تقريها بِمَا ... أفنى المهند والوشيج السمهري) (فأجابها من كل غيل زمرة ... تحدو منار عملس أَو قسور) (وأظلها ظلل نشاص سحابها المركوم ... أَجْنِحَة البزاة الأنسر) (فبراثن الآساد تضنب فِي الكلى ... ومخالب العقبان تنشب فِي المرى) (شكرت صَنِيع المشرفية والقنا ... إِذْ لم تضفها الهبر غير مهبر) (فغدت قُبُورهم بطُون الْوَحْش مِنْهَا ... يبعثون إِذا دعوا للمحشر) (وخلت دِيَارهمْ وَأقوى ربعهم ... وسرى السرى مشمراً عَن شمر) (أنفت من استقصاء قتل شريدهم ... كَيْمَا يخبر قَائِلا من مخبري) (فثنت أَعِنَّة خَيْلنَا أجيادها ... عَن قتل كل مزند وخزور)

стр. 871

(حَتَّى إِذا حَان القطاف ليانع ... من أرؤس تركت وَلما تؤبر) (عصفت بهَا ريب الْمنون فألقحت ... وتحركت بزعازع من صَرْصَر) (فدعَتْ سراة كماتنا لقطافها ... بأنامل الْقصب الْأَصَم الأسمر) (فتجهزت لحصادها فِي فيلق ... لَو يسبحون بزاخر لم يزخر) (مَلأ تتوق إِلَى الكفاح نُفُوسهم ... توقانها اللقا الرداح المعصر) (يغشون أبطال الْوَطِيس بواسما ... كالليث أَن يلق الفريسة يكثر) (وتخالهم فَوق الْجِيَاد لوابسا ... سداً يموج من الْحَرِير الْأَخْضَر) (فَإِذا هم ازدحموا بجزع وانثنوا ... أورى زناد دروعهم نَارا ترى) (جَيش طلائعه الأوابد إِن تصخ ... لَو جيبه من قيد شهر تنفر) (يقتاده الْملك المشيخ كَأَنَّهُ ... بَين العوالي ضيغم فِي مزأر) (ملك تدرع بالبسالة فاغتنى ... يَوْم الوغى عَن سابغ وسنور) (ملك تتوج بالمهابة فَاكْتفى ... عِنْد الطعان لقرنه ععن مغفر) (ملك تذكرنا مواقع حَده ... فِي الْهَام وقْعَة جده فِي خَيْبَر) (ملك إِذا مَا جال يَوْم كريهة ... لم تلق غير مجدل ومعفر) (ملك يُجهز من جحافل رَأْيه ... قبل الوقيعة جحفلاً لم ينظر) (ملك تُسنم ذرْوَة الْمجد الَّتِي ... من دونهَا المريخ بل وَالْمُشْتَرِي) (ملك نداه الْبَحْر إِلَّا أَنه ... عذب أَهَذا الْبَحْر نهر الْكَوْثَر) (ملك إِذا مَا جاد حدث مُسْندًا ... عَن جوده جود الْغَمَام الممطر) (الْأَشْرَف الشهم الَّذِي خضعت لَهُ ... شم الأنوف وكل حججاج سرى) (الْأَفْضَل السَّنَد الَّذِي أَوْصَافه ... أنست سما الوضاح وَابْن الْمُنْذر) (الأكرم المفضال من إحسانه ... أربى على كسْرَى الْمُلُوك وَقَيْصَر) (ذُو الهمة الْعليا الَّذِي قد نَالَ مَا ... عَنهُ تقصر همة الاسكندر) (شرفاً تَقَاعَسَتْ الْكَوَاكِب دونه ... لَو لم تمد بنوره لم تزهر) (هبها بمنطقة البروج مقرها ... أمنا هز هَذَا بنوة حيدر) (كلا فَكيف بِمن حواها جَامعا ... نسبا سما بابوة المدثر) (أعظم بهَا من نِسْبَة نبوية ... علوِيَّة تنمي لأصل أطهر) (قد شَرقَتْ بَدَأَ بأشرف مُرْسل ... وَنِهَايَة بالسيد الْحسن السّري)

