Полный текст (1 263 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وَأَيْضًا: فَإِنَّ سَامِعَ الْخَبَرِ يَجُوزُ لَهُ الْإِخْبَارُ بِهِ عَنْ رَاوِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ لَهُ الرَّاوِي: ارْوِهِ عَنِّي، وَمَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: أَشْهَدُ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: أَشْهَدُ عَلَى شَهَادَتِي بِذَلِكَ، فَيَحْمِلُهَا إيَّاهُ فَعَلِمْت بُطْلَانَ اعْتِبَارِ الْإِخْبَارِ بِالشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الشَّاهِدَ إنَّمَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ، وَقَدْ يُمْكِنُ الْحَاكِمَ: أَنْ يَتَوَصَّلَ إلَى مَعْرِفَةِ حَالِ الْمَشْهُودِ عَلَى شَهَادَتِهِ بِالْمَسْأَلَةِ عَنْهُ. فَلَمْ يَجُزْ لَهُ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ شُهُودِ الْأَصْلِ إلَّا بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِهِمْ، وَثُبُوتِ عَدَالَتِهِ عِنْدَهُمْ.
وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ الرُّوَاةِ فَلَا سَبِيلَ لَنَا إلَى الْعِلْمِ بِحَالِهِمْ إلَّا مِنْ جِهَةِ النَّاقِلِينَ عَنْهُمْ، فَكَانَ نَقْلُهُمْ وَإِرْسَالُهُمْ الْحَدِيثَ عَنْهُمْ تَعْدِيلًا مِنْهُمْ إيَّاهُمْ.
أَيْضًا: فَإِنَّ الشُّهُودَ إذَا رَجَعُوا إلَى شَهَادَتِهِمْ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ، يَلْحَقُهُمْ ضَمَانُ مَا أَتْلَفُوهُ بِشَهَادَتِهِمْ. فَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ لَا يُوجِبُ ضَمَانًا عَلَى شُهُودِ الْأَصْلِ وَإِنْ رَجَعُوا.
وَمِنْهُمْ: مَنْ يُوجِبُهُ عَلَيْهِمْ. فَاحْتَاجَ الْحَاكِمُ إلَى: أَنْ يَعْرِفَهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ، لِكَيْ إذَا رَجَعُوا لَزِمَهُمْ حُكْمُ مَا يُوجِبُهُ إشْهَادُهُمْ غَيْرَهُمْ عَلَى شَهَادَتِهِمْ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْجُودًا فِي الْأَخْبَارِ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَنْقُولِ عَنْهُمْ ذَلِكَ بِأَعْيَانِهِمْ، إنْ كَانَتْ رِوَايَةُ الْأَئِمَّةِ عَنْهُمْ تَعْدِيلًا مِنْهُمْ لَهُمْ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي قَبُولِ الْأَخْبَارِ.
دَلِيلٌ آخَرُ: وَهُوَ اتِّفَاقٌ. قَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى: قَبُولِ فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَمَاعًا، إذَا كَانَ مِمَّنْ قَدْ لَقِيَهُ، وَلَوْ كَانَ الْمُرْسَلُ غَيْرَ مَقْبُولٍ - لَمَا جَازَ: قَبُولُ فُلَانٍ عَنْ فُلَانٍ، إذْ لَيْسَ فِيهِ سَمَاعٌ لَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: لِأَنَّ الظَّاهِرَ: أَنَّ مَنْ رَوَى عَمَّنْ لَقِيَهُ: أَنَّهُ سَمَاعٌ حَتَّى يَثْبُتَ غَيْرُهُ. قِيلَ لَهُ: وَلِمَ قُلْت ذَلِكَ؟ بَلْ الظَّاهِرُ: أَنَّهُ يَرْوِي عَنْهُ سَمَاعًا تَارَةً، وَيَرْوِيهِ تَارَةً سَمَاعًا مِنْ غَيْرِهِ عَنْهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الظَّاهِرَ: أَنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ الْحَدِيثَ إلَّا عَنْ عَدْلٍ حَتَّى يَثْبُتَ غَيْرُهُ. فَإِنْ قِيلَ: يَحْتَاجُ أَنْ يَثْبُتَ: أَنَّهُ عَدْلٌ عِنْدِي. قِيلَ لَهُ: وَيَحْتَاجُ: أَنْ يَثْبُتَ عِنْدِي: أَنَّهُ سَمَاعٌ، إذَا قَالَ فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ
стр. 772
عِنْدَك: أَنَّهُ سَمَاعٌ، كَذَلِكَ يَجُوزُ: أَنْ يُقْبَلَ الْمُرْسَلُ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ: أَنَّهُ عَدْلٌ عِنْدِي، فَاكْتَفَى تَعْدِيلُهُ إيَّاهُ بِإِرْسَالِهِ عَنْهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْمُفْتِيَ إذَا قَالَ: لِلْمُسْتَفْتِي حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ بِكَذَا. أَوْ قَالَ فِيهِ: كَذَا، لَزِمَهُ قَبُولُ خَبَرِهِ، مَعَ حَذْفِ سَنَدِهِ، وَهَذَا أَحَدُ مَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي إثْبَاتِ الْمُسْنَدِ، فَهُوَ حُجَّةٌ فِي إثْبَاتِ الْمُرْسَلِ أَيْضًا.
وَزَعَمَ بَعْضُ مُخَالِفِينَا: أَنَّهُ إنَّمَا رَوَى التَّابِعُونَ الْمُرْسَلَ لِيُطْلَبَ فِي الْمُسْنَدِ.
فَيُقَالُ لَهُ: مَعْنَى قَوْلِك لِيَطْلُبَ فِي الْمُسْنَدِ، كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَهُمْ إسْنَادٌ، فَإِنْ كُنْت تَعْنِي ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إلَّا وَهُمْ يَسْمَعُونَ، وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَحْصُرُوا الْمَرَاسِيلَ لِيُنْظَرَ هَلْ تُوجَدُ فِي الْمُسْنَدِ، وَهَذَا لَا يُجَوِّزُهُ أَحَدٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا كَذَلِكَ - لَمَا كَانُوا أَهْلًا لِقَبُولِ رِوَايَاتِهِمْ أَصْلًا: الْمُسْنَدُ وَالْمُرْسَلُ جَمِيعًا.
وَإِنْ كَانُوا قَدْ سَمِعُوهُ - فَمَا الَّذِي مَنَعَهُمْ مِنْ إظْهَارِ سَنَدِهِ وَهُوَ مَوْجُودٌ عِنْدَهُمْ؟ فَعَلِمْت أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ مِنْ كَلَامِهِ فَارِغٌ لَا مَعْنَى تَحْتَهُ. وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ هَذَا فِي الْمُرْسَلِ - لَجَازَ لِمُبْطِلِي أَخْبَارِ الْآحَادِ أَنْ يَقُولُوا: إنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ إنَّمَا رَوَوْا الْآحَادَ لِيُطْلَبَ فِي التَّوَاتُرِ، وَالِاثْنَيْنِ وَالْأَرْبَعَةِ.
وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ: بِأَنَّ الْمُرْسَلَ لَوْ كَانَ مَقْبُولًا لَمَا كَانَ لِذِكْرِ الْإِسْنَادِ وَجْهٌ. فَيُقَالُ: يَقُولُ لَك مُبْطِلُو خَبَرِ الْوَاحِدِ: لَوْ كَانَ خَبَرُ الْوَاحِدِ مَقْبُولًا لَمَا كَانَ لِسَمَاعِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ، وَثَلَاثَةٍ، وَأَرْبَعَةٍ، مَعْنًى. فَلَمَّا جَازَ أَنْ يُطْلَبَ الْأَثَرُ مِنْ وُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَيُرْوَى مِنْ جِهَاتٍ كَثِيرَةٍ، وَلَمْ يَنْفِ ذَلِكَ جَوَازَ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْوَاحِدِ، كَذَلِكَ يُرْوَى الْحَدِيثُ، فَيُذْكَرُ إسْنَادُهُ تَارَةً، وَلَا يَدُلُّ: عَلَى أَنَّ الْمُرْسَلَ غَيْرُ مَقْبُولٍ. فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا أَرْسَلَ التَّابِعُونَ الْأَخْبَارَ إعْلَامًا مِنْهُمْ لِسَامِعِيهَا: أَنَّ الْمَحْذُوفَ اسْمُهُ فِي السَّنَدِ لَيْسَ مِمَّنْ يُحْمَلُ عَنْهُ الْعِلْمُ.
قِيلَ لَهُ: قَدْ أَخْبَرُوا هُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ. فَإِنْ صَدَّقْتهمْ كُنْت كَاذِبًا فِيمَا حَكَيْت عَنْهُمْ، وَإِنْ أَكْذَبْتهمْ فَلَا تَقْبَلْ رِوَايَاتِهِمْ، لَا مُرْسِلًا وَلَا مُسْنِدًا.
وَأَيْضًا: فَمَا الَّذِي حَمَلَهُمْ: عَلَى أَنْ يَرْوُوا مَا لَا يَجُوزُ قَبُولُهُ، ثُمَّ يَكْتُمُوا إسْنَادَهُ. فَيَعْرِفُوا
стр. 773
النَّاسَ بِهِ، وَكَانَ أَقَلُّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَسْكُتُوا عَنْهُ. فَلَا يَرْوُوهُ.
وَعَلَى أَنَّ مَنْ رَوَى عَمَّنْ لَا يَجُوزُ الرِّوَايَةُ عَنْهُ ثُمَّ كَتَمَهُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ أَمْرَهُ، صَارَ مِنْ الْمَجْرُوحِ، وَالْمَطْعُونِ عَلَيْهِ فِي رِوَايَتِهِ. وَهَذَا يُوجِبُ الطَّعْنَ عَلَى عَامَّةِ التَّابِعِينَ، لِأَنَّهُمْ قَدْ أَرْسَلُوا الْأَخْبَارَ. وَأَيْضًا: فَإِنَّ مَنْ عَلِمْنَا مِنْ حَالِهِ: أَنَّهُ يُرْسِلُ الْحَدِيثَ عَمَّنْ لَا يُوثَقُ بِرِوَايَتِهِ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُ الْعِلْمِ عَنْهُ، فَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولِ الْمَرَاسِيلِ عِنْدَنَا، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مِنَّا فِيمَنْ لَا يُرْسِلُ إلَّا عَنْ الثِّقَاتِ الْأَثْبَاتِ عِنْدَهُ.
فَإِنْ قَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ التَّابِعِينَ يُرْسِلُ الْحَدِيثَ فَإِذَا سُئِلَ عَنْهُ أَخْبَرَ بِهِ، وَكَانَ كَاذِبًا. قِيلَ لَهُ: مَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ التَّابِعِينَ فَعَلَ ذَلِكَ. وَعَلَى أَنَّ هَذَا طَعْنٌ فِي الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّ مَنْ رَوَى عَنْ كَذَّابٍ وَكَتَمَ أَمْرَهُ فَهُوَ غَيْرُ مَقْبُولِ الرِّوَايَةِ، لَا سِيَّمَا إذَا حَذَفَ اسْمَهُ مِنْ الْإِسْنَادِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ مَنْ احْتَجَّ فِي إبْطَالِ الْمَرَاسِيلِ: بِأَنَّ التَّابِعِينَ قَدْ كَانُوا يَتَسَاهَلُونَ فِي الْإِرْسَالِ عَمَّنْ لَوْ كَشَفَ عَنْهُ وَبَيَّنَ أَمْرَهُ، كَانَتْ حَالُهُ بِخِلَافِهَا إذَا أَرْسَلَ عَنْهُ، وَذَكَرَ فِي ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ قَالَ لَهُ: إنَّ حَدِيثَ الْوُضُوءِ مِنْ الْقَهْقَهَةِ فِي الصَّلَاةِ يَدُورُ عَلَى أَبِي الْعَالِيَةِ. فَقُلْت لَهُ: قَدْ رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ النَّبِيِّ ﵇. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: أَنَا
стр. 774
حَدَّثْت بِهِ الْحَسَنَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، فَقُلْت لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَقَدْ رَوَاهُ إبْرَاهِيمُ مُرْسَلًا فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: حَدَّثَنِي شَرِيكٌ عَنْ أَبِي هَاشِمٍ.
