Полный текст (498 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
مدرسا بِمَدِينَة بروسا فِي مدرسة السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَأمره بالبحث مَعَ الْمولى زيرك وَكَانَ للْمولى خواجه زَاده سُؤال على برهَان التَّوْحِيد فارسله الى الْمولى زيرك ليكتب جَوَابا عَنهُ فَلَمَّا كتب جَوَابه حضرا عِنْد السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَالْحكم بَينهمَا الْمولى خسرو والوزير مَحْمُود باشا قَائِم على قَدَمَيْهِ فشرع الْمولى خواجه زَاده فِي الْكَلَام اولا فَقَالَ فَليعلم السُّلْطَان انه لَا يلْزم من الانكار على الْبُرْهَان الانكار على الْمُدَّعِي وَإِنِّي اخاف ان يَقُول النَّاس ان خواجه زَاده انكر التَّوْحِيد ثمَّ قرر سُؤَاله وَأجَاب عَنهُ الْمولى زيرك وَجرى بَينهمَا مبَاحث عَظِيمَة وكلمات كَثِيرَة وَلم ينْفَصل الامر فِي ذَلِك الْيَوْم حَتَّى استمرت المباحثة الى سَبْعَة ايام وَأمر السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فِي الْيَوْم السَّادِس ان يطالع كل مِنْهُمَا مَا حَرَّره صَاحبه فَقَالَ الْمولى زيرك لَيْسَ عِنْدِي نُسْخَة غير هَذِه فَقَالَ الْمولى خواجه زَاده عِنْدِي نُسْخَة اخرى وَأعْطِي هَذِه اليه وآخذ مَا حَرَّره وأكتب مَا حَرَّره على ظهر نُسْخَتي فَاخْرُج الْوَزير مَحْمُود باشا من وَسطه دَوَاة وَوَضعه عِنْد خواجه زَاده فشرع هُوَ فِي الْكِتَابَة فَقَالَ السُّلْطَان تلطفا بِهِ ايها الْمولى لَا تكْتب كَلَامه غَلطا قَالَ وَلَو كتبت غَلطا لَا يكون ذَلِك الْغَلَط أَكثر من غلطه فَضَحِك السُّلْطَان من هَذَا الْكَلَام ثمَّ فِي الْيَوْم السَّابِع ظهر فضل الْمولى خواجه زَاده عَلَيْهِ وَحكم بذلك الْمولى خسرو أَيْضا فَقَالَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان مُخَاطبا الخواجه زَاده أَيهَا الْمولى قد ورد فِي الحَدِيث ان من قتل قَتِيلا وَله بَيِّنَة فَلهُ سلبه وانت قتلت هَذَا الرجل وانا شَاهد بذلك فاعطيتك مدرسته وَكَانَ خواجه زَاده مدرسا وقتئذ بكنيسة من كنائس قسطنطينية الَّتِي وَضعهَا السُّلْطَان مُحَمَّد خَان مدارس قبل بِنَاء الْمدَارِس الثمان فَخَرَجَا من عِنْده فَاجْتمع احباء الْمولى زيرك عَلَيْهِ فَقَالُوا لَهُ كَيفَ كَانَ الامر قَالَ ان خواجه زَاده انكر التَّوْحِيد فَمَا زلت اضْرِب رَأسه حَتَّى اعْترف بِالتَّوْحِيدِ وخسرو مَا زَالَ يدْفع يَدي عَنهُ ثمَّ ذهب الْمولى زيرك الى بروسه وتوطن بهَا وَكَانَ لَهُ جَار هُنَاكَ يدعى بخواجه حسن فجَاء اليه وَقَالَ يَا مَوْلَانَا كم خراجك كل يَوْم قَالَ عشرُون درهما قَالَ انا اكفل بِهِ كل يَوْم فاعطى لَهُ خواجه حسن الْمَذْكُور مَا كفل بِهِ الى ان مَاتَ الْمولى الْمَزْبُور ثمَّ ان السُّلْطَان مُحَمَّد خَان نَدم على مَا فعله فَعرض عَلَيْهِ
стр. 72
مناصب فَلم يقبل وَقَالَ ان السُّلْطَان هُوَ خواجه حسن وَالْمولى الْمَذْكُور لم يشْتَغل بالتصنيف صدر مِنْهُ بعض التعليقات على حَوَاشِي الْكتب وَرَأَيْت لَهُ رِسَالَة فِي بحث الْعلم تدل على ان فرط ذكائه مَنعه عَن تعْيين الْحق وَصرف همته الى جَانب الاعتراضات نور الله تَعَالَى روحه الْعَزِيز
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى مصلح الدّين مصطفى بن يُوسُف بن صَالح البروسوي المشتهر بَين النَّاس بالمولى خواجه زَاده نور الله تَعَالَى مرقده وَفِي أَعلَى غرف الْجنان ارقده
كَانَ وَالِده من طَائِفَة التُّجَّار وَكَانَ صَاحب ثروة عَظِيمَة وَكَانَ اولاده مترفهين فِي اللبَاس وَالْعَبِيد وَعين للْمولى خواجه زَاده فِي شبابه كل يَوْم درهما وَاحِدًا فَقَط وَكَانَ ذَلِك لاشتغاله بِالْعلمِ وَتَركه طَريقَة وَالِده وَقد سخط ابوه عَلَيْهِ لذَلِك وَفِي يَوْم من الايام اجْتمع وَالِده مَعَ الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى ولي شمس الدّين البُخَارِيّ قدس سره فَرَأى الشَّيْخ شمس الدّين الْمولى خواجه زَاده وَعَلِيهِ سوء الْحَال يجلس فِي صف النِّعَال وَعَلِيهِ ثِيَاب دنيئة وَرَأى اخوته متجملين بالثياب النفيسة مَعَ الخدم وَالْعَبِيد فَقَالَ الشَّيْخ الْمَذْكُور لوالده من هَؤُلَاءِ وَأَشَارَ الى اولاده فَقَالَ اولادي قَالَ وَمن هَذَا واشار الى الْمولى خواجه زَاده قَالَ هُوَ ايضا وَلَدي قَالَ لأي سَبَب هُوَ فِي سوء الْحَال قَالَ إِنِّي اسقطته من عَيْني لتَركه طريقتي فنصح الشَّيْخ لَهُ وَلم يُؤثر فِيهِ نصحه وَلما قَامُوا عَن الْمجْلس قَالَ الشَّيْخ للْمولى خواجه زَاده ادن مني فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ لَا تتأثر من سوء الْحَال فَإِن الطَّرِيق طريقك وَيكون لَك ان شَاءَ الله تَعَالَى شَأْن عَظِيم وَيقوم اخوتك عنْدك فِي مقَام الخدم وَالْعَبِيد وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى لَا يملك الا قَمِيصًا وَاحِدًا وَكَانَ لَا يقدر على اشْتِرَاء الْكتاب وَيكْتب كِتَابه بِنَفسِهِ على اوراق ضَعِيفَة لرخصها ثمَّ انه حصل الْعُلُوم ثمَّ وصل الى خدمَة الْمولى ابْن قَاضِي اياثلوغ وَقد مر ذكره وقرا عِنْده الاصولين والمعاني وَالْبَيَان فِي مدرسة اغراس ثمَّ وصل الى خدمَة الْمولى حضر بك ابْن جلال وَهُوَ مدرس سلطانية بروسه ثمَّ صَار معيدا لدرسه وَحصل عِنْده علوما كَثِيرَة وَهُوَ فِي سنّ الشَّبَاب وَكَانَ الْمولى الْمَذْكُور يُكرمهُ اكراما عَظِيما وَكَانَ يَقُول إِذا اشكلت
стр. 73
عَليّ مسئلة لتعرض على الْعقل السَّلِيم يُرِيد بِهِ الْمولى خواجه زَاده ثمَّ ارسله الْمولى حضر بك الى السُّلْطَان مُرَاد خَان وَشهد لَهُ باستحقاقه التدريس فَقبله السُّلْطَان الا انه كَانَ مُتَوَجها الى السّفر وَأَعْطَاهُ قَضَاء كستل وَلما رَجَعَ عَن السّفر أعطَاهُ مدرسة الاسدية بِمَدِينَة بروسه وَعين لَهُ كل يَوْم عشْرين درهما فَمَكثَ هُنَاكَ سِتّ سِنِين واشتغل بِالْعلمِ مَعَ فقر وفاقه حَتَّى انه كَانَ يخْدم فِي بَيته بِنَفسِهِ وَحفظ هُنَاكَ شرح المواقف ثمَّ لما انْتَهَت السلطنة الى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وشاهدالعلماء رغبته فِي الْعلم ذَهَبُوا اليه واراد الْمولى خواجه زَاده الذّهاب اليه لَكِن مَنعه فقره عَن السّفر وَكَانَ لَهُ خَادِم من أَبنَاء التّرْك فاقترض لَهُ ثَمَانمِائَة دِرْهَم فَاشْترى بهَا فرسا لنَفسِهِ وفرسا لِخَادِمِهِ وَذهب الى السُّلْطَان ولقيه وَهُوَ ذَاهِب من قسطنطينية الى ادرنه وَلما رَآهُ الْوَزير مَحْمُود باشا قَالَ لَهُ اصبت فِي مجيئك اني ذكرتك عِنْد السُّلْطَان اذْهَبْ اليه وَعِنْده الْبَحْث فَذهب اليه وَسلم على السُّلْطَان فَقَالَ السُّلْطَان لمحمود باشا من هَذَا فَقَالَ هُوَ خواجه زَاده فَرَحَّبَ بِهِ السُّلْطَان فَإِذا فِي أحد جانبيه الْمولى زيرك وَفِي جَانِبه الاخر الْمولى سَيِّدي عَليّ فَتوجه خواجه زَاده الى جَانب سَيِّدي عَليّ وَاعْترض على الْمولى زيرك فَجرى بَينهمَا كَلَام كثير وَذهب الْمولى سَيِّدي عَليّ وَبَقِي هُوَ فِي جَانب السُّلْطَان وَكثر المباحثة وأفحم الْمولى زيرك حَتَّى قَالَ لَهُ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان كلامك لَيْسَ بِشَيْء وَذهب الْمولى زيرك وَبَقِي الْمولى خواجه زَاده عِنْد السُّلْطَان وتحدث مَعَه الى الْمنزل ثمَّ ان السُّلْطَان مُحَمَّد خَان احسن الى الْمولى سَيِّدي عَليّ والى الْمولى زيرك وَبَقِي الْمولى خواجه زَاده حَزينًا مهموما حَتَّى ان خادمه صَار لَا يَخْدمه وَيَقُول لَهُ لَو كَانَ لَك علم لأكرمك كَمَا اكرمهم وَفِي بعض الْمنَازل نَام الْخَادِم وخدم خواجه زَاده الْفرس بِنَفسِهِ ثمَّ جلس حَزينًا فِي ظلّ شَجَرَة فَإِذا ثَلَاثَة من حجاب السُّلْطَان يسْأَلُون عَن خيمة خواجه زَاده ويظنون ان لَهُ خيمة كَسَائِر الاكابر فاشار بعض النَّاس اليهم ان هَذَا الْجَالِس فِي ظلّ الشَّجَرَة هُوَ خواجه زَاده فانكروا ذَلِك ثمَّ جاؤوا وسلموا عَلَيْهِ وَقَالُوا انت خواجه زَاده قَالَ نعم قَالُوا اصحيح هَذَا قَالَ نعم قَالُوا انت مدرس الاسدية وانت الَّذِي الزمت على الْمولى زيرك قَالَ نعم فتقدموا اليه وقبلوا يَده وَقَالُوا ان
стр. 74
السُّلْطَان جعلك معملما لنَفسِهِ قَالَ الْمولى خواجه زَاده فَظَنَنْت انهم يسخرون مني ثمَّ ضربوا هُنَاكَ خيمة فقدموا اليه طَوِيلَة فرس مَعَ عبيد والبسة فاخرة وَعشرَة الاف دِرْهَم وَالْعَبِيد اسرجوا مِنْهَا فرسا وَقَالُوا قُم الى السُّلْطَان وَالْخَادِم الْمَذْكُور نَائِم بعد فَذهب اليه الْمولى خواجه زَاده ونبهه من النّوم فَقَالَ الْخَادِم خَلِّنِي انام قَالَ قُم فَانْظُر الى حَالي قَالَ اني اعرف حالك دَعْنِي انام فابرم عَلَيْهِ فَقَامَ وَنظر الْحَال فَقَالَ أَي حَال هَذَا قَالَ اني صرت معلم السُّلْطَان فَقبل الْخَادِم يَده وتضرع اليه وَاعْتذر عَن تَقْصِيره فِي خدمته ثمَّ ان الْمولى خواجه زَاده ادى فِي ذَلِك الْوَقْت مَا عَلَيْهِ من دينه للخادم الْمَذْكُور وَهُوَ ثَمَانمِائَة دِرْهَم ثمَّ ركب الى السُّلْطَان وقرا عَلَيْهِ السُّلْطَان متن عز الدّين الزنجاني فِي التصريف وَكتب هُوَ شرحا عَلَيْهِ وتقرب عِنْده غَايَة التَّقَرُّب حَتَّى حسده الْوَزير مَحْمُود باشا وَقَالَ يَوْمًا للسُّلْطَان يُرِيد خواجه زَاده منصب قَضَاء الْعَسْكَر قَالَ لاي شَيْء يتْرك صحبتي قَالَ يُريدهُ وَقَالَ لخواجه زَاده امرك السُّلْطَان ان تصير قَاضِي الْعَسْكَر فَقَالَ انا لَا اريده قَالَ هَكَذَا جرى الامر فامتثل امْرَهْ وَصَارَ قَاضِيا بالعسكر وَكَانَ وَالِده وقتئذ فِي الْحَيَاة فَسمع ان لده صَار قَاضِيا بالعسكر فَلم يصدق وَلما تَوَاتر الْخَبَر قَامَ من بروسه الى مَدِينَة ادرنه لزيارة ابْنه فَلَمَّا قرب من ادرنه استقبله الْمولى خواجه زَاده وَتَبعهُ عُلَمَاء الْبَلَد واشرافه فَنظر وَالِده فَرَأى جمعا عَظِيما وَقَالَ من هَؤُلَاءِ قَالُوا ابْنك قَالَ ان ابْني هَل بلغ الى هَذِه الْمرتبَة قَالُوا نعم فَلَمَّا رأى الْمولى خواجه زَاده وَالِده نزل عَن فرسه وَنزل وَالِده ايضا فَقبل وَلَده وعانقه وَاعْتذر اليه عَن تَقْصِيره وَقَالَ الْمولى خواجه زَاده انك لَو اعطيتني مَالا لما بلغت الى هَذَا الجاه ثمَّ انه عرض وَالِده على السُّلْطَان واذن لَهُ فِي الدُّخُول عَلَيْهِ فَدخل هُوَ عَلَيْهِ بِهَدَايَا جزيلة وَقبل يَد السُّلْطَان ثمَّ ان الْمولى خواجه زَاده صنع ضِيَافَة عَظِيمَة لوالده وَجمع الْعلمَاء والاكابر وَجلسَ هُوَ فِي صدر الْمجْلس ووالده عِنْده وَسَائِر الاكابر جَلَسُوا على قدر مَرَاتِبهمْ وَلم يُمكن لاخوانه الْجُلُوس فِي الْمجْلس لازدحام الاكابر فَقَامُوا مقَام الخدم فَقَالَ الْمولى خواجه زَاده فِي نَفسه هَذَا مَا ذكره لي الشَّيْخ ولي شمس الدّين رَحمَه الله تَعَالَى على ذَلِك ثمَّ ان السُّلْطَان اعطاه تدريس سلطانية
стр. 75
بروسه وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهما وَحكى وَالِدي رَحمَه الله تَعَالَى عَنهُ انه قَالَ حِين كنت مدرسا بسلطانية بروسه كنت فِي سنّ ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سنة وَلَيْسَ لي محبَّة شَيْء سوى محبَّة الْعلم وَكَانَ يفتخر بتدريس سلطانية بروسه فَوق مَا يفتخر بِقَضَاء الْعَسْكَر وَتَعْلِيم السُّلْطَان مُحَمَّد خَان قَالَ وَكَانَ لي وقتئذ مائَة ألف دِرْهَم ثمَّ ان السُّلْطَان مُحَمَّد خَان امْرَهْ بالمباحثة مَعَ الْمولى زيرك حَتَّى الزمه واعطاه مدرسته بقسطنطينية وَقد مر ذكره مشروحا واشتغل بِتِلْكَ الْمدرسَة اشتغالا عَظِيما وصنف هُنَاكَ كتاب التهافت بِأَمْر السُّلْطَان وَقد مر ذكره ايضا ثمَّ انه استقضي ببلدة ادرنه ثمَّ استقضي بِمَدِينَة قسطنطينية يَحْكِي وَالِدي عَن الْمولى العذاري انه قَالَ الْمُصِيبَة كل الْمُصِيبَة قبُوله الْقَضَاء اذ لَو داوم على الِاشْتِغَال الَّذِي كَانَ هُوَ عَلَيْهِ لظهر لَهُ آثَار عَظِيمَة فِي الْعلم بِحَيْثُ يتحير فِيهِ اولو الالباب ثمَّ ان السُّلْطَان مُحَمَّد خَان جعل مُحَمَّد باشا القرماني وزيرا وَكَانَ هُوَ من تلامذة الْمولى عَليّ الطوسي وَكَانَ متعصبا لذَلِك على الْمولى خواجه زَاده فَقَالَ للسُّلْطَان مُحَمَّد خَان ان خواجه زَاده يشكو من هَوَاء قسطنطينية وَيَقُول قد نسيت مَا حفظت من الْعُلُوم ويمدح هَوَاء ازنيق فَقَالَ السُّلْطَان اعطيته قَضَاءَهُ مَعَ مدرسته فَذهب الى ازنيق امتثالا لامره ثمَّ ترك قَضَاءَهُ وَقَالَ انه مَانع لاشتغالي بِالْعلمِ وَبَقِي مدرسا بهَا الى ان مَاتَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان عَلَيْهِ الرَّحْمَة والرضوان وَفِي ذَلِك قَالَ بعض من تلامذته وَهُوَ المرحوم الْمولى سراج الدّين ... وُجُوه اعْتِرَاف قد عنت لَك سَيِّدي ... ويرجى عنايات وَيظْهر تعنيت
وتعطس عَن انف من الْفضل شامخ ... وَلَيْسَ يرى غير الشماتة تشميت ...
