← Тараджим

Тараджим · id 678

نور القبس

اليغموري

Полный текст (128 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقيل: كان سبب ميتة سيبويه أنه كان عنده صديق له، فتمسى عنده وأخذ منه الشراب، فحرص به صاحب المنزل أن يبيت عنده، فأبى فوجّه معه غلاماً ليوصله إلى منزله، فصار إلى دربه وقد أغلق دونه، فتسور الدرب ومكث الغلام مكانه، فتردى من أعلى الدرب على رأسه فوقص فسمع وهو يقول " من الطويل ": يَسُرُّ الفتى ماكان قدَّم من تقى ... إذا أبصر الداءَ الذي هو قاتله وقيل: إنه مات من علة وله ثمان وثمانون سنة. - وقيل له في علته التي مات فيها: ماتشتهي؟ فقال: أشتهي أن أشتهي. وقيل: لما احتضر وضع رأسه في حجر أخيه، فأغمي عليه، فدمعت عبنُ أخيه فقطرت قطرة من دموعه على خده، فأفاق من غشيته فرأى أخاه يبكي فقال " من الطويل ": أخَييَّنِ كنَّا فرَّقَ الدَهْرُ بيننا ... إلى الأمدِ الأقصى فمن يأمن الدَهْرا وقال ابن دريد: مات سيبويه بشيراز وقبره بها. وقال عبد الباقي بن قانع: مات بالبصرة سنة احدى وستين ومائة. قال المرزباني: وهم فيهما جميعاً أعني في الموضع والتاريخ. ٢٦ - ومن أخبار أبي الحسن الأخفش وهو سعيد بن مسعدة المجاشعي، مولى بني مجاشع بن دارم، وضع كتباً في النحو، ومات قل استتمامها، ولو بقي وخرج علمه ما تقدمه أحد. وقيل: كان أعلم الناس بالكلام وأحذقهم فيه بالجدل، وكان غلام أبي شمر على مذهبه. قال أبو عثمان المازني: قال لي الأخفش: أتلزم الأصمعي؟ قلت: ما أفارقه. قال: أتتعلم منه النحو؟ قلت: لا، ولكنني أتعلمُ منه المعاني واللغة والشعر. فقال: سلني عن شيء منه! فقلت: عن صعبه أم سهله؟ فقال: سهله. فقلت: مايريد الشاعر بقوله " من الهزج ": أمن زينب ذي النارُ ... قبيل الصبح ماتخبو إذا ما خمدت يلقى ... عليها المندلُ الرَطبُ ولم أعرب البيت ألول كله؟ فقال الأخفش: أمن زينب صاحبة النار؟ فقلت: ليس هذا هكذا عنده، يريد: هذه النار التي تخبو. فقال: هذا أحسن. قال المبرد: مات الأخفش بعد الفراء، ومات الفراء سنة سبع ومائتين بعد دخول المأمون العراق " بثلاث سنين ". قال الأخفش: ".... " احتجت أنّ أركب في حاجة لي، فأردت أن أستعير منه دابته، ودابة لاتقع في الشعر لأن فيه حرفين ساكنين ملتقيين أحدهما الألف والآخر الباء المدغمة، فكتبت إليه " من المتقارب ": أردت الركوب إلى حاجتي ... فمرُ لي بفاعلة من دببتُ فكتب إليَّ " من المتقارب ": بُريذيننا يا أخي غامز ... فكن محسناً فاعلاً من عذرتُ وقال أبو حاتم السجستاني: كنت عند أبي الحسن الأخفش وعنده التوزي، فقال لي: ياأبا حاتم، ماصنعت في " كتاب المذكر والمؤنث "؟ قلتُ: قد عملت في ذلك شيئاً. قال: فما تقول في الفردوس؟ قلت: ذَكَر. قال: فإن الله يقول: (الفرِدوسَ هُم فيهَا خَالِدونَ) . قلت: ذهب إلى الجنة فأنث. قال لي التوزي. ياغافل، أما تسمع الناس يقولون: أسألك الفردوس الأعلى!؟ فقلت: يانائم، الأعلى ههنا أفعل وليس بفعلي! قال الأخفش: حدثنا المجالد بن سعيد عن الشعبي قال: قالت كاهنة أشجع في الجاهلية: الرجالُ أربعة والنساء أربع: فطويل نعنع وقصير مدقع ومن لايضر ولا ينفع وأسك أصمع. وإنما أرادت الذكر فأوقعت اللفظ على الرجال والمعنى للذكر؛ وقولها: مُدقعٌ: لاشيء عنده من آلة الجماع، والأسك: الصغير الكمرة، ومن لايضر ولا ينفع: عنينٌ. والنساءُ أربعٌ: فمنهن الحرحة: وهي المساحقة، والشَّفرة: وهي التي شهوتها بين شفريها، والقعرة: التي شهوتها في أقصاه والعنينة. قال الأخفش: سمعت عيسى بن عمر يقول: الزابن واحد الزبانية، وقال بعضهم: واحدها الزباني والزبنية، والعرب لاتكاد تعرف هذا وتجعله من الجمع الذي لاواحد له مثا أبابيل، وتقول: جاءت إبلي أبابيل أي فرقاً، وهذا يجيءُ في معنى التكثير مثل عبابيد وشعارير. - قال: وكُلّ ماكان من الأسماء الأعجمية تحسن فيه الألف واللام في حال المعرفة فاصرفه مثل راقودٍ وياقوت وطاووس وزن فاعول. - وقال في قوله ﷺ : لايدخل الجنة قتات! القتات والقساس: النمام. ٢٧ - ومن أخبار النضر بن شُميل بن خرشة بن يزيد بن كلثوم المازنيّ

стр. 37

كنيته أبو الحسن، بصري الأصل، نزل مرورود وهي من بلاد بني مازن؛ وكان راوية عن البصريين، سمع من ابن عونٍ وشعبة بن الحجاج وأشكال هؤلاء، كان ثقة ثبتاً صاحب عربية، وكان يدعو إلى السُنَّة، ومات بمرورود سنة أربع وقيل ثلاث ومائتين. قال النضر: دخلت على المأمون يوماً بمرو وعليَّ أطمار ثيابٍ رثةٍ، فقال: أتدخل على الخليفة في مثل هذه الاطمار؟ فقلت: إن حرَّ مرو لايدفع إلا بمثل هذه الأخلاق. قال: ولكنك متقشف! ثمّ تجارينا الحديث، فقال المأمون: حدثني هشيم بن بشير عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان في ذلك سدادٌ من عوز. وكان المأمون متكئاً فاستوى جالساً وقال: يانضر، السداد لحن! قلت: هو في هذا الحديث لحن، وإنما لحنه هشيم لأنه كان لحانةً. فقال: مالفرق بينهما؟ قلت: السداد القصد في الدين والسبيل، والسداد البلغة! - وقال الجوهري والسداد ما يسد به الشء - فقال: فهل تعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي من ولد عثمان بن عفان حيث يقول " من الوافر ": أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ... ليومِ كريهةٍ وسداد ثغر فأطرق المأمون ملياً وقال: قبح الله من لاأدب له! ثمّ قال: أنشدني، يانضر، أخلب بيت للعرب! قلت: قول ابن بيضٍ، يا أمير المؤمنين " من المنسرح ": تقول لي والعيون هاجعةٌ: ... أقم علينا يوماً فلم أقم أيَّ الوجوه انتجعت، قلت لها: ... لا لي وجهٌ إلا إلى الحكم متى يقل حاجباً سرادقه ... هذا ابن بيض بالباب يبتسم قد كنت أسلمت فيك مقتبلاً ... فهات إذ حلَّ أعطني سلمي فقال المأمون: لله درُّك! فكأنما شُقَ لك عن قلبي؟ ثمّ أنشدني أقنع بيت قالت العرب! قلت: قول ابن عبدلٍ - وقال الجوهري: قول راعي الإبل - " من المنسرح ": إني امرؤ لم أزل وذاك من ... الله أديباً أعلمُ الأُدبا أقيم بالدار ما أطمأنت بي ... الدارُ وإن كنتُ نازحاً طربا أطلب ما يطلب الكريم من المال بنفسي وأحسن الطلبا وأحلُبُ الثرة الصفيَّ ولا ... أجهد أخلاف غيرها حلبا إني رأيت الفتى الكريم إذا ... رغبَّته في كريمة رغبا والنذل لايطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئاً إلا إذا رهبا ولم أجد غرة الخلائق ... إلا الدين مهما اختبرت والحسبا قد يرزق الخافض المقيم وما ... شدَّ لعنس رحلا ولا قتبا ويحرم الرزق ذو المطية والرحل ومن لايزال مغتربا فقال: أحسنت أحسنت أحسنت - ثلاثا -، هذه أحسن من الأولى! فعندك ضدُّ هذا؟ قلت: نعم، أحسن منه. قال: هات! فأنشدته " من الوافر ": يدُ المعروف غيمٌ حيث كانت ... تحملها شكور أو كفورُ قال: أحسنت، فأنشدني أنصف بيت قالته العرب! فقلت: هذا ابن أبي عروة - وقال الزبير بن بكار: هذا ابن أبي عروبة - " من الكامل ": إني وإن كان ابن عمي كاشحاً ... لمزاحم من خلفه وورائه ومفيده نصري وإن كان آمرأً ... متزحزحاً في أرضه وسمائه وأكون والى سره فأصوته ... حتى يحين عليَّ وقت أدائه وإذا دعا باسمي ليركب مركبا ... صعباً قعدت له على سيسائه وإذا استجاش رفدته ونصرته ... وإذا تصعلك كنت من قرنائه وإذا الحوادث أجحفت بسوامه ... قرنت صحيحتنا إلى جربائه وإذا أتى من وجهه لطريقه ... لم أطلع مما وراء خبائه وإذا رأيت عليه ثوباً ناعماً ... لم يلفني متمنياً لردائه ويروى. واذا ارتدى ثوباً جميلاً لم أقل ... ياليت أنَّ عليَّ حسن ردائه

