Полный текст (230 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
أَن فِي ذَلِك الْمصلحَة فنفذ إِلَيْهِ وراسله فِي الْمُصَالحَة وَلم تزل المراسلة بَينهمَا إِلَى أَن اسْتَقر أَن يَأْخُذ شرف الدّين مقرة وعربان وقلعة أم الْعِزّ ويفرن وسماح وَيكون من سماح إِلَى غربي نفوسة لإِبْرَاهِيم وَمهما فتح كَانَ بَينهمَا فاختلفا على ذَلِك وأطلع شرف الدّين نِسَاءَهُ إِلَى قلعة أم الْعِزّ وَبقيت قلعة تيركب لإِبْرَاهِيم وَصَارَ شرف الدّين فِي الوطا يَأْخُذ الْبِلَاد أَخذ دواره وزواغة ولمايه وسيرة فِي كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ بِلَاد كَبِيرَة وَأقَام بَاقِي سنته فِي بِلَاد طرابلس وَأمنت دباب من غَارة إِبْرَاهِيم فَصَارَت فِي كل وَقت تسرق أَصْحَاب شرف الدّين وَمن لقوه من الأتراك مُنْفَردا قَتَلُوهُ وَعلم شرف الدّين غدرهم ونحسهم
وَكَانَت زغب قد غربت بعد أَن قَالَت لإِبْرَاهِيم
من الرَّأْي أَن تغرب مَعنا فَإِن شرف الدّين فِي قُوَّة وَهُوَ قَلِيل الْغدر مَا يَأْخُذ لَك شَيْئا من بلادك وتملك فِي الغرب مَوَاضِع وَتَأْخُذ أَمْوَالًا إِلَى أَن يتَبَيَّن شرف الدّين نحس دباب وغدرهم فَيَعُود إِلَى مصالحتك والاتفاق أَنْت وَهُوَ وَنحن وَنخرج دباب من الْبِلَاد فَأبى عَلَيْهِم فَمَضَوْا بعد أَن وَدعوهُ وداع من لَا يعود يلتقى
فَلَمَّا أحس شرف الدّين كَمَا ذكرُوا بغدر دباب ونحسهم وانهم قد أمنُوا من زغب وَإِبْرَاهِيم عزم على التَّغْرِيب إِلَى دمر وقطماطة وزريقا وَقَابِس وَمَا إِلَى تِلْكَ الْبِلَاد وَتوجه إِلَى دمر وَذَلِكَ فِي مُسْتَقْبل سنة سِتّ وَسبعين وَسَنذكر قصَّته فِي مَكَانهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 37
وفيهَا عزل سُلَيْمَان بن جاووش عَن نِيَابَة الوزارة وَسبب ذَلِك أَن أستاذ الدَّار أَبَا الْفضل كَانَ يكرههُ فَحسن للخليفة عَزله وَقَالَ
إِن هَذَا رجل قد كبر وَعجز عَن التَّدْبِير للدولة فَتقدم إِلَيْهِ يسْتَبْدل بِهِ من شَاءَ فَتقدم أستاذ الدَّار إِلَى مقرب الدّين بن بختيار بإحضار أبي المظفر هبة الله بن مُحَمَّد بن البُخَارِيّ فَأحْضرهُ لَيْلًا إِلَى دَار الْخَلِيفَة فبقى فِي الدَّار ثَلَاثَة أَيَّام وَلَا يعلم أحد ثمَّ أنفذ فِي الْيَوْم الثَّالِث فَأمر بعزل سُلَيْمَان بن جاووش فعزل من الدِّيوَان الْعَزِيز وَركب ابْن البُخَارِيّ فَجَلَسَ فِي الدِّيوَان نَائِب وزارة وأفردت لَهُ الدَّار الَّتِي كَانَت لِابْنِ هُبَيْرَة فِي المطبق فَكَانَ لَا يخرج عَن أوَامِر أستاذ الدَّار وَلَا ينْفَرد بِأَمْر دونه
وفيهَا تراخت الأسعار جدا وَكَثُرت الأمطار وأخصبت الْبِلَاد ونمت الزروع
وفيهَا أَمر الْخَلِيفَة بِالْخلْعِ والتشريفات على الْأُمَرَاء وأرباب الدولة وضاعف أرزاق المماليك وَغَيرهم
وفيهَا أَمر بِإِخْرَاج السرادق الشريف وَكَانَ سرادقا عَظِيما لم يعْمل مثله وَكَانَ من الأطلس الْمُخْتَلف الألوان وَأمر أَن يضْرب السرادق عِنْد الكشك الْجَدِيد قَرِيبا من الميدان وَأَن يخرج الْأُمَرَاء والمماليك وأرباب الدولة خيامهم فَتضْرب هُنَاكَ وَتقدم إِلَى أَرْبَاب الدولة أَن يتأهبوا للرُّكُوب فِي الْخدمَة الشَّرِيفَة وَأَن يحضروا إِلَى بَاب النَّصْر وَركب النَّاس لامتثال الْأَمر وَذَلِكَ فِي أول شهر ربيع الأول من السّنة وحضروا إِلَى بَاب النَّصْر فَفتح لَهُم وَخرج الخدم وتقدموا إِلَى الْأُمَرَاء وأرباب الدولة بِالدُّخُولِ إِلَى الْحرم وَأَن يكون مقامهم فِي
بُسْتَان الْأَرْبَعين فَدَخَلُوا وَكَانَ فِي جُمْلَتهمْ
стр. 38
الْأَمِير قَاسم بن مهنا الْعلوِي الْحُسَيْنِي أَمِير مَدِينَة الرَّسُول صلوَات الله عَلَيْهِ وَسَلَامه فَخرج الْخَلِيفَة وَعَلِيهِ جُبَّة بَيْضَاء وطيلسان أَبيض وَبَين يَدَيْهِ أستاذ الدَّار أَبُو الْفضل بن الصاحب والخدم وَبَين يَدَيْهِ عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله فَقَامَ النَّاس وقبلوا الأَرْض وخدموا ودعوا وَكَانَ أَوَّلهمْ خدمَة جلال الدّين أَبُو المظفر بن البُخَارِيّ نَائِب الوزارة فَتقدم وَقبل الأَرْض ثمَّ قبل الركاب الشريف ثمَّ تلاه الْأُمَرَاء وأرباب الدولة فخدموا ودعوا والخليفة لَا يرد على وَاحِد مِنْهُم جَهرا وَلَا يسمع مِنْهُ منطقا حَتَّى تقدم الْأَمِير قَاسم أَمِير الْمَدِينَة فَقبل الأَرْض ثمَّ قبل الركاب الشريف ثمَّ دَعَا وَأحسن وأبلغ فِي دُعَائِهِ فَوقف لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ ورد ﵇ جَهرا وَرفع يَده فوضعها عَلَيْهِ وَأحسن لَهُ الْبُشْرَى ثمَّ مضى رَاكِبًا وَالنَّاس بَين يَدَيْهِ مشَاة حَتَّى خرج من بَاب النَّصْر فَأَشَارَ إِلَى أستاذ الدَّار أبي الْفضل بالركوب فَركب ثمَّ ركب بعده نَائِب الوزارة ثمَّ الْأُمَرَاء وأرباب الدولة وَسَار فَخرج إِلَى ظَاهر بَغْدَاد إِلَى أَن وصل إِلَى الميدان الَّذِي فِيهِ الكشك فَدخل إِلَيْهِ وَلم يدْخل مَعَه إِلَّا أستاذ الدَّار ابْن الصاحب ثمَّ دخل إِلَى الكشك فبقى فِيهِ ذَلِك الْيَوْم وَبَات فِيهِ
فَلَمَّا أصبح ركب فِي الميدان وَجعل يسير فِيهِ ثمَّ أذن للنَّاس من الْأُمَرَاء وأرباب الدولة بِالدُّخُولِ إِلَى الميدان فَدَخَلُوا فَكَانَ أستاذ الدَّار عَن يَمِينه وَابْن البُخَارِيّ عَن شِمَاله
ثمَّ إِنَّه خرج فِي يَوْمه ذَلِك إِلَى الصَّيْد وَمَعَهُ جمَاعَة الْأُمَرَاء والمماليك وَلم يخرج مَعَه من أَرْبَاب الدولة سوى أستاذ الدَّار ابْن الصاحب وَكَانَ فِي كل يَوْم يتصيد وَيرجع إِلَى الكشك فَلم يزل ذَلِك إِلَى يَوْم الْجُمُعَة فَتوجه إِلَى جَامع الرصافة لصَلَاة الْجُمُعَة وَكَانَ يَوْمًا مشهودا فَلَمَّا قضى صَلَاة الْجُمُعَة وَكَانَ الْخَطِيب يَوْمئِذٍ أَبُو الْفرج بن المنصوري أَمر أَن تهَيَّأ لَهُ
стр. 39
سمارية خَفِيفَة فَنزل بهَا وَسَار فِي دجلة والأمراء فِي السماريات بَين يَدَيْهِ يَسِيرُونَ فِي خدمته وَكَانَ الْخَلِيفَة جَالِسا فِي صدر السمارية فِي قبَّة سَوْدَاء وأستاذ الدَّار قَائِم بَين يَدَيْهِ وَكَذَلِكَ جمَاعَة
ثمَّ أَفَاضَ من كرمه على جَمِيع من كَانَ من اصحاب ابْن قرا أرسلان مَا لم ينْحَصر من مركوب وكراع وَثيَاب ومتاع وَغير ذَلِك وَعمل وَالِدي الْملك المظفر لِابْنِ قَرَأَ أرسلان دَعْوَة جميلَة أَيْضا وَحمل لَهُ عشرَة آلَاف دِينَار ثمَّ عمل نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن شيركوه ابْن عَم السُّلْطَان صَلَاح الدّين لَهُ دَعْوَة عَامَّة وأفاض عَلَيْهِ مَالا جزيلا وَكَذَلِكَ عمى عز الدّين فرخشاه عمل لَهُ دَعْوَة وأوسع لَهُ الْعَطاء وَلمن كَانَ مَعَه وَلم يزل السُّلْطَان هُنَاكَ فِي تِلْكَ الْأَيَّام يبْذل الْجُود فِي اقتناء المحامد إِلَى أَن وصلت رسل قلج أرسلان بِالطَّاعَةِ والإذعان لما أَرَادَهُ السُّلْطَان من أَمر نور الدّين بن قَرَأَ أرسلان وَكَانَ المنفذ من جَانِبه الْأَمِير اخْتِيَار الدّين حسن بن عفراس وَكَانَ كَبِيرا مقدما عِنْد ملك الرّوم وَكتب لَهُ السُّلْطَان عهدا أكد فِيهِ الشَّرَائِط بالِاتِّفَاقِ فِيمَا بَينهمَا وَانْصَرف هُوَ وَأَصْحَابه بالتحف وَالْخلْع والتشريفات الجميلة وَعَاد كل مِنْهُم إِلَى جِهَته
стр. 40
ذكر دُخُول السُّلْطَان
إِلَى بلد الأرمن ونزوله على حصن العانقر وفتحه
وَلما انْفَصل الْأَمر بَينه وَبَين قلج أرسلان توجه إِلَى بلد الأرمن لاستئصاله وَذَلِكَ أَن متملك الأرمن ابْن لاون استمال قوما من التركمان ليكونوا فِي مرَاعِي بَلَده وأمنهم على ذَلِك فَلَمَّا استقروا لم يشعروا بِهِ إِلَّا وَقد صبحهمْ بغدره فأسرهم واستحوذ على أَمْوَالهم وَكَانَت شكاية الْمُسلمين قد كثرت عَلَيْهِ من سوء أَفعاله بهم فَرَأى السُّلْطَان الأولى دُخُول ولَايَته فَسَار إِلَيْهِ بعساكره المنصورة وخيم على النَّهر الْأسود وأباحهم بِلَاد الأرمن وَكَانَ بِقُرْبِهِ حصن القابوس وعَلى ذَلِك الْجَبَل قلعة شامخة وَهِي من الْحُصُون الحصينة والمعاقل المنيعة وَكَانَ الأرمني قد أَمر أَهلهَا بالنزوح عَنْهَا وأضرمها نَارا فبادر النَّاس إِلَى إِخْرَاج غلاتها وإبراز مودعاتها فَانْتَفع الْعَسْكَر بالزاد والعلف وَأمرهمْ السُّلْطَان بهدم الْحصن وتخريبه فخربوه فَمَا برح حَتَّى صَار عاليه سافله وَعفى آثاره وَأقَام على عزم الدُّخُول إِلَى بِلَادهمْ وأذعن ابْن لاون
