Полный текст (57 стр.). Показаны 36–57 · переход к 41.
стр. 36
أحدهما: لا يفطر. وهو قول عطاء (١) ، والثوري (٢) ، والليث (٣) ، وأبي حنيفة (٤) ، وأحمد (٥) ، وإسحاق (٦) . وروي مثله عن عمر بن الخطاب ﵁ (٧) . الحواشي
(١) روى عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الصيام باب كم يجوز من الشهود على رؤية الهلال ٤ / ١٦٧، رقم(٧٣٤٣) عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرأيت لو أن رجلا رأى هلال رمضان قبل الناس بليلة أيصوم قبلهم ويفطر قبلهم؟ قال: لا، إلا إن رآه الناس، أخشى أن يكون شبه عليه حتى يكونا اثنين. قال: قلت: لا، إلا رآه وسايره ساعة، قال: ولو، حتى يكونا اثنين. وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيحين.(٢) التمهيد ١٤ / ٣٣٥.(٣) التمهيد ١٤ / ٣٥٥، تفسير القرطبي ٢ / ٢٩٤، المغني ٤ / ٤٢٠، الشرح الكبير لابن قدامة ٢ / ٨.(٤) تبيين الحقائق ١ / ٣١٨، فتح القدير ٢ / ٣٢٥، البحر الرائق ٢ / ٢٨٦.(٥) روى هذا القول عنه ابن هانئ في مسائله ١/ ١٢٩، وروي عنه رواية أخرى وهي أنه يفطر. انظر مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٥ / ١١٤، والفروع ٣ / ١٩، ٢٠.(٦) تفسير القرطبي ٢ / ٢٩٤.(٧) روى عبد الرزاق في مصنفه في كتاب الصيام باب أصبح الناس صياما وقد رئي الهلال ٤ / ١٦٥، رقم(٧٣٣٨) عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة أن رجلين رأيا الهلال وهما في سفر فتعجلا حتى قدما المدينة ضحى، فأخبرا عمر بن الخطاب بذلك، فقال عمر لأحدهما: أصائم أنت؟ قال: نعم. قال: لم؟ قال: لأني كرهت أن يكون الناس صياما وأنا مفطر، فكرهت الخلاف عليهم، فقال: للآخر: فأنت؟ قال: أصبحت مفطرا، قال: لم؟ قال: لأني رأيت الهلال فكرهت أن أصوم. فقال للذي أفطر: لولا هذا- يعني الذي صام- لرددنا شهادتك ولأوجعنا رأسك. ثم أمر الناس فأفطروا، وخرج. ورجاله ثقات، لكنه مرسل، أبو قلابة لم يدرك زمن عمر بن الخطاب ﵁. انظر المراسيل لابن أبي حاتم ص ١٠٩، ١١٠.
ورواه سعيد- كما في المغني ٤ / ٤٢٠، ٤٢١- عن ابن علية عن أيوب عن أبي رجاء عن أبي قلابة.
وروى ابن أبي شيبة في كتاب الصيام: ما قالوا في اليوم الذي يشك فيه بصيام ٣ / ٧٣ عن يزيد بن هارون عن عاصم عن أبي عثمان قال: قال عمر: ليتق أحدكم أن يصوم يوما من شعبان أو يفطر يوما من رمضان، قال: وأن يتقدم قبل الناس، ''فليفطر إذا أفطر الناس. وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيحين.
ويحتمل أن يكون قوله: '' فليفطر إذا أفطر الناس '' نهيا لمن صام رمضان أن يفطر يوم الثلاثين قبل الناس، ويحتمل أن يكون نهيا عن صيام يوم الشك في أول شهر رمضان، وقد يكون أراد النهي عن الأمرين كلاهما. وستأتي أدلة هذا القول ص (٣٢، ٣٣) .стр. 37
والثاني: يفطر. وهو قول الحسن بن صالح (١) والشافعي (٢) ، الحواشي
(١) التمهيد ١٤ / ٣٥٥.(٢) قال الإمام الشافعي في الأم في صلاة العيدين ١ / ٢٣٠: ''ولو شهد شاهدان أو أكثر فلم يعرفوا بعدل أو جرحوا فلهم أن يفطروا، وأحب لهم أن يصلوا صلاة العيد لأنفسهم جماعة وفرادى مستترين، ونهيتهم أن يصلوها ظاهرين، وإنما أمرتهم أن يصلوها مستترين ونهيتهم أن يصلوها ظاهرين لئلا ينكر عليهم ويطمع أهل الفرقة في فراق عوام المسلمين '' ثم قال بعده: ''وهكذا لو شهد واحد فلم يعدل لم يسعه إلا الفطر ويخفي فطره، لئلا يسيء أحد الظن به، ويصلي العيد لنفسه، ثم يشهد بعد إن شاء العيد مع الجماعة، فيكون نافلة خيرا له ''.стр. 38
وأبي ثور (١) ، وطائفة من أصحابنا (٢) . وروي عن مالك كلا (٣) القولين (٤) .
قالت طائفة من أصحابنا (٥) : هذه المسألة تبنى على هذا الأصل. وهو الصحيح من المذهب.