стр. 38

فلم يكلمني عندها بشء وأخذ القرطاس ومدّ يده إلى دواة وجعل يكتب شيئاً لاأدري ماهو، ثمّ قال: يانضر، كيف تأمر إذا أردت أن تترب الكتاب؟ قلت: أتربه! قال: فمن الطين؟ قلت: طنه! قال: فهو ماذا؟ قلت: مترب مطين. قال: هذه أحسن من الأولى. ثمّ ناول الكتاب خادما، فمضى به إلى الفضل بن سهل، ففتح الكتاب وقال لي: مالسبب الذي وصلك فيه أمير المؤمنين بثلاثين ألفا؟ فأخبرته. فقال: سبحان الله ألحنت أمير المؤمنين؟ قلت: كلا، أيها الوزير، وإنما لحنه هشيم لأنه كان لحانه! فقال: حدثني عن الخليل بن أحمد! قلت: أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم الناس - وقال ابن مخلد والجوهري: صرت أنا والخليل إلى أبي ربيعة الأعرابي، فإذا هو على سطحٍ، فسلمنا فرد علينا السلام وقال لنا: استتوا! فبقينا متحيرين لم ندر ما قال. فقال أعرابي بحنبه: إنه يقول لكم: ارتفعوا! فاستخرجها الخليل من قول الله : (ثُمَّ اسنوى إلى السَّماءِ وَهيَ دُخانٌ) أي ارتفع. فصعدنا فقال: هل لكم في خبز فطير ولبن خمير وماء نمير؟ فقلنا: لا! فقال: سلاماً! فبقينا أيضاً متحيرين لم ندر ماقال لنا. فقال الأعرابي: إنه سألكم متاركة لاخير بيننا ولاشرَّ! فاستخرجها الخليل من قول الله : (وإذا خاطبهمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلاَما) . فقال الفضلُ: هذا أحسن مما حكيت للخليفة! فزادني من عنده عشرين ألفاً، فانصرفت بخمسين ألفاً. ومرض النضر، فدخل الناس إليه يعودونه، فقال له رجل: مسح الله مابك! فقال النضر: لاتقل مسح بك، ولكن مصح! ألم تسمع قول الأعشى " من الرمل ": وإذا ما الخمر فيها أزبدت ... أفل الإزبادُ فيها فمصحْ فقال الرجل: لابأس! السين قد تعاقب الصاد فتقوم مقامها. فقال النضر: إن كان كذا فينبغي أن تقول لمن أسمه سليمان صليمان، وتقول: قال رصول الله! ثمّ قال النضر: لايكون هذا في السين إلا مع أربعة أحرف، الطآء والخآء والقاف والغين، فيبدلون السين بهذه، وربما أبدلوها بزاي، كما قالوا: سراط وصراط وزراط. - قال الصولي: وهذه يقال لها حروف الاستعلاء، تبدل إذا كانت بعد السين، فأما إذا كانت قبل فلا. وقال النضر يوماً: أنشدونا من زهد ابي نواس! فأنشده " من الطويل ": وما الناس إلا هالك وابن هالكٍ ... وذو نسبٍ في الهالكين عريقِ فقال: قاتله الله لكأنه سمع الحسن يقول: إن امرءاً ليس بينه وبين آدم ﵇ إلا أب ميت لنعرق في الموت. - وحدث حرب بن ميمون قال: رأيت خاتم النبي ﷺ عند النضر وهو فضة أبيض. ومات النضر ﵀ سنة أربع ومائتين. ٢٨ - ومن أخبار أبي فيد مؤرِّج بن عمرو السَدُوسيّ كان يقول: اسمي وكنيتي غريبان، اسمي مؤرج، والعرب تقول: أرجت بين القوم وأرشت إذا حرَّشت، وأنا أبو فيد والفيد ورد الزعفران زيقال: فاد الرجل يفيد فيداً إذا مات. وقال: القنديد الكافور وأنشد " من الطويل ": ببابل لم تعصر فجاءت سلافة ... تخالط قنديداً ومسكاً مختما وقال المؤرج " من البسيط ": روُعت بالبين حتى ما أراع به ... وبالمصائب في أهلي وجيراني لم يترك الدهر لي إلفاً أضن به ... إلا اصطفاه بنأي أو بهجران سمع " كتاب الأنواء " لمؤرج بجرجان، وخرج المأمون منه سنة أربع ومائتين، وخرج المؤرج إلى البصرة، فمات فيها. ٢٩ - ومن أخبار أبي زيد الأنصاري وهو سعيد بن أوس بن ثالب " بن بشير بن ثابت بن زيد " بن قيس بن زيد بن النعمان بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج. وشهد ثابت أحداً والمشاهد بعدها، وهو أحد العشرة الذين بعث عمر ﵁ مع أبي موسى الأشعري إلى البصرة وأحد الستة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله صلة الله عليه وسلم، وله عقب بالبصرة. وكان أبو زيد أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو وكانا بعده يتقاربان. وقال المبرد: أبو زيد صاحب لغة وغريب ونحو وكان أكبر من الأصمعي في النحو، وكان أبو عبيدة أعلم من أبي زيد والأصمعي بالأنساب والأيام والأخبار، وكان الأصمعي بحراً في اللغة لايعرف مثله فيها وفي كثرة الرواية. قال عبَّاس الأزرق: كنت عند شعبة بن الحجاج ذات يوم وقد اجتمع أصحاب الحديث ليحدثهم، فنظر إلى أبي زيد النحوي في أخريات الناس فرفع رأسه ثمّ قال " من البسيط ":

стр. 39

استعجمت دار نعم لاتكلمنا ... والدارُ لو كلمتنا ذات أخبار أدن، يا أبا زيد، ادنه! فما زالا يتناشدان الشعر، فقال بعض أصحاب الحديث: ياأبا بسطام، نقطع إليك ظهور الإبل لحديث رسول الله ﷺ ، فتتركنا وتقبل على إنشاد الشعر! فغضب شعبة وقال: ياهذا، أنا أعلم بأمري، أنا والله في هذا أسلم مني في ذاك! - قال أبو زيد: قال لي شعبة: سلني عما شئت من الشعر! قلت له: فما معنى قوله " من الطويل ": بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلَّت فأطرق ثمّ قال: لاأدري. ومعناه: لم يشيموها أي لم يغمدوها إلا وقد كثرت القتلى بها. حضر أعرابي عند أبي زيبد، فقال: أنتم أهل خشونة، ياأهل البادية، ونحن أهل لين وغزل. فقال الأعرابي: كيف تكونون أغزل منا ومنا من يقول " من البسيط ": هيفاءُ مقبلةً عجزاء مدبرةً ... لم تجف طولاً ولا أزرى بها قصر غراء كالقمر المشهور طلعته ... لابل يرى مثلها لما أستوى القمر مالان قلبي لناه عن مودتها ... وهل يلين لقول الواعظ الحجر قال: فكتبنا. قال: وفينا من يقول أيضاً " من البسيط ": هيفاءُ فيها إذا استقبلتها قصف ... عجزاء خامصة الكشخين معطار غراء لم يرها مما يحذرها ... بساحة الدار لابعل ولاجار قال أبو زيد: قلت لأعرابي: أقرأ! فقال: سبح اسم ربك الأعلى، الذي خلق فسَّوى، والذي منَّ على الحبلى، فأخرج منها نسمة تسعى، حتى إذا شبَّ واستوى، أدبر وتولى. ذكر عند أبي زيد تفسير الأصمعي لقول الأعشى " من الكامل ": وسيئة مما تعتق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها وإنه قال: معناه شربتها حمراء وبلتها بيضاء فسلبتها الجريال. فقال أبو زيد: لم يقل أبو سعيد شيئاً، قد نرى الزنجي يفعل ذلك يشربها حمراء ويبولها بيضاء، وإنما أراد: أخذت حمرتها في وجنتي فصار لونها في خدي، وهذا مانراه أبداً عند الامتحان. كان ديسم العنزي لايزال يحفظ أشياء من هجو حماد عجرد وأبي هشام الباهلي في بشار بن برد فبلغه ذلك فقال " من الطويل ": أديسم يا ابن الذئب من نجل زراع ... أتروي هجائي سادراً غير مقصر قال أبو حاتم: فأنشدت أبا زيد هذا البيت وقلت له: ماتقول؟ فقال: لمن الشعر؟ قلت لبشار. قال: قاتله الله، ما أعلمه بكلام العرب! ثمّ قال له: الديسم ولد الذئب من الكلبة، وزارع اسم الكلب ويقال للكلاب: أولاد زارع، والعسبار ولد الضبع من الذئب، والسمع ولد الذئب من الضبع، وزعمت العرب أن السمع لايموت حتف أنفه، وإنه لأسرع من الريح. وقال أبو زيد: مرّ بي رؤبة فاستنشدته، فأنشدني أرجوزته: وقاتم الأعماق خاوي المخترق فاجتمع الناس عليه حتى سدوا الطريق، ومرت به عجوز فلم يمكنها أن تتخطى، فقال " من الرجز ": تنح للعجوز عن طريقها ... إذ اقبلت رائحة من سوقها دعها فما النحوي من صديقها قال أبو زيد: ما سمعت أحداً يقول: فلان من صديقي! قبل رؤبة. - وشهد رؤبة قوماً يلعبون بالنرد وهو لايدري ماهم فيه، ثمّ حضر الطعام فقال " من الرجز ": ياأخوتي جاء الطعام فارفعوا ... خيابة كعابها تقعقع لم أدر ما ثلاثها والأربع وقف أعرابيٌّ على أبي زيد، فظن أنه جاء يسأله عن مسألةٍ في النحو، فقال: سل عما بدا لك! فقال الأعرابي " من الخفيف ": لست للنحو جئتكم ... لا ولا فيه أرغب أنا مالي ولأمري ... أبد الدهر يضرب خل زيداً لشأنه ... حيثما شاء يذهب واستمع قول عاشق ... قد شجاه التطرب همه الدهر طفلة ... فهو فيها يشيب قال أبو زيد: وقفت على قصاب فقلت: بكم البطنان؟ فقال: بمصفعان، يامضرطان! قال: فغطيت رأسي وفررت لئلا يسمع الناس فيضحكوا مني. - وأنشد أبو زيد " من المتقارب ": إذ أنت لم تعف عن صاحب ... أساء وعاقبته إن عثر بقيت بلا صاحب فاحتمل ... وكن ذا وفاءٍ وإن هو غدر ولا تسأل الحرَّ عن عورة ... وإن قام يوماً عليها ستر

стр. 40

قال أبو عبد الرحمان السُلمي: خطبنا الحسن بن علي ﵄ بعد وفاة عليّ ﵁، فقال: ياأيها الناس، والله قد فقدتم رجلاً ما سبقه أحد كان قبله، ولا يلحقه أحدٌ يكون بعده، كان رسول الله ﷺ يبعثه جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، ماترك صفراء ولا بيضاء إلا ثماني مائة درهم فضلت عن عطائه، أراد أن يشتري بها خادما. ثمّ بكى وبكى الناس، ثمّ قال: وقد أخبره رسول الله ﷺ أنه مقتول، " فإنا لله وإنا إليه راجعون "، لا معقب لحكمه ولاراد لقضائه! قال المازني: دخلت على أبي زيد في مرضه الذي مات فيه، فقال: أشتكي صدري. فقلت: أمرخه بشمع ودهن! فقال: ليس كذا، إنما هو أمرخه، فتعجبت منه في تلك الحال يعلمني. - ومات أبو زيد ﵀ سنة خمس عشرة - وقيل: أربع عشرة - ومائتين، وله ثلاث - وقيل: اربع، وقيل: خمس - وتسعون سنة. ٣٠ - ومن أخبار أي عبيدة معمر بن المثنى هو مولى لتيم قريش في قول أبي عبيد القاسم بن سلام، وقال أبو سعيد السُكري: أبو عبيدة مولى بني سلامة من بني تيم بن مرة، وسلامة هذه أم عبد الرحمان، ومنهم من وهم ويقول: آل سلامة مخففاً يوهمون أنه رجل، وعثمان بن عفان قاضي البصرة خاله، ولد سنة اثنتي عشرة ومائة ومات سنة ثمان ومائتين، بلغ ثلاثا وتسعين سنة. قال ثعلب: من أراد أخبار الجاهلية فعليه بكتب أبي عبيدة، ومن أراد أخبار الإسلام فعليه بكتب المدائني. - وهو أولُ من رسم في الجاهليين والإسلاميين من الجوداء والفرسان وغير ذلك كتاباً سماه الناس بالديباج. - كان أبو نواس يتعلم من أبي عبيدة ويصفه ويشنأ الأصمعي ويهجوه، فقيل له: ماتقول في الأصمعي؟ قال: بلبل في قفص. قيل: فما تقول في خلف الأحمر؟ قال: جمع علم الناس وفهمه. قيل: فما تقول في أبي عبيدة؟ قال: ذاك أديم طوي على علم. قال أبو عبيدة: قال لي رجلً من الملحدين: مامعنى قول الله تعالى (قُلْ إنْ كان للرِحمن وَلَدٌ فأنَا أَوَّلُ العَابدين) . فقلت: العابد في قول العرب الآنف، ألم تسمع قول الشاعر " من الوافر ": وأعبد أن أسبَّهم بقومي ... وأترك دارماً وبني رياح أولئك إن سببت وفاءُ قومي ... وأحذر أن أعاقب بالجناح وكذا قولُ الفرزدق " من الطويل ": أولئك أكفائي فجئني بمثلهم ... وأعبدُ أن أهجو عبيداً بدارمِ وقال أبو حاتم: كان أبو عبيدة صفرياً وكان يكتم ذلك فأنشدني لعمران ابن حطان " من البسيط ": أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه ... ماالناس بعدك يامرداسُ بالناس إما تكن ذقت كأساً دار أولها ... على القرون فذاقوا نهلة الكاس فكل من لم يذقها شاربٌ عجل ... منها بأنفاس وردٍ بعد أنفاس قد كنت أبكيك حيناً ثمّ قد يئست ... نفسي فما ردَّ عني عبرتي ياسي قال: وكثيرا ما ينشد أشعارهم ثمّ يتمثل " من الطويل ": أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا قال: والصفرية أصحاب عبد الله بن صفار أحد بني سعد؛ والإباضية أصحاب عبد الله بن إباض أحد بني سعد؛ والأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق، وكان صفرياً ثمّ خالفهم في تعذيب الأطفال، فتبرؤا منه واتبعه على رأيه أبو فديك ونجدة بن عامر الحنفي. - قال التوزي: كنت إذا أردت أن أنشط أبا عبيدة سألته عن أخبار الخوارج فأبعج منه ثبج بحرٍ، فجئته يوماً وهو مطرق ينكت في الأرض في صحن المسجد، وقد قربت منه الشمس، فسلمت فلم يُردَّ عليَّ، فتمثلتُ " من الوافر ": وما للمرء خير في حياةٍ ... إذا ما عُدَّ من سقط المتاع فنظر إليَّ وقال: ويحك! أتدري لمن البيت؟ فقلت: لقطري. فقال: أسكت، فضَّ الله فاك إلا قلت: أمير المؤمنين أبو نعامة! ثمّ انتبه فقال: أكتمها عليَّ! فقلت: هي بنت الأرض. قال أبو عبد الله محمد بن زيد الواسطي: كنت في مجلس المبرد فجرى ذكر قول أبي عبيد القاسم بن سلام محتجاً لمذهبه في أن الأسم هو المسمى بقول لبيد - وهو مذهب أبي عبيدة - " من الطويل ": إلى الحول ثمّ اسم السلام عليكما