رَأَيْت هذَيْن الْبَيْتَيْنِ مكتوبين بِخَط الْمولى خواجه زَاده فِي ظهر كتاب التَّوْضِيح وَقَالَ هُنَاكَ للاخ الْفَاضِل مَوْلَانَا سراج الدّين المرحوم فِي حق الْفَقِير الحائر عِنْد معاداة الْوَزير الجائر ثمَّ ان الْمولى خواجه زَاده اتى من بَلْدَة ازنيق الى بَلْدَة قسطنطينية فِي حَيَاة الْوَزير الْمَزْبُور فَذهب اليه رَاكِبًا على بغلته وتلامذته يَمْشُونَ قدامه مِنْهُم الْمولى
стр. 76
سراج الدّين الْمَذْكُور وَالْمولى بهاء الدّين المرحوم وَكَانَا مدرسين حِينَئِذٍ بالمدارس الثمان وَمِنْهُم الْمولى مصلح الدّين اليارحصاري وَكَانَ هُوَ مدرسا بمدرسة مُرَاد باشا بِمَدِينَة قسطنطينية فَلَمَّا رَآهُ الْوَزير بِهَذِهِ الابهة والجلال تحير واستقبله الى بَابه واجلسه مَكَانَهُ وَجلسَ هُوَ قدامه والتلامذة قائمون على اقدامهم فَتحدث مَعَه سَاعَة ثمَّ قَامَ واخذ هَؤُلَاءِ الاكابر بركابه وَمَشوا قدامه الى بَيته وتأوه الْوَزير وَقَالَ مَا قَدرنَا على كسر عرضه وَمَا علمت ان عزته بِالْعلمِ لَا بالمنصب وَكَانَ السَّبَب لمجيئه الى قسطنطينية ان الْوَزير الْمَذْكُور حرض الْمولى خطيب زَاده حَتَّى طلب المباحثة مَعَ الْمولى خواجه زَاده فَقَالَ خواجه زَاده انه يباحث اولا مَعَ تلامذتي فان غلب عَلَيْهِم يباحثني فَسمع الْمولى خطيب زَاده ذَلِك الْكَلَام فاتهمه بالاحجام عَن المباحثة وسَمعه الْمولى خواجه زَاده وارسل الى ازنيق خَادِمًا ان يَجِيء بكتبه اليه فَذهب المرحوم سِنَان باشا الى الْوَزير الْمَذْكُور فَقَالَ هَل تُرِيدُ كسر عرض خطيب زَاده قَالَ لَا قَالَ ان خواجه زَاده بعدتكميل مطالعته لَا يُمكن لَاحَدَّ ان يتَكَلَّم مَعَه فَقَالَ الْوَزير الامر هَكَذَا قَالَ نعم ثمَّ اذن للْمولى خواجه زَاده ان يذهب الى ازنيق فَلم يلبث الا قَلِيلا حَتَّى مَاتَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَجلسَ السُّلْطَان بايزيد خَان على سَرِير السلطنة فَأعْطَاهُ سلطانية بروسه وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم ثمَّ اعطاه منصب الْفَتْوَى بِمَدِينَة بروسه وَقد اخْتَلَّ رِجْلَاهُ وَيَده الْيُمْنَى وَكَانَ يكْتب الْفَتْوَى بِالْيَدِ الْيُسْرَى وَكَانَ لَا يكْتب الْفَتْوَى الا بعد النّظر فِي الْفَتَاوَى حَتَّى إِذا كررت عَلَيْهِ مسئلة وَاحِدَة كرر النّظر اليها وَكَانَ يُعلل فِي ذَلِك وَيَقُول لَو سامحت النَّفس فِيهَا لربما تسَامح فِي غَيرهَا وَكَانَ إِذا لم تُوجد مسئلة فِي الْفَتَاوَى يسْلك مَسْلَك الراي وَرُبمَا يظْهر لَهُ وُجُوه ويرجح وَاحِدًا مِنْهَا على الْبَوَاقِي قَالَ ثمَّ اني اجدتلك المسئلة فِي بعض الْكتب وَاجِد انه قد ذهب الى كل مَا لَاحَ لي من الْوُجُوه وَاحِد من الائمة وَاجِد مَا رجحته قد قيل فِيهِ وَهُوَ الاصح وَعَلِيهِ الْفَتْوَى قَالَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى قلت حِين سَمِعت هَذِه الْحِكَايَة مِنْهُ ان هَذِه مرتبَة عَظِيمَة قَالَ وَلَيْسَ لي فضل على سَائِر الْعلمَاء الا بِهَذِهِ قَالَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى قَرَأت عَلَيْهِ حَوَاشِي شرح الْمُخْتَصر للسيدالشريف فَلَمَّا بلغنَا الى مَبْحَث
стр. 77
خَواص الذاتي وَكُنَّا نسْمع ان لَهُ هُنَاكَ اعتراضات على السَّيِّد الشريف قرر الْمولى تِلْكَ الاعتراضات وَمَا قَدرنَا ان نتكلم عَلَيْهَا لقوتها ثمَّ قَالَ الْمولى الْمَذْكُور وَهَذِه من الاعتراضات الَّتِي لَو كَانَ حَضْرَة الشريف فِي الْحَيَاة وعرضتها عَلَيْهِ لقبلها بِلَا توقف وَلَا اقل من الْقبُول بعدالمباحثة ثمَّ قَالَ وَلَا تَظنن من كَلَامي هَذَا اني ادعِي الْفضل على حَضْرَة الشريف اَوْ التَّسَاوِي مَعَه فحاشا ثمَّ حاشا انه استاذي فِي الْعُلُوم لقداستفدت من تصانيفه وَلَكِن كَانَ لَهُ همة صَادِقَة وَلم يتخللها سوء المزاج وَلَا المناصب الاجنبية وَلَقَد كَانَت معي تِلْكَ الهمة الصادقة وَلَكِن تخللها سوء المزاج والمناصب الْأَجْنَبِيَّة كالقضاء وَنَحْوه وَلَو لم يتخللها هَذِه لَكَانَ لي شَأْن فِي الْعلم قَالَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى هَذِه عِبَارَته بِعَينهَا قَالَ وَكَانَ يَقُول مَا نظرت فِي كتاب اُحْدُ بعد تصانيف حَضْرَة الشريف بنية الاستفادة وَحكى الْمولى الْوَالِد انه قَالَ اني صَاحب اقدام واحجام قلت مَا التَّوْفِيق بَينهَا قَالَ إِذا كملت مطالعتي لَا اخاف احدا كَائِنا من كَانَ وَإِذا لم اكملها اخاف كل اُحْدُ قَالَ الْمولى الْوَالِد انه كَانَ لايتكلم بِلَا مطالعة اصلا نقل الْمولى الْوَالِد عَنهُ انه قَالَ يَوْمًا ان الْعُلُوم على ثَلَاثَة اقسام قسم مِنْهَا مَا يُمكن تَقْرِيره وتحريره وَهُوَ الْمَكْتُوب فِي المصنفات وَمِنْهَا مَا يُمكن تَقْرِيره وَلَا يجوز تحريره وَهُوَ الْجَارِي عِنْد المباحثة وَمِنْهَا مَا لايمكن تَقْرِيره وَلَا تحريره قَالَ قلت واي علم لَا يُمكن التَّعْبِير عَنهُ قَالَ مَالا يُمكن التَّعْبِير عَنهُ لدقته الا اذا حصل لَاحَدَّ تِلْكَ الْحَالة الذوقية فيتكلم مَعَه فِيهِ بالايماء والاشارة لَا بِصَرِيح الْعبارَة وَحكى عَنهُ ايضا انه قَالَ ذهبت يَوْمًا الى الْوَزير الْمَذْكُور وَجَلَست عِنْده وَفِي جَانِبه الاخر خير الدّين المهزول واراد بِهِ الْمولى خواجة خير الدّين معلم السُّلْطَان مُحَمَّد خَان قَالَ ثمَّ جَاءَ ابْن افضل الدّين فَجَلَسَ عِنْد خير الدّين وأنف ان يجلس عِنْدِي فتكدرت عَلَيْهِ لذَلِك قَالَ قَالَ ثمَّ جرى فِي الْمجْلس فضل السَّيِّد الشريف واتفقا على انه لَا يرد عَلَيْهِ اعْتِرَاض اصلا قَالَ قلت انه بشر يُمكن ان يخطيء وَلَكِن خَطؤُهُ قَلِيل قَالَ فانكرا عَليّ فَقلت انه يعْتَرض فِي شرح المواقف على الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ فِي قَوْله ان علم الْكَلَام مُحْتَاج الى الْمنطق وَيَقُول لَا يجترئ عَلَيْهِ الا فلسفي اَوْ متفلسف يلحس من فضلات
стр. 78
الفلاسفة قَالَ وَيذكر نَفسه كَلَام الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ فِي حَوَاشِيه على شرح الْمُخْتَصر بقوله وَالْحق قَالَ قلت وَهَذَا خطأ صَرِيح قَالَ فاعترفا بِمَا نقلته عَن شرح المواقف وأنكرا مَا نقلته عَن الْحَوَاشِي الْمَذْكُورَة قَالَ قلت انه مَكْتُوب فِي نُسْخَتي فِي الصفحة الْيُمْنَى بعد اربعة اسطر وَهُوَ الان نصب عَيْني قَالَ قَالَ الْوَزير عِنْدِي الْحَوَاشِي الْمَذْكُورَة فَأمر باحضارها فاحضرت وَكَانَ غَرَضه من ذَلِك ان لَا يُوجد فِيهَا وَيظْهر افترائي على حَضْرَة الشريف قَالَ فَوجدت الْكَلَام الْمَذْكُور فِي الْحَاشِيَة فَنظر اليه فَسكت خير الدّين وَقَالَ ابْن افضل الدّين مَا فِي هَذِه الْحَاشِيَة بَيَان فِي نفس الامر وَمَا فِي شرح المواقف اعْتِرَاض قَالَ قلت انك قلت فِي نفس الامر وَمَا مَعْنَاهَا قَالَ ان لَهَا مَعْنيين قَالَ قلت قداخطأت وجهلت ان لَهَا معنى وَاحِدًا يصدق على أَمريْن وَأَنت مِمَّن لَا يفرق بَين الْمَفْهُوم وَبَين مَا صدق هُوَ عَلَيْهِ وَمَعَ ذَلِك تَدعِي الْعلم قَالَ فَسكت ابْن افضل الدّين قَالَ قَالَ الْوَزير يَا مَوْلَانَا ان فِيك لحدة قَالَ قلت نعم ان لي حِدة لَكِن على الْكَلَام الْبَاطِل قَالَ قَالَ الْوَزير أهكذا تعامل مَعَ طلبتك قَالَ قلت لَو تكلم وَاحِد مِنْهُم بِمثل هَذَا الْكَلَام الْبَاطِل لضَرَبْت بِالْكتاب على رَأسه قَالَ فَضَحِك الْوَزير ثمَّ قُمْت فَذَهَبت قَالَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى أرسل سُلْطَان حُسَيْن ابْن بيقرا ملك خُرَاسَان الى السُّلْطَان بايزيد مُحَمَّد خَان لتهنئة السلطنة رَسُولا مَعَ هَدَايَا جزيلة وتحف سنية وارسل مَعَه رجلا من طلبة الْعلم بخراسان وَالْتمس من السُّلْطَان بايزيد خَان ان يَأْخُذ الاذن من الْمولى خواجه زَاده ليقرا ذَلِك الرجل عِنْده فجَاء الرجل الى الْمولى خواجه زَاده مَعَ كتاب السُّلْطَان بايزيد خَان اليه وَمَعَهُ هَدَايَا الى الْمولى خواجه زَاده فَعمل الْمولى ضِيَافَة ثمَّ أَمر لَهُ بَان يقرا حَوَاشِي شرح الْمُخْتَصر للسيدالشريف من بحث تَعْرِيف الْعلم قَالَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى وَكنت انا فِي ذَلِك الدَّرْس فحضرنا مجْلِس الْمولى مَعَ ذَلِك الرجل فامرني الْمولى بِالْقِرَاءَةِ فقرات وَمَا تَكَلَّمت انا وَسَائِر الشُّرَكَاء فِي ذَلِك الْيَوْم وانما تكلم ذَلِك الرجل فَقَط وَفِي الدَّرْس الثَّانِي قرر ذَلِك الرجل اعتراضا فاجبت عَنهُ فَقبل الْمولى خواجه زَاده جوابي ثمَّ اورد اعتراضا ثَانِيًا فاجبت عَنهُ ايضا فَقبل الْمولى ايضا جوابي ثمَّ اورد اعتراضا ثَالِثا فاجبت عَنهُ
стр. 79
ايضا وَلم يقبل الْمولى جوابي وَبعد قِرَاءَة سطرين من الْحَاشِيَة المزبورة استعاد الْمولى الْمَذْكُور جوابي الثَّالِث فاعدته فَحكم بِصِحَّتِهِ وَقَالَ هَذَا الْكَلَام من الشريف يُؤَيّد مَا ذكرته من الْجَواب فقمنا من الْمجْلس وَسمعت من ولد الْمولى ان الْمولى قَالَ فِي حَقي وَافق مطالعته مطالعتي وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى يفتخر بِهَذَا الْكَلَام مِنْهُ وَكَانَ يَقُول يَكْفِينِي هَذَا فخرا مُدَّة عمري وَسمعت من مُحَمَّد بن افلاطون كَاتب المحكمة الشَّرِيفَة ببروسه ونائبها إِنَّه جَاءَ أَمر من جناب السُّلْطَان بايزيد الى الْمولى خواجه زَاده وَهُوَ مفت بِمَدِينَة بروسه بَان يسمع دَعْوَى لوَاحِد من اهالي بروسه فَسَمعَهَا فَحكم لوَاحِد من المتخاصمين فَطلب ان يكْتب لَهُ حجَّة فدعاني وَقَالَ اكْتُبْ فِي هَذِه الْقَضِيَّة حجَّة فتحيرت لَان الْمولى كَانَ مَشْهُورا بِالْفَضْلِ فِي الافاق وانا دخيل فِي صناعَة الْكِتَابَة وقتئذ لَكِن امتثلت امْرَهْ واستفرغت مجهودي فِي كِتَابَة الْحجَّة وَأَنا رَاض بَان يضْرب بعض موَاضعهَا وَلَا يرد كلهَا فَذَهَبت اليه فَنظر فِي الْحجَّة وَقرأَهَا من اولها الى آخرهَا وَسكت ثمَّ قَرَأَهَا ثَانِيًا فَطلب الدواة والقلم فَقلت الان يضْرب على مَحل الْغَلَط فَأخذ الْقَلَم وتفكر سَاعَة ثمَّ قَالَ اتدري فِي أَي شَيْء اتفكر قَالَ قلت لَا قَالَ انك احسنت فِي إنْشَاء هَذِه الْحجَّة وَأَنِّي اتفكر عنوانا يُنَاسِبهَا قَالَ ابْن أفلاطون مَا فرحت بِشَيْء بعدالاسلام مثل فرحي بِهَذَا الْكَلَام مِنْهُ ثمَّ كتب الْمولى عنوان الْحجَّة نظما وَهُوَ هَذَا ... مَا هُوَ المسطور فِي طي الْكتاب ... صَحَّ عِنْدِي خَالِيا عَن ارتياب
مصطفى بن يُوسُف قد حرر ... راجيا من ربه حسن الثَّوَاب
الْمولى فِيهِ مِمَّن امْرَهْ ... نَافِذ وَالله أعلم بِالصَّوَابِ ...
قَالَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى لما شاع حَوَاشِي حَاشِيَة التَّجْرِيد للْمولى خطيب زَاده طلبَهَا فاحضرناها لَهُ فطالعها وَلم تعجبه ثمَّ لما شاع حَوَاشِي الشَّرْح الْجَدِيد للتجريد للْمولى جلال الدّين الدواني طلبَهَا واحضرناها لَهُ فطالعها واعجبته وَسمعت عَن ثِقَة ان الْمولى ابْن الْمُؤَيد لما وصل الى خدمَة الْمولى الدواني قَالَ لَهُ بِأَيّ هَدِيَّة جِئْت الينا قَالَ كتاب التهافت لخواجه زَاده قَالَ ذَاك هُوَ الرجل المبروص
стр. 80
قَالَ قلت لَيْسَ هُوَ بمبروص قَالَ انه هُوَ مَشْهُور فِي بِلَادنَا بذلك قَالَ فَدفعت اليه الْكتاب الْمَذْكُور فطالعه مُدَّة ثمَّ قَالَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْك وَعَن مُؤَلفه قد كَانَ فِي نيتي ان اكْتُبْ فِي هَذَا الْبَاب كتابا وَلَو كتبت قبل أَن ارى هَذَا الْكتاب لافتضحت ثمَّ ان الْمولى خواجه زَاده حِين كَانَ مفتيا واختلال رجلَيْهِ وَيَده الْيُمْنَى امْرَهْ السُّلْطَان بايزيد خَان ان يكْتب حَاشِيَة على شرح المواقف فَاعْتَذر عَن ذَلِك وَقَالَ ان كلماتي على شرح المواقف أَخذهَا الْمولى حسن جلبي وَضمّهَا الى حَاشِيَته وان لي مسودة على التَّلْوِيح ان اراد السُّلْطَان ابيضها فَأمره السُّلْطَان ثَانِيًا بِأَن يكْتب حَاشِيَة على شرح المواقف فامتثل امْرَهْ فَكَانُوا يضعون شرح المواقف أَمَامه فَوق الوسائد وَينظر فِيهِ وَلَا يقدر ان ينظر فِي كتاب آخر لضعف يَده حَتَّى إِنَّه إِذا احْتَاجَ الى تقليب ورقة يتَوَقَّف الى ان يَجِيء اُحْدُ فيقلبها وَكتب الْحَاشِيَة الْمَذْكُورَة بِيَدِهِ الْيُسْرَى الى اثناء مبَاحث الْوُجُود وَعند ذَلِك توفاه الله تَعَالَى وَوصل الى رَحمته وَبقيت الْحَاشِيَة مسودة ثمَّ اخرجها الى الْبيَاض الْمولى بهاء الدّين من تلامذته فَلَمَّا اتم تبييضها مَاتَ هُوَ ايضا وَمن غرائب الِاتِّفَاق انه وَقع آخر كلمة من تِلْكَ الْحَاشِيَة كلمة لَا يتم الْمَطْلُوب توفّي رَحمَه الله تَعَالَى بِمَدِينَة بروسه وَهُوَ مفت بهَا فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَدفن فِي جوَار السَّيِّد البُخَارِيّ قدس سره الْعَزِيز وَله من المصنفات كتاب التهافت وحواشي شرح المواقف وحواش على شرح هِدَايَة الْحِكْمَة لمولانا زَاده يَحْكِي وَالِدي عَنهُ اني مَا قصدت تأليف هَذِه الْحَاشِيَة وانما قَرَأَ عَليّ الشَّرْح الْمَذْكُور ابو بكر جلبي وَهُوَ أَخُو احْمَد باشا ابْن ولي الدّين وَكنت اكْتُبْ مَا ظهر لي فِي مطالعتي على ورقة وادفعها اليه وَهُوَ نظم تِلْكَ الاوراق كنظم السبحة قَالَ الْمولى الْوَالِد هَذِه عِبَارَته وَله شرح للطوالع لكنه بَقِي فِي المسودة وحواش على التَّلْوِيح بقيت ايضا فِي المسودة وَله غير ذَلِك من
стр. 81
المسودات لَكِنَّهَا بعد وَفَاته تَفَرَّقت ايادي سبا ... فجزء حوته الدبور ... وجزء حوته الصِّبَا ...
