Полный текст (1 263 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
تَأْكِيدَهُ، لِأَنَّهُمْ لَا يُنْسَبُونَ إلَيْهِ أَنَّهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِ، إلَّا وَهُمْ ثِقَاتٌ مَقْبُولُو الرِّوَايَةِ عَنْهُ.
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى إنَّ هَذَا الْخَبَرَ قَدْ تَلَقَّاهُ النَّاسُ بِالْقَبُولِ، وَاسْتَفَاضَ، وَاشْتَهَرَ عِنْدَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ عَلَى رُوَاتِهِ، وَلَا رَدٍّ لَهُ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ أَكْثَرَ أَحْوَالِهِ أَنْ يَصِيرَ مُرْسَلًا، وَالْمُرْسَلُ عِنْدَنَا مَقْبُولٌ. وَمِنْهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرُهُ» . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنْ «عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ: اقْضِ بَيْنَهُمَا يَا عَمْرُو، قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقْضِي وَأَنْتَ حَاضِرٌ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: فَعَلَامَ أَقْضِي؟ قَالَ: إنْ أَصَبْتَ فَلَكَ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَإِنْ اجْتَهَدْتَ فَأَخْطَأْتَ فَلَكَ حَسَنَةٌ» وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ بِمِثْلِ ذَلِكَ. وَقَالَ فِيهِ كَذَلِكَ.
وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ» وَلَا يُوصَلُ إلَى مَعْرِفَةِ أَعْلَمِ الْمُتَقَارِبِينَ بِالسُّنَّةِ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ. وَمِنْهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي «الشَّاكِّ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى أَكْثَرِ ظَنِّهِ»
стр. 982
وَمِنْهُ «قِصَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ حِينَ جَاءَ بِهِ عُثْمَانُ يَشْفَعُ فِيهِ، فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعَتِهِ، رَجَاءَ أَنْ يَقْتُلَهُ بَعْضُهُمْ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ تَقَدَّمَ بِقَتْلِهِ» وَكَانَ فِعْلُ عُثْمَانَ ذَلِكَ اجْتِهَادًا، فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ . " وَحَدِيثُ «عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: أَنْتَ إمَامُ قَوْمِكَ، فَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ» ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُهُ مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ» . يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا، لِأَنَّ الْمَنْقُولَ إلَيْهِ قَدْ يَعْرِفُ مِنْ اسْتِخْرَاجِ الْمَعَانِي مَا لَا يَعْرِفُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاقِلِينَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي إبَاحَةِ الْمُعَالَجَةِ وَاسْتِعْمَالِ الطِّبِّ وَالْأَدْوِيَةِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ، وَطَرِيقُ ذَلِكَ كُلِّهِ (الِاجْتِهَادُ وَالرَّأْيُ) فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ عَلَى اخْتِلَافِ مُتُونِهَا وَطُرُقِهَا تُوجِبُ التَّوْقِيفَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي إبَاحَةِ الِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ وَهِيَ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَارِدًا مِنْ طَرِيقِ رِوَايَاتِ الْأَفْرَادِ، وَإِنَّهَا فِي حَيِّزِ التَّوَاتُرِ مِنْ حَيْثُ يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهَا كَذِبًا، أَوْ غَلَطًا، أَوْ وَهْمًا، عَلَى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي أَقْسَامِ التَّوَاتُرِ، وَشَبَّهْنَاهُ بِالْمُقْبِلِينَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ مِنْ طَرِيقِ الْجَامِعِ: أَنَّ إخْبَارَهُمْ عَنْ فِعْلِهِمْ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ، تَشْتَمِلُ عَلَى صِدْقٍ، وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الِانْفِرَادِ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَاذِبًا فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، فَكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَخْبَارُ مَعَ كَثْرَتِهَا مِنْ حَيْثُ كَانَتْ مُتَوَافِيَةً عَلَى تَوْقِيفِ النَّبِيِّ ﷺ إيَّاهُمْ
стр. 983
عَلَى إبَاحَةِ الِاجْتِهَادِ، فَقَدْ أَوْجَبَتْ الْعِلْمَ بِصِحَّةِ مُخْبِرِهَا مِنْ وُجُوهِ التَّوْقِيفِ بِذَلِكَ، وَمَنْ خَالَفَهَا بَعْدَ سَمَاعِهَا، فَإِنَّمَا يَرُدُّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إبَاحَتَهُ لِلِاجْتِهَادِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَشْبِيهِ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ، وَاعْتِبَارِهِ بِنَظِيرِهِ فِي الْحُكْمِ أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ تُوجِبُ الْعِلْمَ بِصِحَّةِ مُخْبِرِهَا عَلَى النَّحْوِ الَّذِي بَيَّنَّا فِي إبَاحَتِهِ لِلِاجْتِهَادِ، حُذِفَتْ أَسَانِيدُهَا كَرَاهَةَ الْإِطَالَةِ، وَلِأَنَّهَا أَخْبَارٌ مَشْهُورَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ «أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الْأَغْنِيَاءُ بِالْأَجْرِ، يَتَصَدَّقُونَ وَيَصُومُونَ، قَالَ: وَأَنْتُمْ قَدْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ. قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَتَصَدَّقُونَ، وَنَحْنُ لَا نَتَصَدَّقُ. قَالَ: وَأَنْتَ فَلَكَ صَدَقَةٌ: رَفْعُك الْعَظْمَ عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، وَثَبَاتُك عَنْ الْإِثْمِ صَدَقَةٌ، وَعَوْنُك الضَّعِيفَ بِفَضْلِ قُوَّتِكَ صَدَقَةٌ. وَمُبَاضَعَتُك امْرَأَتَك صَدَقَةٌ، قَالَ: قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَأْتِي شَهْوَتَنَا وَنُؤْجَرُ؟ قَالَ: أَرَأَيْت لَوْ جَعَلْتُمُوهَا فِي حَرَامٍ أَكُنْتُمْ تَأْثَمُونَ؟ قُلْت: نَعَمْ. قَالَ: أَفَتَحْتَسِبُونَ بِالشَّرِّ، وَلَا تَحْتَسِبُونَ بِالْخَيْرِ؟» فَقَايَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدَلَّهُ بِذِكْرِ الْمَحْظُورِ عَلَى مَا قَابَلَهُ مِنْ الْمُبَاحِ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ حُكْمُ نَظِيرِهِ. وَقَدْ اعْتَرَضَ النَّظَّامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَجُوزُ أَنْ يُوجِبَ اسْتِحْقَاقَ الْأَجْرِ بِالْوَطْءِ الْمُبَاحِ، لِأَنَّ الْمُبَاحَ لَا يُسْتَحَقُّ بِهِ الْأَجْرُ، وَلَوْ كَانَ الْمُبَاحُ يُسْتَحَقُّ بِهِ الْأَجْرُ، لَكَانَ لَا فِعْلَ إلَّا مَحْظُورًا، أَوْ نَافِلَةً، وَلَبَطَلَ الْقِسْمُ الْمُبَاحُ. فَيُقَالُ لَهُ: مَا تُنْكِرُ أَنْ يُسْتَحَقَّ بِهِ الْأَجْرُ (إذَا قَصَدَ) بِهِ الْعِفَّةَ، وَالِاسْتِغْنَاءَ عَنْ الْحَرَامِ، وَشُكْرَ اللَّهِ ﵎ عَلَى تَمْكِينِهِ إيَّاهُ مِنْ الْحَلَالِ، وَلِمَا يَتَكَلَّفُهُ مِنْ الِاغْتِسَالِ وَالْمُبَالَغَةِ فِيهِ، فَيَكُونُ هَذَا الضَّرْبُ مِنْ الْوَطْءِ الْمَقْصُودِ بِهِ هَذِهِ الْمَعَانِي، وَالْمُقَارِنَةُ لِهَذِهِ الْأَحْوَالِ، هُوَ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهِ الْأَجْرُ دُونَ مَا يَقْصِدُ بِهِ التَّلَذُّذَ الَّذِي لَا يُجَامِعُهُ هَذِهِ
стр. 984
الْأَسْبَابُ، فَلَا يَكُونُ فِي إيجَابِهِ اسْتِحْقَاقَ الْأَجْرِ بِهَذَا الْوَطْءِ مَا يُوجِبُ قَدْحًا فِي الْخَبَرِ، وَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ هَهُنَا وَطْءٌ آخَرُ مُبَاحٌ لَا يُسْتَحَقُّ بِهِ الْأَجْرُ، فَلَا يَبْطُلُ الْقِسْمُ الْمُبَاحُ مِنْ الْأَفْعَالِ عَلَى مَا بَنَيْتَ مِنْ الْقَاعِدَةِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَمْ يَحُجَّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ تَقْضِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَحُجَّ عَنْهُ وَحَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ حِينَ سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، لَا يَسْتَمْسِكُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ، أَكَانَ يَجْزِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ . فَقَالَ: إنْ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَمَاتَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَاقْضُوا اللَّهَ، فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» . وَفِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ إثْبَاتُ الْمُقَايَسَةِ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الرَّدِّ إلَى النَّظَائِرِ.
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ أَيُفَرَّقُ؟ فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ، فَقَضَاهُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ، قَالَ: فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالتَّجَاوُزِ» . فَقَايَسَهُ، وَأَرَاهُ مَوْضِعَ الشَّبَهِ وَالنَّظِيرِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ
стр. 985
غُلَامًا أَسْوَدَ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ إبِلٍ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: إنَّ فِيهَا أَوْرَقًا. قَالَ: فَأَنَّى تَرَاهُ؟ قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَالَ: وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ» فَقَايَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرَدَّهُ إلَى أَمْرٍ كَانَ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهُ، مِنْ نَظِيرِ مَا سَأَلَ عَنْهُ، وَنَبَّهَهُ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ لَهُ بِحُكْمِهِ. وَمِنْهُ: حَدِيثُ «عُمَرَ قَالَ هَشَشْتُ فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَنَعْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا، قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ قُلْتُ: لَا بَأْسَ بِهِ. قَالَ: فَفِيمَ إذًا» فَقَايَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَرَدَّهُ إلَى نَظِيرِهِ، ثُمَّ نَبَّهَهُ عَلَى وَجْهِ الرَّدِّ. وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «هَذَا أَوَانُ ذَهَابِ الْعِلْمِ، فَقَالَ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكِتَابُ اللَّهِ بَيْنَنَا؟ وَاَللَّهِ لَنُقْرِئَنَّهُ أَبْنَاءَنَا وَلَيُقْرِئَنَّهُ أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا زِيَادُ بْنَ لَبِيدٍ، إنْ كُنْتُ لَأَعُدّكَ مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَلَيْسَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ فِي يَدِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَهَلْ أَغْنَى عَنْهُمَا؟» فَنَبَّهَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى اعْتِبَارِنَا بِهِمْ، مَعَ كَوْنِ الْكِتَابِ فِي أَيْدِينَا (وَ) رَوَى مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ وَأَبِي مُوسَى حِينَ بَعَثَهُمَا إلَى الْيَمَنِ: كَيْفَ تَقْضِيَانِ بَيْنَ
стр. 986
النَّاسِ؟ قَالَا: بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنْ أَتَاكُمَا مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَا: بِالسُّنَّةِ. قَالَ: فَإِنْ أَتَاكُمَا مَا لَيْسَ فِي السُّنَّةِ؟ قَالَا: نَقِيسُ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ، فَأَيُّهُمَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْحَقِّ حَمَلْنَاهُ عَلَيْهِ، قَالَ: أَصَبْتُمَا» .
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيٍّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كُلُّ قَوْمٍ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، فِي مَصْلَحَةٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، يَزِرُونَ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» ، وَيَتَبَيَّنُ الْحَقُّ بِالْمُقَايَسَةِ بِالْعَدْلِ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ. وَمِنْهُ حَدِيثُ «عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ لَهَا: نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ فَقُلْتُ: إنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: إنْ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» فَنَبَّهَهَا عَلَى اعْتِبَارِ الْمَعْنَى، وَأَنَّهَا فِي سَائِرِ أَعْضَائِهَا بِمَنْزِلَةِ الطَّاهِرِ. وَمِنْهُ حَدِيثُ «أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَذَهَبْت فَاغْتَسَلْت، ثُمَّ جِئْت. فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ قَالَ: كُنْتُ جُنُبًا فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ عَلَى غَيْرِ طُهْرٍ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ إنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ» فَنَبَّهَهُ عَلَى أَنَّ
стр. 987
الْجَنَابَةَ لَا تُوجِبُ نَجَاسَتَهُ، وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْ أَجْلِهَا مِنْ الصَّلَاةِ، وَأَظْهَرَ التَّعَجُّبَ مِنْهُ، بِقَوْلِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، يَعْنِي كَيْفَ ذَهَبَ عَلَيْك هَذَا الِاعْتِبَارُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ مِنْ الِاعْتِبَارِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي الْمَوَاضِعِ الَّذِي وَرَدَ فِيهَا، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى جَوَازِهِ فِي غَيْرِهَا، وَمَا أَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ جَوَازُهُ مَقْصُورًا عَلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ، إذْ يَمْتَنِعُ فِي حُجَّةِ الْعَقْلِ، أَنْ يُبِيحَ اللَّهُ تَعَالَى الِاجْتِهَادَ فِيمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ، وَبَيَّنَهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ وَيَحْظُرَهُ فِيمَا عَدَا الْمَنْصُوصَ عَلَى مَوْضِعِهِ، فَيُحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى جَوَازِهِ فِي الْمَوْضِعِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بَيْنَنَا مِنْ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ.