стр. 41

قال أبو عبيد: " اسم السلام " ههنا هو السلام، كما يقال: هذا وجه الحق، يراد هذا الحق، " فثمَّ وجه الله " أي الله. فقال المبرد: غلط أبو عبيد وأخطأ أبو عبيدة، والذي عندنا أنّ لبيداً أراد بقوله " اسم الله " اسم الله ، وهذا الذي أختاره ويختاره أصحابنا. فقلت: السلام عندي ههنا هو اللفظ الموضوع لتقضي الأشياء فتختم بها الرسائل والخطب والكتب والكلام الذي يستوفي معناه، فليس لها مسمى غيرها وهي مثلُ حسب وقط وقد الموضوعات لتقضي الأشياء وختم الكلام، فهي اسم لامسمى له غيره. قال: فأعجب ذلك المبرد واستحسنه وقال لي: لاعدمتك، يا أبا عبد اللهه! فما سرني بهذه حمر النعم. وسئل أبو عبيدة عن قوله تعالى: (وحَسُنَ أُولئِكَ رَفيقاً) ، فقال: العرب تجعل الواحد في موضع الجمع، قال عباس بن مرداس " من الوافر ": فقلنا: أسلموا إنا أخوكم ... فقد برئت من الإجن الصدور وقال: (ثمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا) ، وقال: (يَنظُرُون مِنْ طَرَفٍ خَفِي) . وقال في قوله: (أكادُ أُخْفيِها) أي أظهرها، قال: وأنشدني أبو الخطاب قول تمرئ القيس بن عابس الكندي " من المتقارب ": فإن تكتموا الداء لانخفه ... وإن تبعثوا الحرب لانقعد وقال في قوله تعالى: (وَالَّذين يكنزون الذَّهبَ وَالفِضَّة وَلاَ يُنْفقونها في سبيل اللهٍ) ولم يقلُ: ينفقونها في سبيل الله، جاء الخبر لواحد كما قال البرجمي " من الطويل ": فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب وقال أبو قيس بن الأسلت " من المنسرح ": نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأي مشترك وقال آخر " من الخفيف ": إنّ شرخ الشباب والشعر الأسود ما لم يعاص كان جنوناً وقال في قوله: (أوَ لَمْ يَرَ الذَّين كَفَرُوا أنَّ السَّمواتِ وَالأرض كانتا رَتْقاً) ولم يقل: رتقين، قال الأسود بن يعفر " من الكامل ": إنَّ المنية والحتوف كلاهما ... يوفي المخارم يرقبان سوادي والرتق الذي ليس فيه ثقب، ففتق الله السماء بالمطر وفتق الأرض بالنبات. وقال في قوله: (خلق الإنسان مِنْ عجل) إنما العجل خلق من الإنسان، وفي قوله: (ما إنَّ مفاتحه لتنوءُ بالعصبة) وإنما العصبة تنوء أي تنهض بالمفاتح، والعرب تقول: إنها لتنوء عجيزتها بها، والمعنى: هي تنوء أي تنهض بعجيزتها. قال الجعدي " من الطويل ": تمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا وأنشد أبيات المتلمس " من الطويل ": أحارث إنا لو تساط دماؤنا ... تزايلن حتى لايمس دم دما وقال: هذا أشد بيت قيل في النفي ومنها: وما كنت الا مثل قاطع كفه ... بكف له أخرى فأصبح أجذما يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدما فلما استقاد الكفَّ بالكف لم يكن ... له درك في أن تبينا فأحجما فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغاً لنابيه الشجاع لصمما قال أبو عبيدة: يريد أنه فيما صنع به أخواله بمنزلة من قطع يده الأخرى فبقي أجذم فأمسك عنهم. قال أبو عبيدة: كان بالبصرة نخاس في سوق الإبل يقال له ثبيت، فنزل به أعرابي، فجعل يصلي إلى الصباح ولم يطعم الأعرابي شيئاً، فقال الأعرابي لما صلى الغداة " من الوافر ": لخبز يا ثبيت عليه لحم ... أحب إليَّ من صوت القرآن تبيت تدهده القرآن حولي ... كأنك عند رأسي عقربان فلو أطعمتني خبزاً ولحما ... حمدنا والطعام له مكان قال أبو عبيدة: فاستفدنا من الأعرابي عقربان، يقال للذكر عقربان وللأنثى عقربة. - قيل له: أيما أشعر أبو نواس أو أبي عيينة؟ قال: لاأحكم بين الشعراء إذا كانوا أحياء. وقال: إنما سمي قصياً لأنه قصا مع أبيه، وسمي المغيرة عبد مناف لأن أمه أخدمته منافا صنما كان لهم في الجاهلية، وكان اسمه ايضا القمر؛ وعمرو هاشما لأنه هشم الثريد، وأول من هشم إسماعيل ﵇ ثمّ عمرو وعبد المطلب لما زاره مع عمه المطلب حين جاء به من عند أمه؛ وكان المطلب ابن عبد مناف يلقب الفيض. اسم الجارود بشر بن عمرو، وهو من سادات عبد القيس، وإنما سمي الجارود بقوله " من الطويل ":

стр. 42

كما جرد الجارود بكر بن وائل وهو الذي سماه رسول الله ﷺ الأشج. وكتب إليه المنذر بن عائذ كتاباً من دارا موضع من البحرين وعرفه بأنه اجتمع برسول الله ﷺ وقد قبل دعوتهم، وأنه ﵇ أرسل إليهم معه العلاء بن الحضرمي رسولا. فقدم الجارود على النبي ﷺ مع العلاء ورهط من عبد القيس فبايعوه. وقال: من طرق كثيرة أن أبا هريرة قال: حدا الحادي لرسول الله ﷺ بهذه الأبيات " من الرجز ": طاف الخيالان فهاجا سقما ... خيال تكنى وخيال تكتما قامت تريك خشية أن تصرما ... ساقاً بخنداة وكعباً أدرما وتكلم أبو عبيدة يوماً في باب من العلم، ورجل يكسر عينه حياله يوهم أنه يعلم ما يقول، فقال أبو عبيدة " من الوافر ": يكلمني ويخلج حاجبيه ... لأحسب عنده علماً دفيناً وما يدري قبيلاً من دبير ... إذا قسم الذي يدري الظنونا وكان أبو عبيدة يعشق خرك بن أخي يونس النحوي فقال فيه " من الخفيف ": ليتني ليتني وليت وليتي ... ليتني قد علوت ظهرك خرك فقرأنا حقابه وفككنا ... خاتماً كان قبلنا لم يفكك وقال أبو عبيدة: أعرق العرب في القتل عمارة بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوام بن خويلد، قتل عمارة وحمزة يوم قديد، قتلهما الإباضية، وقتل محمد مصعب بن الزبير، وقتل الزبير ابن جرموز، وقتلت بنو كنانة العوام، وقتلت خزاعة خويلداً. وقيل لأبي عبيدة: مامعنى قول الأول " من الوافر ": فأوصى جحدر قدماً بنيه ... بإلقاء القراد على البعير قال: هذا اللص أمر ولده أن يأخذ القراد فيطرحه على ذنب البعير وهو بارك، فإذا ثار البعير قاده فانقاد معه، ولو أثاره وهو بارك من غير أن يطرح على ذنبه القراد لرغا. وسئل أبو عبيدة عن قوله تعالى: (اَلَم ذلك الكتابُ) وأين ذلك من هذا؟ فقال: إن العرب تجعل الفعل السمقبل مكان الفعل الماضي، قال الشاعر " من الطويل ": أقول له والرُمحُ يأطِرُ متنه ... تأملْ خفافاُ إنني أنا ذلكا ولم يقل: أنا هذا! ويأطر يطعن. وقال: أعيانا أن نرى زبيرياً سخياً أو مخزومياً متواضعاً أو دارياً أرسح أو بكريا كامل العقل. - وسئل عن قوله تعالى: (طلْعُها كأنه رؤوسُ الشَّياطين) وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله، وهذا لم يعرف. فقال: إنما كلمهم الله على قدر كلامهم، أما سمعت قول امرئ القيس " من الطويل ": أيقتلني والمشرفيُّ مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال وهم لم يروا الغول قط، ولكنه لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به. قال أبو عبيدة: واعتقدت من ذلك اليوم أن أضع كتاباً في القرآن لمثل هذا وأشباهه، وعملت كتابي الذي سميته " المجاز ". قال: وقال لي الفضل بن يحيى: من أشعر المولدين؟ فسميت له جماعة. قال: لا، ولكن أشعرهم الذي يقول وهو ابن أبي عيينة المهلبي " من البسيط ": زر وادي القصر نعم القصر والوادي ... لابُدَّ من زورة عن غير ميعاد زره فليس له شبه يقاربه ... من منزلٍ حاضرٍ إن شئت أو باد ترفى قرقيره والعيسُ واقفةٌ ... والنونُ والضَبُّ والملاح والحادي فقلت: أصلحك الله! وماهذا؟ إنما سرقه من خلف بن خليفة، ووصف مدينة ابن هبيرة بواسط فقال " من الكامل ": مُكاؤُها غردٌ يجيبُ الخضر من ورشانها قرنتْ رؤوس ظبائها ... بالزرق من حيتانها فقال: ويحك، أفسدته عليّ! قال أبو عبيدة: تغديت مع الفضل بن يحيى، فجئ بألوان لم أر مثلها، وكان معنا الأصمعي يأكل من كامخ، فقال لي: كلْ من هذا الكامخ فإنه طيبٌ! فقلت: إنما هربتُ من الكامخ إلى ههنا، فما أصنع به؟ دعْ مالا يفوتك وأقبل على ما يفوتك. - كان الأصمعيُّ بخيلاً، وكان أبو عبيدة إذا ذكر الأصمعي أنشد " من الكامل ": عظُمَ الطعامُ بعينه فكأنهُ ... هو نفسه للآكلين طعامُ قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: أنشدت أبا عبيدة قولَ الفرزدق " من الطويل ": جلوسك في الشربِ الكرام بليةٌ ... ورأسك في الإكليل إحدى الكبائر

