← Адаб

Адаб · id 671

المعمرون والوصايا

أبو حاتم السجستاني

Полный текст (186 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

- ج - بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم حفلت مجالس الخلفاء في العصر العباسى (١٣٢: ٦٥٦ هـ - ٧٤٩: ١٢٥٨ م) بطائفة كبيرة من الرواد الأوائل في رواية الأدب العربي، الذين يجتمعون فيسمرون به في مجالسهم، ويتذاكرون على صفحته ماضى آبائهم وأجدادهم، فيأخذون منه الحكمة والعلم، ويستنُّون هديه في الإبانة والقول، ويجد فيه الخلفاء سير من سبقوهم في الولاية على الناس مسطورة بالروح العربية، معلمة بتلك الألوان التي أضفاها الشعراء على الملوك والأمراء والحاكمين. ولقد امتاز العصر العباسي بأنه العصر الذي عنى فيه الأدباء بتدوين اللغة العربية، آدابها وألفاظها، شعرها ونثرها، حفاظا على التراث العربي، وتسجيلا للغة العربية التي سادت الشرق الأدنى والأقصى وبلاد المغرب، وسيطرت على عقول أبناء الدول التي خضعت لحكم العرب. وقد ظهرت في هذا العصر مدارس عديدة تضمها مساجد البصرة والكوفة، وينتظم فيها علماء اللغة والأدب من العرب والمولدين الذين شاركوا في فن التأليف والنقد، وأقاموا الإنتاج الأدبى على الأسس العلمية التي تحولت بها الدراسات العربية من نظريات بدائية إلى علوم تامة وقواعد منظمة، فصار النقد الأدبي قائما على قوانين ومعايير معلومة بدل أن كان متمشيا وفق الذوق الفطرى والأحاسيس الفردية. وكان طبيعيا أن تقوم إلى جانب هذه النهضة الأدبية والتأليفية سوق للوراقة، تضم الكتب في أشكالها المختلفة، وتعنى بتسجيل الرواية في ألوانها العديدة؛ وما كانت هذه الوراقة مقصورة على بيع الكتب للراغبين في حيازتها، وإنما كانت محالها مراكز ثقافية تضم كل الأعمال التي تسبق حياة الكتاب من رواية ونسخ، وتقوم فيها الخدمة المكتبية غير الموقوتة بزمن في ليل أو نهار على خير ما تؤدى المكتبات رسالتها؛ وكان الوراقون ذوى أدب وعلم وذوق فنى، يهرع إليهم المتأدبون

стр. 2

- د - فيأنسون بهم ويجدون عندهم الهداية لخير ما يعرفون؛ وقد تخرج في دكاكين الوراقة علماء وأدباء قادوا النهضة الفكرية في العالم العربي، وبرزت آثارهم بين التراث الثقافي مراجع أولى للدارسين. * * * ومن بين هؤلاء الوراقين سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجشيمي بن القاسم، الإمام أبو حاتم السجستاني، البصرى، الكوفى، المقرى، صاحب كتاب المعمرين، وكتاب الوصايا اللذين أنشرهما في هذه الطبعة، فقد كان جماعة للكتب، يتجر فيها، وكان إمامًا في علوم اللغة والأدب، والقرآن والشعر، وصاحب مؤلفات عديدة، ذكرها ابن شاكر المؤرخ في كتابه "عيون الأخبار" - مخطوطة رقم ١٤٩٧ تاريخ بدار الكتب المصرية - فقال: "وله كتاب إعراب القرآن، وكتاب ما يلحن فيه العامة، وكتاب المقصور والممدود، وكتاب المقاطع والمبادئ، وكتاب القراءات، وكتاب الفصاحة، وكتاب الوحوش، وكتاب اختلاف المصاحف، وكتاب الطير، وكتاب النخلة (١)، وكتاب القسى والنبال والسهام، وكتاب السيوف والرماح والدرع والفرس، وكتاب الحشرات، وكتاب الهجاء، وكتاب خلق الإنسان، وكتاب الإدغام، وكتاب اللبن والحليب، وكتاب الكرم، وكتاب الشتاء والصيف، وكتاب النحل والعسل، وكتاب الإبل، وكتاب العشب، وكتاب الخصب والقحط، وكتاب الأضداد، وغير ذلك". وقد ولد أبو حاتم السجستاني في وقت ما حوالى سنة ١٦٠ هـ (٧٧٦ م) ومات في سنة ٢٤٨ هـ، أو سنة ٢٥٠ هـ، أو سنة ٢٥٤ هـ على ما عليه الخلاف بين الرواة؛ وبين هذين الزمنين، المولد والوفاة، عاش أبو حاتم السجستاني حياة طويلة، نشأ فيها تلميذا على الأخفش، إمام اللغة، فقرأ عليه كتاب سيبويه مرتين؛ وجلس إلى العلماء _________ (١) طبع في بالرمو بصقلية سنة ١٨٧٣، وقد نشره الأستاذ "لاغومينا"، ومعه ملحوظات باللغة الإيطالية.

стр. 3

- هـ - غيره، وروى عنهم، أمثال أبي عبيدة، وأبي زيد، والأصمعي، وعمر بن كركرة، وروح بن عبادة؛ ثم صار أستاذا يحضر حلقته في مسجد البصرة المتأدبون، أمثال أبي العباس المبرد، العالم اللغوى المشهور، وقد روى عنه أبو بكر بن دريد عالم اللغة. ويروى الإمام العالم جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١٠ هـ (١٥٠٤ م) في كتابه "بغية الرواة" صحيفة ٢٦٥ من الطبعة الأولى المطبعة السعادة سنة ١٣٢٦ هـ أن أبا حاتم السجستاني دخل بغداد، فسئل عن قوله تعالى: "قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". ما يقال منه للواحد؟ فقال: قِ. فقال: فالاثنين؟ فقال: قِيَا. قال: فالجمع؟ قال: قُوا. قال: فاجمع لى الثلاثة. قال: قِ، قِيَا، قُوا. قال: وفى ناحية من المسجد رجل جالس، معه قماش، فقال لواحد: احتفظ بثيابي حتى أجيء. ومضى إلى صاحب الشرطة، فقال: إلى ظفرت بقوم زنادقة، يقرءون القرآن على صياح الديك. قال: فما شعرنا حتى هجم علينا الأعوان والشرطة، فأخذونا، وأحضرونا مجلس صاحب الشرطة، فسألنا، فتقدمت إليه وأعلمته الخبر. وقد اجتمع خلق من خلق الله ينظرون ما يكون. فعنفنى، وعذلنى، وقال: مثلك يطلق لسانه عند العامة بمثل هذا؟! وعمد إلى أصحابي، فضربهم عشرة، عشرة، وقال: لا تعودوا إلى مثل هذا.

стр. 4

- و - فعاد أبو حاتم إلى البصرة سريعا، ولم يقم ببغداد، ولم يأخذ عنه أهلها. وترك أبو حاتم النحو بعد اعتنائه به حتى كأنه نسيه، وكان إذا اجتمع بالمازني في دار عيسى بن جعفر الهاشمي تشاغل وبادر بالخروج خوف أن يسأله مسألة في النحو. وكان أبو حاتم أعلم الناس بالعروض واستخراج المعمى، ويعد من الشعراء، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وروى له النسائي في سننه، والبزار في مسنده. * * * ويروى المؤرخون في كتبهم، المخطوط منها والمطبوع، شعرًا لأبي حاتم السجستاني قاله في تلميذه أبي العباس المبرد وهو غلام وسيم، وقد كان يلازم القراءة عليه. فذكر ابن شاكر في كتاب عيون الأخبار (مخطوط) أبياتا للسجستاني في المبرد، منها: نَفْسِي فِدَاكَ يا أَبَا … الْعَبَّاسِ، جَلَّ بِكَ اعْتِصَامِي فَارْحَمْ أَخَاكَ فَإِنَّهُ … نَزْرُ الْكَرَى بَادِى السَّقَامِ وَإِنَّكَ مَا دُونَ الْحَرَا … مِ، فَلَيْسَ يُرْغَبُ فِي الْحَرَامِ وجاء في كتاب بغية الوعاة لجلال الدين السيوطي أبيات أخرى منسوبة إلى السجستاني قالها في المبرد، منها: أَبْرَزُوا وَجْهَكَ الجمِـ … يلَ، وَلَامُوا مَنِ افْتَتَنْ لَوْ أَرَادُوا صِيَانتِي … سَتَرُوا وَجْهَكَ الْحَسَنْ وهذا اللون من الشعر كان قد شاع ذكره في العصر العباسي. * * * ويعتبر كتاب "المعمرين" من أهم الكتب التي خلفها أبو حاتم السجستاني، فالكتاب في مادته الفنية لون غير معروف في أغراض الشعر الجاهلى، وهو جملة مختارة من الشعر العربي القديم قام بجمعها أبو حاتم من بطون الكتب القديمة، المعروفة في زمانه، وقد صار أمرها إلينا مجهولا، وتمثل هذه المجموعات الشعرية فنا من الشعر الجاهلى، وصف فيه الطاعنون في السن ما يلقونه من طول حياتهم، فرسموا بين سطوره أجسامهم وقد شفها الكِبر، وأحلامهم وقد ذهب بها الضعف، وهم