فعلى قول من يقول: لا يفطر المنفرد برؤية هلال شوال، بل يصوم ولا يفطر إلا مع الناس. فإنه يقول: يستحب صيام يوم عرفة للشاهد الذي لم تقبل شهادته بهلال ذي الحجة، لأن هذا هو (٦) يوم عرفة في حق الحواشي
(١) قوله: '' وأبي ثور '' غير موجود في '' م '' و'' ق '' وقد حكى هذا القول عن أبي ثور ابن رشد في بداية المجتهد ١ / ٢٨٥.(٢) منهم أبو بكر وابن عقيل. انظر الفروع ٣ / ١٩، والمبدع ٣ / ١٠، والإنصاف ٣ / ٢٧٨، والإقناع (مطبوع مع شرحه كشاف القناع ٢ / ٣٠٦) .(٣) في '' ع '': ''كالقولين '' ووضع عليه علامة نسخة، وفي هامشها: '' كلا القولين '' ووضع عليه علامة نسخة أخرى.(٤) قال الإمام مالك في الموطأ ١ / ٢٨٧: ''ومن رأى هلال شوال وحده فإنه لا يفطر، لأن الناس يتهمون على أن يفطر منهم من ليس مأمونا، ويقول أولئك إذا ظهر عليهم: قد رأينا الهلال ''، وروي عنه أنه إن أفطر فعليه الكفارة مع القضاء. انظر التمهيد ١٤ / ٣٥٦، وبداية المجتهد ١ / ٢٨٥، ٢٨٦، وانظر مواهب الجليل ٢ / ٢٩٠.(٥) منهم شيخ الإسلام ابن تيمية وسنذكر كلامه في ذلك قريبا إن شاء الله.(٦) الضمير '' هو'' غير موجود في ''ع ''.стр. 39
الناس، وهو منهم. ومن قال في الشاهد (١) بهلال شوال يفطر سرا (٢) . قال ههنا: إنه يفطر ولا يصوم، لأنه يوم عيد في حقه. قال: وليس له التضحية قبل
الناس في هذا اليوم، كما أنه لا ينفرد بالوقوف بعرفة دون الناس بهذه الرؤية، لأن الذين أمروا بالفطر في آخر رمضان إنما أمروا به سرا ولم يجيزوا له إظهاره. والانفراد بالذبح والوقوف فيه من مخالفة الجماعة ما في إظهار الفطر. وهذا ما ذكره الشيخ تقي الدين أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى (٣) ، الحواشي
(١) في '' ع '' '' بالشاهد ''، وعليه علامة نسخة. وفي هامشها: '' في الشاهد '' ووضع عليه علامة نسخة أخرى.(٢) وهم جميع من قال بوجوب فطره أو جوازه، فقد حكى المجد ابن تيمية وحفيده شيخ الإسلام ابن تيمية الإجماع على أنه لا يجوز إظهار الفطر. انظر مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٥/ ٢٠٤، والفروع ٢ / ٢٠، والإنصاف ٣ / ٢٧٨.(٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في مجموع الفتاوى ٢٥ / ٢٠٤- ٢٠٦ بعد كلامه الذي سبق نقله ص(١٤) تعليق(١١) ما نصه: ''وإنما الذي يشتبه في هذا الباب مسألتان:
إحداهما: لو رأى هلال شوال وحده أو أخبره به جماعة يعلم صدقهم: هل يفطر؟ أم لا؟.
والثانية: لو رأى هلال ذي الحجة أو أخبره جماعة يعلم صدقهم، هل يكون في حقه يوم عرفة، ويوم النحر هو التاسع والعاشر بحسب هذه الرؤية التي لم تشتهر عند الناس؟ أو هو التاسع والعاشر الذي اشتهر عند الناس؟.
فأما المسألة الأولى: فالمنفرد برؤية هلال شوال لا يفطر علانية باتفاق العلماء، إلا أن يكون له عذر يبيح الفطر كمرض وسفر، وهل يفطر سرا على قولين للعلماء، أصحهما لا يفطر سرا.. والسبب في ذلك أن الفطر يوم يفطر الناس، وهو يوم العيد، والذي صامه المنفرد برؤية الهلال ليس هو يوم العيد الذي نهى النبي ﷺ عن صومه، فإنه نهى عن صوم يوم الفطر ويوم النحر، وقال: '' أما أحدهما فيوم فطركم من صومكم، وأما الآخر فيوم تأكلون فيه من نسككم '' فالذي نهي عن صومه هو اليوم الذي يفطره المسلمون، وينسك فيه المسلمون.
وأما صوم يوم التاسع في حق من رأى الهلال، أو أخبره ثقتان أنهما رأيا الهلال، وهو العاشر بحسب ذلك، ولم يثبت ذلك عند العامة، وهو العاشر بحسب الرؤية الخفية، فهذا يخرج على ما تقدم. فمن أمره بالصوم يوم الثلاثين الذي هو بحسب الرؤية الخفية من شوال، ولم يأمره بالفطر سرا، سوغ له صوم هذه اليوم، واستحبه؛ لأن هذا هو يوم عرفه، كما أن ذلك من رمضان، وهذا هو الصحيح الذي دلت عليه السنة والاعتبار.
ومن أمره بالفطر سرا لرؤيته نهاه عن صوم هذا اليوم عند هذا القائل، كهلال شوال الذي انفرد برؤيته ''. ا. هـ.стр. 40
مع أنه قد روى عن سالم بن عبد الله بن عمر (١) وخرجه عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن عمر بن محمد قال: شهد نفر أنهم رأوا هلال ذي الحجة فذهب بهم سالم إلى الحواشي
(١) هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، من سادات التابعين، وأحد فقهاء المدينة السبعة. وكانت وفاته سنة ١٠٦ هـ. انظر ترجمته في الطبقات الكبرى ٥ / ١٩٥- ٢٠١، حلية الأولياء ٢ / ١٩٣- ١٩٨.стр. 41
والي الحاج (١) هو ابن هشام، فأبى أن يجيز شهادتهم، فوقف سالم بعرفة لوقت شهادتهم، فلما كان اليوم الثاني وقف مع (٢) الناس (٣) .
لكن الذبح ليس هو مثل الوقوف، لأنه لا ضرورة في تقديمه لامتداد وقته بخلاف الوقوف.
