← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 676

الفصول في الأصول

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (1 263 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَإِبْرَاهِيمُ وَالزُّهْرِيُّ. وَعَلَى أَنَّهُ لَيْسَ قَبُولُ هَذَا الْخَبَرِ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ (فِي شَيْءٍ) لِأَنَّا لَمْ نَخُصَّ بِهِ ظَاهِرًا وَلَا عُمُومًا لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] ظَاهِرُهُ نَهْيُ الْإِنْسَانِ عَنْ أَنْ يُبْطِلَ عَمَلَهُ، وَنَحْنُ (لَمْ) نُبْطِلْ عَمَلَهُ بِالْقَهْقَهَةِ وَإِنَّمَا أَبْطَلَهُ اللَّهُ الَّذِي حَكَمَ بِبُطْلَانِهِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إلَى إبْطَالِ عَمَلِهِ فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ عَمَلَهُ الَّذِي

стр. 142

قَدْ عَمِلَهُ مُنْتَقِضٌ مَعْدُومٌ لَا يَصِحُّ النَّهْيُ عَنْ إبْطَالِهِ، فَإِذَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ النَّهْيَ عَنْ إبْطَالِ الْعَمَلِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنْ أَنْ يَفْعَلَ مِنْ الْمَعَاصِي مَا يُبْطِلُ ثَوَابَ عَمَلِهِ وَهَذَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَلَا مَذْكُورٍ فِي لَفْظِ الْآيَةِ. فَكَيْفَ يَكُونُ قَبُولُ حَدِيثِ الْقَهْقَهَةِ تَخْصِيصًا لِظَاهِرٍ. وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ الظَّاهِرُ يَتَنَاوَلُ فِعْلَنَا عَلَى مَا زَعَمْت وَخَصَّصْنَاهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ كَانَ مُسْتَقِيمًا عَلَى أَصْلِنَا لِأَنَّ الْعَامَّ الَّذِي قَدْ ثَبَتَ خُصُوصُهُ بِالِاتِّفَاقِ يَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ مِنْهُ بَعْضُ مَا انْتَظَمَهُ الْعُمُومُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. ثُمَّ خَلَّطَ تَخْلِيطًا آخَرَ فَقَالَ: وَقَبِلُوا شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ وَحْدَهَا. وَأَيُّ ظَاهِرٍ يَمْنَعُ قَبُولَ شَهَادَةِ الْقَابِلَةِ فِي الْوِلَادَةِ حَتَّى يُذْكَرَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّهَادَاتِ فِي الْمُدَايَنَاتِ وَالْوَصِيَّةِ فِي السَّفَرِ وَالرَّجْعَةِ وَالزِّنَا. فَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى الْوِلَادَةِ فَلَا ذِكْرَ لَهَا فِي الْقُرْآنِ فَنَكُونَ بِقَبُولِنَا شَهَادَةَ الْقَابِلَةِ مُخَصِّصِينَ لَهَا. .

стр. 143

وَزَعَمَ هَذَا الْقَائِلُ أَنَا لَا نَقْبَلُ خَبَرَ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينَ وَقَدْ رَوَاهُ - زَعَمَ بِضْعَةُ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِلْقُرْآنِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا ذَكَرَ كَيْفَ نَتَوَثَّقُ، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ قَضَى بِهَا النَّبِيُّ ﷺ . فَأَمَّا قَوْلُهُ قَدْ رَوَاهُ بِضْعَةَ عَشَرَ فَإِنَّهُ قَدْ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ كِبَارِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ اجْتَهَدَ فِي أَنْ يَجِدَ فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ حَدِيثًا وَاحِدًا صَحِيحًا فَلَمْ يَجِدْهُ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ عِلَلَ الْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّةِ فِيهِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَهُوَ مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي عَصْرِهِ الْقَضَاءُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ بِدْعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ قَضَى

стр. 144

بِهِ مُعَاوِيَةُ. وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَتْ الرِّوَايَةُ لَمَا لَزِمَ الْعَمَلُ بِهِ لَوْ انْفَرَدَ عَنْ مُخَالَفَتِهِ الْقُرْآنَ وَذَلِكَ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» فَهَذِهِ حِكَايَةُ قَضِيَّةٍ مِنْهُ (﵇) لَا يُعْلَمُ كَيْفِيَّتُهَا وَلَا مَعْنَاهَا، وَقَدْ نَقْضِي نَحْنُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ فِي وُجُوهٍ. فَالِاحْتِجَاجُ بِهِ سَاقِطٌ إذْ لَيْسَ هُوَ عُمُومَ لَفْظٍ (مِنْهُ) فَيُعْتَبَرَ مَا انْتَظَمَهُ اسْمُهُ. وَلَيْسَ الْخَصْمُ بِأَوْلَى بِدَعْوَاهُ فِي صَرْفِهِ إلَى مَذْهَبِهِ دُونَ أَنْ أَحْمِلَهُ عَلَى وَجْهٍ يُوَافِقُ مَذْهَبِي فَكَيْفَ بِهِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ فِي حُكْمِ الْكِتَابِ إذَا حَمَلَهُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: إنَّهُ لَيْسَ بِمُخَالِفٍ لِلْقُرْآنِ فَقَدْ صَدَقَ لِأَنَّ الْخَبَرَ حُمِلَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي (يَجِبُ) حَمْلُهُ عَلَيْهِ فَلَيْسَ مِنْ ظَاهِرِهِ مَا يُخَالِفُ الْقُرْآنَ إلَّا أَنَّ مَذْهَبَ الْمُخَالِفِ فِيهِ خِلَافُ الْقُرْآنِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ حَالَ الْمُدَايَنَةِ أَوْحَالَ الْحُكْمِ عِنْدَ التَّجَاحُدِ، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا. وَعَلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ التَّوَثُّقَ بِهِمَا فِي حَالِ الْمُدَايَنَةِ فَإِنَّمَا الْمَقْصِدُ فِيهِ حَالُ الْحُكْمِ عِنْدَ

стр. 145

التَّجَاحُدِ فَلَا مَحَالَةَ أَنَّهُ قَدْ أَفَادَ وُجُوبَ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ عِنْدَ التَّجَاحُدِ، وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ فَغَيْرُ جَائِزٍ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَقَلِّ مِنْ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ وَمَنْ حَكَمَ بِأَقَلَّ مِنْهُ فَقَدْ خَالَفَ الْقُرْآنَ كَمَا أَنَّ مَنْ حَكَمَ بِشَهَادَةِ (شَاهِدٍ) وَاحِدٍ بِغَيْرِ يَمِينٍ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقُرْآنِ وَيَمِينُ الطَّالِبِ لَا ذِكْرَ لَهَا فِي الْآيَةِ فَوُجُودُهَا وَعَدَمُهَا وَاحِدٌ فَلَمْ يَنْفَكَّ الْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مِنْ مُخَالَفَةِ حُكْمِ الْقُرْآنِ. وَكَمَا أَنَّ مَنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ حَدُّ الزَّانِي أَقَلَّ مِنْ مِائَةٍ كَانَ مُخَالِفًا لِلْقُرْآنِ تَارِكًا لِحُكْمِهِ فَكَذَلِكَ مَنْ اقْتَصَرَ فِي الْمُدَايَنَةِ عَلَى أَقَلِّ مِنْ الشُّهُودِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ فَقَدْ خَالَفَ حُكْمَهَا وَلَيْسَ هَذَا مِنْ التَّخْصِيصِ فِي شَيْءٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عُمُومُ لَفْظٍ يَنْتَظِمُ مُسَمَّيَاتٍ فَيَخُصُّهُ بِالْخَبَرِ. فَإِنْ قِيلَ: خَصَّ بِهِ حَالًا دُونَ حَالٍ. قِيلَ لَهُ: الْحَالُ غَيْرُ مَذْكُورَةٍ فِي الْآيَةِ فَيَخُصَّهَا بِالْخَبَرِ فَلَيْسَ فِيهِ إذَنْ أَكْثَرُ مِنْ ذِكْرِ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ فِيهَا. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْخَبَرِ وَالْآيَةِ لَمْ يَسْتَحِلْ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ كَانَ صَحِيحًا. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كُلُّ مَا يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَهُ إلَى مَا قَبْلَهُ فِي خِطَابٍ وَاحِدٍ يَجُوزُ إلْحَاقُهُ بِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّهُ كَانَ (لَا) يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ صَلُّوا إنْ شِئْتُمْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِنْ شِئْتُمْ إلَى الْكَعْبَةِ، ثُمَّ لَمْ يَمْنَعْ جَوَازُ ذَلِكَ مِنْ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَنْسُوخَةً بِالصَّلَاةِ إلَى الْكَعْبَةِ. وَكَانَ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَقُولَ إنْ شِئْتُمْ فَاجْلِدُوا الزَّانِيَ مِائَةً وَإِنْ شِئْتُمْ تِسْعِينَ فَكَانَ يَكُونُ

стр. 146

مِقْدَارُ الضَّرْبِ مَوْكُولًا إلَى مَشِيئَةِ الْإِمَامِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَخْرُجُ مَنْ قَالَ إنَّ حَدَّ الزَّانِي تِسْعُونَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِلْقُرْآنِ. وَقَدْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَوْ رَجُلٌ إنْ لَمْ يَكُنْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ وَلَا يُخْرِجُ جَوَازُ ذَلِكَ قَائِلَهُ الْآنَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِلْقُرْآنِ وَهَذَا لَا يُخْفِي وَجْهَ فَسَادِ الْقَوْلِ بِهِ عَلَى أَيِّ فَهْمٍ. فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ مُخَالَفَةُ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَقَدْ صَحَّ أَنَّ الْقَوْلَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ خِلَافُ الْكِتَابِ وَهَذَا أَبْعَدُ فِي الْجَوَازِ مِنْ تَخْصِيصِ الظَّاهِرِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصٌ بِوَجْهٍ وَإِنَّمَا فِيهِ النَّسْخُ لَوْ ثَبَتَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ (لِمَا بَيَّنَّاهُ) . وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ الْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ لَمَا جَازَ الِاعْتِرَاضُ بِهِ عَلَى الْآيَةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. وَهِيَ أَنَّ حُكْمَ الْآيَةِ مُسْتَعْمَلٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ، وَالْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَيَكُونُ مَنْسُوخًا بِالْآيَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَ الْخَصْمِ تَارِيخُ الْحُكْمِ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ أَوْ قَبْلَهَا وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ فَالْمُسْتَعْمَلُ فِيهِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَهُوَ الْآيَةُ، وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ حُكْمِ الْخَبَرِ فَهُوَ مَتْرُوكٌ بِالْآيَةِ (إذْ لَمْ) يَثْبُتْ أَنَّهُ نَاسِخٌ لَهَا فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: يَجُوزُ أَنَّ الْحُكْمَ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَارِدٌ مَعَ الْآيَةِ فَلَا يَكُونُ نَاسِخًا (لَهَا) قِيلَ لَهُ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلْحَقَ بِحُكْمِ الْآيَةِ مِنْ الزِّيَادَةِ إلَّا بِمَا يَجُوزُ بِمِثْلِهِ النَّسْخُ لِأَنَّ الْآيَةَ تُوجِبُ الْعِلْمَ وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُوجِبُهُ فَلَا يُعْتَرَضُ بِهِ عَلَيْهَا لِمَا بَيَّنَّا. وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَارِدًا مَعَ الْآيَةِ لَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ بَيَانَهُ وَذَكَرَهُ عَقِيبَ الْآيَةِ، وَلَكَانَ يَكُونُ فِيهِ عُمُومُ لَفْظٍ يُوجِبُ إلْحَاقَهُ بِالْآيَةِ.