стр. 5

- ز - ينظرون إلى ما وراءهم فيذكرون أيامهم الخوالي، ويندبون فتوتهم، ونشاطهم، وسيادتهم في قومهم، كل هذا في تصوير رائع من الفن الواقعي، والأسلوب الجميل. وإن القارئ لكتب الأنساب، والمطلع في كتب الأدب المراجع ليرى فيها كثيرًا من الشعر لمعمرين ذكرهم أبو حاتم في كتابه، وهى منبثة في ثنايا الأخبار الأدبية الطوال، ويقرأ فيها أيضًا أخبارا أخرى لمعمرين لم يذكرهم السجستاني في كتابه، وقد روى عنهم المؤرخون من بعده، ولكن كتاب المعمرين يعتبر بحق الكتاب الأول الذي انفردت مادته بجمع جملة كبيرة من أقوال المعمرين، وبخاصة أولئك الذين عاشوا في العصر الجاهلى وفى عصر صدر الإسلام، فكل ما رواه أبو حاتم في كتابه قد ورد في ثنايا الكتب، وليس كل ما ورد في الكتب مذكورا في كتاب المعمرين، وهذا هو الدليل على سبق أبي حاتم في الاختيار والتعليق. * * * وإنه لما يلفت نظر دارس كتاب المعمرين أن يجد رواية الأخبار في جملتها منسوبة إلى "أبي روق" تلميذ أبي حاتم وهو الذي نقلها عن أستاذه كما سمعها وكما كتبها، ويذكر "أبو روق" النص، ويقول قبله "حدَّثنا أبو حاتم"، وفى بعض الأحيان يضيف أبو روق نصوصا أخرى من مراجع ثانية، كالحديث عن أبي عمرو الخلاد، وعن الرياشي. وعند ما يعود "أبو روق" إلى نص "أبي حاتم" يقول "أبو روق" "قال أبو حاتم"، على أن "أبا روق" لا يلتزم هذه الطريقة في رواية بعض النصوص، مثل الكلام عن ذى الإصبع الشاعر، فإن القارئ لا يستطيع أن يستبين حدود ما أضافه أبو روق مما ذكره أبو حاتم، ولعل هذه الإضافة لا تزيد عن نهاية الأبيات التي رواها لذي الإصبع. وقد عمد أبو روق إلى بعض النصوص التي رواها عن أبي حاتم، فوكدها بروايات أخرى كالحديث الذي رواه أبو حاتم عن الرياشي، عن الهيثم بن الربيع، عن الشعبي لما أرسل إليه عبد الملك بن مروان وهو شاكٍ، فقد أكد نصه أبو روق بروايته عن أبي الخطاب، زياد بن يحيى الحسّاني.

стр. 6

- ح - وأبو روق راوى الكتاب هو أحمد بن محمد بن بكر الهزاني، وقد ورد اسمه مكتوبا بالكامل في كتاب المعمرين أثناء الحديث عن نصر بن الحجاج بن عِلاط السُّلَمِي ولقائه معاوية بن سفيان "صحيفة ١٠١"، وليس هو أباروق، عطية بن الحارث، المفسِّر الذي ذكره ابن دريد في كتابه "الاشتقاق"، وذكره الطبرى في الجزء الأول من تفسيره كثيرا، في صحيفة ١، ٤١، ٥٧، ٨٧، ٩٢، ٩٤، ١٨٦، وإنما هو الذي ذكره جلال الدين السيوطي في كتابه المزهر، صحيفة ٢٠٤ من الجزء الثاني، باسم أبي روق الهمداني، وقد أخطأ الناسخ في كتابة كلمة "الهزاني" فقرئت من بعده "الهمداني". على أن أصحاب كتب التراجم لم يذكروا شيئًا في كتبهم عن أبي روق الهزّاني راوى كتاب المعمرين لأبي حاتم السجستاني، ويظهر أن "أبا روق" لم يكن في عداد العلماء المشهورين المعروفين الذين زخر بهم العصر العباسي؛ هذا إلى أن إهمال "كتاب المعمرين" وعدم استعماله في الزمن القديم كان له أثره في اختفاء اسم "أبي روق" من كتب الأدب العربى. وعلى أي حال فإن أبا روق لم يكن إلا راوية للكتاب عن أبي حاتم السجستاني، ولم يكن مؤلفا له. وقد ورد ذكر كتاب المعمرين في كتاب "الغرر والدرر" للعلامة العلوى، أبي القاسم على بن الحسن الشريف المرتضى، المتوفى سنة ٤٣٦ هـ، وفى كتاب الإصابة لابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ، وفى كتاب خزانة الأدب لعبد القادر البغدادى، عالم القرن الحادى عشر، وفى كتب أخرى غيرها منسوبا إلى أبي حاتم السجستاني. وقد أشار ابن دريد في كتابه الاشتقاق إلى كتاب المعمرين، وروى عنه جملة من أخباره. وإن القارئ لسير المعمرين وأخبارهم وأشعارهم التي وردت في "كتاب المعمرين" ليدرك أن الشعر في غالبه يرجع إلى قبائل جنوب بلاد الجزيرة العربية (الحميريين) لفظا، ومعنى، ونظما، وأنه يعود إلى عصر الجاهلية حقيقة، وليس ببعيد أن يكون بعض هذا الشعر منظوما في العصر العباسي، وقد نسب إلى العصر الجاهلى زيفا وبهتانا من

стр. 7

- ط - خلف الأحمر، أو من محمد بن سلام، أو من مسافع، أو من فالج بن حلاوة، كما يذهب بعض النقاد للشعر الجاهلى اعتمادا على المقاييس النقدية التي تمتاز بها العصور الأدبية، ولكن هذا التشكيك بعيد الاحتمال فيما رواه أبو حاتم، فهذا اللون من الشعر يمثل البيئة الجاهلية تمثيلا صادقا، ويصور الحياة البدوية تصويرا حقيقيا، وقد كان معروفا بين الأغراض الشعرية، وكان له حظ وافر بين أبواب الأدب العربي. وقد نشر المستشرق الألمانى "نولدكه" أبياتا من هذا الشعر الجاهلى عن المعمرين. لعروة بن الورد، وعمرو بن قميئة، وسلام بن الجندل، وهم يصفون الشيب، ويشكون من طول الحياة، وجاء في كتاب الأغانى صحيفة ٦٩، ٩٣ من الجزء التاسع عشر شعرا في هذا المعنى لمقنّع الكندي، ومساور بن هند، ومخضرم ربيعة بن مقرون، وجعد المحاربي من شعراء العصر الأموى، وكلهم يشكون طول الحياة، ويتحسرون على الأيام الخوالي. * * * وليس هناك شك في نسبة كتاب المعمرين لأبي حاتم السجستاني، فإن الدراسة الشكلية للمخطوطة الأولى التي قام بدراستها المستشرق الألمانى جولدز هير Ignaz Goldziher تؤكد صحة هذه النسبة، وقد نشر هذا المستشرق دراسته في سنة ١٨٩٩ م بعد أن حصل على أقدم نسخة معروفة لمخطوطات كتاب المعمرين، وهى النسخة الموجودة بمكتبة جامعة كمبريدج تحت رقم ٢٨٥ No ، فذكر أن شواهد. الخط ترجع إلى القرن الرابع الهجرى حرفا، وقلما، وأن صحيفة العنوان تحمل سماعا مؤرخا في سنة ٤٢٨ هـ مكتوبا بخط مخالف لخط متن الكتاب، كتبه أحد القارئين، وتحوى صحيفة العنوان كذلك على تأكيد نسبة الكتاب لصاحبه محرر بخط العلامة شهاب الدين الخفاجي، المتوفى سنة ١٠٦٩ هـ، وآخر بخط عبد القادر البغدادي، ونصه: "أبو روق ينقل في هذا الكتاب عن أبي حاتم، ويغلطه في أماكن كثيرة، فالظاهر أنه تأليف أبي روق، والله أعلم بالصواب، وقد ظهر فيما بعد أن أبا روق راوى الكتاب عن أبي حاتم".

стр. 8

- ي - هذا إلى أن الأصل في حقائق الأمور هو واقعها، وأن الواقع هو الصواب ما لم يقم دليل علمى على خطئه، وليس هناك من واقع أمر كتاب المعمرين لأبي حاتم السجستاني ما يقوم معه الشك في صحة الكتاب، أو في صحة نسبته لصاحبه. * * * وإن عناية أبي حاتم السجستاني بجمع أخبار المعمرين لا بد أن تكون قد واتته في سن بعد السبعين، وهذه العناية تصور إحساسا داخليا شعر به السجستاني وتمكن من نفسه بعد أن صار من المعمرين، وأصابه من الكبر ما أصابهم، فإذا به يعرض أحاسيسه، وقد عمر نحو التسعين عاما، بلغة غيره من المعمرين الذين سبقوه منظومة في كتاب المعمرين، فما عرف أبو حاتم السجستاني في زمن فتوته العقلية إلا بأنه العالم بمسائل الفقه والحديث. وإنه لمما لا شك فيه أن العمر العقلى للإنسان يلعب دورا هاما في اتجاهاته نحو فنون الحياة الثقافية، فالعمر العقلى يولد صغيرا كما يولد الإنسان صغيرا، فيكون نشاطه غريزيا محبا للاستطلاع والمعرفة، كما يكون الطفل تماما، ثم يكبر العقل شيئًا فشيئا فيكبر منه الذوق الثقافي والفني منتهجا السبيل المعاشي والاجتماعي للإنسان، وتتشعب بالناس بعد هذا أذواقهم وميولهم في حياتهم نحو الآداب وفنونها، فالإنسان في شبابه يعشق الجمال الجنسى والطبيعي، والأديب في نشاطه العقلى يتذوق الجمال ويصوره في أساليب الغزل والوصف، فإذا بلغ العتى من الكبر نحا مناحي أخرى من ألوان التعبير، وقل أن يتغزل الشاعر الهرم إلا أن يكون غزله ذلك الغزل الروحى الذي يتخذه وصلة إلى مدح الرسول ﵊ أو سبيلًا غرض من الأغراض الدينية. كذلك كان شأن أبي حاتم السجستاني، وكان شأن نشاطه العقلي، فهو في فتوة حياته عالم ومحدث، يعنى بما يعني به العلماء في عصره، قراءة وتأليفا، وهو في شيخوخته عجوز أقعده الكبر، فضعف عقله، وإذا إنتاجه الأدبي يتمثل في تلك المختارات التي حفظها الرواة، أو تضمنتها بطون الكتب المعروفة في عصره لأولئك الشيوخ الذين