стр. 872

(فَخر الْخَلَائق درة التَّاج الَّذِي ... بسواه هام ذَوي العلى لم يفخر) (بشر وَلَكِن فِي صِفَات ملائك ... جليت لنا أخلاقه فاستبصر) (لم تلقه يومي وغى وعطا سوى ... طلق الْمحيا فِي حلى المستبشر) (يلقى العفاة وَقد تلألأ وَجهه ... بسنا السرُور وَذَاكَ أَنْضَرُ منظر) (يعْفُو عَن الذَّنب الْعَظِيم مجازياً ... جازيه بِالْحُسْنَى كَأَن لم يؤزر) (يَا سيد السادات دُونك مِدْحَة ... نفحت بعرف من ثناك معطر) (قد فصلت بلآلىء الْمَدْح الَّتِي ... يقف ابْن أَوْس دونهَا والبحتري) (وافتك ترفل فِي برود بلاغة ... وبراعة ببرود صنعا تزدري) (صاغت حلاها فكرة قد صانها ... شمم الإباء عَن امتداح مقصر) (مَا شَأْنهَا نظم القريض تكسبا ... لَوْلَا مقامك ذُو العلى لم تشعر) (فوردت منهلها الروى فَلم أجد ... أجداً فنلت صفاء غير مكدر) (فنهلت مِنْهُ وعلني بنميره ... وطفقت وارده وَلما أصدر) (وطفقت فِيهِ غائصا للآلي ... فِي غير نظم مديحكم لم تنثر) (لَا تدعني الْعليا رَضِيع لبانها ... إِن كنت فِي تِلْكَ الْمقَالة مفترى) (خُذْهَا عقيلة كسر خدر فصاحة ... سفرت نقاباً عَن محيا مُسْفِر) (جمعت بلاغة منطق الْإِعْرَاب مَعَ ... حسن الْبَيَان ورقة المستحضر) (لوسامها قس لما سَمِعت بِهِ ... بعكاظ يَوْمًا خطْبَة فِي مِنْبَر) (شرفت على من عارضته بمدح من ... أضحى القريض بِهِ كعقد جوهري) (فاستجلها وافت تهنى بِالَّذِي ... نفحت بشائره بمسك أذفر) (نصر تهز بنوده ريح الصِّبَا ... خَفَقت على هام الأشم الخرمر) (هُوَ نجلك الْمَنْصُور دَامَ مؤيداً ... بك أَيْنَمَا يلق الغريمة يظفر) (لَا زلتما فِي ظلّ مَالك باذخ ... وجنود ملككم مُلُوك الأعصر) (مستمسكين بهدى جدكم الَّذِي ... بِالرُّعْبِ ينصر من مَسَافَة أشهر) (أهْدى الآله صلَاته وَسَلَامه ... لجنابه فِي طي نشر العهر) (ولآله وصحابه وَالتَّابِعِينَ ... لَهُم بِإِحْسَان ليَوْم الْمَحْشَر) (مَا استنشق الْأَبْطَال فِي يَوْم الوغى ... نقع العجاج لَدَى هياج العثير) قلت تبَارك الله على هَذِه الطبيعة المطيعة وَمن مثل هَذِه القصيدة يعرف متانة

стр. 873

الشّعْر وَقُوَّة الطَّبْع على النّظم وَله منشآت كَثِيرَة أغلبها مَجْمُوع فِي سفر وَلأَهل مَكَّة على إنشائه تهافت وَبِالْجُمْلَةِ فَكل آثاره مستحسنة وَذكره السَّيِّد عَليّ فِي السلافة فَقَالَ فِي وَصفه عَلامَة الْقطر الْحِجَازِي ومفتيه وَمولى مَعْرُوف المعارف ومؤتيه وبحر الْعلم الَّذِي لَا يدْرك ساحله وبره الَّذِي لَا تطوى مراحله أشرقت فِي سَمَاء الْفضل ذكاء ذكائه وخرس بِهِ نَاطِق الْجَهْل بعد تصديته ومكائه فَأصْبح وَهُوَ للْعلم وَالْجهل مُثبت وماحق وَسبق إِلَى غايات الْفضل وَمَا للْوَجْه لَاحق حَتَّى طَار صيته فِي الْآفَاق وانعقد على فَضله الْوِفَاق وانتهت إِلَيْهِ رياسة الْعلم بِالْبَلَدِ الْأمين فتصدر وَهُوَ منتجع الوافدين والآمين مِنْهُ تقتبس أنوار أَنْوَاع الْفُنُون وَعنهُ تُؤْخَذ أَحْكَام الْمَفْرُوض والمسنون تشد الرّحال إِلَى لِقَائِه ويستنشق أرج الْفضل من تلقائه وتصانيفه فِي أَقسَام الْعلم صنوف وتآليفه فِي مسامع الدَّهْر أقراط وشنوف أَن نثر فَمَا أزاهر الرياض غب المزن الهاطل أَو نظم فَمَا جَوَاهِر الْعُقُود تحلت بِهِ الغيد العواطل وَهَا أَنا أقص عَلَيْك من خَبره مَا يزدهيك وشى حبره وأتلو عَلَيْك من تَفْصِيل حَاله مَا يروقك خصبه وتأسف على إمحاله ثمَّ أثبت من منظومه بعد منثوره مَا يطرب الأسماع بِحسن مأثوره وَلم يزل ممتطياً صهوة الْعِزّ المكين راقياً ذرْوَة طود الجاه الركين لَا يُقَاس بِهِ قرين وَلَا تطَأ آساد الشرى لَهُ عرين إِلَى أَن تولى الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب مَكَّة المشرفة ورفل فِي حلل ولايتها المفوفة وَكَانَ فِي نَفسه من الشَّيْخ الْمشَار إِلَيْهِ ضغن حل بصميم مهجته وَمَا طعن فَأمر أَولا بِنَهْب دَاره وخفض مَحَله ومقداره ثمَّ قبض عَلَيْهِ قبض الْمُعْتَمد على ابْن عمار وجزاه الدَّهْر على يَدَيْهِ جَزَاء سنمار إِلَّا أَن الْمُعْتَمد أغص ابْن عمار بالحسام الْأَبْيَض وَهَذَا طوقه هلالاً بزغ من أنامل عبد أسود فجرعه كأس الْمَوْت الْأَحْمَر وَكَانَ قد أبقاه فِي حَبسه إِلَى لَيْلَة عَرَفَة ثمَّ خشى أَن يسْعَى فِي خلاصه من أكَابِر الرّوم من عرفه فَوجه إِلَيْهِ بزنجي أشوه خلق الله خلقا وَتقدم إِلَيْهِ بقتْله فِي تِلْكَ اللَّيْلَة خنقاً فامتثل أمره فِيهِ وجلله من برد الْهَلَاك بضافيه فأقفرت لمَوْته الْمدَارِس وأصبحت ربوع الْفضل وَهِي دوارس وَذَلِكَ فِي عَام سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَمن الِاتِّفَاق أَن الشريف الْمَذْكُور قتل هَذِه القتلة بِعَينهَا حِين تقاضت مِنْهُ اللَّيَالِي مَا أسلفت من دينهَا وَفِي الْأَثر كَمَا تدين تدان وَهَذَا حَال الدَّهْر مَعَ كل قاص ودان انْتهى قلت وَقد قدمت خبر مَقْتَله فِي تَرْجَمَة الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب

стр. 874

فِي حرف الْهمزَة فَارْجِع إِلَيْهِ هُنَاكَ وَكَانَت ولادَة المرشدي بِمَكَّة لَيْلَة الْجُمُعَة خَامِس جُمَادَى الأولى سنة خمس وَسبعين وَتِسْعمِائَة ولقب شرف الدّين وَقتل لَيْلَة الْجُمُعَة لأحدى عشرَة خلون من ذِي الْحجَّة سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَألف وَفِي الْمَشْهُور أَن سَبَب قَتله تَوليته ديوَان الْإِنْشَاء فِي ولَايَة الشريف محسن بن الْحُسَيْن بن الْحسن سنة أَربع وَثَلَاثِينَ وَألف فَلَمَّا توفّي الشريف محسن وَولي مَكَانَهُ الشريف أَحْمد بن عبد الْمطلب قبض على المرشدي فِي أَوَاخِر شهر رَمَضَان من سنة سبع وَثَلَاثِينَ وسجنه وَنهب دَاره وَكتبه وَطَلَبه يَوْمًا إِلَى مَجْلِسه وَهُوَ غاص بأَهْله وعاتبه أَشد عتاب فَأَجَابَهُ بِأَحْسَن جَوَاب ثمَّ أَعَادَهُ إِلَى السجْن وَقَالَ للحاضرين وَالله إِنِّي أعلم وأعتقد أَنه من أفضل عُلَمَاء زَمَانه وَأتقى أهل عصره وَاسْتمرّ فِي السجْن إِلَى يَوْم النَّحْر فَأمر بخنقه وَغسل وَصلى عَلَيْهِ وَدفن بالشبيكة بِالْقربِ من ضريح سيدنَا الْمسَاوِي وقبره بهَا مَعْرُوف يزار وَوجدت فِي رِسَالَة بِخَط الْعَالم عبد الرَّحْمَن الْعِمَادِيّ مفتي الشَّام كتب بهَا إِلَى أبي الْعَبَّاس الْمقري يذكر فِيهَا قتلة المرشدي ويعزيه من جُمْلَتهَا وَأما مُصِيبَة من كَانَ وليي وَسمي ومنجدي الشَّهِيد السعيد الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن المرشدي فَإِنَّهَا وَإِن أَصَابَت منا ومنكم الْأَخَوَيْنِ فقد عَمت الْحَرَمَيْنِ بل طمت الثقلَيْن وَلَقَد عد مصابه فِي الْإِسْلَام ثلمة وفقد مِنْهُ فِي حرم الله من كَانَ يدعى للملمة وَلم يبْق بعده من يدعى إِذا يحاس الحيس وَيسْتَحق أَن ينشد فِي حَقه وَإِن لم يقس بِهِ قيس ( ... وَمَا كَانَ قيس هلكه هلك وَاحِد ... ) وَلَكِن بُنيان قوم تهدما وَهَؤُلَاء الْأَرْبَعَة كل مِنْهُم تسمى عبد الرَّحْمَن وهم عبد الرَّحْمَن اليمني بِمصْر وَعبد الرَّحْمَن الخياري بِالْمَدِينَةِ وَعبد الرَّحْمَن المرشدي بِمَكَّة وَقد تقدمُوا ثَلَاثَتهمْ على هَذَا التَّرْتِيب وَعبد الرَّحْمَن الْعِمَادِيّ بِالشَّام وَسَيَأْتِي قَرِيبا إِن شَاءَ الله تَعَالَى أربعتهم عمد الدّين وَقد جمعهم عصر وَاحِد فتشرف بهم وَأَنا أَحْمد الله تَعَالَى على تشرف كتابي بذكرهم عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد الْحميدِي الْمصْرِيّ شيخ أهل الوراقة بِمصْر الأديب الشَّاعِر الْفَائِق ذكره الشهَاب الخفاجي فِي كِتَابيه وَقَالَ فِي وَصفه كَانَ أديباً تفتحت بصبا اللطف أنوار شمائله ورقت على دوح أدبه خطباء بلابله إِذا صدحت بلابل مَعَانِيه وتبرجت حدائق معاليه جلبن الْهوى من حَيْثُ أدرى وَلَا أَدْرِي نظم فِي جيد الدَّهْر جمانه وَسلم إِلَى يَد الشّرف عنانه خاطراً فِي رِدَاء مجد ذِي حواش وبطانه