стр. 41
بِالطَّاعَةِ وَأرْسل بِإِطْلَاق الْأُسَارَى الْمُسلمين من التركمان فَلم يقنع مِنْهُ بعد ذَلِك إِلَّا بِخَمْسِمِائَة أَسِير فَأطلق الْحَاضِرين عِنْده وَنفذ الرهائن على خلاص البَاقِينَ وَاسْتقر الْأَمر على ذَلِك وَكتب لَهُ الْأمان وَكفى الله الْمُؤمنِينَ الْقِتَال وَكَانَ هَذَا من لطف الله تَعَالَى لِأَن الْوَقْت متعسر والقوت مُتَعَذر والعلف مَعْدُوم
ذكر وَفَاة سيف الدّين غَازِي بن مودود بن زنكي
ووصلنا رَسُول مُجَاهِد الدّين قيماز وَنحن مخيمون على كوك سو من حُدُود الرّوم فخبر السُّلْطَان بِمَوْت سيف الدّين غَازِي صَاحب الْموصل وجلوس أَخِيه عز الدّين مَسْعُود مَكَانَهُ وَكَانَ الرَّسُول فَخر الدّين أَبُو شُجَاع بن الدهان الْبَغْدَادِيّ وَمَعَهُ نُسْخَة الْيَمين الَّتِي حلف السُّلْطَان لَهُ بهَا فَقَالَ
نَسْأَلك إبْقَاء أَخِيه على ولَايَته وَلَا تغير عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ
يميننا منوطة بأيام الْحَيَاة وَولَايَة أَخِيه عز الدّين بِغَيْر عهد مِنْهُ وَلَا عقد
стр. 42
وَنحن نرى رَأينَا فِيمَا نعتمده بعد مطالعة الدِّيوَان فِي ذَلِك وَأعَاد الرَّسُول بالإكرام وَشرع فِي الْعود إِلَى الشَّام
ثمَّ رَحل السُّلْطَان بالنصر وَالظفر وَسَار على أَعمال حلب وَكَانَ وُصُوله إِلَى أَعمال حماة فِي النّصْف الأول من جمادي الْآخِرَة من السّنة ثمَّ رَحل من أَرض حماة مُتَوَجها إِلَى حمص فَضرب مخيمه على عاصيها بِالْقربِ مِنْهَا وجاءته رسل الْأَطْرَاف والجوانب بالتهنئة لَهُ بِمَا رزقه الله تَعَالَى من النَّصْر وجاءه الْعلمَاء وَالْفُقَهَاء وَالشعرَاء يهنئونه ويمتدحونه فَكَانَ فِي جُمْلَتهمْ الْفَقِيه الْمُهَذّب ابْن أسعد الْموصِلِي وَكَانَ غزير الْفضل وافر الْعلم وَكَانَ السُّلْطَان كلما عبر حمص أَمر لَهُ بِمِائَة دِينَار مصرية وخلعة وعمامة فمما مدح السُّلْطَان بِهِ قصيدة مستحسنة مطْلعهَا
(أما وجفونك المرضى الصِّحَاح ... وسكرة مقلتيك وَأَنت صاحي)
(وَمَا فِي فِيك من برد وَشهد ... وَفِي خديك من ورد وَرَاح)
(لقد أَصبَحت فِي العشاق فَردا ... كَمَا أَصبَحت فَردا فِي الملاح)
(فَمَا أسلو هَوَاك بنهي ناه ... وَلَا أَهْوى سواك للحي لاحي)
(وَلَا فل الملام غرار غيي ... وَلَا ثلم العتاب شبا جماحي)
(أما للائمين عَلَيْك عقل ... فيشتغلوا بعشاق القباح)
стр. 43
(أَطَعْت هوى الملاح طوال دهري ... وَمن يطع الْهوى يعْص الملاحي)
(فيا سقمي بِذِي طرف سقيم ... وَيَا قلقي من القلق الوشاح)
(يهز الْغُصْن فَوق نقا ويرنو ... بِحَدّ ظبا ويبسم عَن أقاحي)
(مليح الْوَجْه معشوق المراح ... وحلو اللَّفْظ معسول المزاح)
(يحب الراح رَائِحَة بكأس ... ويهوى الكأس كاسية براح)
(وَقد غرس الْقَضِيب على كثيب ... فأثمر بالظلام وبالصباح)
(وَمَال مَعَ الوشاة وَلَا عَجِيب ... لغصن أَن يمِيل مَعَ الرِّيَاح)
(ألام على افتضاحي فِيهِ لَكِن ... يُقيم عذاره عذر افتضاحي)
(أَلَيْسَ لحاظه جرحت فُؤَادِي ... فَلَا بَرِئت وَلَا اندملت جراحي)
(إِذا مَا زَاد تعذيبي وهجري ... يزِيد إِلَيْهِ شوقي وارتياحي)
(وَكم يهواه من عان معنى ... ييت يخَاف إِطْلَاق السراح)
(وَلَيْلَة زارني بعد إزورار ... على حكمي عَلَيْهِ واقتراحي)
стр. 44
(فبتنا لَا الدنو من الدنايا ... نرَاهُ وَلَا الجنوح من الْجنَاح)
(يُدِير كؤوس فِيهِ ومقلتيه ... فيسكرني عَن السكر الْمُبَاح)
(وَكَانَت لَيْلَة لَا حسوب فِيهَا ... عَليّ وَلَا اجتراء على الجتراح)
(وَمَا من شيمتي خلعي عِذَارَيْ ... وَلَا لبس الخلاعة من مراحى)
(قَطعنَا اللَّيْل فِي عتب وشكوى ... إِلَى أَن قيل
حَيّ على الْفَلاح)
(ولاح الصُّبْح يَحْكِي فِي سناه ... صَلَاح الدّين يُوسُف ذَا الصّلاح)
(هُوَ الْملك الَّذِي أورى زنادى ... وفازت عِنْد رُؤْيَته قداحي)
(يقرب جوده أقْصَى الْأَمَانِي ... وَيضمن بشره أَسْنَى النجاح)
(ومبسوط بنائله يَدَاهُ ... إِذا انقبضت بِهِ أَيدي الشحاح)
(وَلما ضَاقَ حد عَن مداه ... لقيناه بآمال فساح)
(فَمن هرم وَكَعب وَابْن سعد ... رُعَاة الشَّاة وَالنعَم المراح)
(جواد بالبلاد وَمَا حوته ... إِذا جادوا بألبان اللقَاح)
стр. 45
(وأبلج يستهين الْمَوْت يلقى ... بصفحة وَجهه بيض الصفاح)
(ويخشى من دنو الْعَار فِيهِ ... وَلَا يخْشَى من الْأَجَل المتاح)
(وقوال إِذا الْأَبْطَال فرت ... مَكَانك ثبتة مَا من براح)
(ببأس مذهل الْأسد الضواري ... وسيب مخجل سيل البطاح)
(فللاحين والراجين مِنْهُ ... أعز حمى وَأكْرم مسماح)
(من النَّفر الَّذين إِذا تجلوا ... أعادو اللَّيْل أحلى من صباح)
(أَضَاء الدَّهْر بعد دجاه نور ... يلوح على وجوههمو الصَّباح)
(تفيض بطُون راحتهم نوالا ... ويستلم الْمُلُوك ظُهُور رَاح)
(إِذا مَا لاقوا الْأَعْدَاء عَادوا ... بآي النَّصْر وَالظفر الصراح)
(بأرماح محطمة وبيض ... مثلمة وأعراض صِحَاح)
(ليفد حَيَاء وَجهك كل وَجه ... إِذا سُئِلَ الندى جهم وقاح)
(مُلُوك جلهم مغرى بظُلْم ... ومشغول بلهو أَو مزاح)
стр. 46
(إِذا مَا جالت الْأَبْطَال ولي ... وَيقدم نَحْو جائلة الوشاح)
(يرى الْإِنْفَاق فِي الْخيرَات خسرا ... وَأَنت ترَاهُ من خير الرباح)
(همو جمعُوا وَقد فرقت لَكِن ... جمعت بِهِ الرِّجَال مَعَ السِّلَاح)
(وبون بَين مَالك بَيت مَال ... وَمَالك رق أَمْلَاك النواحي)
(وباغ أَن ينَال بِلَا رجال ... كباغ أَن يطير بِلَا جنَاح)
(قرنت شجاعة وتقى وعلما ... إِلَى كرم الْخَلَائق والسماح)
(وَقد أثنت عَلَيْك ظى المواضي ... كَمَا تثنى بألسنة فصاح)
(وَكم ذللت من ملك عَزِيز ... وَكم دوخت من حَيّ لقاح)
(وَكم لظباك من يَوْم اغتباق ... من الْأَعْدَاء أَو يَوْم اصطباح)
(تبيح حمى الْمُلُوك وتستبيه ... وَمَا تحميه لَيْسَ بمستباح)
(وَمَا خضع الفرنج لديك حَتَّى ... رَأَوْا مَالا يُطَاق من الكفاح)
стр. 47
(وَمَا سألوك عقد الصُّلْح ودا ... وَلَكِن خوف معلمة رداح)
(مَلَأت بِلَادهمْ سهلا وحزنا ... أسودا تَحت غابات الرماح)
(على مُعْتَادَة جوب الموامي ... دواح بالملا بيض الأداحي)
(الا يَا سيل مخجل كل سيل ... تظل المحجرات لَهُ صواحي)
(وَيَا غيث الْبِلَاد إِذا اقشعرت ... وضن الْغَيْث فِي شَهْري قماح)
(تركت بني الزَّمَان وَلم أسلهم ... وَلم أر أَهله أهل امتداحي)
(وَقلت للإغبات الْعَيْش روحي ... إِلَى بَاب ابْن أَيُّوب تراحى)
(وَلم أنكح لئيما بنت فكر ... وإنكاح اللئام من السفاح)
(وَقد جاءتك يَا كفوا كفيا ... تزف إِلَيْك طالبة امتياح)
(وَقد صادفت بَحر ندى فراتا ... فَمَا طلبي لأوشال ملاح)
(سَأَلتك أَن تجود جديب حَالي ... فأمرع مرتعي واخضر ساحي)
(وَلَوْلَا جود كفك كل حِين ... يروي غلتي وجوي التياحي)
стр. 48
(بقيت مدى الزَّمَان حَلِيف فقر ... خميصا عَارِيا ظمآن ضاحي)
(وَمَا اشكو الزَّمَان وَأَنت فِيهِ ... وَإِن أَصبَحت مقصوص الْجنَاح)
(فقد ضَاعَت عُلُوم طَال فِيهَا ... غدوي وَاسْتمرّ لَهَا رواحي)
(أرى الْمُتَقَدِّمين الْيَوْم دوني ... فيؤلمني خمولي وأطراحي)
(وأشجي من ضيَاع الْعُمر حَتَّى ... أغص ببارد المَاء القراح)
(وأعجب من صروف الدَّهْر حَتَّى ... أكاد أَقُول
مازمني بصاحي)
(أيظهر فِي السَّمَاء ضحى سهاها ... ويخفي وَهِي طالعة براح)
(عَسى نعماك تسكنني دمشقا ... وَذَاكَ لكل مَا لقِيت ماحي)
(أعيش معاشر الْعلمَاء عمري ... وأرباب المحابر والسماح)
(بقيت منعما أبدا وأضحى ... عداك بِكُل ضاحية أضاحي)
ثمَّ إِن السُّلْطَان أَقَامَ بحمص إِلَى آخر جمادي الْآخِرَة وَتوجه إِلَى دمشق فَكَانَ دُخُوله فِي أول رَجَب.