стр. 43

وما نظفت كأسٌ ولاطاب ريحها ... ضربت على حافاتها بالمشافر فقال: ماأعرفهما وأشهد أنهما من شعره. قال أبو عبيدة: كنتُ أقودُ بشاراً، فمررنا بباهلة فسلم على قوم منهم، فلم يردوا عليه، فقال: من فيهم؟ قلت: عمرو الظالميُّ. فنفث - وكان إذا أراد أن يقول الشعر نفث - وقال " من البسيط ": اُرْفق بعمرو إذا حركت نسبته ... فإنه عربيُّ من قوارير إن جاز آباؤك الأنذالُ في مضر ... جازت فلوس بخارا في الدنانير قال أبو عبيدة: كان بشارُ عظيم الجسد محدودباً سميناً طويلاً، وكان جاحظ الحدقتين قد تغشاهما لحم أحمر، وكان أقبح الناس عمى، وكان حمَّاد عجردٍ يعيره بالقبح، فلمَّا قال حمَّاد فيه " من السريع ": والله ما الخنزيرُ في نتنه ... بربعه في النتن أو خمسه بل ريحه أطيب من ريحه ... ومسه ألين من مسه ووجهه أحسن من وجهه ... ونفسه أفضل من نفسه وعوده أكرم من عوده ... وجنسه أكرم من جنسه فقال بشار: ويلي على الزنديق! لقد نفث بما في صدره. قيل: وكيف ذاك، يا أبا معاذ؟ قال: ماأراد الزنديق إلا قول الله : (لقَدْ خَلَقْنا الإنسانَ في أحسنِ تَقْويم) فقد أخرج الجحود بها مخرج هجائي. - وكان لبشار أخوان بشر وبشيرٌ وكانا قصَّابين، وكان بشَّار بهما باراً وكانا يستعيران ثيابه فيوسخانها، فيبرز بشَّار للناس في ثياب سخام، فيقال له: ماهذا، ياأبا معاذ؟ فيقول: هذه ثمرة صلة الرحم. - وقال الشعر ولم يبلغ عشر سنين، فبلغ الحُلُم وهو مخشي معرَّة اللسان بالبصرة. وكان لا يزال قومٌ يشكونه إلى أبيه فيضربه حتى رقَّ عليه. وكانت أمُّه تخاصمه، فيقول لها أبوه: قولي له يكف لسانه عن الناس! فلما طال ذلك عليه قال لأبيه: ياأبت، احتج عليهم بقول الله تعالى: (ليسَ عَلَى الأعْمى حَرَجٌ) ! فقال له أبوه حين شكوه إليه هذا القول، فقالوا: فقه بُرد أضر علينا من شعر بشار. وسئل أبو عبيدة عن السبب الذي من أجله نهى المهديُّ بشاراً عن ذكر النساء، قال: كان أوّل ذلك اشتهار نساء البصرة وشبانها بشعره حتى قال الفسق من أشعر هذا الأعمى. وكان واصل بن عطاء يقول: إن من أخدع حبائل الشيطان وأغواها لكلمات هذا الأعمى الملحد. فلَّما كثُر ذلك وانتهى خبره إلى المهدي وأنشد لأشعاره، نهاه عن ذلك. قال: فقلت: ما أحسب أن شعر كثير وجميل وعروة وقيس بن ذريح وأولئك الطبقة أبلغ في هذا الباب! قال: ليس كلُّ من يسمع تلك الأشعار يعرف المراد منها، وبشار يقارب النساء حتى لايخفى عليهن مايقول ومايريد، وأي حُرّةٍ حصان تسمع قول بشار فلا يؤثر في قلبها؟ فكيف الغزلة التي لاهمة لها إلا الرجال! وأنشدني " من المنسرح ": قد لامني في خليلتي عُمَرُ ... واللومُ في غير كنهه قذر قال: أفق! قلت: لا! فقال: بلى ... قد شاع في الناس منكما الخبر قلت: وإن شاع ما اعتذاري ... مما ليس فيه عندهم عذرُ ماذا عليهم وما لهم خرسوا ... لو أنهم في عيوبهم نظروا أعشق وحدي فيؤخذون به ... كالروم تغزو وتهزم الخزرُ يا عجباً للخلاف يا عجباً ... في في الذي لام في الهوى الحجرُ حسبي وحسب الذي كلفت به ... مني ومنها الحديث والنظر أو قبلة في خلال ذاك ومابأس إذا لم تحلل الأزرُ أو عضةٌ في ذراعها ولها ... فوق ذراعي من عضها أثر أو لمسة دون مرطها بيدٍ ... والباب قد حال دونه السُتر والساق براقةٌ خلاخلها ... أو مص ريق وقد علا البهر واسترخت الكف للغزال وقا ... لت: إيه عني والدمع منحدر انهض فما أنت كالذي زعموا ... أنت وربي مغازلٌ أشر قد غابت اليوم عنك حاضنتي ... فالله لي منك فيك ينتصر يارب خذ لي فقد ترى ضرعي ... من فاسق جاء ما له شُكر أهوى إلى معضدي فرَّضضَهُ ... ذو قوّة ما يُطاق مقتدر

стр. 44

يلصق بي لحية له خشنت ... ذات سوادٍ كأنها الإبر حتى علاني وأسرتي غيبٌ ... ويلي عليه لو أنهم حضروا أقسم بالله ما نجوت بها ... فاذهب فأنت المساور الظفر كيف بأمي إذا رأت شفتي ... أم كيف إن شاع منك ذا الأثر قد كنت أخشى الذي ابتليت به ... منك فماذا تقول: ياعبرُ قلت لها: عند ذاك يا سكني ... لابأس إني مجربٌ خبر قولي لها بقَّة لها ظفرُ ... إن كان في البق ما له ظُفُرُ ثم قال لي: مثل هذا الشعر يميل القلوب ويلين صعب! وكان أبو عبيدة يقول: أبو نواس للمحدثين كامرئ القيس للأوائل، وينشد من شعر أبي نواس " من الطويل ": إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشفْ ... له عن عدوٍ في ثياب صديق وما الناس إلا هالك وابن هالك ... وذو نسبٍ في الهالكين عريق وكان أبو نواس ربما يشغل أهل مجلسه عن الاستماع بالعبث، فشكوه إلى أبي عبيدة، فقال: اطردوه! فطردوه، فتباعد وكتب رقعة فحذفها في حجره " من الكامل ": أمر الأمير بأخذ أولاد الزنا ... فتغيبوا لاتؤخذوا فتعاقبوا فقال: والله لأقينَّ عرضي منه بأن أردَّه! وكيف أطرد من هذا مقداره؟! فرَّده. وكان يحبه لظرفه وأدبه. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى: (أَمَتنا اثنتين وأحْييَتنا اثنتين) هو مثل قوله: (كُنْتُم أمواتاً فأحْيَاكُم ثمَّ يميتكم ثمَّ يحييكم) ههنا موتتان وحياتان. وقال في قوله: لاَيسمَعُون فيها لغواً إلاَّ سَلاما) قد يستثنى الشء ليس من الشيء، فليس السلام من اللغو فكأن فيه ضميراً: لايسمعون فيها لغواً إلا أنهم يسمعون سلاما. وقال أبو جندب الهذلي " من الطويل ": نجا سالمٌ والنفسُ منه بشدقه ... ولم ينج إلا خفق سيف ومئزرا فاستثناهما منه وهما من غيره. وكان أبو عبيدة يسمي بيتي كعب بن سعد الغنوي درَّة الغائص وهما " من البسيط ": اعص العواذل وارم الليل عن عرض ... بذي سبيب يقاسي ليله خببا حتى تمول مالاً أو يقال فتىً ... لاقى التي تشعب الفتيان فانشعبا قال: لأن الدرة إذا أصابها الغائص، لم يصب مثلها حتى ينفق في طلبها أضعاف ثمن التي أصيبت. وهذان البيتان قد قتلا خلقاً كثيرا، ينفض أحدهم رأسه ويتمثل بهما، ثمّ يخرج زعم أن يتمول، فيقتل ألف قبل أن يتمول واحد. وأنشد أحمد بن يحيى " من الطويل ": فلو أن مابي باعضى فلق الحصى ... وبالريح لم يسمع لهنَّ هُبوبُ ولو أنني أستغفر الله كلما ... ذكرتك لم تكتب عليَّ ذنوب فزعموا أن الرواية كانت " قلق الحصى " فصحفه أبو عبيدة فقال: " فلق الحصى "، فصار ذلك رواية. وقال أبو عبيدة: الشعراء الذين هجوا ومدحوا ودخلوا على الملوك وأخذوا الجوائز سبعة: ثلاثة إسلاميون وثلاثة جاهليون وواحد مخضرم. فأما الإسلاميون فجرير والفرزدق والأخطل، وأما الجاهليون فزهير بن أبي سُلمى والنابغة من بني ذبيان والأعشى من بني قيس، وأما المخضرم الذي أدرك الجاهلية وقال فيها الشعر وأدرك الإسلام وقال فيه الشعر فالحطيئة. وسئل أبو عبيدة: هل قال الشعر أحدٌ قبل امرئ القيس؟ فقال: قدم علينا أربعةٌ وعشرون رجلاً من بني جعفر بن كلاب من أهل البادية، فكنا نأتيهم فنكتب عنهم، فقالوا: من أبن خذام؟ قلنا: ما سمعنا به! قالوا: والله لقد سمعنا به! ورجونا أن يكون علمه عندكم لأنكم أهل الأمصار وأصحاب الدواوين، ولقد بكى في الدمن قبل امرئ القيس وهو الذي يقول له امرؤ القيس " من الكامل ": عُوجاً على الطلل المحُيل لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن خذام وهي أبيات، قال: وهم لايعرفون لابن خذام نسباً. وأنشدوا له " من الطويل ": كأني غداة البين لمَّا تحملوا ... لدى سُمرات الحيّ نلقفُ حنظلِ قال أبو عبيدة: لم يقل النابغة الذبياني من الشعر حتى بلغ الخمسين. - وقال: دخل الأعشى بلاد فارس، فأخبر عنه كسرى وقالوا: إنه شاعر العرب! فأُدخل عليه فاستنشده فأنشده " من الطويل ": أرقتُ وماهذا السُهاد المؤرقُ ... ومابي من سقمٍ ولابي معشق

стр. 45

فقال كسرى: فسروا لي ما قال! فترجم له، فقال: لئن كان يسهر من غير سقم، ولاعشق إنه لسارق! قال أبو عبيدة: كان كثير أشعر أهل الإسلام، وكان يكذب في حُبه وجميل يصدق. وسئل: من أشعر المولدين؟ قال: السيد! وكان السيد مشتهراً بمدح أهل البيت، وهو الذي يقول " من البسيط ": إني امرؤٌ حميريٌّ حين تنسبني ... لا من ربيعة آبائي ولا مضر وقال من قصيدة " من البسيط ": ثمَّ الولاء الذي أرجو النجاة به ... يوم القيامة للهادي أبي حسنِ قوله في اللغة والعربية، قال أبو عبيدة: الناقراتُ من السهام المصيبات القرطاس، والقاصرات التي لاتبلغ، والغاضرات التي تخرج عن الهدف يمنة ويسرة، والطالعات التي تخرج من فوق الهدف، والحوابي التي تقرب من القرطاس ولا تصيب، والمقرطسات المصيبات. وقال: أهل العالية يقولون: الحرب خدعة، وهي لغة رسول الله صلى الله عليه ولغة نجد: خدعة؛ ورجل خدعة إذا كان يخدع الناس، ورجل هُزأة إذا كان يهزؤ بالناس؛ قال: والمكاشرة أن يضحك إليه وفي صدره عليه غمر. والطم والرم: الرطب واليابس؛ والغارة الشعواء: الكثيرة. قال: وأهل الحجاز يقولون: قد أخلق الثوب، وبنو تميم يقولون: قد خلَّق الثوب، ويقولون أيضاً بالتخفيف خلق وهو كثير في كلامهم، وإنما يخففون في فعل وفعل ولايخففون في فعل. قال أبو عبيدة: أسماءُ الحلب البرم والفطر والضب والمصر والضف والنكع، فالمصر بإصبعين والضف بالكف كلها والنكع أن يجهدها في الحلب، والنكع والنهز ضرب الضرع باليد عند الحلب لتَدُرَّ، وإنما ذلك في الضأن خاصة، فأما المعز فإنما هو المسح، وأما الكسع فإنما هو ردُّ الدرة وحقن اللبن وهو في النوق خاصة، يُرش الضرع بالماء ويضربه بيده ليرتفع، فيكون أقوى للناقة. قال أبو ربيعة النحوي: كانت العرب تقول: من لم يكن عقله من أكمل مافيه كان هلاكه بأكمل ما فيه. فحدثت بهذا الحديث الأصمعي فقال: هذا حسن وعندي آخر يشبهه، كانت العرب تقول: من كانت فيه خصلة هي أكمل من عقله فبالحرى أن تكون سبب منيته. فحدثت بهذين الحديثين أبا عبيدة فقال: هذان حسنان وعندي آخر يشبههما، كانت العرب تقول: من لم يكن أغلب خصال الخير عليه عقله كان في أغلب خصال الخير حتفه. فحدثت بهذه الأحاديث أبا دلف فقال: هذا حسنٌ كلُّه وعندي آخر يشبهها، كانت العرب تقول: كلُّ شيءٍ إذا كثُر رخص إلا العقلُ فإنه إذا كثُر غلا. وقال أبو عبيدة: لم يكن لأبي بكر ولا لعمر ولا لعثمان ولا لعلي قاضٍ ولا عمالُ شُرط ولا لابن الزبير بالمدينة، وكان أوَّل قاض في المدينة في خلافة معاوية في إمارة مروان استقضى عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حتى عزل معاوية مروان عن المدينة واستعمل سعيد بن العاص، واستقضى سعيد أبا سلمة بن عبد الرحمان. وقال أبو عبيدة كان رجل من بني هلال يقال له طفيل بن زلال، فكان إذا سمع بقوم عندهم دعوة أتاهم فأكل من طعامهم، فسمي الطفيليُّ طفيلياً به. - وقال وكان الناس لايركبون الحمير حتى تفارقوا أيام المنصور فركبوها، ولبيس في الأرض مركب إلا وهو كلما كان أكبر كان أحسن إلا الحمير فإنها كلما كانت أكبر كان أقبح. وقال آخر لعنها الله! فارهها يتعب وخسيسها يتعب رجليك. كان أبو عبيدة لما كبُر إذا أراد أن يقوم تمثَّل بقول أبي الطمحان القيني " من الوافر ": حنتني حانيات الدهر حتى ... كأني خاتلٌ يدنو لصيد قريبُ الخطو يحسبُ من رآني ... ولستُ مقيداً أني بقيد وقال: دخلنا على أبي عبيدة نعوده ونسأله عن سبب علته، فقال: هذا النوشجاني! دخلتُ عليه مسلماً، فجاءني بموزٍ كأنه أيور المساكين، فأكثرتُ منه فكان سبب علتي. ثمّ دخل أبو العتاهية بعد موت أبي عبيدة دار النوشجاني، فوضع بين يديه قنو موز، فقال: ياهذا! أقتلت أبا عبيدة وتريد أن تقتلني؟ لقد استحليت قتل العلماء، والله لاأذوقه! قال الصولي: مات أبو عبيدة سنة تسع ومائتين، وقيل: عشر، وقيل: إحدى عشرة، وقيل: إثنتي عشرة، وله أربع وتسعين سنة. وقيل للأصمعي: مات أبو عبيدى! فقال: اليوم مات الظرف. ٣١ - ومن أخبار الأصمعي