стр. 147

فَلَمَّا لَمْ يَرِدْ عَنْهُ ﷺ فِي ذَلِكَ بَيَانٌ وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِيهِ قَضِيَّةً مِنْهُ فَلَوْ كَانَ مُرَادًا مَعَ الْآيَةِ لَمَا أَخَّرَ بَيَانَهُ إلَى أَنْ يُخْتَصَمَ إلَيْهِ فَيَقْضِيَ. فَثَبَتَ أَنَّ حُكْمَ الْآيَةِ مُقَرٌّ عَلَى مَا وَرَدَ وَأَنَّ خَبَرَ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ إنْ كَانَ (مَعْنَاهُ) مَا ادَّعَاهُ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْآيَةِ أَوْ بَعْدَهَا. فَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِهَا. وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا فَالْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِهِ. وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ بِالِاتِّفَاقِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ مَا ذُكِرَ فِي خَبَرِ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ حِكَايَةُ فِعْلٍ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَضِيَّةٍ مَجْهُولَةٍ لَا نَدْرِي كَيْفَ كَانَتْ وَمِثْلُهَا لَا يُعْتَرَضُ بِهِ عَلَى الْآيَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْبَيَانَ لَا يَقَعُ بِمِثْلِهِ لِأَنَّ الْبَيَانَ إنَّمَا يَقَعُ بِلَفْظٍ مَعْلُومِ الْمَعْنَى ظَاهِرِ الْمُرَادِ وَلَا يَجُوزُ (أَنْ يَكُونَ) مُوَكَّلًا إلَى قَضِيَّةٍ إذَا نُقِلَتْ عَنْهُ كَانَتْ مَجْهُولَةً عِنْدَهُمْ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: (أَنَّهُ يَكُونُ) زِيَادَةً فِي حُكْمِ الْآيَةِ لِأَنَّهَا تَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ بَيَانًا لِمُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ مَعَ مَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكِلَ النَّبِيُّ ﷺ (النَّاسَ) إلَى مِثْلِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى (لَمْ) يَقْتَصِرْ بِحُكْمِ الْبَيَانِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ دُونَ مَا قَضَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ لَمْ يَرِدْ مَوْرِدَ الزِّيَادَةِ فِي حُكْمِ الْآيَةِ وَإِثْبَاتِ حُكْمِهِ مَعَهَا، وَأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْآيَةِ أَوْ بَعْدَهَا. فَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا فَهُوَ نَاسِخٌ لَهَا وَنَسْخُ الْآيَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ غَيْرُ جَائِزٍ.

стр. 148

وَعَلَى أَنَّ مَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ بِزِيَادَةٍ فَهُوَ نَسْخٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَلْزَمُنَا عِنْدَ وُرُودِ الْآيَةِ اعْتِقَادُ وُجُوبِ الْحُكْمِ بِالْعَدَدِ الْمَذْكُورِ فِيهَا أَوْ امْتِنَاعُ جَوَازِهِ بِأَقَلَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ لَا إشْكَالَ عَلَى أَيِّ عَقْلٍ سَمِعَ الْآيَةَ (إلَّا وَ) إنَّهَا تَمْنَعُ الْحُكْمَ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ (وَاحِدٍ) وَبِشَهَادَةِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فَمَتَى وَرَدَ خَبَرٌ أَجَازَ الْحُكْمَ بِشَهَادَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَقَدْ دَفَعَ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ الَّذِي لَزِمَ (مَعَ وُرُودِ) الْآيَةِ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ النَّسْخِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: يَلْزَمُك عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ التَّخْصِيصُ نَسْخًا لِأَنَّ الْعُمُومَ قَدْ أَلْزَمَنَا اعْتِقَادَ لُزُومِ الْحُكْمِ بِهِ وَوُرُودُهُ مَا يُوجِبُ التَّخْصِيصَ يَرْفَعُ ذَلِكَ الِاعْتِقَادَ. وَقَدْ يَجُوزُ عِنْدَك تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ فَلَزِمَك عَلَى هَذَا تَجْوِيزُ النَّسْخِ بِالْقِيَاسِ. قِيلَ لَهُ: مَا يُوجِبُ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ مِنْ لَفْظٍ أَوْ دَلَالَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُقَارِنًا لِلَفْظِ الْعُمُومِ، وَلَا جَائِزٌ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُ فَلَمْ يَلْزَمْنَا مَعَ وُجُودِ دَلَالَةِ الْخُصُوصِ (اعْتِقَادُ الْعُمُومِ قَطُّ وَتَكُونُ دَلَالَةُ الْخُصُوصِ) بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ بِالْجُمْلَةِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا سَلَفَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُخَلِّي أَحَدًا مَحْجُوجًا بِحُكْمِ آيَةٍ ظَاهِرُهَا ظَاهِرُ الْعُمُومِ وَمُرَادُهُ الْخُصُوصُ مِنْ أَنْ يُورِدَ عَلَيْهِ دَلَالَةَ الْخُصُوصِ عَقِيبَ كَوْنِهِ مَحْجُوجًا بِالْعُمُومِ وَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهُ بَيَانُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَلْزَمَهُ اعْتِقَادَ الْعُمُومِ فِيمَا أَرَادَ بِهِ الْخُصُوصَ فَكَأَنَّهُ أَمَرَ بِاعْتِقَادِ خِلَافِ مَا أَرَادَ وَمَا هُوَ حُكْمُهُ جَلَّ (وَعَزَّ) (عَنْ) ذَلِكَ وَتَعَالَى. فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ التَّخْصِيصِ مُقْتَرِنَةً بِلَفْظِ الْعُمُومِ كَاقْتِرَانِ الِاسْتِثْنَاءِ بِالْجُمْلَةِ

стр. 149

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ وَرَدَتْ فِي صِيَامِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ شَرْطُ التَّتَابُعِ (وَ) وُرُودُهُ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ لِمَا رُوِيَ (أَنَّهُ) فِي حَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] مُتَتَابِعَاتٍ فَمَنَعْت بِهِ إطْلَاقَ مَا فِي الْآيَةِ وَهَذَا (يَجْرِي عِنْدَك) مَجْرَى النَّسْخِ وَمَا عَدَّ مُخَالِفُك فِي الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَالنَّفْيِ مَعَ الْجَلْدِ مَا أَجَزْتَهُ فِي ذَلِكَ. قِيلَ لَهُ: لَمْ يَكُنْ حَرْفُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَهُمْ وَارِدًا مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ لِأَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانُوا يَقْرَءُونَ بِحَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا يَقْرَءُونَ بِحَرْفِ زَيْدٍ. وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يُعَلِّمُونَا وَنَحْنُ فِي الْكُتَّابِ حَرْفَ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا يُعَلِّمُونَا

стр. 150

حَرْفَ (زَيْدٍ) . وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يُصَلِّي بِهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَيَقْرَأُ لَيْلَةً بِحَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ وَلَيْلَةً بِحَرْفِ زَيْدٍ فَإِنَّمَا أَثْبَتُوا هَذِهِ الزِّيَادَةَ بِحَرْفِ عَبْدِ اللَّهِ لِاسْتِفَاضَتِهِ وَشُهْرَتِهِ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا نُقِلَ إلَيْنَا الْآنَ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ لِأَنَّ النَّاسَ تَرَكُوا الْقِرَاءَةَ (بِهِ) وَاقْتَصَرُوا عَلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا كَلَامُنَا عَلَى أُصُولِ الْقَوْمِ وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى أَصْلِهِمْ. وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسَائِلَ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَاهُنَا مِقْدَارَ مَا يُوقَفُ بِهِ عَلَى طَرِيقَةِ الْعُمُومِ فِي هَذَا الْبَابِ وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ وَجْهَ قَبُولِنَا لِخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ الَّذِي ثَبَتَ خُصُوصُهُ بِالِاتِّفَاقِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ. وَنَحْنُ نُبَيِّنُ الْآنَ سَائِرَ الْوُجُوهِ الَّتِي جَوَّزْنَا تَخْصِيصَهَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنَّا الْقَوْلُ فِيهِ

стр. 151

فَنَقُولُ: إنَّ اللَّفْظَ إذَا كَانَ مُحْتَمِلًا لِلْمَعَانِي فَخَبَرُ الْوَاحِدِ مَقْبُولٌ فِي إثْبَاتِ الْمُرَادِ بِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الِاحْتِمَالَ يَمْنَعُ وُقُوعَ الْعِلْمِ بِالْمُرَادِ وَيَجْعَلُهُ مَوْقُوفَ الْحُكْمِ عَلَى الْبَيَانِ فَاحْتَجْنَا إنْ نَسْتَدِلَّ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا فَيُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي إثْبَاتِ حُكْمِهَا وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فِيهِ احْتِمَالٌ لِلْحَيْضِ وَالطُّهْرِ جَمِيعًا، وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ ﵄ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «طَلَاقُ الْأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ» وَكَانَ مَقْبُولًا لِأَنَّهُ بَيَّنَ مُرَادَ الْآيَةِ (الْمُفْتَقِرَةِ إلَى) الْبَيَانِ وَبِمِثْلِ هَذَا قَبِلْنَا خَبَرَ الْوَاحِدِ فِي بَيَانِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ الْمُفْتَقِرَةِ إلَى الْبَيَانِ. وَأَمَّا مَا اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي مَعْنَاهُ وَسَوَّغُوا الِاخْتِلَافَ فِيهِ وَتَرْكَ الظَّاهِرِ بِالِاجْتِهَادِ فَإِنَّا قَبِلْنَا فِيهِ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَسَوَّغْنَا الْقِيَاسَ أَيْضًا فِي إثْبَاتِ الْمُرَادِ بِهِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ السَّلَفَ لَمَّا كَانُوا الَّذِينَ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ وَلَمْ يَكُنْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وَلَا يَسُوغُ مَعَهُ الِاجْتِهَادُ مِمَّا هُوَ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ وَيَسُوغُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ بِمَا اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ

стр. 152

لَفْظٍ ظَاهِرُهُ يَتَنَاوَلُ فِي اللُّغَةِ مَعْنًى مَعْقُولًا فَعَدَلَ بَعْضُهُمْ عَنْ ظَاهِرِهِ (ثُمَّ عَلِمَ) بِهِ الْآخَرُونَ فَلَمْ (يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ) دَلَّنَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ تَوْقِيفٌ لَهُمْ عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِي مِثْلِهِ إمَّا بِقَوْلٍ مِنْهُ وَإِمَّا بِحَالٍ شَاهِدُوهَا اسْتَجَازُوا بِهَا الْقَوْلَ فِيهِ مِنْ طَرِيقِ الرَّأْيِ وَتَرْكَ الظَّاهِرِ وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] وَحَقِيقَةُ الْمُلَامَسَةِ (هِيَ) عَلَى اللَّمْسِ بِالْيَدِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْبَدَنِ، وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ. ثُمَّ وَجَدْنَا الصَّحَابَةَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ (﵄) فِي آخَرِينَ مِنْهُمْ هُوَ عَلَى الْجِمَاعِ وَقَالَ (عُمَرُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ) ﵄ هُوَ عَلَى اللَّمْسِ بِالْيَدِ وَلَمْ يُنْكِرَا عَلَى مَنْ قَالَ هُوَ (عَلَى) الْجِمَاعِ عُدُولَهُمْ عَنْ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ وَصَرِيحِهِ إلَى الْمَجَازِ وَالْكِنَايَةِ وَسَوَّغُوا لَهُمْ الِاجْتِهَادَ فِيهِ فَصَارَ إجْمَاعُهُمْ عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِيهِ مَانِعًا مِنْ وُقُوعِ الْعِلْمِ بِالْمُرَادِ بِنَفْسِ اللَّفْظِ ثُمَّ رَوَى حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ» جَازَ الْحُكْمُ

стр. 153

عَلَى مَعْنَى الْآيَةِ بِهَذَا الْخَبَرِ وَإِنْ كَانَ وُرُودُهُ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي قَبُولِهِ دَفْعٌ لِمَا يَصِحُّ ثُبُوتُهُ مِنْ طَرِيقٍ تُوجِبُ الْعِلْمَ. وَنَظِيرُهُ أَيْضًا: قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] حَقِيقَتُهُ عَلَى (أَنَّ) اللَّمْسَ بِالْيَدِ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ وَاخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي الْمُرَادِ بِهِ. فَقَالَ (عَلِيٌّ وَعُمَرُ ﵄) فِي عَامَّةِ الصَّحَابَةِ إنَّ الْمُرَادَ الْخَلْوَةُ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ (ابْنُ مَسْعُودٍ) وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ (إنَّ) الْمُرَادَ الْجِمَاعُ فَسَوَّغَ الْجَمِيعُ الِاجْتِهَادَ فِي طَلَبِ الْمَعْنَى فَجَازَ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِي مِثْلِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَشَفَ خِمَارَ امْرَأَةٍ ثُمَّ طَلَّقَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْمَهْرُ» فَجَازَ إثْبَاتُ الْمُرَادِ بِمِثْلِهِ.

стр. 154

وَيَجُوزُ أَيْضًا الِاسْتِدْلَال عَلَى الْمُرَادِ فِي مِثْلِهِ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ لِأَنَّ حُكْمَ اللَّفْظِ صَارَ مُسْتَدْرَكًا كُلُّهُ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ فَسَاغَ (قَبُولُ) خَبَرِ الْوَاحِدِ فِيهِ وَاسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ فِي إدْرَاكِ مَعْنَاهُ. وَمِنْ الْأَخْبَارِ الَّتِي يُرَدُّ بِهَا ظَاهِرُ الْكِتَابِ خَبَرُ الْقَسَامَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ حَلَفَ عَلَى مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَقَالَ اللَّهُ ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وَقَالَ: ﴿إلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وَلَمْ يَثْبُتْ خُصُوصُ هَذِهِ الْآيَاتِ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ الْإِجْمَاعُ وَاقِعٌ (فِي) أَنَّ أَحَدًا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الْغَيْرِ بِحَقٍّ لَا يَعْلَمُ صِحَّتَهُ وَثُبُوتَهُ فَكَيْفَ بِمَنْ يَشْهَدُ بِمَا هُوَ مُعْتَرِفٌ بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ وَلَمْ يَشْهَدْهُ ثُمَّ يَحْلِفُ عَلَيْهِ. وَنَحْوُ حَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ إذَا اُسْتُعْمِلَ عَلَى مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ

стр. 155

كَانَ (خِلَافَ) ظَاهِرَ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ يُوجِبُ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى شَاةً بِصَاعِ تَمْرٍ فَوَجَدَهَا مُصَرَّاةً أَنْ يَرُدَّهَا وَيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ حِصَّةَ اللَّبَنِ أَقَلُّ مِنْ صَاعٍ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وَمِنْهُ حَدِيثُ الْقُرْعَةِ مَذْهَبُ الْمُخَالِفِ فِيهِ خِلَافُ الْكِتَابِ وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ﴾ [المائدة: ٩٠] الْآيَةَ وَاسْتِعْمَالُ الْقُرْعَةِ عَلَى مَا يَقُولُهُ مُخَالِفُونَا مِنْ الْمَيْسِرِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ لِآخَرَ قَارَعْتُك عَلَى أَنَّ مَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ فَهُوَ عَبْدٌ أَوْ فَلَهُ كَذَا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَرِيضَ كَانَ (مَالِكًا لِجَمِيعِ) مَالِهِ فِي الْمَرَضِ جَائِزَ التَّصَرُّفِ فِيهِ إلَى أَنْ يَرِدَ الْمَوْتُ فَثَبَتَ حَقُّ الْوَرَثَةِ فِي الثُّلُثَيْنِ وَلَا يَثْبُتُ حَقُّهُمْ فِي الثُّلُثِ لَا فِي (حَالِ) الْحَيَاةِ وَلَا بَعْدَ الْمَوْتِ إذَا أَعْتَقَهُمْ فِي الْمَرَضِ، فَلَمَّا أَعْتَقَهُمْ وَلَا مَالَ لَهُ (غَيْرُهُمْ) نَفَذَ عِتْقُهُ فِي ثُلُثِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (لَا مَحَالَةَ إذْ) لَا حَقَّ فِيهِ لِأَحَدٍ فَإِذَا أَخْرَجْنَا بَعْضَهُمْ مِنْ الْعِتْقِ رَأْسًا وَجَعَلْنَاهَا لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا كُلَّهَا بَدْءًا بِالْقُرْعَةِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلَيْنِ تَقَارَعَا وَهُمَا حُرَّانِ عَلَى أَنَّ مَنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْقُرْعَةُ مِنْهُمَا فَهُوَ عَبْدٌ، وَهَذَا أَفْحَشُ

стр. 156

مِنْ الْمَيْسِرِ وَالْقِمَارِ اللَّذَيْنِ حَرَّمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْتَعْمِلُونَهَا فَلِذَلِكَ صَارَ مَعْنَى هَذَا الْخَبَرِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُخَالِفًا لِلْقُرْآنِ. وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا رَوَى سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ» وَهَذَا إنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ كَانَ مُخَالِفًا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] فَلَمْ يَجُزْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ إجْرَاؤُهُ عَلَى مَعْنًى يُخَالِفُ الْقُرْآنَ عِنْدَ الْجَمِيعِ.

стр. 157

وَنَظِيرُهُ: مَا رَوَى فُضَيْلُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَدُ زِنًا وَلَا وَلَدُهُ» وَهَذَا مِثْلُ الْأَوَّلِ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ مِنْ جِهَةِ الْأَفْرَادِ مِمَّا يُخَالِفُ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ فَأَمَّا مَتَى أَمْكَنَّا اسْتِعْمَالُهَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُخَالِفُ الْقُرْآنَ اسْتَعْمَلْنَاهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ وَلَمْ نُلْغِهَا، كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» . إنْ مَعْنَاهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِيَهُودِيٍّ يَبْكُونَ عَلَيْهِ فَقَالَ إنَّهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَيُعَذَّبُ» وَخَبَرُ الْمُصَرَّاةِ وَخَبَرُ الْقُرْعَةِ جَمِيعًا مُسْتَعْمَلَانِ عِنْدَنَا عَلَى وَجْهٍ لَا يُخَالِفُ الْقُرْآنَ فَهُوَ أَوْلَى مِمَّنْ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى وَجْهٍ يُخَالِفُ بِهِ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوَاضِعَ

стр. 158

وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي وَلَدِ الزِّنَا أَنَّهُ شَرُّ الثَّلَاثَةِ وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ (وَلَا وَلَدُهُ) فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ أَشَارَ (بِهِ) إلَى أَشْخَاصٍ بِأَعْيَانِهِمْ فَحَكَمَ فِيهِمْ بِهَذَا الْحُكْمِ لِعِلْمِهِ ﵇ بِأَحْوَالِهِمْ الَّتِي يَسْتَحِقُّونَ بِهَا ذَلِكَ وَقَدْ رَوَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: إذَا حُدِّثْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا تُنْكِرُونَهُ فَظُنُّوا بِهِ الَّذِي (هُوَ أَهْنَا وَاَلَّذِي هُوَ أَنْقَى) . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ " إذَا حَدَّثْتُكُمْ بِحَدِيثِ أَتَيْتُكُمْ بِمِصْدَاقِ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ". فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْخَبَرِ الْمُخَالِفِ فِي ظَاهِرِهِ لِحُكْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ إذَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ وَأَنْ لَا يُسْتَعْمَلَ عَلَى وَجْهٍ يُخَالِفُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ الثَّابِتَةَ.

стр. 159

[بَاب الْقَوْلُ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ] قَالَ أَبُو بَكْرٍ: (كُلُّ مَا) لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ بِالْقِيَاسِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ. فَمَا لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ فَبِالْقِيَاسِ أَحْرَى أَنْ لَا يُخَصَّ وَهَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا. قَالَ مُحَمَّدُ (بْنُ الْحَسَنِ) فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَذَكَرَ قَوْلَ عَطَاءٍ فِي الْمُحْصَرِ إذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا أَنَّهُ يَصُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَيَحِلُّ قِيَاسًا عَلَى هَدْيِ الْمُتْعَةِ فِي قِيَامِ (صَوْمِ) عَشَرَةِ أَيَّامٍ مَقَامَهُ عِنْدَ عَدَمِهِ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُ الْهَدْيِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ صَوْمًا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ فَنَحْنُ نُبْهِمُ مَا أَبْهَمَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الصَّوْمَ فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلَا يَسْتَقِيمُ الرَّأْيُ وَالْقِيَاسُ فِي التَّنْزِيلِ، إنَّمَا يُقَاسُ عَلَى التَّنْزِيلِ فَأَمَّا التَّنْزِيلُ بِعَيْنِهِ فَلَا يُقَاسُ. قَاسَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْأُمَّ عَلَى الْبِنْتِ فِي الدُّخُولِ فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ عُمَرُ وَغَيْرُهُ وَقَالُوا: (قَدْ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] مُبْهَمَةٌ.