وَخلف ابْنَيْنِ اسْم الاكبر مِنْهُمَا شيخ مُحَمَّد صَار هُوَ مدرسا فِي حَيَاة ابيه بمدرسة جنديك بِمَدِينَة بروسه وَضم اليها قَضَاء كسكل كته ثمَّ ترك التدريس وَالْقَضَاء فِي حَيَاة وَالِده وَرغب فِي التصوف واتصل بِخِدْمَة الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه الشَّيْخ حاجي خَليفَة من طَريقَة المذينية ثمَّ ذهب مَعَ بعض مُلُوك الْعَجم الى بِلَاد الْعَجم وَتُوفِّي هُنَاكَ فِي سنة اثْنَتَيْنِ اَوْ ثَلَاث وَتِسْعمِائَة وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى رَحمَه وَاسِعَة محققا مدققا يحل المباحث الغامضة بِقُوَّة فكرته وَكَانَ مشاركا فِي الْعُلُوم كلهَا وَكَانَ لَهُ اخْتِصَاص بالعلوم الْعَقْلِيَّة وَاسم الاصغر مِنْهُمَا عبد الله كَانَ طَالبا للْعلم ومشتغلا بِهِ وَكَانَ صَاحب ذكاء وفطنة وطلاقة لِسَان وجراءة جنان مَاتَ وَهُوَ شَاب قَالَ الْمولى الْوَالِد لَو عَاشَ هُوَ لَكَانَ لَهُ شَأْن عَظِيم فِي الْعلم روح الله تَعَالَى أَرْوَاحهم وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل الْكَامِل الْفَاضِل الْمولى شمس الدّين احْمَد بن مُوسَى الشهير بالخيالي
كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى عَالما عَاملا فَاضلا تقيا نقيا زاهدا متورعا وَكَانَ ابوه قَاضِيا قَرَأَ عِنْده بعض الْعُلُوم ثمَّ وصل الى خدمَة الْمولى حضربك جلبي وَهُوَ مدرس بسلطانية بروسه وَصَارَ معيد الدرسه ثمَّ صَار مدرسا بِبَعْض الْمدَارِس ثمَّ انْتقل الى مدرسة فلبه وَكَانَ لَهُ كل يَوْم ثَلَاثُونَ درهما وَكَانَ الْمولى ابْن الْحَاج حسن فِي ذَلِك الْوَقْت قَاضِيا بِمَدِينَة كليبولي فَأخذ لَهُ الْوَزير مَحْمُود باشا من السُّلْطَان مُحَمَّد خَان مرادية بروسه فحسده الْمولى الخيالي على ذَلِك وَكتب الى الْوَزير مَحْمُود باشا كتابا وارسله اليه واورد فِيهِ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ لنَفسِهِ ... اعجوبة فِي آخر الايام ... تبديك صِحَة ظفرة النظام
وَفَسَاد آراء الْحَكِيم لانها ... فِي الان قطع مَسَافَة الاعوام ...
وَلما قَرَأَ الْوَزير مَحْمُود باشا هذَيْن الْبَيْتَيْنِ قَالَ ان الْمولى لَا يعرف هَذَا الرجل وَهُوَ مُسْتَحقّ لذَلِك ثمَّ ان الْمولى تَاج الدّين المشتهر بِابْن الْخَطِيب لما توفّي بازنيق
стр. 82
وَهُوَ مدرس بهَا عرضه الْوَزير مَحْمُود باشا فتأسف عَلَيْهِ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان تأسفا عَظِيما ثمَّ قَالَ للوزير الْمَزْبُور اطلب مَكَانَهُ رجلا فَاضلا شَابًّا مهتما بالاشتغال فتبادر ذهن الْوَزير الى الْمولى الخيالي لَكِن لم يتَكَلَّم فِي ذَلِك الْمجْلس ثمَّ عرض الْمولى الخيالي فِي مجْلِس آخر فَقَالَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان الْيَسْ هُوَ الَّذِي كتب الْحَوَاشِي على شرح العقائد وَذكر فِيهَا اسْمك قَالَ نعم هُوَ ذَلِك قَالَ انه مُسْتَحقّ لذَلِك فاعطاه الْمدرسَة لمذكورة وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة وَثَلَاثِينَ درهما فَلَمَّا جَاءَ الى قسطنطينية لم يقبل الْمدرسَة لانه قد تهَيَّأ لِلْحَجِّ فأبرم عَلَيْهِ الْوَزير مَحْمُود باشا فَقَالَ ان اعطيتني وزارتك واعطى السُّلْطَان سلطنته لَا أترك هَذَا السِّرّ فَعرض الْوَزير مَحْمُود باشا على السُّلْطَان فَقَالَ هلا ابرمت عَلَيْهِ قَالَ ابرمت وَقَالَ ان اعطيتني وزارتك لَا أترك هَذَا السّفر وَلم يذكر السُّلْطَان استحياء من السلاطين فَحزن لذَلِك السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَأمر ان يدرس معيده فِي تِلْكَ الْمدرسَة الى ان يرجع هُوَ من الْحجاز وَلما رَجَعَ من الْحَج صَار مدرسا بهَا وَلم يلبث الا سِنِين قَليلَة حَتَّى مَاتَ وَكَانَ سنه وقتئذ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ سنة كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى مشتغلا بِالْعلمِ وَالْعِبَادَة لَا يَنْفَكّ عَنْهُمَا سَاعَة وَكَانَ يَأْكُل فِي كل يَوْم وَلَيْلَة مرّة وَاحِدَة ويكتفي بالاقل وَكَانَ نحيفا فِي الْغَايَة حَتَّى رُوِيَ انه كَانَ يحلق سبابته وابهامه وَيدخل فِيهَا يَده الى ان يَنْتَهِي الى عضده وَحكى الْمولى غياث الدّين اني لازمته مِقْدَار سنتَيْن وقرات عَلَيْهِ فِي بَلْدَة ازنيق وَلم اره فَرح وَلَا ضحك وَكَانَ دَائِم الصمت مشتغلا بِالْعبَادَة وملاحظة دقائق الْعُلُوم وَكَانَ لَا يتَكَلَّم الا عِنْد مبَاحث الْعُلُوم وَقد اجْتمع يَوْمًا مَعَ الْمولى خواجه زَاده فِي الْجَامِع وباحث مَعَه فغلب عَلَيْهِ فَلَمَّا رَجَعَ الى بَيته قَالَ لَهُ بعض الْحَاضِرين الْيَوْم غلبت على خواجه زَاده فَقَالَ اني مَا زلت اضْرِب على راس ابْن صَالح الْبَخِيل وَكَانَ يلقب جد الْمولى خواجه زَاده بذلك قَالَ الرَّاوِي مَا رَأَيْت ضحكه الا فِي هَذِه السَّاعَة يحْكى ان الْمولى خواجه زَاده مَا نَام على الْفراش قطّ الى ان مَاتَ الْمولى الخيالي خوفًا مِنْهُ لفضله وَقَالَ بعد وَفَاته انا استلقي بعد ذَلِك على ظَهْري وَكَانَ الشَّيْخ عبد الرحيم المرزيغوني خَليفَة الشَّيْخ زين الدّين الخافي لقن الْمولى الخيالي كلمة الذّكر بالجامع الْجَدِيد بادرنه رَأَيْته مَكْتُوبًا بِخَطِّهِ على ظهر
стр. 83
بعض كتبه الَّتِي بِخَطِّهِ وَهُوَ كتاب التَّلْوِيح وَله من المصنفات حواش على شرح العقائد النسفية سلك فِيهَا مَسْلَك الايجاز يمْتَحن بِهِ الاذكياء من الطلاب وَهِي مَقْبُولَة بَين الْخَواص وشهرتها تغني عَن مدحها وحواش على اوائل حَاشِيَة التَّجْرِيد وَله شرح لنظم العقائد لاستاذه الْمولى حضر بك وَلَقَد أَجَاد فِيهِ واحسن وَرَأَيْت بِخَطِّهِ كتاب التَّلْوِيح وَكتب فِي حَوَاشِيه كثيرا من كَلِمَاته الشَّرِيفَة وَرَأَيْت ايضا بِخَطِّهِ تَفْسِير القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ وَكتب على حَوَاشِيه كثيرا من افكاره اللطيفة طيب الله تَعَالَى مهجعه وَنور مضجعه
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والكامل الْفَاضِل الْمولى مصلح الدّين مصطفى الْقُسْطَلَانِيّ روح الله روحه قَرَأَ على عُلَمَاء الرّوم ثمَّ وصل الى خدمَة الْمولى الْفَاضِل حضر بك نور الله مرقده كَانَ الْمولى خواجه زَاده وَالْمولى الخيالي وقتئذ معيدين لدرسه ثمَّ صَار مدرسا بقصبة مدرني ثمَّ انْتقل الى مدرسة ديمه توقه ثمَّ لما بنى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان الْمدَارِس الثمان اعطاه وَاحِدَة مِنْهَا كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى لَا يفتر من الِاشْتِغَال والدرس وَكَانَ يَدعِي انه لَو اعطي الْمدَارِس الثمان كلهَا لقدر ان يدرس كل يَوْم فِي كل مِنْهَا ثَلَاثَة دروس ثمَّ استقضي بِكُل من الْبِلَاد الثَّلَاث ثَلَاث مَرَّات وَهِي مَدِينَة بروسه ومدينة ادرنه ومدينة قسطنطينية ثمَّ جعله السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فِي أَوَاخِر سلطنته قَاضِيا بالعسكر الْمَنْصُور وَكَانَ قَاضِي الْعَسْكَر الى ذَلِك الزَّمَان وَاحِدًا وَكَانَ الْوَزير وقتئذ مُحَمَّد باشا الفراماني فخاف من الْمولى الْقُسْطَلَانِيّ لانه كَانَ لَا يُدَارِي النَّاس وَيتَكَلَّم بِالْحَقِّ على كل حَال فَعرض على السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَقَالَ ان الوزراء ايدهم الله تَعَالَى اربعة وَلَو كَانَ قَاضِي الْعَسْكَر اثْنَيْنِ احدهما فِي روم ايلي والاخر فِي اناطولي يكون اسهل فِي اتمام مصَالح الْمُسلمين وَيكون زِينَة للديوان العالي فَمَال السُّلْطَان مُحَمَّد خَان الى رايه فَجعل الْمولى الْقُسْطَلَانِيّ قَاضِي عَسْكَر روم ايلي وَجعل الْمولى ابْن الْحَاج حسن قَاضِي عَسْكَر اناطولي وَهُوَ كَانَ وقتئذ قَاضِيا بقسطنطينية فَلم يقبل الْمولى الْقُسْطَلَانِيّ وَلم يرض بالمشاركة وَأرْسل اليه الْوَزير الْمَزْبُور لَان يلين قلبه فَلم يفد ثمَّ قَالَ الْوَزير اني اذْهَبْ اليه بنفسي فنصحوا للْمولى الْقُسْطَلَانِيّ وَقَالُوا
стр. 84
انه اذا جَاءَ اليك يرضيك الْبَتَّةَ وَلَكِن لَا تأمن بعد ذَلِك من شَره فَذهب اليه وارضاه بلين الْكَلَام كَمَا قَالُوا قيل ان الْمولى ابْن الْحَاج حسن حلف بِالطَّلَاق ان يخبر الْوَزير الْمَذْكُور بِكُل مَا يتَكَلَّم بِهِ الْمولى الْقُسْطَلَانِيّ عندالسلطان فِي حق الْوَزير الْمَزْبُور وَبعد مُدَّة قَليلَة توفّي السُّلْطَان مُحَمَّد خَان طيب الله تَعَالَى ثراه وَلما جلس السُّلْطَان بايزيد خَان على سَرِير السلطنة عزل الْمولى الْقُسْطَلَانِيّ عَن قَضَاء الْعَسْكَر وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم وَنصب مَكَانَهُ المرحوم إِبْرَاهِيم باشا ابْن خَلِيل باشا وَسَيَجِيءُ تَرْجَمته حكى الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى انه لما مَاتَ الْمولى مصنفك وَحضر عُلَمَاء الْبَلَد كلهم دَفنه وَكَانَ الْمولى الْقُسْطَلَانِيّ وقتئذ قَاضِيا بِمَدِينَة قسطنطينية وَكَانَ بَيته فِي مَوضِع بني فِيهِ الان جَامع السُّلْطَان سليم خَان قَالَ الْمولى الْقُسْطَلَانِيّ عِنْد رُجُوعه الى منزله للْمولى الشهير ابْن مغنيسا وَالْمولى الشهير بقاضي زَاده اسألكما ان تبيتا عِنْدِي هَذِه اللَّيْلَة وَنَذْهَب مَعَكُمَا غَدا ان شَاءَ الله تَعَالَى الى زِيَارَة الْمولى مصنفك قَالَ الْمولى الْوَالِد قَالَ الْمولى قَاضِي زَاده قلت للْمولى الْقُسْطَلَانِيّ اني اذْهَبْ الى بَيْتِي ثمَّ اجيء وَكَانَ بَيته قَرِيبا من بَيته قَالَ وَلما اجْتَمَعنَا فِي بَيته عَشِيَّة تِلْكَ اللَّيْلَة احضر حَقه فِيهَا معجون قَالَ وَكَانَ هُوَ مُتَّهمًا بالحشيش قَالَ فتحققته فِي تِلْكَ اللَّيْلَة انه يداوم اكله قَالَ فَأكل نَفسه مِنْهُ شيأ كثيرا ثمَّ ابرم عَليّ وانا اخْتَرْت الْكَذِب وَقلت اني ذهبت الى بَيْتِي لهَذَا الامر فتركني ثمَّ ابرم على الْمولى ابْن مغنيسا فَأكل مِنْهُ قدرا يَسِيرا وَبعد مُدَّة يسيرَة عملت فِي الْمولى الْقُسْطَلَانِيّ كَيْفيَّة المعجون فشرع فِي بَث المعارف فَتَارَة تكلم فِي الْعُلُوم الْحكمِيَّة وَسمعت مِنْهُ فِيهَا دقائق لم اسمعها مُدَّة عمري وَتكلم تَارَة فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وَبسط فِيهَا حقائق لم اسمعها ابدا وَتارَة تكلم فِي التواريخ وأرود مِنْهَا غرائب لم تسمعها الاذان وَتارَة تكلم فِي القصائد الْعَرَبيَّة وَسمعت فِيهَا غرائب لم تسمعها الاذان قَالَ وشاهدت تبحرة فِي كل الْعُلُوم جلائلها ودقائقها قَالَ وَقَالَ هُوَ فِي اثناء الْكَلَام ان هَذَا واشار الى المعجون حَال بيني وَبَين معلوماتي قَالَ قلت حالك الان هَذَا فَمَا حالك قبل هَذَا وَحكى لي ثِقَة عَن الْمولى لطفي التوقاتي انه قَالَ كنت من طلبة الْمولى سِنَان باشا وَكَانَ هُوَ وزيرا وقتئذ وَكَانَ من عَادَته احضار الْعلمَاء ليَالِي العطلة واحضار الاطعمة اللطيفة فَاجْتمعُوا
стр. 85
عِنْده لَيْلَة فيهم الْمولى الْقُسْطَلَانِيّ وَالْمولى خواجه زَاده وَالْمولى خطيب زَاده وَكَانُوا مشتغلين بالصحبة والمحادثة وَكَانَ عِنْدِي رَفِيق لي كنت اتحدث مَعَه سرا قَالَ وَقلت لَهُ فِي اثناء الْكَلَام مَرضت انا فِي زمَان فتعرقت بِالدَّمِ حَتَّى انصبغ مِنْهُ قَمِيصِي فَضَحِك رفيقي فَتنبه الْعلمَاء وَقَالُوا لَهُ لم ضحِكت قَالَ ان الْمولى لطفي يَقُول كَذَا وَكَذَا فَضَحكت مِنْهُ وضحكت الْعلمَاء ايضا من قولي قَالَ الْمولى الْقُسْطَلَانِيّ من أَي شَيْء تضحكون هَذَا مرض فلاني يذكرهُ ابْن سينا فِي الْفَصْل الْفُلَانِيّ من كتاب القانون قَالَ الْمولى خواجه زَاده للْمولى الْقُسْطَلَانِيّ طالعت القانون بِتَمَامِهِ قَالَ نعم بل وَجَمِيع مصنفات ابْن سينا حَتَّى طالعت كتاب الشِّفَاء بِتَمَامِهِ ثمَّ قَالَ الْمولى الْقُسْطَلَانِيّ للْمولى خواجه زَاده انت طالعت كتاب الشِّفَاء بِتَمَامِهِ قَالَ لَا وَإِنَّمَا طالعت مَوَاضِع احتجت اليها قَالَ الْمولى الْقُسْطَلَانِيّ اني طالعته بِتَمَامِهِ سبع مَرَّات وَالسَّابِع مثل مطالعة التلميذ اول درسه عِنْد مدرس جَدِيد فتعجب الْحَاضِرُونَ من إحاطته بالعلوم وشمول مطالعته جَمِيع الْكتب وَكَانَ الْمولى خواجه زَاده إِذا ذكره يُصَرح بِلَفْظ الْمولى دون من عداهُ من اقرانه وَكَانَ يَقُول انه قَادر على حل جَمِيع المشكلات وعَلى احاطة عُلُوم كَثِيرَة فِي مُدَّة يسيرَة الا انه إِذا اخطأ بِحكم البشرية لَا يرجع عَن ذَلِك قَالَ وَقد اخطأ فِي مسئلة فِي مجْلِس الْوَزير مَحْمُود باشا وأسمع الان انه لم يرجع عَنهُ قَالَ وَهُوَ يَقُول ايضا فِي حَقي ان خواجه زَاده قد اخطأ فِي المسئلة الْمَذْكُورَة وأسمع انه لم يرجع عَن ذَلِك رُوِيَ انه كَانَ طَوِيل الْقَامَة نحيف الْجِسْم اصفر اللَّوْن واللحية ازرق الْعَينَيْنِ وَكَانَ رجلا دميما بني جَامعا بِمَدِينَة قسطنطينية وَكتب حَوَاشِي على شرح العقائد وَكتب رِسَالَة يذكر فِيهَا سَبْعَة اشكالات على المواقف وَشَرحه وَكتب حَوَاشِي على الْمُقدمَات الاربع الَّتِي ابدعها خاطر الْمولى الْفَاضِل الْعَلامَة صدر الشَّرِيعَة أكْرمه الله تَعَالَى فِي الدَّرَجَات الرفيعة وَقد كتب حَوَاشِي عَلَيْهَا اولا الْمولى على الْعَرَبِيّ وَالْمولى الْقُسْطَلَانِيّ يرد عَلَيْهِ فِي بعض الْمَوَاضِع وَلم يتفرغ الْمولى الْقُسْطَلَانِيّ فِي التصنيف لِكَثْرَة اشْتِغَاله بالدرس وَالْقَضَاء توفّي رَحمَه الله تَعَالَى رَحْمَة وَاسِعَة سنة احدى وَتِسْعمِائَة وَدفن بجوار ابي ايوب الانصاري رَضِي الله عَنهُ
стр. 86