стр. 46

هو أبو سعيد عبد الله بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع بن مظهر بن رياح بن عمرو بن عبد شمس بن أعيا بن سعد بن عبد بن غنم بن قتيبة بن معن بن مالك بن أعصر، وقريبُ لقب واسمه عاصم ويكنى أبا بكر الباهلي. قال الأصمعي: الأصمع الأملس المحدد وبه سميت الصومعة. قال: ويقال رجل أصمع إذا كان ذكياً حديد الفؤاد. - قال الأصمعي: لما حضرت جدي عليَّ بن أصمع الوفاة جمع بنيه وقال: يابنيَّ، عاشروا الناس معاشرة حسنة، فإن عشتم حنوا إليكم، وإن متم بكوا عليكم! وقيل لأبي عبيدة: إن الأصمعي ينتمي إلى باهلة، فلو تكلمت فيه أنه يدَّعي إليهم؟ فقال: لا، دعوه يكن منهم! يعني أنه لاشرف له فيهم لأنه لا أثر لهم في الجاهلية ولامناقب، ألا ترى أنّ النبي ﷺ قال لرجل: على أنك إن قتلت رجلاً من باهلة قتلت به مبالغة في خِسَّة المقتول. وقال الأشعث بن قيس الكندي للنبي ﷺ : أتتكافأ دماؤنا، يارسول الله؟ قال: نعم، ولو قتلت رجلاً من باهلة لقتلك به. - قال الشعبي: كانت العرب في الجاهلية إذا أسرت أسيراً فدته بأسير، إلا أن يكون باهلياً أو غنوياً زادوا عليه قلوصين. - وأنشد رجل من بني عبد القيس " من المتقارب ": أباهلَ ينبحني كلبكم ... وأسدكم ككلاب العرب ولو قيل للكلب: ياباهليُّ ... عوى الكلب من لؤم هذا النسب وقال بشَّار " من الوافر ": إذا أنكرت نسبة باهليٍ ... فكشف عنه ناحية الإزار على أستاه ساداتهم كتابٌ ... موالي عامرٍ وسما بنارِ قال أبو هشام لبشار: إن الله قد أعمى عينيك، فما ترى؟ ولكن قل لمن ينظر هل مما ذكرت شيئاً؟! يعني قوله: " على استاه ساداتهم كتاب ". فقال له بشار: أنت من سفلتهم وإنما قلت: على استاه ساداتهم "! قال المرزباني: وأغار أحمد بن أبي طاهر على بشار في بيته وعلى كلام أبي عبيدة الذي تقده فقال وأساء " من المنسرح ": لاتدفع الباهلي عن حسبه ... دعه وما يدعيه من نسبه سلم لدعواه باهليته ... لعله أن يلَّج في كذبه إنك إن تبغه فما أحدٌ ... ألأم من قومه ولا حسبه فإن طغا أو زها عليك بما ... صحَّ له في اللئام من عربه فارفع حواشي إزاره تر ما ... يلوح من وسمه على ذنبه وقال أبو العيناء: رأيت أبا قلابة الجزمي في جنازة الأصمعي وهو يقول " من الخفبف ": لعن الله أعظما حملوها ... نحو دار البلى على خشبات أعظما تبغض النبي وأهل البيت والطيبين والطيبات وقال رجل للأصمعي: لاتنس وعدي! قال: ما أحسن ما قال الأعشى " من الطويل ": وإني إذا ما قلت قولاً فعلته ... ولستُ بمخلاف لقولي مبدل ثمّ أنشد " من الطويل ": وإني لمنجاز لما قلت، إنني ... ارى وصمة أن يخلف الحُرُّ واعده قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: ما رأيت أحداً قط مثل الأصمعي في العلم بالشعر ولا مقارنا له، ما أنشدته شيئاً قط إلا أنشدني في مثله حتى كأنه أعده لي، فأنشدته للأعشى " من البسيط ": عُلِقتُها عَرضاً وعُلِقت رُجلاً ... غيري وعُلق أخرى غيرها الرجلُ فأنشدني من وقته " من الكامل ": قتلتك أخت بني لؤيٍ إذ رمت ... وأصاب نبلك إذ رميت سواها وأعارها الحدثان منك مودةً ... وأعار غيرك وُدَّها وهواها وقال الأصمعي: ستة لاتخطئهم الكآبة: فقيرٌ حديث عهد بغنى، ومكثرٌ يخاف على ماله التلف، والحسود، والحقود، وطال مرتبة فوق قدره، وخليط أدباء ولا أدب له. وقال: من قعد به نسبه نهض به أدبه. وقال: لاترى أحدب إلا خفيف الروح ولا أعمى إلا ثقيل الروح ولا أحول إلا خبيث الطريقة. وقال: الاستطالة على من أنعمت عليه هدم لصنيعتك وتكدير لمعروفك. وقال: ثلاثة أشياء يذهبن الذهن: كثرة النظر في المرآة وكثرة الضحك ودوام النظر إلى البحر، وثلاث تورث الانقطاع: الإكثار من أكل الباذنجان والزيتون والباقلي. وقال أبو حاتم: كنا عند الأصمعي، فقال رجلٌ: من القائل " من الوافر ": فمن يكُ سائلاً عني فإني ... من الفتيان أيامَ الخنان

стр. 47

مضت مائة لعام ولدت فيه ... وعشر بعد ذاك وحجتان وقد أبقت صروف الدهر مني ... كما أبقت من السيف اليماني فقال الأصمعي: يقولها النابغة الجعدي. فقال له: أتعرف من أرخ سنه في شعره غيره؟ فجعل الأصمعي ينشد أشعار من أرخوا سنهم في أشعارهم، فحفظت من ذلك أنه كان عميرة الكعبي الخزاعي يخط لكلّ من مات من أهله قبراً ويسوق عن كلّ من تزوج منهم مهراً وهو القائل " من الطويل ": فنيت وأفناني الزمان وأصبحت ... هنيدةُ قد أنضيت من بعدها عشرا وقد كنتُ مما أهزم الجيش واحدا ... وأعطي فلا منا عطائي ولا نزرا وقد عشت دهراً ما يكون عشيرتي ... لها ميتٌ حتى أُخط له قبرا فأصبحت مثل الفرخ لا أنا ميتٌ ... فأسلي ولا حيُّ فأصدر لي أمرا وقال إسحاق بن إبراهيم: ما ولدت النساء مثل الأصمعي في حفظه وذكائه وفطنته، أنشدته يوماً قولي " من الطويل ": إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي ... ودافع ضيمي خازم وابن خازم عطست بأنف شامخ وتناولت ... يداي الثريا قاعداً غير قائم فأنشدني لبشار " من المتقارب ": ألا أيها السائل جاهلا ... ليعرفني أنا أنف الكرم نمت في الكرام بني عامر ... فروعي وأصلي قريش العجم وقال: إذا كانت في العالم خصال أربع وفي المتعلم خصال أربع اتفق أمرهما وتم، وإن نقصت من واحد منهما خصلة منها لم يتم أمرهما. فأما اللواتي في العالم: فالعقل والصبر والرفق والبذل، وأما اللواتي في المتعلم: فالعقل والحرص والفراغ والحفظ، لأن العالم إذا لم يحسن تدبير المتعلم بعقله خلط عليه أمره، وإن لم يبذل له علمه لم ينتفع به. وأما المتعلم فإنه إن لم يكن له عقل لم يفهم، وإن لم يكن له حرص لم يتعلم، وإن لم يفرغ قلبه للعلم لم يعقل عن معلمه، وإذا ساء حفظه كان ما يكون منهما مثل الكتاب على الماء. - وقال: إذا أردت أن تعرف عقل الرجل في مجلس واحد فحدّث في خلال حديثك بما لايكون، فإن رأيته قد أصغى إليه فأعلم أنه أحمق وإن أنكره فهو عاقل. وقال الأصمعي: تضرعت في الأسباب على باب الرشيد مؤملا الظفر به والوصول إليه حتى أني صرت لبعض حرسه خدينا، فإني لفي ليلة قد نثرت السعادة والتوفيق فيها الأرق بين أجفان الرشيد، إذ خرج خادم فقال: أبالحضرة أحدٌ يحسن الشعر؟ فقلت: الله أكبر، ربَّ قيدٍ مضيق حلَّه التيسير! فقال لي الخادم: ادخل! فلعلها أن تكون ليلة تعرس في صباحها بالغنى إن فزت بالحظوة عند أمير المؤمنين. فدخلت فواجهت الرشيد في بهوه والفضل ابن يحيى إلى جانبه، فوقف بي الخادم بحيث يسمع التسليم، فسلمت، فردّ السلام ثمّ قال: ياغلام، أرحه قليلاً، يفرخ روعه إن كان وجد للروع في نفسه حساً! فقلت في نفسي: فرصةٌ يفتك بها الدهر بإدخال شغل على قلبه كرمك، مجيران لمن نظر إليك من أعتراض أذيةٍ! فقال: ادن! فدنوت، محسنا. فقال: تالله ما رأيت أدعى منك! فقلت: أنا على الميدان، فأطلق من عناني، ياأمير المؤمنين! فقال: أنصف القارة من راماها! ثمّ قال: ما المعنى في هذه الكلمة بدياً؟ قلت: فيها قولان، القارة هي الحرة من الأرض، وزعمت الرواة أن القارة كانت رماة للتبابعة، والملك إذ ذاك أبو سهمه في كبد قوسه، فقال: أين رماة العرب؟ فقالت العرب: أنصف القارة من راماها. فقال لي الرشيد: أصبت! ثم قال: أتروي لرؤبة والعجاج شيئاً؟ فقلت: هما مشاهدان لك بالقوافي وإن غُيباً عن بصرك بالأشخاص. فأخرج من بيد فرشه رقعة، ثمّ قال: أنشدني " من الرجز ": أرقني طارقُ همٍ أرقا فمضيت فيها مضيَّ الجواد في سنن ميدانه تهدر بي أشداقي، فلما صرت إلى مديحه لبني أمية، ثنيت لساني إلى امتداحه للمنصور في قوله " من الرجز ": قلتُ لزير لم تصله مريمه - يقال: هو زير نساء وحدث نساء إذا كان يحب محادثتهن - فلما رآني قد عدلت عن أرجوزة إلى غيرها قال: أعن حيرة أم عن عمد تركت؟ قلت: عن عمد، تركتُ كذبه إلى صدقه فيما وصف به المنصور من مجده. فقال لي الفضل: أحسنت بارك الله عليك! مثلك يؤهل لمثل هذا المجلس! فلما أتيت على آخرها قال لي الرشيد: أتروي كلمة عديّ بن الرقاع " من الكامل ": عرف الديار توهماً فاعتادها

