← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 676

الفصول في الأصول

أبو بكر الرازي الجصاص

Полный текст (1 263 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الْحَقِيقَةِ وَأَحَدُهُمَا مُنْعِمٌ وَالْآخَرُ مُنْعَمٌ (عَلَيْهِ) ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُرَادَا جَمِيعًا بِاللَّفْظِ. وَكَانَ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى (أَنَّ) الِاسْمَ الْوَاحِدَ إذَا تَنَاوَلَ ضِدَّيْنِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُرَادَا (جَمِيعًا) بِلَفْظٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ يَذْكُرُ أَيْضًا أَنَّ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَا جَمِيعًا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ. وَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ فِيمَنْ قَالَ إنْ شَرِبْت مِنْ الْفُرَاتِ فَعَبْدِي حُرٌّ إنَّ هَذَا عَلَى الْكَرْعِ وَلَا يَحْنَثُ إنْ اسْتَقَى بِكُوزٍ أَوْ غَيْرِهِ فَشَرِبَ لِأَنَّ (الْحَقِيقَةَ) قَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا مُرَادُهُ، وَأَنَّهُ يَحْنَثُ بِهَا عِنْدَ الْجَمِيعِ فَانْتَفَى الْمَجَازُ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَةِ شَيْئًا أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى عَيْنِ الْحِنْطَةِ أَنْ يَقْضِمَهَا وَلَا يَحْنَثُ إنْ أَكَلَهَا خُبْزًا لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ قَدْ

стр. 37

تَنَاوَلَهَا الْيَمِينُ فَلَا يَدْخُلُ فِيهَا الْمَجَازُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إنْ كَرَعَ أَوْ شَرِبَ بِكُوزٍ حَنِثَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَيَحْنَثُ إنْ أَكَلَ الْخُبْزَ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَقَدْ صَارَ عِنْدَهُمَا اللَّفْظَةُ الْوَاحِدَةُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْحَقِيقَةُ وَالْمَجَازُ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ.

стр. 38

[بَابٌ مَعَانِي حُرُوفِ الْعَطْفِ وَغَيْرِهَا] قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا الْبَابُ مِمَّا يُحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ فِي تَعْرِيفِ حُكْمِ الْأَلْفَاظِ الْمَعْطُوفِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، وَمَا تَدْخُلُ عَلَيْهِ الْأَدَوَاتُ الَّتِي تَتَغَيَّرُ فَائِدَةُ الْكَلَامِ بِدُخُولِهَا عَلَيْهِ. الْوَاوُ فِي اللُّغَةِ لِلْجَمْعِ. وَذَلِكَ حَقِيقَتُهَا وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ ﵀ يَحْكِي عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: الْوَاوُ بَابُهَا الْجَمْعُ حَتَّى تَقُومَ دَلَالَةُ الِاسْتِئْنَافِ.

стр. 39

وَعَلَى هَذَا بَنَى مَسَائِلَ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ فِي الْأَيْمَانِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَذَلِكَ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] . مَنْ جَعَلَهَا لِلْجَمْعِ جَعَلَ تَمَامَ الْكَلَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] فَيُفِيدُ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ لَهُمْ خَبَرًا آخَرَ فَقَالَ ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] (وَمَعْنَاهُ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ) . وَمَنْ جَعَلَهَا لِلِاسْتِثْنَاءِ، وَجَعَلَ تَمَامَ الْكَلَامِ عِنْدَ قَوْلِهِ إلَّا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ لِلرَّاسِخَيْنِ آخَرَ فَقَالَ: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] فَهَذِهِ الْوَاوُ تَحْتَمِلُ الْجَمْعَ وَتَحْتَمِلُ الِاسْتِئْنَافَ وقَوْله تَعَالَى ﴿إنَّا أَوْحَيْنَا إلَيْك كَمَا أَوْحَيْنَا إلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] . هَذِهِ الْوَاوُ لِلْجَمْعِ لِأَنَّهَا أَدْخَلَتْ الْمَعْطُوفَ فِي حُكْمِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ الْمَبْدُوءِ بِذِكْرِهِ. وَنَظِيرُهُ قَوْلُ الْقَائِلِ هَذِهِ طَالِقٌ وَهَذِهِ، فَدَخَلَتْ الثَّانِيَةُ فِي خَبَرِ الْأُولَى وَحُكْمِهَا لِأَجْلِ دُخُولِ الْوَاوِ عَلَيْهَا. وَلَوْ قَالَ هَذِهِ طَالِقٌ وَهَذِهِ طَالِقٌ ثَلَاثًا (أَوْ قَالَ وَهَذِهِ طَالِقٌ، وَهَذِهِ طَالِقٌ إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ) كَانَتْ الْوَاوُ لِلِاسْتِئْنَافِ وَتَطْلُقُ الْأُولَى وَاحِدَةً، وَالثَّانِيَةُ ثَلَاثًا أَوْ بِالشَّرْطِ إذَا عَلَّقَهُ بِهِ. وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ حُجَّةٌ (فِيمَا يَحْكِيهِ فِي اللُّغَةِ، قَدْ احْتَجَّ بِهِ قَوْمٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ، مِنْهُمْ

стр. 40

أَبُو عُبَيْدٍ فِي " غَرِيبِ الْحَدِيثِ " وَغَيْرُهُ. وَحَكَى لَنَا ثَعْلَبٌ أَنَّهُ قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ حُجَّةٌ فِي اللُّغَةِ. وَحَكَى (لِي) أَبُو عَلِيٍّ النَّحْوِيُّ) الْفَارِسِيُّ عَنْ ابْنِ السِّرَاجِ النَّحْوِيِّ أَنَّ الْمُبَرَّدَ سُئِلَ عَنْ الْغَزَالَةِ مَا هِيَ، فَقَالَ: الشَّمْسُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَكَانَ فَصِيحًا

стр. 41

لِغُلَامِهِ: (اُنْظُرْ) هَلْ دَلَكَتْ غَزَالَةُ فَخَرَجَ وَرَجَعَ فَقَالَ: لَمْ أَرَ غَزَالَةً. وَإِنَّمَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ هَلْ زَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَنْشَدَ الْمُبَرَّدُ: يُوضِحْنَ فِي قَرْنِ الْغَزَالَةِ بَعْدَمَا ... تَرَشَّفْنَ ذُرَابَ الْغَمَامِ الرَّكَائِكِ وَقَالَ الْمُبَرَّدُ: الْوَاوُ لِلْجَمْعِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهَا عَلَى التَّرْتِيبِ لِأَنَّك إذَا قُلْت: رَأَيْت زَيْدًا وَعَمْرًا لَمْ يُعْقَلْ مِنْ اللَّفْظِ رُؤْيَةُ أَحَدِهِمَا قَبْلَ الْآخَرِ إذْ جَازَ أَنْ يَكُونَ رَآهُمَا مَعًا أَوْ رَأَى عَمْرًا قَبْلَ زَيْدٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَالَ لِي أَبُو عُمَرَ غُلَامُ ثَعْلَبٍ الْوَاوُ عِنْدَ الْعَرَبِ لِلْجَمْعِ وَلَا دَلَالَةَ (عِنْدَهُمْ فِيهَا) عَلَى التَّرْتِيبِ. وَأَخْطَأَ مَنْ قَالَ إنَّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «لَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ» . فَلَوْ كَانَتْ الْوَاوُ لِلتَّرْتِيبِ لَمَا كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ أَنْ تَقُولَهَا بِالْوَاوِ كَمَا لَمْ يُمْنَعْ أَنْ تَقُولَهَا بِثُمَّ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ مُوسَى وَهَارُونُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ فَبَدَأَ فِي

стр. 42

بَعْضِهَا بِمُوسَى (وَفِي) بَعْضِهَا بِهَارُونَ وَكَذَلِكَ الْجِنُّ وَالْإِنْسُ. فَلَوْ كَانَتْ لِلتَّرْتِيبِ لَامْتَنَعَ وُجُودُ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ (مَعًا) فِيهِمَا. فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُك فِي الْجَمْعِ مِثْلُهُ لِأَنَّ الْجَمْعَ يُوجِبُ كَوْنَهُمَا مَعًا. قِيلَ لَهُ: لَمْ نُرِدْ بِقَوْلِنَا هِيَ لِلْجَمْعِ وُجُودَهُمَا مَعًا، وَإِنَّمَا أَرَدْنَا أَنَّهَا تَجْمَعُ الِاسْمَيْنِ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ. وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَا مَجْمُوعَيْنِ فِي الْحُكْمِ وَيَكُونُ التَّالِي مُقَدَّمًا عَلَى الْأَوَّلِ فِي اللَّفْظِ تَارَةً، وَالْأَوَّلُ مُقَدَّمًا عَلَى التَّالِي تَارَةً أُخْرَى. وَإِنَّمَا مَنَعْنَا أَنْ يَكُونَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى تَرْتِيبِ الْحُكْمِ. فَأَمَّا التَّرْتِيبُ فِي اللَّفْظِ فَمَوْجُودٌ فِيمَا ذَكَرْنَا صَحِيحٌ لَا يَقْدَحُ فِيهِ مَا ذَكَرْت. وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ فِي اللُّغَةِ أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا طَافَ بِالْبَيْتِ وَخَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، صَعِدَ الصَّفَا وَقَالَ نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» . فَلَوْ كَانَ التَّرْتِيبُ مَعْقُولًا مِنْ اللَّفْظِ لَمَا احْتَاجَ أَنْ يَقُولَ «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» لِأَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَكُنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ اللُّغَةَ.