وقد يقال: إن صيام هذا اليوم في حق الشاهد، أو من أخبره به ينبني على اختلاف المآخذ في الأمر (٤) لمن الحواشي
(١) في '' ع '': '' الحج '' ووضع عليه علامة نسخة، وفي هامشها: '' الحجاج '' ووضع عليه علامة نسخة أخرى.(٢) سقطت: ''مع ''من ''م ''.(٣) إسناده إلى سالم بن عبد الله ﵀ صحيح، رجاله رجال الصحيحين، وعمر بن محمد هو عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. انظر تهذيب الكمال لوحة(١٠٢٣) .
وقد وافق سالما ﵀ في هذه المسألة شمس الدين بن مفلح ﵀، حيث قال في الفروع ٣ / ٥٣٥: '' ويتوجه وقوف مرتين إن وقف بعضهم لا سيما من رآه '' وانظر المبدع ٣ / ٢٦٩، ٧٠. وذكر في المجموع ٨ / ٢٩٢ أن مذهب الشافعية: أن من رأى هلال ذي الحجة فلم تقبل شهادته يلزمه الوقوف يوم التاسع عنده، سواء كان واحدا أو جماعة. وأنه إن وقف اليوم العاشر فقط مع الجماعة لم يصح وقوفه عند جميع الشافعية.(٤) قوله: '' في الأمر'' غير موجود في ''م '' و''ق ''.стр. 42
انفرد برؤية هلال الفطر بالصيام مع الناس (١) .
وفي ذلك مآخذ:
أحدهما: الخوف من التهمة بالفطر.
والثاني: خوف الاختلاف وتشتت الكلمة، وأن يجعل لكل إنسان مرتبة الحاكم، وقواعد الشرع تأبى ذلك. وهو الذي ذكره الشيخ مجد الدين ابن تيمية (٢) وغيره.
والثالث (٣) : أنه لم يكمل نصاب الشهادة برؤيته وحده. وهذا مأخذ الشيخ موفق الدين بن قدامة الحواشي
(١) أي أن صيام يوم عرفة في حق من رأى الهلال وردت شهادته، أو من أخبره برؤيته من يثق به ممن ردت شهادته يتوقف حكمه على انطباق كل أو بعض التعليلات التي علل بها من أمر من انفرد برؤية هلال شوال بالصوم على هذه المسألة، أو عدم انطباقها عليها.(٢) هو الإمام المحدث الفقيه أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن تيمية، الحنبلي، الحراني، جد شيخ الإسلام ابن تيمية، له مؤلفات كثيرة منها المنتقى في الحديث، والمسودة في أصول الفقه والمحرر في الفقه. توفي سنة ٦٥٢ هـ. انظر ترجمته في ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ٢ / ٢٤٩- ٢٥٤، سير أعلام النبلاء ٢٣ / ٢٩١ - ٢٩٣.
والتعليل الذي أشار إليه المؤلف ذكره المجد في شرحه للهداية، وهو غير مطوع. انظر الفروع ٣ / ٢٠، الإنصاف ٣ / ٢٧٩. وقد سبق المجد إلى هذا التعليل الإمام الشعبي كما سيأتي ص(٣٥) تعليق(٢) .(٣) في '' ع '': '' الثالث ''.стр. 43
المقدسي (١) من أصحابنا (٢) .
الرابع: ما ذكره الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀: أن الشهر: ما اشتهر وظهر، والهلال: ما استهل به وأعلن دون ما (٣) كان في السماء من غير رؤية ولا اشتهار، فإن اسم الشهر والهلال لا يصدق بدون اشتهار رؤيته، وترتيب الفطر والنسك عليه، فما (٤) لم يكن كذلك فليس بهلال ولا شهر (٥) . الحواشي
(١) هو الإمام موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى، الحنبلي، صاحب المؤلفات الشهيرة في الفقه، وهي المغنى والكافي والمقنع والعمدة. وكانت وفاته سنة ٦٢٠ هـ. انظر ترجمته في التقييد لابن نقطة ٢ / ٧٨، ذيل طبقات الحنابلة لابن رحب ٢ / ١٣٣- ١٤٩. والتعليم الذي أشار إليه المؤلف ذكره الموفق في المغني ٤ / ٤٢١.(٢) قوله: '' من أصحابنا '' غير موجود في '' م '' و'' ق ''.(٣) '' ما '' غير موجودة في: ''م ''.(٤) في ''م ''و''ع '': ''فلما''.(٥) سبق نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الذي أشار إليه المؤلف كله(١٤) تعليق(١١) .
والصحيح في هذه المسألة أنه يلزم من رأى هلال شوال وحده ولم تقبل شهادته أو قبلت ولم يشهد معه من يكمل نصاب الشهادة أنه يجب عليه أن يصوم مع الناس لم ذكر من التعليلات، ولحديث '' صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون..'' وهو حديث صحيح كما سبق ص (٢٢، ٢٦) ، فهو صريح في أنه لا يكون فطر إلا إذا أفطر الجماعة، هذا إذا كان في بلد يثبت فيه دخول الشهر بموجب الرؤية، كما هو الحال في هذه البلاد ولله الحمد، أما إن كان في بلاد يعمل فيها بالحساب أو ردت شهادته من أجل مخالفتها للحساب فيجب عليه الفطر حينئذ. والله أعلم.стр. 44
فأما على المأخذ الأول فلا يظهر الأمر للشاهد هنا بالصوم، لأن الفطر يوم عرفة لا يخشى منه تهمة كما في رمضان.
وأما على المأخذ الثاني، وهو الاختلاف على الإمام، وتشتيت (١) الكلمة، فيتوجه الأمر بصيام هذا اليوم مع الناس، لأن فطره يؤدي إلى أن يفطر أكثر الناس يوم عرفة مع اعتيادهم لصيامه في سائر الأعوام. وهذا فيه تفريق للكلمة (٢) ، وافتيات على الإمام.
