Полный текст (118 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الشعر. وهذا هو التفسير الصحيح في قوله: " غداة الأرنب " لا ما ذكره أبو علي ﵀ لأنه لا يعرف موضع يقال له أرنب ولا يحفظ البتة، وإنما هو يوم الأرنب، سمي بهذه الأرنب التي انتفجت لهم. ولا يصح إنشاده:
عجت نساء بني زُبيد ...
إذا نُسب إلى عمرو أصلاً؛ إلا أن يكون البيت للأسدي كما قال ابن حبيب، وعمرو أولى به، والأثبت أنه له؛ فلينشد:
عجت نساء بني زياد..
كما ذكرناه بدءاً.
* * * وفي " ص ١٢٦ س ١٢ " وأنشد أبو علي ﵀ لمرضاوي بن سعرة المهري في خبر ذكره شعراً منه:
فَسَمَتْ رجالُ بني أبِيهم بينهم ... جُرَعَ الرَّدَى بمَخَارِصٍ وقَوَاضِب
قال أبو علي ﵀ المخارص واحدها مخرص، وهو سكين كبير شبه المنجل يُقطع به الشجر. أيمدخل للمنجل مع القواضب وهي السيوف! وأي شجر هنا إلا قمم الرجال! وإنما المخارص هنا: الرماح، وهي الخرصان أيضا، واحد الخرصان خُرص وخِرص، وواحد المخارص مِخرض؛ قال حميد الأرقط:
يَعَضُّ منها الظَّلِفُ الدَّئِيَّا ... عَضَّ الثِّقَافِ المِخْرَصَ الخطِّيَّا
وقال امرؤ القيس في الخُرص:
أَحْزَنَ لو أَسْهلَ أَخْزَيتُه ... بعامِلٍ في خُرص ذابِلِ
يعني رمحا.
стр. 37
* * * وفي " ص ١٢٧ س ٦ " قال أبو علي ﵀: العرب تقول: " طلب الأبلق العقوق فلما فاته أراد بيض الانوق " فأتى به كلاماً منثوراً؛ وإنما يُحفظ للعرب بيتا موزونا. روى المدائني والهيثم بن عدي: أن رجلا أتى معاوية ﵁ وهو يخطب فقال: زوجني أُمك؛ فقال: الأمر لها وقد أبت أن تزوج؛ قال: فافرض لي ولقومي؛ فتمثل معاوية ﵁:
طَلَبَ الأبلَقَ العَقُوقَ فلمَّا ... لم يَنَلْهُ أرادَ بَيضَ الأَنْوقِ
ويُوضح لك أن المثل الذي أورده أبو علي ﵀ مُغيَّر من الموزون، قوله فيه: " أراد بيض الأنوق " لأن ضرورة الوزن حملت الشاعر أن يضع " أراد " مكان " طلب " ولولا ذلك لكان رجوع آخر الكلام على أوله أعدل لقسمته؛ ومع ذلك فإن الإرادة قد تكون مضمرة غير ظاهرة، والطلب لا يكون إلا ظاهراً بفعال أو مقال.
وفي " ص ١٢٧ س ١٢ " قال أبو علي ﵀: الدَّفر: يكون في النتن والطيب، وهو حدَّة الريح. والدَّفر بفتح الفاء: لا يكون إلا في النتن؛ الفتح والإسكان فيه لغتان، وأعلاهما الإسكان.
стр. 38
ومن ذلك قولهم للدنيا: " أم دفر " بالإسكان، لم يُسمع فيه الفتح؛ وكلام أبي علي ﵀ كلام من يعتقد أنه لا يقال إلا بالفتح.
* * * في " ص ١٣٠ س ٢١ " قال أبو علي ﵀ قال الأصمعي ﵀: من أمثالهم: " أينما أذهب ألق سعدا " قال: كان غاضب الأضبط بن قريع سعداً فجاور في غيرهم فآذوه. ذا خلاف ما ذكره العلماء: ابن الكلبي وأبو عبيد القاسم بن سلام - رحمهما الله - وغيرهما. قالوا: معنى هذا المثل: " أن سادات كل قوم يلقون من قومهم الذي هم دونهم في المنزلة مثل ما ألقى أنا من قومي من الحسد والمكروه " فهذا هو التفسير الصحيح، لأنَّ الأضبط كان سيد قومه ولم يلق من غيرهم مكروها.
* * * وفي " ص ١٣٥ س ١٤ " وأنشد أبو علي ﵀ لقيس بن ذريح قصيدة منها:
وما كادَ قَلْبِي بعدَ أيَّامَ جاوَزَتْ ... إليّ بأجراع الثُّدِيّ يَريِعُ
هكذا رواه أبو علي ﵀ الثُّدي بكسر الدال على وزن جمع ثدى، وهذا غير محفوظ ولا معلوم؛ وإنما هو الثُّديّ بفتح الدال وهو وادٍ بتهامة.
* * * وفي " ص ١٤٦ س ١٤ " أنشد أبو علي ﵀ لأبي صخر الهذلي قصيدة أولها:
لِلَيْلَى بذاتِ الْجَيْش دارٌ عرَفتُها ... وأخرى بذاتِ البين آياتُها سَطْرُ
كأنّهما مِ الآْنَ لم يتغيَّرا ... وقد مَرَّ للدارَين من بعدنا عَصْرُ
وقفتُ بربعيها فَعَيَّ جوابُها ... فكِدتُ وعَيني دَمْعُها سَرِبٌ هَمْرُ
ألا أيُّها الركبُ المُخِبُّونَ هل لكم ... بساكن أجْزَاعِ الحمَى بَعْدَنا خُبْرُ
стр. 39
هكذا رواه أبو علي ﵀: فكدت؛ وإنما صحة إنشاده وصوابه:
فقُلتَ وعَيْنِي دمعُها سَرِبٌ هَمْرُ
ألا أيها الركب........الخ.
ولا وجه لرواية أبي علي ﵀ إلا على بعد، وهو حذف الجواب؛ كأنه أراد فكدت أهلك أو نحو ذلك؛ ورواية الناس ما أنبأتك به. وفي الشعر المذكور:
خَلِيليَّ هل يَسْتَخبِر الرِّمثُ والغَضَا ... وطَلْح الكَدَا من بطن مَرَّان والسِّدُْ
قال أبو علي: كذا أنشدناه أبو بكر بن الأنباري - رحمهما الله - كذا بفتح الكاف وقال: هو اسم موضع. قال أبو علي ﵀ وأحسبه أراد كداء فقصره للضرورة. قال: وأنشدناه أبو بكر بن دريد: كُدى بضم الكاف، قال: وهو جمع كُدية. سها أبو علي ﵀ في متن البيت وسها في شرحه، لأنه أنشده: خليليّ هل يستخبر الرمث بفتح الياء لم يختلف عنه في ذلك، والرمث لا يستخبر؛ وإنما هو، هل يُستخبر الرِّمث بضم الياء وفتح الباء، وقال في شرحه: أظنه أراد كداء فقصره للضرورة، وهذا لا يجوز، لأن كداء معرفة لا تدخلها الألف واللام، وكداء هي عرفة بعينها. وكُديٌّ: جبل قريب من كداء؛ قال الشاعر:
أَقْفَرَتْ بعدَ عَبدِ شمسٍ كَدَاءُ ... فكُدَيٌّ فالرُّكنُ فالبطحاءُ
* * * وفي " ص ١٥٠ س ٣ " وأنشد أبو علي ﵀:
طِوَالُ الأيادِي والْحَوَادِي كأنّها ... سَمَاحِيجُ قُبٌّ طارَ عنها نُسَالُها
قال أبو علي ﵀ والحوادي: الأرجل التي تتلو الأيدي وتتلوها. لا أعلم أحداً رواه إلا طوال الأيادي والهوادي بالهاء، أي المقادم؛ ولولا أن أبا علي ﵀ فسّر الحوادي لقيل إنه وهمٌ من الناقل، لأنَّ الأيدي إذا طالت طالتْ الأرجل لا محالة، إلا ما يذكر من خلق الزرافة،
стр. 40
فإن رجليها أقصر من يديها. وخلق الأرنب على خلاف ذلك، رجلاها أطول من يديهل. وأما الهوادي فقد تكون قصاراً مع طول القوائم. والهوادي هي التي توصف بالطول؛ قال طفيل:
طِوَالُ الهَوادِي والمُتونُ صَلِيبَةٌ ... مَغَاوِيرُ فيها للأديب مُعَقَّبُ
وهذا الشاعر يصف خيلا شبهها في طولها وارتفاعها بإبل سماحيج، أي طوال طار عنها نسالها لسمنها. وهذا البيت حجة في جمع اليد العضو على أيادٍ؛ وكذلك بيت القحيف:
ومِن أَعجَبِ الدُّنيا إليَّ زُجاجَةٌ ... تَظَلُّ أيادِي المُنتَشِينَ بها فُتلاَ
* * * وفي " ص ١٥٠ س ٧ و ٨ " وأنشد أبو علي ﵀:
لو كنتَ من زَوْفَنَ أو بَنِيهَا ... قَبِيلةٍ قد عَظَّبَتْ أيدِيهَا
مُعَوِّدِينَ الحفرَ حَفَّارِيهَا ... لقد حَفَرْتَ نُبْثَةً تُرْوِيهَا
هكذا قرأه أبو علي ﵀ زوفن بالزاي؛ وإنما هو دوفن بالدال المهملة، وهو مشتقٌّ من الدَّفن؛ ذكر ذلك ابن دريد وابن ولاَّد - رحمهما الله - وغيرهما. ودوفن من ضبيعة بن ربيعة بن نزار، وهم رهط المتلمس الشاعر، ورهط الحارث بن عبد الله بن دوفن الأضجم سيد بني ضبيعة في الجاهلية، ولا نعرف في بطون العرب زوفن بالزاي، وهو تصحيف من ناقله لا شكّ فيه.
стр. 41
* * * وفي " ص ١٥٨ س ١٠ " وأنشد أبو علي ﵀ لمالك بن الريب المزني:
إذا مُتُّ فاعتامِي القبورَ فَسَلِّمي ... على الرَّيْم أُسقِيتِ السحابَ الغَوادِيَا
هذا وهم من أبو علي ﵀ ومالك مازني لا مزني. هو مالك بن الرَّيب بن حوط بن قرط من بني مازن بن مالك بن عمرو بن تميم بن مرّ بن أدّ بن طابخة. ومزينة هو ابن أد بن طابخة؛ منهم: زهير الشاعر، والنعمان بن مقرن، ومعقل بن يسار. وهذا البيت لمالك من قصيدة يرثي بها نفسه؛ وكان سعيد بن عثمان بن عفان ﵀ لما ولاه معاوية ﵁ خراسان قد استصحب مالك بن الرَّيب، وكان من أجمل العرب جمالا، وأبينهم بياناً، فمات هناك، فقال هذه القصيدة وهو يجود بنفسه؛ وصلة البيت منها:
فياليتَ شِعْرِي هل بَكتْ أُمُّ مالكٍ ... كما كنتُ لو عَالَوْا نَعِيَّكَ بِاكَيا
إذا مِتُّ فاعتامِي القُبورَ فسَلِّمِى ... على الرَّيْم أُسقِيتِ السَّحابَ الغوادِيَا
رَهِينَةَ أحجارٍ وتُرْبٍ تَضَمّتْ ... قَرَارَتُها منِّي العِظامَ البَوالِيَا
ويروى: إذا مت فاعتادي القبور. ويروى: وسلمي على الرمس. والريم: القبر.