стр. 43

وَقَدْ تَجِيءُ الْوَاوُ بِمَعْنَى " أَوْ " فَتَكُونُ لِأَحَدِ مَا تَدْخُلُ عَلَيْهِ نَحْوُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] فَالْمَعْنَى أَوْ ثُلَاثَ أَوْ رُبَاعَ، وقَوْله تَعَالَى ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] . وَأَمَّا " بَلْ " فَلِلِاسْتِدْرَاكِ وَإِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ بَدْءًا بِالتَّالِي تَقُولُ رَأَيْت زَيْدًا بَلْ عَمْرًا، وَهَذِهِ طَالِقٌ بَلَى هَذِهِ. فَهِيَ تُشَاكِلُ الْوَاوَ فِي هَذَا الْوَجْهِ. وَأَمَّا " الْفَاءُ " فَإِنَّهَا لِلْجَمْعِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهَا تَقْتَضِي التَّعْقِيبَ مَعَ ذَلِكَ بِلَا مُهْلَةٍ وَلَا تَرَاخٍ، لِأَنَّك إذَا قُلْت رَأَيْت زَيْدًا فَعَمْرًا عُقِلَ مِنْهُ رُؤْيَةُ عَمْرٍو بَعْدَ زَيْدٍ بِلَا تَرَاخٍ. وَكَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِيهَا.

стр. 44

وَأَمَّا " أَوْ " فَإِنْ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا هِيَ لِلشَّكِّ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ وَأَصْلُهَا أَنَّهَا تَتَنَاوَلُ أَحَدَ مَا تَدْخُلُ عَلَيْهِ لَا جَمِيعَهُ، وَهَذَا حَقِيقَتُهَا وَبَابُهَا. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] وَقَوْلُهُ ﴿مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] تَتَنَاوَلُ أَحَدَ الْمَذْكُورَاتِ لَا جَمِيعَهَا. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا حُكْمُهَا إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْإِثْبَاتِ. وَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّفْيِ تَنَاوَلَتْ كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ عَلَى حِيَالِهِ. نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] . قَدْ نَفَى بِهَا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى حِيَالِهِ لَا عَلَى مَعْنَى الْجَمْعِ. وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا: فِيمَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَا كَلَّمْت زَيْدًا أَوْ عَمْرًا أَنَّهُ أَيَّهُمَا كَلَّمَ حَنِثَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا فِي الْمَعْنَى غَيْرُ مُخَالِفٍ لِحُكْمِهِ فِي الْإِثْبَاتِ لِأَنَّهَا حِينَ دَخَلَتْ عَلَى النَّفْيِ نَفَتْ كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَلَى حِدَةٍ، لَا عَلَى وَجْهِ الْجَمْعِ. كَمَا أَنَّهَا إذَا دَخَلَتْ عَلَى الِاثْنَيْنِ أَثْبَتَتْ أَحَدَهُمَا بِغَيْرِ عَيْنِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا فُعِلَ عَلَى الِانْفِرَادِ كَانَ فَاعِلًا بِمُوجَبِ حُكْمِ الْآيَةِ لَا (عَلَى) مَعْنَى الْجَمْعِ. .

стр. 45

وَقَدْ تَجِيءُ " أَوْ " بِمَعْنَى " الْوَاوِ ". قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] مَعْنَاهُ وَيَزِيدُونَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] ، وَمَعْنَاهُ وَأَشَدُّ قَسْوَةً. وَأَنْشَدَنَا أَبُو عُمَرَ غُلَامُ ثَعْلَبٍ عَنْ (ثَعْلَبٍ عَنْ) ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ: إنَّ بِهَا أَكَتَلَ أَوْ رِزَامَا ... (خُوَيْرِبَانِ يُنْفِقَانِ) الْهَامَا

стр. 46

وَأَنْشَدَنَا أَيْضًا: فَلَوْ كَانَ الْبُكَاءُ يَرُدُّ شَيْئًا ... بَكَيْت عَلَى زِيَادٍ أَوْ عَنَاقٍ عَلَى الْمَرْأَيْنِ إذْ مَضَيَا جَمِيعًا ... لِشَأْنِهِمَا بِحُزْنٍ وَاحْتِرَاقٍ فَقَالَ زِيَادٌ أَوْ عَنَاقٍ ثُمَّ قَالَ: عَلَى الْمَرْأَيْنِ، فَدَلَّ أَنَّهُ أَرَادَ الْجَمْعَ. . وَأَمَّا " ثُمَّ " فَهِيَ لِلتَّرْتِيبِ وَالتَّرَاخِي، تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الثَّانِي بَعْدَ الْأَوَّلِ كَذَا حُكْمُهَا فِي اللُّغَةِ. وَقَدْ تَجِيءُ بِمَعْنَى الْوَاوِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦] ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] . مَعْنَاهُ وَكَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] ، يَعْنِي وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْمَعْنَى (فِيهِ) أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى خِطَابِ الْمُتَكَلِّمِ صِلَةً لِكَلَامِهِ لَا عَلَى حُكْمِ (الْكَلَامِ) الْمُتَقَدِّمِ، كَأَنَّ تَقْدِيرَهُ ثُمَّ بَعْدَمَا وَصَفْنَا أَذْكُرُ لَكُمْ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ إنَّمَا (هُوَ لِمَنْ) كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَبَعْدَمَا ذَكَرْت (لَكُمْ) أَعْلَمْتُكُمْ أَنَّا آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ. وَنَحْوُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] وَمَعْنَاهُ

стр. 47

وَاَللَّهُ شَهِيدٌ (عَلَى مَا يَفْعَلُونَ) . وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢] . الْمَعْنَى وَقَدْ اهْتَدَى. وَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] . فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ خَلَقْنَاكُمْ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ فَقَوْلُهُ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ ﴿اُسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] بِمَعْنَى وَقُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ آدَمَ كَقَوْلِهِ ﴿وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [فاطر: ١١] فَإِنَّ قَوْلَهُ ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا﴾ [الأعراف: ١١] مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ. . وَبَعْدُ لِلتَّرْتِيبِ فِي حَقِيقَةِ اللُّغَةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ. وَقَدْ تَجِيءُ بِمَعْنَى مَعَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣] يَعْنِي مَعَ ذَلِكَ. وَقَدْ قِيلَ (إنَّهَا) رَجَعَتْ إلَى جُمْلَةِ الْخِطَابِ كَأَنَّهُ قَالَ عُتُلٍّ وَأَقُولُ لَكُمْ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرِي لَهُ إنَّهُ زَنِيمٌ.

стр. 48

، وَ " مَعَ " لِلْمُقَارَنَةِ، وَقَدْ تَجِيءُ بِمَعْنَى بَعْدُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] . وَإِلَى لِلْغَايَةِ " بِمَعْنَى حَتَّى، وَقَدْ تَدْخُلُ تَارَةً فِي الْحُكْمِ وَلَا تَدْخُلُ أُخْرَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَاللَّيْلُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِيهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] وَالْمَرَافِقُ دَاخِلَةٌ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] فَالِاغْتِسَالُ شَرْطٌ فِي إبَاحَةِ الصَّلَاةِ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: أَنَّ الْغَايَةَ تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِإِسْقَاطِ بَعْضِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ اللَّفْظُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] وَالْيَدُ اسْمٌ يَتَنَاوَلُ الْعُضْوَ إلَى الْمَنْكِبِ فَدَخَلَتْ الْغَايَةُ لِإِسْقَاطِ مَا عَدَا الْمَرْفِقِ فَكَانَتْ الْمَرَافِقُ دَاخِلَةً فِيهِ. وَالْآخَرُ: أَنْ لَا يَنْتَظِمَ الِاسْمُ الْغَايَةَ وَمَا بَعْدَهَا فَتَصِيرُ الْغَايَةُ حِينَئِذٍ مَشْكُوكًا فِيهَا فَلَا نَثْبُتُهَا بِالشَّكِّ. وَقَدْ تَجِيءُ " إلَى " بِمَعْنَى " مَعَ ". قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] .