وأما على المأخذ الثالث، فيقال: إن كان هناك شاهدان فصاعدا. فقد كمل نصاب الشهادة فيعملان هما ومن يثق بقولهما بشهادتهما. وكذا قال الشيخ موفق الدين - رحمه الله تعالى- في الشاهدين بهلال الفطر إذا ردت شهادتهما أنهما يفطران هما ومن يثق بقولهما (٣) . وخالفه في
ذلك الشيخ مجد الدين، وقال: وقياس المذاهب الحواشي
(١) في ''ق '': ''وتشتت ''.(٢) في ''ع ''و''م '': ''الكلمة''.(٣) انظر المعني ٤ / ٤٢١.стр. 45
خلاف ذلك (١) ، بناء على المأخذ الأول والثاني.
وأما على المأخذ الرابع: فيتوجه ما ذكره الشيخ تقي الدين وهو ظاهر المروي عن عائشة (٢)
وغيرها من السلف (٣) . وعليه تدل الأحاديث السابقة: أن الأضحى يوم يضحي الناس، والفطر يوم يفطرون، وعرفة يوم يعرفون.
والمنقول عن الصحابة كابن عمر (٤) وعن كثير من الحواشي
(١) انظر المبدع ٣ / ٢٠، والإنصاف ٣ / ٢٧٩.
والصحيح في هذه المسألة، أنه لا يجوز لهما الفطر، ولا يجوز الفطر أيضا لمن وثق بقولهما، لحديث '' صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون.. '' وهو حديث صحيح كما سبق ص (٢٣، ٢٦) وانظر ما سبق ص(٣٣) تعليق(٧) .(٢) سبق تخريج ما روي عن عائشة ﵂ في ذلك ص (١٩- ٢٢) .(٣) سبق تخريج قول عمر ﵁: '' ليتق أحدكم أن يصوم يوما من شعبان أو يفطر يوما من رمضان، وأن يفطر قبل الناس، فليفطر إذا أفطر الناس ''، وما روي من إنكاره على الرجل الذي أفطر لما رأى الهلال هو وصاحبه. ص(٢٨) تعليق(٩) .
وروى ابن أبي شيبة في كتاب الصوم: في الهلال يرى وبعض الناس قد أكل ٣ / ٦٩ عن إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر أن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنكر على محمد بن سويد الفهري لما أفطر أو ضحى قبل الناس بيوم. وإسناده حسن، من أجل إسماعيل بن عياش، فإنه صدوق فيما روى عن الشاميين، ضعيف فيما رواه عن غيرهم، وعمرو بن مهاجر من أهل الشام. انظر تهذيب التهذيب ١ / ٣٢٢- ٣٢٦، التقريب ص ١٠٩.(٤) روى حنبل في مسائلة- كما في زاد المعاد ٢ / ٤٩- عن الإمام أحمد: حدثنا عبيدة بن حميد قال: أخبرنا عبد العزيز بن حكيم قال: سألوا ابن عمر، قالوا: نسبق قبل رمضان حتى لا يفوتنا منه شيء؟ فقال: ''أف، أف، صوموا مع الجماعة''. وإسناده حسن إن شاء الله، عبيدة بن حميد صدوق ربما أخطأ، كما في التقريب ص ٣٧٩، وعبد العزيز بن حكيم فيه كلام يسير لا ينزل حديثه عن درجة الحسن. انظر لسان الميزان ٤ / ٢٩. وقد صححه شعيب الأرناؤوط وعبد القادر الأرناؤوط في تعليقهما على زاد المعاد ٢ /٤٨، وقد سبق ذكر شاهد لهذا الأثر ص(١٦) تعليق(١) .стр. 46
التابعين، كالشعبي (١) ، والنخعي (٢) ،
والحسن (٣) ، وابن الحواشي
(١) روى ابن أبي شيبة في الصيام: ما قالوا في اليوم الذي يشك فيه يصام؟ ٣ / ٧١، عن أبي الأحوص عن مغيرة عن إبراهيم والشعبي أنهما قالا: ''لا تصم إلا مع جماعة الناس ''. وإسناده ضعيف، مغيرة- وهو ابن مقسم- ثقة متقن إلا أنه كان يدلس، لا سيما عن إبراهيم كما في التقريب ص٥٤٣ وقد روى هذا الأثر معنعنا.
وروى ابن أبي شيبة أيضا في الموضع السابق عن وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: ما من يوم أصومه أبغض إلي من يوم يختلف الناس فيه. وإسناده صحيح، رجاله رجال الصحيحين.
وروى ابن أبي شيبة أيضا في الموضع السابق ٣ / ٧٢ عن ابن فضيل عن مطرف عن عامر في اليوم الذي يقول الناس فيه إنه من رمضان فقال: لا تصومن إلا مع الإمام، فإنما كانت أول الفرقة في مثل هذا. وإسناده حسن، ورجاله ثقات، عدا ابن فضيل- وهو محمد بن فضيل الضبي- فهو صدوق عارف ورمي بالتشيع، كما في التقريب ص ٥٢.(٢) انظر التعليق السابق.
وروى ابن أبي شيبة في الموضع السابق عن وكيع عن العيزار قال: أتيت إبراهيم في اليوم الذي يشك فيه، فقال: لعلك صائم، لا تصم إلا مع الجماعة. وإسناده صحيح.(٣) روى ابن أبي شيبة في كتاب الصيام: من كان يقول لا يجوز إلا بشهادة رجلين ٣ / ٦٨، ٦٩ عن أبي أسامة عن هشام عن الحسن أنه كان يقول في الرجل يرى الهلال وحده قبل الناس، قال: لا يصوم إلا مع الناس، ولا يفطر إلا مع الناس. ورجاله ثقات، لكن في رواية هشام- وهو ابن حسن الأزدي- عن الحسن ضعف، لأنه قيل: كان يرسل عنه. انظر التقريب ص ٧٥٢.стр. 47
سيرين (١) وغيرهم: يقتضي أن لا ينفرد عن الجماعة بصيام ولا فطر.