стр. 160

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ اللَّهُ تَعَالَى ". فَاسْتَفَدْنَا مِنْ هَذَا (الْفَصْلِ) مِنْ قَوْلِ مُحَمَّدٍ شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ الْقَوْلَ بِالْعُمُومِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَنْصُوصَاتِ لَا يُقَاسُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ. وَقَدْ دَلَّ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى تَخْصِيصَ الْعُمُومِ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ خُصُوصُهُ

стр. 161

بِالْقِيَاسِ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ خَصَّ بِقِيَاسٍ فَلَا بُدَّ (مِنْ) أَنْ يَكُونَ قِيَاسُهُ مَبْنِيًّا عَلَى أَصْلٍ مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ، وَقَدْ مَنَعَ مُحَمَّدٌ ذَلِكَ. فَالْأَصْلُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ مِنْ وَجْهٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ لَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ إلَّا بِمَا يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَغَيْرُ جَائِزٍ تَرْكُهُ بِمَا لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ لَا عَلَى وَجْهِ النَّسْخِ وَلَا عَلَى وَجْهِ التَّخْصِيصِ فَعُمُومُ الْقُرْآنِ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ خُصُوصُهُ بِالِاتِّفَاقِ ثَابِتٌ مِنْ جِهَةٍ تُوجِبُ الْعِلْمَ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِالْقِيَاسِ إذْ لَا يَقْضِي بِنَا الْقِيَاسُ إلَى الْعِلْمِ (بِحَقِيقَةِ مَا يُؤَدِّينَا) إلَيْهِ مِنْ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ. وَإِذَا ثَبَتَ خُصُوصُ اللَّفْظِ بِالِاتِّفَاقِ جَازَ تَخْصِيصُهُ بَعْضَ مَا انْتَظَمَهُ اللَّفْظُ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ خُصُوصُهُ بِالِاتِّفَاقِ حَصَلَ اللَّفْظُ مَجَازًا عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَسَاغَ الِاجْتِهَادُ فِي تَرْكِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ فَصَارَ حُكْمُ الْعُمُومِ فِي هَذَا ثَابِتًا مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ فَجَازَ اسْتِعْمَالُ النَّظَرِ فِي تَخْصِيصِهِ بِخُرُوجِ لَفْظِ الْعُمُومِ مِنْ إيجَابِ الْعِلْمِ بِمَا انْطَوَى تَحْتَهُ مِنْ الْمُسَمَّيَاتِ، لِأَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ إنَّ الْبَاقِيَ بَعْدَ التَّخْصِيصِ عَلَى الْعُمُومِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَغَالِبِ الظَّنِّ دُونَ الْيَقِينِ وَحَقِيقَةِ الْعِلْمِ، وَمَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ جَازَ تَخْصِيصُهُ بِمَا كَانَ طَرِيقُهُ غَالِبَ الظَّنِّ مِنْ خَبَرِ وَاحِدٍ أَوْ قِيَاسٍ. وَأَمَّا مَا كَانَ وُرُودُهُ مِنْ جِهَةِ رِوَايَاتِ الْأَفْرَادِ فَإِنْ تَخْصِيصَهُ جَائِزٌ عِنْدَنَا بِالْقِيَاسِ مِنْ قِبَلِ

стр. 162

أَنَّ طَرِيقَ ثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ اجْتِهَادٌ لَا يُفْضِي بِنَا إلَى حَقِيقَةِ عِلْمٍ وَسَاغَ الِاجْتِهَادُ فِي تَخْصِيصِهِ كَمَا سَاغَ الِاجْتِهَادُ فِي رَدِّهِ رَأْسًا. أَلَا تَرَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ مَقْبُولٌ فِي الْأَصْلِ اجْتِهَادًا عَلَى جِهَةِ حُسْنِ الظَّنِّ بِالرَّاوِي وَأَنَّهُ يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ فِي رَدِّهِ فَلَأَنْ يَجُوزَ الِاجْتِهَادُ فِي تَخْصِيصِهِ أَوْلَى. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَلَّا خَصَصْت عُمُومَ الْقُرْآنِ الَّذِي لَمْ يَثْبُتْ خُصُوصُهُ بِالِاتِّفَاقِ بِالْقِيَاسِ إذْ كَانَ حُكْمُ الْعُمُومِ لَازِمًا وَالْقَوْلُ بِالِاعْتِبَارِ وَاجِبًا أَيْضًا فَهَلَّا اسْتَعْمَلْتَهُمَا جَمِيعًا وَلَمْ تُسْقِطْ أَحَدَهُمَا بِالْآخِرِ كَالْآيَتَيْنِ إحْدَاهُمَا خَاصَّةٌ وَالْأُخْرَى عَامَّةٌ أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُمَا جَمِيعًا مَا أَمْكَنَ وَلَا يَسْقُطُ حُكْمُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى. قِيلَ لَهُ: إنَّ الْقَوْلَ بِالْقِيَاسِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فِيمَا يَقُومُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ فَإِنَّهُ عَمَلٌ بِغَالِبِ الظَّنِّ لَا يُفْضِي بِنَا إلَى حَقِيقَةٍ لِأَنَّا نُجَوِّزُ الْخَطَأَ عَلَى أَنْفُسِنَا فِيمَا طَرِيقُهُ الِاسْتِنْبَاطُ مِنْ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ، وَعُمُومُ الْقُرْآنِ يُفِيدُنَا الْعِلْمَ بِمُوجِبِهِ فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ بِمَا لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَلَفَ. وَأَمَّا الْآيَتَانِ إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا خَاصَّةً فَإِنَّ لَنَا شَرَائِطَ فِي اسْتِعْمَالِ حُكْمِهَا لَيْسَ هَذَا مَوْضُوعَ ذِكْرِهَا. وَمَتَى جَمَعْنَا بَيْنَ حُكْمِ الْآيَتَيْنِ وَاسْتَعْمَلْنَاهُمَا فَإِنَّمَا خَصَّصْنَا إحْدَاهُمَا بِمِثْلِهَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تُوجِبُ الْعِلْمَ بِمُقْتَضَاهَا. وَأَيْضًا فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ الْعُمُومِ مِنْ الِاعْتِبَارِ فَلِمَ جَعَلْت اعْتِبَارَ الْقِيَاسِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ الْعُمُومِ. فَإِنْ قَالَ: لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] عَامٌّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ.

стр. 163

قِيلَ لَهُ: وَالْقَوْلُ بِالْعُمُومِ وَاجِبٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فَلِمَ جَعَلْت الْقِيَاسَ أَوْلَى مِنْهُ مَعَ شُمُولِ اللَّفْظِ؟ . وَأَيْضًا: فَإِنَّ الَّذِي أَمَرَنَا بِالِاعْتِبَارِ هُوَ الَّذِي أَمَرَنَا بِالْحُكْمِ بِالْعُمُومِ فَلِمَ جَعَلْت الِاعْتِبَارَ أَوْلَى مِنْ حُكْمِ الْعُمُومِ؟ . فَإِنْ قَالَ: اسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ مَعَ الْعُمُومِ أَوْلَى مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْعُمُومِ دُونَ الْقِيَاسِ. قِيلَ لَهُ: هَذَا مُحَالٌ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُك اسْتِعْمَالُ الْعُمُومِ مَعَ اسْتِعْمَالِ الْقِيَاسِ الْمُوجِبِ لِتَخْصِيصِهِ وَلَسْت تَنْفَكُّ مَعَهُ مِنْ تَرْكِ الْعُمُومِ. فَإِنْ قَالَ: لِأَنِّي أَسْتَعْمِلُ بَعْضَ مَا شَمَلَهُ اللَّفْظُ مَعَ الْقِيَاسِ. قِيلَ لَهُ: فَقَدْ تَرَكْت بَعْضَهُ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ بَيْنَنَا وَبَيْنَك فِيمَا تَرَكْت مِنْ حُكْمِ اللَّفْظِ لَا فِيمَا اسْتَعْمَلْت لِأَنَّ اسْتِعْمَالَك لِمَا اسْتَعْمَلْته مِنْهُ غَيْرُ مُخْرِجِك (مِنْ تَرْكِ مَا) تَرَكْتَهُ مِنْهُ وَعَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُمُومًا فِي اسْتِعْمَالِ الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ فِيهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لِعِلْمِنَا مَعَ وُرُودِ اللَّفْظِ بِامْتِنَاعِ (جَوَازِ) اسْتِعْمَالِ الْقِيَاسِ فِي كُلِّ شَيْءٍ فَصَارَ مَجْرَاهُ مَجْرَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَا يَصِحُّ اعْتِقَادُ الْعُمُومِ فَيَحْتَاجُ إلَى دَلَالَةٍ أُخْرَى فِي إثْبَاتِ حُكْمِهِمَا نَحْوُ قَوْلِهِ «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» وقَوْله تَعَالَى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] إذَا أُرِيدَ بِهِ الْإِيجَابُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ

стр. 164

عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي صِفَةِ الْمُجْمَلِ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِعُمُومِهِ فِي اسْتِعْمَالِ الْقِيَاسِ فِي مَوْضِعٍ يُخَالِفُك فِيهِ خَصْمُك. وَأَيْضًا: فَإِنَّ اعْتِبَارَ الْعُمُومِ آكَدُ مِنْ الْقِيَاسِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعُمُومَ لَا بُدَّ مِنْ (أَنْ) يَنُصَّ لُزُومُ اسْتِعْمَالِهِ إمَّا فِي الْجَمِيعِ وَإِمَّا فِي الْبَعْضِ، وَلَيْسَ اسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ جَائِزًا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ لِأَنَّ مِنْ الْأُصُولِ مَا لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ أَصْلًا، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْعُمُومِ لَا يُسْتَعْمَلُ حُكْمُهُ بِحَالٍ فَصَارَ حُكْمُ الْعُمُومِ آكَدَ مِنْ حُكْمِ الْقِيَاسِ فَغَيْرُ جَائِزٍ تَرْكُهُ بِهِ. وَعَلَى أَنَّ مُخَالِفَنَا فِي ذَلِكَ كَانَ أَوْلَى النَّاسِ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ تَرْكِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّ الَّذِي يَدُلُّ عِنْدَهُ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَلِ جَرْيُهَا فِي مَعْلُولِهَا وَأَنْ لَا يَرُدَّهَا أَصْلٌ، وَالْعُمُومُ أَصْلٌ يَرُدُّ هَذِهِ الْعِلَّةَ الَّتِي تَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ وَتَرْكَ الْعُمُومِ بِهَا، فَهَلَّا كَانَ الْقِيَاسُ مُمْتَنِعًا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِاعْتِرَاضِ هَذَا الْأَصْلِ عَلَيْهِ وَيَكُونُ اعْتِبَارُ الْعُمُومِ أَوْلَى مِنْهُ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْعُمُومَ يَحْصُلُ مُخَصِّصًا بِقَوْلِهِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ (لِلَّهِ تَعَالَى) عَلَى وُجُوبِ تَخْصِيصِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ثَبَتَتْ الْعِلَّةُ بِقَوْلِهِ هَذِهِ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ دُونَ أَنْ يُقِيمَ عَلَيْهَا دَلِيلًا مِنْ غَيْرِهَا، وَجَرْيُهَا فِي مَعْلُولِهَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى صِحَّتِهَا لِأَنَّهُ قَوْلُ الْمُخَالِفِ أَيْضًا فَجَعَلَ دَلِيلَهُ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَاهُ دَعْوَى أُخْرَى أَضَافَهَا إلَيْهِ وَمِنْ شَرْطِهَا (أَيْضًا عِنْدَهُ) أَنْ لَا يَرُدَّهَا أَصْلٌ فَلَمْ يَعْتَبِرْ فَسَادَهَا بِرَدِّ الْعُمُومِ إيَّاهَا وَهُوَ أَصْلٌ فَحَصَلَ الْعُمُومُ إذَا خُصَّ بِالْقِيَاسِ مَخْصُوصًا بِقَوْلِهِ لَا بِدَلِيلٍ لِلَّهِ عَلَى خُصُوصِهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ اسْتَعْمَلَتْ الْأُمَّةُ الْقِيَاسَ فِي تَخْصِيصِ الْعُمُومِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ

стр. 165

﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] إلَى قَوْلِهِ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] فَجَعَلَ مِيرَاثَ الْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] . وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ مِيرَاثَ الْوَلَدِ وَسَائِرِ الْوَرَثَةِ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ. قِيلَ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ مِيرَاثَ الْوَلَدِ بَدْءًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] ثُمَّ قَالَ فِي سِيَاقِهِ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء: ١١] يَعْنِي الْبِنْتَ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١١] فَسِيَاقُهُ الْخِطَابُ بَعْدُ فِي حُكْمِ الْوَلَدِ وَالْأَبَوَيْنِ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ الْأَبَوَيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ فَقَالَ ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ١١] فَلَمْ يَنْقَضِ ذِكْرُ الْوَلَدِ حَتَّى شَرَطَ تَقْدِيمَ الدَّيْنِ عَلَى الْمِيرَاثِ ثُمَّ ذَكَرَ مِيرَاثَ الزَّوْجَيْنِ وَعَقَّبَهُ بِذِكْرِ الدَّيْنِ ثُمَّ الْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ وَحَكَمَ فِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَأَيْنَ مَوْضِعُ الْقِيَاسِ فِي تَقْدِيمِ الدَّيْنِ عَلَى الْمِيرَاثِ، وَهُوَ مَذْكُورٌ مَعَ سَائِرِ الْمَوَارِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ؟ . وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى ذَلِكَ أَوَّلُهَا وَآخِرُهَا وَمَا حَصَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعُ فَاعْتِبَارُ الْقِيَاسِ فِيهِ خَطَأٌ. فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ قِيَاسًا عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ تَقْدِيمُ الدَّيْنِ. قِيلَ لَهُ: وَمَا يُدْرِيك أَنَّهَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ وَلَعَلَّ الصَّدْرَ الْأَوَّلَ إنَّمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ تَوْقِيفٍ أَوْ قَدْ يَكُونُ الْإِجْمَاعُ تَارَةً عَنْ تَوْقِيفٍ وَتَارَةً عَنْ رَأْيٍ.

стр. 166

فَإِنْ قَالَ: لَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ هَذَا فِي ذَلِكَ لَجَازَ فِي كُلِّ إجْمَاعٍ. قِيلَ لَهُ: (كُلُّ مَا أَجْمَعَ) عَلَيْهِ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ فَجَائِزٌ أَنْ يُقَالَ فِيهِ إنَّ إجْمَاعَهُمْ حَصَلَ عَنْ تَوْقِيفٍ مَا لَمْ يُخْبِرُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى رَأْيٍ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ خَاصَّةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَقَدْ يَجُوزُ عِنْدَنَا تَخْصِيصُ مَا هَذَا سَبِيلُهُ مِنْ الظَّاهِرِ بِالْقِيَاسِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ الْوَاقِعَ عَنْ رَأْيٍ لَيْسَ هُوَ فِي مَعْنَى الرَّأْيِ لَوْ انْفَرَدَ، لِأَنَّ الرَّأْيَ إذَا انْفَرَدَ عَنْ الْإِجْمَاعِ سَاغَ تَرْكُهُ بِرَأْيٍ مِثْلِهِ، وَمَتَى انْضَافَ إلَيْهِ الْإِجْمَاعُ سَقَطَ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الرَّأْيِ فِي خِلَافِهِ. وَأَيْضًا: فَإِنَّا نُجِيزُ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ بِقِيَاسٍ يُسَاعِدُهُ الْإِجْمَاعُ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِهِ (بِقِيَاسٍ) مُفْرَدٍ عَنْ الْإِجْمَاعِ فَإِنَّ هَذَا هُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ. وَقَالَ مِنْهُمْ قَائِلٌ: الْعُمُومُ ظَاهِرٌ وَالْقِيَاسُ بَاطِنٌ وَإِذَا اجْتَمَعَا كَانَ الْبَاطِنُ قَاضِيًا عَلَى الظَّاهِرِ كَرَجُلَيْنِ شَهِدَا بِعَدَالَةِ رَجُلٍ وَآخَرَانِ بِجَرْحِهِ فَيَكُونُ شَهَادَةُ الْجَرْحِ أَوْلَى لِأَنَّهُمَا أَخْبَرَا عَنْ بَاطِنٍ. وَهَذَا كَلَامٌ فَارِغٌ لَيْسَ تَحْتَهُ مَعْنًى وَتَشْبِيهٌ بَعِيدٌ مِمَّا ذُكِرَ مِنْ أَمْرِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى مِثْلِهِ إلَّا غِرٌّ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ إنَّمَا سَمَّى مُوجِبَ الْقِيَاسِ بَاطِنًا لِأَنَّهُ تَوَصَّلَ إلَيْهِ بِنَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ، وَسَمَّى الْعُمُومَ ظَاهِرًا مِنْ حَيْثُ هُوَ مَذْكُورٌ (بِاسْمِهِ) فَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُهُ فِي هَذَا تَجْوِيزُ نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالْقِيَاسِ لِأَنَّهُ بَاطِنٌ فِي زَعْمِهِ، وَالْمَذْكُورُ بِاسْمِهِ الظَّاهِرُ وَيَجِبُ عَلَى قَضِيَّةِ

стр. 167

هَذِهِ أَنْ يَكُونَ الْعِلْمُ بِالْمَحْسُوسَاتِ لَمَّا كَانَ ظَاهِرًا وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بَاطِنًا لِأَنَّهُ تَوَصَّلَ إلَيْهِ بِنَظَرٍ (لَا يَجُوزُ) قِيَامُ دَلِيلٍ عَلَى نَفْيِ الْمَحْسُوسِ لِأَنَّ هَذَا بَاطِنٌ، وَالْمَحْسُوسُ ظَاهِرٌ. فَإِنْ قَالَ: مَا يَقْضِي عَلَى الْحِسِّ لَا يَكُونُ دَلِيلًا لِأَنَّ صِحَّةَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِصِحَّتِهِ وَبَيَانِهِ. قِيلَ لَهُ: وَمَا يَقْضِي عَلَى الْعُمُومِ مِنْ الْقِيَاسِ لَا يَكُونُ دَلِيلًا لِأَنَّ دَلَائِلَ الْأَحْكَامِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السَّمْعِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فَرْعٌ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْعُ قَاضِيًا عَلَى الْأَصْلِ. فَإِنْ قَالَ: لِأَنِّي أَقِيسُهُ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ. قِيلَ لَهُ: كَيْفَ صَارَ قِيَاسُهُ عَلَى أَصْلٍ آخَرَ وَهُوَ فَرْعٌ لَهُ أَوْلَى مِنْ اسْتِعْمَالِ أَصْلٍ آخَرَ غَيْرِهِ، وَهَلْ يُخْرِجُك هَذَا مِنْ أَنْ تَكُونَ قَدْ جَعَلْت الْفَرْعَ آكَدَ مِنْ الْأَصْلِ وَجَعَلْت الْمُسْتَنْبَطَ أَوْلَى مِنْ الْمَذْكُورِ. وَأَمَّا مَا ذَكَرَ مِنْ (أَمْرِ) الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ فَإِنَّ شَاهِدَيْ الْجَرْحِ قَدْ ذَكَرَا الْجَرْحَ وَنَصَّا عَلَيْهِ كَمَا ذَكَرَهُ شَاهِدَا التَّعْدِيلِ وَنَصَّا عَلَيْهِ وَأَيُّ بَاطِنٍ هَاهُنَا. وَإِنَّمَا قَضَيْت بِأَحَدِ الْمَسْمُوعِينَ عَلَى الْآخَرِ. فَإِنْ قَالَ: لِأَنَّ الْمُخْبِرَ بِالْجَرْحِ يُخْبِرُ عَنْ بَاطِنٍ عَلِمَهُ وَالْمُخْبِرُ بِالتَّعْدِيلِ إنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ ظَاهِرٍ يَجُوزُ مَعَهُ أَنْ يَكُونَ بَاطِنُهُ بِخِلَافِهِ. قِيلَ لَهُ: وَكَذَا فَقُلْ فِي الْعُمُومِ إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِلَفْظِ عُمُومٍ يَكُونُ بَاطِنُهُ بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ كَمَا قُلْت فِي الْمُخْبِرِ (عَنْ الْعَدَالَةِ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ لَزِمَهُ أَنْ يُجَوِّزَ

стр. 168

ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ أَوْ أَمَرَ بِهِ) إنْ لَمْ يُعَارِضْهُ قِيَاسٌ وَلَا لَفْظٌ أَنْ يَكُونَ بَاطِنُهُ خِلَافَ ظَاهِرِهِ كَمَا جَازَ أَنْ يُخْبِرَ شَاهِدَا التَّعْدِيلِ عَنْ عَدَالَةٍ ظَاهِرَةٍ بَاطِنُهَا خِلَافُ ظَاهِرِهَا. فَإِنْ جَوَّزَ ذَلِكَ انْسَلَخَ عَنْ الْمِلَّةِ وَوَصَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِمَا لَا يَصِفُهُ بِهِ مُسْلِمٌ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: إنَّ الَّذِي ذَكَرْته مِنْ أَمْرِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ شَاهِدٌ لَنَا عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا لَوْ جَعَلْنَاهُ أَصْلًا لِمَا ذَكَرْنَا كَانَ أَوْلَى، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْإِخْبَارَ بِالْعَدَالَةِ لَمَّا كَانَ مَرْجِعُهُ إلَى ظَاهِرِ الْحَالِ مِنْ غَيْرِ يَقِينٍ وَلَا حَقِيقَةِ عِلْمٍ بِحَالِهِ وَكَانَ الْإِخْبَارُ بِالْجَرْحِ إنَّمَا (هُوَ) إخْبَارٌ عَنْ حَقِيقَةٍ مُشَاهَدَةٍ مُوجِبَةٍ لِلْفِسْقِ كَانَ الْجَرْحُ أَوْلَى مِنْ التَّعْدِيلِ. كَذَلِكَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ اعْتِبَارُ الْعُمُومِ الْمُوجِبِ لِلْعِلْمِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسٍ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ. فَإِنْ قَالَ: لَمَّا اتَّفَقْنَا عَلَى جَوَازِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُهُ فِي الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ. قِيلَ لَهُ: هَذَا صَحِيحٌ، عَلَى مَا أَصَّلْنَا لِأَنَّ الْقِيَاسَ الْعَقْلِيَّ لَمَّا كَانَ مُفْضِيًا بِنَا إلَى الْعِلْمِ (بِصِحَّةِ مَا أَدَّانَا إلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ يَجُوزُ فِيهِ التَّخْصِيصُ وَكَانَ الْحُكْمُ) بِمُوجَبِ الْعُمُومِ مِنْ طَرِيقٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ إذَا أَطْلَقَ كَانَ الْقِيَاسُ الْعَقْلِيُّ قَاضِيًا عَلَى الْعُمُومِ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى الْعِلْمِ بِمُوجِبَاتِهِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ، وَالْعُمُومُ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِمُوجِبَاتِهِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ إذْ جَائِزٌ إطْلَاقُ لَفْظِ الْعُمُومِ وَالْمُرَادُ الْخُصُوصُ، وَأَمَّا الْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ فَإِنَّمَا هُوَ اجْتِهَادٌ وَغَالِبُ ظَنٍّ لَا يُفْضِي إلَى الْعِلْمِ بِحَقِيقَةِ الْحُكْمِ، وَقَدْ يُوجِبُ عِنْدَنَا أَيْضًا فِيهِ التَّخْصِيصَ وَكَانَ الْحُكْمُ بِالْعُمُومِ الْمُوجِبِ لِلْعِلْمِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِ بِقِيَاسٍ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ أُصُولِ أَصْحَابِنَا فِي هَذَا الْبَابِ مُسْتَمِرًّا عَلَيْهَا. فَإِنْ قَالَ: لَيْسَ إثْبَاتُ الْأَحْكَامِ فِي الشَّرِيعَةِ مَقْصُورًا عَلَى مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ حَتَّى إذَا لَمْ يَكُنْ الْقِيَاسُ مُوجِبًا لِلْعِلْمِ فِيمَا يُؤَدِّي بِنَا إلَيْهِ يَكُونُ مُطَّرَحًا.