قِيلَ لَهُ: كَثِيرٌ مِنْ الْآيِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا قَدْ تَضَمَّنَ الْأَمْرَ بِالِاجْتِهَادِ مُطْلَقًا، غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِحَالٍ وَلَا شَرْطٍ. مِنْهَا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وَذَلِكَ عُمُومٌ فِي سَائِرِ الْأُمُورِ، لِأَنَّهُ أَدْخَلَ الْأَلِفَ وَاللَّامَ، فَصَارَ لِلْجِنْسِ، وَمَا خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فَنَحْنُ مُخَاطَبُونَ بِهِ، إلَّا أَنْ تَقُومَ الدَّلَالَةُ عَلَى تَخْصِيصِهِ بِشَيْءٍ دُونَنَا.
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] وَقَدْ بَيَّنَّا (أَنَّ) الْمُرَادَ بِهِ الرَّدُّ إلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ (نَصًّا) وَدَلِيلًا، (وَذَلِكَ) مُطْلَقٌ عَامٌّ فِي سَائِرِ الْأَشْيَاءِ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وَهُوَ عُمُومٌ فِي جَمِيعِ مَا كَانَ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وَهُوَ عَامٌّ فِي سَائِرِ الْأَشْيَاءِ.
стр. 988
وَمِمَّا يُوجِبُهُ أَيْضًا مِنْ السَّنَدِ: حَدِيثُ مُعَاذٍ، وَتَصْوِيبُ النَّبِيِّ ﷺ إيَّاهُ فِي اسْتِعْمَالِ الِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ وَلَا اتِّفَاقٌ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمَا.
وَأَيْضًا: فَقَدْ صَحَّ عَنْ الصَّحَابَةِ الْقَوْلُ بِالْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ، بِالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ الْمُوجِبَةِ لِلْعِلْمِ، بِحَيْثُ لَا مَسَاغَ لِلشَّكِّ فِيهِ. كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي، فَأَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، وَيَسْتَعْمِلُ الْقِيَاسَ، وَيَأْمُرُ بِهِ غَيْرَهُ، لَا يَتَنَاكَرُونَهُ، وَلَا يَمْنَعُونَ إنْفَاذَ الْقَضَايَا وَالْأَحْكَامِ بِهِ. وَكَذَلِكَ حَالُ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ مُسْتَفِيضًا ذَلِكَ بَيْنَهُمْ (وَقَدْ) وَقَعَ الْعِلْمُ لَنَا بِوُجُودِهِ مِنْهُمْ، كَعِلْمِنَا بِوُجُودِ الْخِلَافِ كَانَ بَيْنَهُمْ فِي كَثِيرٍ (مِنْ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيْنَا الْقَوْلَ بِالِاجْتِهَادِ مِنْ وَجْهَيْنِ) : أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ لَوْلَا عِلْمُهُمْ بِتَوْقِيفِ النَّبِيِّ ﷺ (إيَّاهُمْ) عَلَيْهِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ (مِنْهُمْ) مُتَقَرِّرًا مَعْلُومًا (عِنْدَهُمْ) مِنْ شَرِيعَتِهِ، قَدْ تَلَقَّوْهُ عَنْهُ وَعَرَفُوهُ مِنْ (دِينِهِ) لَمَا أَطْبَقُوا عَلَى الْقَوْلِ بِهِ هَذَا الْإِطْبَاقَ، حَتَّى لَا يُوجَدَ فِيهِمْ مُنْكِرٌ لَهُ، وَلَا مُتَوَقِّفٌ مُتَهَيِّبٌ عَنْ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا تَلَقَّوْهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ تَوْقِيفًا، كَمَا عَلِمْنَا بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَوْلِيَةِ إمَامٍ يَنْصِبُونَهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُمْ تَلْقَوْا وُجُوبَ اجْتِهَادِ الرَّأْيِ فِي ذَلِكَ تَوْقِيفًا، وَأَنَّهُمْ عَرَفُوهُ مِنْ مِنْهَاجِ شَرِيعَتِهِ وَأَرْكَانِ دِينِهِ، لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا تَوَافَقَتْ هِمَمُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنَّ إجْمَاعَهُمْ، حُجَّةٌ لَا يَسَعُ خِلَافُهُ وَلَا الْخُرُوجُ عَنْهُ، عَلَى مَا سَلَفَ
стр. 989
مِنَّا الْقَوْلُ فِيهِ. وَقَدْ اسْتَقَرَّ أَنَّ إجْمَاعَهُمْ (حُجَّةٌ) بِمَا قَدَّمْنَا عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ وَالرُّجُوعِ إلَى النَّظَرِ وَالْمَقَايِيسِ، فِي (اسْتِدْرَاكِ حُكْمِهَا) .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمِنْ أَيْنَ لَك أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ؟ قِيلَ لَهُ: هُوَ أَشْهَرُ وَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى عَلَى مَنْ عَرَفَ شَيْئًا مِنْ أَقَاوِيلِ السَّلَفِ، وَطَرِيقَتِهِمْ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الْجَدِّ، فَقَالُوا فِيهِ بِاجْتِهَادِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَصٌّ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُشَرَّكَةِ، فَلَمْ يَرَ عُمَرُ التَّشْرِيكَ أَوْلَى، فَقَالَ لَهُ الْإِخْوَةُ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ: هَبْ (أَنَّ) أَبَانَا كَانَ حِمَارًا أَلَيْسَ أُمُّنَا أُمَّ الَّذِينَ وَرَّثَتْهُمْ؟ فَتَرَكَ قَوْلَهُ الْأَوَّلَ، وَرَأَى التَّشْرِيكَ حِينَ قَايَسُوهُ. فَقِيلَ لَهُ: لَمْ تُشَرِّكْ بَيْنَهُمْ الْعَامَ الْأَوَّلَ، وَشَرَّكْتَ الْعَامَ. فَقَالَ: (ذَاكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا، وَهَذَا عَلَى مَا قَضَيْنَا) . وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَرَامِ عَلَى أَقَاوِيلَ مُخْتَلِفَةٍ: جَعَلَهَا بَعْضُهُمْ رَجْعِيًّا، وَبَعْضُهُمْ وَاحِدَةً بَائِنَةً، وَبَعْضُهُمْ ثَلَاثًا، وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ يَمِينًا. وَاخْتَلَفُوا فِي الْخَلِيَّةِ، وَالْبَرِيَّةِ، وَالْبَتَّةِ وَالْبَائِنِ، وَنَحْوِهَا مِنْ الْكِنَايَاتِ. وَفِي الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ، وَفِي الْكَلَالَةِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: (أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِنْ يَكُ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ يَكُ خَطَأً فَمِنِّي) . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَلَمْ يُسَمِّ لَهَا صَدَاقًا: (أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِنْ
стр. 990
يَكُ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ يَكُ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنْ الشَّيْطَانِ، وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرِيئَانِ) . وَقَالَ عَلِيٌّ: (أَجْمَعَ رَأْيِي وَرَأْيُ عُمَرَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ: أَنْ لَا يُبَعْنَ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ، ثُمَّ رَأَيْت أَنْ أُرِقَّهُنَّ) ، فَأَخْبَرَ عَنْ رَأْيِهِ، وَرَأْيِ الْجَمَاعَةِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ، لِأَنَّ التَّوْقِيفَ لَا يَكُونُ رَأْيًا.
وَمِنْهَا أَيْضًا اخْتِلَافُهُمْ: فِي الْمُكَاتَبِ، وَالْمُدَبَّرِ، وَفِي تَفْضِيلِ أُرُوشِ الْأَصَابِعِ، وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَرَى التَّسْوِيَةَ فِي الْعَطَاءِ، وَكَانَ عُمَرُ يَرَى التَّفْضِيلَ. وَكَانَ عَلِيٌّ يَرَى التَّسْوِيَةَ. وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي طَرِيقُهَا اجْتِهَادُ الرَّأْيِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَمِلَهُ هَذَا الْكِتَابُ، وَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى عَلَى ذِي مَعْرِفَةٍ. وَأَجْمَعُوا عَلَى عَقْدِ الْبَيْعَةِ لِأَبِي بَكْرٍ بِآرَائِهِمْ، وَلَمْ يَدَّعِ أَحَدٌ مِنْهُمْ نَصًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ نَصٌّ لَمَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ مُعْظَمُ أَمْرِ دِينِهِمْ، وَدُنْيَاهُمْ. وَلَمَّا قَالَتْ الْأَنْصَارُ: (مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ) وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ نَصٌّ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ لَمَا أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى جَوَازِ الشُّورَى، لِأَنَّ الشُّورَى لَا تَجُوزُ فِيمَا يَكُونُ فِيهِ نَصٌّ مِنْ الرَّسُولِ ﷺ .
فَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَنُصَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، وَلَا عَلَى غَيْرِهِ فِي الْإِمَامَةِ، وَأَنَّهُ وَكَلَهُمْ إلَى اجْتِهَادِهِمْ فِي عَقْدِ الْإِمَامَةِ لِمَنْ يَرَوْنَهُ أَهْلًا لَهَا، وَصَلَاحًا لِلْكَافَّةِ، وَعَلِمْنَا حِينَ عَقَدُوهَا
стр. 991
لِأَبِي بَكْرٍ بِاجْتِهَادِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوهُ إلَّا وَقَدْ كَانَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ تَوْقِيفٌ لَهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ نَصْبَ إمَامٍ بِاجْتِهَادِ آرَائِهِمْ، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ جَعَلَهَا شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ، وَرَضِيَتْ السِّتَّةُ وَالْجَمَاعَةُ بِذَلِكَ، لَمْ يُنْكِرْهُ مِنْهُمْ مُنْكِرٌ، وَكَانَ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِ رَأْيٍ مِنْهُ، وَالشُّورَى إنَّمَا هِيَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الرَّأْيِ، وَتَوْلِيَةُ مَنْ يَرَوْنَ ذَلِكَ لَهُ، ثُمَّ اجْتَهَدَ السِّتَّةُ فَجَعَلُوا الْأَمْرَ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَلَى أَنْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ مِنْهَا وَيَخْتَارَ مِنْهُمْ مَنْ يَرَى (بِاجْتِهَادِهِ، ثُمَّ رَأَى) عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنْ يُوَلِّيَهُ مَنْ يَتَّبِعُ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَسِيرَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَعَرَضَ ذَلِكَ عَلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَعْمَلُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَاجْتِهَادِ رَأْيِي، وَعَرَضَهُ عَلَى عُثْمَانَ فَقَبِلَهُ عَلَى مَا شَرَطَهُ عَلَيْهِ، فَرَأَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَنْ يُوَلِّيَهُ (مَنْ عَمِلَ فِيهِ) بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وَسِيرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، لِأَنَّهُ رَأَى النَّاسَ قَدْ صَلَحُوا عَلَى سِيرَتِهِمَا، وَفُتِحَتْ الْفُتُوحُ فِي أَيَّامِهِمَا، وَوُجِدَتْ فِيهِمْ الصِّفَةُ الَّتِي وَصَفَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، وَرَأَى مَوْعُودَ اللَّهِ تَعَالَى قَدْ صَحَّ فِيهِمْ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] إلَى آخِرِ الْآيَةِ.
وَاتَّفَقَتْ آرَاؤُهُمْ عَلَى جَوَازِ الشُّورَى، وَاتَّفَقَتْ أَيْضًا فِي جَعْلِ الْأَمْرِ إلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاخْتَلَفَتْ فِي أُمُورٍ أُخَرَ. فَلَمْ يُنْكِرْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ اجْتِهَادَ رَأْيِهِ، (وَإِنْ خَالَفَ بِهِ رَأْيَ غَيْرِهِ، بَلْ سَوَّغُوا لِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْهُمْ رَأْيَهُ) وَمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ. وَأَجْمَعُوا بِاجْتِهَادِهِمْ عَلَى وَضْعِ الْجِزْيَةِ عَلَى الطَّبَقَاتِ الْمَعْلُومَةِ، وَعَلَى وَضْعِ الْخَرَاجِ عَلَى أَرْضِ السَّوَادِ، وَعَلَى مُضَاعَفَةِ الصَّدَقَاتِ عَلَى بَنِي تَغْلِبَ. وَالْقَضَايَا الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهَا بِاجْتِهَادِ آرَائِهِمْ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُمْكِنَ الشَّكُّ فِيهَا، أَوْ أَنْ يَعْرِضَ فِيهَا رَيْبٌ لِذِي فَهْمٍ وَدِرَايَةٍ.