قَالَ: أَنَا حَدَّثْت بِهِ إبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، فَقُلْت لَهُ: قَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ مُرْسَلًا. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَرَأْت هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ، عَنْ الْحَسَنِ.
قَالَ الْقَائِلُ: فَإِذَا سَمِعَ السَّامِعُ هَذِهِ الْأَخْبَارَ مُرْسَلَةً يَقُولُ: قَدْ رَوَاهُ الْحَسَنُ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ. ثُمَّ إذَا كَشَفَ عَنْهُ كَانَ مَدَارُهُ عَلَى أَبِي الْعَالِيَةِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵀: وَالْعَجَبُ مِنْ غَبَاوَةِ هَذَا الْقَائِلِ، حِينَ جَعَلَ قَوْلَ فُلَانٍ: أَنَا حَدَّثْت بِهِ فُلَانًا نَفْيًا، لِأَنَّهُ يَكُونُ حَدَّثَهُ بِهِ غَيْرُهُ، أَوْ سَمِعَهُ مِنْ سِوَاهُ. وَلَا يَمْتَنِعُ: أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ رَجُلٌ مُرْسَلًا، وَقَدْ سَمِعَهُ هُوَ مُتَّصِلًا مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ يُرْسِلُهُ.
وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ دَارَ الْحَدِيثُ عَلَى أَبِي الْعَالِيَةِ مَا الَّذِي كَانَ يُوجِبُ الْقَدْحَ فِيهِ؟ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ الْكَرِيمِ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : وَقَدْ
стр. 775
رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ النَّبِيِّ ﵇. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذُؤَيْبٍ، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﵇. وَقَدْ ثَبَتَ: أَنَّ الْحَسَنَ وَالزُّهْرِيَّ قَدْ رَوَيَاهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ هَذَا الْقَائِلُ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْصُولًا عَنْ النَّبِيِّ ﵇، وَلَيْسَ غَرَضُنَا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِيهَا مِنْ الْكَلَامِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ الْمَنْسُوبِ إلَى أَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ ﵀ -
стр. 776
[بَابٌ الْخَبَرَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ]
بَابٌ
الْخَبَرَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵀: - تَعَارُضُ الْخَبَرَيْنِ يَكُونُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ: مِنْهَا: مَا يَكُونُ مِنْ غَلَطِ الرُّوَاةِ، وَنَتَيَقَّنُ مَعَهُ وَهْمَ رُوَاةِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ.
وَمِنْهَا: مَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَا صَحِيحَيْنِ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ. وَلَا يُحْتَمَلُ مَعَ ذَلِكَ بَقَاءُ حُكْمِهِمَا بِلَا مَحَالَةٍ، إنْ ثَبَتَا، وَصَحَّا، فَأَحَدُهُمَا مَنْسُوخٌ مَتْرُوكُ الْحُكْمِ.
وَمِنْهَا: مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا صَحِيحَيْنِ، وَيَكُونَا جَمِيعًا مُسْتَعْمَلَيْنِ فِي حَالَيْنِ، أَوْ فِي شَيْئَيْنِ.
فَأَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: فَنَحْوُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵀: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵊ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ» . وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ» .
وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. وَغَيْرُ جَائِزٍ: أَنْ يَكُونَ مُحْرِمًا وَغَيْرَ مُحْرِمٍ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَنَحْوُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ حِينَ دَخَلَهَا يَوْمَ الْفَتْحِ.
стр. 777
وَقَالَ بِلَالٌ: بِأَنَّهُ صَلَّى فِيهَا» مَعَ عِلْمِنَا: بِأَنَّهُمْ أَخْبَرُوا عَنْ وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَكَرِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ «أَفْرَدَ بِالْحَجِّ» .
وَرَوَى جَابِرٌ وَأَنَسٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ قَارِنًا» . وَنَحْوُ مَا رَوَى زَوْجُ بَرِيرَةَ: " إنَّهُ كَانَ حُرًّا حِينَ أُعْتِقَتْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ كَانَ عَبْدًا. مَتَى أَخْبَرُوا عَنْ حَالِهِ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ عِنْدَ عِتْقِهَا كَانَ الْخَبَرَانِ مُتَضَادَّيْنِ، نَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ (أَحَدَ الرَّاوِيَيْنِ) مُخْطِئٌ.
وَكَرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ رَدَّ زَيْنَبَ ابْنَتَهُ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ»
стр. 778
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: «إنَّ النَّبِيَّ ﵇ رَدَّهَا عَلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ» ، فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ وَمَا شَاكَلَهَا مِمَّا تَقَعُ الْإِشَارَةُ فِيهَا إلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ، بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ، فَمَعْلُومٌ فِيهَا غَلَطُ رُوَاةِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ، مَعَ ثُبُوتِ حُكْمِ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ.
وَالثَّانِي مِنْهُمَا: فَنَحْوُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي «الْوُضُوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ» ، وَمَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا وُضُوءَ فِيهِ.
وَمَا رُوِيَ عَنْهُ: أَنَّهُ «نَهَى عَنْ أَكْلِ الضَّبِّ» وَرُوِيَ " أَنَّهُ أَبَاحَهُ ".
وَمَا رُوِيَ عَنْهُ: «أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ» وَرُوِيَ عَنْهُ: «أَنَّهُ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَّا فِي تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ» هَذِهِ الْأَخْبَارُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ كُلُّهَا صَحِيحَةً فِي الْأَصْلِ، وَأَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا مَنْسُوخًا بِبَعْضٍ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ بَعْضُهَا وَهْمًا وَغَلَطًا، لِأَنَّهَا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ.
إلَّا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ثُبُوتُ حُكْمِ جَمِيعِهَا لِتَنَافِيهَا، وَتَضَادِّهَا، وَلِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ: عَلَى أَنَّ بَعْضَهَا ثَابِتُ الْحُكْمِ دُونَ جَمِيعِهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنْهَا: أَنْ يَرِدَ خَبَرَانِ مُتَضَادَّانِ فِي الظَّاهِرِ، فَيُسْتَعْمَلَانِ جَمِيعًا فِي حَالَيْنِ، أَوْ عَلَى وَجْهَيْنِ، نَحْوُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ» ، وَقَالَ: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» .
стр. 779
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ : أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» . وَمَحْمُولٌ عَلَى حَالِهِ قَبْلَ الدِّبَاغِ، وَقَوْلُهُ ﵇ «دِبَاغُ الْأَدِيمِ ذَكَاتُهُ» مَحْمُولٌ عَلَى حَالِهِ بَعْدَ الدِّبَاغِ.
وَقَوْلُهُ ﵇ «وَالذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ» ، مَحْمُولٌ عَلَى مَا يَرِدُ فِيهِ الْخَبَرُ.
وَقَوْلُهُ ﵇: «لَا رِبَا إلَّا فِي النَّسِيئَةِ» مَحْمُولٌ عَلَى الْجِنْسَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، فِيمَا ذُكِرَ فِي الْخَبَرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ " وَكَالتَّمْرِ بِالشَّعِيرِ وَالذَّهَبِ بِالْفِضَّةِ " كَمَا قَالَ فِي خَبَرٍ آخَرَ «وَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، يَدًا بِيَدٍ» .
وَقَدْ ذَكَرَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ حُكْمَ الْخَبَرَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ، فَجَعَلَ أَحَدَ الْأَسْبَابِ الْمُقَوِّيَةِ لِأَحَدِهِمَا: وُجُودَ عَمَلِ النَّاسِ، دُونَ الْآخَرِ، فَيَكُونُ الْمَعْمُولُ ثَابِتَ الْحُكْمِ، نَاسِخًا، وَالْآخَرُ مَنْسُوخًا، إنْ صَحَّتْ فِي الْأَصْلِ رِوَايَتُهُ.
قَالَ: وَإِنْ اخْتَلَفُوا سَاغَ الِاجْتِهَادُ فِي تَثْبِيتِ أَحَدِهِمَا. قَالَ: وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُتَقَدِّمًا عَلَى الْآخَرِ وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي الْعَمَلِ بِهِمَا، - فَإِنْ احْتَمَلَا الْمُوَافَقَةَ وَالْجَمْعَ بَيْنَهُمَا - اُسْتُعْمِلَ الِاجْتِهَادُ.
وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلَا الْمُوَافَقَةَ، فَالْآخَرُ نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ، إنْ كَانَ الْأَوَّلُ قَدْ عَمِلَ بِهِ النَّاسُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ فِي أَيْدِي أَهْلِ الْعِلْمِ، وَاَلَّذِي يَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ. وَيَكُونُ الْآخَرُ مِنْهُمَا خَامِلًا، لَا يَعْمَلُ بِهِ إلَّا الشَّاذُّ مِنْ النَّاسِ، فَحِينَئِذٍ نَنْظُرُ إلَى الَّذِينَ عَمِلُوا بِالْأَوَّلِ. فَإِنْ وَجَدْنَاهُمْ يُجَوِّزُونَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا بِالْآخَرِ، وَلَا يَعْتِبُونَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، جَازَ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ وَجَدْنَاهُمْ يَعِيبُونَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَنْ خَالَفَهُمْ، كَانَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا عَلَى مَا عَمِلَ النَّاسُ، وَظَهَرَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَلَمْ يَجُزْ الْأَخْذُ بِالْخَبَرِ الشَّاذِّ الَّذِي قَدْ عَابُوهُ عَلَى مَنْ عَمِلَ بِهِ، لِأَنَّ الْأَمْرَ إذَا ظَهَرَ فِي الْمُسْلِمِينَ وَعَمِلُوا بِهِ ثُمَّ نُسِخَ، ظَهَرَ نَسْخُهُ مِنْهُمْ، كَمَا ظَهَرَ لِلْغَيْرِ نَصُّهُ، حَتَّى لَا يَشِذَّ إلَّا عَلَى الْقَلِيلِ.
كَالنَّهْيِ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ، وَالشُّرْبِ فِي الظُّرُوفِ، وَزِيَارَةِ الْقُبُورِ، وَنَسْخِهَا،
стр. 780
وَمُتْعَةِ النِّسَاءِ. لَمَّا نُسِخَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ ظَهَرَ نَسْخُهَا، كَظُهُورِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ ابْتِدَاءً.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵀: جَعَلَ عِيسَى اسْتِعْمَالَ النَّاسِ لِأَحَدِ الْخَبَرَيْنِ مُوجِبًا لِثُبُوتِ حُكْمِهِ دُونَ الْآخَرِ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ لَا تَسَعُ مُخَالَفَتُهُ، وَلَا يَجُوزُ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ مَعَهُ، فَالْخَبَرُ الَّذِي سَاعَدَهُ الْإِجْمَاعُ مِنْهَا ثَابِتُ الْحُكْمِ، وَالْآخَرُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا، أَوْ غَيْرَ ثَابِتٍ فِي الْأَصْلِ.
وَأَمَّا إذَا اخْتَلَفُوا فَاسْتَعْمَلَ بَعْضُهُمْ الْآخَرَ، سَاغَ الِاجْتِهَادُ فِي اسْتِعْمَالِ أَحَدِهِمَا، فَيَكُونُ مَا عَاضَدَهُ شَوَاهِدُ الْأُصُولِ أَوْلَى بِالِاسْتِعْمَالِ، مِنْ قِبَلِ: أَنَّهُمْ لَمَّا اخْتَلَفُوا لَمْ يَكُنْ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ بِأَوْلَى بِاسْتِعْمَالِ حُكْمِهِ مِنْ الْآخَرِ فِي ظَاهِرِ وُرُودِهِمَا، كَانَ مَا شَهِدَ لَهُ الْأُصُولُ مِنْهُمَا أَوْلَى بِالِاسْتِعْمَالِ، لِأَنَّ شَوَاهِدَ الْأُصُولِ لَوْ انْفَرَدَتْ عَنْ الْخَبَرِ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِنَفْيِهَا، فَإِذَا سَاعَدَتْ أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ كَانَ أَوْلَى بِالْإِثْبَاتِ.