стр. 9

- ك - أفناهم طول العمر، فانطلقت ألسنتهم بالشعر، يضمنونه شكواهم من الحياة وسوء مصيرهم فيها، ويذكرون أنهم قد صاروا هملا في البيوت والأكواخ، يحملون كما تحمل الأمتعة، ويجهدون أهلهم بطول مكثهم وعدم مقدرتهم على مسايرة الحياة المعاشية وأحوالها، فهم المعمرون. * * * وإن كلمة "معمر" تعنى الرجل الذي طال عمره، وقد صارت اصطلاحا لغويا، يفسر مداه الشعراء الجاهليون في قولهم: يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ المُوَكَّلُ بالصَّبا … فِيمَ ابْنُ سَبْعِينَ المَعمَّرُ مِنْ دَدِ وَإِن امْرَءًا قَدْ سَارَ سَبْعِينَ حِجَّةً … إِلَى مَنْهَلٍ مِنْ وِرْدِهِ لَقَرِبنُ فَمَنْ يَرْحَلْ إِلَى السَّبْعينَ عَامًا … فَمُعْتَرَكُ المَنُونِ لَهُ طَرِيقُ وروى الترمذى (١) عن النبي ﷺ أنه قال: "أعمار أمتى ما بين الستين إلى السبعين". وذكر البيضاوى هذا الحديث في صحيفة ١٥٤ من كتابه. وقال بعضهم (٢): نجد في زبور داود، صلوات الله تعالى وسلامه على نبينا وعليه، من بلغ السنين اشتكى من غير علة. ومما نزل الله على المسيح في الإنجيل: "شوّقناكم فلم تشتاقوا، ونُحْنا لكم فلم تبكوا، يا صاحب الخمسين، ما قدمت وما أخرت؟ يا صاحب الستين قد دنا حصادُك؛ يا صاحب السبعين، هَلُمّ إلى الحساب". فمن بلغ سن السبعين فهو معمر، ولكن العرب لا تعد معمرا إلا من عاش مائة سنة وستا وعشرين سنة فصاعدا، وهؤلاء المعمرون الذين روى أخبارهم أبو حاتم السجستاني قد بلغوا في روايته أعمارا تتراوح بين عشرين ومائة وبين مائتين. ولذا فإن القارئ لأخبار هؤلاء المعمرين يستوقفه كثيرا تلك الأعمار الخيالية. _________ (١) الجزء الثاني صحيفة ٥٣ من مخطوطة كتابه المحفوظة بخزانة الكتب بليدن. (٢) انظر كتاب البيان والتبيين للجاحظ - الجزء الثاني صفحة ٩٦.

стр. 10

- ل - غير المألوفة، وهى وإن كانت غير مستغربة بين أقوام يعيشون عيشة فطرية طبيعية، فيحدث أن يعمر منهم أناس على فترات من الزمن سنين طويلة إلا أن العلم الحديث له اعتباره في الحكم على رواية السجستاني عن أعمار هؤلاء المعمرين. وإنه من المعروف علميا أن المناخ له أثره في حياة الناس طولا وقصرا، وأن أطول الناس أعمارا هم سكان البلاد الباردة، وأقصرهم أعمارا هم سكان البلاد الحارة، وإن المعمرين العرب الذين روى لهم أبو حاتم في كتابه المعمرين ليسوا من سكان البلاد الباردة، فهم إذن من ذوى الأعمار القصيرة التي لا تمتد إلى نحو مما ذكره أبو حاتم، وإن كتب السير والتراجم والتاريخ، قديمها وحديثها لا تصل أعمار الناس المذكورين في تواريخها إلى تلك الحدود التي رواها السجستاني. وعلى هذا فإن تحديد العمر كما ذكره أبو حاتم في كتاب المعمرين لا يمثل واقع العدد بقدر ما يمثل طول الأبد، وهذا الإطلاق كان معروفا عند العرب قبل التاريخ الإسلامي، وهو الذي يتفق مع مأثورهم في قصصهم وفي سير أبطالهم، التي لعبت فيها الأخيلة دورا هاما في تحديد الأعمار. ومن ذلك ما يروى في سيرة "عنترة بن شداد" عن "فارس بهلول" الذي بلغ من العمر ما ينوف على ثلاثمائة وستين سنة، وسمى لذلك "أبو القرون". وما روى في التاريخ العربي القديم من أساطير نسجها خيال الرواة حول عمرو بن تميم بن مرة، وقد بلغ من العمر ثلاثمائة وثمانين سنة (١)، وسعد بن زيد مناة من كبار بني تميم المعمرين، وعمر بن لحي الخزاعي أول من وضع الأصنام في الكعبة، وقد بلغ فيما تزعم الرواية (٢) عنه أربعا وخمسين وثلاثمائة سنة. فكل هذا وغيره من الأخبار مما يحمل مدلوله على المبالغة في طول العمر. على أن العرب أهل بداوة وأمية، ولم يدوّنوا تواريخهم بالسنين والشهور إلا بعد _________ (١) انظر كتاب مروج الذهب للمسعودي - الجزء الثاني - صفحة ١٧٨. (٢) انظر كتاب مروج الذهب للمسعودي - الجزء الثالث - صفحة ١١٥.

стр. 11

- م - أن خالطوا غيرهم من الأمم المتحضرة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وإنما كان كل شعب منهم يؤرخ بما يقع في حياتهم من حوادث، يعرفونها باشتهارها لديهم، كما يذكر الطبرى في تاريخه (١) برواية على بن مجاهد بالسند الشعبي، إذ يقول: "أرّخ بنو إسماعيل من نار إبراهيم ﵇ إلى بنيان البيت حين بناه إبراهيم وإسماعيل … ثم أرّخ بنو إسماعيل من بنيان البيت حتى تفرقت، فكان كلما خرج قوم من تهامة أرخوا بمخرجهم، ومن بقى بتهامة من بني إسماعيل يؤرخون من خروج سعد، ونهد، وجهينة بني زيد من تهامة حتى مات كعب بن لؤى، فأرخوا من موت كعب بن لؤى إلى عام الفيل، فكان التاريخ من الفيل حتى أرخ عمر بن الخطاب من الهجرة". "قال أبو جعفر: وهذا الذي رواه على بن مجاهد في تاريخ بني إسماعيل غير بعيد عن الحق، وذلك أنهم كانوا يؤرخون على أمر معروف يعمل به عامتهم، وإنما كان المؤرخ منهم يؤرخ بزمان قمحة كانت في ناحية من نواحي بلادهم، ولزبة أصابتهم، أو بالعامل كان يكون عليهم، أو الأمر الحادث فيهم، فينتشر خبره عندهم. ويدل على ذلك اختلاف شعرائهم في تأريخاتهم، ولو كان لهم تأريخ معروف وأصل معمول به لم يختلف ذلك منهم. ومن ذلك قول الربيع بن ضبع الفزاري: هأَنَذَا آمُلُ الْخُلُودَ وَقَدْ … أَدْرَكَ عَقْلِي وَمَوْلِدِي حُجَرَا أَبِامْرِيءِ الْقَيْسِ هَلْ سَمِعْتَ بِهِ … هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ طَالَ ذَا عُمُرَا فأرّخ عُمْرَه بحجر بن عمرو، أبي امرئ القيس. وقال نابغة بني جعدة: فَمَنْ يَكُ سَائِلًا عَنِّي فَإِنِّي … مِنَ الشُّبَّانِ أَزْمَانَ الخَنَانِ فجعل النابغة ما أرخ بزمان علة كانت فيهم عامة. _________ (١) الجزء الثاني صفحة ٢٥٣.

стр. 12

- ن - وقال آخر: وَمَا هِيَ إِلَّا فِي إِزَارٍ وَعَلْقَةٍ … مُغَارُ بن هَمَّامٍ عَلَى حَيِّ خَثْعَمَا فكل واحد من هؤلاء الذين ذكرت تأريخهم في هذه الأبيات أرّخ تأريخا خاصا على قرب زمان بعضهم من بعض، وقرب وقت ما أرخ به من وقت الآخر، ولو كان لهم تأريخ معروف كما للمسلمين اليوم ولسائر الأمم غيرهم لكانوا لا يتعدونه، ولكن الأمر عندهم على ما ذكرنا". انتهى كلام الطبرى. لهذا فإن تحديد أعمار المعمرين في كتاب السجستاني لا يعنى واقع سنيّ حياتهم، وإنما هو دلالة على طول الحياة في روايات تناقلتها الأجيال، وأصابها من النقلة ما أصاب غيرها من أخبار العرب وتواريخهم. وليس معنى هذا أن الأقدمين كانوا مثلنا في طول العمر، فهم بلا شك قوم أوتوا بسطة في الأجسام، وطولا في الأعمار (١)، وكانوا أطول منا أعمارا، وكان المعمرون بينهم أطول أعمارا من المعمرين بيننا، وهو ما تقوم عليه شواهد حياتنا، ويؤيده الواقع من النظريات العلمية الحديثة، ولقد بينت البحوث العلمية أن الإنسان قادر على أن يعيش خمسين ومائة سنة إذا عرف كيف يتحكم في أعضائه فلا يدع التلف يسرى في جسمه، باستسلامه لانفعالاته من غضب وحُزن، وحقد وقلق، حتى لا يثير غدده فتصبّ في دمه مواد كيماوية، يؤدى بعضها إلى ضعف الأعضاء وعجزها عن أداء وظيفتها؛ وما كان العرب في بيئتهم إلا أهل انبساط ودعة. * * * وإن المستقرى لأخبار المعمّرين المبثوثة في كتب الأدب العربي يجد أن أبا حاتم السجستاني لم يذكر في كتابه "المعمرين" طائفة أخرى منهم، اشتهروا في الجاهلية بكبر أعمارهم وكانت لهم روايات وأخبار وأشعار عنى بتدوينها المتأخرون عن أبي حاتم، _________ (١) راجع مقدمة كتاب الأدب الكبير لابن المقفع.