стр. 48

قلت: نعم! قال: هاتها! فمضيت فيها حتى إذا أنا صرت إلى صفته لجمله، قال لي الفضل: ناشدتك الله أن تقطع علينا ما أمتعنا به السهر في ليلتنا هذه بصفة جملٍ أجرب! فقال له الرشيد: اسكت فالابل هي التي أخرجتك عن دارك، وعزتك في قرارك، فاستلبت تاج ملكك، ثم ماتت، وعملت جلودك سياطاً ضربت بها أنت وقومك! فقال الفضل: لقد عوقبت على غير ذنب والحمد لله! فقال له الرشيد: أخطأت! الحمد على النعم، لو قلت: وأستعين الله لكنت مصيباً! ثمّ قال لي: امض في أمرك! فأنشدته حتى بلغت إلى قوله " من الكامل ": تزجي أغن كأن إبرة روقه فاستوى جالساً، ثمّ قال لي: اتحفظ فيها ذكرا؟ قلت: نعم، ذكرت الرواة أن الفرزدق قال: كنت في المجلس وجرير إلى جانبي، فلما ابتدأ عدي في قصيدته قلت لجرير مسراً إليه: لنسخر من هذا الشامي! فلما ذقنا كلامه يئسنا منه، فلما قال " من الكامل ": تزجي أغن كأن إبرة روقه وعدي كالمستريح، فقال جرير: أما تراه يستلب بها مثلا؟ فقال " من الكامل ": قلم أصاب من الدواة مدادها ثمّ أنشد عدي كذلك، فقلت لجرير: كان سمعك مخبوءاً في صدره. فقال لي: اسكت، شغلني سبك عن جيد الكلام! فلما بلغ إلى قوله " من الكامل ": ولقد أراد الله إذ ولاكها ... من أمةٍ إصلاحها ورشادها قال الأصمعي: فقال لي: ماتراه قال إذ أنشده الشاعر هذا البيت؟ قلت: قال: كذاك أراد الله! فقال الرشيد: ماكان في جلالته ليقول هذا، أحسبه قال: ماشاء الله! قلت: وكذا جاءت الرواية. فلما أتيت على آخرها قال لي: أتدري لذي الرُّمة شيئاً؟ قلت: الأكثر! قال: فما أراد بقوله " من الطويل ": ممرٌّ أمرَّت متنه أسديةٌ ... ذراعيةٌ حلاَّلةٌ بالمصانعِ قلت: ياأمير المؤمنين، وصف حمار وحش أسمنه بقل روضة تواشجت أصوله وتشابكت فروعه من مطر سحابة كانت بنوء الأسد، ثمّ في الذراع من ذلك. فقال الرشيد: أرح، فقد وجدناك ممتعا، وعرفناك محسناً. ثمّ قال: أجد ملالة! ونهض، فأخذ الخادم يصلح عقب النعل في رجله وكانت عربية، فقال الرشيد: عقرتني، ياغلام! فقال الفضل: قاتل الله الأعاجم! أما أنها لو كانت سندية لما احتجت إلى هذه الكلفة؟! فقال الرشيد: هذه نعلي ونعل آبائي صلوات الله عليهم، كم نعارض فلا نترك من جواب ممض ثمّ قال: ياغلام، يؤمر صالح الخادم بنعجيل ثلاثين ألف درهم على هذا الرجل في ليلته هذه، ولايحجب في المستأنف! فقال الفضل: لولا أنه مجلس أمير المؤمنين ولا يأمر فيه غيره لأمرت لك مثل ما أمر به لك أمير المؤمنين، وقد أمرت لك به إلا الف درهم، فتلقى الخادم صباحا! قال الأصمعي: فما صليت من غد إلا وفي منزلي تسعة وخمسون ألف درهم. وقال: أنشدت الرشيد ليلة " من الكامل ": بانت أميمة بالطلاق ... فنجوت من ربق الوثاق بانت فلم يحفل بها ... قلبي ولم تدمع مآقي ودواءُ مالا تشتهيه النفس تعجيلُ الفراقِ فجعل الرشيد يعيد: " ودواءُ ما لاتشتهيه النفس تعجيل الفراق " ثمّ قال: عليَّ برأس هيصم اليماني! فقال لي: يا أصمعي، هذا ماجرَّه الشعر: " ودواء.... "! وأنشد البيت. وقال ابن الأعمش: كنا في مضرب الحسن بن سهل ومعنا الأصمعي، فتحدث فقال: خرجت فاطمة ﵍ ناشزا - بالزاي معجمة - تطلب ميراثها من أبي بكر....! فوثب إليه رجلٌ فخنقه، وارتفع الصوت، وقام المطلب بن فهم وهو حاجب للحسن بن سهل يحجز بينهما، وسمع الحسن الصوت فدعاه وسأله، فقال: وثب فلان على الأصمعي في شيء جرى بينهما فخنقه. فقال: يوثب على ضيفي وجليسي وفي داري؟! ياغلام، السياط! فقال له: يثبت الأصمعي على بنت رسول الله ﷺ فيتناولها، فيسوغ ذلك له ولايسوغ لمن يثب عليه ويخنقه؟! فقال: فما القصة؟ فأخبر بها، فدعا الأصمعي فعنفه وقال: ماهذا من الحديث الذي يحدث به العوام؟ لاتعودن! وروى الناس هذا الحديث ناشرا - بالراء المهملة - يعنون: نشرت شعرها. فرواه الأصمعي بالزاي: أي مخالفة لعليّ في ذلك. قال الأصمعي: قال لي الرشيد: أنشدني أحسن ماقيل في السفر! فأنشدته قول عمر بن أبي ربيعة " من الطويل ": رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشي فيخصر أخا سفرٍ جوابٍ أرض تقاذفت ... به فلوات فهو أشعث أغبر

стр. 49

قليلاً على ظهر المطية ظله ... سوى ما نفى عنه الرداء المحبر قال: أنا والله ذاك وكان يحج عاماً ويغزو عاماً. قال الأصمعي: كنت مع الرشيد منصرفنا من الروم، إذا نحن برجل قد أنحط عليه صدره وعليه برنس وبيده عكاز، فلما حاذى الرشيد قال " من الكامل ": ياأول الخلفاء را ... ح بنفسه وغدا وأسرى حتى أباح حمى العدو ... وحاز ما يحوون قسرا صدرت ركابك بافتتا ... ح الروم قد اوقرن اجرا في الله أشعث أغبرا ... وتقودنا شعثاً وغبرا حلوا إذا يوسرت اباء ... إذا عوسرت مُرَّاً قال: من الرجل؟ قال: عبدك ابن العلاء، يا أمير المؤمنين! فأمر له بكل بيت عشرة آلاف درهم. - وقال الأصمعي: سمعت ابن أبي السعلاء يحدو بالرشيد، فيقول " من الهزج ": أغيثاً تحمل الناقة ... أم تحملُ هارونا أم الشمس أم البدرُ ... أمِ الدُنيا أم الدنيا ألا بل كلما عدد ... تُ قد أصبح مقرونا على مفرق هارون ... فداه الآدميونا وقال الأصمعي: كنتُ بين يدي الرشيد في يوم قُرّ، إذ دخل سعيد بن سلم، فقال: ياسعيد، أنشدني في البرد! فأنشده لمُرة بن محكان السعدي " من البسيط ": وليلةٍ من جمادي ذات أندية ... لايبصرُ الكلبُ من ظلمائها الطنبا لاينبحُ الكلبُ فيها غير واحدةٍ ... حتى يلفَّ على خيشومه الذنبا فقال: غير هذا. فأنشدته أنا " من البسيط ": وليلةٍ يصطلي بالفرثِ جازرها ... يختص بالنقري المثرين داعيها لاينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتى الصباح ولاتسري أفاعيها أطعمت فيها على جهد ومسغبة ... كومَ العشار إذا لم يمس راعيها فقال: أريد أبلغ من هذا. فأنشدته " من الطويل ": وليلةٍ قُرٍ يصطلي القوس رَبُها ... وأقدحه اللاتي بها يتنبلُ فقال: ياأصمعي، حسبك ما بعد هذا شيء! ثمّ أنشدني " من المتقارب ": إذا نبح الكلبُ في أهله ... فإن قصاراه أن يكشرا

стр. 50

وقال الأصمعي: أتى خادم للرشيد فقال: أجب أمير المؤمنين! قلتُ: فيم يدعوني؟ قال: لاعلم لي، ولكن سمعته ومن عنده من بني هاشم يتذاكرون الرُطب، فاختار كلُّ واحد منهم صنفا. قلت: فأي الأصناف اختار أمير المؤمنين؟ قال: الريثا. قلت: وما أختار عيسى بن جعفر؟ قال: الأزاد. قلت: امض! فلما دخلتُ وسلمت قال: ههنا، يابصري! ثمّ قال: ايُّ الرطب أطيب عندكم؟ قلت: ياأمير المؤمنين، أصف لك جميع أجناسه، ثمّ الاختيار إليك! قال: نعم. قلت: الذي هو عماد المال وأكثر التمران البرني والشهريز، ويعلم أميرُ المؤمنين لم سمي البرني برنياً والشهريز شهريزا؟ قال: لم؟ قلت: لأن كسرى مر بالبرني وهو حامل فقال: اين برنيك! وهو بالفارسية: حملٌ جيدٌ، ومر بالشهريز فقال: اين سُرخ نيز! أي وهذا الأحمر أيضاً، يريد جيد، فعربا برني وشهريز. فقال: لمن كان هذا التفسير؟ وأعجبه. ثمّ قلت: وعندنا صنف يقال له البرشوم يرطب قبل أنَّ يبدو صلاح غيره، وينفذ قبل أن يرطب النخل، فهو لتكبيره وسرعة ذهابه أغلى ثمناً من غيره. وعندنا نخلةٌ يقال لها السُكّر حُلو طيبٌ هش، ورطبها من أطيب الرطب أعظمه لحاء وأرقه سحاء غير أن نواته غليظة، والحموضة إليه سريعة وقلما يصبر كنيزه. وعندنا نخلةٌ يقال لها الأزاد بسرها حُلُوٌ طيبٌ ورطبها ليس بذاك وكنيزها باقٍ صبور وهي تسمى الحُرة. وعندنا نخلة يقال لها الهلباث، نخلها من أحسن النخل منظراً، ورطبها من أطيب الرطب وينتهي في آخره وجميع الرطب يرطبُ معاً. وعندنا نخلة يقال الجيسوان يوكل بلحها وزهوها عدلُ رطب غيرها، فإذا صار إلى حد الإرطاب تغير طعمها، وحالت عن حالها؛ وعندنا نخلةٌ يقال لها الكريثاء، بسرها حلوٌ طيبٌ هش ورُطبها عذبٌ رقيقٌ ونواها ضامر لطيف وكنيزها صبور باقٍ، وبسرها إذا كثُر زهزه يقلى ويطبخ ويدَّخر، ولا يزداد على السنين إلا جودة، ويجلب إلى سائر البلدان. وأعجب من هذا، ياأمير المؤمنين، أنّ صبياننا يلعبون بنوى جميع أنواع التمور ويسمون كلَّ نواة درهما إلا نواة الكريثاء، فإنهم يسمونها ديناراً ويتبايعون بينهم أربعا وعشرين نواةً من نوى الأزاد بنواة من نوى الكريثاء. فقال هارون: أنا أبو جعفر! وكان إذا أصاب الشيء اكتنى بجعفر، وأمر لي بمائة ألف وخمسين ألفا. وقال الأصمعي: مارأيت الرشيدُ يوماً مبتذلاً ولا شارباً ألا يوما واحداً فإني دخلت عليه ووجنتاه حمراوان، ودخل عليه أبو حفص الشطرنجي الأعمى، فقال للرشيد: أيكم سبق إلى بيت من الشعر يوافق ما في نفسي فله ألف دينار! فوقع في نفسي أنه يريد جارية الناطفي وكان يميل إليها، وفطن أبو حفص فبدرني بحدةِ العميان فقال " من الخفيف ": مجلسٌ ينسبُ السُرورُ إليه ... لمحبٍ ريحانه ذكراك فقال له: قد قاربت وأحسنت، لك ألفُ دينار! فبدأت أعمل بيتاً وتهيبته، فسبقني أبو حفص فقال " من الخفيف ": كلما دارت الزجاجةُ ... زادتهُ اشتياقاً وحرقةً فبكاك فقال له: أحسنت ولك ألف دينار! فلما رأيت ذلك قلت " من الخفيف ": لم ينلك الرجاءُ إن تحضريني ... وتجافت أمنيتي عن سواك فقال الرشيد: أحسنت، ياأصمعي، ولك ألف دينار! ثمّ أطرق ورفع رأسه فقال: وقد قلت بيتاً، أنا فيه أشعر منكما " من الخفيف ": فتمنيتُ أن يغشيني اللهُ ... نعاساً لعلّ عيني تراك فقلت: ياأمير المؤمنين، أنت أشعر فخذ جوائزنا! فقال: جوائزكما لكما، فانصرفا! وقال: خرجت مع الرشيد حاجاً، فإني لفي خيمتي إذ أقبل أعرابي ومعه أمة سوداء، فقال لي: ياشيخ، اكتب لي كتاب عتق هذه الجارية! فأردت أسبر عقله فقلت: تملي عليّ وأنا أكتب. قال: اكتب: بسم الله الرحمان الرحيم، هذا ما أعتق فلان بن فلان أمته ميمونة السوداء، أعتقها لوجه الله تعالى وجواز العقبة. ياميمونة، إنه لاسبيل لي عليك إلا سبيل الولاء، ولا منَّة لي عليك، بل المنة لله عليَّ وعليك! وانصرف وانصرفت، فحدثت الرشيد، فأمر بعتق مائة نسمةٍ على مثل ماأملاه الأعرابي. وقال: أنشدت الرشيد أبيات النابغة الجعدي من القصيدة الطويلة " من الطويل ": فتىً تمَّ فيه ما يسرُّ صديقه ... على أنّ فيه ما يسوءُ الأعاديا فتىً كملتْ أعراقه غير أنه ... جوادٌ فما يبقى من المال باقيا