стр. 49

وَمَنْ " قَالُوا إنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ وَلِبُدُوِّ الْغَايَةِ وَلِلتَّمْيِيزِ وَلِلْإِلْغَاءِ. فَالتَّبْعِيضُ خُذْ مِنْ مَالِي وَأَعْتِقْ مِنْ عَبِيدِي. وَالِابْتِدَاءُ خَرَجْت مِنْ الْكُوفَةِ، وَأَخَذْتُ مِنْ فُلَانٍ مَالِيَ، وَالتَّمْيِيزُ ثَوْبٌ مِنْ قُطْنٍ وَبَابٌ مِنْ حَدِيدٍ. وَالْإِلْغَاءُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١] وَ ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩] ، وَالْمَعْنَى يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَا لَكُمْ إلَهٌ غَيْرُهُ. وَأَمَّا الْبَاءُ: فَإِنَّ النَّحْوِيِّينَ يَقُولُونَ هِيَ لِلْإِلْصَاقِ كَقَوْلِهِ كَتَبْت بِالْقَلَمِ وَمَسَحْت بِرَأْسِي. وَقَالَ غَيْرُهُمْ هِيَ مَعَ ذَلِكَ لِلتَّبْعِيضِ، لِأَنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ قَوْلِ الْقَائِلِ مَسَحْت بِرَأْسِ الْيَتِيمِ وَمَسَحْت رَأْسَهُ، وَيَقُولُ مَسَحْت يَدِي بِالْحَائِطِ، وَمَسَحْت الْحَائِطَ. فَلَمَّا كَانَ الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ ظَاهِرًا مَعْقُولًا فِي اللُّغَةِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِدُخُولِهَا فَائِدَةٌ وَهِيَ التَّبْعِيضُ حَتَّى تَقُومَ دَلَالَةُ الْإِلْغَاءِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَدَوَاتِ مَوْضُوعَةٌ لِلْفَائِدَةِ كَقَوْلِنَا مِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَقَدْ تَدْخُلُ لِلْإِلْغَاءِ وَلَا نَجْعَلُهَا لِلْإِلْغَاءِ إلَّا بِدَلَالَةٍ. . وَأَمَّا " فِي " فَلِلظَّرْفِ كَقَوْلِك ثَوْبٌ فِي مِنْدِيلٍ، وَتَمْرٌ فِي صُرَّةٍ

стр. 50

وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَ أَصْحَابُنَا (فِيمَنْ قَالَ) : غَصَبْت مِنْ فُلَانٍ ثَوْبًا فِي مِنْدِيلٍ إنَّهُ إقْرَارٌ بِالْمِنْدِيلِ أَيْضًا لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ ظَرْفًا لَهُ فِي حَالِ الْغَصْبِ وَصَارَ مَغْصُوبًا مَعَهُ. وَقَدْ تَجِيءُ " فِي " بِمَعْنَى " مِنْ ". قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النساء: ٥] يَعْنِي مِنْهَا. وَتَجِيءُ أَيْضًا بِمَعْنَى مَعَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠] مَعْنَاهُ مَعَ عِبَادِي. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ فِي جُمْلَةِ عِبَادِي وَفِي جَمَاعَتِهِمْ. وَالنَّحْوِيُّونَ يَقُولُونَ إنَّ أَكْثَرَ حُرُوفِ الصِّفَاتِ يَقُومُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِهِمْ. وَأَمَّا " كُلُّ " فَإِنَّهَا تَدْخُلُ لِجَمْعِ الْأَسْمَاءِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] وَقَوْلِ (الْقَائِلِ) كُلُّ عَبْدٍ لِي حُرٌّ وَكُلُّ امْرَأَةٍ تَدْخُلُ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ وَيَكُونُ فِيهَا بِمَعْنَى الشَّرْطِ إذَا عُلِّقَتْ بِالْجَوَابِ، وَلَا تَتَنَاوَلُ الْأَفْعَالَ لِأَنَّهَا لَا يَصِحُّ دُخُولُهَا عَلَيْهَا. أَلَا تَرَى أَنَّك لَا تَقُولُ كُلٌّ يَدْخُلُ الدَّارَ، وَإِنَّمَا تَقُولُ كُلُّ امْرَأَةٍ لِي تَدْخُلُ الدَّارَ فَهِيَ طَالِقٌ. وَلِذَلِكَ قَالُوا إنَّهَا إذَا دَخَلَتْ الدَّارَ وَطَلُقَتْ ثُمَّ دَخَلَتْهَا مَرَّةً أُخْرَى لَمْ تَطْلُقْ، لِأَنَّهَا لِمَا لَمْ تَتَنَاوَلْ الْأَفْعَالَ، وَإِنَّمَا تَنَاوَلَتْ الْأَسْمَاءَ عَلَى وَجْهِ الْجَمْعِ وَاسْتَحَالَ أَنْ تَجْمَعَ إلَى نَفْسِهَا لَمْ تَطْلُقْ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِنْ دَخَلَتْ الدَّارَ امْرَأَةٌ أُخْرَى طَلُقَتْ أَيْضًا لِأَنَّهَا غَيْرُ الْأُولَى. .

стр. 51

وَأَمَّا " كُلَّمَا " فَإِنَّهَا لِجَمْعِ الْأَفْعَالِ وَفِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِ عَلَى وَجْهِ التَّكْرَارِ. يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْفِعْلِ وَلَا يَصِحُّ دُخُولُهَا عَلَى الِاسْمِ لِأَنَّك لَا تَقُولُ: كُلَّمَا امْرَأَةٌ إنَّمَا تَقُولُ: كُلَّمَا دَخَلَتْ امْرَأَةٌ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] وَ ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠] اقْتَضَى كُلَّ مَرَّةٍ

стр. 52

[بَابٌ فِي إثْبَاتِ الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ وَذِكْرِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ] ِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي حُكْمِ اللَّفْظِ الْعَامِّ الظَّاهِرِ إذَا وَرَدَ مُطْلَقًا عَارِيًّا مِنْ دَلَالَةِ الْخُصُوصِ. فَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْحُكْمُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي الْأَخْبَارِ وَالْأَوَامِرِ جَمِيعًا فَلَا يُصْرَفُ شَيْءٌ مِنْهَا إلَى الْخُصُوصِ وَلَا يَتَوَقَّفُ فِيهَا إلَّا بِدَلَالَةٍ. وَأَبَتْ طَائِفَةٌ هَذَا الْقَوْلَ، وَاخْتَلَفَتْ فِيمَا بَيْنَهَا. فَقَالَ: (مِنْهُمْ) قَائِلُونَ بِالْخُصُوصِ فِي الْأَوَامِرِ وَالْأَخْبَارِ جَمِيعًا وَحَكَمُوا فِيهَا بِأَقَلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ حَتَّى تَقُومَ دَلَالَةُ الْكُلِّ. وَزَعَمُوا أَنَّ اللَّفْظَ الْمَوْضُوعَ كَذَلِكَ بِالْخُصُوصِ أَوْلَى مِنْهُ بِالْعُمُومِ وَيُحْتَمَلُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْعُمُومُ. قَالُوا: وَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْعُمُومِ بِالِاحْتِمَالِ لِأَنَّ الْمُحْتَمِلَ غَيْرُ مُتَيَقَّنٍ، وَلَا يُعْلَمُ

стр. 53

أَنَّهُ مُرَادٌ بِاللَّفْظِ، وَالْخُصُوصُ مُتَيَقَّنٌ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِهِ، وَالْوُقُوفُ عِنْدَهُ حَتَّى تَقُومَ دَلَالَةُ الْعُمُومِ. وَقَالَ مِنْهُمْ آخَرُونَ: بِالْوَقْفِ فِيهِمَا جَمِيعًا. لِأَنَّ اللَّفْظَ عِنْدَهُمْ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ كَاحْتِمَالِهِ لِلْآخَرِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى مِنْ الْآخَرِ. فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجْمَلِ الْمُفْتَقِرِ إلَى الْبَيَانِ. وَفَرَّقَتْ طَائِفَةٌ بَيْنَ الْأَخْبَارِ وَالْأَوَامِرِ (فَوَقَفَتْ فِي الْأَخْبَارِ وَحَكَمَتْ بِالْعُمُومِ فِي الْأَوَامِرِ، وَطَائِفَةٌ وَقَفَتْ فِي عُمُومِ الْأَوَامِرِ) وَقَالَتْ بِالْعُمُومِ فِي الْأَخْبَارِ