وأحمد يرى أنه لا ينفرد عن الجماعة بالفطر كمن رأى هلال شوال وحده (٢) .
وأما الانفراد عن الجماعة بالصيام فعنه فيه روايتان (٣) ، مثل (٤) صيام يوم الغيم إذا لم يصمه الإمام والجماعة معه (٥) ، الحواشي
(١) روى عبد الرزاق في كتاب الصيام باب فصل ما بين رمضان وشعبان ٤ / ١٦٢، رقم(٣٢٢٩) عن جعفر بن سليمان: أخبرني أسماء بن عبيد قال: أتينا محمد بن سيرين في اليوم الذي يشك فيه، فقلنا: كيف نصنع؟ فقال لغلامه: اذهب فانظر أصام الأمير أم لا؟ - قال: والأمير يومئذ عدي بن أرطأة- فرجع إليه فقال: وجدته مفطرا، قال: فدعا محمد بغدائه فتغدى، فتغدينا معه. وإسناده حسن، من أجل جعفر بن سليمان- وهو الضبعي- فهو صدوق كما في التقريب ص ١٤٠ وهو من رجال مسلم.(٢) سبق ذكر من روى هذا القول عن أحمد، وأنه روي عنه رواية أخرى، وهي أنه لا يفطر إلا مع الناس. انظر ص(٢٨) تعليق(٧) .(٣) في '' ع '' '' ففيه روايتان ''، وفي '' م '': '' ففيه عنه روايتان ''.(٤) في ''ق '': ''ومثل ''.(٥) رواية أنه يصوم، ورواية يحرم عليه الصوم، وله في المسألة رواية ثالثة، وهي أن الناس تبع للإمام إن صام صاموا وإن أفطر أفطروا. انظر مسائل عبد الله ص ١٨١، ومسائل صالح ٣ / ٢٠٢، ومسائل أبي داود ص ٨٨، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢٥ / ١٢٢- ١٢٥، والمغني ٤ / ٣٣٠، وزاد المعاد ٢ / ٤٢، وشرح الزركشي ٢ / ٥٥٣- ٥٦١. وقد سبق ذكر القول الصحيح في هذه المسألة ص(١٧) تعليق(١) .стр. 48
ومثل (١) من رأى هلال (٢) رمضان وحده وردت شهادته، فإن في وجوب صيامه على الرائي عن أحمد روايتين (٣) ، والمنصوص عنه في رواية حنبل أنه لا يصوم (٤) ، وهو قول طائفة من السلف، كعطاء (٥) ، والحسن (٦) ، وابن سيرين (٧) ، ومذهب إسحاق (٨) . الحواشي
(١) في ''ق '': ''ومثله ''.(٢) في ''ع '': '' ومثل صيام من رأى هلال ''، وفي هامشها: '' من رأى صيام هلال ''، وعليها علامة نسخة.(٣) إحداها: أنه يلزمه الصوم، والرواية الثانية، وهي رواية حنبل: أنه لا يلزمه الصوم. انظر مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٥ / ٦٢٤، الفروع ٣ / ١٨، الإنصاف ٣ / ٢٧٧، وحكى بعضهم أن رواية حنبل: لا يصوم إلا في جماعة الناس. انظر المغني ٤ / ٤١٦، وشرح الزركشي ٢ / ٦٢٤، ٦٢٥.(٤) انظر التعليق السابق رقم () .(٥) سبق تخريج قوله ص () تعليق () .(٦) سبق تخريج قوله ص () تعليق () .(٧) سبق تخريج قوله ص () تعليق () .(٨) انظر طرح التثريب ٤ / ١١٧.
وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يجب عليه أن يصوم هذا اليوم، وهو رواية عن أحمد كما سبق، واستدلوا بقوله ﷺ : '' صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته '' وقد سبق تخريجه ص(١٧) .
والصحيح في هذه المسألة هو القول الأول الذي مال إليه المؤلف، وهو أنه يحرم عليه الصوم، ولا يصوم إلا مع جماعة المسلمين، لحديث: '' صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون.. '' وهو حديث صحيح كما سبق ص (٢٣، ٢٦) ، فهو صريح في أن يوم الصوم هو يوم تصوم الجماعة، ولأنه يوم محكوم به من شعبان، وقد ورد النهي عن صيام آخر يوم من شعبان في حديث ابن عباس عن النسائي ٤ / ١٥٤ بإسناده حسن. لكن إذا رآه شخص في مكان ليس فيه غيره أو في مكان لا يعمل فيه بموجب الرؤية فإنه يصوم. والله أعلم. وانظر في هذه المسألة التمهيد، ١٤ / ٣٥٥، ٣٥٦، وشرح السنة ٦ / ٢٤٨، وبداية المجتهد ٥ / ١٣١، ١٣٢، والمغني ٤ / ٤١٦، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢٥ / ١١٤- ١١٨، والمجموع ٦ / ٢٨٠.стр. 49
وعلى هذا فقياس مذهبه أنه لا ينفرد عن الجماعة بالفطر في يوم عرفة إذا صامه الإمام والناس ورآه من لم يؤخذ بقوله، فإن في الأمر بفطره وتحريم صيامه (١) مفسدة المخالفة للإمام (٢) وجماعة المسلمين، ومثل هذا لا يكاد يخفى بل ويظهر وينتشر، كما وقع في هذا العام، وربما يؤدي إلى أن يجعله كثير من الناس يوم النحر، فتنحر فيه الأضاحي، كما وقع في هذا العام (٣) وهذا من أبلغ الحواشي
(١) في '' م '': '' وتحريمه '' وقد عدلت بخط مغاير للخط الذي كتبت به المخطوطة إلى: '' وتحريم صيامه ''(٢) في '' ع '': '' لمخالفة الإمام '' وفي '' م '': '' للمخالفة للإمام ''.(٣) في '' ع '' زيادة: '' أيضا''.стр. 50
الافتيات على الإمام وجماعة المسلمين، وفيه تشتيت الكلمة، وتفريق الجماعة، ومشابهة أهل البدع (١) ، كالرافضة ونحوهم، فإنهم ينفردون عن المسلمين بالصيام والفطر، وبالأعياد (٢) ، فلا ينبغي التشبه بهم في ذلك.