стр. 51

أشمُّ طُوالُ الساعدين شمردلٌ ... إذا لم يرح للمجد أصبح غاديا قال الرشيد: ولم لم يروحه في المجد كما أغداه؟! ألا قال: إذا راح للمعروف أصبح غاديا! فقلت: أنت والله، ياأمير المؤمنين، في هذا أعلم منه بالشعر! قال الأصمعي: كنت عند الرشيد فقدم إليه فالوذ، فقال: ياأصمعي، أتعرف قريش هذا؟ فقلت: قومك، ياأمير المؤمنين، يعرفونه. كان ابن جدعان عمله، وفيه يقول الشاعر " من الوافر ": منادٍ فوق دارته يبنادي ... لبابُ البّرُ يلبكُ بالشهاد وأما الأعرابُ فإن مزرداً أخا الشماخ كان نهماً جشعا، وكانت أمه توثر إخوته عليه، وإنها غابت عن بيتها يوماً، فوثب على ما في بيتها فأكله وقال " من الطويل ": ولما غدت أمي تزور بناتها ... أغرت على العكم الذي كان يمنع خلطتُ بصاعي حنطةٍ صاع عجوة ... إلى صاع سمنٍ فوقه يتريَّعُ ودبَّلتُ أمثال الأثافي كأنها ... رؤوس نقادٍ مزقت لاتجمعُ وقلت لبطني أيسري اليوم إنه ... حمى أمنا مما تفيدُ وتجمع فإن كنتُ مصفوراً فهذا دواؤه ... وإن كنت غرثاناً فذا يوم تشبعُ فقال: لله درك، هاتوا حتى نأكل ونشبع إن شاء الله! قال: وكنا عند الرشيد فجاؤا بطفشيل فقال: ياأصمعي، أهذا اسمٌ عربيً؟ فقلت له: حدثني الشرقي بن القطامي أن بني اسرائيل كانوا في التيه، فقال حبر لهم يقال له شيلا: سخن لنا أخلاط حبوب! فعمل الطفشيل، وهو بالعبرانية تفشيل، فأعربته العربُ فصيرت التاء طاء، وكذلك أنطاكية بالعبرانية أنتاكية فقالت العرب بالطاء. فوهب لي الرشيد ألف دينار. قال: وقال لي الرشيد: أما ترى قبح أسماء سكك بغداد مثل قطيعة الكلاب ونهر الدجاج وأشباه ذلك؟ فهل للعرب مواضع قبيحة الأسماء؟ قلت: نعم، قد قال الراجز " من الخفيف ": ماترى لمح بارق ... سقيت ماؤه بيه فشروري فقروري ... فحنونا فلحسيه فقال: لله درك! فما رأيت مثلك خلقت لهذا الشأن وحدك. قال: وقال لي الرشيد ذات ليلة: ياأصمعيُّ، ألا ترى الدعيَّ بن الدعيّ اليهودي بن اليهودي عبد بني حنيفة مروان بن أبي حفصة يقول لمعن بن زائدة، وإنما هو عبد من عبيدي " من الوافر ": أقمنا باليمامة إذ يئسنا ... مقاماً لانريدُ به زيالا وقلنا: أين نذهب بعد معن ... وقد ذهب النَّوال فما نوالا وكان الناس كلهم لمعن ... إلى أن زار حفرته عيالا فجعلني وحشمي عيالاً لمعن، وقال: إن النوال قد ذهب فما يصنع بنا؟ فقلت: ياأمير المؤمنين، عبد من عبيدك، أنت أولى بأدبه وهو بالباب. قال: عليَّ به! فأدخل، فقال: السياط! فأخذ الخدم يضربونه فضرب أكثر من ثلاثمائة سوط وهو يقول: ياأمير المؤمنين، استبقني واذكر قولي فيك وفي أبيك! قال: وماقلت؟ فأنشده قصيدته التي يقول فيها " من الكامل ": هل تطمسون من السماء نجومها ... أو تمحقون من السماء هلالها أم تدفعون مقالةً عن ربكم ... جبريل بلغها النبيّ فقالها شهدت من الأنفال آخر آية ... بتراثهم فأردتم إبطالها فدعوا الأسود خوادارً في غيلها ... لا تولغنَّ دماءكم أشبالها فأمر له بثلاثين ألف درهم وخلاه. فلما خرج قال لي: ياأصمعي، من هذه؟ قلت: لاأدري. قال: هذه مواسة بنت أمير المؤمنين، قمُ فقبل رأسها! فقلت: أفلت من واحدة ووقعت في أخرى! إن فعلت أدركنه الغيرة فقتلني. فقمت فوضعت كمي على رأسها وفمي على كمي، فقال: والله لو أخطأتها لقتلتك! أعطوه عشرة آلاف درهم! وقال: كنت عند الرشيد، فأُتي بجارية ليبتاعها، فأعجبته، فقال لمولاها: بكم الجارية؟ قال: بمائة ألف درهم! فقال: ادفع المال إليه، ياغلام! فلما وليَّ قال: رُدُّوا الجارية! فرّدت فقال: أبكر أم ثيب؟ قالت: بل ثيب! قال: رُدُّوها على مولاها! ثم أنشأ يقول " من الكامل ": قالوا: أردت صغيرةً فأجبتهم ... أشهى المطي إليَّ ما لم يركب كم بين حبَّة لؤلؤ مثقوبة ... لبست وحبة لؤلؤ لم تثقب فقالت الجارية: ياأمير المؤمنين، أتاّن لي في الجواب؟ قال: نعم. فأنشأت تقول " من الكامل ":

стр. 52

إن المطية لايلذ ركوبها ... حتى تذلل بالزمام وتركب والحب ليس بنافع أربابه ... ما لم يؤلف في النظام ويثقب فضحك وقال: ياغلام، ادفع ثمنها لمولاها! وأمر لها بمائة ألف درهم في خاصة نفسها. - وقال: حججت سنة حج هارون وكانت سنة قحطة، فرأيت على قارعة الطريق جارية حسنة الوجه قد أخرجت كفا كأنها لسان ظبي وهي تقول " من الخفيف ": طحطحتنا قوارع الأعوام ... وبرانا تقلب الأيام واتيناكم نمد أكفا ... نبتغي بذلكم ونيل الطعام فاطلبوا الأجر والمعونة فينا ... أيها الزائرون بيت الحرام قال: فجئت بها إلى هارون فملأ صحفة لها دنانير وزودها طعاماً. قال: وقال لي الرشيد: أتعرف للعرب اعتذاراً وندما؟ دع أمر النابغة فإنه يحتج ويعتذر. فقلت: ما أعرف إلا بشر بن أبي خازم الأسدي، فإنه هجا أوس بن حارثة بن لام فأسره بعد ذلك وأراد قتله، فقالت له أمه وكانت ذات رأي: اذكر مدحه أباك! فعفا عنه، فقال بشر " من الطويل ": إني على ماكان مني لنادمٌ ... وإني إلى أوس بن لام لتائب وإني إلى أوس ليقبل توبتي ... ويعرف ودي ما حييت لراغب فهب لي حياتي والحياة لقائم ... بشكرك فيها خيرُ ماأنت واهب سأمحو بمدح فيك إذ أنا صادقٌ ... كتاب هجاه فيك إذ أنا كاذب قال: وكان في البصرة فتى ظريف يغشاه فتيان البصرة يتحدثون عنده، وكان في كوخ من قصب، فشربوا يوما عنده، فقال بعضهم: ألا نبني لك داراً؟ فقال أحدهم: عليّ الآجر! وقال الآخر: علي الجص! وقال الآخر: عليَّ البناء! قال: فصير كوخه قصرا في ساعة بالقول، فلما طال ذلك عليه قال " من الوافر ": لنا كوخ يهدم كل يوم ... ويبنى ثم يصبح جذم خص إذا مادارت الأقداح قالوا ... غدا يبنى بآجر وجص وكيف يشيد البنيان قوم ... يزجون الشتاء بغير قمص قال: فحدثت به الرشيد، فضحك وقال: ولكنا نبني لك قصرا. ثم أمر لي بألفي دينار. وقال: سمعت الرشيد يقول: قلب العاشق عليه مع معشوقه، فقلت: هذا والله، ياأمير المؤمنين، أحسن من قول عروة بن حزام العذري لعفراء " من الطوبل ": أراني تعروني لذكراك روعة ... لها بين جلدي والهظام دبيب وأصرف عن ﴿ايي الذي كنت أرتئي ... ويعزب عني ذكره ويغيب ويضمر قلبي غدرها ويعينها ... عليَّ فما لي في الفؤاد نصيب فقال الرشيد: من قال هذا وهما فإني أقوله علما. ولله درك، يا أصمعي! فإني أجد عندك ما يضل عن العلماء. - قال الصولي: أخذه العباس بن ألحنف بل غيره فقال " من الطويل ": يهيم بحران الجزيبرة قلبه ... وفيها غزال فاتر اللحظ ساحره يؤازره قلبي عليَّ وليس لي ... يدان بمن قلبي عليَّ يؤازره فأخذه سهل بن هارون فقال " من البسيط ": أعان طرفي على جسمي وأعضائي ... بنظرة وقفت جسمي على دائي وكنت غراً بما تجني عليَّ يدي ... لا علم لي أنَّ بعضي بعض أعدائي وقال البحتري " من البسيط ": ولستُ أعجبُ من عصيان قلبك لي ... يوماً إذا كان قلبي فيك يعصيني وأشار ابن الأحنف إلى هذا فقال " من السريع ": قلبي إلى ماضرني داع ... يُكثرُ أحزاني وأوجاعي كيف احتراسي من عدوي إذا ... كان عدُوّي بين أضلاعي قال: وكان الرشيد يتمثل بهذين البيتين " من المنسرح ": أكني بغير أسمها وقد علم الله ... خفيات كلّ مكتتم مخافة الكاشح المفتش أن ... يُظهر فينا عوائر الكلم