стр. 13

- س - ومن هؤلاء المعمر "أماناه بن قيس بن الحارث بن شيبان بن العائذ بن معاوية الكندى". وقد أشار إليه الشاعر مسلم النخعي في أبيات له (١)، منها: ألا لَيْتَنِي عُمِّرْتُ يَا أُمَّ خَالِدٍ … كَعُمْرِ أَمَانَاهِ بن قَيْسِ بْنِ شَيْبَانِ لَقَدْ عَاشَ حَتَّى قِيلَ لَيْسَ بَميِّتٍ … وَأَفْنَى فِئَامًا مِنْ كُهُولٍ وَشُبَّانِ فَحَلَّتْ بِهِ مِنْ بَعْدِ حَرْسٍ وَحِقْبَةٍ … دُوَيْهِيَّةٌ حَلَّتْ بِنَصْرِ بن دَهْمَانِ وقد عاش أماناه عمرا طويلا في الجاهلية، وأدرك الإسلام، واشترك في حرب الردّة أيام أبي بكر الصديق. ومن المعمرين العرب الذين لم يذكرهم أبو حاتم قُبَاث بن أشيم الكِنَانِي صاحب المثل المعروف "لَقَدْ كُنْتُ وَمَا أُخَشَّى بِذِئْبِ" ويقال إنه شاهد حرب الفيل، وحارب في صفوف الكفار يوم بدر، ثم اعتنق الإسلام، وصار من الصحابة، ويروى المؤرخون (٢) أنه عاش إلى زمن الخليفة عبد الملك بن مروان. ومن المعمرين المشهورين الذين لم يذكرهم أبو حاتم "ضرار بن سعد" صاحب المواقف المشهورة في القصص الشعبي الجاهلي، ويحكى المؤرخون عنه حكايات كثيرة، وأن هو الذي اخترع العصا ليعتكز عليها الشيوخ. وغير هؤلاء كثيرون تضمّهم كتب الأدب العربي، ولم يدخلوا في كتاب أبي حاتم ضمن نطاق مجموعة المعمرين الذين ذكرهم. ويبدو أن أبا حاتم لم يستهدف في كتابه جمع أسماء المعمرين وأخبارهم الذين وصلت إليه رواياتهم، وإنما كان هدفه الأول العناية بتسجيل الحكم والأمثال والشعر مما نطق به المعمرون في حياتهم المتقدمة، وأنه إذا أهمل ذكر معمر في كتابه، فإنما مردّ ذلك إلى أن أبا حاتم لم يعثر على شيء من النثر أو الشعر لهذا المعمّر مما يمكن أن يعد ثروة أدبية يضيفها السجستاني إلى جملة مختاراته. * * * _________ (١) انظر كتاب حماسة البحتري صفحة ٣٠٢. (٢) أسد الغابة - الجزء الرابع - صفحة ١٨٩. والأمثال للميداني الجزء الثاني صفحة ١٠٩.

стр. 14

- ع - وليس من شك في أن المختارات الأدبية التي ساقها أبو حاتم للمعمرين في كتابه تمثل في جملتها لونا ذا أهمية كبيرة في الأدب العربي، وأنها تصور ذوقا فنيا خاصا لشعراء وناثرين حفل بهم العصر الجاهلى والعصر الإسلامي، وكانت لهم أدوار في التاريخ العربي محمودة في سيرتهم وبين قومهم، وأن هؤلاء المعمرين كانوا بأعمارهم أفضل للأشياء اختبارا، وأن شعرهم الواقعي يزوّدنا بثروة من الأخيلة الشعرية، لها قيمتها في الدلالة وحسن الأداء. وإن كانت أساليب هؤلاء المعمرين لا تضيف جديدا إلى عناصر الأسلوب العربي المعروف. ويكاد هؤلاء الشعراء المعمرون يتفقون في تشبيه الشيب بالضيف المكروه، ثم تختلف أخيلتهم الشعرية في هذا الضيف، فيقول بعضهم: ضَيْفٌ بَغِيضٌ لَا أَرَى لِيَ عُصْرَةً … مِنْهُ هَرَبْتُ، فَلَمْ أَجِدْ لِي مَهْرَبَا ويقول آخر: أَضْحَى لِيَ الشَّيْبُ ضَيْفًا غَيْرَ مُرْتَحِلٍ … وَلَيْتَهُ كانَ يُقْرَى الْمَالَ، فَارْتَحَلَا لِكُلِّ ضَيْفٍ قِرَاهُ، أَنْتَ حَاشِمُهُ … وَمَا قِرَا الشَّيْبِ إِلَّا الْحِلْمُ إِذْ نَزَلَا وكل هؤلاء المعمرين يتحسرون على أيامهم الخوالي، ويذكرونها بالأسَى والغُصَّة، ويستعيدون سيرتهم الأولى لأبنائهم وأحفادهم وذويهم وزوجاتهم، ومنهم من يذكر قوته في شبابه التي تخافها الأسود، وضعفه في مشيبه الذي يخاف به من الثعلب: وَلَقَدْ أَرَانِي وَالْأُسُودُ تَخَافُنِيَ … وَأَخَافَنِي مِنْ بَعْدِ ذَاكَ الثَّعْلَبُ وَإِذَا رَأَيْتَ عَجِيبَةً فَاصْبِرْ لَهَا … وَالدَّهْرُ قد يَأْتِ بِمَا هُوَ أَعْجَبُ ويتفاوت هؤلاء المعمرون قوة وضعفا في إبراز أحوالهم التي صاروا إليها، من خطو قصير ومشى ضعيف، وشعرهم في هذا يصور أحوالهم على أساليب مختلفة من النسج اللفظي والخيال الشعرى. فيقول بعضهم: وَمَشِيتُ بِالْيَدِ قَبْلَ رِجْلٍ خَطْوُهَا … رَسْفُ الْمُقَيَّدِ تَحْتَ صُلْبٍ أَحْدَب

стр. 15

- ف - ويقول آخر: عَلَى الرَّاحَتَيْنِ مَرَّةً وَعَلَى الْعَصَا … أَنُوءُ ثَلَاثًا بَعْدَهُنَّ قِيَامِي ويقول ثالث: تَهَدَّلَتِ الْعَيْنَانِ بَعْدَ طَلَاوَةٍ … وَبَعْدَ رِضًا فَأَحْسَبُ الشَّخْصَ رَاكِبَا وَأُبْعِدُ مَا أَنْكَرْتُ كَيْ أَسْتَبِينَهُ … فَأَعْرِفُهُ وَأُنكِرُ الْمُتَقَارِبَا وقد كان من عادة العرب في الجاهلية إذا أسن فيهم كبير أن يتركوه لَقَىً في الدار كالمتاع، ويجرون عليه طعامه وشرابه، فإذا رحلوا حملوه، وإذا حَطُّوا ألَقَوْه هَمَلًا دون توقير، ولذا فقد كثرت الشكوى من المعمرين بهذا الخصوص، في كتاب أبي حاتم، يعرضون شكواهم على أبنائهم في ذلة وانكسار استدرارا للعطف ونيلا للرضا والتوقر، وكانوا في هذا يألمون أشد الألم نفسيا وعضويا، وقد نهى الإسلام عن هذه العادة المرذولة في قوله تعالى: "وَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرُهُمَا، وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا" ودعا لتركها رسول الله ﷺ ، فطالب المسلم بإكرام ذى الشيبة في قوله: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا. . ." ويعتبر التراث الشعرى الذي جمعه أبو حاتم السجستاني في كتابه "المعمرين" من أهم المصادر التاريخية لحياة العرب في الجاهلية، ففيه يجد الدارس إشارات لوقعات ومعارك مجهولة، وإضافات لحقائق تاريخية، وتصويبات لأسماء مشهورة إلى غير هذا مما يعنى به المؤرخون وأصحاب التراجم. * * * وإذا كان كتاب المعمرين لأبي حاتم السجستاني أسبق الكتب المعروفة التي تناولت مادّتها طرفا من المعمرين وأخبارهم فإن الكتاب يعتبر من ناحية أخرى أَوْفَى الكتب في الإحاطة بأخبار المعمرين، بل إنه يمثل الكتاب الأمّ الذي حذا حذو أبي حاتم فيه المؤلفون الذين جاءوا من بعده، مثل كتاب "الغرر والدرر" لعلى المرتضى، وكتاب "محاضرات الأدباء" للراغب الأصفهاني، وكتاب "التذكرة"