стр. 875

ناشراً فرائد بَيَان ينثرها اللِّسَان فتودع حقاق الآذان وَله فِي الطِّبّ يَد مسيحية تحيى ميت الْأَمْرَاض وتبدل جَوَاهِر الْجَوَاهِر بالأعراض (مبارك الطلغة ميمونها ... لَكِن على الحفار والغاسل) وديوان شعره شَائِع وذائع إِلَّا أَنِّي استودعته النسْيَان وَلَا بُد أَن ترد الودائع وَلما نظم البديعية مُعَارضا لِابْنِ حجَّة وَشَرحهَا نظرت فِيهَا فِي أَوَان الصِّبَا فَرَأَيْت مِنْهَا مَوَاضِع لَا تَخْلُو من الخطا فنبهته لذَلِك فَأطَال لِسَانه لانحرافه وَزعم أَنه هجاني بِبَعْض أَوْصَافه فَكتبت إِلَيْهِ متهكماً مَا صورته مولَايَ أسرفت فِي الامتنان وأسأت لنا قبل الْإِحْسَان وعاقبت من غير جِنَايَة سَابِقَة وَحرمت من لَيْسَ لَهُ فِيك آمال رائقة فَكَانَت حَالي مَعَك كَمَا قيل إِنَّه هبت ريح شَدِيدَة فصاح النَّاس الْقِيَامَة الْقِيَامَة فَقَالَ بعض المجان مَا هَذِه الْقِيَامَة على الرِّيق أَيْن الدَّجَّال وَالْمهْدِي وأشراطها فِي ذَلِك أَقُول (أسرفت فِي الصد فخف خَالِقًا ... لَا يرتضي أسراف مَخْلُوق) (يَا هاجراً من لم يذقْ وَصله ... جرعته الصَّبْر على الرِّيق) انْتهى وَكَانَت وَفَاة الْحميدِي سَابِع عشر الْمحرم سنة خمس بعد الْألف عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عَليّ أبي الْحسن الْبكْرِيّ الصديقي القاهري أحد أَوْلَاد الْأُسْتَاذ مُحَمَّد الْبكْرِيّ كَانَ من أَرْبَاب الْأَحْوَال لَهُ الْكَشْف الصَّرِيح والإنابة وَكَانَ للنَّاس فِيهِ اعْتِقَاد عَظِيم ذكره النَّجْم الْغَزِّي فِي الذيل وَأثْنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ وَكَانَت وَفَاته بِمَكَّة المشرفة فِي حادي أَو ثَانِي عشرى ذِي الْحجَّة سنة سبع بعد الْألف وصلينا عَلَيْهِ فِي الْحرم الْمَكِّيّ فِي وَجه الْكَعْبَة المنورة قَالَ وَأَخْبرنِي صاحبنا الْعَلامَة ولي الله سَيِّدي مُحَمَّد التكروري أَنه أَشَارَ إِلَيْهِ بِقرب الْأَجَل وَإنَّهُ لَا يخرج من مَكَّة وَمَات بعد أَن كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَة بِالطّوافِ فَشكى من قلبه ثمَّ حمل إِلَى منزلهم عِنْد بَاب إِبْرَاهِيم فَمَاتَ رَحمَه الله تَعَالَى عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عقيل بن أَحْمد بن الشَّيْخ عَليّ الْحَضْرَمِيّ الْمَعْرُوف بالسقاف أحد أَرْكَان الطَّرِيقَة السَّيِّد المفضال كَانَ حسن الصِّفَات عالي الهمة ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن وَغَيره من الْمنون واشتغل بالعلوم وَصَحب أكَابِر العارفين واعتنى بِعلم التصوف والكتب الغزالية وجد فِيهَا حَتَّى طَال بَاعه وَأخذ