стр. 54

وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا: الْقَوْلُ بِالْعُمُومِ فِي الْأَخْبَارِ وَالْأَوَامِرِ جَمِيعًا وَذَلِكَ كَانَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَسَنِ (الْكَرْخِيُّ) ﵀ يَحْكِيهِ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا جَمِيعًا، وَجَمِيعُ مِنْ شَاهَدْنَاهُمْ مِنْ شُيُوخِنَا وَاحْتِجَاجُهُمْ لِمَسَائِلِهِمْ فِي كُتُبِهِمْ بِعُمُومِ اللَّفْظِ مُجَرَّدَةٌ مِنْ دَلَالَةٍ تَقْتَرِنُ إلَيْهِ فِي إيجَابِ الْعُمُومِ يَقْتَضِي ذَلِكَ. وَذَلِكَ غَيْرُ خَافٍ عَلَى مَنْ عَرَفَ مَذَاهِبَهُمْ. (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) : وَحَكَى لَنَا أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ شِهَابٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: إنِّي أَقِفُ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَأَقُولُ بِالْعُمُومِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. فَقُلْت لِأَبِي الطَّيِّبِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ مَذْهَبَهُ كَانَ الْوَقْفَ فِي وَعِيدِ فُسَّاقِ أَهْلِ الْمِلَّةِ. فَقَالَ لِي: هَكَذَا كَانَ مَذْهَبُهُ. وَحَكَى لِي أَيْضًا أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيِّ يَقِفُ فِي الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَفِي الْأَخْبَارِ جَمِيعًا. وَأَبُو الطَّيِّبِ هَذَا غَيْرُ مُتَّهَمٍ عِنْدِي فِيمَا يَحْكِيهِ، وَقَدْ جَالَسَ أَبَا سَعِيدٍ الْبَرْدَعِيِّ وَشُيُوخَنَا الْمُتَقَدِّمِينَ.

стр. 55

وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَا أَبَا الْحَسَنِ ﵀ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْخَبَرِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي ذَلِكَ بَلْ كَانَ يَقُولُ بِالْعُمُومِ عَلَى الْإِطْلَاقِ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ الْقَوْلُ بِالْوَقْفِ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْطَعُ فِيهَا بِعُمُومٍ وَلَا خُصُوصٍ إلَّا بِدَلَالَةٍ، لِأَنَّ مَذْهَبَهُ الْمَشْهُورَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْطَعُ بِوَعِيدِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ. وَأَبُو حَنِيفَةَ وَإِنْ كَانَ هَذَا مَذْهَبَهُ فِي الْوَعِيدِ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ قَوْلِهِ بِالْوَقْفِ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ. وَإِنَّمَا ذَهَبَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُ أَنَّ الدَّلَالَةَ قَدْ قَامَتْ عَلَى أَنَّ الْآيَ الْمُوجِبَةَ لِلْوَعِيدِ بِالتَّخْلِيدِ فِي النَّارِ إنَّمَا عَنَى بِهَا الْكُفَّارَ لِآيَاتٍ أَوْجَبَتْ خُصُوصَهَا فِيهِمْ. نَحْوِ قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] . وقَوْله تَعَالَى ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] . وقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤] ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٥] (وَقَوْلِهِ ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] .

стр. 56

وقَوْله تَعَالَى ﴿لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل: ١٦] وَإِنَّمَا جَعَلَ التَّخْلِيدَ فِي النَّارِ مَقْصُورًا عَلَى الْكُفَّارِ بِهَذِهِ الْآيَاتِ وَنَحْوِهَا. وَقَدْ ذَكَرَ (أَبُو مُوسَى) عِيسَى بْنُ أَبَانَ هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِهِ فِي الرَّدِّ عَلَى بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْأَخْبَارِ. وَقَالَ إنَّا إنَّمَا وَقَفْنَا فِي وَعِيدِ فُسَّاقِ أَهْلِ الْمِلَّةِ لِأَنَّ آيَ الْوَعِيدِ بِإِزَائِهَا. هَذِهِ الْآيَاتُ الَّتِي تَلَوْتهَا مِمَّا يَقْتَضِي ظَاهِرُهَا دُخُولَ فُسَّاقِ أَهْلِ الْمِلَّةِ فِيهَا فَجَوَّزْنَا لَهُمْ الْغُفْرَانَ بِهَا وَجَوَّزْنَا التَّعْذِيبَ بِالْآيِ الْأُخَرِ وَأَرْجَيْنَا أَمْرَهُمْ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ نَقْطَعْ فِيهِمْ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ دُونَ الْآخَرِ. وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُمْ بِالْقَوْلِ بِعُمُومِ الْأَخْبَارِ أَيْضًا. وَلَمْ يُحْكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا خِلَافُ ذَلِكَ. فَدَلَّ أَنَّهُ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا. . قَالَ أَبُو بَكْرٍ: (وَمَذْهَبُ) كُلِّ مَنْ قَالَ بِالْعُمُومِ مِمَّنْ لَا يَرَى جَوَازَ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ الْمُخْرَجَ حَقِيقَتُهُ الْعُمُومُ لَا احْتِمَالَ فِيهِ لِلْخُصُوصِ إلَّا بِدَلَالَةٍ تُقْرَنُ إلَيْهِ. فَأَمَّا اللَّفْظُ بِمُجَرَّدِهِ فَلَا احْتِمَالَ فِيهِ، وَأَنَّهُ مَتَى أُطْلِقَ وَأُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصَ كَانَ اللَّفْظُ مَجَازًا عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ مِنْهُمْ إطْلَاقَ لَفْظِ الْعُمُومِ وَالْمُرَادُ الْخُصُوصُ. وَالْقَوْلُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فِيمَا لَمْ تَصْحَبْهُ دَلَالَةُ الْخُصُوصِ فِي مَوْضُوعِ اللِّسَانِ وَأَصْلِ

стр. 57

اللُّغَةِ، هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ تَابَعَهُمْ مُتَوَارَثٌ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِالْفِعْلِ الْمُسْتَفِيضِ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ مُحَاجَّةُ الصَّحَابَةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْحَوَادِثِ الَّتِي تَنَازَعُوا فِيهَا بِأَلْفَاظِ عُمُومٍ مُجَرَّدَةٍ مِنْ دَلَالَةٍ غَيْرِهَا. مِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ حِينَ خَالَفَ عُثْمَانُ ﵁ فِي وَطْءِ الْأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَقَالَ " أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَالتَّحْرِيمُ أَوْلَى ".

стр. 58

يَعْنِي بِآيَةِ التَّحْلِيلِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وَبِآيَةِ التَّحْرِيمِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣] . وَقَالَ عُثْمَانُ ﵁ " أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهُمَا آيَةٌ وَالتَّحْلِيلُ أَوْلَى ". وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ الْوَقْفُ فِيهِ إلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ الْإِبَاحَةُ فَاحْتَجَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعُمُومِ لَفْظِ الْقُرْآنِ غَيْرُ مُفْتَقِرٍ مَعَهُ إلَى دَلَالَةٍ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ كَانَ الْعُمُومَانِ عِنْدَهُمَا مُتَعَارِضَيْنِ مَتَى خَلَّيْنَا وَمُقْتَضَى اللَّفْظِ فِيهِمَا بِقَوْلِهِمَا: أَحَلَّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرَّمَتْهَا آيَةٌ لِاسْتِغْرَاقِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَا تَحْتَ الِاسْمِ. ثُمَّ كَانَ مِنْ مَذْهَبِ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] مُرَتَّبٌ عَلَى قَوْلِهِ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] (وَأَنَّ قَوْلَهُ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] قَاضٍ عَلَيْهِ. وَكَانَ عِنْدَ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ قَوْلَهُ ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] . مُرَتَّبٌ عَلَى قَوْلِهِ ﴿إلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] مَخْصُوصٌ، وَأَنَّ آيَةَ الْإِبَاحَةِ قَاضِيَةٌ عَلَى آيَةِ الْحَظْرِ. وَمِثْلُهُ اخْتِلَافُ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵄ فِي عِدَّةِ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا

стр. 59

زَوْجُهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ " عِدَّتُهَا أَبْعَدُ الْأَجَلَيْنِ لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ عُمُومَ الْآيَتَيْنِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ " أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا (لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وَقَالَ: مَنْ شَاءَ بَاهَلْته أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَكَانَ عِنْدَهُ أَنَّهَا قَاضِيَةٌ عَلَيْهَا مُخَصِّصَةٌ لَهَا فَاعْتَبَرَا جَمِيعًا عُمُومَ اللَّفْظِ وَلَمْ يَفْزَعَا إلَى تَأْيِيدِهِ بِغَيْرِهِ. وَأَرَادَ عُثْمَانُ رَجْمَ امْرَأَةٍ جَاءَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (أَمَا إنَّهَا إنْ خَاصَمَتْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ خَصَمْتُكُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] وَقَالَ: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٤] فَحَصَلَ الْحَمْلُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ) .