стр. 49
ذكر وُصُول رسل الْخلَافَة الإمامية الناصرة لدين الله
وَكَانَ وُصُول الرَّسُول من دَار الْخلَافَة المكرمة صدر الدّين شيخ الشُّيُوخ أبي الْقَاسِم عبد الرَّحِيم وَمَعَهُ شهَاب الدّين بشير الْخَادِم الْخَاص إِلَى دمشق فِي شهر رَجَب بعد أَيَّام من قدوم السُّلْطَان وَمَعَهُ التَّفْوِيض والتقليد والتشريف وَكَانَ وُصُوله إِلَى دمشق كَيَوْم عيد فَتَلقاهُ السُّلْطَان بالتعظيم والتبجيل وترجل لَهُ وَأبْدى الخضوع وترجل عِنْد ذَلِك شيخ الشُّيُوخ وَبشير الْخَاص وسلما عَلَيْهِ من أَمِير الْمُؤمنِينَ صلوَات الله عَلَيْهِ فَقبل الأَرْض ثمَّ ركبُوا ودخلوا دمشق فأنزله السُّلْطَان أكْرم منزل وَركب ثَانِي يَوْم وُصُوله بموكبه وَعَلِيهِ الملابس النَّبَوِيَّة والتشريفات الإمامية وَكَانَ قد عزم على قصد الديار المصرية فَحسن لشيخ الشُّيُوخ مصاحبته ورغبه فِي زِيَارَة الشَّافِعِي رضوَان الله عَلَيْهِ فَمضى فِي صحبته إِلَى مصر للزيارة وَتوجه مِنْهَا إِلَى مَكَّة شرفها الله تَعَالَى وَذَلِكَ بعد ماسير السُّلْطَان فِي جَوَاب رسَالَته إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز ضِيَاء الدّين الشهرزورى صُحْبَة شهَاب الدّين بشير
فصل
من الْكتاب السلطاني إِلَى الدِّيوَان الْعَزِيز المنفذ على يَد ضِيَاء الدّين وَذَلِكَ بعد اسْتِيفَاء أَقسَام الْخدمَة الإمامية
قد سبقت مطالعته بِمَا انْتهى إِلَيْهِ من أَدَاء الْفَرْض وتقبيل الأَرْض والإفاضة فِي شكر مَا أفيض عَلَيْهِ من التشريفات الَّتِي اسحبته ذيل الفخار وأصحبته الشّرف السَّامِي الْمنَار وأحظته بالإيثار وحضته على الْعُبُودِيَّة الحميدة الْآثَار المأمونة العثار وَمَا أسعده وَقد خص برسالة الْجَانِب المحروس الصدري شيخ الشُّيُوخ شرقا وغربا وسفارته الَّتِي زَادهَا وَجه
стр. 50
استبشاره سفورا وأمد استظهاره واستنصاره قُوَّة وظهورا وطرف استبصاره ضِيَاء ونورا فَإِنَّهُ وَإِن كَانَ قد تناهى فِي الْعُبُودِيَّة إِلَى مدى لَا مزِيد عَلَيْهِ لمستزيد وَلَا مطمع فِي توقل هضباته لمريد غير أَنه بالوفود الصدرى ارْتَفع قدره وانشرح صَدره ونظم فِي سلك الْأَبْرَار أمره وسر سره وَنصر نَصره وتوالى لما أولاه مَوْلَانَا الإِمَام من مقدم مثله عَلَيْهِ شكره وأطلعه على أَسبَاب فِي الْإِخْلَاص مَا تَجِد سوى الْخَادِم لَهَا أَهلا وَعَاد ببركة قدومه كل صَعب سهلا وَأصْبح أمله مِنْهُ بعبء النجح مُسْتقِلّا واستجلى بغرته الْمُبَارَكَة عزة الْبركَة واستحلى لعزة قدومه الميمون عزة المملكة وَقد توجه الْخَادِم إِلَى الديار المصرية لتجديد النّظر فِيهَا وترتيب مصالحها وتوخيها
وَمِنْه
وَقد ندب القَاضِي ضِيَاء الدّين الشَّهْر زورى يَنُوب عَنهُ فِي رفع الْأَدْعِيَة وَالْقِيَام بشرائط الْعُبُودِيَّة وَقرر مَعَه من أَسبَاب الخلوص أسرار الْعُمُوم وَالْخُصُوص مَا ينهيه وينتهى إِلَى غَايَة الْحَد فِيهِ
ذكر رحيل السُّلْطَان إِلَى مصر
وَلما تمّ عزمه على قصد الديار المصرية خص عمى عز الدّين فرخشاه بالنيابة عَنهُ فِي الشَّام وقلده أَمر الأجناد وَولَايَة الْأَعْمَال وَأمر وَالِدي الْملك المظفر بِالرُّجُوعِ إِلَى حماة وملازمة ثغرها وَالنَّظَر فِي أمورها وترتيب أحوالها وَكَانَ خُرُوجه من دمشق يَوْم الِاثْنَيْنِ ثامن عشر شهر الله
стр. 51
الأصب رَجَب ووصوله إِلَى الْقَاهِرَة يَوْم الْخَمِيس ثَالِث عشر شعْبَان واستقبله من بهَا من العساكر والأكابر وَكَانَ نَائِبه بهَا يَوْمئِذٍ أَخُوهُ الْملك الْعَادِل وَأقَام السُّلْطَان بِمصْر مشتغلا بمصالح الدّين والدولة وَالْجُلُوس فِي دَار الْعدْل يومى الْإِثْنَيْنِ وَالْخَمِيس لتشييد منار الْحق وتفريج الكرب وإسداء الْمَعْرُوف وكشف الْمَظَالِم فَلم يزل بِمصْر إِلَى آخر السّنة الْمَذْكُورَة
وفيهَا عَاد السَّيِّد أَبُو يَعْقُوب إِلَى مراكش وَذَلِكَ فِي أواخرها
وَاقعَة قراقوش المظفرى فِي هَذِه السّنة
وفيهَا توجه شرف الدّين قراقوش إِلَى دمر ورزيقا وَقَابِس وَذَلِكَ بَعْدَمَا نفذ إِلَى إِبْرَاهِيم وجدد فِيمَا بَينهمَا الْيَمين والمواثيق بِأَنَّهُ لَا يغدر أحد مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ وَقَالَ تركت هَذِه الْبِلَاد وَأَهلي بقلعة أم الْعِزّ فِي وديعتك وَأَنا مُتَوَجّه فَإِن فتح الله تَعَالَى على واستغنيت عَنْهَا أَعطيتك الْجَمِيع وَسَار فوصل إِلَى دمر وَكَانَ بهَا مقدم سُلْطَان يُقَال لَهُ عُثْمَان وَله قلعة منيعة وبلاد كَثِيرَة فاستولى على الْبِلَاد كلهَا وبقى عُثْمَان فِي القلعة فَلم يقدر عَلَيْهَا وَكَانَ بدمر إِنْسَان مقدم يُسمى فروخا لَهُ قلعة لَيست بالحصينة وَكَانَ عدوا لعُثْمَان فوصل إِلَى شرف الدّين وأطاعه وحالفه وَعلم عُثْمَان بذلك فَقَامَتْ قِيَامَته وَخرج من قلعته يستنفر البربر وَيَقُول لَهُم إِنَّمَا هَؤُلَاءِ الغز قافلة فَلَمَّا سمع شرف الدّين بِخُرُوج عُثْمَان من قلعته
стр. 52
وإبعاده عَنْهَا قَالَ إِن لم أدْرك الفرصة مِنْهَا الْآن مَا أَعُود أقدر عَلَيْهَا فَرَحل من الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ واستقبل طريقها فَلَمَّا وَصلهَا أَخذ ربضها من سَاعَته وَأطلق يَده بِالْقَتْلِ فَقتل من البربر الَّذين بهَا مَا زَادَت عدته على ألفى رجل وَكَانَ سكان هَذَا الْجَبَل وجبل نفوسة ومطماطة وزنزفا وملاقة ومقرة وعربان وَكلهمْ خوارج يلعنون عليا ﵇
وَلما رآي أهل القلعة مَا حل بِأَهْل الربض من الْقَتْل والنهب ارتاعوا واعتقدوا أَن لَا منجا لَهُم وَكَانُوا غير خبراء بِحِفْظ القلاع فراسلوه على أَنهم يأمنون على أنفسهم وَأَمْوَالهمْ فَأَمنَهُمْ وانتهز الفرصة فِي يومهم وَمَا جَاءَ اللَّيْل حَتَّى خَرجُوا من القلعة بِمَا قدرُوا عَلَيْهِ وأطلقوا جملَة من خيلهم ومتاعهم وبقى الثّقل من الْغلَّة والأثاث فَأخذ مِنْهُ مَا قدر عَلَيْهِ وَبقيت القلعة فِي يَده
وَسمع عُثْمَان مَا جرى فِي قلعته وربضها فضاقت عَلَيْهِ الأَرْض وَمَا كَانَ لَهُ سَبِيل إِلَّا مراسلة شرف الدّين قراقوش وسؤاله الْعَفو عَنهُ وَأَن يكون غُلَاما لَهُ وَأَن يكون الْجَبَل كُله فِي طَاعَته فَأَمنهُ وَأَعَادَهُ إِلَى قلعته وخلع عَلَيْهِ وأحضر لَهُ أهل الْجَبَل من أطاعه مِنْهُم واستحلفه على الطَّاعَة وَأعْطى الْبِلَاد الأجناد إقطاعات وَسَار بِهِ إِلَى مَا بقى من القلاع العاصية فَنزل على قلعة الْعَطش وَهِي قلعة عَجِيبَة حكى لي بعض أَصْحَابِي مِمَّن أَثِق بِهِ بعد مَا أقسم بِاللَّه أَنه مَا رأى بِالشَّام قلعة أَعلَى مِنْهَا وَلَا أحصن فَنزل تحتهَا وَهِي عالية جدا لَا يصل إِلَيْهَا النشاب فَأَقَامَ تحتهَا ثَمَانِيَة عشر يَوْمًا لَا يقاتلها لِأَنَّهَا لَا تقَاتل فاتفق فِي الْيَوْم التَّاسِع عشر أَن إنْسَانا من عبيد شرف الدّين تحيل وتسلق فِي الْجَبَل الَّذِي عَلَيْهِ القلعة وَلم يزل يتسلق من مَوضِع إِلَى مَوضِع إِلَى أَن قَارب سورها واختبى تَحت قلاعة لَا يصل إِلَيْهِ حجر لِأَن النشاب عِنْدهم قَلِيل
стр. 53
فَلَمَّا رأى النَّاس ذَلِك العَبْد قد تسلق انهالوا فِي دفْعَة وَاحِدَة وصعدوا الْجَبَل كَمَا صعد العَبْد فَصَارَ عِنْده جمَاعَة وَمَا كَانَ نصر أهل القلعة كَون أُولَئِكَ صَارُوا فِي ذَلِك الْموضع إِلَّا ان الله تَعَالَى خذلهم فَلَمَّا شَاهد من بالقلعة أُولَئِكَ نادوا وطلبوا الْأمان فَقطع عَلَيْهِم فطيعة أَعْطوهُ مبلغها وأبقاهم على حَالهم فِي قلعتهم بعد أَن استحلفهم على الطَّاعَة واقطع عَملهَا الأجناد ورحل عَنْهَا إِلَى قلعة يُقَال لَهَا أم لَامة فَنزل قَرِيبا مِنْهَا وَهِي فِي الحصانة على حَالَة لَا يقدر الْإِنْسَان عَلَيْهَا فَأَقَامَ تحتهَا مُدَّة شهر وَهُوَ لَا يقدر على قتالها بل يغنم الأجناد من الْبِلَاد وينهبون الضّيَاع وَيَأْخُذُونَ البربر يَقْتُلُونَهُمْ بِالسَّيْفِ وَالدُّخَان فِي المغاير وَكَانَ صَاحب هَذِه القلعة لَهُ نسب مُتَّصِل بمناية قبيل من البربر فِي جبل من جبال قفصة يزِيدُونَ على عشْرين ألف راجل فنفذ إِلَيْهِم واستمرت كتبه إِلَيْهِم يستدعيهم فوصلوا بعد هَذِه الْمدَّة