стр. 876

عَن الإِمَام الْعَالم السَّيِّد أبي بكر سَالم وَمن مشايخه السَّيِّد مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن وَالْإِمَام السَّيِّد مُحَمَّد بن عقيل وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل وَأذن لَهُ غير وَاحِد فِي التدريس وَلبس الْخِرْقَة من كثيرين وأدنوا لَهُ فِي الالباس والتحكيم وَأخذ عَنهُ جمَاعَة من الْفُضَلَاء وتخرجوا عَلَيْهِ مِنْهُم وَلَده السَّيِّد عقيل وَالشَّيْخ أَبُو بكر الشلي وَالِد الْجمال المؤرخ وَالشَّيْخ عبد الرَّحْمَن السقاف العيدروس وَأخذ عَنهُ السَّيِّد أَبُو بكر بن عَليّ معلم وَهُوَ أَخذ عَنهُ أَيْضا وَكَانَ آيَة فِي الْفَهم عَاملا بِعِلْمِهِ كثيرا السخاء وَكَانَت لَهُ هَيْبَة فِي الْقُلُوب وَكَانَت وِلَادَته فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وتسمائة وَتُوفِّي سنة إِحْدَى عشرَة وَألف وَدفن بجنان بشار عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد المنعوت زين الدّين بن شمس الدّين الْخَطِيب الشربيني الْفَقِيه الشَّافِعِي الْمصْرِيّ الإِمَام الْعُمْدَة ابْن الإِمَام الْعُمْدَة كَانَ من أهل الْعلم والبراعة فِي فنون كَثِيرَة حسن الْأَخْلَاق كثير التَّوَاضُع أَخذ عَن وَالِده وَغَيره وَكَانَ كثيرا مَا يحجّ ويجاور بِمَكَّة وَاجْتمعَ بِهِ النَّجْم الْغَزِّي بِالْمَدِينَةِ فِي أواسط الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ بعد الْألف قَالَ فَسَأَلته كم حججتم فَقَالَ أَرْبعا وَعشْرين مرّة فَقلت لَهُ أَنْتُم يَا مَوْلَانَا معاشر عُلَمَاء مصر يحجّ الْوَاحِد مِنْكُم مَرَّات وَأما أهل الشَّام فَلَا يكَاد الْوَاحِد مِنْهُم يحجّ إِلَّا مرّة فَأنْتم أَرغب فِي الْخَيْر منا فَقَالَ لي يَا مَوْلَانَا الْوَاحِد منا يسْتَأْجر بَعِيرًا بِعشْرَة ذَهَبا وَيحمل تَحْتَهُ القريقشات ويحج وَأَنْتُم إِذا حج أحدكُم يتَكَلَّف كلفة زَائِدَة تَكْفِي عدَّة منا وطريقكم أَشد من طريقنا وَالْأَجْر يكون على قدر النصب وَالنَّفقَة كَمَا فِي الحَدِيث فحجة الْوَاحِد مِنْكُم تعدل حجات الْوَاحِد منا وَهَذَا دَلِيل على إنصافه وَحسن نظره قَالَ وَوصل خبر مَوته إِلَى دمشق فِي أَوَائِل جُمَادَى الْآخِرَة سنة أَربع عشرَة بعد الْألف وَحَجَجْت فِي تِلْكَ السّنة وحررت وَفَاته عَن بعض فضلاء مَكَّة أَنَّهَا كَانَت فِي صفر سنة أَربع عشرَة الْمَذْكُورَة عبد الرَّحْمَن أَبُو الْعِزّ بن مُحَمَّد القصري الفاسي كَانَ إِمَامًا عُمْدَة فِي الْعلم وَالْعَمَل الظَّاهِر وَالْبَاطِن قَرَأَ على أَخِيه أبي المحاسن يُوسُف الفاسي وَعلي الْفَقِيه الْمُفْتِي الْخَطِيب أبي زَكَرِيَّا يحيى بن مُحَمَّد السراج وَالْقَاضِي الْفَقِيه الْخَطِيب بن مُحَمَّد عبد الْوَاحِد بن أَحْمد الْحميدِي وَالْإِمَام المفنن الْأُسْتَاذ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ المنجور وَالْإِمَام الْأُسْتَاذ النَّحْوِيّ أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن قَاسم الْعَزْرَمِي وَالْإِمَام الْمُحَقق النظار أبي عبد الله مُحَمَّد بن قَاسم الْقَيْسِي الْقصار وَالْإِمَام الْمقري المنجور أبي مُحَمَّد الْحسن