стр. 60

فَاحْتَجَّ بِالْعُمُومِ لِأَنَّ لَفْظَ الْإِنْسَانِ (فِيهِ) فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِلْجِنْسِ فَهُوَ مُسْتَوْعِبٌ لِلْكُلِّ وَقَبِلَهُ مِنْهُ عُثْمَانُ وَعَرَفَ صِحَّةَ اسْتِدْلَالِهِ فَرَجَعَ إلَيْهِ. وَقَالَ عُمَرُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ فِي أُمِّ الْمَرْأَةِ إنَّهَا تَحْرُمُ بِالْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ دُخُولٌ، وَقَالُوا إنَّهَا مُبْهَمَةٌ وَلَمْ يَرْجِعُوا فِيهَا إلَّا إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ.

стр. 61

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ اللَّهُ تَعَالَى ". وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ إنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ " لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ فَقَالَ قَضَاءُ اللَّهِ أَوْلَى مِنْ قَضَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأُمَّهَاتُكُمْ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] وَاحْتَجَّ عُمَرُ عَلَى الزُّبَيْرِ وَبِلَالٍ وَمَنْ سَأَلَهُ قِسْمَةَ السَّوَادِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى " ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ

стр. 62

وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩] (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى) ﴿وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠] . قَالَ عُمَرُ " فَقَدْ جَعَلَ الْحَقَّ لِهَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ وَلَوْ قَسَمْته بَيْنَكُمْ لَبَقِيَ النَّاسُ لَا شَيْءَ لَهُمْ، وَلَصَارَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ". فَحَاجَّهُمْ بِعُمُومِ هَذِهِ الْآيَاتِ فَتَبَيَّنُوا الرُّشْدَ فِي قَوْلِهِ، وَوَضَحَ لَهُمْ طَرِيقُ الْحَقِّ (فِيهِ) فَرَجَعُوا إلَى مَقَالَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَجِدْ اللَّهَ ذَكَرَ جَدًّا وَلَمْ يَذْكُرْ إلَّا أَبًا احْتِجَاجًا لِيَكُونَ الْجَدُّ أَبًا. وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ ظَاهِرَةٌ عِنْدَهُمْ مُسْتَفِيضَةٌ لَوْ اسْتَقْصَيْنَاهُ لَطَالَ بِهِ الْكِتَابُ وَبِمِثْلِ

стр. 63

هَذَا يُوقَفُ عَلَى مَذْهَبِ الْقَوْمِ وَمَقَالَاتِهِمْ. فَبَانَ بِمَا وَصَفْنَا أَنَّ الْعُمُومَ مِنْ مَفْهُومِ لِسَانِ الْعَرَبِ، وَإِنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ السَّلَفِ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِيهِ، وَمَا خَالَفَ فِي هَذَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. إلَى أَنْ نَشَأَتْ فِرْقَةٌ مِنْ الْمُرْجِئَةِ ضَاقَ عَلَيْهَا الْمَذْهَبُ فِي الْقَوْلِ بِالْإِرْجَاءِ فَلَجَأَتْ إلَى دَفْعِ الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ رَأْسًا لِئَلَّا يَلْزَمَهَا لِخُصُومِهَا الْقَوْلُ بِوَعِيدِ الْفُسَّاقِ بِظَوَاهِرِ الْآيِ الْمُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ، فَقَدْ صَنَّفَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى نُفَاةِ الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ كُتُبًا وَاسْتَقْصَوْا الْكَلَامَ (عَلَيْهِمْ فِيهَا) وَفِي اسْتِقْصَاءِ الْقَوْلِ فِيهِ ضَرْبٌ (مِنْ الْإِطَالَةِ) وَشَأْنُنَا الِاخْتِصَارُ، وَذِكْرُ الْجُمَلِ مَا اسْتَغْنَيْنَا فِي إيجَابِ الْفَائِدَةِ بِهَا عَنْ الْإِطَالَةِ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ. دَلِيلٌ آخَرُ: (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) : فَنَقُولُ إنَّ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِالْعُمُومِ: أَنَّهُ لَا يَخْلُو حُكْمُ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ الْمُشْتَمِلِ

стр. 64

عَلَى مُسَمَّيَاتٍ مِنْ أَحَدِ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ لِكُلِّ مَا اسْتَوْفَاهُ الِاسْمُ عَلَى مَا قَدَّمْنَا أَوْ الْوَقْفُ فِيهِ حَتَّى يَرِدَ بَيَانُ مُرَادِ الْكُلِّ، أَوْ الْبَعْضِ عَلَى حَسَبِ مَا قَالَ الْقَائِلُونَ بِالْوَقْفِ وَالْحُكْمُ (فِيهِ) بِأَقَلِّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ حَتَّى تَقُومَ دَلَالَةُ الْكُلِّ. فَإِنْ كَانَ الْوَاجِبُ فِيهِ الْحُكْمَ بِالْأَقَلِّ لَمْ يَخْلُ وُجُوبُ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِدَلَالَةِ غَيْرِ اللَّفْظِ أَوْ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَتَنَاوَلُهُ. فَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ بِالْأَوَّلِ إنَّمَا يُعَلَّقُ وُجُوبُهُ بِدَلَالَةِ غَيْرِ اللَّفْظِ، وَلَيْسَ هَذَا حُكْمٌ بِالْأَقَلِّ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، وَعَلَى أَنَّ تِلْكَ الدَّلَالَةَ حُكْمُهَا أَنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلَى اللَّفْظِ، وَاللَّفْظُ لَا حُكْمَ لَهُ إلَّا بِدَلَالَةٍ، فَهَذَا يُوجِبُ بُطْلَانَ تِلْكَ الدَّلَالَةِ فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ وُجُوبُ الْحُكْمِ بِالْأَقَلِّ. مُتَعَلِّقًا (بِدَلَالَةِ غَيْرِ اللَّفْظِ وَإِنْ كَانَ وُجُوبُ الْحُكْمِ بِالْأَقَلِّ مُتَعَلِّقًا) بِاللَّفْظِ مِنْ حَيْثُ انْتَظَمَهُ وَصَارَ عِبَارَةً عَنْهُ. فَالْحُكْمُ بِاسْتِيعَابِ الْكُلِّ وَاجِبٌ لِوُجُودِ اللَّفْظِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى جَمِيعِهِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ لَمْ يَخْتَصَّ بِكَوْنِهِ عِبَارَةً عَنْ الْخُصُوصِ دُونَ الْعُمُومِ إذْ كَانَ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] لَا يَخْتَصُّ بِثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ دُونَ جَمِيعِهِمْ، فَمِنْ حَيْثُ وَجَبَ الْحُكْمُ فِي ثَلَاثَةٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّفْظِ وَجَبَ مِثْلُهُ فِي الْجَمِيعِ لِهَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: إنَّمَا حَكَمْت بِالْأَقَلِّ لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ وَمَا زَادَ فَهُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ. قِيلَ لَهُ: وَمِنْ أَيْنَ عَلِمْت أَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ إلَّا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَمُخَالِفُوك الْقَائِلُونَ بِالْوَقْفِ يَقُولُونَ فِي الْأَقَلِّ كَقَوْلِك أَنْتَ فِي الْأَكْثَرِ، فَهَلْ لَهُمْ دَلَالَةٌ غَيْرُ اللَّفْظِ عَلَى وُجُوبِ الْحُكْمِ بِالْأَقَلِّ