وَمِنْهُم الْمولى الْعَالم الْعَامِل والكامل الْفَاضِل الْمولى محيي الدّين مُحَمَّد الشهير بِابْن الْخَطِيب تربى فِي صباه عِنْد وَالِده الْمولى تَاج الدّين وَقد تَرْجَمته وقرا عَلَيْهِ الْعُلُوم وَقَرَأَ على الْعَلامَة عَليّ الطوسي وعَلى الْمولى حضر بك ثمَّ صَار مدرسا بِالْمَدْرَسَةِ الصَّغِيرَة بازنيق ثمَّ صَار مدرسا باحدى الْمدَارِس الثمان فَهُوَ من اول المدرسين بهَا ثمَّ عَزله السُّلْطَان مُحَمَّد خَان لامر جرى بَينهمَا ثمَّ نصح الْمولى الكوراني للسُّلْطَان مُحَمَّد خَان فاعاده الى مدرسته ثمَّ جعله معلما لنَفسِهِ وَلما ادّعى الْبَحْث مَعَ الْمولى خواجه زَاده قَالَ لَهُ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان انت تقدر على الْبَحْث مَعَه قَالَ نعم سيمالي مرتبَة عِنْد السُّلْطَان فَعَزله السُّلْطَان مُحَمَّد خَان لهَذَا الْكَلَام وَجعله مدرسا فدرس مُدَّة كَبِيرَة وافاد وَكَانَ طليق اللِّسَان جريء الْجنان قَوِيا على المحاورة فصيحا عِنْد المباحثة وَلِهَذَا قهر كثيرا من عُلَمَاء زَمَانه حكى لي استاذي الْمولى محيي الدّين الفناري انه كَانَ يقْرَأ على الْمولى ابْن الْخَطِيب مَعَ اخيه المرحوم شاه افندي وَكَانَ المرحوم ابْن الْخَطِيب عِنْد ذَلِك متقاعدا عين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم فَذهب الى السُّلْطَان بايزيد خَان فِي يَوْم عيد وأمرنا ان نَذْهَب مَعَه ليذكرنا عِنْد السُّلْطَان بِخَير وَكَانَ ابْن افضل الدّين مفتيا فِي ذَلِك الْوَقْت وَله تسعون درهما وَكَانَ يتَقَدَّم الْمولى ابْن الْخَطِيب عَلَيْهِ فَلَمَّا مر بالديوان والوزراء جالسون فِيهِ سلم الْمولى ابْن افضل الدّين عَلَيْهِم فَضرب الْمولى ابْن الْخَطِيب بِظهْر يَده على صَدره وَقَالَ هتكت عرض الْعلم وسلمت عَلَيْهِم انت مخدوم وهم خدام سِيمَا وانت رجل شرِيف قَالَ ثمَّ دخل على السُّلْطَان وَنحن مَعَه وَالسُّلْطَان استقبله قَالَ الاستاذ عددت باصبعي فَكَانَ سبع خطوَات فَسلم عَلَيْهِ وَمَا انحنى لَهُ وَصَافحهُ وَلم يقبل يَده وَقَالَ للسُّلْطَان بَارك الله لَك ي هَذِه الايام الشَّرِيفَة ثمَّ ذكرنَا عِنْده وَقَبلنَا يَد السُّلْطَان واوصانا السُّلْطَان بالاشتغال بِالْعلمِ ثمَّ سلم وَرجع ورجعنا مَعَه وَقُلْنَا لَهُ هَذَا سُلْطَان الرّوم واللائق ان تنحني لَهُ وَتقبل يَده قَالَ انتم لَا تعرفُون يَكْفِيهِ فخرا ان يذهب اليه عَالم مثل ابْن الْخَطِيب وَهُوَ رَاض بِهَذَا الْقدر هَذَا مَا حَكَاهُ الاستاذ من تكبره على الوزراء والسلاطين ثمَّ ان السُّلْطَان بايزيد خَان جمعه مَعَ الْمولى عَلَاء الدّين الْعَرَبِيّ وَسَائِر
стр. 87
الْعلمَاء وَجرى بَينهمَا مباحثة وانْتهى الْبَحْث الى كَلَام انكر السُّلْطَان عَلَيْهِ لذَلِك كل الانكار وتكدر عَلَيْهِ تكدرا عَظِيما وفطن لذَلِك الْمولى ابْن الْخَطِيب فصنف رِسَالَة فِي بحث الرُّؤْيَة وَالْكَلَام وحقق فِي بحث الْكَلَام مَا ادَّعَاهُ وَذكر فِي خطبتها اسْم السُّلْطَان بايزيد خَان وارسلها بيد الْوَزير ابراهيم باشا فَلَمَّا عرضهَا على السُّلْطَان قَالَ مَا اكْتفى بِذكر ذَلِك الْكَلَام الْقَبِيح الْبَاطِل بِاللِّسَانِ وَكتبه فِي الاوراق اضْرِب برسالته وَجهه وَقل لَهُ انه يخرج الْبَتَّةَ من مملكتي فتحير الْوَزير وكتم هَذَا الْكَلَام من الْمولى ابْن الْخَطِيب وَمَعَ ذَلِك يَرْجُو ابْن الْخَطِيب جَائِزَة من قبل السُّلْطَان وتألم من تأخرها وَقَالَ للوزير اسْتَأْذن السُّلْطَان انا اذْهَبْ من هَذِه المملكة واجاور بِمَكَّة وادى أمره الى الاختلال عِنْد السُّلْطَان فتحير الْوَزير ثمَّ ارسل الى الْمولى الْمَذْكُور عشرَة آلَاف دِرْهَم من مَاله باسم السُّلْطَان وأنسي السُّلْطَان مَا أمره بِهِ من خُرُوج الْمولى الْمَذْكُور عَن مَمْلَكَته وَمَعَ ذَلِك اعْتقد الْمولى الْمَذْكُور ان تَأْخِير الْجَائِزَة وتقليلها من جِهَة الْوَزير وَوَقعت لذَلِك بَينهمَا وَحْشَة عَظِيمَة ثمَّ ان الْمولى جلال الدّين الدواني ارسل كتابا الى بعض اصدقائه بِبِلَاد الرّوم وَهُوَ الْمولى الْمُفْتِي وَكتب فِي حَاشِيَته السَّلَام على الْمولى ابْن الْخَطِيب وعَلى الْمولى خواجه زَاده فَسمع الْمولى ابْن الْخَطِيب هَذَا الْكَلَام فَطَلَبه مِنْهُ وارسله الى الْوَزير الْمَزْبُور فَقَالَ انه يعْتَقد فضل خواجه زَاده عَليّ وانا مفضل عَلَيْهِ بِبِلَاد الْعَجم يدل عَلَيْهِ كتاب جلال الدّين الدواني حَيْثُ قدمني عَلَيْهِ ذكرا فَلَمَّا وصل الْكتاب الى الْوَزير نظر فِيهِ وَقَالَ انه سُؤال دوري والتقديم فِي الذّكر لَا يسْتَلْزم التَّقْدِيم فِي الْفضل وَلَعَلَّ الْمولى ابْن الْخَطِيب لَا يعرف هَذِه المسئلة وَبعد مُدَّة قَليلَة توفّي الْمولى الْمَزْبُور بتاريخ احدى وَتِسْعمِائَة وَله من المصنفات حواش على حَاشِيَة شرح التَّجْرِيد للسَّيِّد الشريف وَهِي متداولة بَين ارباب التدريس وَبَين الطّلبَة وحواش على حَاشِيَة الْكَشَّاف للسَّيِّد الشريف ايضا وحواش على اوائل شرح الْوِقَايَة لصدر الشَّرِيعَة كتبهَا بامر السُّلْطَان بايزيدخان وَلم يُتمهَا لعائق الزَّمَان وَهُوَ انه كَانَ لَهُ ابْن شَاب فَاضل حَتَّى ان اكثر النَّاس كَانُوا يرجحونه على ابيه فِي الْفضل وَكَانَ مدرسا بمدرسة ابي ايوب الانصاري عَلَيْهِ رَحْمَة الله الْملك الْبَارِي فَقتله بعض غلمانة
стр. 88
فَلهَذَا بقيت الْحَاشِيَة المزبورة بتراء ثمَّ اشْتغل بِكِتَابَة حَوَاشِي حَاشِيَة الْكَشَّاف وَله حَاشِيَة على اوائل حَاشِيَة شرح الْمُخْتَصر للسَّيِّد الشريف ورسالة فِي بحث الرُّؤْيَة وَالْكَلَام وَقد تقدم ذكرهَا وَله حَاشِيَة على اوائل شرح المواقف وحواش على الْمُقدمَات الاربع ورسالة فِي فَضَائِل الْجِهَاد
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل الْكَامِل الْفَاضِل الْمولى عَلَاء الدّين عَليّ الْعَرَبِيّ طيب الله مضجعه وَنور مهجعه كَانَ اصله من نواحي حلب قَرَأَ اولا على عُلَمَاء حلب ثمَّ قدم بِلَاد الرّوم وَقَرَأَ على الْمولى الكوراني وَهُوَ مدرس بمدرسة السُّلْطَان بايزيد خَان ابْن السُّلْطَان مرادخان الْغَازِي بِمَدِينَة بروسه حكى الْمولى الْوَالِد عَنهُ انه قَالَ قَالَ لي الْمولى الكوراني يَوْمًا انت عِنْدِي بِمَنْزِلَة السَّيِّد الشريف عِنْد مباركشاه المنطقي وقص عَلَيْهِ قصتهما وَهِي على مَا نَقله الْمولى الْوَالِد عَنهُ ان السَّيِّد الشريف بعد مَا قَرَأَ شرح الْمطَالع سِتّ عشرَة مرّة قَالَ فِي نَفسه لَا بُد لي من ان اقْرَأ على مُصَنفه فَذهب اليه وَهُوَ بهراة وَالْتمس مِنْهُ ان يقرا عَلَيْهِ شرح الْمطَالع وَكَانَ الشَّارِح عِنْد ذَلِك شَيخا هرما وَقد بلغ من الْعُمر مائَة وَعشْرين وَقد سقط حاجباه على عَيْنَيْهِ من الْكبر فَرفع حاجبيه بِيَدِهِ عَن عَيْنَيْهِ فَنظر الى السَّيِّد الشريف فَإِذا هُوَ فِي سنّ الشَّبَاب فَقَالَ انت رجل شَاب وانا شيخ ضَعِيف لَا اقدر الدَّرْس لَك فان اردت ان تسمع شرح الْمطَالع مني فَاذْهَبْ الى مباركشاه وَهُوَ يُقْرِئك كَمَا سمع مني وَكَانَ الْمولى مباركشاه وقتئذ مدرسا بِمصْر الْقَاهِرَة وَكَانَ هُوَ غُلَام الشَّارِح رباه وَهُوَ صَغِير فِي حجره وَعلمه جَمِيع مَا علمه فَذهب السَّيِّد الشريف من هراة الى مصر وَمَعَهُ كتاب الشَّارِح الى مباركشاه فَلَمَّا قَرَأَ هُوَ كتاب الشَّارِح قبله وَقَالَ نعم الا انه لَيْسَ لَك درس مُسْتَقل وَلَيْسَ لَك قِرَاءَة اصلا وَلَا اذن لَك فِي التَّكَلُّم بل تقنع بِمُجَرَّد السماع فَرضِي السَّيِّد الشريف جَمِيع مَا ذكره وَقد ابْتَدَأَ الشَّرْح الْمَذْكُور رجل من اولاد الاكابر بِمصْر فَحَضَرَ السَّيِّد الشريف الدَّرْس مَعَه وَكَانَ بَيت مباركشاه مُتَّصِلا بِالْمَدْرَسَةِ وَله بَاب اليها فَخرج لَيْلَة الى صحن الْمدرسَة يَدُور فِيهَا اذ سمع فِي حجرَة ذَلِك الرجل فاستمع فَإِذا السَّيِّد الشريف يَقُول قَالَ الشَّارِح
стр. 89
كَذَا وَقَالَ الاستاذ كَذَا وَأَنا اقول كَذَا وَقرر كَلِمَات لَطِيفَة اعْجَبْ بهَا مباركشاه حَتَّى رقص من شدَّة طربه فَأذن للسَّيِّد للشريف ان يقرا وَيتَكَلَّم وَيفْعل مَا يُرِيد وسود الشريف حَاشِيَة شرح الْمطَالع هُنَاكَ وَبعد مَا قصّ الْمولى الكوراني هَذِه الْقِصَّة قَالَ للْمولى الْعَرَبِيّ انا فِي شدَّة طرب مِنْك وافتخار بك مثل طرب مباركشاه وافتخاره بالسيد الشريف ثمَّ ان الْمولى الْعَرَبِيّ وصل الى خدمَة الْمولى حضر بك ابْن جلال الدّين وَحصل عِنْده علوما كَثِيرَة ثمَّ انه صَار معيدا لَهُ بأدرنه بمدرسة دَار الحَدِيث وصنف هُنَاكَ حَوَاشِي شرح العقائد ثمَّ صَار مدرسا بمدرسة السُّلْطَان مرادخان ابْن ادرخان الْغَازِي بِمَدِينَة بروسه وَاتفقَ ان جَاءَ الشَّيْخ عَلَاء الدّين من رُؤَسَاء الطَّائِفَة الخلوتية فَذهب يَوْمًا الى دَار الْمولى الْعَرَبِيّ ودق بَابه فَخرج وَسلم هُوَ عَلَيْهِ ثمَّ ادخله بَيت مطالعته وأحضر لَهُ الطَّعَام وتحدث مَعَه فِي فن التصوف فانجذب اليه الْمولى الْعَرَبِيّ انجذابا شَدِيدا حَتَّى اخْتَار صحبته على التدريس وأكمل عِنْده الطَّرِيقَة الصُّوفِيَّة حَتَّى أجَازه فِي الارشاد وَلما اجْتمع النَّاس على الشَّيْخ عَلَاء الدّين الْمَذْكُور لقُوَّة جذبته حصل مِنْهُ الْخَوْف للسُّلْطَان مُحَمَّد خَان فنفاه من الْبَلَد واراد الْمولى عَلَاء الدّين ان يُجَادِل عَنهُ ويجيب لخصمائه فنفوه مَعَه فَذهب مَعَه الى بَلْدَة مغنيسا وَكَانَ اميرها وقتئذ السُّلْطَان مصطفى ابْن السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فَصَاحب هُوَ مَعَ الْمولى عَلَاء الدّين الْمَزْبُور الْعَرَبِيّ وأحبه محبَّة عَظِيمَة فشفع لَهُ الى ابيه فَأعْطَاهُ ابوه مدرسة ببلدة مغنيسا فاشتغل هُنَاكَ بِالْعلمِ غَايَة الِاشْتِغَال واشتغل ايضا بطريقة التصوف فَجمع بَين رياستي الْعلم وَالْعَمَل يحْكى عَنهُ انه سكن فَوق جبل هُنَاكَ فِي أَيَّام الصَّيف فزاره يَوْمًا وَاحِد من ائمة بعض الْقرى فَقَالَ الْمولى الْمَذْكُور اني اجد مثلك رَائِحَة النَّجَاسَة ففتش الامام ثِيَابه وَلم يجد شَيْئا فَلَمَّا أَرَادَ ان يجلس سقط من حضنه رِسَالَة وَهِي واردات الشَّيْخ بدر الدّين ابْن قَاضِي سمادنه فَنظر فِيهَا الْمولى الْمَذْكُور فَوجدَ فِيهَا مَا يُخَالف الاجماع وَقَالَ الْمولى كَانَ الرّيح الْمَذْكُور لهَذِهِ الرسَالَة فَأمره باحراقها فخالفه الامام وَلم يرض بذلك وَقَالَ لَهُ الْمولى الْمَذْكُور عَلَيْك باحراقها وَلَا يحصل لَك مِنْهَا الْخَيْر وَبينا هما فِي ذَلِك الْكَلَام ظهر من بعيد اثر النَّار فَنظر الامام وَقَالَ انها فِي قريتي ثمَّ نظر بعد ذَلِك
стр. 90
وَتَأمل وَقَالَ اوه انها فِي بَيْتِي فَتوجه الامام الى بَيته نَادِما على مُخَالفَته وَرُوِيَ أَنه كَانَ لبَعض ابنائه ولد فَمَرض فِي بعض الايام مَرضا شَدِيدا حَتَّى قرب من الْمَوْت فَذهب وَالِده الى بَيت الْمولى الْمَذْكُور وَهُوَ فِي الْخلْوَة الاربعينية فتضرع اليه بِأَن يذهب الى الْمَرِيض وَيَدْعُو لَهُ فَلم يرض بذلك ثمَّ ابرم عَلَيْهِ غَايَة الابرام فَخرج من الْخلْوَة وَدخل على الْمَرِيض وَهُوَ فِي آخر رَمق من الْحَيَاة فَمَكثَ سَاعَة مراقبا ثمَّ دَعَا لَهُ بالشفاء فَاسْتَجَاب الله تَعَالَى دَعوته حَتَّى قَامَ الْمَرِيض من فرَاشه فَأخذ الْمولى الْمَذْكُور بِيَدِهِ فَأخْرجهُ من الْبَيْت كَأَن لم يمسهُ مرض اصلا وعاش ذَلِك الْوَلَد بعد وَفَاة الْمولى الْمَذْكُور مُدَّة كَبِيرَة ثمَّ صَار الْمولى الْعَرَبِيّ مدرسا باحدى المدرستين المتجاورتين بأدرنه ثمَّ باحدى الْمدَارِس الثمان وَكَانَ فِي كل جُمُعَة يقْعد فِي الْجَامِع مجْلِس الذّكر مَعَ المريدين لَهُ وَكَثِيرًا مَا يغلب عَلَيْهِ الْحَال فِي ذَلِك الْمجْلس ويغيب عَن نَفسه وَلِهَذَا كَانَ لَا يقدر على الدَّرْس يَوْم السبت ويدرس بدله يَوْم الِاثْنَيْنِ ثمَّ عين لَهُ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فِي آخر سلطنته كل يَوْم ثَمَانِينَ درهما فَلَمَّا جلس السُّلْطَان بايزيد خَان على سَرِير السلطنة غير ذَلِك وَعين لَهُ خمسين درهما وَكَانَ ذَلِك رغما من جَانب بعض الوزراء فتردد فِي الْقبُول فنصحوا لَهُ فَقبل ثمَّ جعلُوا لَهُ ثَمَانِينَ درهما ثمَّ صَار مفتيا بقسطنطينية وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم مَاتَ وَهُوَ مفت بهَا سنة احدى وَتِسْعمِائَة كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى عَالما بالعلوم الْعَقْلِيَّة والشرعية سِيمَا الحَدِيث وَالتَّفْسِير وَعلم اصول الْفِقْه وَكَانَ كتاب التَّلْوِيح فِي حفظه ويدرس مِنْهُ كل يَوْم ورقتين قَالَ الْمولى الْوَالِد كنت فِي خدمته مِقْدَار سنتَيْن وقرأت عَلَيْهِ كتاب التَّلْوِيح من الرُّكْن الاول الى آخر الْكتاب وَكَانَ يمْتَحن الطلاب فِي الْمَوَاضِع المشكلة وَيُصَرح بالاستحسان لمن اصاب قَالَ وَكَانَ رجلا طَويلا عَظِيم اللِّحْيَة قوي المزاج جدا حَتَّى انه كَانَ يجلس عِنْد الدَّرْس مَكْشُوف الرَّأْس فِي أَيَّام الشتَاء وَكَانَ لَهُ ذكر قلبِي كُنَّا نَسْمَعهُ من بعيد وَرُبمَا يغلب صَوت الذّكر من قلبه على صَوته فِي أثْنَاء تَقْرِير المسئلة وَيمْكث سَاعَة حَتَّى يدْفع صَوت قلبه ثمَّ يشرع فِي تَقْرِير كَلَامه وَكَانَ يُجَامع كل لَيْلَة مَعَ
стр. 91