* * * وفي " ص ١٥٨ س ٢٣ " وأنشد أبو علي ﵀ لكعب بن زهير:
ثَنَتْ أربعاً منها على ظهر أربع ... فهنّ بمَثْنِيَّاتِهِنَّ ثَمانِ
هذا البيت إنما هو لوداك بن ثميل لا لكعب بن زهير؛ من شعر ودّاك الذي يقول فيه:
مَقَادِيمُ وصَّالُون في الرَّوْع خَطوَهُم ... بكلّ رَقيق الشَّفْرَتين يَمانِ
إذا استُنجِدُوا لم يسألوا مَن دعاهم ... لأيَّةِ حرب أم بأيّ مكان
стр. 42
* * * وفي " ص ١٦٨ س ١٨ " وأنشد أبو علي ﵀ شعرا منه:
إذا أنتَ لن تَترُك طعاما تُحبُّه ... ولا مَقعداً تدعو إليه الولائدُ
تَجَلَّلْتَ عاراً لا يزال يَشُبُّه ... شبابُ الرجال نَقْرُهم والقصائدُ
كان صاعد بن الحسن يردّ هذه الرواية ويقول إنها تصحيف؛ وإنما هو:
تَجَلَّلْتَ عاراً لا يزال يَشُبُّه ... سبابُ الرجال نَثْرُه والقصائدُ
سباب بسين مهملة، يريد نثر السباب ونظمه. قيل: ولا وجه لتخصيص شباب الرجال هنا، لأن مسانّهم أعلم بالمناقب والمثالب، وأروى للممادح والمذام؛ وإنما ذكر النظم والنثر فقد حصر جميع الكلام وطابق بين الألفاظ؛ وما بال ذكر النقر مع القصائد. قال المُحتجّ لأبي علي ﵀: معنى النقر هنا: الغناء، وهو لا يكون إلا في الشعر؛ وأكثر ما يكون الغناء أيضا للشباب دون الكهول، وقيل: إن معنى النقر هنا: السب والعيب؛ ومن ذلك قول امرأة من العرب لزوجها: " مرَّ بي على بني نظري ولا تمر بي على بنات نقَّري " تقول: مرَّ بي على الرجال الذين يقنعون بالنظر دون السبّ، ولا تمر بي على العيَّابات السبَّابات. وقيل: بنات نقري هنا من التنقير؛ وهو البحث والتجسس عن الأخبار. ورواية صاعدٍ حسنة جليلة، وعن هذا التكلُّف غنيَّةٌ.
* * * وفي " ص ١٨٢ س ١٧ " قال أبو علي ﵀ عقبت الخوق، وهي حلقة القرط، وذلك أن يشدَّ بالعقب إذا خشوا أن يزيغ؛ وأنشد:
كأنّ خَوْقَ قُرْطِها المَعْقُوبِ ... على دَبَاةٍ أو على يَعْسُوب
стр. 43
إنما المعقوب هنا الذي فيه العقاب، وهو الخيط الذي يشد في طرف حلقة القرط ثم يُشد في حلقة الآخر لئلا يسقط أحدهما؛ هذا هو التفسير الصحيح لا ما ذكره أبو علي ﵀ لأن قرطاً يُشدّ بعقب ينبغي أن يكون من خشب. وهذا الرجز لسيار الأناني يقوله في امرأته؛ وأوله:
أعارَ عندَ السِّنِّ والمَشِيبِ ... ما شئتَ من شَمَرْدَلٍ نَجيبِ
أعارَهُم من سَلْفعٍ صَخُوبِ ... يابِسَةَ الظُّنبُوب والكُعُوب
كأنّ خَوْقَ قُرْطِها المَعْقُوبِ ... على دَبَاةٍ أو عَلَى يَعْسُوبِ
تَشْتُمِني في أنْ أقولَ تُوبِي
قوله: أعار، يعني الله رزقه عند كبره أولاداً جساما نجباء. والشمردل: الطويل الحسن الجسم؛ يقول: هؤلاء الأولاد من امرأة سلفع، وهي الصخّابة البذَّية. وقوله: على دباةٍ، يعني قصر عنقها، وصفها بالوقص. والدَّبى: صغار الجراد.
* * * وفي " ص ١٨٥ س ٢ و ٣ " وأنشد أبو علي لمعدان بن مضرب الكندي:
إن كان ما بُلِّغْتَ عَنِّي فلامَني ... صَدِيقي وشَلَّتْ من يَدَيَّ الأناملُ
وكَفَّنْتُ وَحْدِي مُنْذِراً بردائه ... وصادَفَ حَوْطاً من أَعَادِيَّ قاتِلُ
وهذا الشعر لمعدان بن جواس بن فروة السكوني ثم الكندي بلا اختلاف، ولا يُعلم شاعر اسمه معدان بن مضرب، إنما هو حجية بن المضرب، وهو أيضا سكوني، وابن ابن أخيه شاعر أيضا:
стр. 44
جوَّاس بن سلمة بن المنذر بن المضرِّب، وهذا مما التبس حفظه على أبي علي ﵀ وقوله: وكفَّنت وحدي، أي بكوني غريبا لا اجدُ معينا. ومنذر ابنه، وحوط أخوه. وقوله: بردائه، أي لا يجد سواه، وهذا يحقق الغربة. وشبيه بهذا قول امرئ القيس:
فإمّا تَرَيْنِي في رِحالَةِ جَابرٍ ... على حَرَجٍ كالقَرِّ تَخفِقُ أكفانِي
يريد ثيابه التي أيقن أنه سيُكفن فيها حين سُمَّ وليس يجد سواها؛ وإنما قال: من أعاديّ، ولم يقل: من أعاديه، لتكون الفجيعة أعظم، والمصيبة أكثر.
* * * وفي " ص ١٨٥ س ٥ و ٦ " وأنشد أبو علي ﵀ لأعرابي:
وفي الجِيرَة الغَادِينَ مِنْ بَطْن وَجْرَةٍ ... غَزَالٌ أَحَمُّ المُقْلتَيْن رَبِيبُ
فلا تَحْسَبِي أنّ الغريبَ الذي نَأَى ... ولكنَّ مَنْ تَنْأَيْنَ عنه غَرِيبُ
هذا مما قدمناه أن أبا علي ﵀ إذا جهل قائل الشعر نسبه إلى أعرابي. وهذا الشعر لشاعر إسلامي حضريً مدنيً، غُذي بماء العقيق لم يدخل بادية قط، وهو الأحوص بن محمد الأنصاري ﵁ وكذلك الشعر الذي أنشد بعده لأعرابي وهو:
هَجرتُكِ أيَّاماً بذِي الغَمْرِ إنَّنِي ... على هَجْرِ أيَّام بذِي الغَمْرِ نادِمُ
وإنّي وذاكِ الهَجْرَ لو تَعْلَمِيَنُه ... كعازِبَةٍ عن طِفلها وهْيَ رائمُ
يروى للأحوص أيضا.
* * * وفي " ص ١٨٥ س ١٧ " قال أبو علي ﵀: اجتمع خمس جوارٍ من العرب فقلن: هلممن فلننعت خيل آبائنا؛ وذكر حديثهنّ إلى قول إحداهنّ: جريها انثرار، وتقريبها انكدار؛ وفسره
стр. 45
فقال: انثرار كأنه انفعال من ينثره نثراً. وهذا وهم بيِّن! وأين علم أبي علي ﵀ بالتصاريف ونون انفعال زائدة؛ وإنما انثرار من الثرّ، وهو الغزير الكثير؛ ومنه قولهم: " عين ثرة " ويحتمل أن يكون افعلالاً من نثر إن كان مسموعاً.
* * * وفي " ص ١٩٣ س ١٧ و ١٨ " وأنشد أبو علي ﵀ للبعيث:
ألا طَرَقَتْ لَيْلَى الرِّفَاقَ بغَمْرَةٍ ... ومِنْ دُون لَيْلَى يَذْبُلٌ فالقَعَاقِعُ
على حِينَ ضَمَّ الليلُ من كل جانبٍ ... جَنَاحَيْه وَانْصَبَّ النجومُ الخَوَاضِعُ
في أبيات أنشدها.
خلَّط أبو علي ﵀ في البيت الأول فأتى به من بيتين؛ وصحَّة إنشاده وموضوعه:
ألا طَرَقَتْ لَيْلَى الرِّفَاقَ بغَمْرَةٍ ... وقد بَهَرَ الليلَ النُّجُومُ الطوالعُ
وأَنَّي اهْتَدَيتْ لَيْلَى لعُوجٍ مُنَاخَهٍ ... ومِنْ دُون لَيْلَى يَذْبُلٌ فالقَعَاقِعُ
وقد وهم أيضا في البيت الثاني فأنشده: " وانصبَّ النجوم الخواضع " وإنما هو: "..وانصب النجوم الطوالع " ويروى: " وانقضَّ النجوم الطوالع " ولا يستقيم أن يكون: " ... وانصبّ النجوم الخواضع " لأن الخواضع هي المُنْصَبّةُ، فكيف يستقيم أن يقول: وانصب النجم المنصبُّ. والخاضع: المطأطئ رأسه الخافض له؛ وكذلك فُسِّر في التنزيل. وإنما يريد الشاعر أن الليل قد أدبر، وانقضَّ للغروب ما كان طالعاً في أوله؛ ألا ترى قوله: " عل حين ضمَّ الليل من كل جانب جناحيه..الخ، أي كف ظلمته وضم منتشرها مدبراً؛ وأيضاً فإن الذي يلي هذا البيت من القصيدة قوله:
بَكَى صاحِبي من حاجةٍ عَرَضَتْ لَهُ ... وهُنَّ بأَعْلَى ذي سُدَيْر خَواضِعُ
стр. 46
فلو كان الذي قبله كما أنشده أبو علي ﵀ لكان هذا من الإيطاء على أحد القولين. ومعنى خواضع في هذا البيت: ذُقن، والذَّقون: التي تهوى برأسها إلى الأرض تخفضه وتسرع في سيرها. وغمرة: فصل نجدٍ من تهامة من طريق الكوفة. ويذبل: جبل لباهلة؛ وكذلك القعاقع جبال لهم.