وَأَيْضًا: فَلَمَّا ثَبَتَ عَنْ الصَّحَابَةِ عَرْضُهُمْ كَثِيرًا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ عَلَى الْأُصُولِ، وَمُقَابَلَتُهَا بِالْقِيَاسِ وَاجْتِهَادِ الرَّأْيِ حَسَبَ مَا حَكَيْنَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، فَصَارَ بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ تَأْثِيرٌ فِي رَدِّ بَعْضِ الْأَخْبَارِ الْآحَادِ، وَحَسَبَ كَوْنِ مُسَاعَدَتِهَا لِأَحَدِ الْخَبَرَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ - مُوجِبَةً لِاسْتِعْمَالِهِ، دُونَ الْآخَرِ الَّذِي يُخَالِفُهَا.
وَأَيْضًا: لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي اسْتِعْمَالِ الْخَبَرَيْنِ، وَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ، فَقَدْ سَوَّغُوا الِاجْتِهَادَ فِي إثْبَاتِ حُكْمِ أَحَدِهِمَا بِالنَّظَائِرِ، كَسَائِرِ الْحَوَادِثِ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا مُتَقَدِّمًا عَلَى الْآخَرِ وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِيهِمَا، فَإِنْ احْتَمَلَا الْمُوَافَقَةَ سَاغَ الِاجْتِهَادُ، لِأَنَّهُمْ لَمَّا اخْتَلَفُوا وَلَمْ يَجْعَلُوا الْآخَرَ قَاضِيًا عَلَى الْأَوَّلِ، فَقَدْ سَوَّغُوا
стр. 781
الِاجْتِهَادَ فِيهِمَا، فَمَتَى أَدَّى الِاجْتِهَادُ إلَى حَمْلِهِمَا عَلَى الْوِفَاقِ حَمَلْنَاهُمَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَسْقُطْ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، مَعَ إمْكَانِ الِاسْتِعْمَالِ، وَدَلَالَةِ الْأُصُولِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَحْتَمِلَا الْمُوَافَقَةَ - فَإِنَّ الْآخَرَ مِنْهُمَا يَكُونُ نَاسِخًا الْأَوَّلَ، لِأَنَّ الْحُكْمَ الْآخَرَ ثَابِتٌ إذْ لَيْسَ لِلْأَوَّلِ مَزِيَّةٌ عَلَيْهِ فِي ثُبُوتِهِ دُونَهُ، وَفِي ثُبُوتِ الْآخَرِ نَفْيُ الْأَوَّلِ.
وَأَمَّا إذَا عَمِلَ النَّاسُ بِالْأَوَّلِ إلَّا الشَّاذُّ مِنْهُمْ، وَسَوَّغُوا مَعَ ذَلِكَ الَّذِينَ عَمِلُوا بِالْآخَرِ، وَلَمْ يَعِيبُوا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّمَا جَازَ اجْتِهَادُ الرَّأْيِ فِيهِ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ قَدْ اتَّفَقُوا فِي هَذِهِ عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِي اسْتِعْمَالِ أَحَدِهِمَا أَيُّهُمَا كَانَ، فَلِذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ.
وَأَمَّا إذَا عَابُوا عَلَى مَنْ ذَهَبَ إلَى الْخَبَرِ الْآخَرِ، فَإِنَّمَا وَجَبَ اسْتِعْمَالُ مَا عَمِلَ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَظَهَرَ فِي أَيْدِيهِمْ، دُونَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّاذُّ مِنْهُمْ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ النَّاسِ الْأَوَّلَ يُوجِبُ صِحَّتَهُ وَثَبَاتَهُ، فَلَوْ كَانَ الْآخَرُ ثَابِتًا يَعْرِفُهُ مَنْ يَعْرِفُ الْأَوَّلَ، وَلَمَا أَنْكَرَهُ عَلَى مَنْ عَمِلَ بِالْآخَرِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ إذَا ثَبَتَ وَاسْتَفَاضَ فِي الْكَافَّةِ ثُمَّ نُسِخَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا مَحَالَةَ يُظْهِرُ نَسْخَهُ فِيمَنْ ظَهَرَ فِيهِمْ فِي حُكْمِهِ بَدْرً، فَدَلَّ إنْكَارُهُمْ عَلَى الْآخَرِينَ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ حُكْمِ الْخَبَرِ الْآخَرِ، أَنَّ الْأَوَّلَ ثَابِتُ الْحُكْمِ، وَأَنَّ الثَّانِيَ شَاذٌّ، لَا يَجُوزُ الِاعْتِرَاضُ بِهِ عَلَى الْأَوَّلِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْجُمْهُورَ لَمَّا عَلِمُوا بِالْخَبَرِ الْأَوَّلِ دُونَ الْآخَرِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْآخَرَ قَدْ رُوِيَ - فَهُمْ لَا يَتْرُكُونَ الْحُكْمَ بِالثَّانِي، إلَّا مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْأَوَّلَ ثَابِتُ الْحُكْمِ، لَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ الثَّانِي نَاسِخًا لَهُ عِنْدَهُمْ، فَلَمَّا لَمْ يَعْتَبِرُوا الثَّانِيَ وَثَبَتُوا عَلَى الْأَوَّلِ، عَلِمْنَا: أَنَّهُمْ قَدْ عَلِمُوا شُذُوذَ الثَّانِي، وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ بِهِ عَلَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي.
وَهَذَا ضَرْبٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ مُوجِبٌ لِتَقْوِيَةِ بَقَاءِ حُكْمِ خَبَرِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ: مِنْ أَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ مَقْبُولَةٌ اجْتِهَادًا، عَلَى حَسَبِ مَا تَغْلِبُ فِي الظَّنِّ مِنْ صِحَّتِهَا وَسَلَامَتِهَا، وَمِنْ شَهَادَةِ الْأُصُولِ لَهَا، أَوْ مُخَالَفَتِهَا إيَّاهَا، فَكَانَ مَا وَصَفْنَا فِي هَذَا
стр. 782
الْفَصْلِ ضَرْبًا مِنْ الِاجْتِهَادِ، تَقْوَى مَعَهُ فِي النَّفْسِ بَقَاءُ حُكْمِ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ دُونَ الْآخَرِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵀: وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ مِنْ أَبْوَابِ النَّسْخِ: مَا كَانَ يَقُولُ أَبُو الْحَسَنِ ﵀ فِي خَبَرَيْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، إذَا لَمْ يُعْلَمْ تَارِيخُهُمَا: إنَّ خَبَرَ الْحَظْرِ أَوْلَى، وَاحْتِجَاجَهُ لَهُ، بَلْ الْإِبَاحَةُ لَمَّا كَانَتْ هِيَ الْأَصْلُ، وَالْحَظْرُ طَارِئٌ عَلَيْهِ، كَانَ حُدُوثُ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ مُتَيَقَّنًا، وَلَسْنَا نَتَيَقَّنُ بَعْدَ ذَلِكَ حُدُوثَ الْإِبَاحَةِ عَلَى الْحَظْرِ.
وَذَكَرْنَا مِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ: مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي إبَاحَةِ أَكْلِ الصَّيْدِ، وَمَا رُوِيَ عَنْهُ فِي النَّهْيِ عَنْهُ، وَنَحْوُ مَا رُوِيَ «أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ» وَمَا رُوِيَ فِي " إبَاحَةِ النَّظَرِ إلَيْهَا " وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ.
وَحَكَيْنَا مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ: بِأَنَّ أَحَدَ الْمُخْبِرَيْنِ إذَا أَخْبَرَ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَالْآخَرُ بِطَهَارَتِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِلسَّامِعِ رَأْيٌ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ: أَنَّهُ يَسْقُطُ خَبَرُهُمَا جَمِيعًا، وَيَكُونُ الْمَاءُ بَاقِيًا عَلَى أَصْلِ طَهَارَتِهِ.
وَبَيَّنَّا: أَنَّ نَظِيرَ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ مِنْ أَخْبَارِ أَحْكَامِ الدِّينِ هُوَ الَّذِي قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِيهِ بَدَأَ فِي صَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَأَنَّ أَحَدَ الْمُخْبِرَيْنِ فِيهِ غَلَطٌ لَا مَحَالَةَ، كَرِوَايَةِ مَنْ رَوَى: أَنَّهُ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَمَنْ رَوَى: أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا حَلَالًا، وَأَنَّهُ لَيْسَ نَظِيرَ الْمَاءِ، لِمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ مِنْ الْقِسْمَيْنِ الْآخَرَيْنِ، اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا: أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرَانِ جَمِيعًا صَحِيحَيْنِ فِي الْأَصْلِ، وَأَحَدُهُمَا مَنْسُوخٌ بِالْآخَرِ، وَلَيْسَ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي خَبَرِ الْمُخْبِرَيْنِ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ وَنَجَاسَتِهِ مُخَالِفَ الْخَبَرَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ هَذَا الْبَابِ فِي الْمَعْنَى، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ: أَسْقِطْ الْخَبَرَيْنِ إذَا تَسَاوَيَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا.
وَالْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ، نَحْوُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرِوَايَتِهِ: " أَنَّهُ كَانَ مُحْرِمًا "، (لِتَعَارُضِهَا مَعَ رِوَايَةِ) يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ: " أَنَّهُ كَانَ حَلَالًا، كَمَا قَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، حِينَ عَارَضَ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ نَظَائِرِ هَذَا الْخَبَرِ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَهَبَ فِيهَا إلَى ضَرْبٍ مِنْ التَّرْجِيحِ، أَوْجَبَ كَوْنَ أَحَدِهِمَا أَوْلَى بِإِثْبَاتِ حُكْمِهِ مِنْ الْآخَرِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: لَيْسَ الْخَبَرُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ أَصْلًا لِلْإِخْبَارِ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ،
стр. 783
وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ مِنْ إسْقَاطِ حُكْمِ الْخَبَرَيْنِ إذَا تَسَاوَيَا دَلَالَةٌ: عَلَى أَنَّ الْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ حُكْمُهَا: أَنْ تَكُونَ مَحْمُولَةً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَيَكُونُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْحَوَادِثَ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهَا أُصُولٌ مِنْ النُّصُوصِ، وَأَشْبَاهٌ وَنَظَائِرُ، وَإِنْ لَمْ يَرِدْ بِحُكْمِهَا خَبَرٌ. فَمَتَى خَلَتْ الْحَوَادِثُ مِنْ أَنْ يُوجَدَ فِيهَا أَخْبَارُ الْآحَادِ، حُمِلَ عَلَى نَظَائِرِهَا مِنْ الْأُصُولِ، فَإِذَا عَارَضَتْ الْأُصُولُ بَعْضَ الْأَخْبَارِ الْمُتَضَادَّةِ كَانَ الْحُكْمُ لَهُ، دُونَ مَا خَالَفَتْهُ.
وَأَمَّا نَجَاسَةُ الْمَاءِ أَوْ طَهَارَتُهُ فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يُرَدُّ إلَيْهِ إذَا تَعَرَّتْ مِنْ الْخَبَرِ، فَلِذَلِكَ وَجَبَ عِنْدَ تَسَاوِي الْخَبَرَيْنِ. اطِّرَاحُهُمَا، وَبَقَاءُ الشَّيْءِ عَلَى أَصْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ.