стр. 992
وَشَبَّهَ عَلِيٌّ ﵇ الْجَدَّ بِنَهْرٍ يَأْخُذُ مِنْهُ جَدْوَلٌ، ثُمَّ يَتَشَعَّبُ مِنْهُ شُعْبَتَانِ، وَشَبَّهَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ بِغُصْنٍ نَبَتَ مِنْ شَجَرَةٍ، ثُمَّ نَبَتَ مِنْ الْغُصْنِ غُصْنَانِ.) وَقَالَ عُمَرُ ﵁ فِي رِسَالَتِهِ الْمَشْهُورَةِ إلَى أَبِي مُوسَى: وَقِسْ الْأَمْرَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: (لَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ وَلَسْنَا نَقْضِي، وَلَسْنَا هُنَاكَ، فَمَنْ عَرَضَ لَهُ قَضَاءٌ، فَلْيَقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلْيَجْتَهِدْ رَأْيَهُ) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الِاجْتِهَادُ فِي إدْرَاكِ أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ عِنْدَهُمْ سَائِغًا، لَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَمَا جَازَ مِنْهُمْ وُقُوعُ التَّوَاطُؤِ عَلَى تَرْكِ النَّكِيرِ عَلَى الْقَائِلِ بِهِ، وَكَانَ لَا أَقَلَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ فِيهِ خِلَافٌ، فَيَقُولَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَيَنْفِيَهُ بَعْضُهُمْ، كَسَائِرِ مَا اخْتَلَفُوا مِمَّا طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمْ نَكِيرٌ عَلَى الْقَائِلِ بِهِ فَلَمَّا تَوَافَوْا كُلُّهُمْ عَلَى تَجْوِيزِهِ - إمَّا رَجُلٌ قَدْ يَسْتَعْمِلُهُ وَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِهِ، وَإِمَّا رَجُلٌ لَمْ يُنْكِرْهُ، إذْ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ قَوْلٌ فِي الْمَسَائِلِ - ثَبَتَ بِذَلِكَ إجْمَاعُهُمْ عَلَيْهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِيمَا طَرِيقُ الْحَقِّ فِيهِ وَاحِدٌ، وَلَا يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ فِي الْعُدُولِ عَنْهُ، خَرَجُوا مِنْهُ إلَى اللَّحْنِ وَالْبَرَاءَةِ، وَنَصْبِ الْحَرْبِ وَالْقِتَالِ، كَنَحْوِ اخْتِلَافِهِمْ (فِي إنْشَاءِ) حَرْبِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ، وَقِتَالِ الْخَوَارِجِ، لَمَّا كَانَ الْحَقُّ فِيهِ وَاحِدًا، وَكَانَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَائِمًا بَارِزًا، لَمْ يُسَوِّغُوا الِاجْتِهَادَ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ مَنْزِلَةُ هَذَا الْخِلَافِ عِنْدَهُمْ كَمَنْزِلَةِ الْخِلَافِ فِي الْجَدِّ، وَالْخَلِيَّةِ، وَالْبَرِيَّةِ، وَالْحَرَامِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَدَلَّ مَا وَصَفْنَا عَلَى انْعِقَادِ اتِّفَاقِ السَّلَفِ، عَلَى تَسْوِيغِ الِاجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ
стр. 993
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ: فَقَاضٍ اجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ، وَقَاضٍ حَكَمَ بِغَيْرِ الْحَقِّ مُتَعَمِّدًا فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَهُوَ فِي النَّارِ» .
قِيلَ لَهُ: أَوَّلُ مَا فِي (هَذَا) : إنَّ هَذَا الْخَبَرَ قَدْ دَلَّ عَلَى إبَاحَةِ الِاجْتِهَادِ، لِأَنَّهُ حَكَمَ لِمَنْ أَصَابَ فِي اجْتِهَادِهِ بِالْجَنَّةِ، وَلَوْلَا أَنَّ الِاجْتِهَادَ مَأْمُورٌ بِهِ لَمَا اسْتَحَقَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ الْإِصَابَةِ فِي اجْتِهَادِهِ، لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَوْ كَانَ مَحْظُورًا لَمَا اسْتَحَقَّ الثَّوَابَ عَلَى مَا أَدَّاهُ إلَيْهِ، لِأَنَّ السَّبَبَ إذَا كَانَ مَحْظُورًا، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَسْتَحِقَّ الثَّوَابَ عَلَى مُسَبَّبِهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ رَمَى مُسْلِمًا مَحْظُورَ الدَّمِ، فَأَصَابَ كَافِرًا حَرْبِيًّا: أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ الثَّوَابَ بِهَذِهِ الْإِصَابَةِ. لِكَوْنِ السَّبَبِ الَّذِي عَنْهُ كَانَ مَحْظُورًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الَّذِي أَخْطَأَ: إنَّهُ فِي النَّارِ، فَإِنَّ الْجَوَابَ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّا لَا نُسَوِّغُ الِاجْتِهَادَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا نُجِيزُهُ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ دُونَ بَعْضٍ، عَلَى مَا بَيَّنَّا فِيمَا سَلَفَ. وَعَلَى مَا حَكَيْنَا عَنْ الصَّحَابَةِ، فِي تَقْسِيمِنَا اخْتِلَافَهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مِنْ بَابِ الِاجْتِهَادِ، وَالْآخَرُ: خَارِجٌ عَنْ بَابِ الِاجْتِهَادِ وَدَاخِلٌ فِي الْأُمُورِ الَّتِي كُلِّفُوا إصَابَةَ الْمَطْلُوبِ. فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ وَعِيدُ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ إنَّمَا خَرَجَ عَلَى مَنْ اجْتَهَدَ فِيمَا قَدْ قَامَتْ دَلَالَتُهُ وَظَهَرَتْ حُجَّتُهُ فَأَخْطَأَهُ، كَخَطَأِ الْخَوَارِجِ وَأَضْرَابِهِمْ، فَهُمْ فِي النَّارِ.
стр. 994
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ﵇ سُئِلَ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ رَوَاهُ. فَقَالَ: هَذَا الْحَرُورِيُّ مُجْتَهِدٌ وَهُوَ فِي النَّارِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: (مَرَّ بِي أَنَسٌ وَقَدْ بَعَثَهُ زِيَادٌ) إلَى أَبِي بَكْرَةَ يُعَاتِبُهُ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَدَخَلْنَا عَلَى الشَّيْخِ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَأَبْلَغَهُ عَنْهُ، وَقَالَ: إنَّهُ يَقُولُ: أَلَمْ أَسْتَعْمِلْ عُبَيْدَ اللَّهِ عَلَى فَارِسَ؟ أَلَمْ أَسْتَعْمِلْ رَوَّادًا عَلَى دَارِ الرِّزْقِ؟ أَلَمْ أَسْتَعْمِلْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَلَى الدِّيوَانِ وَبَيْتِ الْمَالِ؟ فَقَالَ (أَبُو بَكْرَةَ) : هَلْ زَادَ عَلَى أَنْ أَدْخَلَهُمْ النَّارَ قَالَ أَنَسٌ: لَا أَعْلَمُهُ إلَّا مُجْتَهِدًا، فَقَالَ الشَّيْخُ: أَقْعِدُونِي إنِّي لَا أَعْلَمُهُ إلَّا مُجْتَهِدًا، فَأَهْلُ حَرُورَاءَ قَدْ اجْتَهَدُوا، فَأَصَابُوا أَمْ أَخْطَئُوا؟ قَالَ الْحَسَنُ فَرَجَعْنَا مَخْصُومِينَ " فَجَازَ أَنْ يَكُونَ مَا وَرَدَ مِنْ وَعِيدِ الْمُخْطِئِ فِي اجْتِهَادِهِ، فِيمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَجْتَهِدَ - وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ - جَاهِلًا بِالْأُصُولِ، أَوْ حَافِظًا لَهَا جَاهِلًا بِطُرُقِ الِاجْتِهَادِ، وَوُجُوهِ الْمَقَايِيسِ. فَلَا يَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ الِاجْتِهَادُ.
وَرَوَى أَبُو الْعَالِيَةِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ قَوْلِهِ: قَالَ: فَقُلْت مَا هَذَا الَّذِي اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ قَالَ: كَانَ قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يَقْضِيَ أَنْ لَا يَقْضِيَ
فَإِنْ قِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَعَمَّ الْجَمِيعَ إذَا أَخْطَئُوا. قِيلَ لَهُ: خَصَصْنَاهُ فِيمَنْ ذَكَرْنَا، لِلدَّلَائِلِ الَّتِي قَدَّمْنَا فِي إبَاحَةِ الِاجْتِهَادِ، وَبِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، وَعَلَى أَنَّ هَذَا إنَّمَا هُوَ كَلَامٌ بَيْنَ مَنْ يَقُولُ: الْحَقُّ فِي وَاحِدٍ، وَبَيْنَ مَنْ
стр. 995
يَقُولُ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى الْقَوْلِ بِالِاجْتِهَادِ، لِأَنَّ فِيهِ إبَاحَةَ الِاجْتِهَادِ، وَالْحُكْمَ بِاسْتِحْقَاقِ الثَّوَابِ لِلْمُصِيبِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا.
فَإِنْ قِيلَ: رُوِيَ «أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فِي سَفَرٍ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَاسْتَفْتَى جَمَاعَةً كَانُوا مَعَهُ فِي التَّيَمُّمِ، فَقَالُوا: مَا نَرَى لَك إلَّا الْغُسْلَ، فَاغْتَسَلَ، فَمَاتَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ خَبَرُهُ، فَقَالَ قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ؟» وَرُوِيَ فِي خَبَرِ حَمَلِ بْنِ مَالِكٍ حِينَ «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِدِيَةِ الْجَنِينِ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ: كَيْفَ تَدِي مَنْ لَا أَكَلَ، وَلَا شَرِبَ، وَلَا صَاحَ، فَاسْتَهَلَّ. فَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ فَقَالَ النَّبِيُّ: أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ وَقَضَى فِيهِ بِالْغُرَّةِ» ، فَكَانَ هَؤُلَاءِ مُجْتَهِدِينَ، وَلَمْ يَكُونُوا مَعْذُورِينَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الِاجْتِهَادِ.
قِيلَ لَهُ: نَحْنُ لَا نُجِيزُ الِاجْتِهَادَ مَعَ نَصِّ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَلَا مَعَ دَلِيلٍ قَائِمٍ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ. فَأَمَّا الْأَوَّلُونَ: فَإِنَّهُمْ أَشَارُوا عَلَى الْمَرِيضِ بِالْغُسْلِ مَعَ خَوْفِ التَّلَفِ، وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعًا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ.
أَلَا تَرَى: أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فَرَضِيَ النَّبِيُّ ﷺ فِعْلَهُ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْكَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ، وَقَالَ : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْآيِ.
стр. 996
وَأَبَاحَ لِلْمَرِيضِ التَّيَمُّمَ، لِخَوْفِ الضَّرَرِ الَّذِي يَلْحَقُهُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يَسُوغُ الِاجْتِهَادُ مَعَهُ، فَلِذَلِكَ أَنْكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ . وَأَمَّا حَدِيثُ حَمَلٍ: فَإِنَّ الْقَائِلَ فِيهِ اعْتَرَضَ عَلَى النَّصِّ بَعْدَ سَمَاعِهِ النَّبِيَّ ﷺ يُوجِبُ الْغُرَّةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَكَانَ قَوْلُهُ مُنْكَرًا، مَرْدُودًا. فَإِنْ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْ اتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ، وَتَسْوِيغِهِمْ لَهُ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ، وَتَرْكِهِمْ النَّكِيرَ مِنْ بَعْضٍ عَلَى بَعْضٍ فِيهِ.
فَإِنَّ الصَّحَابَةَ قَدْ ظَهَرَ مِنْهَا النَّكِيرُ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الِاجْتِهَادِ، وَخَرَجُوا فِيهِ إلَى التَّلَاعُنِ، وَإِلَى اسْتِعْظَامِ الِاجْتِهَادِ فِي مَسَائِلِ الْفُتْيَا، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ﵁، (أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، إذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِرَأْيِي) وَقَالَ عُمَرُ (أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْجَدِّ أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ) ، وَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: (مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَقَحَّمَ جَرَاثِيمَ جَهَنَّمَ فَلْيَقُلْ فِي الْجَدِّ) وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ (مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى، نَزَلَتْ بَعْدَ الطُّولَى) يَعْنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ
стр. 997
حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (مَنْ شَاءَ بَاهَلْته أَنَّ الْجَدَّ أَبٌ) وَقَالَ: (أَلَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدٌ، يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ بِمَنْزِلَةِ الِابْنِ، وَلَا يَجْعَلُ الْجَدَّ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ؟) .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا بَاعَتْ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ خَادِمًا بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ اشْتَرَتْهُ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ. فَقَالَتْ: (بِئْسَمَا اشْتَرَيْتِ وَبِئْسَمَا اشْتَرَيْتِ أَخْبِرِي) زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِهِ (إنْ لَمْ يَتُبْ) وَهَذَا غَايَتُهُ النَّكِيرُ وَالْوَعِيدُ. وَقَالَ عَلِيٌّ: (لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالْقِيَاسِ لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِ، لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ ظَاهِرَ الْخُفِّ) . وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: (إيَّاكُمْ وَأَصْحَابَ الرَّأْيِ، فَإِنَّهُمْ أَعْيَتْهُمْ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا فَقَالُوا بِالرَّأْيِ) وَرَوَى مَسْرُوقٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ (قُرَّاؤُكُمْ وَصُلَحَاؤُكُمْ يَذْهَبُونَ، وَيَتَّخِذُ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ) وَعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ: (لَا أَقِيسُ شَيْئًا
стр. 998
بِشَيْءٍ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَزِلَّ قَدَمِي)
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: أَوَّلُ (مَنْ قَاسَ) إبْلِيسُ، وَإِنَّمَا عُبِدَتْ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِالْمَقَايِيسِ وَقَالَ أَشْعَثُ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ لَا يَكَادُ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا بِرَأْيِهِ وَسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ لِلسَّائِلِ: (لَعَلَّك مِنْ الْقَائِسِينَ) وَتَذَاكَرُوا الْقِيَاسَ يَوْمًا بَيْنَ يَدَيْ الشَّعْبِيِّ فَقَالَ: إنْ أَخَذْتُمْ بِهِ أَحْلَلْتُمْ الْحَرَامَ وَحَرَّمْتُمْ الْحَلَالَ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى كَانَ الشَّعْبِيُّ لَا يَقِيسُ وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَانَ لَا يُفْتِي بِرَأْيِهِ.