* * * وفي " ص ١٩٤ س ٢ " وأنشد أبو علي لابن الطثرية شعراً أوله:
عُقَيْلِيَّةُ أمّا مَلاَثُ إزَارِهَا ... فَدِعْصٌ وأمّا خَصْرُها فَبَتِيلُ
إنما هذا الشعر للعباس بن قطن الهلالي لا لابن الطثرية. كذلك قال دعبل وأبو بكر الصُّولي، ولم يقع هذا الشعر في ديوان ابن الطثرية؛ وقد جمعت منه كلَّ رواية: رواية أبي حاتم عن الأصمعي، ورواية الطوسي عن ابن الأعرابي، وأبي عمرو الشيباني ﵏ وفيه:
فما كلَّ يومٍ بأرضكِ حاجةٌ ... ولا كلَّ يومٍ لي إليكِ رسول
هكذا رواه أبو علي ﵀ وإنما هو: " ولا كل يوم لي إليك وصول " كذلك رواه الجماعة وهو الصحيح، لأن الذي يلي هذا البيت قوله:
إذا لم يكُن بيني وبَيْنَكِ مُرْسَلٌ ... فرِيحُ الصَّبَا مِنِّي إليكِ رَسُولُ
وهو آخر الشعر في رواية الرياشي؛ وزاد فيه ابن عبد الصمد الكوفي من سماعاته:
أيا قُرَّةَ العَيْن التي ليتَ أنّها ... لنا بجميع الصالحاتِ بَدِيلُ
سَلِي هل أَحلَّ اللهُ مِنْ قَتْلِ مُسلمٍ ... بغير دَمٍ هل عليّ قَتِيلُ
فأُقِسمُ لو مُلَّكْتُكِ الدهرَ كلَّهُ ... لَمُتُّ ولمّا يُشفَ منكِ عَلِيلُ
стр. 47
* * * وفي " ص ١٩٥ س ٢٠ " قال أبو علي: حدثنا أبو بكر أخبرنا أبو حاتم عن العتبي ﵏ قال: قال رجل لعبد الملك بن مروان: يا أمير المؤمنين، هززت ذوائب الرِّحال إليك، ولم أجد معولا إلا عليك؛ أمتطى الليل بالنهار، وأقطع المجاهل بالآثار؛ يقودني نحوك رجاء، ويسوءني إليك بلوى؛ والنفس راغبة، والاجتهاد عاذر؛ وإذا بلغتك فقدي. قال: أُحطط عن راحلتك، فقد بلغت. الصحيح أن المخاطب بهذا معاوية بن أبي سفيان، والمتكلم به عبد العزيز بن زرارة الكلابي. كذلك روى أبو حاتم في نوادره عن العتبي؛ ومن هذه الطريق رواه أبو علي؛ وزاد أبو حاتم بعد هذا الخبر: فقال عبد العزيز بن زرارة:
دَخَلتُ على مُعاويةَ بنِ حَرْبٍ ... وذلك إذ يَئِستُ من الدُّخولِ
وما نلتُ الدخولَ عليه حتّى ... حلَلتُ مَحلَّهَ الرجُلِ الذليلِ
وأغضَيتُ الجُفونَ على قَذاها ... ولم أسمَعْ إلى قَالٍ وقِيلِ
فأدركتُ الذي أمَّلتُ منه ... بمُكثٍ والْخَطاءُ مع العَجُولِ
ولو أنِّي عَجِلتُ سَفِهتُ رأيِي ... فلم أكُ بالعَجُولِ ولا الْجَهُولِ
هكذا انشده: " دخلت على معاوية بن حربٍ " نسبه إلى جده ولو قال: " دخلت على معاوية بن صخر " لكان أحسن، وهو اسم أبي سفيان. وقوله: وإذا بلغتك فقدي، أي حسبي؛ وقد تزاد فيه النون وقاية لآخر الحرف؛ قال حميد الأرقط:
قَدْنِي مِنْ نَصْرِ الْخُبَيْبَيْنِ قَدِى
فاتى باللغتين. وتأتي قط بمعنى حسب وكفى؛ تقول: قطّ عبد الله درهم. وقطك درهم، وقطني درهم؛ قال الراجز:
стр. 48
اِمتلأَ الْحَوضُ وقال قَطْنِي ... مَهْلاً رُوَيْداً قد مَلأتَ بَطْنِي
وقال الخليل ﵀: قال أهل البصرة: الصواب فيه الخفض، على معنى، حسب عبد الله، قط عبد الله درهم. وهي هنا مخففة لا تثقَّل، فأما في الزمان والعدد فلا تكون إلا مثقَّلةً.
* * * وفي " ص ١٩٦ س ١٩ " قال أبو علي ﵀: قيل لابنة الخسِّ: ما أحدُّ شيء؟ قال: ضرس جائع، تقذف في معي جائع..الخ. المحفوظ عن اللحياني وغيره أنها قالت: ضرس قاطع، يقذف في معي جائع؛ هذا هو الصحيح. والذي رواه أبو علي مردود من وجوه: منها أن الجوع لا يُنسب إلى الضرس، وإن سومح في هذا على المجاز، فقد يكون جائعاً ولا يكون قاطعاً وأيضاً فإن صفة المعي بالجوع يغني عن صفة الضرس بالجوع، إذ لا يجوز أن يكون أحدهما شبعان والآخر غرثان. ومع هذا فإن تكرير اللفظ بمعنى واحدٍ من العيِّ الذي سمعت به لا سيما في سجع المسجوع. وكانت هند أفصح من ذلك، وهي هند بنت الخس بن حابس بن قريط الإيادية. يقال: الخُسُّ والخصُّ بالسين والصاد. والخُسف بالفاء بعد السين.
* * * وفي " ص ١٩٩ س ١٣ " وأنشد أبو علي ﵀:
على كُلِّ هَتَّافةِ المِذْرَوَيْنِ صَفْرَاءَ مُضْجَعَةٍ في الشِّمالِ
البيت لأمية بن أبي عائذٍ يصف رامياً، وقبله:
تُرَاحُ يداهُ بمَحْشُورَةٍ ... خَوَاظِي القِدَاحِ عِجَافِ النِّضَالِ
стр. 49
كَخشْرَمِ دَبْرٍ له أَزْمَلٌ ... أو الجَمْرِ حُشَّ بصُلْبٍ جُزَالِ
على عَجْسِ هَتَّافَةِ المِذْرَوَيْنِ زَوْرَاءَ مُضجَعَةٍ في الشِّمَال
هكذا رواه الأصمعي والسكري - رحمهما الله - وغيرهما: " على عجس هتافة المذروين " فأما إنشاد أبي علي ﵀: " على كل هتافة المذروين " فلا وجه له، لأن يديه إنما ترمي بهذه السهام الموصوفة على قوس واحدةٍ. لا على كل قوسٍ هتافة. قال الأصمعي ﵀: يقال: يداه تراحان إلى المعروف فجاء به على هذا. وخواظ: ممتلئة ليست بدقاق. والخشرم: جماعة النحل والدبر. وحُشّ: أُقد. والعرب تُشبه متابعة الرمي عند استشرائه واحتدامه بتسعر اللهب واضطرامه، فتقول: ضرب هبر، وطعن نتر، ورمى سعر؛ قال كعب بن مالك في تشبيه الضرب بذلك:
من سَرَّهُ ضَرْبٌ يُرَعْبِل بعضُه ... بَعْضاً كَمعْمَعة الأباءِ المُحْرَق
* * * وفي " ص ٢٠٠ س ٢٣ " وأنشد أبو علي ﵀ لابن الدمينة شعراً أوله:
ألا لا أَرَى وادِي المياه يُثِيبُ ... ولا النفْسُ عن وادي المياه تَطِيبُ
هذا الشعر لمالك بن الصمصامة بن سعد بن مالك أحد بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة، وهو شاعر بدوي إسلامي مُقلٌّ، وكان فارساً جواداً جميل الوجه يهوى جنوب بنت
стр. 50
محصن الجعدية. وكان أخوها الإصبغ بن محصن من فرسان العرب وأهل النجدة فيهم، فنُمي إليه فبذٌ من خبر مالك، فآلى يميناً جزماً لئن بلغه أنه عرض لأخته أوزارها ليقتلنه، فبلغ ذلك مالكاً فقال هذا الشعر. هكذا روى المدائني وأبو عمرو الشيباني وغيرهما.
* * * وفي " ص ٢٠٣ س ٢٤ " وأنشد أبو علي للعجاج في لذم إذا لزمه:
يَقْتَسِر الأقوامَ بالتغَمُّم ... قَسْرَ عزِيزٍ بأَكاَل مِلْذَمِ
هكذا روي عنه بالتغمم بالغين لم يختلف في ذلك عنه، وهو وهم؛ وإنما هو بالتقمم بالقاف، أي بالركوب والأعتلاء؛ كذلك رواه أبو حاتم وعبد الرحمن عن الأصمعي ﵏ وفسراه بما ذكرته وهو لا يصح سواه؛ وصلة الشطرين:
إذا بَذَخَتْ أركان عِزًّ فَدْغَمَ ... ذو شُرُفَاتٍ دَوْ سَرىًّ مِرْجَمِ
يقْتَسِرُ الأقرانَ بالتقَمُّمِ ... قَسْرَ عَزِيزٍ بالا كاَلِ مِلْذَمِ
إنْ أَحْجَمَتْ أقرانُهُ لم يُحْجِمِ ... ولم يَرُضْهُ رائضٌ بِمِخْطَمِ
بذخت: ارتفعت. والباذخ: الجبل المرتفع. وفدعم: ضخم. ودو سرى: مثله. ومرجم: شديد الرجم، والأقران جمع قرن؛ وهذه أحسن من رواية أبي على - رحمة الله - يقتسر الأقوام، لأن الأقوام قد يقع على المسالم والمحارب والمخالف والمؤالف. والأقران إنما يكونون في الحرب وما أشبهها من المنافرات وطلب الطوائل، واحدهم قرن، فإذا قلت: فلان قرن فلان بفتح القاف، فإنما تريد أنه على سنة. وإلا كال: الحظ والنصيب، ويقال: فلان ذو أكل، أي ذو حظ من الدنيا.
* * * وفي (ص ٢٠٤ س ٢) وأنشد أبو علي - رحمة الله - لأوس بن حجر:
فما زَالَ حتّى نالَها وهو مُعْصِمٌ ... على مَوْطِنٍ لو زَال عنها تَفَصَّلا
стр. 51
هكذا أورده أبو على ﵀ لو زال عنها؛ والصواب: لو زل عنه، أي عن الموطن وهو الموضع الذي صار إليه؛ لا يجوز غير ذلك. وهذا الشاعر ذكر رجلاً توصَّل إلى عود قوس في شاهق؛ وقبل البيت:
ومَبضُوعَةٍ في رأس نِيقٍ شَظِيَّة ... بِطَوْدٍ تَرَاهُ بالسَّحاب مُكَلَّلاَ
فُوَيْق جُبَيلٍ شامِخ الرأس لم تكن ... لتَبلُغَه حتى تَكِلّ وتُعْمِلاَ
فأشرَطَ فيه نفسَهُ وهو مُعْصِمٌ ... وأَلقَى بأسبابٍ له وتَوَكَّلاَ
وقد أَكلتْ أظفارَهُ الصَّخْرُ كُلّما ... تَعَايَا عليه طُولُ مَرْقىً تَوَصَّلاَ
فما زَالَ حتَّى نالَها وهو مُعْصِمٌ ... على مَوطِنٍ أو زَلَّ عنه تَفَصَّلاَ
قوله: فويق جبيل، صغره لأنه قلّ عرضه ودقَّ، فهو أشد لتوقله. وأشرط فيها نفسه: جعلها علماً للهلاك. وأشراط الساعات: علاماتها؛ وسمي الشُّرط شُرطاً لأن لهم علامات يعرفون بها. وقوله:
وقد أكلت أظفاره الصخر
أنَّث. والتذكير في الصخر أعرف.