جواريه ويغتسل فِي بَيته فِي أَيَّام الشتَاء ثمَّ يُصَلِّي مائَة رَكْعَة ثمَّ ينَام سَاعَة ثمَّ يقوم للتهجد ثمَّ يطالع الى الصُّبْح وَقد ولد من صلبه سبع وَسِتُّونَ نفسا وَخلف مِنْهُم خَمْسَة عشر اَوْ نَحْو ذَلِك وَكَانَ لَا يدْخل الْحمام اصلا استحياء من ذَلِك وَلما مرض مرض الْمَوْت عَاده الوزراء الاربعة وَمَعَهُمْ طَبِيب فامر لَهُ الطَّبِيب بالاستحمام فَلم يرض بذلك فأجلسه الوزراء جبرا على سَرِير فَقبض كل وَاحِد مِنْهُم طرفا مِنْهُ وذهبوا بِهِ الى الْحمام وَله حواش على الْمُقدمَات الاربع قَرَأَهَا وَالِدي عَلَيْهِ غير بَعْضًا من الْمَوَاضِع مِنْهَا ونسختها مَضْرُوبَة فِي بعض الْمَوَاضِع وَهِي الان عِنْدِي وَكتب الْوَالِد فِي مَوَاضِع الضَّرْب ضرب بأَمْره سلمه الله وَكَانَ هُوَ اول من كتب حَاشِيَة على الْمُقدمَات الاربع ثمَّ كتب عَلَيْهِ الْمولى الْقُسْطَلَانِيّ حَاشِيَة ورد عَلَيْهِ فِي بعض الْمَوَاضِع ثمَّ كتب الْمولى حسن الساميسوني ثمَّ كتب الْمولى ابْن الْخَطِيب ثمَّ كتب الْمولى ابْن الْحَاج حسن رَحمَه الله تَعَالَى
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل الْكَامِل الْفَاضِل الْمولى عبد الكريم
كَانَ هُوَ والوزير مَحْمُود باشا وَالْمولى اياس عبيدا لمُحَمد أغا من أُمَرَاء السُّلْطَان مرادخان الْغَازِي وَقد اتى بهم من بِلَادهمْ وهم صغَار وَالْمولى عبد الكريم والوزير مَحْمُود باشا كَانَا عدلا وَالْمولى اياس لكَونه أكبر مِنْهُمَا كَانَ هُوَ عدلا لَهما وَكَانَ يَقُول لَهما تلطفا كَمَا كنت عدلكما على الدَّابَّة فالان اعْدِلْ لَكمَا فِي الْفَضِيلَة ثمَّ نصب لَهُم مُحَمَّد آغا الْمَذْكُور معلما فأقرأهم وَأرْسل مَحْمُود الى السُّلْطَان مرادخان ووهبه السُّلْطَان مُرَاد خَان لِابْنِهِ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَنَشَأ هُوَ مَعَه وَلما انْتَهَت نوبَة السلطنة اليه جعله وزيرا وَالْمولى عبد الكريم قَرَأَ الْعُلُوم بأسرها واشتهر بالفضيلة وَقَرَأَ على الْمولى عَليّ الطوسي وَقَرَأَ ايضا على الْمولى سِنَان العجمي من تلامذة الْمولى الْفَاضِل مُحَمَّد شاه الفناري ثمَّ صَار مدرسا بِبَعْض الْمدَارِس ثمَّ صَار مدرسا باحدى الْمدَارِس الثمان الَّتِي احدثها السُّلْطَان مُحَمَّد خَان عِنْد فتح قسطنطينية ثمَّ جعله قَاضِيا بالعسكر ثمَّ عَزله وَجعله مفتيا ثمَّ مَاتَ فِي أَيَّام سلطنة السُّلْطَان بايزيدخان وَله حواش على اوائل التَّلْوِيح حكى لي بعض من حضر مجْلِس مَحْمُود باشا ان الْمولى الشهير بولدان قَالَ يَوْمًا للوزير مَحْمُود باشا
стр. 92
اني احبك محبَّة عَظِيمَة وَمن الْعجب انك تحب عبد الكريم اكثر مني قَالَ صدقت قَالَ ان عبد الكريم يَأْخُذ بِيَدِك وَيُدْخِلك الْجنَّة قَالَ ارجو ذَلِك مِنْهُ قَالَ كَيفَ قَالَ كنت رَئِيس البوابين عِنْد السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَكنت مبتلى بِشرب الْخمر وافرطت مِنْهَا لَيْلَة فجَاء فِي وَقت الصُّبْح الْمولى عبد الكريم فطهرت بَيْتِي وازلت عَنهُ الات الْخمر وبخرت الْبَيْت حَتَّى لَا يطلع عَلَيْهِ فتكلمت مَعَه سَاعَة ثمَّ قَامَ فَلَمَّا وصل الى الْبَاب وقف وَقَالَ أُكَلِّمك شَيْئا فَقَالَ انك بِحَمْد الله تَعَالَى من أهل الْعلم وَلَك منزلَة عِنْد السُّلْطَان وَعَن قريب من الزَّمَان تكون وزيرا لَهُ فَلَا يَلِيق بك ان تصب فِي باطنك هَذَا الْخَبيث قَالَ فتعرفت استحياء مِنْهُ حَتَّى ترشح الْعرق من ثوبي وَكَانَ يَوْمًا بَارِدًا وَكنت البس الثَّوْب المحشو فَكَانَ الْمولى عبد الكريم سَببا لتوبتي فَهَل احبه ام لَا فَقَالَ الْمولى ولدان وَجَبت عَلَيْك محبته فِي صميم الْقلب
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى حسن بن عبد الصمد الساميسوني طيب الله تَعَالَى ثراه
كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى عَالما فَاضلا محبا للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين ومريدا للمشايخ المتصوفة قَرَأَ على عُلَمَاء الرّوم ثمَّ وصل الى خدمَة الْمولى خسرو وصل عِنْده جَمِيع الْعُلُوم اصليها وفرعيها وعقليها وشرعيها ثمَّ صَار مدرسا بِبَعْض الْمدَارِس ثمَّ انْتقل الى احدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ صَار معلما للسُّلْطَان مُحَمَّد خَان ثمَّ جعل قَاضِيا بالعسكر الْمَنْصُور ثمَّ اعيد الى احدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ جعل قَاضِيا بِمَدِينَة قسطنطينية وَكَانَ مرضِي السِّيرَة محمودالطريقة فِي قَضَائِهِ وَكَانَ سليم الطَّبْع قوي الاسلام متشرعا متورعا وَكَانَ لَهُ خطّ حسن كتب بِخَطِّهِ كتبا كَثِيرَة رُوِيَ انه كتب للسُّلْطَان مُحَمَّد خَان كتاب صِحَاح الْجَوْهَرِي وَله حواش على المقدامات الاربع وحواش على حَاشِيَة شرح الْمُخْتَصر للسَّيِّد الشريف وَتُوفِّي رَحمَه الله تَعَالَى سنة احدى وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة
стр. 93
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى مُحَمَّد بن مصطفى ابْن الْحَاج حسن
قَرَأَ على عُلَمَاء عصره ثمَّ وصل الى خدمَة الْمولى يكان ثمَّ صَار مدرسا بمدرسة ديمه توقه ثمَّ صَار مدرسا بمدرسة ميغلغره ثمَّ صَار قَاضِيا بِمَدِينَة كليبولي ثمَّ مدحه الْوَزير مَحْمُود باشا عِنْد السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فَأعْطَاهُ مدرسة وَالِده السُّلْطَان مرادخان بِمَدِينَة بروسه ثمَّ جعله قَاضِيا بِالْمَدِينَةِ المزبورة ثمَّ أعطَاهُ احدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ جعله قَاضِيا بِمَدِينَة قسطنطينية ثمَّ جعله السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فِي السّنة الَّتِي توفّي هُوَ فِيهَا قَاضِيا بالعسكر الْمَنْصُور فِي ولَايَة اناطولي وَهِي سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة وَلما جلس السُّلْطَان بايزيدخان على سَرِير السلطنة قَرَّرَهُ فِي مَكَانَهُ ثمَّ جعله قَاضِيا بالعسكر الْمَنْصُور فِي ولَايَة روم ايلي وَمَا زَالَ قَاضِيا بالعسكر الى ان مَاتَ فِي سنة احدى عشرَة وَتِسْعمِائَة وسنه قد جَاوز التسعين وَكَانَ رجلا طَويلا عَظِيم اللِّحْيَة طليق الْوَجْه متواضعا محبا للمشايخ والفقراء وَكَانَ بحرا فِي الْعُلُوم وَكَانَ محبا للْعلم وَالْعُلَمَاء وَكَانَ عَارِفًا بالعلوم الْعَقْلِيَّة والشرعية جَامعا لِلْأُصُولِ وَالْفُرُوع كتب حَاشِيَة على تَفْسِير سُورَة الانعام للعلامة الْبَيْضَاوِيّ وَكتب ايضا حَاشِيَة على الْمُقدمَات الاربع فِي التَّوْضِيح وَكتب حَاشِيَة للمحاكمة بَين الْعَلامَة الدواني والفاضل مير صدر الدّين وصنف كتابا فِي الصّرْف وَسَماهُ ميزَان التصريف وَكتب ايضا بِأَمْر السُّلْطَان كتابا عجيبا فِي اللُّغَة جمع فِيهِ غرائب اللُّغَات لَكِن لم يساعده عمره الى الاتمام فَبَقيَ نَاقِصا وَبنى بَيت التَّعْلِيم والمدرسة ومسجدا ببلدة قسطنطينية وجامعا بقرية ازادلو وقبره فِي دَار التَّعْلِيم روح الله تَعَالَى روحه وَنور ضريحه
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل عَلَاء الدّين عَليّ بن مُحَمَّد القوشجي روح الله روحه
كَانَ ابوه مُحَمَّد من خدام الامير الغ بك ملك مَا وَرَاء النَّهر وَكَانَ هُوَ حَافظ الْبَازِي وَهُوَ معنى القوشجي فِي لغتهم قَرَأَ الْمولى الْمَذْكُور على عُلَمَاء سَمَرْقَنْد وَقَرَأَ على الْمولى الْفَاضِل قَاضِي زَاده الرُّومِي وقرا عَلَيْهِ الْعُلُوم الرياضية وَقرأَهَا ايضا على الامير الغ بك وَكَانَ الامير الْمَذْكُور مائلا الى الْعُلُوم الرياضية ثمَّ
стр. 94
ذهب الْمولى الْمَذْكُور مختفيا الى بِلَاد كرمان فقرا هُنَاكَ على علمائها وسود هُنَاكَ شَرحه للتجريد وَغَابَ عَن الغ بك سِنِين كَثِيرَة وَلم يدر خَبره ثمَّ انه عَاد الى سَمَرْقَنْد وَوصل الى خدمَة الامير الْمَذْكُور وَاعْتذر عَن غيبته لتَحْصِيل الْعلم فَقبل عذره وَقَالَ بِأَيّ شَيْء اَوْ بِأَيّ هَدِيَّة جِئْت الي قَالَ برسالة حللت فِيهَا إِشْكَال الْقَمَر وَهُوَ اشكال تحير فِي حلّه الاقدمون قَالَ الامير الغ بك هَات بهَا انْظُر فِي أَي مَوضِع اخطات فَأتى بالرسالة فقرأها قَائِما على قَدَمَيْهِ فأعجب بهَا الغ بك ثمَّ ان الامير الغ بك بنى مَوضِع رصد سَمَرْقَنْد وَصرف فِيهِ مَالا عَظِيما وتولاه اولا غياث الدّين جمشيد من مهرَة هَذَا الْعلم فتوفاه الله تَعَالَى فِي اوائل الامر ثمَّ تولاه الْمولى قَاضِي زَاده الرُّومِي فتوفاه الله تَعَالَى قبل اتمامه وأكمله الْمولى عَليّ القوشجي فَكَتَبُوا مَا حصل لَهُم من الرصد وَهُوَ الْمَشْهُور بالزيج الْجَدِيد لالغ بك وَهُوَ احسن الزيجات وأقربها من الصِّحَّة ثمَّ انه لما توفّي الامير الغ بك وتسلطن بعض اولاده وَلم يعرف قدر الْمولى الْمَذْكُور وَنَفر قلبه عَنهُ فاستاذن لِلْحَجِّ وَلما جَاءَ الى تبريز والامير هُنَاكَ فِي ذَلِك الزَّمَان السُّلْطَان حسن الطَّوِيل فَأكْرم الْمولى الْمَذْكُور اكراما عَظِيما وارسله بطرِيق الرسَالَة الى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان ليصالح بَينهمَا وَلما اتى الى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان اكرمه اكراما عَظِيما فَوق مَا أكْرمه السُّلْطَان حسن وَسَأَلَهُ ان يسكن فِي ظلّ حمايته فَأجَاب فِي ذَلِك وعهد ان يَأْتِي اليه بعد اتمام امْر الرسَالَة فَلَمَّا ادى الرسَالَة ارسل السُّلْطَان مُحَمَّد خَان اليه من خُدَّامه فخدموه فِي الطَّرِيق وصرفوا بامره اليه فِي كل مرحلة الف دِرْهَم فَأتى مَدِينَة قسطنطينية بالحشمة الوافرة وَالنعَم المتكاثرة وَحين قدم اليه اهدى الى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان عِنْد ملاقاته رسَالَته فِي علم الْحساب وسماها المحمدية وَهِي رِسَالَة لَطِيفَة لَا يُوجد انفع مِنْهَا فِي ذَلِك الْعلم ثمَّ ان السُّلْطَان مُحَمَّد خَان لما ذهب الى محاربة السُّلْطَان حسن الطَّوِيل اخذ الْمولى الْمَذْكُور مَعَه وصنف فِي أثْنَاء السّفر رِسَالَة لَطِيفَة فِي علم الْهَيْئَة باسم السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وسماها الرسَالَة الفتحية لمصادفتها فتح عراق الْعَجم وَلما رَجَعَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان الى مَدِينَة قسطنطينية اعطاه مدرسة ايا صوفيه وَعين لَهُ كل يَوْم مِائَتي دِرْهَم وَعين لكل من
стр. 95
اولاده وتوابعه منصبا يرْوى انه لما نزل الى قسطنطينية كَانَ مَعَه من توابعه مِائَتَا نفس وَلما قدم الى قسطنطينية اول قدومه استقبله عُلَمَاء الْمَدِينَة وَكَانَ الْمولى خواجه زَاده اذ ذَاك قَاضِيا بهَا فَلَمَّا ركبُوا فِي السَّفِينَة ذكر الْمولى عَليّ القوشجي مَا شَاهده فِي بَحر هُرْمُز من الجزر وَالْمدّ فَبين الْمولى خواجه زَاده سَبَب الجزر وَالْمدّ ثمَّ ان الْمولى عَليّ القوشجي ذكر مباحثة السَّيِّد الشريف مَعَ الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ عِنْد الامير تيمورخان وَرجح جَانب الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ قَالَ الْمولى خواجه زَاده وَإِنِّي كنت اظن الامر كَذَلِك الا اني حققت الْبَحْث الْمَذْكُور فَظهر ان الْحق فِي جَانب السَّيِّد الشريف فَكتبت عِنْد ذَلِك فِي حَاشِيَة كتابي فَأمر لبَعض خُدَّامه باحضار ذَلِك الْكتاب عِنْد خُرُوجه من السَّفِينَة فطالع الْمولى عَليّ القوشجي تِلْكَ الْحَاشِيَة فاستحسنها فَلَمَّا لَقِي الْمولى الْمَذْكُور السُّلْطَان مُحَمَّد خَان قَالَ لَهُ السُّلْطَان كَيفَ شاهدت خواجه زَاده قَالَ لَا نَظِير لَهُ فِي الْعَجم وَالروم قَالَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان لَا نَظِير لَهُ فِي الْعَرَب ايضا يُقَال ان الْمولى عَليّ الطوسي لما ذهب الى بِلَاد الْعَجم لَقِي هُنَاكَ الْمولى عَليّ القوشجي وَقَالَ لَهُ الى ايْنَ تذْهب قَالَ الى بلادالروم قَالَ عَلَيْك بالمداراة مَعَ الكوسج يُقَال لَهُ خواجه زَاده فان مَعْلُوم الرجل عِنْده كالمجهول فَعمل الْمولى عَليّ القوشجي بوصيته وَزوج بنته من ابْن الْمولى خواجه زَاده وَزوج ايضا الْمولى خواجه زَاده بنته من ابْن بنت الْمولى عَليّ القوشجي وَهُوَ الْمولى قطب الدّين وَله من التصانيف شَرحه للتجريد وَهُوَ شرح عَظِيم لطيف فِي غَايَة اللطافة لخص فِيهِ فَوَائِد الاقدمين احسن تَلْخِيص وأضاف اليها زَوَائِد وَهِي نتائج فكره مَعَ تَحْرِير سهل وَاضح وَله الرسالتان المذكورتان المحمدية والفتحية وَله حَاشِيَة على اوائل شرح الْكَشَّاف للعلامة التَّفْتَازَانِيّ وَكتاب عنقود الزواه فِي الصّرْف سَمِعت انه من تصانيفه وَله رِسَالَة فِي مبَاحث الْحَمد حقق فِيهَا كَلِمَات السَّيِّد الشريف فِي المباحث الْمَذْكُورَة فِي حَوَاشِيه على شرح الْمطَالع وَقد جمع عشْرين متْنا فِي مجلدة وَاحِدَة كل متن من علم وَسَماهُ مَحْبُوب الحمائل وَكَانَ بعض غلمانه يحملهُ وَلَا يُفَارِقهُ ابدا وَكَانَ ينظر فِيهِ كل وَقت يُقَال انه حفظ كل مَا فِيهِ من الْعُلُوم توفّي بِمَدِينَة قسطنطينية وَدفن بجوار ابي ايوب
стр. 96
الانصاري عَلَيْهِ رَحْمَة الْبَارِي