стр. 169

قِيلَ لَهُ: لَمْ نَقُلْ إنَّ الْقِيَاسَ مُطَّرَحٌ فِي الْأَصْلِ وَلَا أَنَّ مَا لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ غَيْرُ مَحْكُومٍ (بِهِ) وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ مَا كَانَ هَذَا سَبِيلَهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ الْعُمُومِ بِهِ لِأَنَّ الْعُمُومَ أَوْلَى مِنْهُ وَلَمْ أَذْكُرْ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ لِشُبْهَةٍ مِنْهَا عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ وَلَكِنِّي خَشِيت أَنْ تَمُرَّ بِبَعْضِ الْمُبْتَدَئِينَ مِنْ كُتُبِ الْمُخَالِفِينَ يَظُنُّهَا شُبْهَةً فَكَشَفْنَا عَنْ حَقِيقَتِهَا وَأَنْبَأْنَا عَنْ فَسَادِهَا لِيُعْتَبَرَ بِهِ سَائِرُ حِجَاجِهِمْ وَيُعْلَمَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَذْكُرُونَهُ كَلَامٌ مَارِقٌ يَجْرِي مِنْهُمْ عَلَى غَيْرِ تَحْصِيلٍ وَلَيْسَ يَحْتَاجُ إلَى إفْسَادِهِ إلَى أَكْبَرِ مِنْ الْكَشْفِ عَنْ حَقِيقَتِهِ. . وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُ الْمُخَالِفِينَ أَنَّ شَرْطَ الْإِيمَانِ فِي رَقَبَةِ الْقَتْلِ يَقْتَضِي تَخْصِيصَ رَقَبَةِ الظِّهَارِ بِشَرْطِ الْإِيمَانِ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ وُجُوبَ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ حُكْمُ الْكَلَامِ وَحُكْمُ اللَّفْظِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّفْظَ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ قَالَهُ قِيَاسًا.

стр. 170

وَالْوَجْهَانِ جَمِيعًا عِنْدَنَا فَاسِدَانِ لَا يَخِيلُ وَجْهُ الْفَسَادِ فِيهِمَا عَلَى مُتَأَمِّلٍ نَصَحَ نَفْسَهُ. فَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فَفَسَادُهُ وَسُقُوطُهُ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَشُكَّ فِيهِ عَاقِلٌ. وَذَلِكَ لِأَنَّ قَائِلَهُ لَا يَرْجِعُ فِيهِ إلَى لُغَةٍ وَلَا شَرِيعَةٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي اللُّغَةِ أَنَّ الْقَائِلَ إذَا ذَكَرَ شَيْئًا عُلِّقَ بِهِ حُكْمٌ ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَهُ وَعُلِّقَ بِهِ حُكْمٌ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى الْآخَرِ مُرَتَّبًا عَلَيْهِ وَهُمَا مَعْنَيَانِ مُتَغَايِرَانِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا لَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْفُرُوضُ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ تَعَالَى كُلُّهَا شُرُوطًا بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ مُرَتَّبًا بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذِكْرَ الْكَفَّارَتَيْنِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَبَيْنَ ذِكْرِ الْكَفَّارَةِ وَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَسَائِرِ الْفُرُوضِ فَتَصِيرُ كُلُّهَا كَأَنَّهَا فَرْضٌ وَاحِدٌ مُتَعَلِّقٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَهَذَا ظَاهِرُ الْفَسَادِ. فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي فَرْضٍ وَاحِدٍ إذَا ذُكِرَ فِي مَوْضِعٍ مُقَيَّدٍ ثُمَّ ذُكِرَ فِي غَيْرِهِ مُطْلَقًا أَنْ يَكُونَ الْمُطْلَقُ مَحْمُولًا عَلَى الْمُقَيَّدِ. قِيلَ لَهُ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْت فِي الْفَرْضِ الْوَاحِدِ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْتَ فَلِمَ قُلْت إنَّ الْفَرْضَيْنِ إذَا ذُكِرَ أَحَدُهُمَا مُقَيَّدًا بِحُكْمٍ وَالْآخَرُ مُطْلَقًا أَنَّ الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ.

стр. 171

وَإِنَّمَا كَلَامُنَا مَعَك فِي فَرْضَيْنِ وَكَفَّارَتَيْنِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مُتَعَلِّقَةٌ بِسَبَبٍ غَيْرِ مَا تَعَلَّقَتْ الْأُخْرَى بِهِ. وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ وَبَيْنَ الْكَفَّارَتَيْنِ الْمُخْتَلِفَتَيْنِ وَهَلْ (يُشْكِلُ عَلَى أَحَدٍ أَنَّ) كَفَّارَةَ الْقَتْلِ فَرْضٌ غَيْرُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَأَنَّ (كُلَّ) وَاحِدَةٍ مِنْهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِسَبَبٍ غَيْرِ مَا تَعَلَّقَتْ الْأُخْرَى بِهِ كَسَائِرِ الْفُرُوضِ الْمُخْتَلِفَةِ. فَإِنْ قَالَ: إنَّهُمَا قَدْ جَمَعَهُمَا اسْمُ الْكَفَّارَةِ فَكَانَ شَرْطُ الْإِيمَانِ فِي رَقَبَةِ أَحَدِهِمَا شَرْطًا فِي الْأُخْرَى. قِيلَ لَهُ: فَإِذَا جَمَعَهُمَا اسْمُ الْكَفَّارَةِ وَجَبَ عِنْدَك حَمْلُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى قِيَاسًا أَوْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ اللُّغَةَ تَقْتَضِيهِ. فَإِنْ قَالَ: إنَّ اللُّغَةَ تَقْتَضِي ذَلِكَ. قِيلَ لَهُ: وَعَنْ مَنْ حَكَيْت هَذَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ فَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: وَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ إذَا جَمَعَهُمَا اسْمُ الْكَفَّارَةِ أَنْ تَكُونَ إحْدَاهُمَا مَحْمُولَةً عَلَى الْأُخْرَى فِي الصِّفَةِ الْمَشْرُوطَةِ لِإِحْدَاهُمَا. وَلَوْ كَانَ هَذَا وَاجِبًا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَا شُرِطَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ مَشْرُوطًا فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ، وَكُلُّ مَا شُرِطَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مَشْرُوطًا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا شُرِطَ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ مِنْ الْكَفَّارَاتِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعًا إلَى هَذِهِ الْكَفَّارَاتِ لِأَنَّ الْجَمِيعَ عِنْدَك مِنْ حَيْثُ جَمَعَهُمَا (اسْمُ الْكَفَّارَةِ) كَالْمَعْطُوفِ بَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ، وَالصِّفَةُ الْمَشْرُوطَةُ فِي بَعْضِهِ مَشْرُوطَةٌ فِي جَمِيعِهِ فَيَكُونُ إطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا مَشْرُوطًا فِي الْقَتْلِ وَمَشْرُوطًا

стр. 172

فِي الْيَمِينِ وَفِي جَزَاءِ الصَّيْدِ، وَ (فِي) كُلِّ كَفَّارَةٍ أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى. فَإِنْ قَالَ: لَا يَجِبُ ذَلِكَ لِحُصُولِ الْإِجْمَاعِ بِأَنَّ بَعْضَهَا غَيْرُ مَشْرُوطٍ فِي الْبَعْضِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. قِيلَ لَهُ: إذَا كَانَ الْجَمِيعُ كَأَنَّهُ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ مَعْطُوفٌ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ يَصِيرُ تَقْدِيرُهَا ﴿فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] أَوْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَيَصِيرُ قَوْلُهُ فِي الظِّهَارِ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أَوْ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ وَيَصِيرُ قَوْلُهُ فِي الْقَتْلِ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا لِأَنَّهُ مَشْرُوطٌ فِي الظِّهَارِ وَكُلُّ مَا ذُكِرَ فِي الظِّهَارِ فَمَشْرُوطٌ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَمَا ذُكِرَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فَمَشْرُوطٌ فِي الظِّهَارِ. فَإِنْ اجْمَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ غَيْرُ مَشْرُوطٍ فِي كَفَّارَةٍ أُخْرَى لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا عَلَى وَجْهِ النَّسْخِ لِأَنَّ اللَّفْظَ عِنْدَك قَدْ وَرَدَ بِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْكَفَّارَاتِ كُلَّهَا بَعْضُهَا مَنْسُوخٌ بِبَعْضٍ وَهَذَا تَخْلِيطٌ وَهَذَيَانٌ لَيْسَ يَخْفَى مِثْلُهُ عَلَى عَاقِلٍ. وَيُقَالُ لَهُ: هَلَّا دَلَّك حُصُولُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ شَرَائِطَ كُلِّ كَفَّارَةٍ مِنْ هَذِهِ الْكَفَّارَاتِ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ فِي الْأُخْرَى أَنَّ شَرْطَ الْإِيمَانِ فِي رَقَبَةِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ لَا يُوجِبُ كَوْنَهُ شَرْطًا فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، فَإِذَا لَمْ تَلْجَأْ فِيمَا ادَّعَيْتَ مِنْ ذَلِكَ إلَى لُغَةٍ وَلَا دَلَالَةٍ مِنْ شَرْعٍ وَلَا إجْمَاعٍ بَلْ الْإِجْمَاعُ بِخِلَافِهِ فِي سَائِرِ الشُّرُوطِ فَهَلَّا اسْتَدْلَلْتَ بِذَلِكَ عَلَى فَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ وَانْحِلَالِهِ وَكَانَ الْأَوْلَى بِأَصْلِ الْمُخَالِفِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ شَرْطُ الْإِيمَانِ فِي رَقَبَةِ الْقَتْلِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ رَقَبَةَ الظِّهَارِ غَيْرُ مَشْرُوطٍ فِيهَا الْإِيمَانُ لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْمَخْصُوصَ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا

стр. 173

عَدَاهُ فَحُكْمُهُ بِخِلَافِهِ وَإِذَا خَصَّ رَقَبَةَ الْقَتْلِ بِشَرْطِ الْإِيمَانِ يَنْبَغِي أَنْ يَدُلَّ تَخْصِيصُهُ (لَهَا) بِذَلِكَ عَلَى (أَنَّ) مَا عَدَاهُمَا فَحُكْمُهُ بِخِلَافِهِ. وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: بِأَنَّ هَذَا بِمَنْزِلَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] وَبِمَنْزِلَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] (وَالْمَعْنَى وَالْحَافِظَاتِ فُرُوجَهُنَّ وَالذَّاكِرَاتِ اللَّهَ، وَعَنْ الْيَمِينِ قَعِيدٌ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) . فَيُقَالُ لَهُ: وَلِمَ أَوْجَبْت أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيْثُ كَانَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرِ مُضْمَرًا فِي الثَّانِي أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ الْكَفَّارَاتِ. أَقُلْتَهُ مِنْ طَرِيقِ اللُّغَةِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ. وَلَا يُمْكِنُهُ إثْبَاتُهُ مَتَى طُولِبَ بِالدَّلَالَةِ (عَلَيْهِ) مِنْ لُغَةٍ أَوْ شَرْعٍ وَإِنَّمَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ إضْمَارٌ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ كَلَامٌ لَا يُسْتَعْمَلُ بِنَفْسِهِ بَلْ هُوَ مُفْتَقِرٌ إلَى ضَمِيرٍ فِي إثْبَاتِ فَائِدَتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ انْفَرَدَ عَنْ الضَّمِيرِ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا إذْ لَا يَصِحُّ ابْتِدَاءُ الْخِطَابِ بِقَوْلِهِ " وَالْحَافِظَاتُ وَالذَّاكِرَاتُ " وَنَحْوُ ذَلِكَ فَلَمَّا افْتَقَرَ إلَى ضَمِيرٍ وَخَبَرٍ كَانَ ضَمِيرُهُ هُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مُظْهَرًا (فِي أَوَّلِ الْخِطَابِ) ، وَهَذَا مَعْقُولٌ مِنْ اللُّغَةِ وَخِطَابِ النَّاسِ لَا يَخْفَى أَمْرُهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلَوْ كَانَ اسْتَأْنَفَ (لِلثَّانِي) خَبَرًا لَمَا كَانَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرِ مُضْمَرًا

стр. 174

فِيهِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ وَالْحَافِظَاتُ أَمْوَالَهُنَّ لَمَا كَانَ الْفُرُوجُ الْمَذْكُورَةُ بَدْءًا فِي ذِكْرِ الْأَزْوَاجِ مُضْمَرَةً فِيهِنَّ وَلِذَلِكَ لَوْ قَالَ: وَالذَّاكِرَاتُ آبَاءَهُنَّ أَوْ أَبْنَاءَهُنَّ لَمَا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى مُضْمَرًا لَهُنَّ، هَذَا مَعَ كَوْنِ بَعْضِهِ مَعْطُوفًا عَلَى بَعْضٍ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا لَيْسَ بِمَعْطُوفٍ مُضْمَرًا فِيهِ وَهِيَ قَضِيَّةٌ أُخْرَى وَحُكْمٌ آخَرُ وَارِدٌ فِي سَبَبٍ غَيْرِ الْأَوَّلِ. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] لَوْ انْفَرَدَ (قَوْلُهُ) عَنْ الْيَمِينِ عَنْ ضَمِيرٍ لَمْ يَسْتَقِمْ الْكَلَامُ (فِيهِ) فَوَجَبَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَا تَأَخَّرَ ذِكْرُهُ مِنْ الْخَبَرِ مُضْمَرًا فِيهِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إنِّي أَجْعَلُ الْإِيمَانَ شَرْطًا فِي رَقَبَةِ الظِّهَارِ قِيَاسًا عَلَى رَقَبَةِ الْقَتْلِ وَأَخُصُّ (بِهِ) رَقَبَةَ الظِّهَارِ. فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا وَفِي أَمْثَالِهِ مِنْ نَحْوِ شَرْطِ (النِّيَّةِ) بِالْمَاءِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ مِنْ إثْبَاتِ زِيَادَةٍ لَا يُنَبِّئُ عَنْهَا اللَّفْظُ وَلَا يَنْتَظِمُهَا فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ وَإِنَّمَا هُوَ زِيَادَةٌ فِي النَّصِّ، وَالزِّيَادَةُ فِي النَّصِّ تُوجِبُ النَّسْخَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُزَادَ فِيهِ إلَّا بِمِثْلِ مَا يَجُوزُ بِهِ نَسْخُهُ وَكَذَا كَانَ يَقُولُ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ ﵀ فِي ذَلِكَ، وَ (فِي) نَظَائِرِهِ.

стр. 175

وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّ مِنْ أَصْلِنَا أَنَّ الْمَنْصُوصَاتِ لَا يُقَاسُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ عَلَى مَا قَدْ حَكَيْنَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ شَرْطِ الْإِيمَانِ فِي رَقَبَةِ الظِّهَارِ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ النَّسْخِ أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يُفِيدُ جَوَازَ رَقَبَةٍ مُطْلَقَةٍ غَيْرِ مُقَيَّدَةٍ بِشَرْطِ الْإِيمَانِ فَمَتَى شَرَطْنَاهُ فِيهَا فَقَدْ حَظَرْنَا مَا أَبَاحَتْهُ الْآيَةُ مِنْ جَوَازِ الرَّقَبَةِ الْكَافِرَةِ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ النَّسْخِ (وَغَيْرُ جَائِزٍ إثْبَاتُ مِثْلِهِ بِالْقِيَاسِ وَلَا بِخَبَرِ الْوَاحِدِ) . فَإِنْ قَالَ (قَائِلٌ) : لَوْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ فِي النَّصِّ تُوجِبُ نَسْخَهُ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُدُوثُ كُلِّ فَرْضٍ يُوجِبُ نَسْخَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفُرُوضِ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَقِدَ قَبْلَ حُدُوثِهِ أَنَّهُ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ، فَإِذَا حَدَثَ فَرْضٌ آخَرُ فَقَدْ زَالَ الِاعْتِقَادُ الْأَوَّلُ. قِيلَ لَهُ: لَوْ فَهِمْت عَنَّا مَا ذَكَرْنَاهُ لَكَفَيْتَ نَفْسَك هَذَا السُّؤَالَ. وَذَلِكَ أَنَّا قُلْنَا إنَّ وُرُودَ الْفَرْضِ الْأَوَّلِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ (ذِكْرِ) الزِّيَادَةِ يُوجِبُ جَوَازَهُ عَنْ الْوَاجِبِ وَوُرُودُ الزِّيَادَةِ يَمْنَعُ جَوَازَ الْأَوَّلِ وَكَوْنَهُ فَرْضًا (وَهَذَا نَسْخٌ) وَلَيْسَ وُرُودُ فَرْضٍ ثَانٍ غَيْرِ مُتَعَلِّقٍ بِالْأَوَّلِ بِمُؤَثِّرٍ فِي الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُبْقًى فِي الْحُكْمِ عَلَى مَا كَانَ لَا يَتَعَلَّقُ جَوَازُهُ بِفِعْلِ الثَّانِي. أَلَا تَرَى أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي جَوَازِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَتَرْكُ الزَّكَاةِ لَا يُؤَثِّرُ فِي جَوَازِ فِعْلِ الصِّيَامِ فَلَمْ يَكُنْ وُرُودُ بَعْضِ هَذِهِ الْفُرُوضِ بَعْدَ الْأَوَّلِ مُغَيِّرًا لِحُكْمِ الْأَوَّلِ وَكَوْنُ الْإِيمَانِ

стр. 176

شَرْطًا فِي رَقَبَةِ الظِّهَارِ مَانِعًا مِنْ جَوَازِهَا مُطْلَقَةً عَلَى حَسَبِ مَا اقْتَضَتْ الْآيَةُ، فَلِذَلِكَ كَانَ شَرْطُ الْإِيمَانِ فِيهَا مُوجِبًا لِنَسْخِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ مِثْلَهُ لَوْ وَرَدَ نَصًّا كَانَ نَسْخًا لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ اعْتِقُوا رَقَبَةً فِي الظِّهَارِ إنْ شِئْتُمْ كَافِرَةً (وَإِنْ شِئْتُمْ) مُؤْمِنَةً ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا تَعْتِقُوا فِيهِ رَقَبَةً كَافِرَةً كَانَ ذَلِكَ نَسْخًا. وَكَذَلِكَ مَنْ حَمَلَ إحْدَى الْكَفَّارَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى فِي شَرْطِ الْإِيمَانِ فِيهَا كَانَ نَسْخًا. وَأَمَّا قَوْلُك إنَّ وُرُودَ فَرْضٍ ثَانٍ يُغَيِّرُ حُكْمَ الِاعْتِقَادِ الْأَوَّلِ فَلَيْسَ الْأَمْرُ فِيهِ كَذَلِكَ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ الْأَوَّلَ حُكْمُهُ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ وُرُودُ فَرْضٍ ثَانٍ لَزِمَهُ اعْتِقَادٌ ثَانٍ مِنْ (غَيْرِ تَأْثِيرٍ مِنْهُ) فِي اعْتِقَادِ الْفَرْضِ الْأَوَّلِ. فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ كُنَّا نَعْتَقِدُ قَبْلَ وُرُودِ الْفَرْضِ الثَّانِي أَنْ لَا فَرْضَ إلَّا الْأَوَّلُ وَلَزِمَ بَعْدَ وُرُودِ الْفَرْضِ الثَّانِي أَنْ يُنَزَّلَ الِاعْتِقَادُ بِأَنْ لَا فَرْضَ غَيْرُهُ. قِيلَ لَهُ: اعْتِقَادُنَا بِأَنْ لَا فَرْضَ إلَّا الْأَوَّلُ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالْفَرْضِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَرْضٌ رَأْسًا لَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنْ لَا فَرْضَ فَلَيْسَ اعْتِقَادُنَا أَنْ لَا فَرْضَ مُتَعَلِّقًا بِفَرْضٍ فَعَلِمْنَا أَنَّ وُرُودَ فَرْضٍ ثَانٍ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي الْأَوَّلِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: يَلْزَمُك عَلَى هَذَا أَنْ تَجْعَلَ رَقَبَةَ الظِّهَارِ مَنْسُوخَةً بِامْتِنَاعِك عَنْ