* * * وفي " ص ٢٠٤ س ١٥ " وأنشد أبو علي ﵀:
فَتىً لا يَعُدُّ الرِّسْل يَقْضِي مَذمَّةً ... إذا نَزَل الأضيافُ أو يَنْحَر الْجُزْرا
هذا سهو منه؛ وإنما هو أن تنحر الجزر؛ والقوافي مرفوعة؛ وقبله:
فَتًى إن هو استغنى تخرَّق في الغنى ... وإن قلَّ مالا لو يَؤُدْ مَتْنَهُ الفَقْرُ
стр. 52
فتى لا يعد المال ربا ولا ترى ... له جفوة إن نال مالا ولا كبر
فَتىً لا يَعُدُّ الرِّسْل يَقْضِي ذِمَامَهُ ... إذا نَزَل الأضيافُ أو تُنْحَر الْجُزْرُ
والشعر للأبيرد اليربوعي يرثي أخاه بريدا، وهو الأبيرد بن المعذر بن عمرو من بني رياح بن يربوع بن مالك بم حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم، شاعر إسلامي في أول الدولة الأموية.
* * * وفي " ص ٢٠٧ س ٣ و ٤ " قال أبو علي: وكان ابن دريد يستحسن قول أبي نواس:
لا جَزَى اللهُ دَمْعَ عَينيَّ خيراً ... وجَزَى اللهُ كلَّ خيرٍ لساني
نَمَّ دمعي فليس يكتُم سِراًّ ... ووجدتُ اللسانَ ذا كتمان
وهذا الشعر للعباس بن الأحنف بلا اختلاف، لا لأبي نواس، وهو ثابت في ديوان ابن الأحنف.
* * * وفي " ص ٢١٤ س ١٦ و ١٧ " وأنشد أبو علي لجميل - رحمهما الله -:
ولمّا بدا لي منكِ مَيْلٌ مع العِدَى ... سِوَايَ ولم يَحْدُثْ سواكِ بَدِيلُ
صَدَدْتُ كما صَدَّ الرَّمِيُّ تطاولت ... به مُدَّةُ الأيامِ وَهْوَ قَتِيلُ
هكذا أنشده أبو علي ﵀ وأنشده أبو تمام ﵀ وغيره:
ولمّا بدا لي منكِ مَيْلٌ مع العدى ... عَليَّ.............الخ
وهو الصحيح، ولا وجه لإنشاد أبي علي إلا أن يكون قوله: سواي بمعنى قصدي، وهذا تكلُّفٌ وعبارة بعيدة. أنشد اللغويون في سوى بمعنى قصد:
стр. 53
فَلأَصْرِفَنَّ سِوَى حُذَيفةَ مِدْحَتِي ... لِفَتَى العَشِيِّ وفارِس الأَجرافِ
وأنا أشهد أن قائل هذا البيت إنما قال:
فلأَصرِفَنَّ إلى حُذيفةَ مِدْحَتِي
و" سوى حذيفة " موضوع؛ وأنشدا أيضا:
لو تَمَنَّتْ حَبِيبَتي ما عَدَتْنِي ... أو تمَّنيتُ ما عَدَوْتُ سِوَاهَا
أي قصدها، وأنا أقول: إنَّ سوى في هذا البيت هي التي بمعنى غير ليس إلا.
* * * وفي " ص ٢١٥ س ١٠ " وأنشد أبو علي ﵀ لأبي الشيص:
وَقَفَ الهَوَى بِيَ حَيْثُ أَنْتِ فليس لي ... مُتَأَخَّر عنه ولا مُتَقَدَّمُ
ليس هذا الشعر في ديوان أبي الشيص، ولا رواه أحد عنه كما روى عن غيره؛ قال أبو الفرج علي بن الحسين: حدثني اليزيدي قال حدثني محمد بن الحسن الزرقي قال حدثني عبد الله بن شبيب قال: أنشدني علي بن عبد الله بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵃ لنفسه، وكان شاعراً غزِلا:
وَقَفَ الهَوَى بي حَيْثُ أنتِ فليس لي ... مُتَأَخَّرٌ عنه ولا مُتَقَدَّمٌ
الأبيات إلى آخرها.
стр. 54
* * * وفي " ص ٢١٥ س ٢٣ " وأنشد أبو علي ﵀:
ولو نظَرُوا بين الْجَوَانِح والْحَشَا ... رَأَوْا من كتاب الْحُبِّ في كَبدِي سَطْرَا
ولو جَرَّبوا ما قد لَقِيتُ من الهوى ... إذاً عَذَرُوني أو جعلتُ لهم عُذْرَا
صَدَدْتُ وما بي من صُدُودٍ ولا قِلًى ... أَزُورُكُمُ يوما وأَهْجُرُكمْ شَهْراً
أسقط أبو علي ﵀ من هذا الشعر البيت الذي يقوم به معنى البيت الأخير، لأنه جواب له ولا فائدة له إلا بذكره، وهو:
ولمّا رأيتُ الكاشحين تَتَبَّعُوا ... هَوَانَا وأَبْدَوْا دُونَنا نظراً شَزْرَا
جَعلتُ وما بِي من صُدُودٍ ولا قِلًى ... أَزُورُكُمُ يوماً وأَهْجُرُكُم شَهْراً
ويروى: وأهجركم عشرا؛ ولولا هذا البيت المسقط لكان البيت الذي أنشده لغواً ومنقطعاً مما قبله كأنه ليس من الشعر.
* * * وفي " ص ٢١٧ س ٢ " وأنشد أبو علي لأوس بن حجر:
وأَبْيَضَ صُولِيًّا كأنَّ غِرَارَه ... تأَكُّلُ بَرْقٍ في حَبِىًّ تَأَكَّلاَ
خلط أبو علي ﵀ في هذا البيت فمزجه من ثلاثة أبيات على ما أنا مورده؛ قال أوس:
وإنّي امرؤ أَعْدَدتُ للحرب بعدما ... رأيتُ لها ناباً من الشرّ أَعْصَلاَ
أَصَمَّ رُدَيْنِيًّا كأنَّ كُعُوبَهُ ... نَوَى القَسْبِ عرَّاضاً مُزَجًّا مُنَصَّلاَ
وأمْلَسَ صُولِيًّا كنهي قَرارَةٍ ... أَحَسَّ بقَاعٍ نَفْحَ رِيح فَأَجْفَلاَ
стр. 55
وأَبْيَصَ هندِياًّ كأنَّ غِرَارَةُ ... تَلأُلؤُ بَرْقٍ في حَبِيٍّ تَكَلَّلاَ
إذا سُلَّ مِن جَفْنٍ تَأَكَّلَ أَثْرُهُ ... على مِثْلِ مِصْحَاةِ اللُّجَيْنِ تَأَكَّلاَ
فوضع أبو علي ﵀ مكان: وأبيض صولياًّ، وأبيض هنديًّا. والصولي من نعت الدرع، لا من نعت السيف، منسوبة إلى صول: رجل أعجمي يُحسن سردها، أو إلى صول: الموضع المعروف؛ ووضع مكان في حبي تكللا، تأكلا؛ فأتى به من قوله في البيت الآخر:
...........تَأَكَّلَ أَثْرُهُ ... على مِثل مِصْحَّاةِ اللُّجَيْن تَأَكَّلاَ
والتأكل لا يكون في صفة البرق، إنما هو في صفة فرند السيف. والتكلل والانكلال في صفة البرق وهو كالابتسام. والمصحاة: إناء يُشرب به، مُشتق من الصحو تفاؤلا له بذلك.
* * * وفي " ص ٢١٩ س ١٨ " قال أبو علي ﵀: دخل رجل من الأعراب على رجل من أهل الحضر، فقال له الحضري: هل لك أن أعلمك سورة من كتاب الله تعالى؟ فقال: إني أُحسن من كتاب الله ما إن ملت به كفائي؛ قال: وما تُحسن؟ قال: أُحسن سوراً؛ قال: اقرأ فاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد، وإنا إعطيناك الكوثر؛ فقال له الرجل: اقرأ السورتين، يريد المعوذتين، قال: قدم علي ابن عم لي فوهبتهما له، ولست براجع في هبتي حتى ألقى الله.
هذا تصحيف، وإنما قال الأعرابي حين سأله الحضري فقال: وما تُحسن؟ قال: خمس سور " أُحسن سوراً " ولو لم يتقدم منه توقيت لما طالبه الحضري بقراءة السورتين، فإنه قد كان قرأ له سوراً. وهذا مما وقِّف عليه أبو علي فأبى إلا التزام روايته.
стр. 56
* * * وفي " ص ٢٢٤ س٤ " وأنشد أبو علي ﵀ لابن الرومي:
وفاحِمٍ وارِدٍ يُقَبِّل مَمْ ... شاه إذا اختال مُرْسِلاً عُذَرَهْ
أَقْبَلَ كالليل من مَفَارقه ... مُنْحَدَراً لا يذُمُّ مُنْحَدِرَهْ
حَتَّى تَنَاهَى إلى مَوَاطِئه ... يَلْثَمُ من كلّ مَوْطئٍ عَفَرَهْ
كأنّه عاشقٌ دنا شَغَفاً ... حتّى قَضَى من حبيبه وَطَرَهْ
هكذا أنشده أبو علي ﵀ مرسلاً عذره بالعين المهملة والذال المعجمة، وهي شعرات ما بين القفا إلى وسط العتق، واحدتها عذرة؛ وإنما هو: مرسلاً غدره بالغين المعجمة والدال المهملة جمع غدره، وهي الغديرة أيضا وجمعها غدائر، وهي القرون من الشعر وكل ما ضُفر منه؛ ألا تراه يقول: " أقبل كالليل من مفارقه " وأين شعرات القفا من المفارق؟ وأنشد أبو علي ﵀ في البيت الثاني: " منحدراً لا يذمّ منحدره " يذم بالياء وهو لا يذمّ ولا يحمد؛ وإنما هو " لا ندم منحدره " بالنون، أي انحداره. والوارد من الشعر: الذي يرد الكفل وما تحته. وأخذ ابن مطران معنى هذا الشعر وزاد عليه فقال:
ظِباءٌ أعارتَها المَهَا حُسْن مَشيِها ... كما قد أعارَتها العُيونَ الجَآذِرُ
فمن حُسن ذاك المشي جاءت فقبَّلْت ... مواطِئَ من أقدامهنّ الغدائرُ
стр. 57
* * * وفي " ص ٢٢٥ س ١٦ " وأنشد أبو علي ﵀ لبشار أبياتا منها:
مَنَّيْتِنَا زَوْرةً في النوم واحدةً ... ثَنِّى ولا تَجْعَلِيها بَيْضَهَ الدِّيك
والمحفوظ في هذا البيت:
قد زُرْتِنَا زَوْوَرَةً في النوم واحدةً
ويروى: في الدهر واحدة؛ وعلى هذا يصح معنى البيت، لأنه أثبت زورة واحدة وسأل أن تُثنى. وعلى رواية أبي علي ﵀ إنما منَّته في النوم زورة لم تف بها، فكيف يسألها أن تُثنِّي ما لم يتقدَّم له إفراد، إلا إن كان يريد أن تُمنيِّيه مره أخرى، وهذا لا يُتمعني.