وَأَصْبحُوا فِي باكر يومهم يَنْسلونَ من كل حدب من الْجَبَل فَرَأى شرف الدّين وَأَصْحَابه مَا نالهم من كَثْرَة البربر وَكَانَت الطرقات الَّتِي ينزلون مِنْهَا من الْجَبَل كلهَا وعرة وَلم يكن بهَا طَرِيق سهل إِلَّا طَرِيق وَاحِدَة تقدر الْخَيل على الركض فِيهَا والصعود فِيهَا فَاسْتَقْبلهَا شرف الدّين بِجَمَاعَة مِمَّن مَعَه وبقى جمَاعَة فِي الخيم قَائِمين لحفظها وَلم يكن بالعاجز إِلَى أَن وصل إِلَى تِلْكَ الطَّرِيق وَقصد من كَانَ بهَا نازلا فَانْهَزَمُوا طالعين من حَيْثُ كَانُوا نزلُوا فلحق مِنْهُم جمَاعَة قَتلهمْ هُوَ وَأَصْحَابه وَأخذُوا عشْرين رجلا أسرى وَكَانَ من الْأُسَارَى صبى أَمْرَد مليح الصُّورَة عَلَيْهِ شعر طَوِيل كثيف وَجَاء إِلَى الْخَيْمَة وَقد انهزم كل من جَاءَ من الرجالة من كل طَرِيق نزلُوا مِنْهَا بانهزام من هَزَمه شرف الدّين من الطَّرِيق السهلة فَلَمَّا وقف
стр. 54
تَحت القلعة وَقد أشرف أَهلهَا مِنْهَا عَلَيْهِم كلهم من نَاحيَة الخيم قَالَ الْأَمِير جندار أقتل وَاحِدًا وَاحِدًا فَلم يزل يقتل وَاحِدًا وَاحِدًا إِلَى أَن قدم الصَّبِي الْأَمْرَد وَهُوَ مَعَ ذَلِك يضْحك غير مكثرت بِالْقَتْلِ فصاح أهل القلعة
أَمْسكُوا عَن قَتله وَنزل وَاحِد من القلعة وَقَالَ لشرف الدّين
نَحن نفتدي هَذَا مِنْك بِعشْرَة ألف دِينَار فَقَالَ شرف الدّين مَا أفعل فَبَلغهُ إِلَى عشْرين ألف دِينَار فَقَالَ
مَا أفعل ثمَّ قَالَ لأمير جندار
اضْرِب عُنُقه فصاحوا من القلعة لَا تفعل نَحن نفتديه بِمَا تُرِيدُ فَقَالَ لَا سَبِيل إِلَى تَركه ثمَّ ضربه أَمِير جندار ضَرْبَة أبان بهَا رَأسه عَن جسده فَمَا استتم قتل البَاقِينَ إِلَّا وَقد نزل من القلعة شيخ أحسن مَا يكون بَين الشُّيُوخ وَجَاء إِلَى شرف الدّين وَقَالَ
هَذِه مَفَاتِيح هَذِه القلعة خُذْهَا بَارك الله لَك فِيهَا فَأَنا صَاحبهَا فَعجب شرف الدّين من ذَلِك وَمَا أعْطى أَمَانًا وَلَا قولا فَلم يكن شرف الدّين بالعاجز أَن نفذ فِي فوره من قبل أَن يتقصى من الشَّيْخ مَا سَبَب ذَلِك فجَاء من أَصْحَابه مائَة رجل طلعوا إِلَى القلعة وَحين صَارُوا بهَا أنزلوا من كَانَ فِيهَا وَأَغْلقُوا بَابهَا وَكَانَ بهَا ذخائر عَظِيمَة
ثمَّ إِن شرف الدّين أحضر الشَّيْخ وتقصى مِنْهُ بعد ذَلِك وَقَالَ لَهُ يَا شيخ مَا السَّبَب الَّذِي أوجب أَن تُعْطى هَذِه القلعة الَّتِي مَا يقدر عَلَيْهَا أحد من غير عهد وَلَا أَمَان فَقَالَ إِن فِي قصتي عجبا هَذَا الشَّاب الْأَمْرَد الَّذِي قتلته وَلَدي وَمَا كَانَ لي ولد غَيره وَكَانَ بَينه وَبَين أَوْلَاد أخي معاداة وَكنت أوثر أَن تكون هَذِه القلعة لَهُ فَلَمَّا قتلته
стр. 55
علمت أنني إِن تركت القلعة فِي يَدي وأصابني الْمَوْت أَخذهَا أَوْلَاد أخي بعد وَلَدي وَمَا آثرت ذَلِك وآثرت أَن أمنعهم من ذَلِك بعده وسلمتها إِلَيْك فرق لَهُ شرف الدّين عِنْد ذَلِك وَقَالَ لَو أعلم هَذَا مَا قتلته
وَأخذ شرف الدّين مِنْهَا أَمْوَالًا وذخائر عَظِيمَة ورحل عَنْهَا بعد مَا سلمهَا للشَّيْخ واستحلفه أَنه مَتى طلبَهَا وسير إِلَيْهِ من يكون فِيهَا سلمهَا إِلَيْهِ وَتوجه شرف الدّين إِلَى قلعة حسن فَنزل عَلَيْهَا أَيَّامًا وَلم يقدر مِنْهَا على شَيْء وَكَانَ أَهلهَا ينزلون فيقاتلون فِي الوطا فَرَحل عَنْهَا وَمضى إِلَى نَاحيَة جِهَة مطاطة ونازلها وَهِي بلد مَا بَين قابس وقفصة وَإِلَى قابس أقرب مِقْدَار نصف نَهَار فَنزل عَلَيْهَا وقاتلها أَيَّامًا
وَدخلت سنة سبع وَسبعين وَخمْس مائَة
فِيهَا نقل المستضئ قدس الله روحه من الدَّار الَّتِي كَانَ مَدْفُونا فِيهَا إِلَى الدَّار العتيقة لبَعض الْجِهَات غربي دجلة من بَغْدَاد عِنْد رَأس الجسر مجاورة لجامع فَخر الدولة بن الْمطلب وَكَانَت الْعَادة أَن يدْفن الْخُلَفَاء بمقابر قُرَيْش بالمحلة الْمَعْرُوفَة بالرصافة إِلَّا المستضئ رضوَان الله عَلَيْهِ فَإِنَّهُ ذكر عَنهُ أَنه أوصى بذلك وَقيل إِن الإِمَام النَّاصِر لدين الله صلوَات الله عَلَيْهِ اخْتَار هَذِه الْحَال لأجل خريدة أَمِير الْمُؤمنِينَ لِئَلَّا تبعد عَلَيْهَا زيارته وَلَا تَجِد من بدله بعد الطَّرِيق فَاخْتَارَ ذَلِك لقُرْبه وَأقَام للموضع فراشين وبوابين فَلَا يقدر أحد على الدُّخُول لزيارته إِلَّا بِإِذن وأوقف عَلَيْهِ وقوفا كَثِيرَة وَجعل لتربته الرَّاتِب من الشموع والوظائف من المخزن الشريف وَعمل على ضريحه صندوقا من الساج وَغرم عَلَيْهِ مبلغا من المَال
стр. 56
وَلما أَرَادَ الْخَلِيفَة أيد الله دولته حمل الإِمَام المستضئ بِأَمْر الله من الدَّار الَّتِي كَانَ مَدْفُونا بهَا إِلَى التربة الْمَذْكُورَة فِي الْجَانِب الغربي من بَغْدَاد أَمر بِأَن تهبأ السَّفِينَة الْمَعْرُوفَة بالزبزب وَقد غرم عَلَيْهَا مَالا جزيلا وَهِي عَجِيبَة الصَّنْعَة يجدف بهَا ملاحون عدَّة جمَاعَة مِنْهُم يجدفون فِي الْهوى من مؤخرها وَجَمَاعَة يجدفون فِي المَاء من صدرها فبرز الْأَمر النَّبَوِيّ بِحُضُور أَرْبَاب الدولة وَأهل الْعلم والصوفية والقراء وأشراف النَّاس على طبقاتهم لتحويل الإِمَام السعيد المستضئ بِأَمْر الله فَحَضَرَ النَّاس واكترى كل وَاحِد مِنْهُم سفينة على قدر وَسعه وَأخذُوا من الشموع مَا لَا يُحْصى حصرا وَلَا عدَّة فَأشْعلَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَكَانَ الشط بأسره من كلا جانبيه لَا يرى فِيهِ مَوضِع خَال إِلَّا وَفِيه سفينة أَو سمارية يزحم بَعْضهَا بَعْضًا فَكَانَت الدجلة تتقد من الْجَانِبَيْنِ كشعلة نَار من كَثْرَة الشموع الَّتِي أشعلت فِي تِلْكَ اللَّيْلَة وَكَانَ النَّاس قيَاما فِي أماكنهم والقراء يقرءُون الْقُرْآن وَأهل بَغْدَاد من الْجَانِبَيْنِ لَا يُحْصى عدتهمْ إِلَّا الله تَعَالَى بِحَيْثُ لم يتَخَلَّف عَن الْخُرُوج فِي تِلْكَ اللَّيْلَة إِلَّا من هُوَ عَاجز لم يقدر على الْخُرُوج
وَكَانَ أستاذ الدَّار أَبُو الْفضل بن الصاحب هُوَ الْمُبَاشر لهَذِهِ الْحَال والمرتب لَهَا فَنقل رضوَان الله عَلَيْهِ وَدفن بَاقِي ليلته وأحضرت الربعات فَكَانَ النَّاس يقرءُون ويختمون وَالْعُلَمَاء يعظمون وَاحِد بعد وَاحِد إِلَى أَن مَضَت ثَلَاثَة أَيَّام بلياليهن وهم فِي التربة الْمَذْكُورَة فَلَمَّا كَانَ الْيَوْم الثَّالِث آخِرَة نَهَاره حضر عماد الدّين صندل الْخَادِم الْخَاص وَتقدم إِلَى النَّاس بالانكفاء فَتَفَرَّقُوا
стр. 57
وَفِي هَذِه السّنة تقدم النَّاصِر لدين الله ينْقض السَّفِينَة الْمَذْكُورَة الْمَعْرُوفَة بالزبزب وَقَالَ
لَا حَاجَة أَن تكون هَذِه بالدجلة بِإِزَاءِ التَّاج الشريف لترقب من يَمُوت يحمل بهَا وَإِنِّي كلما رَأَيْتهَا تكدرت عَليّ الْحَيَاة وَإِذا مت مَا يتَعَذَّر أَن يعْمل مثلهَا فَأمر ينقضها فنقضت وَكَانَ قد غرم عَلَيْهَا أَمْوَالًا عَظِيمَة وَكَانَت من أحسن السفن المركوبة وَكَانَ إِذا ورد إِلَى بَغْدَاد سُلْطَان وتغلب على دَار الْخلَافَة وَأَرَادَ الْحُضُور إِلَى الْخدمَة فَلَا يركب إِلَى التَّاج الشريف إِلَّا فِي هَذِه السَّفِينَة
ذكر مَا جرى وتجدد للْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين من الْأَحْوَال بِمصْر وَالشَّام
وَدخلت سنة سبع وَسبعين وَخَمْسمِائة وَالسُّلْطَان مُقيم بِالْقَاهِرَةِ مواظب على تَرْتِيب أَحْوَال الديار المصرية ناشر للعدل فِي الرّعية باذل لمعروفه وَمَا يسديه من مَكَارِم أخلاقه لقاصديه إِذْ وصلته الْأَخْبَار بِمَا تجدّد فِي الشَّام من موت الْملك الصَّالح إِسْمَعِيل بن نور الدّين مَحْمُود
ذكر وَفَاة الْملك الصَّالح صَاحب حلب
قد سبق قَوْلنَا من قبل فِي ذكر الْملك الصَّالح إِسْمَعِيل بن مَحْمُود بن زنكي وَمَا آل إِلَيْهِ أمره بعد وَفَاة أَبِيه من سوء تَدْبِير مدبريه فحين وصل السُّلْطَان من مصر إِلَى الشَّام لما وَصله من احتلال الثغور وَأَرَادَ إِصْلَاحه وَأَن يضمه