الْجَوَابُ: قَدْ ثَبَتَ عَنْ السَّلَفِ، الْقَوْلُ بِاجْتِهَادِ الرَّأْيِ، وَاسْتِعْمَالِ الْمَقَايِيسِ، فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ بِالْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَالْآثَارِ الْمَشْهُورَةِ، الَّتِي يَعْجِزُ الْكِتَابُ عَنْ ذِكْرِهَا، وَلَا يُمْكِنُ أَحَدًا سَمِعَهَا الشَّكُّ فِيهَا. - فَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مِمَّا ذَكَرْت، فَإِنَّهُ مَشْهُورٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ قَالَ فِي الْكَلَالَةِ: أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِنْ يَكُنْ صَوَابًا فَمِنْ اللَّهِ، وَإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي، وَثَبَتَ عَنْهُ الْقَوْلُ بِالِاجْتِهَادِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ، فَإِنْ صَحَّ عَنْهُ مَا رَوَيْت مِنْ قَوْلِهِ: أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، إذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ بِرَأْيِي، فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ بِعَيْنِهِ، إذَا قُلْت فِي كِتَابِ اللَّهِ بِغَيْرِ مَا أَرَادَ اللَّهُ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ مَنْعُ الِاجْتِهَادِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ أَوْ دَلِيلِهِ، وَلَسْنَا نُجِيزُ الِاجْتِهَادَ فِي مِثْلِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ: أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْجَدِّ أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ، وَقَوْلُ عَلِيٍّ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَقَحَّمَ جَرَاثِيمَ جَهَنَّمَ فَلْيَقُلْ فِي الْجَدِّ، فَإِنَّمَا مُرَادُهُمَا: أَنَّ الْقَوْلَ فِي الْجَدِّ لَطِيفُ الْمَعْنَى، غَامِضُ الْمَسْلَكِ، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْقَوْلُ فِيهِ، إلَّا لِمَنْ كَانَ بَارِعًا مُتَقَدِّمًا فِي النَّظَرِ، عَالِمًا بِوُجُوهِ الْمَقَايِيسِ وَالِاسْتِدْلَالِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا قَدْ قَالَا فِي الْجَدِّ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُمَا لَمْ يُرِيدَا بِذَلِكَ مَنْعَ أَنْفُسِهِمَا وَأَمْثَالِهِمَا مِنْ
стр. 999
الْقَوْلِ فِي الْجَدِّ بِالِاجْتِهَادِ. وَإِنَّمَا أَرَادَا بِذَلِكَ، مَنْ تَقْصُرُ مَنْزِلَتُهُ عَنْ الْقَوْلِ فِيهِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ فِي شَيْءٍ ذَكَرَهُ لَهُ، أَنَّهُ أَفْتَى بِهِ، فَقَالَ لَهُ: لَوْ قُلْتَ غَيْرَ هَذَا لَأَوْجَعْتُك. وَأَمَّا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: مَنْ شَاءَ بَاهَلْته أَنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ الْقُصْرَى نَزَلَتْ بَعْدَ الطُّولَى، فَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمُبَاهَلَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ خَالَفَهُ فِي تَارِيخِ السُّورَتَيْنِ، وَالصَّحَابَةُ لَمْ تُخَالِفْهُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا خَالَفَهُ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي حُكْمِهِمَا، فَقَالَا بِاسْتِعْمَالِ الْآيَتَيْنِ، وَجَعَلَا عِدَّةَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا - إذَا كَانَتْ حَامِلًا - أَبْعَدَ الْأَجَلَيْنِ، وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِ: أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فَلَمْ تَكُنْ الْمُبَاهَلَةُ الْمَذْكُورَةُ هَهُنَا فِي تَأْوِيلِ الْآيَتَيْنِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا فِي تَارِيخِهِمَا، وَلَمْ يُخَالِفْهُ أَحَدٌ فِي تَارِيخِهِمَا، إلَّا أَنَّهُ دَعَا مَنْ خَالَفَهُ إلَى اعْتِبَارِ آخِرِهِمَا نُزُولًا، فِيمَا وَرَدَتْ فِيهِ دُونَ غَيْرِهَا، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] .
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ شَاءَ بَاهَلْته أَنَّ الْجَدَّ أَبٌ. فَإِنَّهُ مَوْضِعٌ يُوجِبُ الْمُبَاهَلَةَ لِمَنْ أَنْكَرَ مَا قَالَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ سَمَّى الْجَدَّ أَبًا بِقَوْلِهِ ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَا آدَمَ﴾ [البقرة: ٣٣] وَلَمْ يُوجِبْ الْمُبَاهَلَةَ لِمَنْ خَالَفَهُ فِي الْحُكْمِ، إنْ أَوْجَبَهَا لِمَنْ خَالَفَهُ فِي التَّسْمِيَةِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَلَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدٌ فَإِنَّمَا نَبَّهَهُ بِهِ عَلَى وُضُوحِ الدَّلَالَةِ فِي إلْحَاقِ الْجَدِّ بِحُكْمِ الْأَبِ، وَهُوَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ ابْنِ الِابْنِ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ لِإِنْكَارٍ وَإِنَّمَا هُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَإِنَّمَا قَالَتْهُ عِنْدَنَا تَوْقِيفًا لَا اجْتِهَادًا، لِأَنَّ مَا
стр. 1000
كَانَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادَ لَا يَلْحَقُ فَاعِلَهُ فِيهِ الْوَعِيدُ. وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ زَيْدًا أَقَامَ بَعْدَ قَوْلِهَا عَلَى ذَلِكَ الْبَيْعِ. وَعَلَى أَنَّ إنْكَارَ عَائِشَةَ عَلَى زَيْدٍ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ لِمَا عَرَفَتْ مِنْ طَرِيقِ التَّوْقِيفِ أَوْ الِاجْتِهَادِ، فَإِنْ كَانَتْ قَالَتْهُ تَوْقِيفًا فَهُوَ مَا قُلْنَا، وَلَا مَعْنَى لِذِكْرِهِ هَهُنَا. وَإِنْ قَالَتْهُ اجْتِهَادًا، فَقَدْ اسْتَعْمَلَتْ الِاجْتِهَادَ فِي إبْطَالِ ذَلِكَ الْبَيْعِ، وَإِظْهَارِ النَّكِيرِ فِيهِ عَلَى زَيْدٍ، فَأَنْتَ مِنْ حَيْثُ أَرَدْت أَنْ تُثْبِتَ عَنْهَا نَفْيَ الِاجْتِهَادِ. فَقَدْ أَثْبَتَّ قَوْلَهَا بِالِاجْتِهَادِ، ثُمَّ يَصِيرُ حِينَئِذٍ الْكَلَامُ فِيهِ بَيْنَ مَنْ يَقُولُ: إنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ، أَوْ فِي جَمِيعِ أَقَاوِيلِ الْمُخْتَلِفِينَ، وَهَذَا الْبَابُ لَا مَدْخَلَ لِمُبْطِلِي الِاجْتِهَادِ فِيهِ. وَأَمَّا قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁ لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالْقِيَاسِ، لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِ، فَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ لَمْ تَثْبُتْ مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا طَرِيقُهَا التَّوْقِيفُ. وَغَيْرُ جَائِزٍ اسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ فِي رَدِّ التَّوْقِيفِ، فَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ، لِأَنَّهُ يُلَاقِي الْأَرْضَ بِمَا عَلَيْهَا (مِنْ) طِينٍ، وَتُرَابٍ، وَقَذَرٍ (وَلَا يُلَاقِيهَا، ظَاهِرُهُ) إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلْ الْقِيَاسَ، لِأَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ ظَاهِرَ الْخُفِّ دُونَ بَاطِنِهِ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُرَادُهُ نَفْيَ الْقِيَاسِ مَعَ النَّصِّ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إيَّاكُمْ وَأَصْحَابَ الرَّأْيِ، فَإِنَّهُمْ أَعْيَتْهُمْ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا، فَقَالُوا بِالرَّأْيِ. فَإِنَّهُ لَا يُرْوَى عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ، وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْأَخْبَارِ الَّتِي فِيهَا ذَمُّ الْقِيَاسِ وَالرَّأْيِ يَنْصَرِفُ الْقَوْلُ فِيهَا إلَى وُجُوهٍ.
أَحَدُهَا: أَنَّ قَوْمًا يُقَدِّمُونَ الْقِيَاسَ عَلَى أَخْبَارِ الْآحَادِ. وَقَوْمٌ آخَرُونَ يَقُولُونَ: لِلْفُقَهَاءِ أَنْ يَقُولُوا بِآرَائِهِمْ، وَبِمَا يَسْنَحُ فِي أَوْهَامِهِمْ، وَيَخْطِرُ بِبَالِهِمْ فِي الْبَابِ الَّذِي فِيهِ الْحَادِثَةُ، مِنْ غَيْرِ احْتِذَاءٍ مِنْهُمْ عَلَى أَصْلٍ، وَلَا رَدٍّ عَلَى نَظِيرٍ،
стр. 1001
وَقَوْمٌ يَجْتَهِدُونَ قَبْلَ حِفْظِ الْأُصُولِ وَإِتْقَانِهَا. فَانْصَرَفَ ذَمُّ مَنْ ذَمَّ الرَّأْيَ إلَى أَحَدِ هَذِهِ الطَّوَائِفِ، لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ الْقَوْلُ بِالرَّأْيِ عِنْدَ عَدَمِ النُّصُوصِ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ عُمَرَ ﵁ إنَّمَا أَرَادَ مَنْ قَالَ بِالرَّأْيِ قَبْلَ حِفْظِ الْأُصُولِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، قَوْلُهُ: إيَّاكُمْ وَأَصْحَابَ الرَّأْيِ، فَإِنَّهُمْ أَعْيَتْهُمْ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَحْفَظُوهَا، فَقَالُوا بِالرَّأْيِ. فَخَصَّ بِالذَّمِّ مَنْ تَرَكَ أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْفَظَهَا، وَأَقْدَمَ عَلَى الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ قَبْلَ الْعِلْمِ بِهَا، وَفَاعِلُ ذَلِكَ مَذْمُومٌ عِنْدَنَا، غَيْرُ مُسَوَّغٍ لَهُ الِاجْتِهَادُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ: وَيَتَّخِذُ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِرَأْيِهِمْ، هُوَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، لِأَنَّهُ ذَمَّهُمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ مَعَ الْجَهْلِ بِالْأُصُولِ الْمَنْصُوصَةِ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَسْرُوقٍ: أَنَّهُ قَالَ: لَا أَقِيسُ (شَيْئًا) بِشَيْءٍ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَزِلَّ قَدَمِي، فَإِنَّ مَسْرُوقًا قَدْ كَانَ مِمَّنْ يَقُولُ بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ، مَشْهُورٌ ذَلِكَ عَنْهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فِي الْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبِ: يُجْعَلُ مَا فَضَلَ عَنْ الثُّلُثَيْنِ لِلذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، فَخَرَجَ خَرْجَةً إلَى الْمَدِينَةِ، فَجَاءَ وَهُوَ يَرَى أَنْ يُشَرِّكَ بَيْنَ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثَيْنِ. فَقَالَ لَهُ عَلْقَمَةُ: (مَا رَدَّكَ عَنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ؟ أَلَقِيتَ أَحَدًا هُوَ أَوْثَقُ فِي نَفْسِك مِنْهُ؟ قَالَ: لَا. وَلَكِنْ لَقِيتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَوَجَدْتُهُ مِنْ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ)
стр. 1002
وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرَجِّحْ قَوْلَ زَيْدٍ فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ إلَيْهِ إلَّا بِاجْتِهَادٍ وَرَأْيٍ، أَوْجَبَا ذَلِكَ عِنْدَهُ. وَعَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ: (لَا) أَقِيسُ شَيْئًا بِشَيْءٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْقَوْلَ بِالْقِيَاسِ جَائِزًا، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا أُفْتِي، لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ تَزِلَّ قَدَمِي، لَمَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْفُتْيَا جَائِزَةً، وَإِنَّمَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى التَّوَقِّي، لِمَا قَدْ كَفَاهُ غَيْرُهُ. كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى: (أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ يُسْتَفْتَى، إلَّا وَدَّ أَنَّ صَاحِبَهُ كَفَاهُ) . مُحْتَمَلٌ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَقِيسُ قَبْلَ حُدُوثِ الْحَادِثَةِ، كَمَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ: (أَكَانَ هَذَا؟ فَقَالَ السَّائِلُ: لَا. فَقَالَ: أَجِمْنَا حَتَّى يَكُونَ) . وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ: أَوَّلُ مَنْ قَاسَ إبْلِيسُ، وَأَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ إنَّمَا عُبِدَا بِالْمَقَايِيسِ، فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْمَقَايِيسَ الْفَاسِدَةَ، الَّتِي لَمْ يَقَعْ بِنَاؤُهَا عَلَى أُصُولٍ صَحِيحَةٍ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْمَقَايِيسَ الصَّحِيحَةَ. وَالِاسْتِدْلَالَ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَعَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ جَائِزًا، وَكَيْفَ يَجُوزُ عَلَى مِثْلِهِ أَنْ يَقُولَهُ وَهُوَ يَسْمَعُ اللَّهَ تَعَالَى، وَهُوَ يَحْكِي عَنْ إبْرَاهِيمَ، الِاسْتِدْلَالَ عَلَى حَدَثِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَأَنَّهُمَا كَانَا كَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ لِمَا فِيهِمَا مِنْ آثَارِ الصَّنْعَةِ، وَالتَّغْيِيرِ بِالْحَرَكَةِ وَالزَّوَالِ، فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ﴾ [الأنعام: ٧٦] إلَى آخِرِ
стр. 1003
الْقِصَّةِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] فَعَلِمْنَا أَنَّ مُرَادَهُ كَانَ الْمَقَايِيسَ الَّتِي (لَا) يَقَعُ بِنَاؤُهَا عَلَى أُصُولٍ صَحِيحَةٍ.