стр. 177

تَجْوِيزِهَا عَمْيَاءَ أَوْ مَقْطُوعَةَ الْيَدَيْنِ لِأَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَقْتَضِي جَوَازَهَا عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرْت. قِيلَ لَهُ: لَا يَلْزَمُنَا مَا ذَكَرْت لِأَنَّ الرَّقَبَةَ اسْمٌ لَهَا بِجَمِيعِ أَعْضَائِهَا فَاقْتَضَى الظَّاهِرُ رَقَبَةً تَامَّةً وَإِنَّمَا شَرَطْنَا ذَلِكَ فِيهَا بِمَا يَقْتَضِيهِ (مُوجِبُ اللَّفْظِ وَلَيْسَتْ الرَّقَبَةُ اسْمًا لِلْإِيمَانِ وَلَا يَقْتَضِيهَا) بِحَالٍ فَزِيَادَةُ شَرْطِ الْإِيمَانِ فِيهَا مُوجِبَةٌ لِلنَّسْخِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا أَنْكَرْت (أَنْ يَكُونَ) شَرْطُ الْإِيمَانِ فِي رَقَبَةِ الظِّهَارِ تَخْصِيصًا لِبَعْضِ الرِّقَابِ دُونَ بَعْضٍ لَا عَلَى وَجْهِ الزِّيَادَةِ فِي النَّصِّ كَمَا أَنَّ شَرْطَ الْحِرْزِ وَالْمِقْدَارِ فِي السَّرِقَةِ تَخْصِيصٌ لِبَعْضِ السُّرَّاقِ دُونَ بَعْضٍ لَا عَلَى وَجْهِ الزِّيَادَةِ فِي النَّصِّ. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ اسْمَ الرَّقَبَةِ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِيمَانَ وَلَا الْكُفْرَ (وَلَا) يُنْبِئُ عَنْهُمَا فَلَا يَكُونُ شَرْطُ الْإِيمَانِ (فِيهَا) إلَّا عَلَى جِهَةِ الزِّيَادَةِ فِي النَّصِّ بِمَا لَا يُنْبِئُ عَنْهُ الِاسْمُ وَكَذَلِكَ شَرْطُ الْحِرْزِ وَالْمِقْدَارِ فِي السَّرِقَةِ إلَّا أَنَّ آيَةَ السَّرِقَةِ لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا الِاسْتِدْلَال بِعُمُومِهَا وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ اللَّفْظِ الْمُجْمَلِ بِدَلَائِلَ قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوَاضِعَ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ جَازَ اسْتِعْمَالُ النَّظَرِ وَخَبَرِ الْوَاحِدِ فِي بَيَانِ بَعْضِ مَا دَخَلَ فِي الْحُكْمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الرَّقَبَةُ الْعَمْيَاءُ وَالْمَقْطُوعَةُ الْيَدَيْنِ لِأَنَّ اسْمَ الرَّقَبَةِ يَتَنَاوَلُهَا بِأَعْضَائِهَا فَلَمْ يَكُنْ امْتِنَاعُ جَوَازِ الْعَمْيَاءِ مِنْ جِهَةِ الزِّيَادَةِ فِي النَّصِّ إذْ كَانَ اللَّفْظُ يَتَنَاوَلُهَا صَحِيحَةً.

стр. 178

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّمَا يَكُونُ شَرْطُ الْإِيمَانِ فِي رَقَبَةِ الظِّهَارِ زِيَادَةً فِيهَا وَنَسْخًا لَهَا لَوْ وَرَدَ بَعْدَ ثُبُوتِهَا مُطْلَقَةً فَأَمَّا إذَا جُعِلَتْ فِي الْأَصْلِ كَأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ إلَّا مُقَيَّدَةً بِشَرْطِ الْإِيمَانِ فَلَيْسَ فِي هَذَا نَسْخٌ بَلْ هُوَ تَخْصِيصٌ قِيلَ لَهُ: إنَّمَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِوُجُوبِهَا فِي الْأَصْلِ عَلَى هَذِهِ الشَّرِيطَةِ الْمُلْحَقَةِ بِهَا إذَا كَانَ ثُبُوتُ الشَّرْطِ مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي يَجُوزُ بِمِثْلِهَا النَّسْخُ وَغَيْرُ جَائِزٍ إثْبَاتُ نَسْخِ الْقُرْآنِ وَلَا مَا هُوَ فِي مَعْنَى النَّسْخِ (بِالْقِيَاسِ وَلَا) بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّا إنَّمَا نَحْتَاجُ أَنْ نَعْتَبِرَ ذَلِكَ (فِيمَا وَرَدَ) مِنْ جِهَةٍ تُوجِبُ الْعِلْمَ فَيُعْتَرَضُ بِهِ عَلَى ظَاهِرِ الْقُرْآنِ فَأَمَّا مَا كَانَ عَلَى (غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا) . وَلِامْتِنَاعِ جَوَازِ شَرْطِ الْإِيمَانِ فِي رَقَبَةِ الظِّهَارِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ: أَنَّ كُلَّ مَا خَرَجَ (مَخْرَجَ) الْجَوَابِ لِسَائِلٍ سَأَلَ عَنْهُ مِنْ آيَةٍ نَزَلَتْ فِيهِ أَوْ قَوْلٍ مِنْ الرَّسُولِ ﵇ (مَعَ لُزُومِ) تَنْفِيذِ، هَذَا الْحُكْمِ وَعِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ بِجَهْلِ السَّائِلِ بِهِ فَإِنَّ مَا نَزَلَ بِهِ إطْلَاقُ الْآيَةِ أَوْ قَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ فَهُوَ (عَلَى) إطْلَاقِهِ، وَمَهْمَا أَلْحَقْنَا بِهِ مِنْ شَرْطٍ لَمْ يَكُنْ إلَّا عَلَى وَجْهِ النَّسْخِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هُنَاكَ شَرْطٌ آخَرُ أَوْ مَا يُوجِبُ تَخْصِيصَ إطْلَاقِ الْجَوَابِ لَمَا أَخَّرَ النَّبِيُّ ﷺ بَيَانَهُ لِلسَّائِلِ مَعَ إلْزَامِهِ إيَّاهُ تَنْفِيذَ الْحُكْمِ وَعِلْمِهِ بِجَهْلِ السَّائِلِ، فَلَا تَكُونُ الزِّيَادَةُ فِيمَا

стр. 179

كَانَ) هَذَا وَصْفَهُ إلَّا مِنْ طَرِيقِ النَّسْخِ، وَرَقَبَةُ الظِّهَارِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَذَلِكَ لِأَنَّ «أَوْسَ بْنَ الصَّامِتِ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ شَهْرَ رَمَضَانَ فَجَاءَتْ امْرَأَتُهُ تَسْأَلُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ الظِّهَارِ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُرِيهِ فَلْيُعْتِقْ رَقَبَةً قَالَتْ لَا يَجِدُ. . . إلَى أَنْ ذَكَرَ الصِّيَامَ وَالْإِطْعَامَ فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِعِتْقِ رَقَبَةٍ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْإِيمَانِ، وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِهَا كَذَلِكَ» . وَلَوْ كَانَ مِنْ شَرْطِهَا الْإِيمَانُ (لَبَيَّنَهُ) النَّبِيُّ ﷺ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِيهِ مَوْكُولًا إلَى اسْتِدْلَالِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَنَظَرُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ أَلْزَمَهُ تَنْفِيذَ الْحُكْمِ فِي الْحَالِ. وَالثَّانِي: أَنَّ السَّائِلَ كَانَ جَاهِلًا بِالْحُكْمِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالنَّظَرِ فَيَكُونُ حُكْمُ الرَّقَبَةِ مَوْقُوفًا عَلَى اعْتِبَارِهِ بِالْأُصُولِ. وَرُوِيَ أَيْضًا «أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ صَخْرٍ ظَاهَرَ مِنْ امْرَأَتِهِ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ» وَكَانَ جَاهِلًا بِالْحُكْمِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ، فَلَوْ قَيَّدْنَاهَا بِشَرْطِ الْإِيمَانِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلَّا نَسْخًا عَلَى مَا بَيَّنَّا فَدَلَّ مَا وَصَفْنَا عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الْآيَةِ مِنْ الرَّقَبَةِ هُوَ رَقَبَةٌ مُطْلَقَةٌ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِشَرْطِ الْإِيمَانِ وَأَنَّا مَتَى قَيَّدْنَاهَا بِشَرْطِ الْإِيمَانِ كَانَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ نَسْخِ مُوجَبِ الْآيَةِ

стр. 180

بَعْدَ اسْتِقْرَارِ حُكْمِهَا عَلَى رَقَبَةٍ مُطْلَقَةٍ، وَمِثْلُهُ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِثْبَاتُهُ بِالْقِيَاسِ أَبْعَدُ. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى أَنَّ رَقَبَةَ الظِّهَارِ مُطْلَقَةٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا وَرَقَبَةَ الْقَتْلِ مُقَيَّدَةٌ بِشَرْطِ الْإِيمَانِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا أَيْضًا وَالْمَنْصُوصَاتُ لَا يُقَاسُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ لِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ قَدْ اسْتَغْنَى بِدُخُولِهِ تَحْتَ النَّصِّ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى غَيْرِهِ إذْ كَانَ الْقِيَاسُ إنَّمَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ وَهُوَ مِثْلُ مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى (عَلَيْهِ) فِي الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ مِنْ الْحَدَثِ عَلَى غَسْلِ أَرْبَعَةِ أَعْضَاءَ، وَنَصَّ فِي التَّيَمُّمِ عَلَى مَسْحِ عُضْوَيْنِ، وَنَصَّ عَلَى قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ وَعَلَى قَطْعِ يَدِ الْمُحَارِبِ وَرِجْلِهِ فَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ قِيَاسُ التَّيَمُّمِ عَلَى الْوُضُوءِ (فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي أَعْضَاءِ فِي الْوُضُوء) وَلَا قِيَاسُ السَّارِقِ عَلَى الْمُحَارِبِ فِي قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ. وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَنْصُوصٌ عَلَى حُكْمِهِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ الْقِيَاسِ فِيهِ. وَنَظِيرُهُ: مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي كَفَّارَةِ قَتْلِ الْخَطَأِ مَعَ الدِّيَةِ، وَنَصَّ فِي الْعَمْدِ عَلَى الْقِصَاصِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ كَفَّارَةٍ فَلَمْ يَجُزْ عِنْدَ إلْحَاقِ الْعَمْدِ بِالْخَطَأِ فِي حُكْمِ الْكَفَّارَةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَتْلَيْنِ مَذْكُورٌ بِاسْمِهِ مَنْصُوصٌ عَلَى حُكْمِهِ وَلَا يَجُوزُ قِيَاسُ (الْمَنْصُوصِ بَعْضِهِ) عَلَى بَعْضٍ، وَهَذَا أَصْلٌ صَحِيحٌ قَدْ اعْتَبَرَهُ أَصْحَابُنَا وَمَنَعُوا الْقِيَاسَ فِي مِثْلِهِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ إنَّمَا يُقَاسُ عَلَى التَّنْزِيلِ فَأَمَّا التَّنْزِيلُ (بِعَيْنِهِ فَلَا يُقَاسُ) . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَوْضِعُ الْكَفَّارَةِ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ وَعَدَمُ الْإِيمَانِ فِي
следующие страницы →