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى عَلَاء الْملَّة وَالدّين الشَّيْخ عَليّ ابْن مجد الدّين مُحَمَّد بن مَسْعُود بن مَحْمُود بن مُحَمَّد بن عمر الشاهرودي البسطامي الْهَرَوِيّ الرَّازِيّ الْعمريّ الْبكْرِيّ الشهير بالمولى مصنفك انما لقب بذلك لاشتغاله بالتصنيف فِي حَدَاثَة سنه وَالْكَاف فِي لُغَة الْعَجم للتصغير وَهُوَ ﵀ من اولاد الامام فَخر الدّين الرَّازِيّ قدس الله روحه وَأقر فِي الْجنَّة فتوحه وَرفع نسبه اليه فِي بعض تصانيفه وَقَالَ كَانَ للامام الرَّازِيّ ﵀ ولدا اسْمه مُحَمَّد وَكَانَ الامام يُحِبهُ كثيرا وَأكْثر تصانيفه صنف لاجله وَقد ذكر اسْمه فِي بَعْضهَا وَمَات مُحَمَّد فِي عنفوان شبابه وَولد لَهُ ولد بعد وَفَاته وسموه ايضا مُحَمَّدًا وَبلغ رُتْبَة ابيه فِي الْعلم ثمَّ مَاتَ وَخلف ولدا اسْمه مَحْمُود وَبلغ هُوَ ايضا رُتْبَة الْكَمَال ثمَّ عزم على سفر الْحجاز وَخرج من هراة وَلما وصل الى بسطَام اكرمه اهلها لمحبتهم الْعلمَاء سِيمَا اولاد فَخر الدّين الرَّازِيّ فَأَقَامَ هُنَاكَ بِحرْمَة وافرة وَخلف ولدا اسْمه مَسْعُود وسعى هُوَ ايضا فِي تَحْصِيل الْعلم لكنه لم يبلغ رُتْبَة آبَائِهِ وقنع برتبة الْوَعْظ لانه لم يُهَاجر وَطنه وَخلف ولدا اسْمه مُحَمَّد ايضا وَحصل هُوَ من الْعُلُوم مَا يَقْتَدِي بِهِ اهل تِلْكَ الْبِلَاد ثمَّ خلف ولدا اسْمه مجد الدّين مُحَمَّد وَصَارَ هُوَ ايضا مقتدى النَّاس فِي الْعلم وَهُوَ وَالِدي وشاهرود قَرْيَة قريبَة من بسطَام وبسطام بَلْدَة من بِلَاد خُرَاسَان وينسب الى عمر ابْن الْخطاب وابي بكر الصّديق رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا لَان الامام الرَّازِيّ كَانَ يُصَرح فِي مصنفاته بِأَنَّهُ من اولاد عمر بن الْخطاب ﵁ وَذكر اهل التَّارِيخ انه من اولاد ابي بكر الصّديق ﵁ ولد الْمولى مصنفك فِي سنة ثَلَاث وَثَمَانمِائَة وسافر مَعَ اخيه الى هراة لتَحْصِيل الْعُلُوم فِي سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَثَمَانمِائَة وصنف شرح الارشاد فِي سنة ثَلَاث وَعشْرين وَشرح الْمِصْبَاح فِي النَّحْو سنة خمس وَعشْرين وَشرح آدَاب الْبَحْث فِي سنة سِتّ وَعشْرين باشارة رَسُول الله ﷺ وَشرح اللّبَاب فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَشرح المطول فِي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَشرح شرح الْمِفْتَاح للعلامة التَّفْتَازَانِيّ فِي سنة ارْبَعْ وَثَلَاثِينَ
стр. 97
وصنف حَاشِيَة التَّلْوِيح فِي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَشرح الْبردَة فِي هَذِه السّنة ايضا وَكَذَا شرح فِيهَا القصيدة الروحية لِابْنِ سينا ثمَّ ارتحل فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ الى هراة وَشرح هُنَاكَ الْوِقَايَة وَشرح الْهِدَايَة فِي سنة تسع وَثَلَاثِينَ وصنف فِي هَذِه السّنة ايضا حدائق الايمان لأهل الْعرْفَان ثمَّ ارتحل فِي سنة ثَمَان واربعين الى ممالك الرّوم وصنف هُنَاكَ فِي سنة خمسين وَثَمَانمِائَة شرح المصابيح لِلْبَغوِيِّ باشارة حَضْرَة الرسَالَة ﷺ وَشرح فِي تِلْكَ السّنة ايضا شرح الْمِفْتَاح للسَّيِّد الشريف وصنف فِي هَذِه السّنة ايضا حَاشِيَة شرح الْمطَالع وَأَيْضًا شرح بَعْضًا من اصول فَخر الاسلام الْبَزْدَوِيّ وصنف فِي سنة سِتّ وَخمسين شرح الْكَشَّاف للزمخشري وصنف من الْكتب على اللِّسَان الْفَارِسِي انوار الاحداق وَحَدَائِق الايمان وتحفة السلاطين وصنف فِي تَارِيخ احدى وَسِتِّينَ كتاب التُّحْفَة المحمودية صنفه لاجل الْوَزير مَحْمُود باشا على اللِّسَان الْفَارِسِي فِي نصيحة الوزراء وَذكر مَا قدمْنَاهُ من احواله فِي الْكتاب الْمَذْكُور وَذكر فِيهِ انه عزم ان لَا يصنف شَيْئا بعده اعتذارا عَنهُ بكبر السن سِيمَا الْكتب الفارسية وَكَانَ سنه اذ ذَاك على مَا ذكره فِي ذَلِك الْكتاب ثمانيا وَخمسين الا ان لَهُ تصانيف أخر غير مَا ذكره وَلم ندر انه نقض عزيمته وصنفها بعد ذَلِك التَّارِيخ اَوْ صنف قبله وَلم يذكر عِنْد ذكر مصنفاته وَذَلِكَ كالتفسير الْفَارِسِي وَلَقَد اجاد فِي ترتيبه وَاعْتذر هُوَ عَن تاليفه على ذَلِك اللِّسَان وَقَالَ كتبته بامر السُّلْطَان مُحَمَّد خَان والمأمور مَعْذُور وَله ايضا شرح الشمسية على اللِّسَان الْفَارِسِي وَله ايضا حَاشِيَة على شرح الْوِقَايَة لصدر الشَّرِيعَة وحاشية على شرح العقائد وَغير ذَلِك قرا الْعُلُوم الادبية على الْمولى جلال الدّين يُوسُف الاوبهي من تلامذة الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ وقرا ايضا على الْفَاضِل الْعَلامَة قطب الْملَّة وَالدّين احْمَد بن مُحَمَّد بن مَحْمُود الامام الْهَرَوِيّ من تلامذة الْمولى جلال الدّين يُوسُف الْمَذْكُور آنِفا وَقَرَأَ فقه الشَّافِعِي على الامام الْهمام عبد الْعَزِيز بن الابهري وَقَرَأَ فقه ابي حنيفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ على الامام نصيح الدّين مُحَمَّد بن مُحَمَّد عَلَاء الدّين وَلما اتى بِلَاد الرّوم صَار مدرسا بقونية ثمَّ عرض لَهُ الصمم فَأتى بَلْدَة قسطنطينية فِي أَيَّام وزارة مَحْمُود باشا
стр. 98
وَعرضه على السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فعين لَهُ كل يَوْم ثَمَانِينَ درهما ثمَّ مَاتَ بقسطنطينية فِي سنة خمس وَسبعين وَثَمَانمِائَة وَدفن عِنْد مَزَار ابي ايوب الانصاري عَلَيْهِ رَحْمَة الْملك الْبَارِي رُوِيَ انه قَالَ لقِيت بعض الْمَشَايِخ من بِلَاد الْعَجم وَجرى بَيْننَا مباحثة واغلظت عَلَيْهِ فِي القَوْل فِي اثنائها فَلَمَّا انْقَطع الْبَحْث قَالَ لي اسأت الادب عِنْدِي وانك تجازى بالصمم وَبِأَن لَا يبْقى بعْدك عقب وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى يَقُول قد لَحِقَنِي الصمم الا ان لي بنتين وَكَأن الْبِنْت لَا تسمى عقبا وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى شَيخا على طَريقَة الصُّوفِيَّة ايضا واجيز لَهُ بالارشاد من بعض خلفاء زين الدّين الحافي قدس سره وَكَانَ جَامعا بَين رياستي الْعلم وَالْعَمَل وَكَانَ صَاحب شيبَة عَظِيمَة وَكَانَ يلبس عباء وعَلى ر أسه تَاج رُوِيَ انه حضر يَوْمًا مجْلِس الْوَزير مَحْمُود باشا وَحضر ايضا الْمولى حسن جلبي الفناري فَذكر حسن جلبي تصانيف الْمولى مصنفك عِنْد الْوَزير مَحْمُود باشا وَقَالَ قد رددت عَلَيْهِ فِي كثير من الْمَوَاضِع وَمَعَ ذَلِك قد فضلته عَليّ فِي المنصب وَكَانَ الْمولى حسن جلبي لم ير شخص الْمولى مصنفك قبل وَقَالَ الْوَزير مَحْمُود باشا هَل رايت الْمولى مصنفك قَالَ قَالَ هَذَا هُوَ واشار الى الْمولى مصنفك فَخَجِلَ الْمولى حسن جلبي من كَلَامه فِي حَقه خجلا قَوِيا وَقَالَ الْوَزير مَحْمُود باشا لَا تخجل ان لَهُ صمما لَا يسمع كلَاما اصلا وَكَانَ المرحوم سريع الْكِتَابَة يكْتب كل يَوْم كراسا من تصانيفه وَغَيرهَا وَكَانَ يدرس للطلبة بِالْكِتَابَةِ يَكْتُبُونَ اليه مَوَاضِع الاشكال فَيكْتب حل كل مِنْهَا فِي ورقة ويدفعها الى صَاحب الاشكال روح الله تَعَالَى روحه
وَمِنْهُم الْعَالم الْفَاضِل الْكَامِل الْمولى سراج الدّين مُحَمَّد بن عمر الْحلَبِي
كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى من نواحي حلب وَلما أغار تيمور خَان على الْبِلَاد الحلبية أَخذه مَعَه الى مَا وَرَاء النَّهر وَقَرَأَ هُنَاكَ على علمائها ثمَّ اتى بِلَاد الرّوم فِي زمن السُّلْطَان مرادخان وأكرمه السُّلْطَان ونصبه معلما لِابْنِهِ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان ثمَّ اعطاه مدرسة بأدرنه وَتلك الْمدرسَة مشتهرة بالانتساب اليه الى الان ودرس فَأفَاد وصنف فأجاد وَكَانَ سريع الْكِتَابَة وَسمعت بعض احفاده انه قَالَ اكثر الْكتب الَّتِي عندنَا بِخَط جدي وَله حواش على الشَّرْح الْمُتَوَسّط للكافية وحواش
стр. 99
على شرح الطوالع للسَّيِّد العبري توفّي رَحمَه الله تَعَالَى وَهُوَ مدرس بِالْمَدْرَسَةِ المزبورة فِي أَوَائِل سلطنة السُّلْطَان مُحَمَّد خَان روح الله روحه وَنور ضريحه
وَمِنْهُم الْعَالم الْفَاضِل الْمولى محيي الدّين درويش مُحَمَّد بن خضر شاه
وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى مدرسا بسلطانية بروسه وَقَرَأَ وَالِدي عَلَيْهِ وَكَانَ يَحْكِي من فضائله وزهده وتقواه مَالا يُمكن وَصفه وَكَانَ يلبس عباءة ويلف رَأسه بشملة وَيذْهب من بَيته الى الْمدرسَة مَاشِيا قَالَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى لما مر السُّلْطَان مُحَمَّد خَان بِمَدِينَة بروسه لقصد محاربة السُّلْطَان حسن الطَّوِيل استقبله الْمولى الْمَذْكُور على حِمَاره ووقف فِي جنب الطَّرِيق وَلما مر عَلَيْهِ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان سلم عَلَيْهِ الْمولى الْمَذْكُور ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَكَانَ جَهورِي الصَّوْت أَلَيْسَ هَذَا درويش مُحَمَّد قَالَ الْوَزير مَحْمُود باشا بلَى هُوَ ذَاك قَالَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان للوزير اِدَّرَكَ خَلفه واوصه بِالدُّعَاءِ وَكَانَ الْوَالِد المرحوم يَقُول كَانَ الْمولى الْمَذْكُور مجاب الدعْوَة وَكَانَ هُوَ مَشْهُورا بذلك عِنْد السُّلْطَان وَالنَّاس وَكَانُوا يتبركون بأنفاسه الشَّرِيفَة وَكَانَ من عَادَته ان يحلق رَأسه فِي السّنة مرّة وَاخْتَارَ لذَلِك يَوْم عَاشُورَاء وَكَانَ النَّاس يَجْتَمعُونَ فِي ذَلِك الْيَوْم على بَابه وَيَأْخُذُونَ من شعره ويداوون بِهِ المرضى قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى وَرُبمَا يَجِيء بعض النَّاس وَهُوَ فِي الدَّرْس ويلتمسون من شعره لاجل المرضى وَكَانَ يكْشف لَهُم رَأسه فَيَأْخُذُونَ من شعره قَالَ وَلَقَد سرق كتاب لبَعض الطّلبَة فَأمر الْمولى الْمَذْكُور ان يجْتَمع عِنْده من بِالْمَدْرَسَةِ من الطّلبَة والمتأدبين فَنظر اليهم نظرة وَقَالَ لوَاحِد من التأدبين هَات الْكتاب فَأنْكر الرجل واستبعد ذَلِك كل من حضر لاعتقادهم لذَلِك الرجل بالصلاح وَقَالَ فتشوا حجرته ففتشوا فوجدوا الْكتاب فِي حجرته فَقَالَ لَهُ تب من هَذَا الْفِعْل فَتَابَ عِنْده وَقَالَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى كَانَ الْمولى الْمَذْكُور ثقيل اللِّسَان لَا يحسن تجويد الْقُرْآن وَلذَلِك كَانَ لَا يؤم فِي الصَّلَاة اصلا قَالَ وَقد سقط الْمولى الْمَذْكُور من السَّطْح وَمَات من ذَلِك روح الله تَعَالَى روحه وَنور ضريحه
стр. 100
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والكامل الْفَاضِل الْمولى اياس
قرا الْعُلُوم على الْمولى الاياثلوغي وَكَانَ شَرِيكا عِنْده للْمولى خواجه زَاده وَقَرَأَ على الْمولى حضر بك وَهُوَ مدرس بسلطانية بروسه وَكَانَ معلما للسُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَهُوَ صَغِير ثمَّ لحقته الجذبة الالهية حَتَّى وصل الى خدمَة الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه تَعَالَى الشَّيْخ تَاج الدّين المارذكره الشريف فِي تَرْجَمَة الْمَشَايِخ فِي دولة السُّلْطَان مُرَاد خَان من خلفاء الشَّيْخ عبد اللطيف الْمَقْدِسِي حَتَّى أكمل طَرِيق الصُّوفِيَّة واجازه للارشاد ثمَّ انه سكن ببلدة بروسه وَانْقطع الى الله تَعَالَى وَصرف اوقاته الى الْعلم وَالْعِبَادَة الى ان وصل الى رَحْمَة الله تَعَالَى وَكَانَ لَهُ اهتمام عَظِيم فِي تَصْحِيح الْكتب وَكِتَابَة الْفَوَائِد فِي حواشيها وَهُوَ مشتهر بذلك حَتَّى انه كَانَ يصحح المختصرات والمطولات من الْكتب الْمَشْهُورَة ثمَّ يعمد الى نسخ اخرى مِنْهَا ويصححها كالنسخ الاول وَقد وجد عِنْده نسخ ثَلَاث من كتاب وَاحِد صحّح كلا مِنْهَا من اوله الى آخِره وحشاه وَحكى لي وَاحِد من الاشراف وَكَانَ شَيخا عَارِفًا بِاللَّه انه حج مَعَ شَيْخه قَالَ قَالَ لي شَيْخي وَنحن متوجهون الى عَرَفَات يَا وَلَدي ان قطب الزَّمَان يقوم بِعَرَفَات على يَمِين الامام فَانْظُر كَيفَ يعرف القطب فَنَظَرت فَإِذا هُوَ الْمولى اياس وَكَانَ فِي تِلْكَ السّنة بِمَدِينَة بروسه فَأخْبرت بِهِ شَيْخي فَنظر فصدقني وَلما قَفَلْنَا من الْحَج مَرَرْنَا على مَدِينَة بروسه فَاسْتقْبلنَا اهلهما فَسَأَلَنِي وَاحِد مِنْهُم وَقَالَ هَل رَأَيْت القطب بِعَرَفَات قلت نعم هُوَ الْمولى اياس السَّاكِن ببلدتكم فَفِي تِلْكَ اللَّيْلَة مَرضت مَرضا شَدِيدا حَتَّى شارفت الْمَوْت ثمَّ من الله تَعَالَى عَليّ بالخلاص فَفِي غَد تِلْكَ اللَّيْلَة ذهب شَيْخي الى مَوْلَانَا اياس للزيارة وأخذني مَعَه وَلما دَخَلنَا على الْمولى اياس نظر الي وَقَالَ من هُوَ قَالَ الشَّيْخ من اولادي قَالَ اشاع سري وَقد تضرعت اللَّيْلَة ان يقبض الله روحه فشفع مُحَمَّد صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم وَقد علمت انه من اولاد رَسُول الله ﷺ وعَلى اولاده ثمَّ قَالَ افشاء السِّرّ خطر عَظِيم فاحذر مِنْهُ
стр. 101
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل الْكَامِل الْفَاضِل خواجه خير الدّين معلم السُّلْطَان مُحَمَّد خَان
قَرَأَ على عُلَمَاء عصره ثمَّ وصل الى خدمَة الْمولى المرحوم حضر بك ابْن جلال الدّين ثمَّ صَار مدرسا بِبَعْض الْمدَارِس ثمَّ صَار معلما للسُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَبنى جَامعا ومدرسة فِي مَدِينَة قسطنطينية وَكَانَ عَالما فَاضلا متفننا لذيذ الصُّحْبَة حسن النادرة طريف الطَّبْع قَالَ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى ان الْمولى الْمَذْكُور قَرَأَ على وَالِدي وَعِنْدِي كتاب شرح المواقف بعضه بِخَط جدي وَبَعضه بِخَط غَيره قَالَ الْمولى الْوَالِد كتب هَذِه الاجزاء الْمولى خواجه خير الدّين الْمَذْكُور لوالدي عِنْد قِرَاءَته عَلَيْهِ وَهُوَ خطّ مطبوع صَحِيح غَايَة الصِّحَّة توفّي رَحمَه الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي آخر سلطنة السُّلْطَان مُحَمَّد خَان روح الله تَعَالَى روحه وَنور ضريحه
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى حميد الدّين بن افضل الدّين الْحُسَيْنِي روح الله تَعَالَى روحهما وأوفر فتوحهما