وفي " ص ٢٣٠ س ١ " وأنشد أبو علي ﵀ للمرار الفقعسي:
لا يَشتَرُون بهجعةٍ هَجَعوا بها ... ودواءِ أَعْيُنِهم خُلُوَد الأَوجَسِ
هذا وهم من أبي علي ﵀ والشعر للمرار بن منقذ العدوي، لا للمرار بن سعيد الفقعسي؛ كما ذكر من قصيدة معلومة يتّصل بالبيت منها قوله:
فَتَناوَمُوا شيئا وقالوا عَرِّسَوا ... في غير تَنْئِمة بغير مُعَرَّسِ
فكأنَّ أَرحُلَنا بواد مُعشِبِ ... بلوَى عُنَيْزَةَ من مُغِيض التُّرْمُسِ
في حَيثُ خالطت الخُزامَي عَرْفَجَا ... يأتيكَ قابِسُ أهلِهِ لم يَقْبِسِ
لا يشترُون بهجعة هَجَعُوا بها ... ودواءِ أعينِهم خُلُودَ الاوْجَسِ
فرَفعْتُ رأسي للرَّحِيلِ ولا أرى ... كاليوم مُصْبَحَ مَوْرِدٍ مُتَغَلِّسِ
قوله: تنئمة، أي لم يرفعوا بذلك أصواتهم ولكن إشارة أشار بعضهم إلى بعض. بغير معرس، أي لم يكن موضع تعريس؛ ولكنا لما وجدنا لذة النوم فكأنا في روض هذه صفته. وقوله:
стр. 58
يأتيكَ قابسُ أهلِهِ لم يَقْبِسِ
وصف خصب الوادي ولدونة العيدان ورطوبة الورق.
وقوله: ولا أرى مصبح موردٍ، أي موضع ورود يصبحونه أثقل عليهم لشدة نعاسهم.
* * * وفي " ص ٢٣٣ س ٣ " وأنشد أبو علي لنصيب:
تُقِيُمهُ تارةً وتُقْعِدُه ... كما يُفَانِي الشَّمْوسَ قائدُها
البيت للكميت بن زيد في أشهر قصائده لا لنصيب. وأولها:
هل ذائدٌ للهُمُوم ذائدُها ... عن ساهرٍ لَيلةً يُسَاهِدُها
بات لها راعياً تُقَارِطُه ... أَوْرَادُ هَمٍّ شتَّى مَوَارِدُها
أَهْوَنُ منها ذِيادُ خامسةٍ ... في الوِرْدِ أو فَيْلَقٌ يُجَالِدُها
تُقِيُمهُ تارةً وتُقْعِدُه ... كما يُفَانِي الشَّمُوسَ قائدُها
يقول أهون على الذائد الذي استذاده لهمومه ذياد ناقة عن الماء قد وردته بعد خمس أو كتيبة يضاربها وهي الفيلق، يقال: كتيبة فيلق: إذا كانت كثيرة السلاح؛ قال الأعشى:
في فَيْلَقٍ شَهْبَاء مَلْمُومَةٍ ... تَقْذِفُ بالدارِع والحاسِرِ
وقوله: تقيمه تارة وتقعده، يعني الهموم المذكورة في أول الشعر.
* * * وفي " ص٢٣٧ س ٥ " وأنشد أبو علي للعرندس الكلابي يمدح بني عمرو الغنويين - قال: وكان الأصمعي ﵀ يقول: هذا المحال، كلابي يمدح غنويًّا! -:
هينون لينون أيسار ذوو كرم ... سواس مكرمة أبناء أيسار
إن يُسْأَلُوا الخيرَ يُعْطُوه وإن خُبِروا ... في الجَهْد أُدْرِك منهم طِيبُ أخبارِ
الأبيات.
стр. 59
هذا الشعر لعبيد بن العرندس لا لأبيه؛ كذلك قال محمد بن يزيد وغيره. والذي قال: هذا المحال كلابي يمدح غنوياًّ، هو أبو عبيدة لا الأصمعي؛ كذلك قال أبو تمام ﵏ في الحماسة. وأبو عبيدة هو الذي روى الشعر؛ وكذلك رواه أبو علي عن ابن دريد عن أبي حاتم عنه ﵏ فالأولى على هذا أن يكون الأصمعي صاحب تلك المقالة منكراً على أبي عبيدة روايته؛ وإنما أنكر أن يكون كلابي يمذح غنوياً، لأن فزارة كانت قد أوقعت ببني بكر كلاب وجيرانهم من محارب وقعة عظيمة؛ ثم أدركتهم غنىٌّ فاستنقذتهم؛ ففي ذلك يقول طفيل الغنوي:
وحَيَّ أبِي بكرٍ تداركنَ بعدَما ... أذَاعَتْ بسَرْبِ الحيّ عنقاءُ مُغْرِب
تداركن، يعني خيلهم. وأذاعت: فرَّقت، فلما قتلت طي قيس الندامى الغنوي، وقتلت عبس هريم بن سنان الغنوي استغاثت غني ببني بكر وبني محارب ليكافئوهم بيدهم عندهم، فقعدوا عنهم ولم يجيبوهم؛ فلم يزالوا بعد ذلك متدابرين؛ وأدرك غني بثأر قيس الندامى من طي وقال في ذلك طفيل:
فذوقوا كما ذُقْنا غَداةَ مُحَجَّرِ ... من الغَيظ في أكبادنا والتَّحَوُّبِ
التحوب: الحزن، قال: ومنه " بات بحيبة سوءٍ ".
* * * وفي " ص ٢٣٩ س ١ " وذكر أبو علي ﵀ خبر الزيادي عن المطلب بن المطلب ابن أبي وداعة قال: رأيت رسول الله ﷺ وأبا بكر ﵁ على باب بني شيبة فمرّ رجل وهو ينشد:
стр. 60
يأَيُّهَا الرجُلُ المحوِّلُ رَحْلَه ... هَلاَّ نَزَلتَ بآلِ عَبدِ الدار
هَبِلَتْكَ أُمُّك لو نَزَلْتَ برَحْلهم ... مَنَعُوكَ من عُدْمٍ ومن إقتار
قال: فالتفت رسول الله ﷺ إلى أبي بكر فقال: " أهكذا قال الشاعر " قال أبو بكر ﵁: لا والذي بعثك بالحق، لكنه قال:
يأَيُّهَا الرجُلُ المحوِّلُ رَحْلَه ... هَلاَّ نَزَلتَ بآلِ عَبدِ الدار
هَبِلَتْكَ أُمُّك لو نَزَلْتَ برَحْلهم ... مَنَعُوكَ من عُدْمٍ ومن إقراف
الخالِطينَ فَقِيرَهم بغنيِّهم حتى يعودَ فَقِيرُهم كالكافي
ويُكلِّلون جِفانَهم بسَدِيفهم ... حتَّى تَغِيبَ الشمسُ في الرَّجَّاف
قال: فتبسم رسول الله ﷺ وقال: " هكذا سمعت الرواة ينشدونه ".
قول أبي علي يأَيُّهَا الرجُلُ المحوِّلُ رَحْلَه هَلاَّ نَزَلتَ بآلِ عَبدِ الدار
هَبِلَتْكَ أُمُّك لو نَزَلْتَ برَحْلهم ... مَنَعُوكَ من عُدْمٍ ومن إقتار
عن المطلب بن أبي وداعة. هذا مما التبس على أبي علي يأَيُّهَا الرجُلُ المحوِّلُ رَحْلَه هَلاَّ نَزَلتَ بآلِ عَبدِ الدار
هَبِلَتْكَ أُمُّك لو نَزَلْتَ برَحْلهم ... مَنَعُوكَ من عُدْمٍ ومن إقتار
حفظه، وإنما أراد كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة، ولا يعلم للمطلب بن أبي وداعة ابن يُسمى المطلب؛ إنما يروى عنه ابنه كثير وابن ابنه كثير بن كثير بن المطلب عن أبيه عن جده. واسم أبي وداعة الحارث بن ضبيرة بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب ابن لؤي. وأُسر أبو وداعة يوم بدر فقال رسول الله ﷺ : " إن له بمكة أبناً كيِّسا " فافتدى المطلب أباه بأربعة آلاف درهم. وهو أول من فودي من أسرى بدر. وأسلم هو وابنه يوم الفتح.
وروى غير واحد عن كثير بن كثير بن المطلب عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي حذو الركن الأسود والرجال والنساء يمرون بين يديه ما بينه وبينهم سترة. وقوله
стр. 61
في الشعر: الخالطين فقيرهم بغنيهم؛ هذا هو المدح الصحيح والمذهب المستحسن، كما قالت خرنق بنت هفان من بني قيس بن ثعلبة:
لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الذين هُمُ ... سُمُّ العُدَاة وآفَةُ الجُزْر
النازلين بكلّ مُعْتَركٍ ... والطيِّبُون مَعَاقِدَ الأُزْرِ
والخالِطين نَحِيَتهم بنُضَارهم ... وذوي الغَنِي منهم بذي الفَقْرِ
وعيب على زهير قوله:
على مُكْثِريهم رِزْقُ مَن يَعْتَرِيهم ... وعند المُقلِّين السماحةُ والبَذْلُ
فأثبت فيهم مقلين. وفي بعض نسخ الأمالي بيت زائد في هذا الشعر الفائي؛ وهو:
منهم عليٌّ والنبيُّ محمدٌ ... القائلين هَلُمَّ للأضياف
وهذا بيت محدث، ذكر أبو نصر أن جده صالحاً أبا غالب ألحقه به، وروى أبو عمر المطرز قال: أخبرني أبو جعفر بن أنس الكرباسي ﵏ عن رجاله قال: كان رسول الله ﷺ يمشي ذات يوم في طريق من طرقات مكة فسمع جارية تنشد:
كانت قُرَيشٌُ بَيْضةً قَتفَلَّقَتْ ... فالمُحُّ خالِصُهُ لعبد الدار
فأقبل على أبي بكر ﵁ فقال: " أهكذا قال الشاعر " فقال: فداك أبي وأمي وإنما قال:
كانت قُرَيشٌُ بَيْضةً قَتفَلَّقَتْ ... فالمُحُّ خالِصُهُ لعبد مَنافِ
стр. 62
فقال النبي ﷺ : " نعم وليس ميل الرجل إلى أهله بعصبية ". والعرب تقول للرجل: هو بيضة البلد، يمدحونه بذلك؛ وتقول للآخر: هو بيضة البلد، يذمونه بذلك. والممدوح يراد به البيضة التي يحضنها الظليم ويصونها ويوقيها، لأن فيها فرخة، والمذموم يراد به البيضة المنبوذة بالعراء المذرة التي لا حافظ لها ولا يدري لها أب، وهي تريكة الظليم، قال الرماني: إذا كانت النسبة إلى مثل المدينة ومكة والبصرة فبيضة البلد مدح، وإذا نسب إلى البلاد التي أهلها أهل ضعة فبيضة البلد ذمّ، وقال حسان ﵁ في المدح:
أَمسَى الجلابِيبُ قد عزُّوا وقد كثرُوا ... وابنُ الفُرَيعَةِ أَمْسَى بَيْضَةَ البَلَدِ
أي واحد البلد، وكان المنافقون يسمون المهاجرين ﵃ الجلابيب، فلما قال حسان ﵁ هذا الشعر اعترضه صفوان بن المعطل فضربه بالسيف، فأعلموا النبي ﷺ فقال لحسان ﵁: " أحسن في الذي أصابك " فقال: هي لك، فأعطاه النبي ﷺ عوضاً: بيرحاء - وهي قصر بني جديلة اليوم - وسيرين، فهي أم عبد الرحمن ابن حسان ﵄.