стр. 65

فَإِذَا ثَبَتَ عِنْدَنَا وَعِنْدَك وُجُوبُ الْحُكْمِ بِأَقَلَّ، وَكَانَ الْمَرْجِعُ فِيهِ إلَى اللَّفْظِ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْهُ فِي مَوْضُوعِ اللِّسَانِ، وَاللَّفْظُ مَوْجُودٌ فِي الْأَكْثَرِ كَهُوَ فِي الْأَقَلِّ، فَهَلَّا حَكَمْت لَهُ بِمِثْلِ حُكْمِهِ فَبَطَلَ بِمَا وَصَفْنَا قَوْلُ الْقَائِلِينَ بِالْخُصُوصِ. ثُمَّ نَقُولُ لِأَصْحَابِ الْوَقْفِ: أَتُثْبِتُونَ لِلْخِطَابِ فَائِدَةً عِنْدَ وُرُودِهِ مُطْلَقًا غَيْرَ مَقْرُونٍ بِدَلَالَةِ الْخُصُوصِ أَوْ الِاحْتِمَالِ أَوْ تَزْعُمُونَ أَنَّ وُجُودَهُ وَعَدَمَهُ سَوَاءٌ. فَإِنْ قَالُوا لَهُ فَائِدَةٌ، وَلِلْمُخَاطَبِ فِيهِ غَرَضٌ مَحْمُودٌ إذَا كَانَ حُكْمًا وَهُوَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنَا أَنَّ حُكْمًا قَدْ لَزِمَنَا يُرِيدُ بَيَانَهُ فِي التَّالِي. قِيلَ لَهُ: فَالْبَيَانُ الْوَارِدُ فِي التَّالِي (لَا) يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ لَفْظًا أَوْ دَلَالَةً مِنْهُ. فَإِنْ كَانَ لَفْظًا فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَوَّلِ يَجِبُ الْوَقْفُ (فِيهِ) . وَإِنْ كَانَ دَلَالَةً مِنْ لَفْظٍ فَكَيْفَ يَدُلُّ عَلَى غَيْرِهِ وَهُوَ لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ بِنَفْسِهِ. فَإِنْ قَالَ: يَكُونُ بَيَانُهُ مَوْقُوفًا عَلَى وُرُودِ الْإِجْمَاعِ بِهِ، فَمَهْمَا حَصَلَ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ عَلِمْنَا أَنَّهُ هُوَ الْمُرَادُ. قِيلَ لَهُ: فَالْإِجْمَاعُ فِيمَا طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ السَّمْعُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَصْدُرَ عَنْ سَمْعٍ أَوْ عَنْ دَلَالَةٍ مِنْهُ. فَإِنْ كَانَ عَنْ سَمْعٍ فَذَلِكَ السَّمْعُ حُكْمُهُ أَنْ يَكُونَ مَوْقُوفًا عَلَى بَيَانٍ ثَانٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ الْإِجْمَاعُ عَنْ مِثْلِهِ. وَإِنْ كَانَ دَلَالَةً عَنْ (غَيْرِ) سَمْعٍ فَهِيَ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَحْصُلَ عَلَيْهَا إجْمَاعٌ.

стр. 66

وَحُكْمُ السَّمْعِ غَيْرُ ثَابِتٍ، عَلَى أَنَّ حُجَّةَ الْإِجْمَاعِ إنَّمَا تَثْبُتُ عَنْ طَرِيقِ السَّمْعِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ السَّمْعُ دَالًّا بِنَفْسِهِ، وَكَانَ ثُبُوتُ حُكْمِهِ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجْمَاعِ، وَالْإِجْمَاعُ لَا يَثْبُتُ حُجَّةً إلَّا مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ، فَقَدْ صَارَتْ حُجَّةُ السَّمْعِ مَوْقُوفَةً عَلَى الْإِجْمَاعِ، وَحُجَّةُ الْإِجْمَاعِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى السَّمْعِ، وَهَذَا مُحَالٌ لِأَنَّهُ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْلًا لِلْآخَرِ وَكُلُّ وَاحِدٍ فَرْعًا لِصَاحِبِهِ، وَهَذَا غَايَةُ الِاسْتِحَالَةِ، فَقَدْ آلَ الْأَمْرُ بِالْقَائِلِينَ بِالْوَقْفِ إلَى إبْطَالِ فَائِدَةِ اللَّفْظِ رَأْسًا وَإِخْلَاءِ جَمِيعِ خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَخِطَابِ الرَّسُولِ ﷺ مِنْ فَائِدَةٍ، وَهَذَا قَوْلٌ يُؤَدِّي بِقَائِلِهِ إلَى الِانْسِلَاخِ مِنْ الدِّينِ. فَلَمَّا بَطَلَ قَوْلُ الْقَائِلِينَ بِالْخُصُوصِ وَبِالْوَقْفِ لِمَا بَيَّنَّا لَمْ يَبْقَ إلَّا قَوْلُ أَصْحَابِ الْعُمُومِ. وَدَلِيلٌ آخَرُ: وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] . وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَلْفَاظٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْجِنْسِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] وَ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] وَالنَّاسُ وَالْحَيَوَانُ تُفِيدُ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ فِي نَفْسِهَا جَمِيعَ مَا تَحْتَ الْجِنْسِ، وَفِيهَا أَلْفَاظٌ تَعُمُّ الْعُقَلَاءَ وَأَلْفَاظٌ تَعُمُّ غَيْرَ الْعُقَلَاءِ مِثْلُ مَنْ وَمَا فِي النَّكِرَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَلَفَ هَكَذَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُسْتَفْهَمُ عَنْ جِنْسِ الْعُقَلَاءِ بِ " مَنْ " وَيَصِحُّ الْجَوَابُ عَنْهَا بِ " مَنْ "

стр. 67

شَاءَ مِنْهُمْ، فَيَقُولُ مَنْ فِي الدَّارِ فَيُجِيبُهُ بِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ بِنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَكُونُ جَوَابُهُ صَحِيحًا وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ فِي الدَّارِ حِمَارٌ أَوْ ثَوْرٌ. وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْمُجَازَاةِ كَقَوْلِهِ مَنْ يُعْطِنِي أُعْطِهِ، قَالَ اللَّهُ ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [النساء: ١٣] وَيَقُولُ: مَا فِي الدَّارِ فَتَقُولُ حِمَارٌ أَوْ جَمَلٌ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ رَجُلٌ وَتَقُولُ فِي الْمُجَازَاةِ مَا تَأْكُلُ آكُلُ وَمَا تَحْمِلُ أَحْمِلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ تَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْعُقَلَاءِ وَتَعُمُّ الْجَمِيعَ فِيهِ، فَإِذَا وَرَدَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي خِطَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُطْلَقًا وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى مَوْضُوعِهِ فِي (أَصْلِ) اللُّغَةِ. كَمَا أَنَّ أَسْمَاءَ الْأَعْيَانِ وَالْأَجْنَاسِ مَتَى وَرَدَتْ مُطْلَقَةً فِي خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى كَانَتْ مَحْمُولَةً عَلَى مَا هِيَ اسْمٌ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَالِاصْطِلَاحِ، نَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣] فَمِنْ حَيْثُ عُقِلَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ مُسَمَّيَاتُهَا لِأَنَّهَا فِي اللُّغَةِ مَوْضُوعَةٌ لَهَا، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ الْمَيْتَةُ (الْمَذْكُورَةُ) فِي الْآيَةِ لَيْسَتْ هِيَ الْمَيْتَةَ الْمَعْقُولَةَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ كَانَ الْمَعْقُولُ أَيْضًا

стр. 68

اسْتِغْرَاقَ الْجِنْسِ لِأَنَّهَا فِي اللُّغَةِ كَذَلِكَ. وَيَدُلُّ (عَلَيْهِ) أَيْضًا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] فَمَا خَاطَبَنَا بِهِ مِمَّا هُوَ فِي اللُّغَةِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى حُكْمِهِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ كَذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٩] . دَلِيلٌ آخَرُ: وَقَدْ احْتَجُّوا لِلْقَوْلِ بِالْعُمُومِ أَيْضًا: بِأَنَّ لِلْعُمُومِ فِي اللُّغَةِ صِيغَةً يَتَمَيَّزُ بِهَا مِنْ الْخُصُوصِ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يَقُولُونَ مَخْرَجُ الْكَلَامِ مَخْرَجُ الْعُمُومِ كَمَا أَنَّ لِلْوَاحِدِ صِيغَةً يَبِينُ بِهَا مِنْ الْجَمِيعِ، وَكَمَا أَنَّ لِلْخَبَرِ صِيغَةً يَنْفَصِلُ بِهَا مِنْ الْأَمْرِ وَلِلِاسْتِخْبَارِ صُورَةٌ يَتَمَيَّزُ بِهَا مِنْ الْإِخْبَارِ فَمِنْ حَيْثُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَعْقُولُ صِيغَةَ الْأَمْرِ إذَا وَرَدَ مُطْلَقًا مَعْنَى هُوَ مَوْضُوعُهُ فِي اللُّغَةِ. وَكَذَلِكَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَلَفْظِ الْوَاحِدِ، وَعُقِلَ بِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مَا هُوَ مَوْضُوعٌ لَهُ، وَلَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ وَجَبَ أَلَّا يُصْرَفَ الصِّيغَةُ الْمَوْضُوعَةُ لِلْعُمُومِ إلَى الْخُصُوصِ كَمَا لَا يُصْرَفُ لَفْظُ الْجَمْعِ إلَى الْوَاحِدِ، وَلَفْظُ الْأَمْرِ إلَى الِاسْتِخْبَارِ، وَلَفْظُ الْخَبَرِ إلَى الْأَمْرِ.