وَقَدْ سَوَّى عِيسَى بْنُ أَبَانَ بَيْنَ حُكْمِ الْخَبَرَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ إذَا تَعَرَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى صَاحِبِهِ، مِنْ شَوَاهِدِ الْأُصُولِ، فَإِنَّ سَبِيلَهُمَا: أَنْ يَسْقُطَ، كَأَنَّهُمَا لَمْ يُرْوَيَا، وَجَعْلُهُمَا بِمَنْزِلَةِ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي حُكْمِ الْخَبَرَيْنِ إذَا أَخْبَرَ أَحَدُهُمَا بِطَهَارَةِ الْمَاءِ، وَالْآخَرُ بِنَجَاسَتِهِ، وَتَسَاوَيَا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ. فَيَسْقُطَانِ جَمِيعًا. وَذُكِرَ نَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ: فِي الرَّجُلَيْنِ حِينَ اخْتَلَفَا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ: أَنَّهُمَا أَسْقَطَا خَبَرَهُمَا وَشَرِبَا. وَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ يَحْتَجُّ لِتَرْجِيحِ خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى خَبَرِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، فِي تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﵇ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ أَوْ حَلَالٌ: بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَ عَنْ أَمْرٍ حَادِثٍ عَلِمَهُ، وَيَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، وَأَبُو رَافِعٍ، وَمَنْ رَوَى: أَنَّهُ كَانَ حَلَالًا.
إنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ ظَاهِرِ مَا كَانَ عَلِمَهُ بَدْءًا، مِنْ حَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَعْلَمْ حُدُوثَ إحْرَامِهِ، فَكَانَ خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْلَى.
وَكَذَلِكَ مَنْ أَخْبَرَ: أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا حِينَ أُعْتِقَتْ، فَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ حُرِّيَّةٍ حَادِثَةٍ عَلِمَهَا، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ قَدْ كَانَ عَبْدًا مَرَّةً، وَمَنْ قَالَ كَانَ عَبْدًا. فَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ ظَاهِرِ مَا كَانَ عَلَيْهِ بَدْءًا مِنْ رِقِّهِ. وَلَمْ يُعْلَمْ حُدُوثُ عِتْقِهِ.
وَكَذَلِكَ مَنْ رَوَى: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ رَدَّ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ» . فَقَدْ عَلِمَ حُدُوثَ نِكَاحٍ لَمْ يَعْلَمْهُ مَنْ أَخْبَرَ: أَنَّهُ رَدَّهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ. فَعَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ كَانَ يَجْرِي حُكْمُ الْأَخْبَارِ الْمُتَضَادَّةِ إذَا كَانَ بِالْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَظَاهِرُ مَا يَقْتَضِيهِ حِجَاجُهُ لِتَثْبِيتِ أَحَدِ الْخَبَرَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفْنَا: أَنْ نَقُولَ مِثْلَهُ فِي الْخَبَرَيْنِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ، فَنَجْعَلُ الْخَبَرَ بِالنَّجَاسَةِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ عَلِمَ حُدُوثَ نَجَاسَةٍ لَمْ يَعْلَمْهُ الْمُخْبِرُ بِطَهَارَتِهِ، وَإِنَّ الْمُخْبِرَ
стр. 784
بِطَهَارَتِهِ إنَّمَا أَخْبَرَ عَمَّا عَلِمَهُ مِنْ حَالِهِ بَدْءًا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵀: وَيَجُوزُ أَنْ نُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي تَزْوِيجِ النَّبِيِّ ﵇ مَيْمُونَةَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَارِيخِهِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَزَوَّجَهَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَزَوَّجَهَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ.
وَكَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي تَخْيِيرِ بَرِيرَةَ لَمَّا خَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ حِينَ أُعْتِقَتْ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَارِيخِهِ. فَقَالَ قَائِلُونَ: كَانَ بَعْدَ عِتْقِ زَوْجِهَا. وَقَالَ آخَرُونَ: قَبْلَ عِتْقِ زَوْجِهَا. فَكَانَ خَبَرُ مَنْ أَخْبَرَ بِتَارِيخِ الْإِحْرَامِ، وَتَارِيخِ عِتْقِ زَوْجِ بَرِيرَةَ، مُقَدِّمًا لِعِتْقِهَا. أَوْ كَمَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ: أَنَّهُ أَعْتَقَهُ مُنْذُ شَهْرٍ، وَأَخْبَرَ اثْنَانِ: أَنَّهُ مُنْذُ سَنَةٍ. أَنَّ الْوَقْتَ الْمُتَقَدِّمَ أَوْلَى. فَكَانَ ذَلِكَ كَلَامًا فِي تَارِيخِ الْحُكْمِ، وَكَانَ لِمَا أَثْبَتْنَاهُ ضَرْبًا مِنْ التَّرْجِيحِ، وَكَانَ أَوْلَى.
وَأَمَّا الْمُخْبِرُ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ وَطَهَارَتِهِ، فَإِنْ أَخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ عَلَى وَصْفَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ، فَجَازَ إسْقَاطُ خَبَرَيْهِمَا إذَا تَسَاوَيَا، وَلَمْ يَكُنْ نَظِيرًا لِمَا وَصَفْنَا.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَتَى وَرَدَ خَبَرَانِ مُتَضَادَّانِ: أَحَدُهُمَا بَانَ عَلَى أَصْلٍ قَدْ ثَبَتَ، وَالْآخَرُ، نَاقِلٌ عَنْهُ، وَقَدْ تَسَاوَيَا فِي جِهَةِ النَّقْلِ، وَسَائِرِ الْأَسْبَابِ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ النَّاقِلُ عَنْ الْأَصْلِ أَوْلَى مِنْ الْخَبَرِ الْبَانِي عَلَيْهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي الْحَسَنِ فِي خَبَرَيْ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، سَوَاءً كَانَ النَّاقِلُ مُبِيحًا لِشَيْءٍ قَدْ ثَبَتَ حَظْرُهُ، أَوْ حَاظِرًا لِشَيْءٍ قَدْ ثَبَتَ إبَاحَتُهُ.
وَيَنْبَغِي عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ وَعَنْ عِيسَى أَنْ يَسْقُطَا جَمِيعًا، وَيَبْقَى الشَّيْءُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ وُرُودِ الْخَبَرَيْنِ، وَعَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْخَبَرَيْنِ إذَا تَعَارَضَا فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، أَنَّ الشَّيْءَ إنْ كَانَ مَنْفِيًّا فِي الْأَصْلِ، فَخَبَرُ الْإِثْبَاتِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فِي الْأَصْلِ، فَخَبَرُ النَّفْيِ أَوْلَى، لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ أَبِي الْحَسَنِ: مِنْ أَنَّ وُرُودَ الْإِثْبَاتِ عَلَى النَّفْيِ مُتَيَقَّنٌ، وَالثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَرَدَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ حَالُ الشَّيْءِ قَبْلَ وُرُودِ الْإِثْبَاتِ.
وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الشَّيْءُ قَدْ عُلِمَ ثُبُوتُهُ ثُمَّ وَرَدَ خَبَرَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي إثْبَاتِهِ، وَالْآخَرُ فِي نَفْيِهِ، فَخَبَرُ النَّفْيِ أَوْلَى، لِأَنَّا قَدْ عَلِمْنَاهُ طَارِئًا عَلَى الْإِثْبَاتِ بَدْءًا، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ خَبَرُ الْإِثْبَاتِ وَارِدًا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ حَالُ الشَّيْءِ فِي الْأَصْلِ، وَذَلِكَ نَحْوُ مَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇: كَانَ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ» . وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَى نَقْلِهِ، وَأَنَّهُ قَدْ كَانَ. ثُمَّ رُوِيَ أَنَّهُ: تَرَكَ الْقُنُوتَ بَعْدَ فِعْلِهِ. فَكَانَ الْمُثْبِتُ لِلْقُنُوتِ ثَابِتًا عَلَى أَصْلِ مَا ثَبَتَ بِالنَّقْلِ. وَالنَّافِي لَهُ أَخْبَرَ: أَنَّ التَّرْكَ كَانَ طَارِئًا عَلَى الْفِعْلِ، فَكَانَ أَوْلَى، لِأَنَّهُ قَنَتَ بَعْدَ التَّرْكِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَرَكَ بَعْدَ الْفِعْلِ، فَكَانَ أَوْلَى، لِمَا وَصَفْنَا.
стр. 785
وَعَلَى مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ عِيسَى: يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَا جَمِيعًا، وَيَبْقَى الشَّيْءُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ وُرُودِ الْخَبَرَيْنِ.
وَإِنْ وَرَدَ خَبَرَانِ: أَحَدُهُمَا يُوجِبُ شَيْئًا، وَالْآخَرُ يَنْهَى عَنْهُ، وَكَانَ حُكْمُ ذَلِكَ الشَّيْءِ فِي الْأَصْلِ الْإِبَاحَةَ، فَإِنَّا قَدْ تَيَقَّنَّا أَنَّهُ قَدْ نُقِلَ عَنْ الْإِبَاحَةِ: إمَّا إلَى إيجَابٍ، أَوْ إلَى حَظْرٍ.
فَجَائِزٌ أَنْ يُقَالَ حِينَئِذٍ: إنَّ الْإِبَاحَةَ قَدْ زَالَتْ، وَلَمْ يَثْبُتْ حَظْرٌ، وَلَا إيجَابٌ، فَيَكُونُ أَمْرُهُ مَوْقُوفًا، لَا يَجُوزُ إثْبَاتُهُ.
وَجَائِزٌ أَنْ يُقَالَ: يُطْرَحُ الْخَبَرَانِ جَمِيعًا، فَيَبْقَى الشَّيْءُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ مِنْ الْإِبَاحَةِ. وَمَتَى وَرَدَ خَبَرَانِ مُتَعَارِضَانِ: فِي أَحَدِهِمَا فِعْلٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ لِشَيْءٍ، وَفِي الْآخَرِ النَّهْيُ عَنْهُ وَتَسَاوَيَا، فَالْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ النَّهْيُ أَوْلَى، وَذَلِكَ نَحْوُ مَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ الرُّكُوعِ» ، فَهَذَا فِعْلٌ لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ بِفِعْلِهِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ فِي الصَّلَاةِ» وَأَنَّهُ قَالَ: «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ» وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْهَا حَالَ الرُّكُوعِ، فَكَانَ خَبَرُ النَّهْيِ أَوْلَى لِوُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ فِعْلَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهُ الْعِقَابَ.
وَتَرْكَ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﵇ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ الْعِقَابَ، بِظَاهِرِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﵇ إيَّاهُ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ أَفْعَالًا لِنَفْسِهِ لَا يُرِيدُهَا مِنَّا، وَلَا يَأْمُرُنَا بِشَيْءٍ، أَوْ يَنْهَى عَنْهُ إلَّا وَقَدْ أَرَادَ مِنَّا مَا تَضَمَّنَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ.
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﵇ فِي الْأَصْلِيِّ لَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، فَلَا يُعَارِضُ، الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ بِالْفِعْلِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇: أَنَّهُ قَدْ «أَمَرَ بِالْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ» وَرُوِيَ عَنْهُ ﵇ «أَنَّهُ: أَكَلَ لَحْمًا ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ» فَعَارَضَتْ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ وَجَعَلَتْ الْفِعْلَ أَوْلَى مِنْهُ.
стр. 786
قِيلَ لَهُ: لَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّا إنَّمَا شَرَطْنَا فِيمَا قَدَّمْنَا عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَخْبَارِ وَتَسَاوِيهَا فِي الْوُجُوهِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَبُولِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُ الْخَبَرَيْنِ إذَا وَرَدَ مُنْفَرِدًا عَنْ مُعَارَضَةِ الْآخَرِ إيَّاهُ، لَمْ يَجُزْ قَبُولُهُ لِوُرُودِهِ مُنْفَرِدًا فِيمَا عَمَّتْ الْحَاجَةُ إلَيْهِ. فَكَيْفَ يَلْزَمُنَا قَبُولُهُ إذَا عَارَضَهُ غَيْرُهُ؟ وَخَبَرُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْ النَّارُ مِمَّا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى النَّقْلِ مِنْ الْكَافَّةِ، لِعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، فَلَمْ يُسَاوِ خَبَرَ نَفْيِ الْوُضُوءِ مِنْ أَكْلِ اللَّحْمِ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ. وَلِذَلِكَ كَانَ الْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مَا وَصَفْنَا.