стр. 58
إِلَيْهِ فصده عَن ذَلِك بعض مماليك أَبِيه وَظهر مِنْهُ التأبي فَأخذت بِلَاده بلجاجهم واقتنع بحلب وَلم يزل يحكم المسئولين عَلَيْهِ إِلَى أَن قضى نحبه فأسرع ابْن عَمه عز الدّين مَسْعُود صَاحب الْموصل إِلَى حلب فاستولى على خزانته وَعلم أَنه لَا يسْتَقرّ لَهُ بهَا أَمر فَرغب أَخَاهُ عماد الدّين زنكي صَاحب سنجار فِي تعويضها لَهُ بحلب فتسلمها وَسلم سنجار إِلَيْهِ
وَلما سمع السُّلْطَان بِمصْر بوفاة الْملك الصَّالح وبلغه مَا جرى بعد وَفَاته نَدم على الْبعد عَن الشَّام وَشرع فِي التَّوَجُّه من مصر إِلَى الشَّام فَكتب إِلَى وَالِدي الْملك الظفر رضوَان الله عَلَيْهِ كتابا وَكُنَّا حِينَئِذٍ بحماة وَمَا يجْرِي مَعهَا من الْأَعْمَال والولايات يَأْمُرهُ بالتأهب والنهوض بعسكره ويعرفه أَنه سيدركه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَكَانَ نَائِبه بِدِمَشْق عمى عز الدّين فرخشاه قد نَهَضَ إِلَى الكرك فِي مُقَابلَة الإبرنس بهَا وَكَانَ يحدث نَفسه أَن يقْصد تيماء فِي الْبَريَّة وَاعد لذَلِك الأزواد والروايا فَعرف السُّلْطَان اشْتِغَاله بِتِلْكَ الْجِهَة
وَكتب أَيْضا كتابا إِلَى الْأَمِير معِين الدّين عبد الرَّحْمَن بن أنر صَاحب الراوندان يَأْمُرهُ أَن يكون فِي مساعدة وَالِدي وَتَحْت رَأْيه ومعاضدته وَكَانَ ذَلِك فِي الْعشْر الآخر من شعْبَان من السّنة مصدره
صدرت هَذِه
стр. 59
الْمُكَاتبَة إِلَى حَضْرَة الْأَمِير وَنعم الله عندنَا وارفة الظلال وافرة النوال سائفة الزلَال سابغة الأذيال فائضة المنال رابضة فِي حمى الاسْتقَامَة والاعتدال مستزادة منا بالشكر على الْمَزِيد مستدامة فِي تأييدها على التأييد وَالْحَمْد لله على ذَلِك حمدا يُؤمن شَمل نظامه من التبديد وَيُؤذن لمنهج نهج حِدته بالتحديد وَعِنْدنَا من الارتياح إِلَى بهجته واجتلاء أنوار غرته مَا يشْهد بِهِ ضَمِيره الْكَرِيم وَالله سُبْحَانَهُ هُوَ الشَّهِيد الْعَلِيم والاجتماع بِحَمْد الله قد قرب بعيده وَقصر متطاول أمده ومديده والتداني لكل مَا جنته يَد التنائي كَاف والشفاء الْمُقدر لكل مختل ومعتل مُسَدّد وَورد الِاعْتِدَاد بِهِ بِحَمْد الله صَاف ورداء الالتحاف بالاحتفال لمودته ضاف وَقد عرف مَا تجدّد من وَفَاة صَاحب حلب وَهِي ولاتينا الَّتِي لَا نثنى عَنْهَا عنان الطّلب فَإِنَّهَا فِي تقليدنا من أَمِير الْمُؤمنِينَ صلوَات الله عَلَيْهِ وَمَا تركناها للْملك الصَّالح بعد التَّصَرُّف فِيهَا وَحُصُول حصونها ومعاقلها فِي أَيْدِينَا إِلَّا رِعَايَة لحقوق أَبِيه ورغبة فِيهِ وَلَا مَانع الْآن عَنْهَا من يَمِين معقودة وَلَا عدَّة معهودة وَقد وَفينَا للمتوفى بعهده وأرجأنا الْيَوْم مَعَه الْأَمر إِلَى غده والآن فقد سفر لنا وَجه الْحق وَبَان ودنا لنا مصعبه وأصحب ودان وولدنا تَقِيّ الدّين هُنَاكَ بِالْقربِ وعساكرنا جَارِيَة على حكمه ومعذوقة عزائمنا بماضي عزمه فلتكن أَيْدِيكُم متساعدة متعاضدة ونياتكم وعزماتكم على التعاون متعاقدة والقلوب وَاحِدَة والعساكر فِي استخلاص الْحق مترادفة متوافدة والأمير أولى من توفر بِرَأْيهِ الصائب وعزمه الثاقب على هَذَا الْأَمر المهم وَجرى من مألوف نَفَقَته ومعهود مناصحته على الرَّسْم وَنحن واصلون بعون الله تَعَالَى على الْأَثر بالنصر وَالظفر والعديد الأوفر والعتاد الْأَكْثَر وقادمون فِي همة وعساكر جمة ومضاء عزمه لَا عائق لما بلغت وُجُوه اللهاذم وَلَا مَانع بِحَمْد الله يجلى عَن وردهَا ظماء الصوارم ومعين الدّين أوفى معِين وأندى يَمِين وأروى وأعذب معِين وَأقرب قرين وَأَشْجَع لَيْث عرين فلينهض بِنَفسِهِ وَعَسْكَره ويوثق فِي هَذَا الْمقَام حسن أَثَره وَيعْمل عمل الْمَرْء لنَفسِهِ وينتصف ليومه من أمسه
стр. 60
ذكر مُكَاتبَة سلطانية إِلَى مجد الدّين ابْن الصاحب أستاذ دَار الْخلَافَة المعظمة يصف فِيهَا بلاءه فِي الْإِسْلَام وجهاده ونصيحته للدولة العباسية وَيذكر فِيهَا غدر المواصلة وَمن تقدمهم
ذكرنَا ذَلِك مُخْتَصرا نسختها
أدام الله إقبال سامي مجْلِس الصاحب وأندى سعاداته وأيد بالنجح إراداته وحلى بالمكارم والمحامد سجاياه وعاداته وأنجز بنصر أولياءه وكبت عداته وَلَا زَالَت أَمْدَاد الزِّيَادَة لَهُ والسعادة نامية وآماد عزه فِي سَمَاء مجده مترامية وأعين مناويئه فِي مناره عَن الطموح إِلَى ذرى فخاره متغاشية متعامية وديم الْكَرم فِي فضاء فضائله من سَمَاء سماحه هامرة هامية مَا سفر وَجه وَتوجه سفر وَقدر أَمر وَقد أَمر بعد مَا أصدر مَمْلُوك الدَّار العزيزة ثَبت الله قَوَاعِد مجدها وَشد بعرى النَّصْر معاقد سعدها مطالعاته الَّتِي أعرب فِيهَا عَن صَاحب الْموصل وَأَنه قد طمع فِي حلب وطمح إِلَيْهَا وَمد عين التَّعَدِّي بالاحتواء عَلَيْهَا وَأَنه نكث الْأَيْمَان المبرمة ونقضها وَترك المراقبة الَّتِي فَرضهَا الله بِأَن رفضها فَإِن حلب وأعمالها دَاخِلَة فِي ولايتنا دُخُولا يشْهد بِهِ الْمِثَال وينطق بِحقِّهِ المنشور العال الْموقع لَهُ من مقرّ العظمة والجلال بلغه أَنه بلغ الْفُرَات وقطعه قَاطعا لما أَمر الله بِهِ أَن يُوصل من الْعَهْد وجسر على عبور جسره بل خسر حَيْثُ جَاوز حد التَّعَدِّي بتعدي الْحَد وَوصل إِلَى حلب ممتريا حلف الْخلاف متنكبا طَرِيق الْإِنْصَاف وَقد أحوجته قلَّة عسكره إِلَى الاستكثار بِمن فِي الْبَلَد من الأجناد والأشباه من رعية الْبِلَاد هَذَا وذوو التَّمْيِيز وَأهل الرّيّ والمشورة من أُمَرَاء الْعَسْكَر الْحلَبِي لم يرْضوا وَلم يرفعوا بِهِ رَأْسا وَمَا ازدادوا بِهِ إِلَّا استيحاشا لَا استئناسا وَمن حلف لَهُم حَيْثُ أكرهوه حلف على الْمقَام إِن طابت نَفسه بخدمته أَو مُفَارقَته إِلَيْنَا والانحياز عَن
стр. 61
جِهَته وَمن هَؤُلَاءِ الْأُمَرَاء مِمَّن هُوَ أحماهم حَقِيقَة وأحقهم حمية وآباهم نفسا وأنفسهم آبية من فَارقه متاركا وشاققه مباكتا وَذهب مغاضبا وتحيز إِلَى جانبنا وَأعْرض عَنهُ جانبا وَوصل إِلَى نوابنا بِالشَّام متوسلا إِلَيْنَا لنَفسِهِ بآرائه وآرابه ورسولا عَمَّن وَرَاءه من رفقائه وَأَصْحَابه وشاع أَيْضا أَن عَسْكَر حلب أغار على الراوندان وَهِي أحد مَا فِي عَملنَا وتصرفنا لَهُ ولولايته شَامِل ورسولهم عِنْد الفرنج يستنجدهم فِي شغلنا ويغريهم ويبذل لَهُم الرغبات ويضريهم وَقد راسل الحشيشية وَالْمرَاد من الرسَالَة غير خَافَ وَالْعلم بالمعتاد مِنْهَا كَاف وَمَا تهَيَّأ للمذكور الْوُصُول إِلَى حلب إِلَّا بِسَبَب غيبَة ابْن أخينا فِي أقْصَى بِلَاد الفرنج فِي أول بَريَّة الْحجاز وَقد نَهَضَ إِلَيْهِم بالعسكر مُعْتَرضًا لَهُم فِي الْمجَاز فَإِن طاغيتهم جمع خيله وَرجله وَاسْتعْمل فِي الاستكثار من الزَّاد والآلات وَالْعدَد منته وجهله وحدثته نَفسه الخبيثة بِقصد نيماء وَهِي دهليز الْمَدِينَة على ساكنها السَّلَام واغتنم كَون الْمَدِينَة مخصبة فِي هَذَا الْعَام فقفى ابْن أخينا أَثَره وَأخذ عَلَيْهِ مورده ومصدره وعارض بالعسكر الْمَنْصُور عدوه المخذول وَعَسْكَره وَذَلِكَ بعد أَن أنضى عزمه وأمضى ركابه وجهده وَمنع الْكَافِر المخذول وَصد قَصده وَلم يعلم بوفاة ولد نور الدّين ﵀ إِلَّا بعد عودته من نهضته وَقد حسن بِحَمْد الله أثر عزمته واستنقذ بركَة وَجهه فِي غزوته وَلم يشك هُوَ وَلَا غَيره أَن صَاحب
стр. 62