* * * وفي " ص ٢٤١ س ١٦ " وذكر أبو علي ﵀ قولهم: هو " أجبن من صافر " قال: أراد مصافر ما يصفر من الطير؛ وإنما وصف بالجبن لأنه ليس من سباعها. المحفوظ في تفسير هذا المثل غير ما ذكره؛ ويسوغ على مذهبه أن تقول: هو " أجبن من حمام " و " أجبن من يمام " وكذلك
стр. 63
سائر ما يصاد وسائر الرُّهام الذي لا يُصاد، لأن ذلك كله ليس من سباع الطير؛ وإنما الصافر في هذا المثل: الصفرد، وهو طائر من خشاش الطير يعلق نفسه من الشجر ويصفر طول ليلته خوفاً من أن ينام فيسقط، فضرب به المثل في الجبن. وذكر ابن الأعرابي ﵀ أنهم أرادوا بالصافر المصفور به فقلبوه، أي إذا صفر به هرب كما يقال: " جبان ما يلوى على الصفير ". وذكر أبو عبيدة ﵀: أن الصافر في المثل هو الذي يصفر بالمرأة للريبة، فهو وجل مخافة أن يُظهر عليه؛ واستشهد بقول الكميت:
أَرجُو لكم أن تكونوا في مَوَدَّتكم ... كلباً كَوَرْهَاءَ تَقْلِي كلَّ صَفَّارِ
لمّا أجابتْ صَفِيراً كان آتِيَها ... من قابِس ٍشَيَّط الوَجْعاء بالنّارِ
وحديث ذلك: أن رجلا من العرب كان يعتاد امرأة وهي جالسة مع بنيها فيصفر بها، فعند ذلك تخرج عجيزتها من وراء البيت وهي تُحدِّث ولدها فيقضي منها وطره؛ ثم إن بعض بنيها أحسَّ منها بذلك فجاء ليلا وصفر بها ومعه مسمار محمي، فلما فعلت فعلها كوي صدعها؛ ثم أن الخل جاءها بعد ليالٍ فصفر بها، فقالت: قد قلينا صفيركم، فضرب به الكميت مثلا.
* * * وفي " ص ٢٤٤ س ١٦ " وأنشد أبو علي ﵀ لبكر بن النَّطَّاح:
ولو خَذَلَتْ أموالُه جُودَ كَفِّه ... لقاسَمَ مَنْ يَرجوه شطْرَ حياتِهِ
ولو لم يَجِدْ في العُمْرِ قسْما لزائرٍ ... لجادَ لهُ بالشَّطْر من حَسناتِهِ
أسقط أبو علي ﵀ من هذا الشعر ما أخل بمعناه فصار فيه مطعن على الشاعر؛ وهو قد أحسن التخلص فقال:
ولو لم يَجدْ في العُمْرِ قسْما لزائرٍ ... وجازَ لهُ الإعطاءُ من حَسَنَاتِهِ
لجادَ بها من غير كُفرٍ بربِّه ... وشارَكَه في صَوْمه وصَلاتِهِ
стр. 64
وكان من خبر هذا الشعر أن بكراً قصد مالك بن طوق فمدحه فلم يرض ثوابه، فخرج من عنده وقال يهجوه:
فَلَيْتَ جَدَا مالكٍ كُلَّهُ ... وما يُرْتَجَى منه من مَطْلَبِ
أُصبْتُ بأضعافِ أضعافِهِ ... ولم أَنْتَجِعْهُ ولم أَرْغَبِ
أَسأتُ اختِيَارِي فقَلَّ الثوا ... بُ لي الذنبُ جَهْلا ولمُ يذْنَبِ
فلما بلغ ذلك مالكاً بعث في طلبه فلحقوه فردُّوه، فلما نظر إليه قام فتلقاه وقال: يا أخي عجلت علينا؛ وإنما بعثنا إليك بنفقة وعولنا بك على ما يتلوها، فاعتذر كل واحد منهما إلى صاحبه، ثم أعطاه حتى أرضاه، فقال بكر يمدحه:
أقولُ لمُرتادٍ نَدَى غَيْرِ مالكٍ ... كفَى بَذْلَ هذا الخَلْقِ بعضُ عِدَاتهِ
فتًى جاد بالأموال في كلّ جانبٍ ... وأَنْهَبَها في عَودِهِ وبَدَاتِهِ
ولو خَذَلَتْ أموالُه جُودَ كفِّهِ ... لقاسَمَ مَنْ يرجوه شَطْر حَياتهِ
ولو لم يَجِدْ في العُمْر قِسْماً لزائرِ....................البيتين
* * * وفي " ص ٢٤٥ س ١٠ " وأنشد أبو علي عن ابن دريد - رحمهما الله - لليلى الأخيلية قال: وكان الأصمعي ﵀ يرويها لحميد بن ثور:
يأيُّها السَّدِمُ المُلَوِّي رأسَهُ ... لِيَقُودَ من أهل الحجازِ بَرِيما
أَتُرِيدُ عَمْرو بنَ الخَلِيعِ ودُونَه ... كعبٌ؛ إذاً لَوَجدتَهُ مَرْءُوما
стр. 65
إنَّ الخلِيعَ ورَهْطَهُ في عامرٍ ... كالقَلب أُلْبِسَ جُؤْجُؤاً وحَزيما
لا تَغْزُوَنَّ الدهرَ آلَ مُطَرِّفٍ ... لا ظالماً أبداً ولا مظلوما
قزمٌ رِباطُ الخيلِ وَسْطَ بُيوتهم ... وأَسِنةٌ زُرْقٌ تُخَالُ نُجوما
ومُخَرَّقٍ عنه القميصُ تَخالُهُ ... وَسْطَ البيوت من الحياء سَقِيما
حتى إذا رُفِعَ اللواءُ رأيتَهُ ... تحتَ اللواءِ على الخَمِيس زَعِيما
لن تَستِطيع بأن تُحوِّل عِزَّهُم ... حتى تُحَوِّل ذا الهِضاب يَسُوما
إن سَالمُوك فَدَعْهُمُ من هذه ... وارقُدْ كَفَي لك بالرُّقاد نَعِيما
قوله: " لا ظالما أبدا ولا مظلوما " هذه رواية محالة؛ وإنما الرواية الصحيحة التي بها يصح معنى البيت: " لا ظالما فيهم ولا مظلوما " لأنه قد يكون ظالما لغيرهم أو مظلوما من غيرهم فيستجير بهم لرد ظلامته، أو لاستدفاع مكروه عقوبته ولابد لهم من إجارته، وعلى رواية أبي علي ﵀ قد نهى كل ظالم ومظلوم أن يقربهم على العموم؛ وهذا إلى الذم أدنى منه إلى المدح. وهذه الرواية على أختلال معناها فيها حشو من اللفظ لا فائدة له، وهو قوله: أبداً؛ لأن ما تقدم من قوله: " لا تقربن الدهر " يُغني عن إعادة " أبداً ". وقوله: " ومخرق عنه القميص " هكذا رواه أبو علي ﵀ بالخفض على معنى وربّ مخرَّقٍ، فهو على هذا كناية عن رجل مجهول، والكلام مستأنف منقطع مما قبله؛ وليس كذلك؛ وإنما هو: ومخرَّق عنه القميص، نسقاً على ما قبله، وتعني به الخليع الممدوح المتقدم الذكر؛ ألا ترى قوله:
قوم رباط الخيل وسط بيوتهم
وكذا وكذا ثم قال: ومخرق عنه القميص تخاله وسط البيوت، فالخيل والأسنة وسط البيوت، هي لهذا الكائن وسط البيوت؛ وفي صفته بخرق القميص قولان: أحدهما أن ذلك إشارة الة جذب العفاة له؛ والثاني أنه يؤثر بجيد ثيابه فيكسوها ويكتفي بمعاوزها؛ كما قال رجل من بني سعد:
стр. 66
ومُحْتَضَرِ المنافِع أَرْيَحِيٍّ ... نَبِيلٍ في مَعاوِزَهٍ طُوَال
ورواه محمد بن يزيد: في معاوزه طوال، وهي رواية مردودة. وقوله:
حتى تُحَوِّل ذا الهِضاب يَسُوما
رواه أبو عمرو ﵀ وغيره: ذا الضباب، وهو الصحيح، لأن يسوم: جبل منيف في أرض نخلة من الشأم يعرف بذي الضباب؛ وذلك أن الضباب لا يكاد يفارقه، وإلا فكلُّ جبل ذو هضاب.
* * * وفي " ص ٢٤٥ س ٢١ " وأنشد أبو علي للمتنخل الهذلي:
عَقَّوْا بَسهْمٍ فلم يَشعُر به أحدٌ ... ثم استفاءوا وقالوا حَبَّذَا الوَضَحُ
وقال: عقَّى بسهم إذا رمى به نحو السماء لا يريد به أحداً. وإذا اجتمع الفريقان للقتال بما بدا لأحد الفريقين وأرادوا الصلح رموا بسهم نحو السماء فعلم الفريق الثاني أنهم يريدون الصلح، فتراسلوا في ذلك.