وَأَمَّا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ: إنْ أَخَذْتُمْ بِالْمَقَايِيسِ، أَحْلَلْتُمْ الْحَرَامَ، وَحَرَّمْتُمْ الْحَلَالَ، وَمَا رُوِيَ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَقِيسُ، فَإِنَّ هَذَا إنَّمَا يَدُلُّ مِنْ قَوْلِهِ، عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْقِيَاسَ جَائِزًا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَسْنَا نُجِيزُ الْقِيَاسَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَإِنَّمَا نُجِيزُهُ، فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ قِيَاسًا يُحَرِّمُ مَا أَبَاحَهُ النَّصُّ، أَوْ يُبِيحُ مَا حَرَّمَهُ النَّصُّ، (وَذَلِكَ) لِأَنَّ مَذْهَبَ الشَّعْبِيِّ فِي الِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَخْفَى، وَجُلُّ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ إنَّمَا أَخَذُوا طَرِيقَةَ الْقِيَاسِ عَنْهُ، وَعَنْ أَمْثَالِهِ، وَمَا عَلِمْنَا أَنَّ الشَّعْبِيَّ كَانَ يَرَى الْقِيَاسَ إلَّا كَعِلْمِنَا بِأَنَّ حَمَّادًا، وَالْحَكَمَ، وَبَعْدَهُمَا ابْنُ شُبْرُمَةَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى كَانُوا يَرَوْنَ الْقِيَاسَ جَائِزًا فِي الْحَوَادِثِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: (الْقَضَاءُ عَلَى ثَلَاثَةٍ: آيَةٍ مُحْكَمَةٍ، أَوْ سُنَّةٍ مُتَّبَعَةٍ أَوْ رَأْيِ مُجْتَهِدٍ.) وَقَالَ الْفُرَاتُ بْنُ أَحْنَفَ: (قَضَى الشَّعْبِيُّ عَلَى رَجُلٍ، فَقِيلَ لَهُ: اقْضِ بِمَا أَرَاك اللَّهُ، فَقَالَ إنَّمَا أَقْضِي بِرَأْيِي) .
стр. 1004
وَذَكَرَ أَبُو حُصَيْنٍ: أَنَّ الشَّعْبِيَّ قَضَى بِقَضِيَّةٍ ثُمَّ قَالَ: مَا أَدْرِي أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ وَلَكِنْ لَمْ آلُ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقِيسُ، فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ (عَنْهُ) أَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ آثَارٍ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا أَصْلَ الْحَدِيثِ. وَإِنَّمَا عَبَّرَ عَنْهُ الرَّاوِي بِالْمَعْنَى، كَانَ عِنْدَهُ عَلَى وَجْهِ التَّأْوِيلِ. وَقَدْ كَانَ حِفْظُ الْآثَارِ أَغْلَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْقِيَاسِ. فَمَعْنَى قَوْلِهِ: إنَّهُ كَانَ لَا يَقِيسُ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَفَاذُهُ فِي الْقِيَاسِ، كَنَفَاذِ غَيْرِهِ. كَمَا رُوِيَ أَنَّ الشَّعْبِيَّ، وَإِبْرَاهِيمَ، وَأَبَا الضُّحَى، كَانُوا يَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسْجِدِ يَتَذَاكَرُونَ، فَإِذَا جَاءَهُمْ شَيْءٌ لَيْسَ عِنْدَهُمْ فِيهِ رِوَايَةٌ رَمَوْا إبْرَاهِيمَ بِأَبْصَارِهِمْ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ فِي الْقِيَاسِ أَنْفَذَ مِنْهُ، وَكَانَ الشَّعْبِيُّ أَحْفَظَ لِلْآثَارِ، فَلِذَلِكَ كَانَ لَا يَقِيسُ، وَهُوَ يَعْنِي أَنَّ حِفْظَ الْآثَارِ، كَانَ أَغْلَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْقِيَاسِ، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ صَاحِبُ آثَارٍ، وَ (فُلَانٌ) صَاحِبُ قِيَاسٍ، وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا يَقُولَانِ بِالْآثَارِ وَالْقِيَاسِ. فَنُسِبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى أَغْلَبِ الْأَمْرَيْنِ عَلَيْهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا أَنْكَرْتُ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ فِي الْحَوَادِثِ، وَأَقَاوِيلُهُمْ فِيهَا، إنَّمَا كَانَتْ مِنْ طَرِيقِ التَّوَسُّطِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَالصُّلْحِ، أَوْ عَلَى جِهَةِ نَدْرِ الْمَسَائِلِ. لَا (عَلَى) جِهَةِ قَطْعِ الْحُكْمِ وَإِبْرَامِ الْقَضَاءِ.
стр. 1005
قِيلَ لَهُ: الَّذِينَ نَقَلُوا إلَيْنَا أَقَاوِيلَهُمْ، كَانُوا عَالِمِينَ بِفَصْلِ مَا بَيْنَ التَّوَسُّطِ وَالصُّلْحِ، وَبَيْنَ فَصْلِ الْقَضَاءِ، وَإِبْرَامِ الْحُكْمِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فُقَهَاءَ، عَارِفِينَ بِمَعَانِي الْكَلَامِ، وَوُجُوهِهِ (وَقَدْ) نَقَلُوا إلَيْنَا قَضَايَاهُمْ، وَقَطْعَهُمْ لِلْحُكْمِ، بِالْأَقَاوِيلِ الَّتِي ذَهَبُوا إلَيْهَا. فَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: (إنَّ ذَلِكَ كَانَ) عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ وَالتَّوَسُّطِ بَيْنَ الْخُصُومِ، لَجَازَ مِثْلُهُ فِي نَقْلٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ . فَلَمَّا امْتَنَعَ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَضَايَاهُ، لِأَنَّ النَّاقِلِينَ لَهَا قَدْ بَيَّنُوا أَنَّهَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ، وَإِبْرَامِ الْحُكْمِ، وَهُمْ قَوْمٌ لَا يَجُوزُ عَلَى مِثْلِهِمْ، فِي مِثْلِ حَالِهِمْ الْغَلَطُ، وَاشْتِبَاهُ أَمْرِ الْقَضَاءِ، وَالصُّلْحِ عَلَيْهِمْ، حَتَّى لَا يَفْصِلُوا بَيْنَهُمَا، عَلِمْنَا سُقُوطَ قَوْلِ مَنْ تَأَوَّلَ مِثْلَهُ مِنْ أَقَاوِيلِ السَّلَفِ فِي الْحَوَادِثِ. وَمَا عِلْمُ النَّاقِلِينَ بِأَنَّ تِلْكَ الْأَحْكَامَ لَمْ تَكُنْ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ وَإِلْزَامِ الْحُكْمِ إلَّا كَعِلْمِنَا بِأَقَاوِيلِ فُقَهَائِنَا، وَجَوَابَاتِ مَسَائِلِهِمْ، أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُمْ عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ وَالتَّوَسُّطِ بَيْنَ الْخُصُومِ، وَأَنَّهُمْ أَجَابُوا فِيهَا عَلَى أَنَّهَا أَجْوِبَةُ تِلْكَ الْمَسَائِلِ، وَأَحْكَامُهَا، دُونَ غَيْرِهَا.
وَأَيْضًا فَإِنَّ فِيمَا نَقَلُوا إلَيْنَا مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ وَقِيَاسِهِمْ، عِبَادَاتٍ لَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَلَا مَدْخَلَ لِلصُّلْحِ وَالتَّوَسُّطِ فِيهَا، نَحْوُ: مَسَائِلِ الصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ، مِمَّا لَا يَجُوزُ الِاصْطِلَاحُ فِيهِ عَلَى خِلَافِ الْحُكْمِ الْوَاجِبِ. أَجَابَ فِيهَا كُلٌّ مِنْهُمْ بِجَوَابِهِ فِيهَا، عَلَى وَجْهِ إبْرَامِ الْحُكْمِ، وَإِلْزَامِ الْقَضِيَّةِ، فَدَلَّ عَلَى سُقُوطِ هَذَا السُّؤَالِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَدْ ذَكَرْنَا صَدْرًا مِمَّا احْتَجَّ بِهِ لِإِثْبَاتِ الْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ مِنْ دَلَائِلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ.
وَنَذْكُرُ الْآنَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ جُمْلَةِ حُجَجِ الْعُقُولِ وَالنَّظَرِ الصَّحِيحِ. فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنَّ الْعِبَادَاتِ (قَدْ) تَرِدُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَنْحَاءٍ ثَلَاثَةٍ:
стр. 1006
وَاجِبٌ فِي الْعَقْلِ: فَيَرِدُ الْعَقْلُ بِإِيجَابِهِ، تَأْكِيدًا لِمَا كَانَ فِي الْعَقْلِ مِنْ حَالِهِ، وَذَلِكَ نَحْوُ التَّوْحِيدِ، وَصِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وَشُكْرِ الْمُنْعِمِ، وَالْإِنْصَافِ، وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ.
وَالثَّانِي: مَحْظُورٌ فِي الْعَقْلِ: فَيَرِدُ الشَّرْعُ بِحَظْرِهِ، تَأْكِيدًا لِمَا كَانَ فِي الْعَقْلِ مِنْ حُكْمِهِ، قَبْلَ وُرُودِهِ، نَحْوُ: الْكُفْرِ، وَالظُّلْمِ، وَالْكَذِبِ، وَسَائِرِ الْمُقَبَّحَاتِ فِي الْعُقُولِ، وَهَذَانِ الْبَابَانِ لَا يَجُوزُ وُرُودُ الشَّرْعِ فِيهِمَا خِلَافَ مَا فِي الْعَقْلِ. وَلَا يَجُوزُ فِيهِمَا النَّسْخُ وَالتَّبْدِيلُ. وَقِسْمٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ وَاسِطَةٌ بَيْنَهُمَا، لَيْسَ فِي الْعَقْلِ حَظْرُهُ وَلَا إيجَابُهُ، إلَّا عَلَى حَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ حَالُهُ: مِنْ حُسْنٍ، أَوْ قُبْحٍ، وَفِي الْعَقْلِ تَجْوِيزُ كَوْنِهِ مِنْ حَيِّزِ الْوَاجِبِ، أَوْ الْمَحْظُورِ، أَوْ الْمُبَاحِ. فَإِذَا حَظَرَهُ السَّمْعُ عَلِمْنَا قُبْحَهُ، وَإِنْ أَوْجَبَهُ أَوْ أَبَاحَهُ، عَلِمْنَا حُسْنَهُ، فَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ وَوَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَبَاحَ لَنَا التَّصَرُّفَ فِي الْمُبَاحَاتِ بِحَسَبِ رَأْيِنَا وَاجْتِهَادِنَا فِي اجْتِلَابِ الْمَنَافِعِ لِأَنْفُسِنَا بِهَا، وَدَفْعِ الْمَضَارِّ عَنْهَا، نَحْوُ التَّصَرُّفِ فِي التِّجَارَاتِ، وَالرِّحْلَةِ لِلْأَسْفَارِ، طَلَبًا لِلْمَنَافِعِ فِي زِرَاعَةِ الْأَرَضِينَ، وَأَكْلِ الْأَطْعِمَةِ، وَالتَّعَالُجِ، وَالْأَدْوِيَةِ، عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِنَا.
وَالْغَالِبُ فِي ظُنُونِنَا: أَنَّا نَجْتَلِبُ بِهَا نَفْعًا، وَلَوْ غَلَبَ فِي ظُنُونِنَا أَنَّا لَا نَجْتَلِبُ بِهَا نَفْعًا، أَوْ (نَدْفَعُ) بِهَا ضَرَرًا، لَكَانَ تَصَرُّفُنَا فِيهَا قَبِيحًا، وَعَبَثًا، وَسَفَهًا، ثُمَّ كَانَتْ إبَاحَتُهُ ذَلِكَ لَنَا عَلَى (هَذِهِ الْوُجُوهِ) مَصْلَحَةً، وَدَلَالَةً عَلَى حُسْنِهِ، مَعَ كَوْنِ هَذِهِ الضُّرُوبِ مِنْ التَّصَرُّفِ مَوْكُولَةً إلَى اجْتِهَادِنَا، وَمَقْصُورَةً عَلَى مَبْلَغِ آرَائِنَا، وَغَالِبِ ظُنُونِنَا. وَقَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ لَنَا، وَيَكْفِيَنَا الْمُؤْنَةَ فِيهِ، كَمَا كَفَانَا أَكْثَرَ أُمُورِنَا الَّتِي حَاجَتُنَا إلَيْهَا ضَرُورَةٌ. وَلَكِنَّهُ وَكَلَ ذَلِكَ إلَى آرَائِنَا وَاجْتِهَادِنَا، لِمَا عَلِمَ لَنَا فِيهِ مِنْ
الْمَصْلَحَةِ
стр. 1007
وَالتَّشَبُّهِ عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَلِيُشْعِرَنَا أَنَّ ثَوَابَهُ لَا يُنَالُ إلَّا بِالسَّعْيِ وَالتَّزْهِيدِ فِي الدُّنْيَا، وَالتَّرْغِيبِ فِي الْجَنَّةِ، الَّتِي لَا تَعَبَ فِيهَا وَلَا نَصَبَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْمَصَالِحِ الَّتِي لَا يُحِيطُ عِلْمُنَا بِهَا، وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْمُبَاحَاتِ الَّتِي قَدْ عَلِمْنَا تَعَلُّقَهَا بِالْمَصَالِحِ كَتَعَلُّقِ الْمَحْظُورَاتِ، وَالْوَاجِبَاتِ، مِمَّا يَجُوزُ فِيهِ النَّسْخُ، وَالتَّبْدِيلُ، ثُمَّ كَانَ ذَلِكَ مَوْكُولًا إلَى اجْتِهَادِنَا، وَغَالِبِ ظُنُونِنَا، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، إذْ كَانَ أَكْبَرُ الْمَصَالِحِ، مَا كَانَ فِي أَمْرِ الدِّينِ، فَقَدْ ثَبَتَ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي سَائِرِ حَوَادِثِ أَمْرِ الدِّينِ، مِمَّا لَمْ يَنُصَّ لَنَا فِيهِ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ، وَلَمْ تَتَّفِقْ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ.