الْموصل لَا يتَعَرَّض للبلاد لأمرين أَحدهمَا أَنه لَا يتَصَرَّف إِلَّا على الْأَوَامِر الشَّرِيفَة المطاعة الَّتِي تَأمر بِالْوَفَاءِ وتنهى عَن الْغدر وَالْآخر أَنه لَا ينْقض يَمِينا لَيْسَ فِي نقضهَا وَجه من الْغدر وَالْعجب أننا نحامي عَن قبر النَّبِي ﷺ مشتغلين بهمة وَالْمَذْكُور يُنَازع فِي ولَايَة هِيَ لنا ليأخذها بيد ظلمه وَكم بَين من يحارب الْكفْر وَيحمل إِلَيْهِم قواصم الْآجَال وَبَين من يتخذهم بطانة دون الْمُؤمنِينَ وَيحمل إِلَيْهِم كرائم الْأَمْوَال وَبَين بعيد من دَار الْخلَافَة المعظمة يفترض الطَّاعَة ويستفرغ فِي مراضيها الِاسْتِطَاعَة وَلَا يحل وَلَا يعْقد إِلَّا بمراشدها وَلَا يقوم وَلَا يعْقد إِلَّا بمراصدها وَلَا يصدر وَلَا يُورد إِلَّا عَن مصادرها ومواردها وَبَين آخر يدعى أَنه أقرب جِيرَانهَا وَلَا يمت بل لَا يَمُوت إِلَّا بعصيانها ويخطب لأهل الْخلاف على الْخلَافَة ويجهر بأسمائها وينشر فِي ولَايَته راية أعدائها وكل يعْمل على شاكلة أسلافه فَهُوَ يمري بيد المراء كعادتهم العادية أخلاف أحلافه وَنحن لَا نتدين إِلَّا بِطَاعَة الإِمَام وَلَا نرى ذَلِك إِلَّا من أَرْكَان الْإِسْلَام هَذَا مَعَ مَا نعد فِي الْملَّة الحنيفية والدولة الهادية العباسية مِمَّا لَا يعد مثله أَو لَا لأبي مُسلم لِأَنَّهُ أقدم ثمَّ ضام وأمال ثمَّ آلام ووالي ثمَّ ونى وَجل وجلا ثمَّ أخل وأخلى وَلَا يعد آخرا لطغر لبك فَإِنَّهُ نصر وَنصب ثمَّ حجر وحجب وَقد عرف مَا فضلنَا الله تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِمَا فِي نصر الدولة وَقطع من كَانَ يُنَازع الْخلَافَة رداءها وإساغته الغصة الَّتِي ذخر الله لَا ساغته فِي سبقه بِنَا إِيَّاهَا
стр. 63
وتطهير المنابر من رِجْس الأدعياء وإطلاع أنوار السمات كاشفة ظلم تِلْكَ الْأَسْمَاء وإنارة صباح الْهدى بعد امتداد رواق الضَّلَالَة المدلهمة الظلماء وَلم نَفْعل مَا فَعَلْنَاهُ لأجل الدُّنْيَا فَلَا معنى للاعتداد بِمَا الْجَزَاء عَنهُ بِالْحُسْنَى متوقع فِي العقبى غير أَن التحدث بِنِعْمَة الله وَاجِب والتبجح بِالْخدمَةِ الشَّرِيفَة والأفتخار بالتوفيق لَهَا على السجية غَالب وَلَا غنى عَن بروز الْأَوَامِر الشَّرِيفَة إِلَى الْمَذْكُور بِأَن يلْزم حَده وَلَا يتَجَاوَز حَقه فَلَا ولَايَة لَهُ من خَليفَة يقْتَرن بِهِ بهاء المضاء وَلَا وراثة لَهُ فِي أَرض الله فَإِن الأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء فَإِن أطَاع وأناب وَرجع عَن الْخَطَأ وعاود الصَّوَاب وَترك الْحق لأَهله وَأخذ الْوَفَاء فِي سلوك سبله وَإِلَّا فَمَا قصدنا إِلَّا أَن نقاتله وَهُوَ لأمر الْخلَافَة المعظمة مُخَالف وَنحن طائعون والمشار إِلَيْهِ متصامم وَنحن سامعون وَكفى بالمحق نصْرَة أَنه على الرشد الْكَامِل وبالمبطل خذلانا أَنه طَالب للباطل
فصل مِنْهُ
هَذَا وَمَا بِنَا بِحَمْد الله قُصُور عَن أَن نصده عَن قَصده ونرديه ثوب الْعَجز برده ونكيل لَهُ بصاعه ونعثره فِي عثير إسراعه ونحسم داءه وَإِن أعضل مَرضا ونرميه بسهام من عِنْد الله تَعَالَى لَا تقبل غَيره غَرضا وَلَا شكّ أَن التحارب يحيره والإدبار يَصْحَبهُ فِيمَا يدبره وَقد طالع الدِّيوَان الْعَزِيز بطبه مستشفيا ولشرح قصَّته مُسْتَوْفيا ولعذره فِي جَمِيع الْأَحْوَال مبليا وَلَا غناء عَن نظره السَّامِي ليَكُون للمراد مُتَوَلِّيًا ولراية الْحق معليا لَا زَالَ لذخائر الْحَمد مقتنيا ولقواعد الْمجد متبنيا ورأيه أسمى إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 64
ذكر مسير سيف الْإِسْلَام ظهر الدّين طغتكين إِلَى الْيمن
وَذَلِكَ لما كَانَ يجْرِي بَين الْأَمِير عز الدّين عُثْمَان بن الزنجاري وَإِلَى عدن وَبَين الْأَمِير حطَّان بن منقذ الْكِنَانِي وَإِلَى زبيد من الْفِتَن والأمور الَّتِي تكون مَعهَا عَاقبَتهَا إِلَى فَسَاد الدول فأحضر السُّلْطَان أَخَاهُ سيف الْإِسْلَام طغتكين وَقرر مَعَه أيمضي إِلَى الْيمن وَينظر فِي أُمُور بلادها ويتولاها ويولي ويعزل ويستبدل فَسَار إِلَى الْيمن فحين علم بِهِ حطَّان خَافَ مِنْهُ وَأَوَى إِلَى بعض الْحُصُون فتحصن مِنْهُ واستكن مِنْهُ ومازال يمنيه ويرغبه فِي الْولَايَة بَين يَدَيْهِ وحطان يسْأَل الْإِذْن بالمضي إِلَى الشَّام فَأذن لَهُ فَجمع حطَّان جَمِيع أَمْوَاله وذخائره من ذهب وَفِضة وجواهر ويواقيت وآلات وَعدد وخيول عراب وَأمر غلمانه أَن تاتي بالجمال فحملها جَمِيع الْأَمْوَال وَظن أَنه ينجو بذلك وَركب ليسير بِمَالِه إِلَى الشَّام فَأمر برده إِلَيْهِ ليودعه فَلَمَّا دخل إِلَيْهِ اعتقله وسير وَرَاء مَاله وخزانته وأثقاله من ردهَا إِلَيْهِ فاستولى عَلَيْهَا ثمَّ أنفذه إِلَى بعض المعاقل فحبسه ثمَّ قَتله
وَفِيمَا ذكر للسُّلْطَان من خبر مَاله وذهبه مَا يُغني عَن تفاصيل جملَته نَيف وَسَبْعُونَ غلافا من غلف الزرد وَكَانَت مَمْلُوءَة بِالذَّهَب الْأَحْمَر وَقوم الْمَأْخُوذ بِأَلف ألف دِينَار
стр. 65
وَأما الْأَمِير عُثْمَان الزنجاري فَإِنَّهُ لما سمع بِسيف الْإِسْلَام ظهير الدّين طغتكين تجهز إِلَى الشَّام وَفَارق الْيمن
ذكر البطسة الفرنجية الْوَاقِعَة إِلَى بَحر دمياط وَالظفر بهَا وَذَلِكَ بعد غدر من الفرنج فِي أَوَاخِر السّنة الْمَذْكُورَة
كَانَ السُّلْطَان قد عقد هدنة مَعَ الفرنج فَنَكَثُوا قبل انْقِضَائِهَا تعرضا للفتنة وَجرى عِنْد ذَلِك من الاتفاقات الْحَسَنَة أَن بطسة عَظِيمَة من المراكب الفرنجية مقفلة من بلد لَهُم يُقَال لَهُ بوليه تحتوي على أَلفَيْنِ وَخمْس مائَة نفس من رِجَالهمْ وأبطالهم وأتباعهم وهم على قصد زِيَارَة الْقُدس فألقتهم الرّيح إِلَى ثغر دمياط فغرق مِنْهُم شطرهم وَسلم الْبَاقُونَ فأسروا جَمِيعًا فَحصل فِي الْأسر مِنْهُم ألف وسِتمِائَة وَسَبْعُونَ نفسا فذل لتِلْك الْوَاقِعَة جَانب الْكفْر وَاتفقَ ذَلِك أَمَام اهتمام السُّلْطَان بِالْمَسِيرِ إِلَى الشَّام لما جرى فِيهِ من الاختلال بِمَوْت صَاحب حلب وغدر صَاحب الْموصل وتجهز بعساكره المنصورة لقصده وَوَافَقَ ذَلِك دُخُول سنة ثَمَان وَسبعين وَخَمْسمِائة وَسَنذكر الْحَادِثَة فِيهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى
وَاقعَة شرف الدّين قراقوش المظفري فِي هَذِه السّنة
وَلما دخلت سنة سبع وَسبعين رَحل شرف الدّين عَن جِهَة مطماطة وَمضى
стр. 66
إِلَى إفريقية وَنزل على اربس وَهِي مَدِينَة عَظِيمَة وَقد اجْتمع مَعَه جمَاعَة من الْعَرَب من مرداس وَمن الرجالة وَأقَام عَلَيْهَا أَيَّامًا وَعمل عَلَيْهَا منجنيقا فَلم يقدر عَلَيْهَا ورحل عَنْهَا إِلَى سوبيريه وَلم ينزل عَلَيْهَا بل أغار على بلادها وترددت إغاراته على اربس وبلادها وَمَا حولهَا أشهرا وَجعل يرحل من مَوضِع إِلَى مَوضِع لِأَنَّهَا كَانَت أَيَّام الرّبيع إِلَى أَن انْقَضى الرّبيع وَجَاء الصَّيف فَرَحل وأوغل فِي بِلَاد إفريقية وانتهب مِنْهَا مَا قدر عَلَيْهِ وغنم أَصْحَابه الْغَنِيمَة الْعَظِيمَة وَعَاد إِلَى قفصة بمكاتبة كَانَت من بعض شيوخها إِلَيْهِ وواعده لَيْلَة بِعَينهَا لِأَن الْمُوَحِّدين كَانُوا قد أخذوها من بني الربذ فِي سنة خمس وَسبعين وَخَمْسمِائة وَأَهْلهَا كثير وفيهَا من أَصْحَاب ابْن عبد الْمُؤمن جمَاعَة فوصل إِلَيْهَا فِي اللَّيْلَة الَّتِي واعده الشَّيْخ على شرفتها فَمَا تهَيَّأ لَهُ ذَلِك بل عمل السلاليم الَّتِي أعدهَا للشرفة وطلع أَصْحَابه فشعر بهم الموحدون وَجَاءُوا إِلَيْهِم فأنزلوهم أَشد إِنْزَال وَكَانَ الشَّيْخ على السُّور فَأَخذه مَعَه وَقبض عَلَيْهِ وَقَيده وَترك فِي رقبته غلا ورحل عَن قفصة فَلَمَّا أبعد عَنْهَا أطلقهُ وَقَالَ لَهُ
عملت بك مَا عملت خشيَة عَلَيْك حَتَّى لَا يُقَال عَنْك إِنَّك عاملت على الْمَدِينَة فَتقْتل وَأَنا بعد إِن شَاءَ الله أرجوك فِي وَقت غير هَذَا وعاهده وَمضى
وطالت مُدَّة إِقَامَة شرف الدّين يتَرَدَّد بأفريقية وَانْقطع خَبره الصَّحِيح عَن نَاصِر الدّين إِبْرَاهِيم ووصلته أَخْبَار سارة بِأَن قراقوش هلك فسارع فِي النُّزُول على قلعة أم الْعِزّ وحاصرها وَكَانَت خَالِيَة من الرِّجَال وَإِنَّمَا كَانَ فِيهَا النسوان وَمَعَهُمْ الحسام البقش أحد أَصْحَاب شرف الدّين وثقاته وَمَعَهُ
стр. 67
نفر قَلِيل فَلم يزل حَتَّى أَخذ القلعة وَأخذ جَمِيع مَا كَانَ فِيهَا من ذخائر شرف الدّين وأمواله وَأخرج النسوان مِنْهَا ووكل عَلَيْهِنَّ وعَلى الحسام البقش وتركهم فِي مَوضِع