كَانَ عَالما عَاملا وَكَانَ لَهُ جَانب عَظِيم من الْفضل والورع وَالتَّقوى وَكَانَ حَلِيم النَّفس صبورا على الشدائد متخشعا متواضعا قَرَأَ اولا على وَالِده وَهُوَ ايضا كَانَ عَالما صَالحا عابدا زاهدا قانعا صبورا ثمَّ قَرَأَ على عُلَمَاء عصره ثمَّ وصل الى خدمَة الْمولى يكان ثمَّ صَار مدرسا بمدرسة السُّلْطَان مُرَاد خَان ابْن اودخان الْغَازِي بِمَدِينَة بروسه وعزل عَنْهَا فِي اوائل سلطنة السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وأتى هُوَ الى مَدِينَة قسطنطينية وبينما هُوَ يمر فِي بعض طرقها اذ لَقِي السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَهُوَ ماش فِي عدَّة من غلمانه وَكَانَ من عَادَته ذَلِك قَالَ فعرفته وَنزلت عَن فرسي ووقفت فَسلم عَليّ وَقَالَ انت ابْن افضل الدّين قَالَ قلت نعم قَالَ احضر الدِّيوَان غَدا قَالَ فَحَضَرت وَلما دخل الوزراء عَلَيْهِ قَالَ جَاءَ ابْن افضل الدّين قَالُوا نعم قَالَ اعطيته مدرسة وَالِدي السُّلْطَان مُرَاد خَان بِمَدِينَة بروسه وعينت لَهُ كل يَوْم خمسين درهما وَطَعَامًا يَكْفِيهِ من مطبخ عِمَارَته فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ وَقبلت يَده اوصاني بالاشتغال بِالْعلمِ وَقَالَ انا لَا اغفل عَنْك قَالَ فاشتغلت بِتِلْكَ لمدرسة وَسَقَطت لحيتي من كَثْرَة الِاشْتِغَال حَتَّى اتهمني بعض الاعداء بِمَرَض
стр. 102
هائل قَالَ فَكتبت هُنَاكَ اجوبة عَن اعتراضات الشَّيْخ اكمل الدّين فِي شَرحه للهداية قَالَ ثمَّ انه اعطاني السُّلْطَان مُحَمَّد خَان اُحْدُ الْمدَارِس الثمان فَذهب هُوَ الى الْغَزْوَة وَوَقع فِي قسطنطينية طاعون عَظِيم فَخرجت بأولادي الى بعض الْقرى قَالَ وَكنت الازم مِنْهَا الى قسطنطينية وأدرس كل يَوْم من الايام الْمُعْتَادَة من ارْبَعْ كتب مَعَ اهتمام عَظِيم بِحَيْثُ لَا يُمكن الْمَزِيد عَلَيْهِ وَلما رَجَعَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان من الْغَزْوَة استقبلته فَلَمَّا رَآنِي قَالَ ادن مني فَلَمَّا دَنَوْت مِنْهُ قَالَ لي سَمِعت انك تسكن بَعْضًا من الْقرى وتلازم الدَّرْس من اربعة كتب مَعَ كَمَال الاهتمام وَأَنت اديت مَا عَلَيْك وَبَقِي مَا عَليّ واهدي الى كل من عُلَمَاء الْبَلَد اسيرا وَأهْدى الى ابْن افضل الدّين اسيرين ثمَّ جعله قَاضِيا بِمَدِينَة قسطنطينية ثمَّ صَار مفتيا بهَا فِي أَيَّام السُّلْطَان بايزيد خَان وَمَات وَهُوَ مغت بهَا فِي سنة ثَمَان وَتِسْعمِائَة كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى رجلا صبورا لَا يرى مِنْهُ الْغَضَب حكى الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى انه قَالَ حضرت فِي مجْلِس قَضَائِهِ فتحاكمت اليه امْرَأَة مَعَ رجل فَحكم الْمولى الْمَذْكُور للرجل فأطالت الْمَرْأَة لسانها عَلَيْهِ واساءت القَوْل فِيهِ فَصَبر على ذَلِك وَمَا زَاد على ان قَالَ لَا تتعبي نَفسك حكم الله تَعَالَى لَا يُغير وان شِئْت ان اغضب عَلَيْك فَلَا تطمعي فِيهِ وَحكى استاذي الْمولى محيي الدّين الفناري انه قَرَأَ عَلَيْهِ مُدَّة كَثِيرَة وَشهد لَهُ بِأَنَّهُ لم يجد مسئلة من الْمسَائِل شَرْعِيَّة اَوْ عقلية الا وَهُوَ يحفظها قَالَ وَلَو ضَاعَت كتب الْعُلُوم كلهَا لامكن ان يكْتب كلهَا من حفظه وَله حواش على شرح الطوالع للأصفهاني وَهِي مَقْبُولَة متداولة وحواش على حَاشِيَة شرح الْمُخْتَصر للسَّيِّد الشريف وَهِي ايضا مَقْبُولَة عِنْد العلماءر وح الله تَعَالَى روحه وَزَاد فِي أَعلَى غرف الْجنان فتوحه
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى سِنَان الدّين يُوسُف بن الْمولى حضر بك ابْن جلال الدّين رَحِمهم الله تَعَالَى
كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى عَالما فَاضلا كثير الِاطِّلَاع على الْعُلُوم عقلياتها وشرعياتها وَكَانَ ذكيا فِي الْغَايَة يتوقد ذكاء وفطنة وَكَانَ لحدة ذهنه وَقُوَّة فطنته يغلب على طبعه الشريف ايراد الشكوك والشبهات وقلما يلْتَفت الى تَحْقِيق الْمسَائِل وَلِهَذَا
стр. 103
كَانَ يلومه وَالِده عَلَيْهِ يرْوى انه كَانَ يَأْكُل مَعَه اللَّحْم يَوْمًا فِي طبق فلامه على ميله الى الشكوك وَقَالَ بلغ بك الشكوك الى مرتبَة يُمكن ان تشك فِي ان هَذَا الظّرْف من نُحَاس قَالَ يُمكن ذَلِك لَان للحواس اغاليط فَغَضب وَالِده عَلَيْهِ وَضرب بالطبق على رَأسه وَلما مَاتَ وَالِده كَانَ هُوَ فِي جوَار الْعشْرين من سنه فَأعْطَاهُ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان مدرسة بأدرنه ثمَّ اعطاه مدرسة دَار الحَدِيث بأدرنه ثمَّ جعله معلما لنَفسِهِ وَمَال الى صحبته وَكَانَ لَا يُفَارِقهُ وَلما جَاءَ الْمولى عَليّ القوشجي الى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان حرض السُّلْطَان مُحَمَّد خَان الْمولى سِنَان باشا على تعلم الْعُلُوم الرياضية مِنْهُ فَأرْسل هُوَ الْمولى لطفي وَكَانَ من تلامذته فِي ذَلِك الْوَقْت الى الْمولى عَليّ القوشجي فَقَرَأَ هُوَ على الْمولى عَليّ القوشجي الرياضية وَأخْبر كل مَا سمع مِنْهُ للْمولى سِنَان باشا حَتَّى أكمل الْعُلُوم الرياضية كلهَا وَكتب بِأَمْر السُّلْطَان مُحَمَّد خَان حَوَاشِي على شرح الجغميني لقَاضِي زَاده الرُّومِي ثمَّ جعل السُّلْطَان مُحَمَّد خَان الْمولى الْمَذْكُور وزيرا وتقرب عِنْده غَايَة التَّقَرُّب فَطلب السُّلْطَان مُحَمَّد خَان يَوْمًا رجلا من الْعلمَاء يكون امينا على خَزَنَة كتبه فَذكر عِنْده الْمولى لطفي فَجعله امينا على تِلْكَ الخزانة ووقف هُوَ بواسطته على لطائف الْكتب وغرائب الْعُلُوم مَعَ انه وَقع بَينه وَبَين السُّلْطَان مُحَمَّد خَان امْر كَانَ سَببا لعزله وحبسه لما سَمعه عُلَمَاء الْبَلدة اجْتَمعُوا فِي الدِّيوَان العالي وَقَالُوا لَا بُد من اطلاقه من الْحَبْس والا نحرق كتبنَا فِي الدِّيوَان العالي ونترك مملكتك فَأخْرجهُ وَسلمهُ اليهم وَلما سكنوا اعطاه قَضَاء سفر يحصار مَعَ مدرسته وَأخرجه فِي ذَلِك الْيَوْم من قسطنطينية فَخرج وَلما وصل الى ازنيق ارسل خَلفه طَبِيبا ووقال عالجه لقدا ختل عقله فَأعْطَاهُ الطَّبِيب الْمَذْكُور شربة وَضرب كل يَوْم خمسين عَصا فَلَمَّا سَمعه الْمولى ابْن حسام الدّين ارسل كتابا الى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَقَالَ لَهُ اما ان ترفع هَذَا الظُّلم واما ان اخْرُج من مملكتك فَرفع عَنهُ الظُّلم الْمَذْكُور وَذهب هُوَ الى سفريحصار وَأقَام هُنَاكَ بِمَا لَا يُمكن شَرحه من الكآبة والحزن وَمَات السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَهُوَ فِيهَا وَلما جلس السُّلْطَان بايزيد خَان على سَرِير السلطنة أعطَاهُ مدرسته دَار الحَدِيث بأدرنه وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم وَكتب
стр. 104
هُنَاكَ حَوَاشِي على مبَاحث الْجَوَاهِر من شرح المواقف وَأورد اسئلة كَثِيرَة على السَّيِّد الشريف حَتَّى انه يُورد سؤالين اَوْ ثَلَاثَة فِي سطر وَاحِد فنصحه بعض اصحابه وَقَالَ لَا بُد من انتخاب تِلْكَ الاسئلة لَان السَّيِّد رفيع الشَّأْن فَأذن للطلبة ان يطالعوا تِلْكَ الاسئلة فأسقط مِنْهَا مَا اجابوا عَنهُ ثمَّ تقاعد عَن المناصب فِي شهر رَمَضَان الْمُبَارك فِي سنة سبع وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم عَن محصول سرخانه ثمَّ اعطاه فِي شهر ذِي الْقعدَة فِي السّنة الْمَذْكُورَة تيمارا على وَجه الضميمة ثمَّ صَار فِي سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَثَمَانمِائَة امير كليبولي وَله كتاب بالتركية فِي مُنَاجَاة الْحق وانه انشاء لطيف اظهر فِيهِ شوقه الْعَظِيم الى جَانب الْحق وَكتاب آخر بالتركية ايضا فِي مَنَاقِب الاولياء ثمَّ انه مَاتَ بقسطنطينة وَدفن بجوار ابي ايوب الانصاري عَلَيْهِ رَحْمَة الْملك الْبَارِي فِي سنة احدى وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَلم يُوجد لَهُ فِي بَيته حطب يسخن بِهِ المَاء وَذَلِكَ لافراطه فِي السخاء ووصوله الى حد السَّرف وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى محبا للمشايخ يلازمهم ويستمد مِنْهُم سِيمَا الشَّيْخ ابْن الْوَفَاء قدس سره الْعَزِيز وَحكي ان الشَّيْخ ابْن الْوَفَاء كَانَ يجْهر بالبسملة وَكَانَ حَنَفِيّ الْمَذْهَب فَجمع الْمولى الكوراني عُلَمَاء قسطنطينية فِي الْجَامِع وَهُوَ مفت بهَا ليحضروا الشَّيْخ ابْن الْوَفَاء ويمنعوه عَن الْعَمَل بِخِلَاف الْمَذْهَب فَاجْتمعُوا وَكَانُوا ينتظرون الْمولى سِنَان باشا فَلَمَّا حضر هُوَ قَالَ مَا الدَّاعِي الى هَذَا الِاجْتِمَاع فَبين الْمولى الكوراني سَببه فَقَالَ هُوَ إِذا حضر الرجل وَقل اني اجتهدت فِي هَذِه المسئلة فَأدى اجتهادي الى الْجَهْر بالبسملة احضروا لَهُ الْجَواب قَالَ لَهُ الْمولى الكوراني امجتهد هُوَ قَالَ نعم انه يعلم التَّفْسِير بالبطون السَّبْعَة ويحفظ من السّنة الصِّحَاح السِّتَّة وَهُوَ عَارِف بشرائط الِاجْتِهَاد وَالْقَوَاعِد الاصولية قَالَ الْمولى الكوراني انت تشهد بِهَذَا قَالَ نعم قَالَ للحاضرين قومُوا فَمن كَانَ لَهُ مثل هَذَا الشَّاهِد لَا يَنْبَغِي ان يُعَارض فَتَفَرَّقُوا عَن الْمجْلس
стр. 105
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل الْفَاضِل الْكَامِل الْمولى يَعْقُوب باشا ابْن الْمولى حضربك بن جلال الدّين
كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى عَالما صَالحا محققا متدينا صَاحب الاخلاق الحميدة وَكَانَ مدرسا بسلطانية بروسه ثمَّ صَار مدرسا باحدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ استقضي بِمَدِينَة بروسه وَمَات وَهُوَ قَاض بهَا فِي سنة احدى وَتِسْعين وَثَمَانمِائَة وَله حواش على شرح الْوِقَايَة لصدرا لشريعة اورد فِيهَا دقائق وأسئلة مَعَ الايجاز فِي التَّحْرِير وَهِي مَقْبُولَة عندالعلماء وَرَأَيْت لَهُ نُسْخَة من شرح المواقف للسَّيِّد الشريف كتب فِي حَوَاشِيه كَلِمَات كَثِيرَة واسئلة لَطِيفَة وَأكْثر حَوَاشِي الْمولى حسن جبلي مَأْخُوذَة مِنْهَا
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل الْكَامِل الْفَاضِل احْمَد باشا ابْن الْمولى حضربك بن جلال الدّين
كَانَ رَحمَه الله تَعَالَى عَالما فَاضلا سليم النَّفس متواضعا محبا للْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين وَلما بنى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان الْمدَارِس الثمان اعطاه وَاحِدَة مِنْهَا وسنه اذ ذَاك دون الْعشْرين وَعين لَهُ كل يَوْم اربعين درهما ثمَّ عزل اخوه سِنَان باشا عَن الوزارة وعزل هُوَ عَن التدريس الْمَذْكُور واعطي هُوَ مدرسة بَلْدَة اسكوب وقضاءها وَلما جلس السُّلْطَان بايزيدخان على سَرِير السلطنة اعطاه احدى المدرستين المتجاورتين بِمَدِينَة ادرنه ثمَّ اعطاه احدى الْمدَارِس الثمان ثمَّ جعله مفتيا بِمَدِينَة بروسه وَعين لَهُ كل يَوْم مائَة دِرْهَم وَضم اليه قَرْيَة قريبَة من بروسه وعاش هُنَاكَ مُدَّة متطاولة حَتَّى جَاوز سنه التسعين وَله مدرسة فِي بروسه فِي قرب الْجَامِع الْكَبِير وَتلك الْمدرسَة مَشْهُورَة بالانتساب اليه الان وَله كتب مَوْقُوفَة على الْمدَارِس وَمَات فِي سنة سبع وَعشْرين وَتِسْعمِائَة وقبره فِي جوَار الامير البُخَارِيّ عَلَيْهِ رَحْمَة الْملك الْبَارِي
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل الْفَاضِل الْكَامِل الْمولى صَلَاح الدّين
كَانَ مدرسا فِي بعض الْمدَارِس ثمَّ نَصبه السُّلْطَان مُحَمَّد خَان معلما لِابْنِهِ السُّلْطَان بايزيدخان وَقَرَأَ على شرح العقائد وَكتب لاجله حَوَاشِي عَلَيْهِ وَقَرَأَ
стр. 106
ايضا شرح هِدَايَة الْحِكْمَة لمولاناه زَاده وَكتب عَلَيْهِ ايضا حَوَاشِي لاجله وكلتا الحاشيتين مقبولتان عِنْد الْعلمَاء وتتداولهما ايدي الطلاب وَكَانَ رَحمَه الله تَعَالَى عابدا صَالحا غَايَة الصّلاح مبارك النَّفس كريم الاخلاق ثمَّ صَار مدرسا بسلطانية بروسه وَتُوفِّي بهَا روح الله روحه وَنور ضريحه
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى عبد القادر
كَانَ اصله من قَصَبَة اسبارته من ولَايَة حميد قرا على عُلَمَاء عصره حَتَّى وصل الى خدمَة الْمولى الْعَالم الْفَاضِل الْمولى عَليّ الطوسي رُوِيَ انه كَانَ شَرِيكا مَعَ الْمولى الْفَاضِل الخيالي ثمَّ تولى بعض المناصب حَتَّى صَار معلما للسُّلْطَان مُحَمَّد خَان وتقرب عِنْده حَتَّى حسد عَلَيْهِ الْوَزير مَحْمُود باشا وَفِي بعض الايام استدعاه السُّلْطَان مُحَمَّد خَان ليصاحبه وَكَانَ فِي مزاجه فتور فتعلل بذلك وَقَالَ لَهُ بعض اصحابه ان فِي الحديقة الْفُلَانِيَّة جمعا كثيرا من الظرفاء ونلتمس مِنْك ان تذْهب اليهم حَتَّى يتفرج خاطرك يتخفف مزاجك وَمَال الْمولى الْمَزْبُور الى قَوْله فَذهب مَعَه الى تِلْكَ الحديقة يرْوى ان ذَلِك التَّرْغِيب من ذَلِك الْبَعْض فِي الذّهاب الى ذَلِك الْمجْلس كَانَ بِمُبَاشَرَة الْوَزير محود باشا فَقَالَ الْوَزير الْمَزْبُور للسُّلْطَان مُحَمَّد خَان انه تعلل فِي صحبتك وَذهب مَعَ الظرفاء الى الحديقة الْفُلَانِيَّة فتفحص عَنهُ السُّلْطَان فتحقق عِنْده مَا قَالَ الْوَزير فَعَزله فِي ذَلِك الْيَوْم وأبعده عَن حَضرته وَذهب الى وَطنه فَلم يلبث الا قَلِيلا حَتَّى مرض وَمَات من ذَلِك الْمَرَض فِي وَطنه رُوِيَ انه كَانَ ذَاهِبًا مَعَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان الى محاربة بعض مُلُوك الْعَجم وَلَعَلَّه الامير حسن الطَّوِيل وَلما اجتاز بقونية استقبله علماؤها فَقَالَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان للْمولى الْمَذْكُور وَكَانَ رَاكِبًا مَعَه قد اضناك السّفر انْظُر الى هَؤُلَاءِ الْعلمَاء وَقُوَّة مزاجهم فَأَنْشد الْمولى الْمَذْكُور عِنْد ذَلِك بَيْتا بِالْفَارِسِيَّةِ ... اسب نازي اكر ضَعِيف بود ... همجنان از طَوِيلَة خربة ...