стр. 787
[فَصْل التَّعَارُضُ فِي الْخَبَرَيْنِ إذَا وَرَدَا فِي شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ]
فَصْلٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵀: وَقَدْ يَقَعُ التَّعَارُضُ فِي الْخَبَرَيْنِ إذَا وَرَدَا فِي شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، إذَا قَامَتْ الدَّلَالَةُ: عَلَى أَنَّ فِي ثُبُوتِ أَحَدِهِمَا نَفْيًا لِلْآخَرِ. مِثْلُ مَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ سُئِلَ عَنْ مِيرَاثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ. فَقَالَ: لَا شَيْءَ لَهُمَا» .
وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: «الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ» ، فَلَوْ خَلَّيْنَا وَظَاهِرُهُمَا لَمْ يَتَعَارَضَا، وَاسْتُعْمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا وَرَدَ، لِأَنَّ نَفْيَ مِيرَاثِ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ غَيْرُ نَافٍ لِمِيرَاثِ الْخَالِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ.
إلَّا أَنَّهُ لَمَّا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْخَالَ إنْ ثَبَتَ مِيرَاثُهُ - كَانَ مِيرَاثُ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ ثَابِتًا.
وَأَنَّهُ. إنْ سَقَطَ مِيرَاثُ الْعَمَّةِ وَالْخَالَةِ سَقَطَ مِيرَاثُ الْخَالِ. صَارَ انْضِمَامُ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا إلَى الْخَبَرِ مُوجِبًا لِتَعَارُضِ هَذَيْنِ الْخَبَرَيْنِ، ثُمَّ يَكُونُ إثْبَاتُ الْمِيرَاثِ أَوْلَى مِنْ وَجْهَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَاقِلٌ مِنْ الْأَصْلِ، وَنَفْيُ الْمِيرَاثِ وَارِدٌ عَلَى الْأَصْلِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ فِي خَبَرِنَا إثْبَاتَ الْمِيرَاثِ، وَفِي خَبَرِهِمْ نَفْيَهُ، وَمَتَى اجْتَمَعَ خَبَرٌ نَافٍ وَخَبَرٌ مُثْبِتٌ كَانَ الْمُثْبِتُ أَوْلَى مِنْ النَّافِي.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵀: وَأَمَّا عَدَدُ الْمُخْبِرِينَ فِي الْخَبَرَيْنِ الْمُضَادَّيْنِ فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ عِنْدَنَا، إذَا لَمْ يَبْلُغْ مِقْدَارًا يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرْوِيَ أَحَدَ الْخَبَرَيْنِ وَاحِدٌ، وَيَرْوِي الْآخَرَ اثْنَانِ.
وَزِيَادَةُ الْعَدَدِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَا يُوجِبُ تَرْجِيحَ أَكْثَرِهِمَا عَدَدًا، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُهُمَا عَدَدًا أَقْوَى فِي النَّفْسِ مِنْ أَقَلِّهِمَا عَدَدًا، كَمَا أَنَّ شَهَادَةَ الْأَرْبَعَةِ بِمِلْكِ هَذَا الْعَبْدِ لِعَمْرٍو أَقْوَى فِي
стр. 788
النَّفْسِ مِنْ شَهَادَةِ اثْنَيْنِ بِهِ لِزَيْدٍ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، فَلَيْسَ لِزِيَادَةِ الشُّهُودِ تَأْثِيرٌ فِي وُجُوبِ الِاسْتِحْقَاقِ.
وَهُوَ عِنْدِي مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا، لِأَنَّهُمْ قَدْ قَبِلُوا مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الَّتِي عَارَضَهَا خَبَرُ الِاثْنَيْنِ، وَالثَّلَاثَةِ، أَخْبَارًا كَثِيرَةً، أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى زِيَادَةِ الْعَدَدِ.
وَمَا سَمِعْنَا أَيْضًا أَبَا الْحَسَنِ ﵀ قَطُّ يُفَرِّقُ بَيْنَ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَخَبَرِ الِاثْنَيْنِ فِي طُولِ مَا جَارَيْنَاهُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ، بَلْ كَانَ الْمَفْهُومُ عِنْدَنَا مِنْ مَذْهَبِهِ وَمَا لَا شَكَّ فِيهِ اعْتِقَادُهُ، وَمَا يَجْرِي عَلَيْهِ حِجَاجُهُ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ خَبَرِ الِاثْنَيْنِ، وَخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَا حُكِيَ أَيْضًا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا.
وَقَدْ ذَكَرَ عِيسَى بْنُ أَبَانَ ﵀ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: يَلْزَمُ مَنْ قَالَ: لَا أَلْتَفِتُ إلَى عَمَلِ النَّاسِ، لِأَنَّ الْخَبَرَ مُسْتَغْنٍ بِنَفْسِهِ، أَنْ يَقُولَ: إذَا تَضَادَّتْ الْأَخْبَارُ أَخَذْت بِأَقْوَاهَا إسْنَادًا، وَأَصَحِّهَا فِي الْخَبَرِ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ مَا جَاءَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَوْلَى أَنْ يُعْمَلَ بِهِ مِمَّا جَاءَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ الِاثْنَيْنِ أَقْوَى فِي الْخَبَرِ مِنْ الْوَاحِدِ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵀: فَظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ يَدُلُّ عَلَى: أَنَّ هَذَا الْأَصْلَ كَانَ مُتَقَرِّرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ الَّذِي تَكَلَّمَ عَلَيْهِ، فِي أَنَّ خَبَرَ الِاثْنَيْنِ لَا مَزِيَّةَ لَهُ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَا أَقْوَى فِي النَّفْسِ مِنْهُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُ إذَا أَخْبَرَهُ رَجُلَانِ ثِقَتَانِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ أَوْ طَهَارَتِهِ، وَأَخْبَرَهُ وَاحِدٌ ثِقَةٌ بِخِلَافِ ذَلِكَ: أَنَّهُ يَعْمَلُ بِقَوْلِ الِاثْنَيْنِ، وَإِنْ كَانَا عَبْدَيْنِ وَيَتْرُكُ قَوْلَ الْوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ حُرًّا.
قَالَ: وَإِنْ أَخْبَرَهُ حُرَّانِ ثِقَتَانِ بِالْأَمْرِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَعَبْدَانِ ثِقَتَانِ بِالْأَمْرِ الْآخَرِ. أَنَّهُ يَأْخُذُ بِقَوْلِ الْحُرَّيْنِ، لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا تُقْطَعُ بِهَا الْأَحْكَامُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَذَا لَا يَدُلُّ مِنْ قَوْلِهِ: عَلَى أَنَّ خَبَرَ الِاثْنَيْنِ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ أَوْلَى مِنْ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ نَاقِلِي أَخْبَارِ الْآحَادِ أَنَّ خَبَرَ الرَّجُلَيْنِ لَا مَزِيَّةَ لَهُ عَلَى خَبَرِ الْمَرْأَتَيْنِ، وَأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ، يَجُوزُ الِاعْتِرَاضُ بِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَكَذَلِكَ خَبَرُ الْحُرَّيْنِ، وَخَبَرُ الْعَبْدَيْنِ سَوَاءٌ، لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ الْحُرَّانِ يُقْطَعُ بِشَهَادَتِهِمَا وَلَا يُقْطَعُ بِشَهَادَةِ الْعَبْدَيْنِ.
стр. 789
وَلِذَلِكَ لَمْ يُفَرِّقْ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ بَيْنَ خَبَرِ أَبِي بَكْرَةَ، وَشِبْلِ بْنِ مَعْبَدٍ. وَهُمَا مَحْدُودَانِ فِي قَذْفٍ، غَيْرِ تَائِبَيْنِ مِنْهُ، وَبَيْنَ خَبَرِ اثْنَيْنِ غَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْمُخْبِرَيْنِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ أَوْ طَهَارَتِهِ، لَيْسَ بِأَصْلِ الْأَخْبَارِ فِي إثْبَاتِ أَحْكَامِ الدِّينِ.
أَوَلَا تَرَى: أَنَّ الشَّهَادَةَ لَمَّا شُرِطَ فِي أَقَلِّ عَدَدِهَا اثْنَانِ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهَا حُكْمُ الِاثْنَيْنِ، وَحُكْمُ الْأَرْبَعَةِ. كَذَلِكَ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي الْأَحْكَامِ، لَمَّا كَانَ أَقَلُّ مَنْ يُقْبَلُ فِيهِ وَاحِدٌ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ حُكْمُ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ.
стр. 790
[بَابٌ الْقَوْلُ فِي اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي زِيَادَاتِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ]
بَابٌ
الْقَوْلُ فِي اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي زِيَادَاتِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ كَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ ﵀: يَذْهَبُ إلَى أَنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ إذَا كَانَ وَاحِدًا، ثُمَّ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَنْهُ فِي زِيَادَةِ أَلْفَاظِهِ وَنُقْصَانِهَا: إنَّ الْأَصْلَ هُوَ مَا رَوَاهُ الَّذِي سَاقَهُ بِزِيَادَةٍ، وَأَنَّ النُّقْصَانَ إنَّمَا هُوَ إغْفَالٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَذَلِكَ نَحْوُ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: «إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَبَايِعَانِ وَالسِّلْعَةُ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ، أَوْ يَتَرَادَّانِ» وَمِنْ النَّاسِ مِنْ يَرْوِي هَذَا الْخَبَرَ فَلَا يَذْكُرُ فِيهِ حَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ بِعَيْنِهَا. فَالْأَصْلُ فِيهِ هُوَ الْأَوَّلُ، وَحَذْفُ قِيَامِ السِّلْعَةِ إغْفَالٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ.
وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ: مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ رَاوِي الْخَبَرِ وَاحِدًا، لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَالَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ. ذَكَرَ فِي إحْدَاهُمَا حَالَ قِيَامِ السِّلْعَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْأُخْرَى فَلَمْ يَجُزْ لَنَا إثْبَاتُ ذَلِكَ، لِأَنَّ فِيهِ إثْبَاتَ خَبَرِ الشَّكِّ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةٍ.
وَأَمَّا إذَا رُوِيَ الْخَبَرُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةٍ، أَوْ أَكْثَرَ، فَكَانَ فِي ظَاهِرِ الْحَالِ دَلَالَةٌ: عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَدْ قَالَ ذَلِكَ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ زِيَادَةٌ. فَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ، وَالْخَبَرُ الْمُطْلَقُ أَيْضًا مَحْمُولٌ عَلَى إطْلَاقِهِ، وَذَلِكَ نَحْوُ مَا رَوَى عُمَرُ ﵁، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعَ تَمْرٍ، أَوْ صَاعَ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ» فَزَادَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ ذِكْرَ الْمُسْلِمِينَ.
стр. 791
وَرَوَى جَمَاعَةٌ غَيْرَهُ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ، صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ» .
وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ، فَهَذَانِ الْخَبَرَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ الْآخَرِ، فَهُمَا مُسْتَعْمَلَانِ جَمِيعًا، وَلَا يَجُوزُ لَنَا حَمْلُ الْخَبَرِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْخَبَرِ الْمُقَيَّدِ بِشَرْطِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ ظَاهِرَ مَا وَصَفْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَدْ قَالَ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً.
وَنَظِيرُهُ أَيْضًا: مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُقْبَضَ» .
وَرُوِيَ فِي أَخْبَارٍ أُخَرَ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ» فَاسْتَعْمَلَ الْخَبَرَيْنِ، وَلَمْ يُحْمَلْ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّهُمَا خَبَرٌ وَاحِدٌ حَذَفَ مِنْهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ ذِكْرَ الزِّيَادَةِ.