стр. 16

- ص - لمحمد بن الحسن بن حمدان، وكتاب "المستطرف في كل فن مستظرف" للأبشيهي، وغيرهم أمثال أبى الحجاج يوسف البلوى، وأبي الفرج بن الجوزى. فلقد عقد هؤلاء المؤلفون وغيرهم فصولا في كتبهم، تناولوا فيها ذكر المعمرين وأخبارهم في تراجم قصيرة لا تصل إلى عمل أبي حاتم في وفايته، وجاء من بعدهم خلف، عنوا بهذا اللون من التبويب في كتبهم على مر الأجيال، وكانت لهم مذاهب أخرى في الجمع لأخبار المعمرين، وسردها في طبقات تمثل المعمرين من ذوى المذاهب والطوائف والحرف وغيرهم. وتعتبر مخطوطة المعمرين الموجودة بمعهد "جوته" بألمانيا من أهم الكتب المصنفة في أخبار المعمرين المحدثين، وقد نشر الأديب الدمشقى "إلياس عبده قدسى" صفحات من هذه المخطوطة في سنة ١٨٨٣ م. * * * ويمثل "كتاب المعمرين" للسجستاني الشطر الكبير من شطرى المخطوط الذي أقوم بنشره، المسجل تحت رقم ٢٠١٤ تاريخ، بدار الكتب المصرية؛ أما الشطر الثاني لهذا المخطوط فهو "كتاب الوصايا" لأبي حاتم السجستاني. وقد جمع أبو حاتم في هذا الجزء الثاني جملة من الوصايا المختارة من بين الروايات العربية نسبها إلى قائليها في العصر الجاهلى، وفى العصر الإسلامي، وفى العصر الأموى؛ وكما أن الوصايا تعتبر لازمة من لوازم المعمرين فقد اعتبر أبو حاتم السجستاني جمع الوصايا في كتاب لازمة من لوازم جمعه أخبار المعمرين في كتاب. ولقد وفق أبو حاتم إلى أبعد حدود التوفيق في نظم مختاراته على هذين الشطرين، وفي ترتيب هذا النظم ترتيبا واقعيا، يساير ظروف الكائنات في عصور حياتها، فجعل "كتاب الوصايا" يلى "كتاب المعمرين"، وأتى في أخبار الوصايا بما لم يأت به في أخبار المعمرين، وقد ضمّن كل هذا نتفا مختارة مما وصلت إليه روايته من أقوال المُوصِين، الذين أوتوا حظوة في الدنيا، ووفرة في العقول، واكتسبوا

стр. 17

- ق - تجارب كانوا بها ذوى قدرة على الأحكام، وهم يفضون إلى ذويهم في أواخر أعمارهم بما لهم وبما عليهم، يرجون لهم الخير من بعدهم، ويودعونهم نتائج تجاربهم، صفوةً مختارة من القول في شئون الدين والدنيا، يبصرونهم فيها بحياتهم، وبتليدهم الذي صار إليهم، وقد صاروا إليه. وإن المنهج الذي سار عليه تصنيف كتاب الوصايا هو نفس المنهج الذي اتبع في تصنيف كتاب المعمرين، فلقد روى "أبو روق" هذه الوصايا عن أبي حاتم، كما روى عنه أخبار المعمرين؛ وإن القارئ للكتابين يلاحظ أن ذاتية أبي روق في رواية الوصايا لم يكن لها أثرها الواضح في روايته أخبار المعمرين، فلا نكاد نجد لأبى روق تصويبا لما يرويه عن أبي حاتم، ولا زيادة على ما يذكره، ولا شرحا أو توضيحا لما يستغلق فهمه من روايته، كما هو حال أبي روق في كتاب المعمرين، بل إن إسناد القول لأبي حاتم في كتاب الوصايا يكثر إلى حد أنه يذهب بأبي روق وبسيرته؛ ولعل هذا راجع إلى أصالة هذه الوصايا وإصابتها، وتواتر رواياتها، ووضوح عباراتها ومدلولها. وليس عمل أبي حاتم في كتاب الوصايا جديدا أو فريدا كعمله في كتاب المعمرين، فلقد عرفت الوصايا من قديم الزمان لونا من ألوان الأدب العربي، وصنف لها الرواة المؤلفات، وعقدت لها في كتب الأدب الفصول والأبواب، وقد انفردت بروايتها كتب أخرى سابقة، مثل كتاب "تاريخ العرب الأوليّة" للأصمعي، وهو كتاب بنيت مباحثه على وصايا قحطان والملوك من أبناء هود، وكتاب الوصايا لدعبل الخزاعي، وكتاب وصايا الملوك وأبناء الملوك لأبي الطيب ابن إسحق الوشّاء، من علماء القرن الثالث الهجرى. وإن القارئ لهذه الكتب ولغيرها في وصاياها المختلفة ليجد أنها كلها تصوّر كتابا ذا متن يكاد يكون واحدا، لولا ذلك التغيير الطفيف في بعض العبارات، مما يقتضيه اختلاف الرواة والمؤلفين، وإن الوصية العربية تكاد تكون واحدة، وهى

стр. 18

- ر - في عناصرها الأدبية تتكوّن من حكم وأخبار، وما الحكمة العربية إلا تلك الثمرة الفكرية التي يجتنيها المرء من تفاعل نشاطه في بيته الطبيعية والاجتماعية، فيخلص منها إليها في سلوكه العام، وينسجها في العيار الكلامي ذى الدلالة والإيجاز، وكلها عند العرب شيء واحد، فرضته عليهم حياتهم المعاشية؛ وإذا كنا نرى في بعضها اختلافا فإنما هو الاختلاف في الأخيلة، نتيجة للسلطان الفكرى الذي سيطر على العقل العربي بعد ظهور الإسلام، وانتهج به مناهج أخرى في الإدراك والتصوير. وإن الأخبار الخاصة التي تمتاز بها الوصايا، بعضها من بعض لهى المَعْلم الوحيد الذي يفرق بينها، وهذه الأخبار كلها تدور حول شئون الدنيا، وما كانت الدنيا وشئونها شيئا مذكورا، يشغل بال المرء عند لقاء ربه إلا أن يكون الموصى خليفة، أو حاكما، أو ذا جاه في قومه، فإن لهؤلاء في وصاياهم مناهج خاصة، تفيد التاريخ أكثر مما تفيد الأدب؛ ولقد عنى أبو حاتم بجمع طائفة من هذه الوصايا في العصر الإسلامي، وفي العصر الأموى، واستطاع أن يبرز في مختاراته منها أذواقا خاصة لبعض الخلفاء، كان لها أثر في سلوكهم العام والخاص كما ورد هذا في وصية عبد الملك بن مروان، وفى رواية أبي حاتم لها. وتعتبر الوصايا من الموضوعات الهامة للدراسات النفسية، وهى تستأهل العناية الكبرى من المختصين، ففيها تتجلّى بوضوح تفاعلات الخلايا العقلية، الظاهر منها والباطن، وتُسْتبان في معالمها عناصر الحالة الفكرية الحادة التي تصيب الإنسان عندما يتهيأ له ملك الموت، وتصبح حياته في نهايتها قاب قوسين أو أدنى؛ وهى نتاج فكرى لتفاعلات متناقضة المؤثرات، تظهر فيها مسالك البشر في طبائعهم الغريزية، وفي سلوكهم المعاشي؛ ولقد حرص أبو حاتم على أن يقدم في مختاراته نماذج حيّة متفرقة من هذه الوصايا تمثل ذواتا مختلفة في عصور متباعدة من التاريخ، وقد جمعها همٌّ واحد، هو الرضا والإيمان. ولم يخل كتاب المعمرين من ذكر بعض الوصايا التي عرضها أبو حاتم في سيرة

стр. 19

- ش - المعمرين استكمالا لآثارهم، وجمعا لأقوالهم، وقد أورد أبو حاتم من هذا كثيرا فيما رواه عن أكثم بن صيفي (صحيفة ١٤ - ٢٦) وعن نهد بن زيد في وَصاته لبنِيه (صحيفة ٢٦). * * * وبعد، فإن المخطوطة التي أقوم بنشرها لأبي حاتم السجستاني تعد من المخطوطات القديمة الحديثة، فهي قديمة بموضوعها وبمؤلفها، وحديثة بتاريخ نسخها الذي يرجع إلى أول القرن الحالى، وقد كتبت المخطوطة بقلم معتاد، بخط الناسخ محمد شكرى المكي، وبرسم العلامة الشيخ محمد محمود بن التلاميد التركزى الشنقيطي، وقد فرغ من كتابتها في شهر رمضان سنة ١٣٢١ هـ، وتحوى هوامش المخطوطة تقريرات بخط الشيخ الشنقيطي. وقد جاء في آخر المخطوطة عبارة "قوبل بأصله، فصح إن شاء الله تعالى، وكتبه محمد محمود التركزى" وإن هذه العبارة لتدل على أن مكتبات القاهرة كانت تضم المخطوطة الأصلية التي نقلت عنها المخطوطة رقم ٢٠١٤ تاريخ، المحفوظة بدار الكتب المصرية، وإن هذه المخطوطة الأصلية قد نقلت من مكانها بعد أن تم نسخها. ولما كانت مخطوطة كمبريدج رقم ٢٨٥. No ،Q ٩ قد نشرت في تاريخ لاحق لتاريخ نسخ مخطوطة دار الكتب فإنى أرجح أن تكون مخطوطة كمبريدج هي المخطوطة التي كانت بالقاهرة، وقد حصل عليها المستشرق اليهودي "جولد زهير" الألماني بأي وسيلة، ثم نقلها من القاهرة بعد أن تم نسخها ومقابلتها، وذلك لأن كتاب المعمرين والوصايا لأبي حاتم السجستاني المخطوط نسخة وحيدة كما جاء في بروكلمان وفى فهارس المخطوطات العربية الأخرى. وقد نشر المستشرق اليهودى جولد زهير كتاب المعمّرين، ولم ينشر معه كتاب الوصايا لأبي حاتم، ومن بعده طبعت مطبعة السعادة بالقاهرة النسخة التي نشرت في ليدن سنة ١٨٩٩ بعد قراءتها على المرحوم أحمد بن الأمين الشنقيطي، ولم تنشر مطبعة السعادة كتاب الوصايا الذي تضمه مخطوطة دار الكتب مما يدل على اعتماد طبعة القاهرة على طبعة أوربة اعتمادا تاما، وعلى أن مخطوطة دار الكتب التي أقوم بنشرها ليس لها