стр. 69

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّمَا الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ يَتَعَلَّقُ بِقَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ دُونَ اللَّفْظِ، قِيلَ لَهُ: لَوْ جَازَ ذَلِكَ جَازَ أَنْ يُقَالَ فِي الْأَمْرِ وَالْخَبَرِ وَالِاسْتِخْبَارِ أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ حُكْمُهُ بِقَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ. فَإِنْ قِيلَ: مَا أَنْكَرْت أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: إنَّ هَذَا عُمُومٌ مَجَازًا قِيلَ لَهُ: إنَّ كُلَّ مَجَازٍ فَإِنَّمَا هُوَ مَجَازٌ عَنْ حَقِيقَةٍ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِلْعُمُومِ حَقِيقَةٌ فِي اللُّغَةِ حَتَّى يُسْتَعَارَ مِنْهُ الْمَجَازُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا عَامٌّ حَقِيقَةً إذْ لَيْسَ يَرْجِعُ مِنْهُ إلَى أَصْلٍ غَيْرِهِ هُوَ اسْتِعَارَةٌ مِنْهُ. وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ لَفْظُ الْعُمُومِ وَلَفْظُ الْخُصُوصِ بِأَصْلِ اللُّغَةِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ حَتَّى يُعَبَّرَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ مَعْنَى الْآخَرِ لَمَا كَانَ أَحَدُهُمَا بِأَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ الْعَامِّ مِنْهُ بِأَنْ يَكُونَ مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ الْخَاصِّ فَصَحَّ أَنَّ الَّذِي مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الْعَامِّ مَوْضُوعٌ فِي حَقِيقَةِ اللُّغَةِ لِلْعُمُومِ، وَاَلَّذِي مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الْخَاصِّ مَوْضُوعٌ فِي حَقِيقَتِهِ لِلْخُصُوصِ. وَأَيْضًا: لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ خَصْمُنَا لَجَازَ أَنْ يَكُونَ مُؤَكِّدًا بِهِ الْعُمُومَ تَأْكِيدَ الْخُصُوصِ فِي حَقِيقَةِ اللُّغَةِ، فَكَانَ إذَا قَالَ ضَرَبْت غِلْمَانِي كُلَّهُمْ أَجْمَعِينَ حَتَّى لَمْ أُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا إنَّهُ يَكُونُ مُؤَكِّدًا لِتَخْصِيصِهِ وَدَالًّا بِهِ عَلَى أَنَّهُ ضَرَبَ الْبَعْضَ وَلَكَانَ يَجُوزُ مَا يُؤَكَّدُ بِهِ الْخُصُوصُ تَأْكِيدَ الْعُمُومِ حَتَّى قَالَ: ضَرَبْت غُلَامِي وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ مُؤَكِّدًا بِهِ الْعُمُومَ وَدَلَالَةً عَلَيْهِ، فَإِذَا بَطَلَ هَذَا ثَبَتَ أَنَّ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْخُصُوصِ لَا يَكُونُ لِلْعُمُومِ، وَمَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْعُمُومِ لَا يَكُونُ لِلْخُصُوصِ إلَّا بِدَلَالَةٍ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا: بِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ لِأَهْلِ كُلِّ لُغَةٍ إلَى أَنْ يَكُونَ فِي لُغَتِهَا أَلْفَاظٌ لِلْعُمُومِ كَحَاجَتِهِمْ إلَى أَسْمَاءِ سَائِرِ الْمُسَمَّيَاتِ الَّتِي يَخْتَصُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِاسْمٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُمْ بِهَا يَتَوَصَّلُونَ إلَى أَفْهَامِهِمْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا مَا فِي ضَمَائِرِهِمْ، وَالْإِنَابَةِ عَنْ مَقَاصِدِهِمْ وَأَغْرَاضِهِمْ، إذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ مَتَى أَرَادَ الْعِبَارَةَ عَنْ الْجِنْسِ كُلِّهِ أَنْ يَذْكُرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ آحَادِهِ أَوْ يُشِيرَ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَفُوقُ الْإِحْصَارَ وَالْعَدَدَ وَيَمْتَنِعُ فِيهِ الْإِشَارَةُ وَالتَّعْيِينُ، فَاحْتَاجُوا مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ إلَى أَلْفَاظٍ مَوْضُوعَةٍ لِلْجِنْسِ وَلِلْجَمْعِ يُوجِبُ

стр. 70

اسْتِغْرَاقَ الْجِنْسِ كُلِّهِ وَيَقْتَضِي اسْتِيفَاءَ جَمِيعِ مَا الِاسْمُ مَوْضُوعٌ لَهُ عَلَى حَسَبِ مَا سَلَفَ الْقَوْلُ فِيهِ فِي بَيَانِ صِفَةِ الْعُمُومِ. فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْعُمُومِ مَتَى وَرَدَ مُطْلَقًا مَحْمُولًا عَلَى بَابِهِ وَمُخْتَصًّا بِمَا وُضِعَ لَهُ مِنْ اسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ وَاسْتِيعَابِ كُلِّ مَا لَحِقَهُ الِاسْمُ حَتَّى تَقُومَ دَلَالَةُ الْخُصُوصِ كَمَا وَجَبَ إذَا خُوطِبَ بِذِكْرِ سَمَاءٍ وَأَرْضٍ وَرَجُلٍ وَفَرَسٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، صَرْفُهَا إلَى مَا يَخْتَصُّ بِهَا فِي مَوْضِعِ اللُّغَةِ دُونَ غَيْرِهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لَا نَأْبَى. أَنْ يَكُونَ فِي اللُّغَةِ أَلْفَاظٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْجِنْسِ وَلِلْجَمْعِ تَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ مَا تَحْتَهَا. وَتَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يَلْحَقُهُ الِاسْمُ مِنْهَا إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ بِأَعْيَانِهَا لَمَّا كَانَتْ تَصِحُّ لِلْكُلِّ وَلِلْبَعْضِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾ [آل عمران: ٤٢] وَقَوْلِ الْقَائِلِ جَاءَنِي بَنُو تَمِيمٍ. فَسَاغَ إطْلَاقُهَا مَعَ إرَادَتِهِ الْبَعْضَ دُونَ الْجَمْعِ وَقَفَتْ مَوْقِفَ الِاحْتِمَالِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ حَمْلُهَا عَلَى الْكُلِّ بِالِاحْتِمَالِ فَلَا يَخْلُو حِينَئِذٍ مِنْ وُجُوبِ الْحُكْمِ فِيهِ بِالْأَقَلِّ، لِأَنَّ اللَّفْظَ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا مُنْتَظِمٌ لَهُ أَوْ الْوَقْفُ فِيهِ حَتَّى تَقُومَ دَلَالَةُ الْمُرَادِ. قِيلَ لَهُ: فَلَوْ كَانَ اللَّفْظُ الَّذِي مَخْرَجُهُ الْعَامُّ مُحْتَمِلٌ لِلْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ دَعْوَى لَا دَلَالَةَ عَلَيْهَا. وَلَيْسَ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَعْتَبِرَهُ عَنْ الْخُصُوصِ صَارَ مُحْتَمِلًا لَهُ وَلِلْعُمُومِ، (وَذَلِكَ لِأَنَّ) لَفْظَ الْجَمْعِ حَقِيقَةُ الثَّلَاثَةِ فَمَا فَوْقَهَا فَمَنْ اسْتَعْمَلَهُ فِي الثَّلَاثَةِ فَهُوَ مُسْتَعْمِلٌ لَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ (فَلَمْ يُعْتَبَرْ) الِاقْتِصَارُ بِ (بِهِ) عَلَيْهَا.

стр. 71

وَقِيلَ لَهُ كَوْنُ الثَّلَاثَةِ جَمْعًا فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُوجِبُ الِاقْتِصَارَ بِهِ عَلَيْهَا إذْ كَانَ عُمُومُ اللَّفْظِ يَتَنَاوَلُ مَا فَوْقَهَا كَمَا يَتَنَاوَلُهَا لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَةٍ مَا لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ اسْتِعْمَالِهِ فِي حَقِيقَةٍ أُخْرَى. فَإِذَا كَانَ الْجَمْعُ حَقِيقَةً (فِيمَا) فَوْقَ الثَّلَاثَةِ وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ كَمَا وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الثَّلَاثَةِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَعْلُومٌ الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وَبَيْنَ قَوْلِهِ لَوْ قَالَ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ، وَبَيْنَ قَوْلِ قَائِلٍ اقْطَعُوا سُرَّاقًا وَبَيْنَ قَوْلِهِ اقْطَعُوا السُّرَّاقَ. فَإِنَّ قَوْلَهُ مُشْرِكِينَ وَسُرَّاقًا لَا يَقْتَضِي جَمِيعَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مَعَ كَوْنِهِ لَفْظَ جَمْعٍ. قِيلَ لَهُ: وَإِنْ كَانَ لَفْظَ جَمْعٍ فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ كَانَ نَكِرَةً لَمْ يُوجِبْ اسْتِغْرَاقَ الْجِنْسِ كُلِّهِ، وَلَوْ وَجَبَ اسْتِغْرَاقُ الْجِنْسِ صَارَ مَعْرِفَةً لِدُخُولِ مَا تَحْتَ الْجِنْسِ فِيهِ وَكَانَ يَصِيرُ كَقَوْلِهِ اقْطَعُوا السُّرَّاقَ وَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ فِي مِثْلِهِ يَدْخُلَانِ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ، وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ دُخُولُ الْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلَيْهِ وَخُرُوجُهَا سَوَاءً مَعْلُومٌ فَسَادُهُ.