стр. 877

ابْن مُحَمَّد الدراوي وَعنهُ خلق لَا يُحصونَ مِنْهُم وَارثه الأول المكمل أَبُو النصائح مُحَمَّد ابْن مُحَمَّد بن عبد الله معن ووارثه الثَّانِي وَابْن ابْن أَخِيه الْعَلامَة عبد الْقَادِر الفاسي وَقد أفرد تَرْجَمته وترجمة شُيُوخه الشَّيْخ عبد الرَّحْمَن بن عبد الْقَادِر الفاسي فِي مُجَلد حافل وَله مؤلفات مِنْهَا حَاشِيَة على البُخَارِيّ وحاشية على شرح الصُّغْرَى للسنوسي وكراماته كَثِيرَة شهيرة وَكَانَ بعض النَّاس فِي عصره يلازم تَنْبِيه الْأَنَام كثيرا فَذكر ذَلِك لَهُ فَقَالَ انْظُرُوا هَل أنتج لَهُ شَيْء من كَثْرَة صلَاته على النَّبِي وَإِلَّا فاعلموا أَن بَاطِنه مشوب فَدلَّ كَلَامه على أَن الطَّاعَات وَلَا سِيمَا الصَّلَاة على الْوَسِيلَة الْعُظْمَى الَّذِي هُوَ أصل كل خير إِذا صادفت محلا طَاهِرا أشرقت فِيهِ أنوارها ولاحت عَلَيْهِ أسرارها وَإِنَّمَا يَدْفَعهَا عدم القابلية كَالثَّوْبِ الكدر لَا يشتعل وَكَانَ نفع الله تَعَالَى بِهِ يَقُول إِنَّمَا يصحب النَّاس الْمَشَايِخ ليعرفوهم أَنهم عبيد الله فيرضوا بِمَا يصدر لَا ليدافعوا مَا يصدر مِنْهُم وَكَانَت وِلَادَته فِي الْمحرم سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَتِسْعمِائَة وَتُوفِّي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء سَابِع عشر شهر ربيع الأول من شهور سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَألف رَحمَه الله تَعَالَى عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن عَليّ بن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله ابْن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن السقاف السَّيِّد الإِمَام الْحَافِظ المجدث الْجَامِع بَين الرِّوَايَة والدراية قَالَ الشلي فِي تَرْجَمته ولد بِمَدِينَة تريم وَحفظ الْقُرْآن وَأخذ الْعُلُوم عَن الكمل من الْعلمَاء وَصَحب الْأَئِمَّة ولازم الشَّيْخ أَبَا بكر بن عبد الرَّحْمَن بن شهَاب وَأخذ عَنهُ التَّفْسِير والْحَدِيث والأصلين والتصوف والعربية واشتهر وتفوق وَكَانَ فِي الْفَهم آيَة باهرة وَفِي الْحِفْظ نِهَايَة وَجلسَ للتدريس فِي الْفُنُون وَكَانَ شَدِيد الانقباض عَن النَّاس حَافِظًا لِلِسَانِهِ وقف نَفسه على الْعُلُوم مَعَ عقل وأدب وخفة روح وَتخرج بِهِ جمَاعَة من الطلاب وَظَهَرت بركاته قَالَ الشلي وَهُوَ من أعظم مشايخي الَّذين أخذت عَنْهُم وانتفعت بهم لازمت حَضرته واغتنمت بركته واقتبست من فَوَائده واستمتعت بفرائده فَقَرَأت عَلَيْهِ الْبِدَايَة والتبيان قِرَاءَة تَحْقِيق وَبَيَان وَسمعت الْأَحْيَاء بِقِرَاءَة غَيْرِي وانتفع بِهِ جَمِيع من الْخَلَائق وصاروا بِهِ من أهل الْحَقَائِق وَكَانَ من سَادَات الصُّوفِيَّة الزهاد ورؤس الْأَوْلِيَاء الْعباد حَرِيصًا على فعل الْخَيْر لَا يَخُوض فِيمَا لَا يعنيه وَكَانَ عَارِفًا بمذاهب الْعلمَاء نير الْقلب صافي السريرة فاق أقرانه وَلم ير الرؤان فِي زَمَانه مثله

стр. 878

وَكَانَ قَلِيل الْكَلَام جدا من غير إعياء وَلَا خلل وَكَانَ لَهُ خطّ حسن مَرْغُوب فِيهِ وَكَانَ أضبط يكْتب بكلتا يَدَيْهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ من الكمل فِي زَمَانه وَكَانَت وَفَاته فِي سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَألف وَدفن بمقبرة زنبل من جنان بشار السَّيِّد عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن شرف الدّين الحجافي اليمني الْعَالم البارع كَانَ عَلامَة يضْرب بِهِ الْمثل فِي الذكاء وَكَانَ يشبه بجده من قبل الْأُمَّهَات السَّيِّد عبد الرَّحْمَن وَكَانَ محققاً فِي الْأُصُول والمنطق واشتغل فِي التَّفْسِير فِي آخر أمره وَله شرح على غَايَة السول للسَّيِّد الْحُسَيْن بن الْقَاسِم أَجَاد فِيهِ كل الإجادة وَكَانَ مُتَوَلِّيًا لأعمال حفاش ثمَّ اسْتَقر بِصَنْعَاء وَكَانَ لَا يطْمع فِي شَيْء من زِينَة الدُّنْيَا وَلَا هم لَهُ بِغَيْر الْعلم توفّي بالحشيشة من مخارف صنعاء فِي نَيف وَخمسين بعد الْألف رَحمَه الله تَعَالَى عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد عماد الدّين بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عماد الدّين الْعِمَادِيّ الحني الدِّمَشْقِي أحد أَفْرَاد الدَّهْر وأعيان الْعلم وأعلام الْفضل وَهُوَ الْمُفْتِي بِالشَّام بعد أَن كَانَ أَبوهُ بهَا حينا مرجع النَّاس للْفَتْوَى حَتَّى استغرق علمه وَاسْتحق مكانته وَكَانَ فِي عصره مِمَّن يباهي بالتردد إِلَيْهِ والاكتساب من معلوماته وحوى من الصِّفَات الْحَسَنَة والأخلاق الرائقة مَا انْفَرد بِهِ دون مُنَازع واختص بِهِ من غير مشارك وَكَانَ كثير الْفضل جم الْفَائِدَة وَله محاضرة تستفز الحلوم وفطنه تسحر الْعُقُول وَألف حَاشِيَة على بعض تَفْسِير الْكَشَّاف بقيت فِي مسوداته وَله المنسك الْمَشْهُور الَّذِي سَمَّاهُ بالمستطاع من الزَّاد وَكتاب الْهَدِيَّة فِي عبادات الْفِقْه وَالرَّوْضَة الريا فِيمَن دفن بداريا وَله رسائل كَثِيرَة فِي سَائِر الْفُنُون ومنشآت وأشعار أَكْثَرهَا لطيف المسلك حسن الْموقع وَنَشَأ فِي مطلع عمره يَتِيما فَإِن وَالِده مَاتَ وَله من الْعُمر سبع سِنِين وَكَانَ كثيرا مَا ينشد فِي ذَلِك كنت ابْن سبع حِين مَاتَ أبي واجتهد فِي التَّحْصِيل أَولا على الْحسن البوريني وعَلى ابْن خَالَته الشَّيْخ مُحَمَّد بن محب الدّين الْحَنَفِيّ ثمَّ لزم جدي القَاضِي محب الدّين وَأخذ عَنهُ مُعظم الْفُنُون وَأخذ عَن الشَّمْس ابْن المنقار والمنلا مُحَمَّد بن عبد الْملك الْبَغْدَادِيّ وبرع البراعة التَّامَّة وتفوق وَحج فِي سنة أَربع عشرَة بعد الْألف وَأخذ بِالْمَدِينَةِ عَن السَّيِّد صبغة الله بن روح الله الْمُقدم ذكره طَرِيق النقشبندية وَكَانَ الْجد القَاضِي الْمَذْكُور فِي تِلْكَ السّنة قَاضِيا بالركب وَجرى للعمادي أَنه لما أَرَادَ الدُّخُول إِلَى الْبَيْت المشرف وَقع فانصدعت رجله من شدَّة الزحام وعالجها فبرأت وَلَكِن بَقِي أثر الانصداع فَكَانَ يعرج شَيْئا مَا