стр. 20

- ت - صلة ما بالمطبوع من الكتاب، فهى الكلُّ، وما نشر هو الجزء، ولا يؤخذ الكل من الجزء؛ وإنما صلتها التامة قائمة بمخطوطة كمبريدج، ويعرف السر بينهما الشيخ الشنقيطى، ﵀، وأثابه على جهده في مقابلة مخطوطة دار الكتب على أصلها. ويظهر لى أن المستشرق جولدزهير رأى الاكتفاء بنشر كتاب المعمرين لأغراض له، قد أوضحها في مقدّمة كتابه، وتجمل هذه الأغراض في أنه عنى بنشر ذلك اللون الأدبي الذي اختاره أبو حاتم للمعمرين، وما كان يعنيه نشر كتاب الوصايا الذي عرض لموضوعه جملة وتفصيلا فيما سبق أن نشره من مؤلفات دينية وفقهية. ولم يتيسر لى وأنا أقوم بدراسة مخطوطة دار الكتب التي أنشرها، أن أحصل على مصورة الأصل الذي نشر منه المستشرق "جولدزهير" كتاب المعمرين، حتى أقارن جزءيه، المعمرين، والوصايا بهذه المخطوطة وذلك توخيّا لسلامة المتن بمراجعته في الأصول المختلفة، فما كان لى بدٌّ من الرجوع إلى النسخة المطبوعة في ليدن، وبخاصة وأن ناشرها قد عنى بإبراز المرئيات الخاصة لكلمات المتن في احتمالاتها الممكنة، لغويا وأسلوبا، فأصبحت المطبوعة صورة طبق الأصل المنقولة عنه، وللمستشرقين في هذا السبيل جهد مذكور ومحمود، وفيما عدا هذا فقد قصرت اهتمامي في نشر هذه المخطوطة على كتب اللغة والآداب، والمصادر الأولى لكتب التراجم معتمدا على رواياتها في تحقيق النصوص الشعرية والنثرية التي وردت فيها وفى كتابي المعمرين والوصايا، وقد أثْبتّ في الهوامش الفوارق التي تستأهل الذكر من هذه الروايات. وإنه لما يلفت النظر في الكتب العربية التي تعرض أخبار الأقدمين أن الروايات فيها يختلف بعضها عن بعض تبعا لاختلاف الرواة، واقتضاء لعامل الرواية الشفوية التي يتناقلها الناس جيلا بعد جيل، وأيا ما كان وجه الاختلاف فإنه لا يكاد يجاوز اللفظ إلى جوهر الخير وكنهه، وتبدو قيمة تحقيق اللفظ واضحة في نشر الكتب اللغوية ذات النصوص المأثورة التي تصلح شواهد على قواعد نحوية أو صرفية، وتقوم عليها دراسات لغوية فقهية.

стр. 21

- ث - وتبلغ جملة صفحات هذه المخطوطة اثنتين وستين ومائة صحيفة، منها أربع ومائة كتاب المعمرين، وثمان وخمسون كتاب الوصايا، وأوراقها ذات مساحة واحدة ٢٤٥×١٧٠ مليمترا، ومسطرتها تسعة عشر سطرا، في كل سطر منها تسع كلمات، وتحوى بعض صفحات المخطوطة تعليقات شروح وتفسيرات بخط الشيخ محمد محمود. وفى المخطوطة نقص لا يدل عليه ترقيمها في تسلسله، بين قول المستوغر بن ربيعة: ينش الماء في الربلات منها … نشيش الرضف في اللبن الوعير وبين ما بعده "والعافية خير من الواقية" (انظر صحيفة ١٣)، فإن الصلة معدوم في المعنى، وفى النسج اللفظى بين الأسلوبين، ويرجح في رأيي أن قدر النقص صحيفة واحدة، وأن الجزء الناقص هو من سيرة أكثم بن صيفى، وذلك لنسبة الحكم المذكورة إليه في بعض المراجع الأخرى، مثل كتاب الإصابة، ولذكر سيرته بعد ذلك في صحيفة ١٤، وهذا النقص موجود في مخطوطة كمبريدج التي نشرها المستشرق جولدزهير كما هو موجود في مخطوطة دار الكتب، وهو ما يؤكد مرة أخرى الصلة بين المخطوطتين. المعادى في مايو سنة ١٩٦١ عبد المنعم عامر

стр. 22

الصحيفة الأولى من مخطوطة "كتاب المعمرين"

стр. 23

الصحيفة الأولى من مخطوطة "كتاب الوصايا"

стр. 24

الصحيفة الأخيرة من كتاب الوصايا - رقم ٢٠١٤ تاريخ - بدار الكتب المصرية - بالقاهرة

стр. 25

كتاب المعمرين

стр. 26

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الشيخ أبو حاتم سهل بن عثمان السجستاني ذكر أبو عبيدة، وأبو اليقظان، ومحمد بن سلام الجمحي، وغيرهم أن أطول بني آدم عمرا الخضر، واسمه خضرون بن قابيل بن آدم ﵇. وقال ابن إسحاق، حدثنا أصحابنا، أن آدم ﵇ لما حضرته الوفاة جمع بنيه، وقال لهم: يا بنيّ، إن الله منزّل على أهل الأرض عذابا، فليكن جسدي معكم بالمغارة، حتى إذا هبطتم فابعثوا بي، وادفنوني بأرض الشام. فكان جسدهم معهم. فلما بعث الله تعالى نوحا ﵇ ضمّ ذلك الجسد، وأرسل الله تعالى الطوفان على الأرض، زمانا فجاء نوح ﵇، حتى نزل ببابل، وأوصى بنيه الثلاثة، وهم سام، ويافث، وحام، أن يذهبوا بجسده إلى المكان الذي أمرهم أن يدفنوه فيه. فقالوا: الأرض وحشة، ولا أنيس بها، ولا نهتدي الطريق، ولكن نكفّ حتى يأمن الناس، ويكثروا، وتأنيس البلاد، وتجفّ. وقال لهم نوح ﵇: إن آدم قد دعا الله أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة؛ فلم يزل جسد آدم حتى كان الخضر هو الذي دفنه، وأنجز الله له ما وعده، فهو يحيا إلى ما شاء الله أن يحيا.

стр. 27

وعاش نوح النبي ﷺ ألفا وأربعمائة وخمسين سنة؛ ذكر ذلك بن أبي زياد علي ابن أبي عياش العبدي عن أنس قال، قال رسول الله ﷺ : لما بعث الله نوحا إلى قومه بعثه وهو ابن خمسين ومائتي سنة، فلبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وبقى بعد الطوفان خمسين سنة ومائتي سنة، فلما أتاه ملك الموت قال، يا نوح يا أبا كُبر الأنبياء، ويا طويل العمر، ويا مجاب الدعوة، كيف رأيت الدنيا؟ قال: مثل رجل بنى له بيت، له بابان، فدخل من واحد، وخرج من الآخر. وقد قيل دخل من أحدهما، وجلس هنيَّة، ثم خرج من الباب الآخر. قالوا: وكان أطول الناس عمرا بعد الخضر لقمان بن عاديا الكبير، عاش خمسمائة سنة وستين سنة، عاش عمر سبعة أَنسر، عاش كل نسر منها ثمانين عاما، وكان من بقية عاد الأول. حدثنا أبو حاتم قال، قال أبو الجنيد الضرير، أخبرنا بذلك الحسين بن خالد، عن سلام، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن محمد بن إسحاق وغيره، فأما غير الحسين، فذكر أنه عاش ثلاثة وخمسمائة سنة؛ واله أعلم أي ذلك كان. "وكان من وفد عاد الذين بعثهم إلى قومهم إلى الحرم ليستسقوا لهم، وكان أعطى من العمر عمر سبعة أنسر، فجعل يأخذ النسر الذّكر، فيجعله في الجبل الذي هو في أصله، فيعيش النسر منها ما عاش، فإذا مات أخذ آخر، فرّباه حتى كان آخرها لُبَد، وكان أطولها عمرا، فقيل: طال الأبد على لُبَد.

стр. 28

وقال ذلك لبيد بن ربيعة الجفري من بني كلاب: ولقد جرى لُبد، فأدرك جريهُ … ريبُ الزَّمان وكان غيرَ مثقَّلِ وقال لبيد أيضا: لما رأى لبد النسور تطايرت … رفع القوادمَ كالفقير الأعزلِ من تحته لقمان يرجوا نهضَهُ … ولقد رأى لقمان ألاَّ يأتلي وقال الضَّبِّى: أوَ لم ترَ لُقمان أهلكه … ما أفتاتَ من سنةٍ وَمِن شهرِ وبقاء نسرٍ كلما انقرضت … أيامه عادت إلى نسرِ وقال الأعشى: لنفسكَ إِذا سبعة أنسرِ … إذا ما مضى نسر خلوتَ إلى نَسرِ فَعُمِّرَ حتى خالَ أنَّ نَسوره … خُلود وهل تبقى النفوس على الدهرِ؟ وقال لأدناهُنَّ إذا حلَّ ريشه … هلكت، وأهلكت ابن عادٍ، وما تدري قال، وأعطى من السمع والبصر على قدر ذلك، وله أحاديث كثيرة. وقال الذبياني: أَمست خَلاءٍ وأَمسى أَهلُها احتملوا … أخنَى عليما الَّذي أَخنى على لُبَدِ قال أبو حاتم: أَخنى، أَفسَد. قالوا: وكان من بعد سطيح، وُلِد في زمن السَّيل العرم، وعاش إلى ملك ذي نواس، وذلك نحوا من ثلاثين قرنا، وكان سكنه البحرين؛ وزعمت