أَلَا تَرَى: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَدْ أَمَرَ عَتَّابَ بْنَ أُسَيْدٍ مُبْتَدَأُ الْقَوْلِ مُطْلَقًا حِينَ بَعَثَهُ إلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: انْهَهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ، وَرِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَعَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَعَنْ شَرْطَيْنِ فِي بَيْعٍ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا خَبَرَانِ قَدْ قَالَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي وَقْتَيْنِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ «النَّبِيِّ ﵇: مَسَحَ بِبَعْضِ رَأْسِهِ» ، وَفِي خَبَرٍ آخَرَ «أَنَّهُ مَسَحَ بِجَمِيعِ رَأْسِهِ» ، فَهَلَّا أَثْبَتَ الزِّيَادَةَ ".
قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الزِّيَادَةُ ثَابِتَةٌ عِنْدَنَا، إلَّا أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ لَا يَتْرُكُ الْمَفْرُوضَ بِحَالٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ الْمَنْدُوبَ فِي حَالٍ، وَيَتْرُكَهُ فِي آخَرَ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى الْمِقْدَارِ الْمَفْرُوضِ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيمِ، وَإِذَا رَوَى بَعْضُ الصَّحَابَةِ حَدِيثًا رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ ﵇، ثُمَّ رُوِيَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ عَنْ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا غَيْرُ مُفْسِدٍ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَاهُ مَرْفُوعًا، بَلْ هُوَ مِمَّا يُؤَكِّدُ رِوَايَتَهُ الَّتِي رَوَاهَا عَنْ النَّبِيِّ ﵇،
стр. 792
يُوجِبُ تَأْكِيدَ رِوَايَتِهِ، وَيَكُونُ دَلِيلًا: عَلَى أَنَّهُ رَآهُ ثَابِتَ الْحُكْمِ، غَيْرَ مَنْسُوخٍ.
وَقَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ يُصَنِّفُونَ الرُّوَاةَ، فَيَجْعَلُونَهُمْ طَبَقَاتٍ، فَإِذَا رَوَى رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا حَدِيثًا قَبِلُوا عَلَيْهِ زِيَادَةَ مَنْ هُوَ فِي طَبَقَتِهِ، وَلَمْ يَقْبَلُوا عَلَيْهِ زِيَادَةَ مَنْ هُوَ دُونَ طَبَقَتِهِ.
وَكَذَلِكَ إذَا أَسْنَدَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا حَدِيثًا إلَى النَّبِيِّ ﵇، وَرَفَعَهُ رَجُلٌ مِمَّنْ هُوَ دُونَ طَبَقَتِهِ كَانَ عِنْدَهُمْ مُسْنَدًا، وَإِنْ رَفَعَهُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الطَّبَقَةِ الْعُلْيَا عَلَى الصَّحَابِيِّ، وَرَفَعَهُ مَنْ هُوَ فِي طَبَقَةٍ دُونَهَا، كَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مَوْقُوفًا، وَلَمْ يَكُنْ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ .
وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ فِيمَا يُرْسِلُهُ وَاحِدٌ، وَيُسْنِدُهُ آخَرُ، عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ، وَلَا يَعْتَبِرُونَ مُعَارَضَتَهَا لِلْأُصُولِ وَدَلَائِلِهَا، وَإِنَّمَا يُصَحِّحُونَ الرِّوَايَاتِ بِالرِّجَالِ فَحَسْبُ.
وَلَمْ نَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ يَعْتَبِرُ فِي قَبُولِ أَخْبَارِ الْآحَادِ اعْتِبَارَهُمْ.
стр. 793
[بَابٌ الْقَوْلُ فِيمَنْ رُوِيَ عَنْهُ حَدِيثٌ وَهُوَ يُنْكِرُهُ]
بَابٌ
الْقَوْلُ فِيمَنْ رُوِيَ عَنْهُ حَدِيثٌ وَهُوَ يُنْكِرُهُ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵀: كَانَ كَثِيرٌ مِنْ شُيُوخِنَا يَسْتَدِلُّ عَلَى فَسَادِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ النَّبِيِّ ﵇: أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» بِمَا ذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَنَّهُ سَأَلَ الزُّهْرِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يَعْرِفْهُ، فَكَانُوا يَجْعَلُونَ إنْكَارَ الزُّهْرِيِّ لِذَلِكَ مُفْسِدًا لِرِوَايَةِ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ.
وَمِثْلُهُ حَدِيثُ رَبِيعَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
стр. 794
«أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» فَلَمَّا سُئِلَ سُهَيْلٌ عَنْهُ قَالَ: لَا أَعْرِفُهُ. فَقِيلَ لَهُ: فَإِنَّ رَبِيعَةَ يَرْوِيهِ عَنْك، فَقَالَ: إنْ كَانَ رَبِيعَةُ يَرْوِيهِ عَنِّي فَهُوَ كَمَا قَالَ. قَالَ: فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: حَدَّثَنِي رَبِيعَةُ عَنِّي.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي قَاضٍ اُدُّعِيَ عِنْدَهُ قَضَاؤُهُ بِحَقٍّ لِرَجُلٍ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ - فَأَحْضَرَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً لِتَشْهَدَ عَلَى قَضَائِهِ لَهُ بِذَلِكَ: أَنَّ لِلْقَاضِي أَلَّا يَسْمَعَ بَيِّنَتَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: يَسْمَعُ مِنْهَا، وَيَقْضِي لَهُ بِالْحَقِّ.
فَإِنْ حَمَلْنَا الْخَبَرَ عَلَى الشَّهَادَةِ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي، وَهُوَ لَا يَذْكُرُهُ - فَالْوَاجِبُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي يُوسُفَ: أَنَّهُ يُفْسِدُ الْحَدِيثَ إذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمَرْوِيُّ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ الرَّاوِي لَهُ ثِقَةً. وَيَجِبُ عَلَى مُحَمَّدٍ أَنْ يَقْبَلَ.
وَقَدْ رُوِيَ «عَنْ عَمَّارٍ: أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ حِينَ خَالَفَهُ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّا كُنَّا فِي الْإِبِلِ فَأَجْنَبْت، فَتَمَعَّكْت فِي التُّرَابِ، ثُمَّ سَأَلْت النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إنَّمَا كَانَ يَكْفِيك أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْك، فَتَمْسَحَ بِهَا وَجْهَك وَذِرَاعَيْك» .
فَلَمْ يُقْنِعْ عُمَرَ قَوْلُ عَمَّارٍ وَهُوَ عِنْدَهُ ثِقَةٌ أَمِينٌ، إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ شَاهِدًا لِلْأَمْرِ الَّذِي قَالَهُ. فَلَمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ عُمَرُ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ، فَهَذَا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ بِفَسَادِ الْحَدِيثِ بِجُحُودِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ إيَّاهُ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ: فِي أَنَّ شَاهِدَيْنِ عَدْلَيْنِ لَوْ قَالَا لِرَجُلٍ: قَدْ كُنْت أَشْهَدْتنَا عَلَى شَهَادَتِك: أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَهُوَ لَا يَذْكُرُ ذَلِكَ، أَنَّهُ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَشْهَدَ عِنْدَ الْقَاضِي بِمَا قَالَا.
وَكَذَلِكَ لَوْ رَأَى خَطَّهُ وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّهَادَةَ لَمْ يَسَعْهُ إقَامَتُهَا، وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَنْ أَفْسَدَ الْحَدِيثَ بِمَا ذَكَرْنَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَنْسَاهُ بَعْدَ رِوَايَتِهِ، إيَّاهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقْبَلَ رِوَايَةَ الثِّقَةِ عَنْهُ.
стр. 795
قِيلَ لَهُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي نَسِيَ، فَظَنَّ أَنَّهُ يَزِيدُ، فَسَمِعَهُ مِنْهُ، وَهُوَ إنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَالنِّسْيَانُ جَائِزٌ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، فَلِمَ جَعَلْت الْمَرْوِيَّ عَنْهُ أَوْلَى بِالنِّسْيَانِ مِنْ الرَّاوِي؟
وَأَمَّا مَنْ لَا يَفْسُدُ الْحَدِيثُ بِإِنْكَارِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ لَهُ، فَإِنَّهُ يُذْهَبُ فِيهِ إلَى أَنَّ رِوَايَةَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَالنِّسْيَانُ جَائِزٌ عَلَى الْمَرْوِيِّ عَنْهُ، فَلَا يُفْسِدُهُ.
وَقَدْ «قَبِلَ النَّبِيُّ ﵇ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، حِينَ قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ: أَقَصُرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيت؟ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالَا: نَعَمْ» فَقَبِلَ خَبَرَهُمَا.
وَقَبِلَ عُمَرُ قَوْلَ أَنَسٍ فِي أَمَانِ الْهُرْمُزَانِ حِينَ، قَالَ لَهُ: " أَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ حَيٍّ أَمْ بِكَلَامِ مَيِّتٍ؟ " فَقَالَ: تَكَلَّمْ بِكَلَامِ حَيٍّ " وَلَمْ يَذْكُرْ عُمَرُ مَا قَالَهُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ. ثُمَّ قَبِلَ قَوْلَ مَنْ أَخْبَرَ بِهِ.
وَهَذَا عِنْدَنَا لَا يَلْزَمُ مَنْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﵇ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، وَعُمَرُ فِي قِصَّةِ الْهُرْمُزَانِ، ذَكَرَا ذَلِكَ بَعْدَ إخْبَارِ مَنْ أَخْبَرَهُمَا بِهِ.
стр. 796
[بَابٌ الْقَوْلُ فِي رِوَايَةِ الْمُدَلِّسِ وَغَيْرِهِ]
بَابٌ
الْقَوْلُ فِي رِوَايَةِ الْمُدَلِّسِ وَغَيْرِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵀: التَّدْلِيسُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ آخَرَ لَقِيَهُ، وَيُوهِمَ السَّامِعَ مِنْهُ أَنَّهُ سَمَاعٌ، وَلَا يَكُونُ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، فَيَقُولُ: قَالَ فُلَانٌ، وَذَكَرَ فُلَانٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَقَدْ كَانَ الْأَعْمَشُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَهِشَامٌ، فِي آخَرِينَ يُدَلِّسُونَ الْأَخْبَارَ.
وَكَانَ شُعْبَةُ يَقُولُ: لَأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُدَلِّسَ.
وَالْقَوْلُ فِيهِ عِنْدَنَا: أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُدَلِّسُ مَشْهُورًا بِأَنَّهُ لَا يُدَلِّسُ إلَّا عَمَّنْ يَجُوزُ قَبُولُ رِوَايَتِهِ، فَرِوَايَتُهُ مَقْبُولَةٌ فِيمَا دَلَّسَ، وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَا يُبَالِي عَمَّنْ دَلَّسَ: مِنْ ثِقَةٍ أَوْ غَيْرِ ثِقَةٍ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ رِوَايَتُهُ إلَّا أَنْ تَذْكُرَ سَمَاعَهُ فِيهِ، عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا فِي إرْسَالِهِ الْحَدِيثَ، وَلَا سِيَّمَا كُلُّ مَنْ أَسْقَطَ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ رَوَى عَنْهُ رَجُلًا مُدَلِّسًا، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ رَوَوْا عَنْ النَّبِيِّ ﵇ كَثِيرًا مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَمْ يَسْمَعُوهَا، وَحَذَفُوا ذِكْرَ مَنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﵇، وَاقْتَصَرُوا عَلَى أَنْ قَالُوا: قَالَ النَّبِيُّ ﵇.
وَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ، وَلَا يُسَمَّوْنَ مُدَلِّسِينَ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ إنَّمَا قَصَدُوا الِاخْتِصَارَ، وَتَقْرِيبَ الْإِسْنَادِ عَلَى السَّامِعِينَ مِنْهُمْ.
الْآخَرُ: أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِالْإِسْنَادِ تَأْكِيدَ الْحَدِيثِ، وَالْقَطْعَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : بِأَنَّهُ قَالَهُ، وَلَمْ يَقْصِدُوا التَّزَيُّنَ بِعُلُوِّ الْإِسْنَادِ.