وَاتفقَ أَن شرف الدّين عِنْد رحيله عَن أم لَامة توجه إِلَى بلد القيروان وَنزل على مَوضِع يُقَال لَهُ السِّكَّة فِي أَوَاخِر سنة سبع وَنصب عَلَيْهَا منجنيقا وقاتله وَكَانَ مَعَه من الْعَرَب سليم الشريد فِي قريب من ألف فَارس وَقد وَصله حميد بن جَارِيَة فِي هَذِه السّنة فِي مِائَتي فَارس وَترك قبيلته لما استضعفوه واستهانوه فَلم يشعروا فِي أول النَّهَار إِلَّا وَالْحَرب قد قَامَت بَين حميد والشريد وَكَانَ الشريد أَكثر من حميد فَوَقَعت حمية قراقوش لحميد فنفذ عسكرا عونا لحميد فَلَمَّا شَعرت مَشَايِخ الشريد بذلك ارتحلت عَنهُ وَتركته وَحميد فَمَا بعدوا إِلَّا وعسكر الْمُوَحِّدين فيهم أحد أَوْلَاد عبد الْمُؤمن يُقَال لَهُ أَبُو مُوسَى فِي نَحْو من عشرَة ألف فَارس وَعشرَة ألف راجل وَمَا عِنْد شرف الدّين قراقوش خبر مِنْهُم حَتَّى أطل الْعَسْكَر من نَاحيَة الْجَبَل وَنزل الوطاء فندم على مُفَارقَة الشريد وَنفذ يستصرخهم فعادوا غليه خيالة من غير أهل وَتركُوا أهلهم ومضوا لحالهم ووصلوا إِلَيْهِ وَقَالُوا يَا شرف الدّين يَا سُلْطَان نَحن لَك على مَا تحب إِن طردتنا نزحنا وَإِن استدنيتنا حَضَرنَا وشال الْعَسْكَر أثقاله وَبَقِي المنجنيق ولز وُصُول الْعَسْكَر وَالنَّاس يَقُولُونَ
يَا خوند أطلنا الْعَسْكَر وَهُوَ يَقُول وَالله مَا أروح إِلَّا بالمنجنيق وَلم يزل حَتَّى رَفعه على الْجمال وَضرب لمقدم عَسْكَر الْمُوَحِّدين خيمة وَاحِدَة ووقف الْعَسْكَر بأسره فَسئلَ بعد ذَلِك عَن الْخَيْمَة مَا كَانَ سَبَب ضربهَا فَقَالُوا نزل السَّيِّد يلبس فِيهَا لَامة حربه
стр. 68
وَنفذ شرف الدّين الشهَاب ابْن الْمُقدم وَجعله مقدما على الشاليشية وَأَرَادَ أَن يبصر كَيفَ حَرْب الْمُوَحِّدين وطمعوا فيهم فرموا مِنْهُم جمَاعَة وَأتوا بخيولهم إِلَى شرف الدّين فَزَاد الطمع وَنفذ الْعَرَب الشريد وذباب وَأَصْحَاب حميد فَصَارَ الْجَمِيع قَرِيبا من ألف وَخمْس مائَة فَارس وَوَقع الطراد بَينهم وطمعوا فِي الْمُوَحِّدين ونفذوا إِلَى شرف الدّين أَن يقدم إِلَيْهِم
وَكَانَ شرف الدّين قد نفذ الثّقل وأوصله إِلَى رجائل الْعَرَب وَعَاد وَمَعَهُ ثَلَاثمِائَة فَارس فأطل على الْقِتَال وَحمل حَملَة وَاحِدَة بِمن مَعَه وَمن كَانَ تقدمه فانكسر الموحدون وارحت عَلَيْهِم الكرة ولازال الطراد فيهم وَالْأَخْذ إِلَى مَدِينَة القيروان فَدَخلَهَا السَّيِّد أَبُو مُوسَى مقدم الْعَسْكَر وَعَاد شرف الدّين ظافرا وغنم عسكره وأسروا جمَاعَة من المقدمين فَكَانَ مِمَّن أسر ابْن مثنى صَاحب ديوَان أفريقية وَالْقَاضِي قية وَالْقَاضِي ابْن ماسكة قَاضِي إفريقية وَجَمَاعَة كَبِيرَة مِنْهُم من فدى نَفسه بِخَمْسَة ألف دِينَار وَسِتَّة ألف دِينَار إِلَى الف وَأما ابْن الْمثنى فَإِنَّهُ كَانَ قد أَخذه بعض الْعَرَب يُسمى نعيم فنفذ إِلَيْهِ شرف الدّين أَخذه وَأَعْطَاهُ ألفي دِينَار وَتَركه فِي خيمة فترددت الرسائل بَينهمَا فِي الْفِدَاء فَقطع على نَفسه خَمْسَة وَسِتِّينَ ألف دِينَار عينا وبأربعين ألف مَتَاعا من عمل سوسة والمهدية وَمَا بَات شرف الدّين فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الَّتِي كَانَت الكسرة فِي يَوْمهَا حَتَّى اخذ السِّكَّة الَّتِي كَانَ يحاصرها لاستسلام أَهلهَا وَقطع عَلَيْهِ عشْرين ألف دِينَار فَرَحل عَنْهَا وَقطع القيروان وَنزل بَينهَا وَبَين المهدية على بلد يُسمى لودر فَلم يزل عَلَيْهَا إِلَى أَن استوفى مَا كَانَ قطعه على ابْن مثنى وَأطْلقهُ من هُنَاكَ
وَمن أعجب الْأَشْيَاء أَن بعض الأتراك أَخذ قماشا فِي الكسرة فَكَانَ لكاتب السَّيِّد أبي مُوسَى فَوجدَ فِيهَا أوراقا وكتبا من الْأَطْرَاف وَوجد فِيهِ كتابا وَقد وصل من قابس إِلَى السَّيِّد يذكر فِيهِ أَن إِبْرَاهِيم نزل على أم الْعِزّ وَأَخذهَا وَأنزل نسَاء قراقوش مِنْهَا لما بعد عَهده بِخَبَرِهِ فَدخل على شرف
стр. 69
الدّين من ذَلِك أَمر عَظِيم وَمَا كَانَ بُد لَهُ من الْعود إِلَى بِلَاد طرابلس لأجل مَا سَمعه عَن إِبْرَاهِيم فَعَاد مظفرا قد كسر الْمُوَحِّدين وغنم هُوَ وَأَصْحَابه الْغَنِيمَة الْعَظِيمَة وَاتفقَ فِي طَرِيقه بزغب الَّذين كَانُوا يكونُونَ مَعَ إِبْرَاهِيم فتراسل وإياهم وَحضر إِلَيْهِ أمراؤهم وَقد تقدّمت أَسمَاؤُهُم فتحالف مَعَهم وَكَانَ حميد فَارقه عِنْدَمَا نزل بالجهة وَسَار إِلَى قبيلته وَكَانُوا بنواحي هراره وَكَانَت رعب على مَوضِع يُقَال لَهُ رَدِيف وَهُوَ مَوضِع مليح من عمل قابس وَاقع فِيمَا بَينهَا وَبَين جبلي مطماطة وقلعة حسن فَلَمَّا اتّفق مَا بَين شرف الدّين وَبَين زغب فرج عَنْهُم لِأَن ذُبَاب عِنْدهَا عذر عَظِيم ومكر وخداع وزغب عِنْدهَا عذر وَفَاء ومحبة فِي الأتراك لِأَن ذبابا أعداؤهم وهم خلق كثير يكون فِي خَمْسَة ألف فَارس وزغب مَا تزيدعلى ألف ومائتي فَارس إِلَّا أَن زغب عِنْدهم شجاعة وفروسية وَإِن كَانَ فِي ذُبَاب كَذَلِك إِلَّا أَن زغب إِذا كَانَت مَعَ الغز لَا يقابلها أحد وَسَار شرف الدّين وهم مَعَه إِلَى بِلَاد طرابلس فوصلها وَسمع بِهِ إِبْرَاهِيم وَتحقّق رُجُوعه فَقَامَتْ قِيَامَته وَلم يكن شرف الدّين عَاجِزا وَلَا متوانيا فِي أمره إِذْ سارع إِلَى الْجَبَل جبل نفوسه وطلع إِلَى إِبْرَاهِيم من عقبَة يُقَال لَهَا مكردمين وَسَار إِلَى جادوا فَمَا اسْتَطَاعَ إِبْرَاهِيم أَن يقاتله فَترك الْبِلَاد وَنزل إِلَى قلعته تنزلت وتحصن بهَا وَنزل عَلَيْهِ شرف الدّين وَهِي قلعة لَا تقَاتل لِأَنَّهَا نائية فِي وسط وَاد عَظِيم لَا يقدر أحد على الطُّلُوع إِلَيْهَا وَلَا الْقِتَال إِلَّا أَن بعض الْجبَال الَّتِي حولهَا تشرف عَلَيْهَا فجَاء شرف الدّين إِلَى ذَلِك الْجَبَل وَنصب عَلَيْهِ منجنيقا وَرمى بِهِ فَمَا وصل إِلَيْهَا فطول سَهْمه وَرمى بِهِ فَلم يصل إِلَيْهَا بل زَاد على الأول فتحيل فِي سهم طَوِيل وَضرب بِهِ فَوَقع حجره فِي وسط القلعة فَمَا قدر إِبْرَاهِيم أَن يُقيم وَطلب الْأمان وَخرج حَاجِبه جمال الدّين وَطلب أَمَانًا لإِبْرَاهِيم فَشرط عَلَيْهِ أَن يتَوَجَّه إِلَى طرابلس ينزل فِيهَا فِي مركب إِلَى الديار المصرية فتوقف شرف الدّين عَلَيْهِ فِي الْأمان وَقَالَ مَا آخذه إِلَّا أَسِيرًا هَذَا الغادر الماكر فَلم يزل الأتراك يسْأَلُون فِيهِ إِلَى أَن أعطَاهُ
стр. 70
يَده وَحلف لَهُ بِرَأْس الْملك المظفر أَنه لَا يضرّهُ فَخرج فِي ليلته وَلم يجْتَمع بِهِ وسيره مَعَ سِتِّينَ فَارِسًا إِلَى مَدِينَة طرابلس فوصلها ودخلها
وَكَانَ صَاحبهَا ابْن مطروح عبد الْمجِيد مُطيعًا لِابْنِ عبد الْمُؤمن صَاحب الْمغرب فَلَمَّا اجْتمع بِهِ إِبْرَاهِيم حسن لَهُ التَّوَجُّه إِلَى ابْن عبد الْمُؤمن وسفره فِي مركب إِلَى تونس وَكَانَ فِيهَا وَال يُقَال لَهُ عبد الْوَاحِد فَتَلقاهُ ملقى حسنا وَأَعْطَاهُ مَالا كثيرا وجهزه وسيره إِلَى مراكش وَكَانَ صَاحبهَا ابْن عبد الْمُؤمن يُوسُف إِذْ ذَاك وَملك قراقوش مَا كَانَ بيد إِبْرَاهِيم وأضافه إِلَى مَا كَانَ فِي يَده وَلما أحس حميد بن جَارِيَة مقدم ذُبَاب بِأَن قراقوش قد حَالف زغب قَامَت قِيَامَته وَأخذ فِي عداوته وَصَارَت ذُبَاب تقتل من لقِيت من الأجناد وتغار على جمَالهمْ فِي مراعيها وَتَأْخُذ قوافلهم فَقضى ذَلِك أَن شرف الدّين أظهر عَدَاوَة حميد وَنفذ إِلَيْهِ إِن أردْت صادقتي فَترد مَا أَخَذته قبيلتك فَقَالَ حميد لَا قدرَة لي على ذَلِك فَقَالَ لَهُ شرف الدّين انْعَزل عَنْهُم بِمن أطاعك فَأبى
وَعلمت ذُبَاب بِإِظْهَار الْعَدَاوَة لشرف الدّين فَصَارَت كلهَا طَوْعًا لَهُ وَكَانَت ذُبَاب إِذا رَأَتْ حميدا قد عادى ملكا أَطَاعَته وَإِذا صَادِق ملكا بغضته
وَعلمت الشريد بعداوة شرف الدّين وذباب فانحازت إِلَيْهِ وحالفته مَعَ زغب وَكَذَلِكَ عَوْف حالفته
وَكَانَت سليم كلهَا الَّتِي بطرابلس إِذا جَاءَ لذباب عَدو انْحَازَتْ إِلَيْهِ لِأَن ذُبَاب أبدا كَثِيرَة الْأَذَى لسليم لكثرتها وسأذكر واقعته فِي موضعهَا من سنة ثَمَان وَسبعين وَخَمْسمِائة إِن شَاءَ الله تَعَالَى