ويحقق (٣) هذا: أن التقدم على الإمام بذبح النسك منهي عنه، كالتقدم عليه بالصيام، والتقدم عليه بالدفع من عرفة (٤) ، والتقدم عليه بصلاة الجمعة، ولذلك منع طائفة من أصحابنا كأبي
بكر عبد العزيز (٥) أهل الأعذار أن يصلوا الحواشي
(١) في '' ع '': '' البدعة ''.(٢) ينظر كتاب وسائل الشيعة لمحمد بن الحسن الحر العاملي الشيعي كتاب الصوم باب عدم جواز التعويل على قول المخالفين في الصوم والفطر والأضحى ج ٧ ص ١٢٣.(٣) في هامش ''ع '': ''وتحقيق '' ووضع عليه علامة نسخة أخرى.(٤) لم أقف في هذه المسألة على حديث مرفوع إلى النبي ﷺ . لكن بعض أهل العلم حكى الإجماع على أنه لا ينبغي لأحد أن يدفع قبل الإمام، قال الزركشي ٣ / ٣٤٤، ٢٤٥: '' الإمام هو الذي إليه أمر الحج، ولا نزاع في مطلوبية اتباعه، وأن لا يدفع إلا بعد دفعه، لأنه أعرف بأمور الحج وما يتعلق بها، وأضبط للناس من أن يتعدى بعضهم على بعض ''. ونقل في المغني ٥ / ٢٧٦ عن الإمام أحمد أنه سئل عن رجل دفع قبل الإمام بعد غروب الشمس، فقال: ''ما وجدت عن أحد أنه سهل فيه، كلهم يشدد فيه ''.(٥) هو عبد العزيز بن جعفر بن أحمد، أبو بكر، الحنبلي، المعروف بغلام الخلال. وكانت وفاته سنة ٣٦٣ هـ. انظر ترجمته في طبقات الحنابلة ٢ / ١١٩- ١٢٧، المنهج الأحمد ٢ / ٦٨، العبر ٢ / ١١٦.стр. 51
الظهر يوم الجمعة حتى يصلي الإمام الجمعة (١) . ولذلك (٢) تنازع العلماء: هل يجوز التقدم على الإمام بالذبح يوم النحر، أم لا يجوز (٣)
حتى يذبح الإمام نسكه؟ فيه (٤) قولان مشهوران للعلماء (٥) ، ولا خلاف بينهم أن الأفضل الحواشي
(١) قال بذلك من الحنابلة: أبو بكر عبد العزيز - كما ذكر المؤلف- وابن عقيل، وهو رواية عن أحمد، وعلل ذلك ابن عقيل: بخشية اعتقاد افتياتهم على الإمام أو كونهم لا يرون صلاة الجمعة. وعلله أبو بكر عبد العزيز: بأنه لا يتيقن بقاء العذر، فلم تصح صلاته كغير المعذور. والصحيح أنه يجوز لأهل الأعذار أن يصلوا الظهر إذا دخل وقتها، ولو لم يصل الإمام الجمعة، لأن الظهر هي الواجبة عليهم وقت أدائهم لها، والأصل استمرار العذر، ومنهم من عذره مستمر كالمرأة والكبير المقعد وغيرهم. ويستثنى من هذا من يغلب على ظنه زوال عذره قبل صلاة الإمام الجمعة، فينبغي أن لا يصلي الظهر قبل أن تؤدى صلاة الجمعة. وما علل به ابن عقيل لا يقوى على المنع لضعفه. الله أعلم. انظر المغني ٣ / ٢٢٢، ٢٢٣، وطبقات الحنابلة ٢ / ٨٣، ٨٤، وشرح الزركشي ٢ / ٢٠٤، والإنصاف ٢ / ٣٧٢، ٣٧٣.(٢) في '' ع '': '' وكذلك ''، وفي هامشها: '' ولذلك '' ووضع عليه علامة نسخة أخرى.(٣) في '' ع '' زيادة: '' الذبح ''.(٤) في ''ع ''و''م '': ''وفيه ''.(٥) فقد ذهب الإمام مالك والأوزاعي وأحمد في رواية إلى أنه لا يجوز لأحد أن يضحي حتى يضحي الإمام، واستدل لهذا القول بما رواه مسلم في صحيحه (٣ / ١١٧، ١١٨ شرح النووي) من طريق ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: صلى بنا النبي ﷺ يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا، وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر، فأمر النبي ﷺ من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر، ولا ينحروا حتى ينحر النبي ﷺ .
وذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يجوز أن يضحي قبل أن يذبح الإمام، واستدلوا بما في الصحيحين عن البراء مرفوعا: '' من ضحى قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ضحى بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين ''، وبما في الصحيحين أيضا عن أنس مرفوعا: '' من ذبح قبل الصلاة فليعد ''. وبما في الصحيحين أيضا عن جندب مرفوعا: '' من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى ''. انظر صحيح البخاري مع الفتح ١٠ / ١٢، ٢٠، وصحيح مسلم مع شرحه للنووي ١٣ / ١٠٩- ١١٧.