стр. 29

عبد القيس أنه منهم؛ وتزعم الأزد أنه منهم؛ وأكثر المحدثين يقولون، هو من الأزد، ولا ندري ممن هو، غير أن ولده يقولون: إنهم من الأزد. قالوا: وكان المعافر بن يعفر بن مرّ بعد هذين، فمات، فلما حضره الموت حفروا له حفيرة، وبنوا له بيته " يعني قبره " فأخذ صخرة فكتب فيها: أنا المعافر بن يعفر بن مر … ولست من ذي يمنٍ بَقُرْ لكنَّني مضريُّ حُرْ يقول: لست منهم ذا أصل، يقول: أنا يماني الدار. وأنشد لطرفة: فتناهيتُ وقد صابت بِقُرْ فوجد في زمن سليمان بن داود، فكشف عنه، فوجد فيها " في الحفيرة " ووجد عبده الكتاب. وقالوا: خرج رجل من قريش قبل مخرج النبي ﷺ ، فركب البحر، فانكسرت سفينته، فوقع قي جزيرة في أرض لا يرى بها أنيسا، فبينا هو يط وف في تلك الجزيره إذا هو بشيخ كبير مجتمع العلم، فقال: من أنت؟ قلت: رجل من العرب. قال: من أيّ العرب؟

стр. 30

قلت: رجل من قريش. قال: بأبي وأمي قريش، وأين مساكنها اليوم؟ قلت: بمكة. قال: فهل خرج محمد بعد؟ قلت: وما خروج محمد؟ قال: فقص علىّ كيف يكون خروجه، وأخبرني أنه نبي، وأنه سيخرج، فإذا خرج فأتّبعه وقص أمره، ثم قال لي: أعالم أنت بمكة؟ قلت: نعم. قال: فهل تعرف مكانا يقال له " المطابخ "؟ قلت: نعم. قال: أفتدري لم سُمِّىَ المطابخ؟ قلت: لا. فقال: إن جيشين منا تواعدوا للقتال، فنزل أحدهما شرقي الجبل، ونزل الآخر غربيه، فنحرنا فيه الجُزُر من جانبيه جميعا، فسميَ بنا المطابخ. ثم قال: هل تعرف مكانا بمكة يقال له " القعيقعان "؟ قلت: نعم. قال: فهل تدري لم سمىَّ قيقعان؟ قلت: لا قال: فإنت لما خرجنا من المطابخ للقتال، فاجتمعنا بذلك الجبل، فاقتتلنا فيه، وقعقعوا السلاح، سميناه قعيقعان. ثم قال: هل تعرف فيها بقعة يقال لها " فاضِحُ "

стр. 31

قلت: أجل، نعم. قال: فهل تدري لم سمى فاضحا؟ قلت لا. قال: فإننا تناجزنا، فاقتتلنا قتالا فضح بعضنا بعضا، فسميناه فاضحا. ثم قال: هل تعرف فيها موضعا يقال له " أَجياد "؟ قال: قلت، نعم. قال: فهل تدري لم سمى أجيادا؟ قلت: لا. قال: فإنا لما أتيناه على جريدة خيل، فاقتلعت فيه الخيل، ليست فيها رجّالة، سمى أَجيادا لجياد الخيل. ثم انصرف عني إلى الروضة. فقلت: يا عبد الله، سألتني فأخبرتك، فأخبرني، من أنت؟ فألتفت إلي، فقال مجيبا: كأَن لم يكن بين الحجون إلى الصَّفا … أَنيس، ولم يسمُر بمكَّة سامرِ بلى، نحن كنَّا أَهلَها، فأَزالنا … صروف الَّليالي والجدود العواثُرِ فظننا أنه الحارث بن مضاض الجرهمي، مدّ له عمره إلى ذلك اليوم؛ وبعضهم يقول، شيخ من جرهم. قالوا: وكان من أطول من كان قبل الإسلام عمرا رُبَيع بن ضبيع بن وَهْب

стр. 32

ابن بغيض بن مالك بن سعد بن عدىّ، ابن فزارة، عاش أربعين وثلاثمائة سنة، ولم يُسلِم. وقال لما بلغ مائتي سنة وأربعين سنة: أصبح منيِّ الشَّبابُ قد حَسَرَا … إِن ينأَ عنيَّ فقد ثوى عُصُرا ودعَّنا قبل أَن نودَّعه … لمَّا قضى من جماعنا وطرا ها أَنذا قبل آملُ الخلود وقد … أَدرك عقلي ومولدي حُجُرا أَبا مِرئِ القيس هل سمعت به … هيهات طال ذا عُمُرا أَصبحت لا أَحمل السلاح ولا … أَملك البعير إِن نَفَرَا والذئب أَخشاه إِن مررت به … وحدي وأَخشى الرياح والمطرا من بعد ما قوة أُسرُّ بها … أَصبحت شيخا أُألج الكبرا وقال لما بلغ مائتي سنة: أَلا أَبلغ بنىّ بنى ربيع … فأَشرار البنين لكم فداء فإِني قد كبرت ودق عظمي … فلا تشغلكم عنِّى لبنساءُ وإنَّ كنائنى لنساء صدق … وما آلى بنىَّ وما أَساءوا ويروى: وما أَلى، والتألية، التقصير: ومن قال، وما آلى، فالمعنى، ما أقسموا ألا يبروني. حدثنا أبو حاتم قال، حدثنا أبو الأسود النوجشجاني، عن العمرى، عن أبى عمرو الشيباني قال، سألني القاسم بن معد عن قوله:

стр. 33

ما آلى بنيّ وما أَسأَءوا. قلت: أَبطئوا. قال: ما تركت في المسألة شيئا. ورجع إلى بقية الشعر: إِذا كان الشتاء فادفنوني … فإنّ الشَّيخَ يهدمُهُ الشتاءُ فأَما حين يذهب كُّلُّ قُرٍ … فسربالٌ خفيف أَو رداءُ إِذا عاش الفتى مائتين عاما … فقد أَودى المسرَّةُ والفتاءُ ويروى، فقد ذهب التخيل والفتاء؛ والفتاء مصدر الفُتى. وقالوا: إن معاوية أتى برجل من جرهم، فقال: ما أسكنك هذه البلدة؟ فقال: خرج قومي من مكة، فخرج أبي نحو الشام، فلم أزل فيها. قال: كم أتى عليك؟ قال: أربعين ومائة سنة. قال: فمن أنت؟ قال: من جرهم. قال: كذبت، لست منهم. قال: فكيف تسألني إذن؟ قال: كم أتى عليك من الزمان؟ قال: كالذي أتى عليك. فظن معاوية، أنه يعني هلكه، فقال كذبت.

стр. 34

قال: فكيف رأيت الدهر؟ قال: سنبات بلاء، وسنبات رخاء، ويوم شبيه بيوم، وليلة شبيهة بليلة، يهلك والد، ويخلف مولود، فلولا الهلالك لامتلأت الدنيا، ولولا المولود لم يبق أحد. قال: فهل رأيت أُميّة؟ قال: نعم، يقود ذكوان عبده. فقال: كف، فقد جاء غير ما ذكرت. قال: فأي المال أفضل؟ قال: عين خرَّارة في أرض خوَّارة. قال: ثم مَه؟ قال: فرس في بطنها فرس، يتبعها فرس، قد ارتبطت منها فرسا. قال: ثم مه؟ قال: عدة أيام السنة ضأنا أَضمن لصاحبها الغنى. قالوا: وعاش الأضبط بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة ابن تميم عمرا، ثم مات في آخر الزمان، وقد كان له حَمّام بالحيرة، فقال الأضبط: يا قوم، من عاذري من الخدعَة … والمُسىُ والصبح لا فلاح معه ما بالُ من غيَّه مصيبُكَا … لاتملك من أَمره الَّذي وزعه

стр. 35

حتى إِذا ما انجلت عمايتُهُ … أَنحى عليه، وأَمره فجَعَه وصِل وصال البعيد ما وصَل … حبلَ، وأَقص القريبَ إِن قطعَه واقبل من الدَّهر ما أتاك به … من قَرَّ عينا بعيشه نَفَعه قالوا: وعاش الستوغر بن ربيعة بن كعب ثلاثا وثلاثمائة سنة، وقال قوم، ثلاثمائة وثلاثين سنة، وقال في ذلك: ولقد سئمت من الحياة وطولها … وعمِرتُ من عدد السنين مئينا رئة حدتها بعدها مائتان لي … وعمرتُ من عدد الشهور سنينا هل ما بقى إِلا كما قد فاتنا … يومٌ يمرُّ وليلةٌ تحدونا بقى، يريد، بقى، وهي لغة. وأنشد: اقاذعتُ كعباً ما بقيتُ وما بقى وقال المفضل: عاش زمانا طويلا، وكان من فرسان العرب في الجاهلية، وكان رجل من فتيان قومه يجلس إِليه، وكان لذلك الرجل صديق، يقال له، عامر، وكان الفتى يقول لعامر، إن امرأة المستوغر صديقة لي، وهو يطيل الجلوس، فأحب أن يجلس معه، حتى إذا أراد القيام تثاءبت، ورفعت صوتك بالثَّوباء حتى أسمعوا أنصرف من عندها من قببل أن يفجأَنا ونحن على حالنا تلك. وإنما كان الفتى صديقا لأم عامر، فأراد أن يشغله بحفظ المستوغر، فيخالف الفتى إلى أم عامر، فيكون معها، حتى إذا سمع التثاوب يخرج. فظن المستوغر لعامر وما يصنع، فاشتمل على السيف، وجلس حتى إذا لم يبق غيره وغير عامر قال: ألا ترى والذي أحلف به، لئن رفعت صوتك لأضربنّك بالسيف

стр. 36

فسكت عامر، فقال له المستوغر: قم معي. فقاما إلى بيت المستوغر، فإذا امرأته قاعدة بزينتها، فقال: - هل ترى من بأس؟ قال: ما أرى بأسا. قال المستوغر: فانطلق بنا إلى أهلك فانطلقا، فإذا هو بالفتى متبطنا أم عامر معها من ثوبها. فقال له المستوغر: انظر إلى ما ترى؛ ثم قال: لعلَّني مضللَّ كعار. قال أبو حاتم: وإنما المثل: حسبتني مضللا كعامر، فذهب قوله مثلا. وإنما سمى المستوغر لأنه قال في الشعر: ينشُّ الماء في الرَّبلات منها … نشيش الرَّضف في اللَّبن الوغير والعافية خلف من الواقية، وستساق إلى ما أنت لقٍ. أراني غنيا ما دمتُ سويّا، إن رمت المحاجزة فققبل المناجزة، عاداك من لاحاكَ، خلِّ الوعيد يذهب في البِيد، إِنَّك لا تبلغ بلدا إلا بزادٍ، لا تسخر من شئٍ فيحور بكَ، إنك ستخالُ ما لا تنالَ " يريد أنك ستتمنى ما لا تقدر عليه، والمعنى، أنك تظنّ كل يوم أنك تبقى إلى غد، وتظن الغد أنك تبقى إلى بعد الغد، وذلك ما لا يكون ".