стр. 879

مِنْهَا وَمن المعجب مَا كتبه الْجد فِي شَأْنه هَذَا إِلَى تِلْمِيذه الأديب الذيق الألمعي أبي الطّيب الْغَزِّي الْمُقدم ذكره وَكَانَ أرسل إِلَيْهِ كتابا مَعَ نجاب الشَّام وَكتب إِلَيْهِ فِي حَاشِيَته مَا نَصه وَأما أخوكم الْعَلامَة ولدنَا الْعِمَادِيّ فَإِنَّهُ فِي الصِّحَّة والسلامة وَالنعْمَة والكرامة وَهُوَ يسلم عَلَيْكُم ويعرض وافر شوقه إِلَيْكُم فانتقد أَبُو الطّيب من تَعْبِيره بِلَفْظ الْعَلامَة المستفيض إِطْلَاقه على الزَّمَخْشَرِيّ مَا جنح إِلَيْهِ وَحكم عَلَيْهِ بِقُوَّة حدسه وَبعد مَا رَجَعَ إِلَى دمشق تخلص للإقراء والإفادة وَولي تدريس الْمدرسَة الشبلية فِي سنة سبع عشرَة وَألف ثمَّ ولي بعْدهَا الْمدرسَة السليمية فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَلما ورد دمشق الْمولى أسعد بن سعد الدّين قَاصِدا الْحَج راجت لَدَيْهِ فضائله وَظَهَرت لَهُ مزيته فَأقبل عَلَيْهِ بكليته وَلما عَاد إِلَى الرّوم وَولي الْإِفْتَاء صيره ملازماً على قاعدتهم وَكَانَ قبل ذَلِك بِمدَّة أَخذ عَنهُ الْمولى أَحْمد بن زين الدّين المنطقي الْمُقدم ذكره الْمدرسَة السليمية فَصنعَ الْعِمَادِيّ قصيدة فِي مدح الْمولى أسعد الْمَذْكُور يتطلب فِيهَا إِعَادَة الْمدرسَة إِلَيْهِ ويتظلم من الدَّهْر ومطلعها (بك أسعد الرّوم ابْن سعد الدّين ... يسمو عماد الْعلم ثمَّ الدّين) وَمن جُمْلَتهَا وَهُوَ مَحل الْغَرَض (لَك أشتكي مولَايَ أفظع وصمة ... كَادَت لشدَّة قهرها تصميني) (يَا ضَيْعَة الإعمار فِي طلب العلى ... بِالْعلمِ وَالنّسب الَّذِي بالشين) (أَمن الْمُرُوءَة وَهِي أسمى رُتْبَة ... أَنى أعادل بِابْن زين الدّين) (لَا بل يرجح ثمَّ يغصب منصبي ... وأعود مِنْهُ بصفقة المغبون) (لَو كنت مَعَ كفو قرنت لهان لي ... لكنه بئس القرين قريني) (أَو كَانَ ثمَّ تعادل لهضمته ... فَانْظُر إِلَى دهري بِمن يبلوني) فقرر عَلَيْهِ الْمدرسَة وَله فِيهِ قصيدة بديعة يشْكر صَنِيعه فِيهَا مطْلعهَا (إِلَّا هَكَذَا فليسعد العَبْد سيد ... فَلَا زلت فِي سعد ومولاي أسعد) وَهِي طَوِيلَة ثمَّ ولي بعد ذَلِك الْمدرسَة السليمانية والإفتاء بِالشَّام فِي سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَألف وَتوجه إِلَى الْحَج وَهُوَ مفت فِي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَكبر صيته بعد ذَلِك واشتهر وَسلم لَهُ عُلَمَاء عصره وَمِمَّا يرْوى أَنه رفع مِنْهُ لشيخ الْإِسْلَام يحيى بن زَكَرِيَّا فَتْوَى وَعَلَيْهَا جَوَابه فَكتب ابْن زَكَرِيَّا عَلَيْهَا إِلَى جَانِبه الْجَواب كَمَا بِهِ أخونا الْعَلامَة أجَاب وَهَذِه غَايَة فِي المدحة وعلو الرُّتْبَة وَقد مدحه أَكثر الشُّعَرَاء عصره من الأدباء