قالوا فهذه الأحاديث تدل على أن المعتبر هو انقضاء الصلاة، لا ذبح الإمام، وأجيب عن حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بأنه قد خالفه حماد بن سلمة فرواه عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: '' نهى أن يذبحوا قبل أن يصلي '' رواه الطحاوي وابن حبان. وفي إسناد هذه الرواية عنعنة أبي الزبير، وهو مدلس، قالوا: فهذه الرواية توافق الأحاديث التي تدل على أن الذبح يبدأ بعد الصلاة لا بعد نحر الإمام. انظر شرح معاني الآثار ٤ / ١٧١- ١٧٤ وموارد الظمآن ص٢٥٩، وانظر التمهيد ٢٣ / ١٨٠- ١٨٨، والمنتقى للباجي ٣ / ٨٦، ٨٧، وشرح مسلم للنووي ١٣ / ١٠٦- ١١١، والفروع ٣ / ٥٤٥، والفتح ١٠ / ٢١، ٢٢، وعمدة القاري ٢١ / ١٥٧.
والراجح في هذه المسألة، هو قول الجمهور، لقوة أدلته، ويحمل حديث جابر على أن المراد الردع عن التعجيل الذي قد يؤدي إلى فعلها قبل الوقت. انظر شرح مسلم للنووي ١٣ / ١١٨.стр. 52
أن يذبح الناس حتى يذبح الإمام (١) .
وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [سورة الحجرات الآية ١] قال: لا تذبحوا قبل الإمام. خرجه ابن أبي حاتم (٢) .
فإن قيل: أليس قد أمر النبي ﷺ أصحابه عند وجود الأئمة الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها أن يصلوا الصلاة لوقتها وأن يجعلوا صلاتهم معهم نافلة (٣) ، مع أن في ذلك الحواشي
(١) حكى الإجماع على هذه المسألة أيضا الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في حاشيته على الروض المربع ٤ / ٢٣٠.(٢) قال السيوطي في الدر المنثور ٥ / ٥٤٧: '' وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الحسن ﵁ أن ناسا ذبحوا قبل رسول الله ﷺ ، يوم النحر، فأمرهم أن يعيدوا ذبحا، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ .
وروى عبد الرازق في تفسيره ٢ / ٢٣٠، ومن طريقه الجصاص في أحكام القرآن ٥ / ٢٧٦ عن معمر عن الحسن: '' هم قوم ذبحوا قبل أن يصلي النبي ﷺ ، فأمرهم فأعادوا الذبح ''. ورجاله ثقات، إلا أنه منقطع، معمر لم يسمع من الحسن والحسن لم يدرك زمن النبي ﷺ . انظر المراسيل لابن أبي حاتم ص ٢١٩. وانظر تفسير ابن جرير ٩ / ٧٤.(٣) روى مسلم في كتاب المساجد باب كراهة تأخير الصلاة عن وقتها المختار ١ / ٤٤٨، رقم(٦٤٨) عن أبي ذر ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : ''كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ '' قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: '' صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل، فإنها لك نافلة ''.
ورواه مسلم أيضا في كتاب المساجد باب الندب إلى وضع الأيدي على الركب في الركوع ١ / ٣٧٩، رقم(٥٣٤) بنحوه من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.стр. 53
افتياتا على الأئمة واختلافا عليهم؛ ولهذا كان بنو أمية يشددون في ذلك ويستحلفون الناس عند مجيئهم للصلاة، أنهم ما صلوا قبل ذلك (١) . ومع هذا فقد أمر النبي ﷺ بالصلاة في الوقت سرا وبالصلاة معهم نافلة لدفع شرهم وكف أذاهم، وهذا يدل على أنه لا يجوز لأحد ترك ما يعرفه من الحق، لموافقة الأئمة وعموم الناس، بل يجب عليه العمل بما يعرفه من الحق في نفسه، وإن كان فيه مخالفة للأئمة وعموم الناس المتبعين لهم، وحينئذ فلا يجوز أن يؤمر من رأى الهلال، أو من أخبره (٢) برؤيته من يثق به أن يتبع الإمام والجماعة معه، ويترك ما (٣) عرفه من الحق. الحواشي
(١) لم أقف عليه.(٢) في '' ع '': '' ومن أمره '' وعليها علامة نسخة، وفي هامشها: ''أو من أخبره '' وعليها علامة نسخة أخرى.(٣) في ''ع '': ''ما قد''.стр. 54
فالجواب: أن ما نحن فيه ليس من هذا القبيل، وذلك أن الصلاة لها وقت محدود في الشرع معلوم أوله وآخره علما ظاهرا، فمن غيره من الأئمة لم تجز (١) متابعته في ذلك، لأن فيه موافقة على تغيير الشريعة، وذلك لا يجوز.
فنظير هذا من مسألتنا أن يشهد (٢) شهود عدول عند حاكم برؤية هلال ذي الحجة أو رمضان، فيقول: هم عندي عدول ولا أقبل شهادتهم. أو نحو ذلك مما يظهر فيه أنه (٣) تعمد ترك الواجب بغير عذر. فهنا (٤) لا يلتفت إليه ويعمل بمقتضى الحق (٥) ، وإن كان يظهر له التقية إذا الحواشي
(١) في ''ع '': ''لم تجب''.(٢) في '' ع '': ''إن شهد '' وعليها علامة نسخة، وفي هامشها: ''أن شهد '' وعليها علامة نسخة أخرى.(٣) ''أنه '' غير موجودة في ''ع ''.(٤) ''فهنا'' غير موجودة في ''ع ''.(٥) وقد خالف في هذه المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كما في مجموع الفتاوى ٢٥ / ٢٠٦، ٢٠٧ فقد قال بعد كلامه الذي سبق نقله ص(٣١) تعليق(١) ما نصه: '' فإن قيل: قد يكون الإمام الذي فوض إليه إثبات الهلال مقصرا لرده شهادة العدول، إما لتقصيره في البحث عن عدالتهم، وإما رد شهادتهم لعدواة بينه وبينهم، أو غير ذلك من الأسباب التي ليست بشرعية، أو لاعتماده على قول المنجم الذي زعم أنه لا يرى.