لم يعلم أبو علي ﵀ معنى التعقية ومذهب العرب فيها. قال أبو العباس ثعلب ﵀: سألت ابن الأعرابي ﵀ عن التعقية وهو سهم الاعتذار فقال: قالت الأعراب: إن أصل هذا أن يُقتل الرجل من القبيلة فيُطالب القاتل بدمه، فتجتمع جماعة من الرؤساء إلى أولياء المقتول بديةٍ مكملة ويسألونهم العفو وقبول الدية، فإن كان أولياؤه ذوي قوة أبوا ذلك، وإلا قالوا لهم: إن بيننا وبين خالقنا علامة للأمر والنهي؛ فيقول الآخرون: ما علامتكم؟ فيقولون: أن نأخذ سهما فنرمي به نحو السماء، فإن رجع إلينا مضرجاً دماً فقد نُهينا عن أخذ الدية؛ وإن رجع كما صعد فقد أُمرنا بأخذها. قال ابن الأعرابي قال أبو المكارم - رحمهما الله - وغيره: فما رجع هذا السهم قط إلا نقياًّ، ولكنهم لهم في هذا المقال عذر عند الجهال. هذا معنى عقَّوا بسهم،
стр. 67
لا ما أورده أبو علي ﵀ والبيت الذي أنشده من شعر المتنخل يهجو بها ناساً من قومه كانوا مع ابنه حجَّاج يوم قُتل. وقبل البيت:
لا يُنْسِئُ اللهُ مِنّا مَعشراً شهدوا ... يوم الأُمَيلِح لا غابوا ولا جَرَحُوا
لا غيَّبُوا شِلْوَ حجَّاجٍ ولا شَهِدُوا ... حَمَّ القتالِ فلا تسألْ بما أفتضحوا
لكن كبيرُ بن هندٍ يوم ذلكم ... فُتْخُ الشمائل في أيمانهم رَوَحُ
عَقَّوْا بسَهم فلم يشعرُ به أحدٌ ... ثم أستفاءوا وقالوا حَبَّذَا الوَضَحُ
قوله: لا يُنسئ الله، أي لا يؤخر الله موتهم. وشلو كل شيء: بقيته. وحمُّ القتال، وحمُّ كلِّ شيء: معظمه. وكبير بن هندٍ قبيلة من هذيل. واستفاءوا: رجعوا عما كانوا عليه. وقالوا: حبذا الوضح، أي حبذا الإبل والغنم نأخذها في الدية: ويعني بالوضح: اللبن لبياضه.
* * *
وفي " ص ٢٥٥ س ١٢ " قال أبو علي ﵀ حدثنا ابن الأنباري عن أبي حاتم عن أبي زيد عن المفضل الضبي ﵏ قال: كنت مع إبراهيم بن عبد الله بن عبد الله بن الحسن ﵀ صاحب أبي جعفر في اليوم الذي قُتل فيه، فلما رأى البياض يقلُّ والسواد يكثر قال: يا مفضل، أنشدني شيئاً يهوِّن علي بعض ما أرى؛ فأنشدته:
أَلا أَيُّها النّاهِي فَزَارةَ بَعْدَمَا ... أَجدَّتْ لغَزْوٍ إنّما أنت حَالِمُ
أَبَى كلُّ ذي تَبْلٍ يَبِيتُ بِهَمِّه ... ويُمْنَعُ منه النومُ إذْ أنت نَائِمُ
قَعُوا وَقْعَةً مَن يَحْيَى لم يَخْزَ بعدَهَاوإن يُخْتَرَمْ لَمْ تَتَّبِعْهُ الملاَوِمَ
стр. 68
قال: فرأيته يتطالل على سرجه ثم حمل حملة كانت آخر العهد به. هكذا صحَّت الرِّواية عن أبي علي ﵀ يتطالل بإظهار التضعيف، وهذا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر؛ وإنما هو يتطالُّ كما تقول: يتقاصُّ ويتراددُّ؛ وقال قعنب في الضرورة:
مَهلاً أَعاذِلَ قد جرَّبتِ من خُلُقِي ... أَني أَجُودُ لأقوامٍ وإن ضَنِنُوا
* * * وفي " ص ٢٦٢ س ١٤ " قال أبو علي ﵀: حدثنا أبو حاتم عن أبي زيد عن المفضل الضبي ﵏ أجمعين - قال: دخلت على المهدي ﵀ فقال لي قبل أن أجلس: أنشدني أربعة أبيات لا تزد عليهن - وعنده عبد الله بن مالك الخزاعي - فأنشدته:
وأَشْعَثَ قد قَدَّ السِّفَارُ قمِيصَهُ ... يَجُرُّ شِوَاءً بالعَصَا غَيرَ مُنْضَجِ
دَعوتُ إلى نا نَابنِي فأجَابَنِي ... كريمٌ من الفِتيَانِ غَيرُ مُزَلَّجِ
فتىً يملأُ الشِّيزَى ويُرْوِي سِنانَه ... ويَضْرِب في رأسِ الكَمِيّ المُدَجَّجِ
فتىً ليس بالرَّاضِي بأَدنَى مَعِيشَةٍ ... ولا في بُيوتِ الحَيِّ بالمُتَوَلِّجِ
فقال المهدي: هو هذا! - وأشار إلى عبد الله بن مالك - فلما انصرفت بعث إليّ المهدي ﵀ بألف دينار وبعث إليّ عبد الله ﵀ بأربعة آلاف درهم. قوله: " يجر شواء " هذه رواية ساقطة، والجميع يخالفها فيروونه: وجر شواء، نسقا على قوله: " قدَّ السفار قميصه وجر شواء " كذلك رواه أبو حاتم عن الأصمعي وأبي عمرو الشيباني ﵏ وكذلك
стр. 69
رواه أبو محمد عن خالد بن كلثوم - رحمهما الله - وكذلك رواه إبراهيم بن محمد عن أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي ﵏ وكذلك رواه أبو العباس بن الفضل عن أبي تمام. قال أبو حاتم عن الأصمعي ﵏ أجمعين - قوله: وجر شواء. كان هذا مما أعان على تخريق ثيابه غير منضج؛ إنما ذلك لسرعة السير وإعجاله لهم عن إنضاجه؛ كما قال امرؤ القيس:
نمُشُّ بأَعْراف الجِيَادِ أَكُفَّنا ... إذا نَحْنُ قُمْنَا عن شِوَاءٍ مُضَهَّبِ
وهذا إنما يكون في حال السِّفار لا في غيره. ورواية أبي علي ﵀ تقتضي أن ذلك شأنه في جميع أحواله؛ وهذا بالذَّمّ أشبه، لأنه إذا فعل ذلك في حال الطمأنينة وحين لا يجد به سير، فإنما يفعله لفرط الجشع وشدة الحرص على الطعام، وهذا مذموم. وروى أبو عبد الله عن أبي العباس: " فتى يملأ الشيزى ويروي نديمه " وهذه رواية أفادت معنى ثالثاً في البيت يجانس ما قبله من إطعام وسقي. ومن روى: " فيروي سنانه " فذلك في معنى: " ويضرب في رأس الكمي المدجج " فلم يفد البيت أكثر من معنيين. والأبيات المذكورة من قصيدة للشمَّاخ.
* * * وفي " ص ٢٦٣ س ١ " وأنشد أبو علي ﵀ لعبد الرحمن بن يزيد:
يُؤَسِّى عن زِيادَةَ كلُّ حَيٍّ ... خَلِيٌّ ما تَأوَّبَهُ الهُمُومُ
فلو كنتُ القَتِيلَ وكان حَيًّا ... لَطَالَبَ لا أَلَفُّ ولا سَؤُومُ
ولا هَيَّابَةٌ بالليل نِكْسٌ ... ولا ضَرَعٌ إذا أَمسَى نَؤُومُ
وكيف تَجَلُّدُ الأقوامِ عنه ... ولم يُقْتَلْ به الثَّأرُ المُنِيمُ
غَشُومٌ حين يُبْصَرُ مُسْتَفَادٌ ... وخيرُ الطَّالِبي التِّرَةِ الغَشُومُ
стр. 70
هكذا ثبتت الرواية عن أبي علي ﵀ في البيت الآخر: حين يبصر بفتح الصاد. مستفاد بالرفع ولا يتوجه لي معناه. ورواه أبو العباس الأحول ﵀: غشوم حين يبصر، بكسر الصاد، مستفاداً بالنصب؛ وهذا حسن بين المعنى، يريد أنه منتهز للفرصة إذا رأى أنه مستفيد من عدوه فائدة غشم فابتزها، أو مدرك فيه بغية وثب فنالها؛ ورواه أحمد بن عبيد ﵀: " حين يبصر مستقاداً " بالقاف، يريد مستقاداً منه ومن له عنده ثأرٌ؛ ويقوي هذه الرواية عجز البيت: " وخير الطالبي الترة الغشوم " ورواه الرياشي حين ينصر بالنون مستقاداً بالقاف، أي مطلوباً بقودٍ. وعبد الرحمن هذا هو أخو زيادة، ابني زيد بن مالك بن عامر بن قرة أحد بني سعد هذيم ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. وكان هدبة بن خشرم قتل زيادة بن زيد، فلما سُجن هدبة في دمه جعل القرشيون بالمدينة يكلمون عبد الرحمن في أمر هدبة وأضعفوا له الدية حتى بلغت عشراً؛ منهم: سعيد بن العاص، وعبد الله بن عمرو، والحسين بن علي، وعمرو بن عثمان بن عفان ﵃ أجمعين - وهو يردد الإباء، فلما أكثروا عليه أنشدهم هذا الشعر المذكور، فلما سمعه هدبة قال: إن فيه لمطعماً فعاودوه، ففعلوا؛ فقال عبد الرحمن حين عاودوه:
باسْتِ امِرئٍ واسْتِ التي زَجَرَتْ به ... إذا نَالَ مالاً من أَخٍ وهو ثَائِرُهْ
وإنِّي وإن ظَنَّ الرجالُ ظُنُونَهُمْ ... على صَيْرِ أَمْرٍ لم تشَعَّبْ مَصَادِرُهْ
وهي أبيات فلما أنشدها هدبة قال: دعوه، فوالله لا يقبل عقلا أبداً، جزيتم خيراً؛ فأقام هدبة السجن ست سنين حتى أدرك المسور بن زيادة؛ ومات عبد الرحمن في خلال ذلك، فكان المسور هو الذي تولى قتل هدبة. وذكر المدائني أن المسور قد كان اختار العفو وأخذ الدية حتى قالت له أمه: والله لئن لم تقتل هدبة لأنكحته! فيكون قد قتل أباك ثم نكح أُمك فتسبك بذلك العرب يد المسند، فلفته ذلك عن مذهبه، ومضى على الاتئار من هدبة وقتله.