стр. 880

بالقصائد السائرة وخلدوا مدائحه فِي صفحات آثَارهم وَبِالْجُمْلَةِ فأخباره وفضائله مَلَأت كل محفل ووقفت لَهُ على تحريرات أدبية كَثِيرَة وَمن ألطفها جَوَابه عَن سُؤال رَفعه إِلَيْهِ بعض الأدباء فِي الأغاليط الَّتِي ذكرهَا صَاحب الْقَامُوس عِنْدَمَا ذكر الْبَيْتَيْنِ الْمَشْهُورين وهما (لَا در در إناس خَابَ سَعْيهمْ ... يستمطرون لَدَى الْأَزْمَان بالعشر) (أجاعل أَنْت بيقورا مسلعة ... ذَرِيعَة لَك بَين الله والمطر) فَإِنَّهُ قَالَ فِي الْبَيْت الثَّانِي تِسْعَة أغلاط فَأجَاب بِمَا نَصه أَقُول قد لَاحَ لي فِي هَذِه الْأَلْفَاظ تِسْعَة وُجُوه خطرت بالبال وَالله أعلم بِحَقِيقَة الْحَال الأول ادخال الْهمزَة على غير مَحل الْإِنْكَار وَهُوَ جَاعل وَالْوَاجِب إدخالها على السّلْعَة لِأَنَّهَا مَحل الْإِنْكَار الثَّانِي تَقْدِيم الْمسند الَّذِي هُوَ خلاف الأَصْل فَلَا يرتكب إِلَّا لسَبَب فَكَانَ الْوَاجِب تَقْدِيم المسلعة وَإِدْخَال الْهمزَة عَلَيْهَا بِأَن يُقَال أمسلعة أَنْت تجْعَل ذَرِيعَة الثَّالِث أَن تَرْتِيب هَذَا الْبَيْت على مَا قبله يَقْتَضِي أَنه قصد الِالْتِفَات من الْغَيْبَة إِلَى الْخطاب قطعا وَأَنه بعد أَن حكى عَنْهُم حالتهم الشنيعة الْتفت إِلَى خطابهم بالإنكار ومواجهتهم بالتوبيخ حَتَّى كَأَنَّهُمْ حاضرون يَسْتَمِعُون وَحِينَئِذٍ فَفِيهِ أَنه أَخطَأ فِي إِيرَاد أحد اللَّفْظَيْنِ بِالْجمعِ وَالْآخر بِالْإِفْرَادِ وَلَا شكّ أَن شَرط الِالْتِفَات الِاتِّحَاد الرَّابِع أَن الجاعلين هم الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة الَّذين حكى عَنْهُم فِي الْبَيْت الأول فَلَا وَجه لتخصيص الْوَاحِد مِنْهُم بالإنكار عَلَيْهِ دون الْبَقِيَّة لَا يُقَال هَذَا الْوَجْه دَاخل فِي الَّذِي قبله لأَنا نقُول هَذَا وَارِد بِقطع النّظر عَن كَون الْكَلَام التفاتاً أَو غير الْتِفَات من حَيْثُ أَنه نسب أمرا إِلَى جمَاعَة ثمَّ خصص وَاحِدًا بالإنكار من غير الْتِفَات إِلَى الِالْتِفَات أصلا الْخَامِس تنكير الْمسند إِذْ لَا وَجه لَهُ مَعَ تقدّم الْعَهْد حَيْثُ علم أَن مُرَاده بالجاعل هم الأناس المذكورون فِي الْبَيْت الأول فَكيف يُنكر الْمَعْهُود فَكَانَ حق الْكَلَام أَن يُقَال أمسلعة أَنْتُم الجاعلون السَّادِس البيقور اسْم جمع كَمَا فِي الْقَامُوس وَاسم الْجمع وَإِن كَانَ يذكر وَيُؤَنث لَكِن قَالَ الرضي فِي بحث الْعدَد مَا محصله أَن اسْم الْجمع وَإِن كَانَ مُخْتَصًّا بِجمع الْمُذكر كالرهط والنفر وَالْقَوْم فَإِنَّهَا بِمَعْنى الرِّجَال فيعطي حكم الْمُذكر فِي التَّذْكِير فَيُقَال تِسْعَة رَهْط وَلَا يُقَال تسع رَهْط كَمَا تَقول تِسْعَة رجال وَلَا تَقول تسع رجال وَإِن كَانَ مُخْتَصًّا بالمؤنث فَيعْطى حكم جمع الْإِنَاث نَحْو ثَلَاث من الْمَخَاض لِأَنَّهَا بِمَعْنى حوامل النوق وَإِن احتملها كالخيل
следующие страницы →