قيل: ما يثبت من الحكم لا يختلف الحال فيه بين الذي يؤتم به في رؤية الهلال، مجتهدا مصيبا كان أو مخطئا، أو مفرطا.. وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال في الأئمة: '' يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم وإن أخطأوا فلكم وعليهم '' فخطؤه وتفريطه عليه، لا على المسلمين الذين لم يفرطوا أو لم يخطئوا.
ولا ريب أنه ثبت بالسنة الصحيحة واتفاق الصحابة أنه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم، كما ثبت عنه ﷺ في الصحيحين أنه قال: ''إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته ''.
والمعتمد على الحساب في الهلال كما أنه ضال في الشريعة مبتدع في الدين فهو مخطئ في العقل وعلم الحساب، فإن العلماء بالهيئة يعرفون أن الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي. اهـ.стр. 55
خيف من شره. كما أمر النبي ﷺ بالصلاة مع أولئك الأمراء نافلة. وهذا بخلاف الأمور الاجتهادية التي تخفى ويسوغ في مثلها الاجتهاد، كقبول الشهود وردهم، فإن هذا مما تخفى أسبابه، وقد يكون الحاكم معذورا في نفس الأمر، ففي مثل هذا لا يجوز الافتيات على الأئمة ونوابهم ولا إظهار مخالفتهم، ولو كانوا مفرطين في نفس الأمر، فإن تفريطهم عليهم لا على من لم يفرط، كما قال النبي ﷺ في الأئمة: «يصلون
لكم (١) فإن أصابوا فلكم الحواشي
(١) قوله: '' يصلون لكم '' غير موجود في '' ق ''، وفي ''ع '': '' بكم ''، ووضع عليها علامة نسخة، وفي هامشها: ''لكم '' وعليها علامة نسخة أخرى وعلامة تصحيح.стр. 56
ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم» خرجه البخاري (١) . انتهى والله أعلم (٢) . الحواشي
(١) انظر صحيح البخاري مع الفتح: كتاب الأذان باب إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه ٢ / ١٨٧، حديث(٦٩٤) .(٢) الصحيح في المسألة هو ما مال إليه المؤلف وذكر أنه قياس المذهب من أنه يجب على من رأى هلال ذي الحجة ولم يقبل قوله وعلى من أخبره برؤيته من يثق به إذا أراد الحج أن يقف يوم عرفة مع جماعة المسلمين، وكذلك يندب له أن يصومه إن لم يكن حاجا وإن كان حسب ما ثبت لديه هو اليوم العاشر، لأن حديث '' صومكم يوم تصومون وفطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون ''- وهو حديث صحيح كما سبق ص(٢٤) - صريح في أن يوم الأضحى في حق الأمة كلها هو اليوم الذي يضحي فيه الإمام وجماعة المسلمين ويصلون فيه صلاة العيد، وإن كان هو اليوم الحادي عشر حسب ما ثبت لدى بعض المسلمين من الرؤية، فعلى هذا يكون يوم عرفة هو اليوم الذي يقف فيه الإمام وجماعة المسلمين في عرفات. وهذا هو الثابت عن أم المؤمنين عائشة ﵂ كما سبق كله (١٩- ٢١) - ولا يعرف لها مخالف من الصحابة.
لكن إن أراد شخص أن يحتاط لنفسه فيقف اليوم الثامن بعرفة والذي هو حسب ما ثبت لديه هو يوم عرفة، ثم يقف مع الناس من الغد كما فعل سالم بن عبد الله ﵀، وقد سبق ذكر فعله ص (٣١، ٣٢) أو يترك صيام يوم عرفة الذي هو حسب ما ثبت لديه هو يوم العيد إن كان غير حاج كما فعل مسروق وغيره وقد سبق ذكر فعلهم ص (١٩- ٢١) فلا بأس بذلك، خروجا من خلاف من أوجب عليه العمل بما ثبت لديه كالسبكي في كتاب العلم المنشور في إثبات الشهور ص ٤٥، ٤٦، وهو قياس قول من قال يصوم من رأى هلال رمضان وحده وقد سبق ذكر من قال بذلك ص () ، وهو أيضا قياس قول من قال: يفطر إذا رأى هلال شوال وحده وقد سبق ذكر من قال بذلك ص (٢٩، ٣٠) ، لكن ينبغي لمن فعل ذلك أن يخفي عمله منعا للفرقة وتشتيت الكلمة، ولئلا يشك العامة في صحة عملهم.
هذا كله فيما إذا كان من يقوم بإثبات دخول الشهر يعتمد على الرؤية، كما هو الحال في هذه البلاد، ولله الحمد. أما إن كان يعتمد على الحساب، أو لا يقبل شهادة الشهود إذا خالفت الحساب فإنه يجب على من رآه أو أخبره برؤيته من يثق بقوله، أن يعمل بما ثبت لديه من الرؤية، ويترك ما سواه- وهذا هو أيضا الذي مال إليه المؤلف، كما سبق ص () ، وينبغي له في هذه الحالة أن يظهر عمله للناس وأن يعلم غيره بما ثبت لديه، إلا إن خشي أن يترتب على دعوته للعمل بهذا الحكم الشرعي منكر أكبر فينبغي له حينئذ ترك الدعوة إليه. والله أعلم.стр. 57
آخر ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى (١) . الحواشي
(١) جاء في '' ع '' بعد قوله: '' خرجه البخاري '' ما نصه: '' والله أعلم، وعلمه أتم وأحكم، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه وسلم. آخر ما ذكره الشيخ رحمة الله علينا وعليه. بقلم الفقير إلى ربه المعترف بذنبه: عبد المحسن بن عبيد، أحسن الله إليه وإلى والديه والمسلمين. وحرر ٤ جمادى الأولى سنة ١٣٦١ هـ. ونقله من خط من سمى نفسه: فراج بن منصور بن سابق النجدي ﵀، كتبها سنة ١٢٢٨ هـ، ثمان وعشرين ومائتين وألف''.