стр. 72

وَلَيْسَ فِي هَذَا نَقْضٌ لِمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ لَفْظَ الْجَمْعِ يَتَنَاوَلُ الثَّلَاثَةَ فَمَا فَوْقَهَا حَقِيقَةً وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ مِنْ قِبَلِ أَنَّا إنَّمَا صَرَفْنَاهُ إلَى الثَّلَاثَةِ فِي هَذِهِ الْحَالِ بِدَلَالَةٍ وَهُوَ خُرُوجُ اللَّفْظِ مَخْرَجَ النَّكِرَةِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي بَعْضًا مَجْهُولًا مِنْ جُمْلَةِ مُحْكَمِ اللَّفْظِ مَاضٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنَّمَا خَصَّصْنَاهُ وَقَصَرْنَاهُ عَلَى الثَّلَاثَةِ بِدَلَالَةٍ. وَجَائِزٌ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَكْثَرُ مِنْهُمْ إلَّا أَنَّ الْمُتَيَقَّنَ مِنْهُ ثَلَاثَةٌ غَيْرُ أَعْيَانٍ. ثُمَّ لَا يَخْلُو حِينَئِذٍ مِنْ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ اللَّفْظِ مَوْقُوفًا عَلَى الْبَيَانِ أَوْ يَكُونُ الْمُخَاطَبُ مُخْبِرًا فِي قَطْعِ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ. وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ: إنْ تَزَوَّجْت نِسَاءً أَوْ اشْتَرَيْت عَبِيدًا فَعَبْدِي (حُرٌّ) إنَّ هَذَا عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ. وَإِنَّمَا يُوجِبُ لَفْظُ الْجَمْعِ اسْتِغْرَاقَ الْجِنْسِ بِدُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١] هَذَا عُمُومٌ فِي جَمِيعِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَإِنَّمَا وَرَدَ بِلَفْظٍ مُتَكَرِّرٍ. وَقِيلَ: يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مِمَّا خَلَقَ مِنْهُمَا وَمِنْ صُلْبِهِمَا دُونَ أَوْلَادِ أَوْلَادِهِمَا فَيَصِيرُونَ

стр. 73

مَذْكُورِينَ بِالْإِضَافَةِ إلَى جُمْلَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِنْ بَنِي آدَمَ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: عَلَى الْفَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ - فَكَيْفَمَا جَرَتْ الْحَالُ فَقَدْ جَازَ إطْلَاقُ لَفْظِ الْعُمُومِ وَالْمُرَادُ الْخُصُوصُ. قِيلَ لَهُ: هَذَا لَا يُسَلِّمُهُ لَك جَمِيعُ أَصْحَابِ الْعُمُومِ لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إنَّ لَفْظَ الْعُمُومِ لَا يَكُونُ لِلْخُصُوصِ أَبَدًا، وَمَتَى أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ (لَفْظَ) عُمُومٍ لِأَنَّ مَا صَحِبَهُ مِنْ دَلَالَةِ الْخُصُوصِ يَجْرِي عِنْدَهُمْ مَجْرَى الِاسْتِثْنَاءِ، فَهَذَا السُّؤَالُ سَاقِطٌ عَنْ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْقَوْلِ. وَأَمَّا مَنْ سَلَّمَ (وُرُودَ) لَفْظِ عُمُومٍ يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ إطْلَاقَ اللَّفْظِ فِي هَذِهِ الْحَالِ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً، وَالْحَقِيقَةُ اسْتِعْمَالُهُ لِلْعُمُومِ وَلَيْسَ (فِي) أَنَّ اللَّفْظَ عُدِلَ بِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَاسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فِي حَالِ مَا يَمْنَعُ اسْتِعْمَالَهُ عُدَّ وُرُودُهُ مُطْلَقًا عَلَى الْحَقِيقَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّ لَفْظَ الْخَبَرِ قَدْ يَرِدُ وَالْمُرَادُ الْأَمْرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وَيَرِدُ لَفْظُ الْأَمْرِ وَالْمُرَادُ الْوَعِيدُ وَالتَّهْدِيدُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] . وَلَمْ يُمْنَعْ جَوَازُ وُرُودِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لِدَلَالَةٍ أَوْجَبَتْ ذَلِكَ لَهُ مِنْ وُجُوبِ اسْتِعْمَالِهِ (مَتَى وَرَدَ) مُطْلَقًا عَلَى حَقِيقَتِهِ. فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَ لَفْظُ الْعُمُومِ يَقْتَضِي اسْتِيعَابَ جَمِيعِ مَا تَحْتَ الِاسْمِ لَصَارَ كُلُّ اسْمٍ مِنْهُ كَالْمَذْكُورِ بِعَيْنِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ يَمْنَعُ جَوَازَ دُخُولِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَيْهِ كَمَا لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاءُ الْمَذْكُورِ

стр. 74

لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ: رَأَيْت زَيْدًا إلَّا زَيْدًا. قِيلَ لَهُ: هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يَدْفَعُ أَنْ تَكُونَ الْعَشَرَةُ اسْمًا لِهَذَا الْعَدَدِ يَقْتَضِي إطْلَاقُهُ اسْتِيعَابَ جَمِيعِهِ ثُمَّ لَمْ يَمْتَنِعْ جَوَازُ وُرُودِ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُبْطِلْ ذَلِكَ شُمُولَ اللَّفْظِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ لِجَمِيعِهِ. وَكَذَلِكَ مَا وَصَفْنَا فِي الْعُمُومِ وَجَوَازُ وُرُودِ الْخُصُوصِ وَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَيْهِ غَيْرُ مَانِعٍ كَوْنَ اللَّفْظِ عِبَارَةً عَنْ جَمِيعِهِ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا أَنْكَرْت أَنْ تَكُونَ صِفَةَ الْعُمُومِ الْمُوجِبِ لِلشُّمُولِ وَالِاسْتِيعَابِ هِيَ مَا يَصْحَبُهُ حَرْفُ التَّأْكِيدِ، وَهُوَ الْكُلُّ وَالْجَمِيعُ، وَيَقْبُحُ مَعَهُ اسْتِفْهَامُ الْمُرَادِ وَمَا خَلَا مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ بِأَوْلَى بِحُكْمِ اللَّفْظِ مِنْ الْآخَرِ، وَلَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا كَانَ لِلتَّأْكِيدِ وَالِاسْتِفْهَامِ مَعْنًى وَلَا فَائِدَةٌ. قِيلَ لَهُ: لَفْظُ الْكُلِّ وَالْجَمِيعِ إذَا دَخَلَا عَلَى الْعُمُومِ، فَإِنَّمَا يُؤَكِّدَانِ بِهِ مَا قَدْ حَصَلَ وَاسْتَقَرَّ مِنْ الْمَعْنَى وَلَا يُوجِبَانِ زِيَادَةَ حُكْمٍ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْعُمُومُ (الْعَارِي) مِنْ التَّأْكِيدِ، وَإِنَّمَا يُؤَكَّدُ بِلَفْظِ الْكُلِّ وَالْجَمِيعِ كَمَا يُؤَكَّدُ بِالتَّكْرَارِ، وَلَيْسَ يُفِيدُ التَّكْرَارُ زِيَادَةَ حُكْمٍ عَلَى مَا حَصَلَ بِالْعُمُومِ. كَقَوْلِ اللَّهِ ﴿أَوْلَى لَك فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤] (ثُمَّ ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٥] وَالثَّانِي) تَأْكِيدٌ فِي تَقْرِيرِ الْمَعْنَى الْحَاصِلِ بَدْءًا. وَكَقَوْلِ النَّبِيِّ «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ» ، وَكَقَوْلِهِ

стр. 75

فِي الصَّدَقَةِ " فَإِنْ (لَمْ) تَكُنْ تَجِدُ ابْنَةَ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٍ ". وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ: هَلَّا سَأَلْت جُمُوعَ كِنْدَةَ يَوْمَ وَلَّوْا أَيْنَ أَيْنًا وَكَالْقَسْمِ يَدْخُلُ عَلَى الْكَلَامِ عَلَى جِهَةِ تَقْدِيرِ الْمَعْنَى الْحَاصِلِ بِالْخَبَرِ وَتَقْدِيرُهُ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ.
следующие страницы →