стр. 71
* * * وفي " ص ٢٦٦ س ١٨ " وأنشد أبو علي عن ابن الأنباري عن أحمد بن يحيى للفرزدق ﵏:
يُفَلِّقْنَ ها مَنْ لم تَنَلْهُ سُيُوفُنَا ... بأَسْيافنا هَامَ المُلوكِ القَمَاقِمِ
قال أبو العباس ﵀: ها: تنبيه، والتقدير: يفلقن بأسيافنا هام الملوك القماقم، ثم قال: ها للتنبيه، ثم استفهم فقال مستفهماً: من لم تنله سيوفنا؟ قال أبو بكر: سمعت شيخا منذ حين يعيب هذا الجواب ويقول: يُفلقن هاماً جمع هامة. وهام الملوك مردود على هاماً؛ كما قال جلّ ثناؤه: (إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللهِ) . قال أبو علي ﵀: فاحتججت عليه بقوله: لم تنله وقلت: لو أراد الهام لقال لم تنلها، لأن الهام مؤنثة لم يؤثر عن العرب فيها تذكير، ولم يقل أحد منهم: الهام فلقته؛ كما قالوا: النخل قطعته، والتذكير والتأنيث لا يعمل فيه قياساً إنما يُبنى على السَّماع واتَّباع الأثر. ولم يُوفق أبو علي ﵀ في هذا الاحتجاج لأنه أنكر المعروف وعرَّف المنكر. كيف ينكر تذكير الهام! وهو يروى في شعر النابغة ويروِّى:
بِضَرْبٍ يُزيلُ الهَامَ عن سَكَنَاتِهِ ... وطَعْنٍ كإيزَاغِ المَخاضِ الضَّوَارِبِ
وهو يروي في شعر عنترة ويروِّي:
والهامُ يَنْدُرُ في الصَّعِيد كأنَما ... تَلْقَى السُّيُوفُ به رُءوسَ الحَنْظَل
ويروى أيضا في شعر طفيل ويروى:
بِضرْبٍ يُزيلُ الهامَ عَنْ سَكناته ... ويَنْقَعُ من هَامِ الرِّجالِ بِمَشْرَبِ
فالتذكير هو المعروف في الهام، ولو أنكر أبو علي ﵀ على هذا الشيخ فساد المعنى دون اللفظ كان أولى، لأن قوله: " يُفلقن هاماً لم تنله سيوفنا " ثم قال بأسيافنا، تناقض. فإن قال: إنه يريد لم تنله ثم نالته، فهذا من العيِّ الذي سمعت به؛ أو يشكُّ أحدٌ في أن ما نيل اليوم لم يكن أمس قتيلاً؟ وهذا الشعر يقوله الفرزدق في قتل وكيعٍ قتيبة بن مسلم. وقبل البيت:
стр. 72
فَدًى لسُيُوفٍ من تَميم وَفَى بها ... رِدَائِي وجَلَّتْ عن وُجُوه الأَهاتمِ
شَفَيْنَ حَرَارَاتِ الصُّدُورِ ومَا تَدَعْ ... عليها مَقَالاً في وَفَاءٍ للاَئِمِ
يُفَلِّقْنَ هَاماً لَم تَنَلْهُ سُيُوفُنا ... بأسيافِنَا هَامَ المُلوكِ القَمَاقِمِ
الأهاتم: آل الأهتم بن سنان بن خالد بن منقر؛ ويروى: حزازات النفوس.
* * * وفي " ص ٢٧٤ س ١ " وأنشد أبو علي ﵀ لحميد بن ثور:
لَيْسَتْ إذا سَمِنَتْ بجَابِئةٍ ... عنها العُيُونُ كَرِيهةَ المسِّ
استشهد به على قولهم للمرأة إذا كانت كريهة المنظر: إنها لتجبأ عنها العين. وقد أحال رواية البيت وأفسد معناه. وكيف تجبأ العيون عن الناعمة السمينة! وإنما تجبأ عن العجفاء الهزيلة، ألا تراه يقول: إنها ليست كريهة المسِّ، وحسبك بهذا نفياً للعجف وإنكاراً للقضف؛ وإنما الرواية في البيت:
ليستْ إذا رُمِقَت بجابِئةٍ ... عنها العيونُ........الخ
وبعد البيت: وكأَنما كُسِيت قلائِدُها وَحْشيَّة نَظَرَتْ إلى اْلإنْس
стр. 73
التنبيهات الواردة على الجزء الثاني
وفي " ص ١ س ١٧ " وأنشد أبو علي ﵀ لفاطمة بنت الأحجم بن دندنة الخزاعية:
قد كُنْتَ لِي جَبَلاً أَلُوذُ بِظِلَه ... فتَرَ كْتَنيِ أمْشِي بأَجْرَدَ ضاَحِ
قد كنتُ ذَاتَ حَمِيَّةٍ ما عِشِتَ ليِ ... أَمْشِي البَرَازَ وكنتَ أنتَ جَنَاحِي
فاليومَ أَخْضَعُ للذَّلِيل وأَتَّقِى ... منه وأدْفَعُ ظَالِمِي بالرَّاحِ
وإذا دَعَتْ قُمْريَّهٌ شَجَناً لها ... يَوْماً على فَنَن دَعوتُ صَباَحِي
وأَغُضُّ من بَصَرِي وأَعْلَمُ أنَّه ... قد بَانَ حدُّ فَوَارِسي ورِمَاحِي
هكذا أنشده أبو على - رحمة الله -: " وإذا دعت قمرية شجنا لها " وكذلك أنشده أبو تمام - رحمة الله - في اختياراته، وأخبرني غير واحد عن أبي العلاء المعري - رحمة الله - أنه كان يرد هذه الرواية ويقول إنها تصحيف، وكان ينشده " وإذا دعت قمرية شجناً لها " بكسر الجيم وبالباء بعدها، يعني فرخها الهالك، وهو الهديل، والشجب: الهلاك. والشجب: الهالك، وأخلق بهذا القول أن يكون صحيحاً؛ والحق أحق أن يتبع. وقال السكري - رحمة الله -: إن هذا الشعر لليلى بنت يزيد بن الصعق ترثى ابنها قيس بن زياد أبي سفيان بن عوف بن كعب. وقال الأخفش: إنه لا مرأة من كندة ترثى زوجها الجراح. وأوله:
يا عينُ جُودِى عند كلَّ صَبَاحِ ... جُودِى بأربعةٍ على الجرَّاِح
قد كنتَ لي جَبَلًا أَلوذُ بِظِّلهِ..............الأبيات
وكان الأحجم بن دندنة أحد سادات العرب؛ ويقال الأحجم بتقديم الجيم. قال ابن دريد ﵀: جحم إذا فتح عينيه كالشاخص وبذلك سُميِّ الرجل. وقال الخليل ﵀: الأجحم: الشديد حمرة العينين مع سعة؛ وكانت زوج الأجحم أم فاطمة هذه خالدة بنت هاشم بن عبد مناف.
стр. 74
* * * وفي " ص ٣ س ١٦ " وأنشد أبو علي ﵀ لأرطأة بن سهية يهجو شبيب ابن البرصاء:
مَن مُبْلِغٌ فِتْيَانَ مُرَّةَ أَنَّهُ ... هَجَانَا ابنُ بَرْصَاءِ العِجَانِ شَبِيبُ
فلو كُنتَ مُرِّيًّا عَمِيتَ فَأَسْهَلَتْ ... كُدَاكَ وَلَكِنَّ المُرِيبَ مُرِيبُ
أبِي كانَ خيراً من أَبِيك وَلَمْ تَزَلْ ... جَنِيباً لآبائِي وأنتَ جَنِيبُ
وَمَا زِلتُ خيراً منك مُذْ عضَّ كارِهاً ... برأسِك عَادِيُّ النِّجَادِ رَكُوبُ
قال أبو علي: سألت ابن دريد - رحمهما الله - عن معنى هذا البيت: فلو كنت مرياً عميت ... الخ فقال: كان أبوه أعمى، وجده أعمى، وجدُّ أبيه أعمى. يقول: فلو لم تكن مدخول النسب كنت أعمى كآبائك. لأبي علي ﵀ فيما أورده سهوان: أحدهما إنشاده: فلو كنت مرياًّ....... وإنما هو: فلو كنت عوفياًّ ... ، لأن أرطأة وشبيباً جميعاً مُرِّيَّان؛ وإنما العمى فاش في بني عوف منهم، وهم قوم شبيب إذا أسن الرجل فيهم عمى، قلَّ من يُفلت فيهم من ذلك. ولو قال: فلو كنت مريا ... لكان هو أيضا قد انتفى من نسبه، لأنه مريٌّ ولم يكن أعمى. وأما السهو الثاني، فإنشاده أربعة الأبيات لأرطأة؛ وإنما البيتان الآخران لشبيب يرد على أرطأة، ألا تراه يقول: أبي كان خيراً من أبيك ... ! ولم يختلف الرواة أن شبيباً كان أفضل من أرطأة بيتاً، وأكرم معشراً وأباً وأُماً؛ وأن أرطأة كان أفضل منه نفساً، وكلاهما شاعران إسلاميان غلبت عليهما أمهاتهما وهو أرطأة بن زفر ابن عبد الله بن مالك أُمه سُهية بنت زامل، وقيل إنها سبية من كلب كانت لضرار بن الأزور ثم صارت إلى زفر وهي حامل فجاءت بأرطأة. وأما شبيب فهو شبيب بن يزيد بن حمزة ويقال
стр. 75
ابن جمرة. وأُمه قرصافة بنت الحارث بن عوف بن أبي حارثة وهو ابن خالة عقيل بن علفة أُمُّ عقيل عمرة بنت الحارث بن عوف. والحارث هذا هو صاحب الحمالة بين عبس وذبيان؛ لُقبت البرصاء لشدة بياضها ولم يكن بها برص؛ ولذلك قال شبيب:
أنا ابنُ بَرْصَاءَ بها أُجِيبُ ... مَا في هِجَان اللَّوْنِ ما تَعِيبُ
وقيل: إنما سميت بذلك لبرصٍ حدث بها؛ وذلك أن النبي ﷺ خطبها إلى أبيها فقال: إن بها وضحاً، فأصابها ذلك ولم يكن بها.
* * * وفي " ص ٦ س ٢٢ " وأنشد أبو علي ﵀:
إذا انْبَطَحَتْ جَافَى عن الأرْض بَطْنُها ... وخَوَّأهَا رَابٍ كَهَامَةِ جُنْبُلِ
هكذا أنشده أبو علي ﵀: وخوأها. وإنما هو وخوَّى بها، لأن خوَّى لا أصل له في الهمزة؛ وهو مع ذلك لا يتعدى إلا بالباء، يقال: خوَّى البعير تخوية إذا برك ثم مكَّن لثفناته في الأرض، لا يقال خوّيته أنا، ويقال خوَّى به، كما تقول ذهب؛ وذهب لا يتعدى؛ والبيت للأعشى وبعده:
إذا مَا عَلاَها فارسٌ مُتَبَذِّلٌ ... فنِعْمَ فِرَاشُ الفارِس المُتَبذِّلِ
ومن هذا البيت أخذ الفرزدق قوله:
ما مَرْكبٌ ورُكُوبُ الخيلِ يُعْجِبُني ... كمَرْكبٍ بينَ دُملُوجٍ وخَلْخَالِ
أَلَذَّ للفارِس المُجْرِي إذا انبهرتْ ... أنفاسُ أمثالها منْ تحت أمْثَالي
следующие страницы →