стр. 37

ربَّ لائم مليم، لا تهرف بما لا تعرف، وإذا تكلَّفت غيَّ الناس كنت أغواهم، ليس من القوة التورط في الهوَّة، وإلى أِمِّه يخرج من لهف، جدَّك لا كدَّك، اسع بجدٍ أو دع، إنَّ بعد الحول أولا، وإن مع اليوم غدا، وإن أخاك من آتاك " يريد واتاك "، ومن يطل ذيله ينتطق به، إن أَخا الظُّلم أَعشى ياليل، ومن حظَّك موضع حقَّك، لا تُلزم أخاك ما ساءك، ومن خير خَيرَ أن تسمع بمَطَر، وناصح أخاك الخبر وكن منه على حذر، ولِّ الثُّكل غيرك فإن العقوق ثكل من لم يثكل، ومن لك بأخيك كلِّه، والتَّجردُّ لغير نكاح مثله، ولا تكوننّ راضيا بالقول، الحرسُ يلهمُ العِرض " يريد يأكله "، لا تحمدنَّ أَمة عام اشترائها، ولا فتاة عام هدائها، ولا تلم أخاك ما آساك. قالوا: وجمع أكثم بن صيفي بنيه، فقال: يا بنيّ، قد أتت عليّ مائتا سنة، وإني مزودكم من نفسي؛ عليكم بالبرِّ فإنه ينمي العدد، وكفُّوا السنتكم فإن مقتل الرجل فكَّيه، إن قول الحق لم يدع لي صديقا، وإنه لا ينفع من الجزع التَّبكيَّ، ولا مما هو واقع التَّوقِّى، وفي طلب المعالي يكون الغرر " ويقال: يكون العَوَرَ "، الاقتصاد في السعي أَبقى للجمال، ومن لا يأسى على ما فاته ودَّعَ بدنَه، ومن قنع بما هو فيه قرَّت عينه، التَّقدَّم قبل التَّندُّم، أن أُصبح عند رأس الأمر أُحبُّ من أن أُصبح عند ذنبه، لم يهلك من مالك ما وعظك، ويل لعالم أَمرٍ من جاهله، الوحشة ذهابُ الأَعلام " أي العظماء "، ويتشابه الأمر إذا أقبل، فإذا أَدبر عرفه الأحمق والكِّيس، عند الرخاء حمق، والجزع عند النازلة آفة التجمل، ولا تغضبوا من اليسير فإنه يجني الكثير،

стр. 38

لا تجيبوا فيما لا تسألون عنه، ولا تضحكوا مما لا يضحك منه، تناءوا في الديار ولا تباغضوا، فإن من يجتمع يتقعقع عمده " أو عُمُدُه، يقالان جميعا " ولقد رأيت جبلا مطلا تزايله حجارته، ولقد رأيته أَملس ما فيه صدع، أَلزموا النساء المهانة، ولنعم لهو الحرَّة المغزل، وأَحمق الحُمق الفجور، وحيلة من لا حيلة له الصبرُ، إن كنت نافعي فورِّ عن عينك، إن تعش تر ما لم ترَ، قد أقرّ صامت، المكثار كحاطب الليل، ومن أَكثر أَسقط، والسَّروُ الظاهر الرَّياش، لا تبوُلُوا على أَكمة، ولا تفشوا سراً إلى أَمةٍ، من لم يرج إلا ما هو مسوجب له كان قمنا أن يدرك حاجته، ولا تمنعنكم مساويْ رجل من ذكر محاسنه. حدثنا أبو روق، قال، حدثنا أبو عمر بن خلاد عن محمد بن حرب الهللي قال، قال أكثم بن صيفي لولده: يا بنيّ، لا يغلبنكم جمال النساء عن صراحة النسب فإن المناكح الكريمة مدرجة للشَّرف. قال أبو حاتم، قالوا، وكان من أمر رياح بن ربيعة ذي ذراريح التميمي أنه أخذ عبدا يقال له، المج، وأَمه يقال لها، الصبغاء، وإبلا لابن أخ لأكثم، فبعث إليه أكثم مالك بن نويرة، وهو ختن رياح على ابنته، فدفع إليه ما كان أخذ منه، وأبطأ عليهم. فبعث إليه أكثم المكفَّف بن المُسّضيح؛ فلما توجه من عنده قيل له، قد انطلق، فليأتينّك بالإبل والعبد والأمة. فقال أكثم: فتى ولا كمالك. قال أبو حاتم: هذا مثل للعرب معروف.

стр. 39

فلما قدم علليه مالك قال: صرَّح الأمر عن محصنه. فدفع إليه مال ابن أخيه، فقال: أقصر لما أبصر، وهذا خبر إِن كان له أثر، وفي الجريرة تشرَكُ العشيرة، ورب قول من صول، والحُرّ حرّ وإن مسَّه الضُرّ، وإذا أفرع الفؤاد ذهب الرُّقاد، هل يهلكنَّي فقد مالا يعود، وأعوذ بالله أن يرميني امرؤ بدائه، ربّ كلامٍ ليس فيه اكتتام، حافظ على الصَّديق ولو في الحريق، وليس من العدل سرعة العذل، وليس بيسير تقويم العسير، وإذا أردت النصيحة فتأَهَّب للظَّنَّة، ولو أنصف المظلوم لم يبق فيينا ملوم، متى تعالج مال غيرك تسأَم، وغثُّك خير من سمين غيرك، لا تنطح جمَّاء ذات قرنٍ، وقد يبلغ الخضم بالقضم، وقد صدع الفراق بين الرِّفاق، واستأنوا أخاكم فإن مع اليوم أخاه، وكلُّ ذات بعل سئيمُ، وقد غلب عليك من دعا إليك، والحرُّ عزوف " أي صبور " لما يبتلى، ولا تطمع في كل ما تسمع. قالوا: وأشار أكثم يوم الكلاب على بني تميم حين سارت إليهم مذحج بأجمعها، فقال: استشيروا، وأَقلوا الخلاف على أمرائكم، وإياكم وكثرة الصياح في الحرب، فإن كثرة الصياح من الفشل، وكونوا جميعا فإن الجميع غالب، والمرء يجز لا محالة، تثبتوا ولا تسارعوا، فإن أَحزم الفريقين أَركنهما، ورب عجلة تهب ريثا، وتنَّمروا للحرب، واّرعوا الليل، واتخذوه جملا، فإن الليل أَخفى للويل، ولا جماعة لمن اختلف. قال: وغزا أكثم، فأسر الأَقياس ونهيكا، وأخذ أهليهم وأموالهم، فقال لبني أخيه، وهم ثلاثة، الكلب، والذئب، والسَّبع بنو بني عامر، وعامر

стр. 40

أخو أكثم؛ وكان أكبرهم الكلب وكان شرهم، فدفع الأقياس ونهيكا وأهليهم إلى الكلب. ووضع الأموال على يدي الذئب، وقال: إذا أطلقتهم فادفع إليهم أموالهم وردوها عليهم. فانطلق الكلب إلى الذئب فأخبره أنه قد أطلقهم، فأكل منا، فبلغ أكثم، فقال: نعم كلب في بؤس أهله، ومن استرعى الذئب ظلم، لا ترجعن عن خير هممت به، إنك لن تخبأَ للهر إلا سالكه. قال، وقال أبو زيد: ما تخبأ للدهر يسلكه وربما أعلم فأَدعُ. تشجُّ بيد وتأسو بأخرى، ودَّك من أَعتبك، وحسبتك من شرّ سماعه، لا تكلف الهول فإن العاشية تهيج الآبية ولا فقر منَّا يهدي غمام أَرضنا، ليس الحلم عن قدم، وكن كالسَّمن لا يخمُّ. قال الكلب: وما أنا برادِّها حتى يمدحوني. فقال قيس بن نوفل: أَنت السَّدى وابن النَّدى إِن رددتها … وجدُّكَ صيفى وخالك أَكثمُ فقال: كفى بهذا عارا ينسب الرجل إلى أمه، فرجع إلى فخده قالوا: وجمع أكثم قومه، وسار حتى انتهى إليهم، فقال: يا حامل، اذكر حلا. فقال أبو حاتم: أَلمثلك يا عاقد أذكر حلا؟ حسبُك ما بلَّغك المحَّلا، ربُ أَكلة تمنع أَكلات، وربما ضام قبل أن يسام، وإنما اتخذت الغم من حذر العاريَّة، ولو لذا عويت لم أَعوِ.
следующие страницы →