стр. 797
وَكَذَلِكَ نَقُولُ فِيمَنْ بَعْدَهُمْ، مَنْ قَصَدَ مِنْهُمْ بِحَذْفِ الرَّجُلِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ: أَحَدَ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ. فَإِنَّا لَا نُسَمِّيهِ مُدَلِّسًا، وَإِنَّمَا الْمُدَلِّسُ مَنْ يَقْصِدُ بِحَذْفِ الرَّجُلِ الَّذِي سَمِعَهُ: التَّزَيُّنَ بِعُلُوِّ السَّنَدِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَهَذَا الْقَصْدُ غَيْرُ مَحْمُودٍ، غَيْرَ أَنَّهُ مَنْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُدَلِّسُ إلَّا عَنْ الثِّقَاتِ، فَهُوَ مَقْبُولُ الْخَبَرِ، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ حَدَّثَنَا.
وَمَنْ يُدَلِّسُ عَنْ غَيْرِ الثِّقَاتِ فَالْأَظْهَرُ مِنْ أَمْرِهِ: أَنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولِ الرِّوَايَةِ حَتَّى يُبَيِّنَ
стр. 798
[فَصْلٌ وَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ أَنْ يُقْرِئَ الْمُحَدِّثَ فَيَقُولَ فِيهِ حَدَّثَنَا]
إذَا كَانَ الْمُحَدِّثُ يَسْمَعُ وَيَضْبِطُ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: إنَّ قِرَاءَتَك عَلَيَّ لِمُحَدِّثٍ أَثْبَتُ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَيْك.
وَوَجْهُ ذَلِكَ: أَنَّهُ إذَا كَانَ قَارِئًا لَمْ يَعْقِلْ شَيْئًا مِنْهُ، وَإِذَا كَانَ الْمُحَدِّثُ هُوَ السَّامِعُ، فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَعْقِلَ بَعْضَ مَا يَقْرَؤُهُ الْقَارِئُ.
وَمِثْلُهُ يَجُوزُ فِيهِ الشَّهَادَاتُ، وَهِيَ أَكْبَرُ فِي الْأَصْلِ مِنْ الْأَخْبَارِ، لِأَنَّك لَوْ قَرَأْت صَكًّا عَلَى إنْسَانٍ بِحَقٍّ عَلَيْهِ، وَقُلْت لَهُ: أَشْهَدُ عَلَيْك بِذَلِكَ، فَقَالَ: نَعَمْ. وَسِعَك أَنْ تَقُولَ: أَقَرَّ عِنْدِي فُلَانٌ بِجَمِيعِ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ.
وَأَمَّا مَنْ كُتِبَ إلَيْهِ بِحَدِيثٍ، فَإِنَّهُ إذَا صَحَّ عِنْدَهُ أَنَّهُ كِتَابُهُ إمَّا بِقَوْلِ ثِقَةٍ، أَوْ بِعَلَامَاتٍ
стр. 799
مِنْهُ وَخَطِّهِ، يَغْلِبُ مَعَهَا فِي النَّفْسِ أَنَّهُ كِتَابُهُ، فَإِنَّهُ يَسَعُ الْمَكْتُوبَ إلَيْهِ الْكِتَابُ أَنْ يَقُولَ: أَخْبَرَنِي فُلَانٌ، يَعْنِي الْكَاتِبَ إلَيْهِ، وَلَا يَقُولُ حَدَّثَنِي.
وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا فِيمَنْ قَالَ: إنْ أَخْبَرْت فُلَانًا بِسِرِّ فُلَانٍ فَعَبْدِي حُرٌّ، فَكَتَبَ إلَيْهِ، وَوَصَلَ إلَيْهِ كِتَابَاتُهُ. فَقَدْ أَخْبَرَ، وَحَنِثَ فِي يَمِينِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ وَالْأُمَمِ السَّالِفَةِ فِي كِتَابِهِ.
وَجَائِزٌ لَنَا أَنْ نَقُولَ: أَخْبَرَنَا اللَّهُ بِذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ فِي مِثْلِهِ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنَا. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﵇ كَتَبَ إلَى مُلُوكِ الْآفَاقِ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، «وَكَتَبَ إلَى الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ فِي تَوْرِيثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا» .
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ: وَرَدَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ» . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ مِنْ ذَلِكَ: هُوَ إخْبَارٌ مِنْ الْكَاتِبِ بِهِ.
وَأَمَّا مَا يُوجَدُ مِنْ كَلَامِ رَجُلٍ وَمَذْهَبِهِ فِي كِتَابٍ مَعْرُوفٍ بِهِ قَدْ تَنَاوَلَتْهُ النُّسَخُ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ لِمَنْ نَظَرَ فِيهِ أَنْ يَقُولَ: قَالَ فُلَانٌ كَذَا، وَمَذْهَبُ فُلَانٍ كَذَا، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَحَدٍ.
مِثْلُ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَمُوَطَّأِ مَالِكٍ، وَنَحْوِهَا مِنْ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي أَصْنَافِ الْعُلُومِ، لِأَنَّ وُجُودَ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَصْفِ بِمَنْزِلَةِ خَبَرِ التَّوَاتُرِ وَالِاسْتِفَاضَةِ، لَا يَحْتَاجُ مِثْلُهُ إلَى إسْنَادٍ، وَقَدْ عَابَ بَعْضُ أَغْمَارِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ﵀ حِينَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْكُتُبِ فَقِيلَ لَهُ: أَسَمِعْتهَا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ؟ فَقَالَ: لَا. فَقِيلَ لَهُ: أَسَمِعْتهَا مِنْ أَبِي يُوسُفَ؟ فَقَالَ: لَا. وَإِنَّمَا أَخَذْنَاهَا مُذَاكَرَةً. فَأَنْكَرَ هَذَا الْقَائِلُ بِجَهْلِهِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ﵀: أَنْ يَحْكِيَ عَنْهُمْ أَقَاوِيلَهُمْ الَّتِي فِي كُتُبِهِمْ الْمُصَنَّفَةِ مِنْ غَيْرِ سَمَاعٍ.
وَقَدْ قُلْنَا: إنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى سَمَاعٍ، وَلَا إسْنَادٍ، لِظُهُورِهِ وَاسْتِفَاضَتِهِ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا هَكَذَا لَمَا جَازَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ لِمُوَطَّإِ مَالِكٍ، أَوْ كِتَابِ أَبِي يُوسُفَ: هَذَا كِتَابُ فُلَانٍ، وَهَذَا كِتَابُ فُلَانٍ، إذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمِعَهُ بِإِسْنَادٍ. وَأَمَّا إذَا قَالَ الرَّاوِي لِرَجُلٍ: قَدْ أَجَزْت لَك أَنْ تَرْوِيَ عَنِّي جَمِيعَ مَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، فَارْوِهِ عَنِّي.
فَإِنْ كَانَا قَدْ عَلِمَا مَا فِيهِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْهُ. فَيَقُولُ: حَدَّثَنِي، وَأَخْبَرَنِي، كَمَا أَنَّ
стр. 800
رَجُلًا لَوْ كَتَبَ صَكًّا وَالشُّهُودُ يَرَوْنَهُ، ثُمَّ قَالَ: اشْهَدُوا عَلَيَّ بِمَا فِيهِ، جَازَ لَهُمْ إقَامَةُ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِمَا فِيهِ.
وَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ الرَّاوِي، وَلَا السَّامِعُ بِمَا فِيهِ، فَإِنَّ الَّذِي يَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ: أَخْبَرَنِي فُلَانٌ بِذَلِكَ، كَمَا قَالُوا فِي الصَّكِّ إذَا أَشْهَدَهُمْ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ مَا فِيهِ: لَمْ يَصِحَّ الْإِشْهَادُ. وَكَذَلِكَ إذَا قَالُوا لَهُ: أَجَزْنَا لَك مَا يَصِحُّ عِنْدَك مِنْ حَدِيثِنَا، فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَا صَحَّ عِنْدَك مِنْ صَكٍّ فِيهِ إقْرَارِي فَاشْهَدْ بِهِ عَلَيَّ. لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجُزْ الشَّهَادَةُ بِهِ عَلَيْهِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 801
[بَابٌ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ أُمِرْنَا بِكَذَا وَنُهِينَا عَنْ كَذَا وَالسُّنَّةُ كَذَا]
بَابٌ
قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: أُمِرْنَا بِكَذَا، وَنُهِينَا عَنْ كَذَا، وَالسُّنَّةُ كَذَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: أُمِرْنَا بِكَذَا، وَنُهِينَا عَنْ كَذَا. وَقَوْلُهُ: السُّنَّةُ كَذَا. لَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ شَيْءٌ مِنْهُ رِوَايَةً عَنْ النَّبِيِّ ﵇، إذْ كَانَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ وَالسُّنَّةُ لَا يَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ ﵇، دُونَ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿َأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] .
فَقَدْ يَكُونُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لِلْأَمِيرِ وَالْوُلَاةِ، فَلَا دَلَالَةَ فِي مِثْلِهِ عَلَى: أَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَكَذَلِكَ السُّنَّةُ، فَقَدْ تَكُونُ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﵇، قَالَ النَّبِيُّ ﵇: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» . وَقَالَ ﵇: «سَنَّ لَكُمْ مُعَاذٌ سُنَّةً حَسَنَةً» .
стр. 802
وَقَالَ: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» .
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لِرَبِيعَةَ، حِينَ سَأَلَهُ عَنْ أَرْشِ أَصَابِعِ الْمَرْأَةِ إذَا كُنَّ ثَلَاثًا فَقَالَ: " فِيهَا ثَلَاثَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: فَإِذَا كُنَّ أَرْبَعًا. فَقَالَ: فِيهَا أَلْفَا دِرْهَمٍ. قُلْت: لَمَّا كَثُرَ جُرْحُهَا وَعَظُمَتْ مُصِيبَتُهَا نَقَصَ أَرْشُهَا؟ فَقَالَ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ هَكَذَا السُّنَّةُ " وَإِنَّمَا مَخْرَجُ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَسَمَّاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ سُنَّةً.
وَحُكِيَ لَنَا عَنْ الشَّافِعِيِّ قَالَ: " إذَا قَالَ مَالِكٌ: السُّنَّةُ كَذَا، فَإِنَّمَا يُرِيدُ سُنَّةَ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، وَكَانَ عَرِيفَ السُّوقِ ".
وَأَمَّا إذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا، أَوْ نَهَانَا عَنْ كَذَا، وَسَنَّ رَسُولُ
стр. 803
اللَّهِ ﷺ كَذَا، أَوْ قَالَ هَذِي سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَأْبَى أَنْ يُوجِبَ بِمِثْلِهِ حُكْمًا، حَتَّى يَحْكِيَ لَفْظَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ لَفْظًا يَحْتَمِلُ الْمَعَانِي، فَتَأَوَّلَهُ عَلَى الْمَعْنَى عِنْدَهُ، وَنَحْنُ فَلَا يَلْزَمُنَا تَأْوِيلُهُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ عَرَفْنَا مِنْ مَذْهَبِ بَعْضِ عُلَمَاءِ السَّلَفِ نَقْلَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: حُكْمُ مَا هَذَا سَبِيلُهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ ثَابِتٌ فِيمَا يَتَنَاوَلُهُ مِنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ الْعُدُولُ عَنْهُ لِأَجْلِ مَا ذُكِرَ، لِأَنَّ الرَّاوِيَ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ وَمِمَّنْ يُوثَقُ بِضَبْطِهِ وَمَعْرِفَتِهِ فَهُوَ يَعْرِفُ مَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ مِنْ الْأَلْفَاظِ، مِمَّا لَا يَحْتَمِلُهُ.