وَمَعْنَاهُ الْفرس الْعَرَبِيّ وان كَانَ نحيفا فَهُوَ اجود من جمَاعَة الْحمر فَضَحِك السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَاسْتحْسن جَوَابه وَرُوِيَ ان الْمولى الْمَذْكُور كَانَ يتمدح عِنْد السُّلْطَان مُحَمَّد خَان بِأَن الْعَلامَة التَّفْتَازَانِيّ وَالسَّيِّد الْجِرْجَانِيّ لَو كَانَ حيين يحْملَانِ
стр. 107
قدامه غاشية سَرْجه فاشمأز بِهِ خاطر السُّلْطَان من هَذَا الْكَلَام وَأمره بالمباحثة مَعَ الْمولى خواجه زَاده فاجتمعا عِنْد السُّلْطَان الْمَذْكُور فأفحمه الْمولى خواجه زَاده روح الله روحهما وَنور ضريحهما
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى عَلَاء الدّين عَليّ بن يُوسُف بالي ابْن الْمولى شمس الديي الفناري
كَانَ رَحْمَة الله تَعَالَى عَلَيْهِ عَالما فَاضلا متقنا متفننا محققا مدققا حَرِيصًا على الِاشْتِغَال بالعلوم ارتحل فِي شبابه الى بلادالعجم وَدخل هراة وَقَرَأَ على علمائها ثمَّ دخل سَمَرْقَنْد وبخارا وقرا على علمائها ايضا وبرع فِي كل الْعُلُوم حَتَّى انهم جَعَلُوهُ مدرسا هُنَاكَ ثمَّ غلب عَلَيْهِ حب الوطن وأتى بلادالروم فِي أَوَائِل سلطنة السُّلْطَان مُحَمَّد خَان وَكَانَ الْمولى الكوراني يَقُول للسُّلْطَان مُحَمَّد خَان لَا تتمّ سلطنتك الا بِأَن يكون عنْدك وَاحِد من اولاد الْمولى الفناري وَلما جَاءَ هُوَ الى بِلَاد الرّوم اخبر الْمولى الكوراني بمجيئه فَأعْطَاهُ السُّلْطَان مدرسة مناستر بِمَدِينَة بروسه وَعين لَهُ كل يَوْم خمسين درهما ثمَّ اعطاه مدرسة وَالِده السُّلْطَان مُرَاد خَان بِالْمَدِينَةِ الْمَذْكُورَة وَعين لكل يَوْم سِتِّينَ درهما ثمَّ جعله قَاضِيا بِمَدِينَة بروسه ثمَّ اجْعَلْهُ قَاضِيا بالعسكر وَمكث فِيهِ عشر سِنِين وَبَلغت زمرة الْعلمَاء بهمته الْعلية الى وَج الشّرف وتصاعد شرف الْعلم وَالْفضل الى قبَّة السَّمَاء وَبِالْجُمْلَةِ كَانَت ايامه تواريخ الايام ثمَّ عزل وَعين لَهُ كل يَوْم خَمْسُونَ درهما وَفِي كل سنة عشرَة الاف دِرْهَم وَعين لوَلَده الْكَبِير خَمْسُونَ درهما وللصغير اربعون درهما وَجعل قَضَاء ابْنه كول ضميمة لأولاده ثمَّ لما جلس السُّلْطَان بايزيد خَان على سَرِير السلطنة جعله قَاضِيا بالعسكر الْمَنْصُور فِي ولَايَة روم ايلي وَمكث فِي مِقْدَار ثَمَان سِنِين ثمَّ عزل عَنهُ وَعين لَهُ كل يَوْم سَبْعُونَ درهما وَعشرَة الاف دِرْهَم فِي كل سنة وَكَانَ يدرس ايام الاسبوع كلهَا سوى يَوْم الْجُمُعَة وَيَوْم الثُّلَاثَاء وَكَانَ مهتما بالاشتغال بِالْعلمِ وَكَانَ لَهُ مَكَان على جبل فَوق مَدِينَة بروسه وَكَانَ يمْكث فِيهِ الْفُصُول الثَّلَاثَة من السّنة ويسكن فِي الْمَدِينَة الْفَصْل الرَّابِع وَرُبمَا ينزل هُنَاكَ ثلج مَرَّات كَثِيرَة وَلَا يمنعهُ ذَلِك عَن الْمكْث فِيهِ كل ذَلِك
стр. 108
لمصْلحَة الِاشْتِغَال بِالْعلمِ وَكَانَ لَا ينَام على فرَاش وَإِذا غلب عَلَيْهِ النّوم يسْتَند عل الْجِدَار والكتب بَين يَدَيْهِ فَإِذا اسْتَيْقَظَ ينظر الْكتب كَانَ مَعَ هَذَا الِاشْتِغَال وَمَعَ مَا لَهُ من التحقيقات والتدقيقات لم يصنف شَيْئا الا شرح الكافية فِي النَّحْو وَشرح قسم التَّجْنِيس من علم الْحساب وَكَانَ ماهرا فِي أَقسَام الْعُلُوم الرياضية كلهَا وَفِي علم الْكَلَام وَعلم الاصول وَعلم الْفِقْه وَعلم البلاغة وَكَانَ رجلا عَاقِلا صَاحب ادب ووقار ثمَّ اتَّصل بِخِدْمَة بعض الْمَشَايِخ وَدخل الْخلْوَة عِنْده وَحصل من علم الصُّوفِيَّة ذوقا عَظِيما وَكَانَ ذَلِك الشَّيْخ هُوَ الشَّيْخ الْعَارِف بِاللَّه المجذوب السالك الى الله صَاحب كرائم الاخلاق المشتهر اسْمه فِي الافاق الشَّيْخ حاجي خَليفَة قدس سره وَمن انصاف الْمولى الْمَذْكُور مَا حكى الْمولى الْوَالِد عَنهُ انه بعدعزله ذكر يَوْمًا قلَّة مَاله فَقيل لَهُ قد توليتم هَذِه المناصب الجليلة فَأَيْنَ مَا حصل لكم من المَال قَالَ كنت رجلا سَكرَان يُرِيد بِهِ غرور الجاه وَلم يُوجد عِنْدِي من يحفظه قَالَ قَالَ بعض الْحَاضِرين اذا عَاد اليكم المنصب مرّة اخرى عَلَيْكُم بِحِفْظ المَال قَالَ لَا يُفِيد اذا عَاد المنصب يعود مَعَه السكر قَالَ خَالِي رَحمَه الله تَعَالَى لازمت قِرَاءَة الدَّرْس عِنْده عشر سِنِين وَكَانَ يغلب عَلَيْهِ الصمت الا اذا ذكر صحبته مَعَ السلاطين فَعِنْدَ ذَلِك يُورد الحكايات العحيبة واللطائف الغريبة فَسَأَلته يَوْمًا مَا كَانَ اعظم لذائذكم عِنْد السلاطين قَالَ مَا سالني عَن ذَلِك اُحْدُ الى الان وَإنَّهُ أَمر غَرِيب قَالَ سَافر السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فِي أَيَّام الشتَاء وَكَانَ ينزل ويبسط لَهُ بِسَاط صَغِير وَيجْلس عَلَيْهِ الى ان تضرب لَهُ الْخَيْمَة واذا أَرَادَ الْجُلُوس عَلَيْهِ يخرج وَاحِد من غلمانه الْخُف عَن رجلَيْهِ وَعند ذَلِك يسْتَند الى شخص معِين وَكَانَت عَادَته ذَلِك وَفِي يَوْم من الايام لم يحضر ذَلِك الشَّخْص فاستند الي وَهَذَا أعظم لذائذي فِي صُحْبَة السلاطين وَقَالَ خَالِي رَحمَه الله تَعَالَى شرعت عِنْده فِي قِرَاءَة الشَّرْح المطول وَكُنَّا نَقْرَأ عَلَيْهِ فِي يَوْم وَاحِد سطرا اَوْ سطرين وَمَعَ ذَلِك يَمْتَد الدَّرْس من الضحوة الى الْعَصْر وَلما مَضَت على ذَلِك سِتَّة اشهر قَالَ ان الَّذِي قرأتموه عَليّ الى الان يُقَال لَهُ قِرَاءَة الْكتاب وَبعد ذَلِك اقرؤا الْفَنّ قَالُوا وَبعد ذَلِك أقرأنا كل يَوْم ورقتين وأتممنا بَقِيَّة الْكتاب فِي سِتَّة اشهر قَالَ وَلما بلغنَا الى فن البديع كَانَ يذكر لكل صَنْعَة عدَّة
стр. 109
ابيات من الفارسية وَقُلْنَا لَهُ يَوْمًا مَا اكثر حفظكم للابيات قَالَ عَادَة الطّلبَة فِي بلادالعجم انهم يَجْتَمعُونَ بعد الْعَصْر فيتذاكرون الشّعْر الى الْمغرب وَالَّذِي قرأته من الابيات مَا حفظته فِي ذَلِك الزَّمَان قَالَ وَلما ارتحلت من بلادالعجم عددت فِي الطَّرِيق مَا حفظته من الْغَزل فَبلغ عشرَة الاف غزل وَمن انصافه ايضا ماحكاه خَالِي عَنهُ اعْترض يَوْمًا على كتاب التَّلْوِيح قَالَ وَقلت لَهُ هَذَا الاعترض لَيْسَ بِشَيْء اني فَكرت فِي منزلي واجبت عَنهُ قَالَ فَنَكس رَأسه وَظهر عَلَيْهِ سِيمَا الْغَضَب وَلم يتَكَلَّم اصلا الى آخر الدَّرْس فَلَمَّا قَامَ الشُّرَكَاء اشار الي بِالْجُلُوسِ فَجَلَست فَلَمَّا ذهب الشُّرَكَاء قَالَ السِّت بأستاذك قلت نعم وَقد كَانَ مَا كَانَ فاختر لي احدالامرين اما ان اذْهَبْ الى مدرس آخر اَوْ احضر الدَّرْس وَلَا أَتكَلّم ابدا قَالَ فَلَمَّا قلت هَذَا الْكَلَام حلف بِاللَّه تَعَالَى انه فعل مَا فعل لَا عَن سخط وَقَالَ قرر مَا ظهر لَك فِي مطالعتك من اللطائف واشتمني بأقبح مَا قدرت عَلَيْهِ وَحلف انه لَا يتكدر خاطره من ذَلِك اصلا وَمن لطائفه مَا حَكَاهُ الْمولى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى ان السُّلْطَان بايزيد خَان خرج الى بعض جبال قسطنطينية وَقت اشتداد الْحر وَكَانَت تِلْكَ الايام ايام رَمَضَان الْمُبَارك قَالَ فصلينا مَعَه الْعَصْر يَوْمًا وَجَلَسْنَا عِنْده الى الافطار حَتَّى صلينَا الْمغرب وافطرنا مَعَه فَلَمَّا قربت الشَّمْس من الْغُرُوب وَالْيَوْم يَوْم حر وَالْمولى الْمَذْكُور كَأَنَّهُ استبطأ الْغُرُوب وَقَالَ الشَّمْس ايضا لَا تقدر على الْحَرَكَة من شدَّة الْحر وَمن لطائفه ايضا مَا حَكَاهُ خَالِي عَنهُ انه كَانَ يسكن بعدعزله فِي جبل بروسه وَكَانَ يجلس هُنَا الْفُصُول الثَّلَاثَة من السّنة وَنزل الثَّلج عَلَيْهِ عدَّة مَرَّات فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ يَوْمًا للْقِرَاءَة فَرَأَيْنَا قد نزل عَلَيْهِ الثَّلج وعَلى كتبه وَفِي أثْنَاء الدَّرْس احْتَاجَ الى النّظر فِي كتاب فَأخذ ذَلِك الْكتاب بِيَدِهِ وَعَلِيهِ الثَّلج وَقَالَ مَا اشبه هَذَا بمحبوب ابيض اللَّوْن بَارِد الطَّبْع وَحكى خَالِي رَحمَه الله تَعَالَى عَنهُ انه قَالَ يَوْمًا مَا بَقِي من حوائجي الاثلاث الاولى ان اكون اول من يَمُوت فِي دَاري وَالثَّانيَِة ان لَا يَمْتَد بِي مرض وَالثَّالِثَة ان يخْتم لي بالايمان فالى خَالِي رَحمَه الله تَعَالَى قد كَانَ هُوَ اول من مَاتَ فِي الدَّار وَتَوَضَّأ يَوْمًا لِلظهْرِ ثمَّ مرض وَختم مَعَ اذان الْعَصْر قَالَ خَالِي استجيبت دَعوته فِي الاوليين
стр. 110
ظَنِّي انه اجيبت دَعوته فِي الثَّالِثَة ايضا توفّي رَحمَه الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي سنة ثَلَاث وَتِسْعمِائَة تَقْرِيبًا وَالْحق انه توفّي فِي احدى وَتِسْعمِائَة
وَمِنْهُم الْعَالم الْعَامِل والفاضل الْكَامِل الْمولى حسن جلبي ابْن مُحَمَّد شاه الفناري
كَانَ عَالما فَاضلا صَالحا قسم ايامه بَين الْعلم وَالْعِبَادَة وَكَانَ يلبس الثِّيَاب الخشنة وَلَا يركب دَابَّة للتواضع وَكَانَ يحب الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين ويعاشر مَشَايِخ الصُّوفِيَّة كَانَ مدرسا بِالْمَدْرَسَةِ الحلبية بأدرنه وَكَانَ ابْن عَمه الْمولى على الفناري الْمَذْكُور آنِفا قَاضِيا بالعسكر فِي أَيَّام السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فَدخل عَلَيْهِ وَقَالَ اسْتَأْذن من السُّلْطَان اني اريد ان اذْهَبْ الى مصر لقِرَاءَة كتاب مُغنِي اللبيب فِي النَّحْو على رجل مغربي سمعته بِمصْر يعرف ذَلِك الْكتاب غَايَة الْمعرفَة فعرضه على السُّلْطَان فَأذن وَقَالَ قداختل دماغ ذَلِك الْمرَائِي وَكَانَ السُّلْطَان مُحَمَّد خَان لَا يُحِبهُ لاجل انه صنف حَوَاشِيه على كتاب التَّلْوِيح باسم السُّلْطَان بايزيدخان فِي حَيَاة وَالِده ثمَّ انه دخل مصر وَكتب كتاب مُغنِي اللبيب بِتَمَامِهِ وقرأه على ذَلِك المغربي قِرَاءَة تَحْقِيق وتدقيق واتقان وَكتب ذَلِك المغربي بِخَطِّهِ على ظهر كِتَابه اجازه لَهُ فِي ذَلِك الْكتاب وقرا هُنَاكَ ايضا صَحِيح البُخَارِيّ على بعض تلامذة ابْن حجر وَحصل مِنْهُ لاجازة فِي رِوَايَة الحَدِيث عَنهُ ثمَّ انه حج وأتى بلادالروم وَأرْسل كتاب مُغنِي اللبيب الى السُّلْطَان مُحَمَّد خَان فَلَمَّا نظر فِيهِ زَالَ عَنهُ تكدر خاطره عَلَيْهِ فاعطاه مدرسة ازنيق ثمَّ اعطاه احدى الْمدَارِس الثمان وَكَانَ يسكن فِي حجرَة من حجرات الْمدرسَة وَكَانَ يلازم الْجَامِع فِي الاوقات الْخَمْسَة والعباء فِي ظَهره والشملة فِي رَأسه والتاج على رَأسه وَكَانَ يذهب بعد الدَّرْس الى مدرسة قَاضِي زَاده ويزوره وَفِي الْغَد يزوره قَاضِي زَاده ثمَّ عين لَهُ السُّلْطَان بايزيد خَان كل يَوْم ثَمَانِينَ درهما وَسكن ببروسه الى ان مَاتَ فِيهَا وَله حواش على الشَّرْح المطول للتلخيص وحواش على شرح المواقف للسَّيِّد الشريف وحواش على التَّلْوِيح للعلامة التَّفْتَازَانِيّ وَكلهَا مَقْبُولَة عندالعلماء تتداولها أَيدي الطّلبَة والمدرسين وَمن احواله الشَّرِيفَة مَا حَكَاهُ عَنهُ استاذي الْمولى محيي الدّين الشهير بسيدي جلبي وَقد
следующие страницы →