стр. 71
سنة ثَمَان وَسبعين وَخمْس مائَة
فِيهَا برز الْأَمر الشريف بِأَن لَا يستخدم فِي الدِّيوَان كتاب النَّصَارَى وَلَا أحد من أهل الذِّمَّة وَكَانُوا يستخدمون فِي الدِّيوَان وَفِي المخزن لِاسْتِيفَاء الْأَمْوَال وَرفع الْحساب من قبل فَلَمَّا ولى الإِمَام النَّاصِر لدين الله صلوَات الله عَلَيْهِ رأى أَن فِي ذَلِك إذلالا للْمُسلمين فَوَقع إِلَى أستاذ الدَّار أَمِين الصاحب يَقُول لَهُ إِن الله تَعَالَى نفى أَن يكون للْكَافِرِ على الْمُسلم سَبِيل وَفِي اسْتِخْدَام أهل الْكتاب إهانة للْمُسلمين فَلَا يستخدم أحد فِي شَيْء من الْأَعْمَال ورتب عوضهم من يصلح من الْمُسلمين فَكتب إِلَيْهِ أستاذ الدَّار إِن هَذِه الْحَال تحْتَاج إِلَى التَّأَمُّل فِي حَال من يرتب وَفِي الصَّبْر على هَؤُلَاءِ للْكتاب إِلَى أَن يُؤْخَذ مَا عِنْدهم من أصُول الْأَمْوَال بِحَيْثُ لَا يعلمُونَ ولعلهم إِن علمُوا أسقطوا كثيرا من حُقُوق الدِّيوَان فَوَقع إِلَيْهِ النَّاصِر لدين الله مَا إِلَى هَذَا سَبِيل وَلَو ذهب أصل بَيت المَال وَلَا يبْقى أحد من الْكفَّار فِي شَيْء من الْأَعْمَال فَأخْرج جَمِيع من كَانَ بِخِدْمَة الدِّيوَان من أهل الْكتاب كأولاد النظام وَغَيرهم من النَّصَارَى من أَوْلَاد زطينا وَابْن الْأَشْقَر كَاتب ديوَان الْعرض وشفع ابْن البُخَارِيّ نَائِب الوزارة بِابْن الْأَشْقَر كَاتب ديوَان الْعرض ليبقى على حَالَته وَذكر أَنه ثِقَة عفيف فَوَقع الْخَلِيفَة هَذَا ابْن الْأَشْقَر مَاتَ مَا الَّذِي يصنع بعده فِي ديوَان الْعرض فَتقدم بِإِخْرَاجِهِ من الدِّيوَان بعد أَن عرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فَأبى وَكَانَ لَهُ ولد فَدخل إِلَى ابْن البُخَارِيّ
стр. 72
وَهُوَ جَالس فِي الدِّيوَان فِي مَلأ من النَّاس وَقَالَ
يَا مَوْلَانَا أَنا رجل قد رغبت فِي دين الْإِسْلَام لأجل خدمَة أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَنا أشهد أَلا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ وَأَن كل دين غير الْإِسْلَام بَاطِل فَأَشَارَ إِلَيْهِ ابْن البُخَارِيّ بِالْجُلُوسِ فَجَلَسَ ثمَّ كتب إِلَى الْخَلِيفَة بِصُورَة الْحَال فَوَقع الْخَلِيفَة إِلَيْهِ
إِنَّمَا منعنَا من اسْتِخْدَام الْكفَّار لأجل كفرهم فَمن أسلم يُعَاد إِلَى خدمته وَهَذَا يخلع عَلَيْهِ ويستخدم فِي ديوَان الْعرض عوضا عَن أَبِيه وَيُقَال لكل من صرفنَا من خدمتنا إِن أحب الدُّخُول فِي الْإِسْلَام فيعاد إِلَى خدمته ويشرف وَمن لم يفعل لَا يُمكن من خدمَة تتَعَلَّق بِنَا وَالسَّلَام وانحسمت الْمَادَّة فِي ذَلِك وَكَانَت هَذِه مَعْدُودَة من مَكَارِم أَخْلَاق أَمِير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر لدين الله لِأَنَّهُ لم يسْبق إِلَيْهَا وَلم يعتمدها سواهُ
وفيهَا تقدم الْأَمر بِالْقَبْضِ على كَمَال الدّين أبي مفضل بن الْوَزير الْفرج بن رَئِيس الرؤساء وَحمل إِلَى دَار الخفاش فِي التَّاج الْعَتِيق وَطلبت مِنْهُ أَمْوَال جمة فَلم يعْتَرف بِشَيْء وَأخذ مَا كَانَ فِي دَاره من المَال فَكَانَ مِقْدَاره عشْرين ألف دِينَار وَأخذت من دَاره خزانَة من الْكتب النفيسة فبيعت بمبالغ وَتَوَلَّى بيعهَا أَبُو السعادات الْوَكِيل ابْن النَّاقِد وتكررت الْمُطَالبَة لِابْنِ رَئِيس الرؤساء بِالْمَالِ وَهُوَ يدافع عَن ذَلِك وَكَانَ أستاذ الدَّار ابْن الصاحب يزري عَلَيْهِ ويعادي بَيته قَدِيما وحديثا وَكَانَ يخَاف مِنْهُ لِأَنَّهُ كَانَ رجلا جبارا عَارِفًا بأحوال الْملك وتدبيره وَكَانَ قد نَشأ فِي دَار الْخلَافَة حَاكما وَكَانَ أَبوهُ الْوَزير مَعَ شيخوخته يتدبر بِرَأْيهِ مَعَ صغر سنه فَتقدم أستاذ الدَّار إِلَى عبد الْملك النَّائِب وَكَانَ قد عرف بالظلم والقساوة لِأَنَّهُ مُنْذُ نَشأ فِي
стр. 73
بَاب النوبى يخْدم بَين يَدي الْحجاب أَن يتَوَلَّى أمره وعذابه فَتَركه فِي مطمورة وَكَانَ يضْربهُ من رَأسهَا بطوابيق القرميد حَتَّى هلك فَعرف الْخَلِيفَة بِمَوْتِهِ فَقيل لَهُ إِنَّه كَانَ بِهِ ذرب وَكثر عَلَيْهِ فَمَاتَ فَتقدم بِأَن يَرْمِي فِي دجلة لَيْلًا فَرمى وَلم يعلم بِهِ إِلَى مُدَّة
وَكَانَ مَوته أعظم الْأُمُور على اهل بَيته لِأَنَّهُ كَانَ يخَاف مِنْهُ وتطرق الْأَذَى إِلَى بَيت رَئِيس الرؤساء وَدخل عَلَيْهِم الْأَذَى وتبرجت نِسَاؤُهُم بعد الخدر وَتَزَوَّجت إِحْدَى بَنَات كَمَال الدّين بِرَجُل يعرف بِابْن ملك كَانَ جنديا وتصوف بعد أَن كَانَت مُسَمَّاهُ على ابْن قطب الدّين قايماز وَفسخ أَبوهَا النِّكَاح وَقَالَ
لَيْسَ هَذَا بكفء ثمَّ تناهت الْحَال بِهَذَا الْبَيْت وَأَهله إِلَى أَن صَارُوا من أدون النَّاس حَالا وَكَانَ أهل بَغْدَاد إِذا شاهدوا وَاحِدًا من نِسَائِهِم أَو صبيانهم يَقُولُونَ سُبْحَانَ مزيل النعم ويذكرون قدم هَذَا الْبَيْت
وَكَانَ أستاذ الدَّار يتتبع جَمِيع من كَانَ من أَنْسَاب هَذَا الْبَيْت وأقاربه والمتعلقين بِهِ ماعدا عز الدّين أَبَا مَنْصُور بن رَئِيس الرؤساء فَإِنَّهُ كَانَ يقربهُ ويحضره عِنْده ويكلفه ذكر أَهله ويوقع فِي نفس الْخَلِيفَة أَنهم يبغضونه من زمن
وفيهَا تقدم أَمِير الْمُؤمنِينَ النَّاصِر لدين الله ﷺ بختان ولديه ولي الْعَهْد أبي نصر مُحَمَّد والأمير أبي جَعْفَر على أعز الله أنصارهما فَأمر بِحُضُور أَرْبَاب الدولة وَجَمَاعَة من الْأُمَرَاء الْخَواص وَمن
стр. 74
جرت عَادَته حُضُور دَار الْخلَافَة وَأمر بِحُضُور المغنين والمطربين وَأَصْحَاب الملاهي وَتقدم بِعَمَل خوان غرم عَلَيْهِ مَال جزيل لَا يحصره عد وَلَا وصف لكثرته وَمَا صنع عَلَيْهِ وبقى النَّاس على مَا هم عَلَيْهِ من الْفَرح وَالسُّرُور والطرب سَبْعَة أَيَّام بلياليهن فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم السَّابِع أَمر بِالْخلْعِ والتشريفات فَأول من خلع عَلَيْهِ مجد الدّين أَبُو الْفضل ابْن الصاحب خلع عَلَيْهِ جُبَّة أطلس بقطى ومقيار مسمط بِذَهَب عراقي وَأعْطى سَيْفا مذهبا واعتقد النَّاس أَنَّهَا خلعة الوزارة وَجعل النَّاس يترقبون ركُوبه فَركب وَدخل إِلَى الدَّار العزيزة على جاري عَادَته ثمَّ خلع على جمَاعَة الْأُمَرَاء وأرباب الدولة وَحضر للتهنئة جمَاعَة من الشُّعَرَاء والفضلاء وَمِنْهُم الْأَجَل أَمِين الدولة جمال الْكتاب أَبُو الْفَتْح مُحَمَّد بن عبد الله الْكَاتِب سبط التعاويذي فَقَالَ يمدحه ويهنئه بختان ولديه أبي نصر وَأبي جَعْفَر
(ختان جرى بِالْيمن والنجح طَائِره ... موارده محمودة ومصادره)
(قَضَت بتباشير السرُور صدوره ... ونيل المنى أعجازه وأواخره)
(بطالع سعد لَا تغيب نجومه ... وزائن حَظّ لَا تغيب بشائره)
(فيالك من يَوْم تَكَامل حسنه ... فرقت حَوَاشِيه وراقت مناظره)
(حوى شرفا يبْقى على الدَّهْر ذكره ... إِذا فنيت أدواره وأعاصره)
(يتيه على الْأَيَّام فضلا وسؤددا ... فَلَو فاخرته أفحمتها مفاخره)
стр. 75
(أفيض على الدُّنْيَا بِهِ ثوب بهجة ... فأمست عَلَيْهَا ضافيات حبايره)
(فَفِي كل قلب غِبْطَة تستفزه ... ونشوة شكر من سرُور تخامره)
(لقد سفك الْإِسْلَام فِيهِ وَحكمه ... دَمًا جلّ أَن يلقى ثرى الأَرْض قاطره)
(وَلَوْلَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإنَّهُ ... بإيثاره فِي طَاعَة الله هادره)
(لخرت على الترب السَّمَاء وزلزت ... رواسيه إجلالا وغيضت زواخره)
(أيقضي على وتر سليل خِلَافه ... كتائبه من حوله وعساكره)
(وتحنى عَلَيْهِ فِي يَد العلج مدية ... وخرصاته من دونهَا وبواتره)
(وَمَا فراقت بيض السيوف غموده ... وَلَا حملت أَسد العرين صوامره)
(وَلكنه الْإِسْلَام ينقاد طَائِعا ... لَهُ كل جَبَّار تطاع أوامره)
(لِيهن أَبَا الْعَبَّاس لله نعْمَة ... تراوحه مَوْصُولَة وتباكره)
(سيبلو وشيكا مِنْهُمَا لَيْث غابة ... تمزق أشلاء الأعادي أظافره)
следующие страницы →