وَأَيْضًا: فَقَدْ وَافَقَنَا خُصُومُنَا مِنْ نُفَاةِ الْقِيَاسِ عَلَى وُجُوبِ اسْتِعْمَالِ الرَّأْيِ، وَالِاجْتِهَادِ، وَالْعَمَلِ بِمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ غَالِبُ الظَّنِّ، فِي تَدْبِيرِ الْحُرُوبِ وَمَكَائِدِ الْعَدُوِّ، وَمَا يُقَاتِلُونَ بِهِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ فِي غَالِبِ ظُنُونِنَا، أَنَّهُ إلَى قُوَّةِ أَمْرِ الْإِسْلَامِ وَعُلُوِّ أَمْرِهِ، وَوَهَنِ الْكُفْرِ، وَسُقُوطِهِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي أُمُورِ الدِّينِ. فَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي بَعْضِهِ، كَانَ الْجَمِيعُ بِمَثَابَتِهِ. كَمَا أَنَّهُ لَمَّا جَازَ مَا وَصَفْنَا فِي بَعْضِ أُمُورِ الْحَرْبِ، وَمَكَائِدِ الْعَدُوِّ، كَانَ جَمِيعُهُ بِمَنْزِلَةِ بَعْضِهِ.
وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الِاجْتِهَادِ فِيمَا ذَكَرْنَا، اتِّفَاقُ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ قَصَدَ رَجُلًا بِسَيْفٍ مَشْهُورٍ. أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمَقْصُودِ بِذَلِكَ، اسْتِعْمَالُ الِاجْتِهَادِ فِي أَمْرِهِ. فَإِنْ غَلَبَ
стр. 1008
فِي) ظَنِّهِ أَنَّهُ مَازِحٌ لَاعِبٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ قَتْلُهُ. وَإِنْ غَلَبَ فِي ظَنِّهِ أَنَّهُ قَاصِدٌ قَتْلَهُ، كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ. فَكَانَ حُكْمُ جَوَازِ الْإِقْدَامِ عَلَى قَتْلِهِ مَنُوطًا بِغَلَبَةِ الظَّنِّ، وَإِذَا جَازَ الْحُكْمُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ فِي مِثْلِهِ فَمَا دُونَهُ أَحْرَى بِجَوَازِ ذَلِكَ فِيهِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا: أَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ لَا تَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ مُسْتَدْرَكَةً مِنْ طَرِيقِ النَّصِّ وَالِاتِّفَاقِ، أَوْ مِنْ هَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ.
وَمِنْ جِهَةِ مَعَانٍ مُودَعَةٍ فِيهَا يَجِبُ اعْتِبَارُ الْأَحْكَامِ بِهَا، فَلَمَّا وَجَدْنَا الْأُمَّةَ مُتَّفِقَةً عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَرِدُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَشْخَاصٍ بِأَعْيَانِهَا، فِي أُمُورٍ مَنْصُوصٍ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْحُكْمُ جَارِيًا فِي أَغْيَارِهَا (لِمُشَارَكَتِهَا) لَهَا فِي مَعَانِيهَا. نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] عُلِمَ بِهِ النَّهْيُ عَنْ السَّبِّ وَالضَّرْبِ. وَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩] وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] وَنَحْوُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥] فَلَمْ يَكُنْ الْحُكْمُ الْمَذْكُورُ (بِهِ) مَقْصُورًا بِهِ عَلَى الْمَنْصُوصِ
стр. 1009
عَلَيْهِ، بَلْ كَانَ حُكْمًا فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، مِمَّا يُشَارِكُهُ فِي مَعْنَاهُ. عَلِمْنَا بِذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَجِبُ بِالنَّصِّ وَالِاتِّفَاقِ، وَقَدْ يَجِبُ بِالْمَعْنَى، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا. وَمِثْلُهُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حُكْمِهِ فِي أَشْخَاصٍ (بِأَعْيَانِهَا) ، وَأُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يُعَلَّقْ الْحُكْمُ فِيهَا بِاسْمِ عُمُومٍ. وَكَانَ الْحُكْمُ جَارِيًا عَلَى مَعَانٍ مُودَعَةٍ فِي النَّصِّ، نَحْوُ: حُكْمُهُ بِالْغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ. وَكَانَ ذَلِكَ حُكْمًا فِي شَخْصٍ بِعَيْنِهِ. (وَحُكْمُهُ فِي الْفَأْرَةِ إذَا مَاتَتْ فِي سَمْنٍ: أَنَّهُ إنْ كَانَ جَامِدًا أُلْقِيَتْ وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا أُرِيقَ) ، وَنَحْوُ رَجْمِهِ مَاعِزًا حِينَ زَنَى وَتَخْيِيرِهِ بَرِيرَةَ حِينَ أُعْتِقَتْ وَلَهَا زَوْجٌ، (وَأَمْرِهِ ابْنَ عُمَرَ أَنْ يُرَاجِعَ امْرَأَتَهُ حِينَ طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ) ، ثُمَّ كَانَ كَحُكْمِ الزَّيْتِ: حُكْمُ السَّمْنِ إذَا مَاتَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ، وَكَانَ الْعُصْفُورُ بِمَنْزِلِهِ الْفَأْرَةِ إذَا مَاتَ فِيهَا، وَكَانَ حُكْمُ غَيْرِ مَاعِزٍ مِنْ الزُّنَاةِ الْمُحْصَنِينَ: حُكْمَ مَاعِزٍ، وَكَانَ حُكْمُ غَيْرِ بَرِيرَةَ، وَغَيْرِ ابْنِ عُمَرَ: حُكْمَ مَا وَرَدَ فِيهِ الْأَثَرُ، وَنُصَّ عَلَيْهِ، لِوُجُودِ الْمَعْنَى فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بِاسْمِهِ، ثَبَتَ بِذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّ مِنْهَا مَا هُوَ مُودَعٌ فِي النَّصِّ يَجِبُ اعْتِبَارُهُ وَإِجْرَاءُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، مِنْ الْمَعَانِي مَا يَكُونُ جَلِيًّا ظَاهِرًا، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ خَفِيًّا غَامِضًا. فَالْجَلِيُّ مِنْهَا: نَحْوُ مَا ذَكَرْنَا، مِمَّا لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى نَظَرٍ وَلَا اسْتِدْلَالٍ. (وَالْخَفِيُّ مِنْهَا يَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ) فَحَيْثُمَا وَجَدْنَا الْمَعْنَى وَجَبَ إجْرَاءُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، إذْ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْحُكْمَ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْنَى، كَمَا يَتَعَلَّقُ بِالِاسْمِ وَبِالْعَيْنِ، كَمَا أَنَّهُ إذَا عُلِّقَ الْحُكْمُ بِالِاسْمِ، وَجَبَ اعْتِبَارُهُ بِهِ، حَيْثُ وُجِدَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إنَّمَا وَجَبَ عِنْدَ وُرُودِ الْحُكْمِ فِي شَخْصٍ بِعَيْنِهِ: الْحُكْمُ بِمِثْلِهِ فِي غَيْرِهِ
стр. 1010
مِنْ الْأَشْخَاصِ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْجَمِيعَ مُخَاطَبُونَ بِالشَّرِيعَةِ، مُتَسَاوُونَ فِيهَا، إلَّا مَنْ خَصَّتْهُ الدَّلَائِلُ بِشَيْءٍ دُونَ سَائِرِهِمْ. وَقَدْ عَقَلْنَا قَبْلَ ذَلِكَ: أَنَّ كُلَّ حُكْمٍ حُكِمَ بِهِ فِي شَخْصٍ، فَهُوَ لَازِمٌ فِي جَمِيعِ الْأَشْخَاصِ. فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ وَجَبَ مَا ذَكَرْت (لَا) مِنْ جِهَةِ اعْتِبَارِ الْمَعْنَى.
قِيلَ لَهُ: لَمْ يَلْزَمْ الْحُكْمُ الْوَاقِعُ فِي شَخْصٍ فِي سَائِرِ الْأَشْخَاصِ مِنْ حَيْثُ ذَكَرْت، (دُونَ اعْتِبَارِ الْمَعْنَى) وَإِجْرَاءِ الْحُكْمِ عَلَى مَنْ شَارَكَهُ فِيهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ حُكْمَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْجَنِينِ، لَيْسَ هُوَ حُكْمًا فِيمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِثْلِ مَعْنَاهُ، وَأَنَّ حُكْمَهُ فِي السَّمْنِ الَّذِي مَاتَتْ فِيهِ الْفَأْرَةُ، لَيْسَ هُوَ فِيمَا لَمْ يُشَارِكْهُ فِي الْمَعْنَى، وَأَنَّ حُكْمَهُ بِرَجْمِ مَاعِزٍ، لَيْسَ هُوَ حُكْمًا فِي سَائِرِ النَّاسِ، مِمَّنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الزِّنَا. وَكَذَلِكَ حُكْمُهُ فِي بَرِيرَةَ بِالتَّخْيِيرِ. وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مِمَّا يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ، إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ فِي غَيْرِهِمْ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، وَاعْتِبَارِهِ بِهِ. فَثَبَتَ بِذَلِكَ وُجُوبُ اعْتِبَارِ الْمَعْنَى فِي إيجَابِ الْأَحْكَامِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا.
فَإِنْ قِيلَ: وَلِمَ وَجَبَ اعْتِبَارُ الْمَعْنَى فِي إيجَابِ الْأَحْكَامِ، مِنْ حَيْثُ وَجَبَ اعْتِبَارُهَا فِيمَا اسْتَشْهَدْتَ بِهِ. وَهُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ؟ قِيلَ لَهُ: لَمَّا ثَبَتَ تَعَلُّقُ الْأَحْكَامِ بِالْمَعَانِي عَلَى الْوُجُوهِ الَّتِي وَصَفْنَا لَزِمَ اعْتِبَارُهَا فِي أَغْيَارِهَا مِمَّا فِيهِ الْمَعْنَى، كَمَا وَافَقْنَا خُصُومَنَا فِي الْعَقْلِيَّاتِ: أَنَّ الْحُكْمَ إذَا تَعَلَّقَ بِالْمَعْنَى، فَحَيْثُمَا وُجِدَ الْمَعْنَى وَجَبَ اعْتِبَارُهُ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ تَعَلُّقُهُ بِالْمَعْنَى عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا، فَمِنْ حَيْثُ وُجِدَ سَاوَاهُ غَيْرُهُ فِي الْمَعْنَى، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ حُكْمَهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ كُلَّ مَنْ أَجَازَ اعْتِبَارَ الْمَعْنَى وَإِجْرَاءَ الْأَحْكَامِ عَلَيْهَا فِي نَوْعٍ مِنْ الْحَوَادِثِ، أَجَازَهُ فِي جَمِيعِهَا، مِمَّا طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادُ.
стр. 1011
فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: إنِّي أُجِيزُ اعْتِبَارَ الْمَعَانِي وَالْقِيَاسَ عَلَيْهَا فِي الطَّلَاقِ دُونَ الْعَتَاقِ، وَفِي الصَّلَاةِ دُونَ الزَّكَاةِ، لَكَانَ قَوْلُهُ سَاقِطًا مَرْذُولًا. كَذَلِكَ مَنْ أَجَازَ اعْتِبَارَ الْمَعَانِي، وَأَجْرَى الْحُكْمَ عَلَيْهَا فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ، وَمَنَعَ فِي بَعْضِهَا، مِمَّا شَارَكَهُ فِي الْمَعْنَى، فَقَوْلُهُ سَاقِطٌ. وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ جِهَةِ حُجَجِ الْعُقُولِ فِي إثْبَاتِ الْقِيَاسِ، فَإِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهِ قَوْمٌ عُقَلَاءُ (قَدْ) أَثْبَتُوا حُجَجَ الْعُقُولِ، وَأَحْكَامَهَا. فَأَمَّا مَنْ أَنْزَلَ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ الْبَهِيمَةِ وَقَالَ: بَلْ عَلَى الْعُقُولِ. وَنَفَى أَنْ تَكُونَ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ دَلَائِلَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ جَدِيرٌ بِالتُّهْمَةِ بِالْإِسْلَامِ، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ دُسُسِ الْمُلْحِدِينَ وَالزَّنَادِقَةِ، فِي الصَّرْفِ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى التَّوْحِيدِ، وَعَلَى أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِثْلُهُ إنَّمَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بِحُجَجِ الْعُقُولِ، بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ، عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي بَابِهِ.
ثُمَّ يَلْزَمُ اعْتِبَارُهُ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَتَكَلَّمَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِعُمُومِ الْآيَاتِ الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا فِي الْأَمْرِ بِالِاعْتِبَارِ وَالِاسْتِدْلَالِ. فَالرَّدُّ إلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى الرَّسُولِ ﷺ ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حُكْمَ الْحَادِثَةِ مَنْصُوصًا فِي الْكِتَابِ، عَلِمْنَا وُجُوبَ الرَّدِّ إلَيْهِمَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، إذْ قَدْ ثَبَتَ اعْتِبَارُ الْمَعَانِي بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِهَا، وَإِنْ حُكِمَ بِهَا فِي أَشْخَاصٍ بِأَعْيَانِهِمْ، وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ مِمَّا يَعْتَرِفُ هُوَ بِلُزُومِهِ وَثُبُوتِ حُجَّتِهِ مِنْ الْعُمُومِ وَظَوَاهِرِ الْأَسْمَاءِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَقَدْ كَانَ أَبُو الْحَسَنِ يَحْتَجُّ لِإِثْبَاتِ الْقِيَاسِ: بِأَنَّهُ مَا مِنْ حَادِثَةٍ، إلَّا وَلِلَّهِ تَعَالَى فِيهَا حُكْمٌ. إمَّا بِحَظْرٍ، أَوْ إبَاحَةٍ، أَوْ إيجَابٍ، فَلَا يَخْلُو حِينَئِذٍ الْحُكْمُ فِيهَا مِنْ أَنْ يَكُونَ مُسْتَدْرَكًا مِنْ طَرِيقِ النَّصِّ، أَوْ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ النَّصِّ، فَيُرَدُّ إلَى النَّصِّ، وَيُبْنَى عَلَيْهِ. فَلَمَّا امْتَنَعَ وُجُودُ النَّصِّ فِي جَمِيعِ الْحَوَادِثِ - لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَنْصُوصًا عَلَى حُكْمِهَا - لَمَا كَانَتْ حَوَادِثَ، وَلَكَانَتْ أُصُولًا، وَلِأَنَّا لَمْ نَجِدْ فِي سَائِرِ الْحَوَادِثِ نُصُوصًا، وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ وُجُودُ النَّصِّ فِيهَا، إذْ كَانَتْ الْحَوَادِثُ لَا غَايَةَ لَهَا (يُحِيطُ عِلْمُنَا) (بِهَا) - ثَبَتَ أَنَّ أَحْكَامَ الْحَوَادِثِ كُلَّهَا لَيْسَتْ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا.