فَلَوْ كَانَ مَصْدَرُ هَذَا الْقَوْلِ عِنْدَهُ عَنْ لَفْظٍ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ لَبَيَّنَ حِكَايَةَ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ، فَلَمَّا اقْتَصَرَ عَلَى إجْمَالِ ذِكْرِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عَلِمْنَا: أَنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ عِنْدَهُ لَمْ يُغَيِّرْ مَا حَكَيْنَاهُ. وَلَوْ سَاغَ الِاعْتِبَارُ الَّذِي ذَكَرَهُ قَائِلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ - لَوَجَبَ أَنْ لَا يَحْكُمَ بِهِ إذَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " كَيْتَ وَكَيْتَ "، لِأَنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَرْوِي نَقْلَ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ.
مِنْهُمْ: الْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَغَيْرُهُمَا.
وَمِنْهُمْ: مَنْ يَرَى نَقْلَ اللَّفْظِ بِعَيْنِهِ، فَيَجُوزُ عَلَى مَوْضُوعِ هَذَا الْقَائِلِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ هَذَا إنَّمَا حَكَى مَعْنَى مَا سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﵇، لَا لَفْظَهُ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّ عِيسَى بْنَ أَبَانَ ﵀ كَانَ مِمَّنْ يَرَى الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ، فَلَمَّا أَبْطَلَ ذَلِكَ. وَكَانَ قَوْلُهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " كَذَا. مَحْمُولًا عَلَى حِكَايَةِ لَفْظٍ وَحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ، وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: " أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا: وَنَهَانَا عَنْ كَذَا، وَسَنَّ لَنَا كَذَا، عَلَى حَقِيقَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ " كَأَنَّهُ قَوْلٌ مِنْ النَّبِيِّ ﵇ بِعَيْنِهِ.
وَقَدْ كَانَتْ الصَّحَابَةُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - تَكْتَفِي فِي رِوَايَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ سُنَنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَحْكَامَهُ، وَسَمَاعُ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ بِسَمَاعِ هَذَا اللَّفْظِ، فِيمَا يَزِيدُ مَعْرِفَةً مِنْ
стр. 804
النُّصُوصِ وَالسُّنَنِ، أَلَا تَرَى: أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كُنَّا سَفَرًا: أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا، لَيْسَ الْجَنَابَةَ، لَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ» فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْأَمْرِ مُجْمَلًا، دُونَ حِكَايَةِ لَفْظِ أَمْرِ النَّبِيِّ ﵇، وَقَنَعَ السَّائِلُ أَيْضًا مِنْهُ بِذَلِكَ، دُونَ مُطَالَبَتِهِ بِإِيرَادِ لَفْظِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: «كُنَّا نُخَابِرُ وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا، حَتَّى أَخْبَرَنَا رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهَا، فَتَرَكْنَاهَا» فَاكْتَفَى مِنْهُ بِإِطْلَاقِ لَفْظِ النَّهْيِ، دُونَ حِكَايَةِ لَفْظِ النَّبِيِّ ﵇.
وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ عَنْ الصَّحَابَةِ، يَطُولُ الْكِتَابُ بِذِكْرِهِ، وَمِنْ نَحْوِهِ: قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ لِلصَّبِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ، حِينَ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ: السُّنَّةُ، ثُمَّ سَأَلَهُ عُمَرُ ﵁ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: " هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيِّك " وَلَمْ يَحْتَجْ مَعَ إضَافَتِهِ السُّنَّةَ إلَى النَّبِيِّ: إلَى حِكَايَةِ لَفْظِهِ أَوْ فِعْلِهِ.
стр. 805
[بَابٌ الْقَوْلُ فِي الصَّحَابِيِّ إذَا رَوَى خَبَرًا ثُمَّ عَمِلَ بِخِلَافِهِ]
قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵀: هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: إنْ كَانَ الْخَبَرُ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى تَأْوِيلِ الصَّحَابِيِّ وَلَا غَيْرِهِ، وَأَمْضَى الْخَبَرَ عَلَى ظَاهِرِهِ، إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى وُجُوبِ صَرْفِهِ إلَى مَا يُؤَوِّلُهُ الرَّاوِي.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَرْوِيَهُ ثُمَّ يَقُولَ بِخِلَافِهِ فِيمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ عِبَارَةً عَنْهُ. فَهَذَا يَدُلُّ عِنْدَنَا مِنْ قَوْلِهِ: أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ نَسْخُ الْخَبَرِ، أَوْ عُقِلَ مِنْ ظَاهِرِ حَالِهِ: أَنَّ مُرَادَهُ كَانَ النَّدْبَ، دُونَ الْإِيجَابِ.
فَالْأَوَّلُ: نَحْوُ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا» . وَالتَّفْرِيقُ يَكُونُ بِالْقَوْلِ، وَيَكُونُ بِالْفِعْلِ، وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُ.
وَكَانَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ عَلَى التَّفْرِيقِ بِالْأَبْدَانِ. وَهَذَا تَأْوِيلٌ مِنْهُ، فَلَا يَقْضِي تَأْوِيلَهُ عَلَى مُرَادِ الْخَبَر.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: نَحْوُ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇: فِي «غَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ سَبْعًا» .
وَنَظِيرُهُ أَيْضًا: مَا رُوِيَ «عَنْ عُمَرَ ﵁: أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَجَاءَ عُثْمَانُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إلَّا أَنْ سَمِعْت النِّدَاءَ، فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ
стр. 806
تَوَضَّأْت، فَقَالَ عُمَرُ: وَلِلْوُضُوءِ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْت: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُنَا بِالْغُسْلِ» .
فَأَخْبَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ أَمَرَ بِالْغُسْلِ، ثُمَّ قَالَ هُوَ: إنَّ الْوُضُوء يُجْزِئُ عَنْهُ، وَالْأَمْرُ بِالْغُسْلِ لَا يَحْتَمِلُ جَوَازَ الْوُضُوءِ. فَعَلِمْنَا: أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ بِإِجْزَاءِ الْوُضُوءِ عَنْ الْغُسْلِ، إلَّا وَقَدْ عُلِمَ مِنْ فَحْوَى خِطَابِ النَّبِيِّ ﵇، وَمِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ، وَمَخْرَجِ الْكَلَامِ: أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغُسْلِ كَانَ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ. وَنَحْوُهُ مَا رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنْ «النَّبِيِّ ﵇: رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ» .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ: " لَمْ يَرْفَعْهُمَا " وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ «النَّبِيِّ ﵇: رَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ» . ثُمَّ رَوَى مُجَاهِدٌ أَنَّهُ: " صَلَّى خَلْفَ ابْنِ عُمَرَ فَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ، إلَّا عِنْدَ الِافْتِتَاحِ " فَدَلَّ تَرْكُهُمَا الرَّفْعَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﵇ عَلَى: أَنَّهُمَا قَدْ عَرَفَا نَسْخَ الْأَوَّلِ، لَوْلَاهُ لَمَا تَرَكَاهُ، إذْ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُظَنَّ بِهِمَا مُخَالَفَةُ سُنَّةٍ رَوَيَاهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّا لَا احْتِمَالَ فِيهِ لِلتَّأْوِيلِ.
قَالَ عِيسَى: وَإِنْ كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ الْخَبَرِ مَا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى مَنْ خَالَفَهُ إلَى غَيْرِهِ، فَالْعَمَلُ عَلَى الْخَبَرِ، دُونَ مَا رَوَى الصَّحَابِيُّ.
فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَنَحْوُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇، أَنَّهُ قَالَ: «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ» وَجَاءَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ " نَفَى رَجُلًا، فَلَحِقَ بِالرُّومِ. فَقَالَ
стр. 807
عُمَرُ: لَا أَنْفِي بَعْدَهَا أَحَدًا ".
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " كَفَى بِالتَّفْرِقَةِ فِتْنَةً " فَلَوْ كَانَ النَّفْيُ حَدًّا ثَابِتًا لَمَا تَرَكُوهُ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ عُمَرَ ﵁: " مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَا أَنْهَى عَنْهَا، إذَا صِرْت عَلَيْهَا. مُتْعَةِ النِّسَاءِ، وَمُتْعَةِ الْحَجِّ ". قَالَ ابْنُ سِيرِينَ " هُمْ شَهِدُوا، وَهُمْ نَهَوْا عَنْهَا، فَمَا فِي رَأْيِهِمْ مَا يُرْغَبُ عَنْهُ، وَلَا فِي نَصِيحَتِهِمْ
стр. 808
مَا يُتَّهَمُ ".
وَمِنْهَا: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ قَسَمَ خَيْبَرَ حِينَ افْتَتَحَهَا» وَفَتَحَ عُمَرُ السَّوَادَ فَلَمْ يَقْسِمْهُ، وَتَرَكَهَا فِي أَيْدِي أَهْلِهَا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ عَلِمَ: أَنَّ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﵇ فِي قِسْمَةِ خَيْبَرَ لَمْ يَكُنْ حَتْمًا، لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ، لَا يَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ.
وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﵇ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ بِالْمَدِينَةِ» . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: " إنْ جَمَعَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنْ الْكَبَائِرِ " وَلَوْ كَانَ الْجَمْعُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ادَّعَاهُ مُخَالِفُنَا ثَابِتًا - لَمَا خَفَى مِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ ﵁، وَهُوَ يَصْحَبُ النَّبِيَّ ﷺ فِي سَفَرِهِ وَحَضَرِهِ.
فَإِنْ قِيلَ: قَدْ خَفِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵀ نَسْخُ التَّطْبِيقِ، وَكَانَ يُطَبِّقُ بَعْدَ النَّبِيِّ ﵇، مَعَ قُرْبِ مَحَلِّهِ مِنْ النَّبِيِّ، وَمُلَازَمَتِهِ إيَّاهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ.
قِيلَ لَهُ: لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ تَرْكُ التَّطْبِيقِ عَمْدًا، وَإِنَّمَا تَأَوَّلَ لَفْظَ النَّبِيِّ ﵇ فِيهِ عَلَى الرُّخْصَةِ، لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ: " شَكَا إلَيْهِ مَشَقَّةَ التَّطْبِيقِ فَقَالَ: «اسْتَعِينُوا بِالرَّكْبِ» .
стр. 809
وَكَانَ ظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ: التَّرْخِيصُ، فَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَكَانَ عِنْدَهُ: أَنَّ الْأَوَّلَ ثَابِتٌ، فَاخْتَارَهُ، لِأَنَّهُ أَشَقُّ عَلَى الْمُصَلِّي.
قَالَ عِيسَى: فَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى الصَّحَابِيِّ: فَنَحْوُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ «أَنَّهُ: رَخَّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ قَبْلَ طَوَافِ الصَّدْرِ» وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: " تُقِيمُ حَتَّى تَطْهُرَ فَتَطُوفَ ".
وَمِثْلُ ذَلِكَ يَجُوزُ خَفَاؤُهُ عَلَى عُمَرَ. فَالْأَمْرُ فِيهِ عَلَى مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ .
قَالَ: وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ «النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ: أَمَرَ بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ مِنْ الضَّحِكِ فِي الصَّلَاةِ» وَرَوَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ: " لَا يُعِيدُ الْوُضُوءَ "، وَمِثْلُهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ، فَلَا يُعْتَرَضُ بِخِلَافِهِ عَلَى الْخَبَرِ، وَلَا يُوهِنُهُ.
стр. 810
وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ " فِي الْحَجِّ عَنْ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ، الَّذِي لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ ".
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَحُجُّ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ " فَهَذِهِ أُمُورٌ خَاصَّةٌ يَجُوزُ خَفَاءُ مِثْلِهَا عَلَى هَؤُلَاءِ، فَلَا تَقْدَحُ مُخَالَفَتُهُمْ فِيهَا فِي الْخَبَرِ، وَيُحْمَلُ أَمْرُهُ عَلَى: أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمْ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَوْ قَدْ كَانَ بَلَغَهُمْ لَصَارُوا إلَيْهِ، وَتَرَكُوا رَأْيَهُمْ.
следующие страницы →