стр. 1012
ثُمَّ لَا يَخْلُو بَعْدَ ذَلِكَ الْقَوْلُ فِيهَا مِنْ أَحَدِ وُجُوهٍ ثَلَاثَةٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَدْرَكًا مِنْ جِهَةِ الظَّنِّ وَالتَّخْمِينِ، (وَمَا) يَسْبِقُ إلَى الْوَهْمِ، مِنْ غَيْرِ رَدٍّ إلَى أَصْلٍ، أَوْ الْوَقْفِ فِيهَا، أَوْ رَدِّهَا إلَى الْأُصُولِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا بِالْمَعَانِي الَّتِي جُعِلَتْ عَلَمًا لِأَحْكَامِهَا، عَلَى مَا قَالَ الْقَائِسُونَ. وَالْقَوْلُ بِالْوَقْفِ وَالتَّخْمِينِ: بَاطِلٌ عِنْدَ الْجَمِيعِ. فَثَبَتَ وُجُوبُ رَدِّهَا إلَى الْأُصُولِ بِالْمَعَانِي الَّتِي تَضَمَّنَتْهَا، وَجُعِلَتْ عَلَمًا لِلْحُكْمِ فِيهَا، فَيُحْكَمُ لَهَا بِحُكْمِهَا، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي نَقُولُهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا أَنْكَرْتُ أَنْ يَكُونَ النَّصُّ عَلَى وَجْهَيْنِ. نَصٍّ جَلِيٍّ، وَنَصٍّ خَفِيٍّ. فَأَمَّا الْجَلِيُّ: فَهُوَ الَّذِي يُعْقَلُ مَعْنَاهُ مِنْ لَفْظِهِ. وَأَمَّا الْخَفِيُّ: فَهُوَ الَّذِي يُدْرَكُ بِالتَّأَمُّلِ وَالتَّدَبُّرِ، وَالْفِكْرِ، وَالنَّظَرِ. فَتَكُونُ أَحْكَامُ الْحَوَادِثِ مَأْخُوذَةً مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَقَدْ اسْتَغْنَيْنَا بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ وَالِاجْتِهَادِ.
قِيلَ لَهُ: أَدَلُّ مَا فِي هَذَا: أَنَّ قَوْلَك بِالنَّصِّ الْخَفِيِّ مُتَنَاقِضٌ فَاسِدٌ. لِأَنَّ النَّصَّ فِي اللُّغَةِ: الْمُبَالَغَةُ فِي إظْهَارِ الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: نَصَصْت الْحَدِيثَ إلَى فُلَانٍ، يَعْنِي أَظْهَرْت أَصْلَهُ وَمَخْرَجَهُ، وَقَالَ الشَّاعِرُ:
أَنُصُّ الْحَدِيثَ إلَى أَهْلِهِ ... فَإِنَّ الْأَمَانَةَ فِي نَصِّهِ
وَيَقُولُونَ: نَصَصَتْ الدَّابَّةُ فِي السَّيْرِ، إذَا بَالَغَتْ فِي إظْهَارِ مَا فِي وُسْعِهَا، وَطَاقَتِهَا مِنْ ذَلِكَ. وَ (مِنْهُ) الْمِنَصَّةُ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْجَالِسَ عَلَيْهَا يَكُونُ ظَاهِرًا لِلْحَاضِرِينَ. فَإِذَا كَانَ النَّصُّ هُوَ الْإِظْهَارَ وَالْإِبَانَةَ، تَنَاقَضَ قَوْلُ الْقَائِلِ: نَصٌّ خَفِيٌّ، لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ: ظَاهِرٌ خَفِيٌّ. وَوَاضِحٌ غَامِضٌ. وَهَذَا مُتَنَاقِضٌ فَاسِدٌ. فَبَانَ بِذَلِكَ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: نَصٌّ خَفِيٌّ. ثُمَّ لَوْ سَلَّمْنَا (لَهُ) اللَّفْظَ، لَمْ يَضُرَّنَا ذَلِكَ، فِيمَا أَرَدْنَا إثْبَاتَهُ، وَلَمْ يَقْدَحْ فِيمَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّهُ
стр. 1013
لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ النَّصُّ الْخَفِيُّ، طَرِيقَ إدْرَاكِهِ اجْتِهَادَ الرَّأْيِ عَلَى مَا قُلْنَا، أَوْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَائِمٌ يُفْضِي (بِالنَّظَرِ) إلَى الْعِلْمِ بِهِ. فَإِنْ كَانَ مُدْرَكًا مِنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ فَهُوَ الَّذِي قُلْنَا. وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَائِمٌ يُفْضِي بِالنَّاظِرِ إلَى (الْعِلْمِ) بِهِ. فَأَيْنَ كَانَتْ الصَّحَابَةُ عَنْهُ حِينَ نَظَرُوا فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ، وَاخْتَلَفُوا فَلَمْ يُعَنِّفْ بَعْضُهُمْ بَعْضًا؟ فَلَمَّا وَجَدْنَاهُمْ مُخْتَلِفِينَ فِيهَا، وَلَمْ يَدْعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إلَى اسْتِدْرَاكِ حُكْمِهَا مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، بَلْ إنَّمَا فَزِعُوا إلَى الْقِيَاسِ وَاجْتِهَادِ الرَّأْيِ، عَلِمْنَا بِهِ بُطْلَانَ قَوْلِكَ.
وَأَيْضًا: فَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَائِمٌ لِلَّهِ تَعَالَى - وَلَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادَ - لَكَانَ سَبِيلُ الْمُخْطِئِ فِيهِ - عِنْدَ الصَّحَابَةِ - سَبِيلَ الْمُخْطِئِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي خَرَجُوا فِيهَا عِنْدَ وُقُوعِ الْخَطَأِ إلَى اللَّعْنِ وَالْبَرَاءَةِ، وَإِلَى التَّحَزُّبِ فِي الْقِتَالِ. فَلَمَّا لَمْ نَجِدْهُمْ فِيهَا كَذَلِكَ، ثَبَتَ بُطْلَانُ قَوْلِك: إنَّ النَّصَّ الْخَفِيَّ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ دَلِيلٌ قَائِمٌ.
فَإِنْ قَالُوا: إنَّ النَّصَّ الْخَفِيَّ، هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] عُقِلَ بِهِ النَّهْيُ عَمَّا فَوْقَهُ. وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: ١١] عُلِمَ أَنَّ الثُّلُثَيْنِ لِلْأَبِ، وَنَظَائِرَ ذَلِكَ.
قِيلَ لَهُ: فَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ الْمَعَانِي مِمَّا لَمْ يَقَعْ فِيهِ (خِلَافٌ بَيِّنٌ، وَلَوْ كَانَ النَّصُّ الْخَفِيُّ الَّذِي ادَّعَيْته لِأَحْكَامِ الْحَوَادِثِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، لَمَا وَقَعَ فِيهَا خِلَافٌ) بَيْنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ، فَقَدْ آلَ الْأَمْرُ بِنَا إلَى الرُّجُوعِ إلَى اجْتِهَادِ الرَّأْيِ، وَصَارَ الْمُدَّعِي النَّصَّ
стр. 1014
الْخَفِيَّ إنَّمَا عَبَّرَ بِهِ عَنْ الِاجْتِهَادِ، وَكَذَلِكَ مَنْ ادَّعَى: أَنَّ أَحْكَامَ الْحَوَادِثِ مُسْتَدْرَكَةٌ مِنْ جِهَةِ الدَّلِيلِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ فِي اللُّغَةِ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا. فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ: خَبِّرْنَا عَنْ اعْتِبَارِك هَذَا الدَّلِيلَ دُونَ غَيْرِهِ. أَقُلْته بِنَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ، أَوْ بِدَلِيلٍ مِثْلِهِ؟ فَإِنْ ادَّعَى فِيهِ نَصًّا، أَوْ إجْمَاعًا، طُولِبَ بِإِيجَادِهِ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ. وَ (إنْ) قَالَ: قُلْته بِدَلِيلٍ مِثْلِهِ. قِيلَ (لَهُ) : فَعَنْهُ سُئِلْتَ، فَمِنْ أَيْنَ أَثْبَتَّهُ؟ وَعَلَى أَنَّهُ يُطَالَبُ بِإِظْهَارِهِ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى إثْبَاتِهِ، لِأَنَّ مَا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا، لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الصَّحَابَةُ.
فَإِنْ قَالَ: قُلْتُهُ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ. قِيلَ (لَهُ) : فَخَبِّرْنَا عَمَّا لَا يَحْتَمِلُ فِي اللُّغَةِ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا، هَلْ يَجُوزُ وُقُوعُ الْخِلَافِ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِمَعَانِي اللُّغَةِ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ.
قِيلَ لَهُ: فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا مَوْضُوعَ لُغَاتِهِمْ، وَلَا دَلَالَاتِهَا وَإِنْ قَالَ: لَا. قِيلَ لَهُ: فَإِنَّمَا سَأَلْتُكُمْ عَمَّنْ عَرَفَ مَوْضُوعَ اللُّغَةِ وَدَلَالَاتِهَا، وَكَانَ مِنْ أَهْلِهَا، وَمِمَّنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِ.
فَإِنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ وُقُوعُ الْخِلَافِ فِيمَا كَانَ هَذَا وَصْفَهُ بَيْنَ مَنْ ذَكَرْتَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ. قِيلَ لَهُ: فَلِمَ اخْتَلَفَتْ الصَّحَابَةُ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ، مَعَ وُجُودِ الدَّلَالَةِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ فِي اللُّغَةِ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا؟ وَخَبِّرْنِي عَنْ النَّصِّ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ فِي اللُّغَةِ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا، هَلْ يَجُوزُ وُقُوعُ الْخِلَافِ فِي مَعْنَاهُ، وَمُوجَبِ حُكْمِهِ، بَيْنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ،
стр. 1015
وَالْعَارِفِينَ بِمَعَانِيهِ، وَدَلَالَاتِ لَفْظِهِ؟ فَلَمَّا وَجَدْنَاهُمْ مُخْتَلِفِينَ فِي أَحْكَامِ الْحَوَادِثِ عَلِمْنَا بِذَلِكَ بُطْلَانَ قَوْلِك. وَلَوْ كَانَ مَا قُلْت صَحِيحًا، لَكَانَتْ الصَّحَابَةُ أَوْلَى بِاعْتِبَارِهِ وَالرُّجُوعِ إلَيْهِ، وَلَوْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِهِمْ لَنَبَّهَهُ الْبَاقُونَ عَلَيْهِ، فَكَانَ يَصِيرُ بِمَنْزِلَتِهِمْ فِي مَعْرِفَتِهِ وَاسْتِدْرَاكِ حُكْمِهِ، إذْ كَانَ لِذَلِكَ سَبَبًا مُسْتَدْرَكًا مِنْ طَرِيقِ اللُّغَةِ وَدَلَالَةِ الْخِطَابِ. وَعَلَى أَنَّهُ لَيْسَ يُمْكِنُ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يُرِيَنَا فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِنْ الْحَوَادِثِ. كَالْمُكَاتَبِ إذَا أَدَّى بَعْضَ كِتَابَتِهِ، وَكَالْخَلِيَّةِ، وَالْبَرِيَّةِ، وَغَيْرِهَا، مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهَا، دَلِيلًا لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا، فَعَلِمْنَا أَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ، إنَّمَا عَبَّرَ عَنْ اجْتِهَادِ الرَّأْيِ بِالدَّلِيلِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا. فَأَخْطَأَ فِي تَسْمِيَتِهِ.
فَإِنْ قَالَ: إنَّ تِلْكَ الدَّلَالَةَ تَحْتَمِلُ الْوُجُوهَ الْمُخْتَلِفَةَ، وَالْمَعَانِيَ الْمُتَغَايِرَةَ. قِيلَ لَهُ: فَقَدْ وَافَقْتنَا عَلَى إثْبَاتِ الِاجْتِهَادِ فِي إدْرَاكِ حُكْمِ الْحَادِثَةِ، لِأَنَّا كَذَلِكَ نَقُولُ فِيمَا كَانَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهَادَ. وَحَصَلَ خِلَافُك لَنَا فِي الْعِبَارَةِ. فَإِنْ قَالَ: مَا أَنْكَرْتُ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِبُ فِي حُكْمِ الْحَادِثَةِ: أَنْ يُتْرَكَ الْأَمْرُ فِيهَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ فِي الْعَقْلِ، قَبْلَ وُرُودِ السَّمْعِ. فَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فِي الْعَقْلِ أُقِرَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْلُ يُوجِبُ حَظْرَهُ أَوْ إيجَابَهُ، كَانَ مَحْمُولًا عَلَى ذَلِكَ، وَمَا قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ السَّمْعُ أَيْضًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ [المائدة: ١٠١] وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ» .
قِيلَ لَهُ: فَاسِدٌ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَرَنَا بِالِاسْتِنْبَاطِ، وَرَدِّ الْفُرُوعِ إلَى أُصُولِهَا، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] وقَوْله تَعَالَى
стр. 1016
﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] وقَوْله تَعَالَى ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] وَسَائِرِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَخْبَارِ النَّبِيِّ ﷺ فِي إبَاحَةِ الِاجْتِهَادِ، وَاسْتِعْمَالِ السَّلَفِ النَّظَرَ وَالِاسْتِدْلَالَ فِي حُكْمِ الْحَوَادِثِ: مِنْ نَحْوِ الْخَلِيَّةِ، وَالْبَرِيَّةِ، وَالْحَرَامِ، وَالْبَتَّةِ، وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ: اُتْرُكُوهَا زَوْجَتَهُ عَلَى أَصْلِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ، وَلَا تَنْظُرُوا فِي حُكْمِ اللَّفْظِ. ثُمَّ هَهُنَا مَسَائِلُ لَا بُدَّ فِيهَا (مِنْ) اجْتِهَادِ الرَّأْيِ: كَنَحْوِ تَحَرِّي الْقِبْلَةِ عِنْدَ الْغَيْبَةِ عَنْهَا، وَكَأُرُوشِ الْجِنَايَاتِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ عَلَى مَقَادِيرِهَا، وَقِيَمِ الْمُسْتَهْلَكَاتِ، وَنَفَقَاتِ الزَّوْجَاتِ. وَعَلَى أَنَّ الْقَائِلَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ مُنَاقِضٌ فِي قَوْلِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَوْجَبَ رَدَّ حُكْمِ الْحَادِثَةِ إلَى الْأَصْلِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ حَالُ الْمُبْتَلَى بِالْحَادِثَةِ. وَهَذَا الْقَوْلُ حُكْمٌ مِنْهُ فِي الْحَادِثَةِ بِغَيْرِ الْأَصْلِ الَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ يَجِبُ الرَّدُّ فِيهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: عَلَى أَنَّ الْقَائِلِينَ بِنَفْيِ الْقِيَاسِ مِنْ سَائِرِ مَنْ ذَكَرْنَا اعْتِرَاضَاتِهِمْ، مِمَّنْ يَقُولُ مِنْهُمْ بِالنَّصِّ الْخَفِيِّ، أَوْ بِالدَّلِيلِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ فِي اللُّغَةِ إلَّا مَعْنًى وَاحِدًا. وَمَنْ يَقُولُ بِتَرْكِ الشَّيْءِ عَلَى أَصْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ، لَا يَنْفَكُّونَ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْقِيَاسِ، وَاجْتِهَادِ الرَّأْيِ، فِي مَسَائِلِ الْحَوَادِثِ، مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ أَوْ يَعْلَمُونَ، فَيُكَابِرُونَ وَيُسَمُّونَهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَصْدًا مِنْهُمْ إلَى الْخِلَافِ، وَلِيُذْكَرُوا فِي الْمُخْتَلِفِينَ، وَكَذَلِكَ لَا نَجِدُ أَحَدًا مِمَّنْ يَنْفِي حُجَجَ الْعُقُولِ إلَّا وَهُوَ يَسْتَعْمِلُهَا ضَرُورَةً، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهَا أَوْ يَعْلَمُهُ وَيُكَابِرُ. وَكَذَلِكَ مَنْ يَنْفِي خَبَرَ الْوَاحِدِ فَإِنَّمَا يَنْفِيهِ بِالْقَوْلِ، فَإِذَا فَتَّشْتَ مَذَاهِبَهُ وَجَدْتَهُ يَسْتَعْمِلُ أَخْبَارَ الْآحَادِ وَيَقُولُ بِهَا مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ.
стр. 1017
[فَصْلٌ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مُبْطِلُو الْقِيَاسِ]
فَصْلٌ.
فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مُبْطِلُو الْقِيَاسِ مِنْ (جِهَةِ) ظَاهِرِ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] فَزَعَمُوا أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْقِيَاسِ وَاجْتِهَادَ الرَّأْيِ تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦] قَالُوا: مَنْ حَرَّمَ أَوْ حَلَّلَ بِغَيْرِ نَصٍّ فَقَدْ شَمِلَهُ حُكْمُ هَذِهِ الْآيَةِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] وَبِقَوْلِهِ : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] . وَالْقِيَاسُ الشَّرْعِيُّ لَا يُفْضِي بِقَائِسِهِ إلَى حَقِيقَةِ الْعِلْمِ، فَهَذَا بَاطِلٌ. الْجَوَابُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: أَنَّ قَوْلَهُ ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى نَفْيِ الْقِيَاسِ،؛ لِأَنَّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى مُسْتَدْرَكٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: نَصٍّ، أَوْ دَلَالَةٍ، وَالْقَائِسُونَ إنَّمَا تَبِعُوا الدَّلَائِلَ عِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُتَوَلِّيَ لِنَصْبِ الدَّلَائِلِ عَلَى أَحْكَامِهِ، فَلَيْسَ مُتَّبِعُ الدَّلِيلِ مُتَقَدِّمًا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيُقْلَبُ هَذَا عَلَيْهِمْ. فَيُقَالُ لَهُمْ: مَا أَنْكَرْتُمْ أَنْ يَكُونَ نَفْيُ الْقِيَاسِ تَقَدُّمًا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ،؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَنُصَّ عَلَى نَفْيِ الْقِيَاسِ.
стр. 1018
وَكُلُّ قَوْلٍ رَجَعَ عَلَى قَائِلِهِ مِنْ حَيْثُ يُرِيدُ بِهِ إلْزَامَ خَصْمِهِ فَهُوَ سَاقِطٌ. وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦] فَإِنَّمَا خَطَرَ بِهِ الْقَوْلُ بِالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، فِيمَا كَانَ قَائِلُهُ كَاذِبًا (بِهِ) ، وَلَيْسَ هَذِهِ صِفَةَ الْقَائِسِينَ؛ لِأَنَّهُمْ صَادِقُونَ فِي قَوْلِهِمْ بِإِبَاحَةِ الْقِيَاسِ، وَمَا يُوجِبُهُ مِنْ الْأَحْكَامِ. ثُمَّ يَصِيرُ الْكَلَامُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ: فِي أَنَّ الْقِيَاسَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَكُونُ صَادِقًا، أَوْ لَيْسَ بِحُكْمٍ، فَيَكُونُ الْقَائِلُ بِإِبَاحَتِهِ كَاذِبًا، وَسَقَطَ اعْتِرَاضُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَعَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ رَجَعَ عَلَيْهِ حَسْبَ مَا ذَكَرْنَا فِي الْآيَةِ الْأُولَى،؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِدُ نَصًّا فِي قَوْلِهِ: إنَّ الْقِيَاسَ حَرَامٌ. فَهُوَ قَائِلٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى الْكَذِبَ بِنَفْيِهِ الْقِيَاسَ عَلَى قَضِيَّتِهِ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩] فَإِنَّ الْقَائِسِينَ فَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا يَقُولُ: إنَّ الْحَقَّ فِي جَمِيعِ أَقَاوِيلِ الْمُخْتَلِفِينَ، فَمَنْ قَالَ بِهَذَا سَقَطَ عَنْهُ هَذَا السُّؤَالُ،؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ مَا أَدَّى إلَيْهِ الْقِيَاسُ فَهُوَ حَقٌّ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى حُكْمِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إنَّ الْحَقَّ فِي وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ: مَا أَدَّانِي إلَيْهِ الْقِيَاسُ فَهُوَ ضَرْبٌ مِنْ الْعِلْمِ، مَعَ تَجْوِيزِي الْخَطَأَ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] وَنَحْوِهِ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، فَلَمْ يَنْفَكَّ الْقَائِسُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَائِلًا بِعِلْمٍ مِنْ حَيْثُ أَقَامَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الدَّلِيلَ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ.
(وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا: إبْطَالُ أَخْبَارِ الْآحَادِ وَالشَّهَادَاتِ،؛ لِأَنَّهَا لَا تُفْضِي إلَى حَقِيقَةِ الْعِلْمِ) . .
стр. 1019
وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا: إبْطَالُ الِاجْتِهَادِ فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ، وَفِي سَائِرِ مَا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، وَوَكَلَهُ إلَى اجْتِهَادِنَا مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَنَحْوِهِ. وَنَقْلِبُ هَذَا عَلَيْهِ أَيْضًا فِي نَفْيِ الْقِيَاسِ. فَيُقَالُ لَهُ: مَا أَنْكَرْت أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ مُبْطِلَةً لِقَوْلِك بِنَفْيِ الْقِيَاسِ،؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَك دَلِيلٌ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِصِحَّتِهِ. فَإِنْ قَالَ: قَدْ عَلِمْت يَقِينًا بُطْلَانَ الْقِيَاسِ. قَالَ لَك الْقَائِسُونَ مِثْلُهُ فِي بُطْلَانِ قَوْلِك، فَيُسَاوُونَك فِي دَعْوَاك، وَيَصِيرُ سُؤَالُك سَاقِطًا. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] فَإِنَّ الْقِيَاسَ مِمَّا قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ بَيَانِهِ، وَهُوَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْهُ،؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الْإِخْبَارَ عَنْ حُكْمِ كُلِّ حَادِثَةٍ نَصًّا فِي الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَصًّا وَدَلِيلًا. فَلَمْ يَكُنْ الْقَوْلُ بِالْقِيَاسِ خَارِجًا عَنْ حُكْمِ الْكِتَابِ. وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ مِنْ مُوجَبِ مَا أُنْزِلَ إلَيْنَا. وَيَنْقَلِبُ هَذَا أَيْضًا عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِمْ بِنَفْيِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَهُمْ: خَبِّرُونَا عَنْ قَوْلِكُمْ بِنَفْيِ الْقِيَاسِ، أَهُوَ فِي الْكِتَابِ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا. قِيلَ لَهُمْ: فَقَدْ خَالَفْتُمْ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى، وَاتَّبَعْتُمْ غَيْرَ مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ.
فَإِنْ قَالَ: هُوَ فِي الْكِتَابِ مِنْ حَيْثُ قَامَتْ دَلَالَتُهُ فِيهِ. قِيلَ: مِثْلُهُ فِي (نَفْيِ) إثْبَاتِهِ. وَيَصِيرُ الْكَلَامُ بَيْنَنَا حِينَئِذٍ فِي اعْتِبَارِ الدَّلَالَةِ عَلَى نَفْيِهِ، أَوْ إثْبَاتِهِ، فَلَا يَكُونُ لِلْآيَةِ حَظٌّ فِي الِاعْتِرَاضِ بِهَا عَلَى نَفْيِ الْقِيَاسِ.
стр. 1020
وَاحْتَجَّ بَعْضُ مُبْطِلِي الْقِيَاسِ: بِأَنَّ أُصُولَ الشَّرِيعَةِ، لَمْ تَثْبُتْ إلَّا مِنْ طَرِيقِ السَّمْعِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَثْبُتَ مِنْهَا شَيْءٌ، إلَّا مِنْ جِهَةِ السَّمْعِ. قَالَ: وَلَيْسَ ذَلِكَ حُكْمَ الْعَقْلِيَّاتِ،؛ لِأَنَّ أُصُولَهَا ثَابِتَةٌ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ السَّمْعِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا فَاسِدٌ،؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَثْبُتَ الْمُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ إلَّا مِنْ حَيْثُ يَثْبُتُ دَلِيلُهُ، وَقَدْ ثَبَتَ مَعْرِفَةُ الْبَارِي تَعَالَى مِنْ جِهَةِ الِاسْتِدْلَالِ بِالْمَحْسُوسَاتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ تَعَالَى مَحْسُوسًا، فَانْتَقَضَتْ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ. وَلَمَا جَازَ أَنْ تَثْبُتَ لَنَا مَعْرِفَةُ الْبَارِي تَعَالَى مِنْ جِهَةِ دَلَالَةِ الْمَحْسُوسَاتِ عَلَيْهِ، وَكَانَ الْعِلْمُ بِالْمَحْسُوسَاتِ عِلْمَ اضْطِرَارٍ، وَالْعِلْمُ بِالْبَارِي تَعَالَى عِلْمَ اكْتِسَابٍ، جَازَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ أُصُولُ الشَّرْعِ مَأْخُوذَةً مِنْ طَرِيقِ السَّمْعِ، وَيَكُونَ فُرُوعُهَا مَعْلُومَةً مِنْ جِهَةِ الِاسْتِدْلَالِ بِالسَّمْعِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَائِلَ مُنَاقِضٌ فِي احْتِجَاجِهِ بِهَذَا فِي نَفْيِ الْقِيَاسِ،؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ الْقِيَاسَ حُكْمٌ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ، وَقَدْ أَثْبَتَهُ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ السَّمْعِ، فَمِنْ حَيْثُ رَامَ بِمَا ذَكَرَ نَفْيَ الْقِيَاسِ فَقَدْ أَثْبَتَهُ، وَنَاقَضَ (فِي) احْتِجَاجِهِ. فَإِنْ قَالَ: إنَّمَا احْتَجَجْت فِي نَفْيِ الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ بِقِيَاسٍ عَقْلِيٍّ، وَلَسْت آبِي الْقَوْلَ بِالْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ. قِيلَ: وَكَذَلِكَ إثْبَاتُنَا لِلْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ، إنَّمَا أَثْبَتْنَاهُ بِالْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ، لِمَا فِي الْأُصُولِ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ وَلُزُومِ الْقَوْلِ بِهِ.
وَاحْتَجَّ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بِأَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى مَقَادِيرِ الْعُقُولِ،؛ لِأَنَّا وَجَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى قَدْ حَكَمَ فِي أَشْيَاءَ مُشْتَبِهَةٍ بِأَحْكَامٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَفِي أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ بِأَحْكَامٍ.
следующие страницы →