стр. 53

قال: وقدمت من سفر على الرشيد، فاستبطأني، فقلت: ماألاقتني أرضٌ حتى رأيت أمير المؤمنين. فلَّما خرج الناس قال: مامعنى أقتني؟ قلت ما الصقتني بها ولا قبلتني. فقال: هذا حسنٌ ولكن لاتكلمني بين يدي الناس إلا بما أفهمهُ حتى أجد جوابه، فإذا خلوت فقل ماشئت، فإني أسألك عمَّا لاأعلمُ، وإنه يقبح بالسلطان أن يسمع ما لايدري، فإما أن يسكت فيعلم الناس أنه مالاقهم، أو يجيب بغير الجواب فيتحقق عندهم ذلك. فقلت: قد والله أفادني أمير المؤمنين من الأدب أكثر مما أفدته. وقال: قال لي المأمون أيام الرشيد: لمن هذا البيت " من البسيط ": ما كنت إلا كلحم ميت ... دعا إلى أكله اضطرار قلت: لابن أبي عيينة المهلبي عبد الله. فقال: كلامٌ شريفٌ! ثم قال لي كأنه من قول الشاعر " من الطويل ": وإن بقومٍ سوَّدوك لفاقةً ... إلى سيدٍ لو يظفرون بسيد فقلت: والله جاء به الأمير وعجبتُ من فهمه مع صغر سنه. وقيل: إن تاجراً قدم بغداد بعدل خمر سودٍ فبارت عليه، فقال عبد الله ابن مسلم بن جندب الهذلي " من الكامل ": قلْ للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا صنعت براهبٍ متعبد قد كان شمَّر للصلاة ثيابه ... حتى وقفت له بباب المسجد فلمَّا قالها بضاعته. وقال: لمَّا مات محمد بن سليمان بن علي الهاشمي دخلت على أخيه جعفر بن سليمان، وقد حزن عليه حزناً شديداً ولم يطعم ثلاثاً، فأنشدته لابن أراكة الثقفي " من الطويل ": لعمري لئن أتبعت عينك مامضى ... من الدهر أو ساق الحمام إلى القبر لتستنفذن ماء الشؤون بأسره ... ولو كنت تمريهن من ثبج البحر وقلت لعبد الله إذ حنَّ باكياً ... تعزَّ وماء العين منحدرٌ يجري تبين فإن كان البُكا ردَّ هالكاً ... على أحدٍ فاجهد بكاك على عمرو ولا تبك ميتاً بعد ميتٍ أجنَّه ... عليٌّ وعبَّاسٌ وآل أبي بكر قال: فأمر فجيء بالطعام وأكل من ساعته. وقال: لما أوقع الرشيد بالبرامكة " من المتقارب ": إذا ذُكر الشرك في مجلسٍ ... أضاءت وجوهُ بني بَرْمَكِ وإن تُلْيت عندهمُ سُورةُ ... أتوا بالأحاديث عن مزدك وقال الفضل بن الربيع " من الكامل ": انظر إلى ابن الفاعلين وكبره ... حتى كأن أباه عبدُ مناف لاذنب لي فيه ولكن للذي ... وضع اللئام مواضع الأشراف قال: وسألني الخليل بن أحمد عن قول السمؤل " من الخفيف ": ينفع الطيب القليل من الرز ... قِ ولاينفع الكثير الخبيت ما معنى قوله الخبيث؟ فقلت: اليهود تُبدل الثاء تاء، وإنما أراد الخبيث. قال: فلم لم يقل الكتير؟ فسكت. قال: وأنشدت قاضي المدينة محمد بن عمران الطلحي قول أبي الشمقمق " من السريع ": يا أيها السائلُ عن منزلي ... نزلتُ في الخان على نفسي آكل من مالي ومن كسرتي ... حتى لقد أوجعني ضرسي يغدو عليَّ الخبزُ من خابزٍ ... لايقبل الرهن ولا ينسي فقال: إن هذه الملح إنما تعجب عقلاء الرجال، اكتبها! فقلت: أصلحك الله! إنما يروي هذه الأحداث. فقال: ويحك الأشراف تعجبهم الملاحة! وقال إسحاق بن إبراهيم: قال لي الأصمعي ونحن نريد الرقة مع الرشيد: كم حملت معك من كتبك؟ قلت: خففَّت فحملت ثمانية عشر صندوقا. فقال لي: أو هذا تخفيف؟ هذا نهاية التثقيل! - وأنشد إسحاق بن إبراهيم الأصمعي قوله في غضب المأمون عليه " من البسيط ": يا سرحة الماء قد سُدَّت مواردهُ ... أما إليك طريقٌ غير مسدود لحائم حامٍ حتى لا حيام به ... مُحَلاٍّ عن طريق الماء مطرود فقال الأصمعي: أحسنت في الشعر غير أن هذه الحاءات، لو كانت اجتمعت في آية الكرسي لعابتها! - وأنشد الأصمعي " من الوافر ": وقالوا: يا جميلُ أتى أخوها ... فقلت: أتى الحبيب أخو الحبيب أحبك والقريبُ بنا بعيدٌ ... لأن ناسبت بتنة من قريب وقال الأصمعي: أنشدني أبو عمرو " من الطويل ": أرى كُلَّ وادٍ أوطنتها وإن خلت ... لها حججٌ يندى بمسك ترابها

стр. 54

حلفت بأني لو أرى تبعاً لها ... ذئاب الغضا حُبَّت إليَّ ذئابها وقال إسحاق بن إبراهيم: قرأت على الأصمعي شعر امرئ القيس، فلمَّا بلغت إلى قوله " من الطويل ": أمن أجل أعربيةٍ حَلَّ أهلها ... بروض الشرى عيناك تبتدران فقال لي: أتعرف في هذا البيت خبئاً باطناً غير ظاهر؟ قلتُ: لا. فسكت عني، فقلت: إن كان فيه شيءٌ فأفدنيه! قال: نعم، أما يدلك هذا البيتُ على أنه لفظ ملكٍ مستهين ذي قدرة على مايرد؟ - قال الأصمعي: ليس في وصف الدرّ شيءٌ أحسن من قول رؤبة " من الرجز ": كأن خلفيها إذا ما درَّاً ... جروا هراش حرشاً فهرا قال الأصمعي: أنشد رجلٌ بشاراً وأنا حاضرٌ قول الشاعر " من الطويل ": وقد جعل الأعداء ينتقصوننا ... وتطمع فينا ألسنٌ وعيونُ ألا إنما ليلى عصا خيزرانةٍ ... إذا غمزوها بالأكف تلينُ فقال بشار: والله لو جعلها عصا مخٍ أو عصا زبدٍ، لما كان إلا مخطئاً مع ذكر العصا! ألا قال كما قلتُ " من الوافر ": وحوراء المدامع من معدٍ ... كأن حديثها قطعُ الجنان إذا قامت لسحبتها تثنت ... كأن عظامها من خيزران ينسيك المنى نظرٌ إليها ... ويصرفُ وجهها وجه الزمان قال: وأنشدنا لنفسه يفخر بالعمى " من الطويل ": عميتُ جنيناً والذكاءُ من العمى ... فجئتُ عجيب الظن للعلم موئلاً وغاض ضياء العين للعقل رافداً ... بقلب إذا ما ضيع الناس حصَّلا وشعر كنور الروض لاءمت بينه ... بقولٍ إذا ما أحزن الشعر أسهلا وكان يقول: الحمد لله الذي ذهب ببصري! فقيل له: لم، يا أبا معاذ؟ فقال: لاأرى من أبغضُ. وقال الأصمعي: كان بخلاء العرب أربعة كلهم شاعر: الحطيئة وحميد الأرقط السعدي وأبو ألسود الدُؤلي وخالد بن صفوان التميمي. فأما الحطيئة فإنه كان يرعى غنماً له وفي يده عصا، فصاح به رجلٌ يستضيفه: ياراعي الغنم! ففطن أنه ضيفٌ فقال: هذه عجراء من سلم! قال: إني ضيف. قال: للضيفان أعددتها. وأما حميد ألرقط فإن ضيفاً دخل إليه ليلاً فقال لامرأته: لك الويل والثبور، قومي إلى المشئوم، فأصلحي له! لإاصلحت له، فجعل الرجل يأكل ويقول: مافعل الحجاج؟ فلما فرغ قال حميد " من الطويل ": يخرُّ على الاطناب من فرحٍ بنا ... هجفٌ لمخزون التحية باذلُ يقول وقد ألقى المراسي للقرى ... أبن لي ما الحجَّاجُ بالناس فاعلُ فقلت: لعمري ما لهذا طرقتني ... فكلُ ودعِ الأخبار ما أنت آكل تدبّل كفاه ويحدر حلقه ... إلى الصدر ما ضُمَّت إليه الأنامل أتانا ولم يعدله سحبان وائلٍ ... بياناً وعلماً بالدهر هو قائلُ فما زال عنه اللقمُ حتى كأنه ... من العي لما أن تكلم باقل وأما أبو الأسود فإنه كان له دكان وكان لايسع إلا موضع طبق، فمرَّ به أعربيٌ على فرس، فدعاه إلى طبقه، فدنا، فأكل فقال له: عندنا ما تحب، فتعال إذا شئت! وعمد أبو الأسود إلى شنةٍ يابسة فجعل فيها حصى وجعلها تحت ركبته، فلما مرّ به الأعرابيُّ قال له: ادن! فدنا، فقعقع أبو الأسود الشنة، فنفر الفرس بالأعرابي، فدق ترقوته. وأما خالد بن صفوان فإنه مرض، فوصف له الطبيب فروجاً، فقال: وما الفروج؟! ثمّ ألحّ عليه الطبيب، فاشترى فروجا فأكل بعضه، ودخل عليه رجلٌ من قريش، فخاف أن يأكل معه فقال خالد مبتدئاً: نتغدَّى بنصف هذا الفروج، ونتعشَّى بباقيه، ثمّ قال " من الطويل ": تداري زماناً عارماً بصرُوُفه ... ومن لايداري عيشه ليس يعقلُ فخرج القرشي وهو يقول " من الطويل ": تعلمت ترنيق المعيشة بعدما ... كبرتُ وأعداني على البخل خالد وأنشد للعباس بن الأحنف " من البسيط ": أتأذنون لصبٍ في زيارتكم ... فعندكم شهوات السمع والبصر لايضمر السُوء إن طال الجلوس به ... عفُّ الضمير ولكن فاسقُ النظر وتذاكروا عنده شعر العباس بن الأحنف، فتسخَّطه وقال: والله ما يؤتى من جودة المعنى ولكنه سخيف اللفظ، ألا ترى قوله " من السريع ":

стр. 55

اليوم مثلُ الحول حتى أرى ... وجهك والساعات كالشهر إنَّ الذي أضمر عند الذي ... أظهر كالقطرة في البحر لو شقَّ عن قلبي قُري وسطه ... ذكرك والتوحيدُ في سطرِ ثمّ قال " من السريع ": يا من تمادى قلبه في الهوى ... سال بك السيلُ وما تدري أبعد أن قد صرت أحدوثة ... في الناس مثل الحسن البصري لعمري أنّ الحسن البصري مشهورٌ ولكن ليس هذا موضع ذكره! - وأنشد لأبي العتاهية " من الرمل ": أنت ما استغنيت عن صا ... حِبك الدهر أخوه فإذا احتجت إليه ... ساعةً مجكَ فوهُ أهنأ المعروف مالم ... تبتذلْ فيه الوُجوه وقال: ماوصف أحدٌ الثغر إلا احتاج إلى قول بشر بن أبي خازم " من الوافر ": يفلجنَ الشفاه عن أقحوانٍ ... جلاهُ غِبٍ ساريةٍ قطارُ ولا وصف أحد اللون بأحسن من بيتي عمر بن أبي ربيعة المخزومي " من الخفيف ": وهيَ مكنونةٌ تَحيّر منها ... في أديم الخدين ماء الشباب شفَّ منها محققٌ جنديٌّ ... فهيَ كالشمس من خلال السحاب قال: ولاوصف أحدٌ عيني امرأة إلا احتاج إلى قول عدي بن الرقاع " من الكامل ": لولا الحياء وأن رأسي قد بدا ... فيه المشيب لزرتُ أمَّ القاسم وكأنها وسط النساء أعارها ... عينيه أحورُ من جآذرِ جاسم وسنان أقصدهُ النُعاس فرنقتْ ... في عينه سنةٌ وليس بنائم ولا وصف أحدٌ نجيباً إلا احتاج إلى قول حميد بن ثور " من الطويل ": محلى بأطواق عتاقٍ يبينها ... على الضُرّ راعي الضأن لو يتقوفُ ولا وصف أحد ظليماً إلا أحتاج إلى قول علقمة بن عبدة " من البسيط ": هَيقٌ كأن جناحيه وجؤجوهُ ... بيتٌ أطافت به خرقاءُ مهجومُ ولا أعتذر أحدٌ إلا احتاج إلى قول النابغة " من الطويل ": فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلتُ أن المنتأى عنك واسعُ ولم يبتدئ أحدٌ من الشعراء مرثية أحسن من أبتداء أوس بن حجر " من المنسرح ": أيتها النفس أجملي جزعاً ... إنَّ الذي تحذرين قد وقعا إنَّ الذي جمَّع السماحةَ والنجدة والحزم والتقُى جُمعا الألمعي الذي يظنُّ لك الظَّنَّ كأن قد رأى وقد سمعا وأصدق ما قالته العربُ قولُ الحطيئة " من البسيط ": من يفعل الخير لايعدم جوازيهُ ... لايذهب العرف بين الله والناس قال: وهو بيتٌ أوّله مثلٌ وآخره مثلٌ. وأحسن ماقيل في الكبر قولُ حميد بن ثور " من الطويل ": أرى بصري قد خانني بعد صحةٍ ... وحسبك داءً أن تصحَّ وتسلما وألام بيتٍ قاله رجلٌ ينشد وهو يسمع - وقال هذا لقلة حنينه إلى ألافه " من البسيط ": تلقى بكلُ بلادٍ إن أقمت بها ... أهلاً بأهل وجيراناً بجيران وأحسن ماقيل في صفة امرأة عجزاء خميصة قولُ الأعشى " من البسيط ": صفرُ الوشاحين ملء الدرع بهنكةٌ ... إذا تأتي يكادُ الخصر ينخزل وأحسن من هذا قولُ أبي وجزة السعدي " من الكامل ": أدماءُ في وضح يكادُ رداؤها ... يغري ويصنعُ ما أحبَّ إزارها وأشعر أبيات وصف بها الفرس قولُ النابغة " من المنسرح ": وغارةٍ تسعرُ المقانب قد ... سارعت فيها بصلدم صتم فعمٍ أسيلٍ عراضِ أوظفة الرجلين خاظي البضيعِ ملتئم في مرفقيه تحانف وله ... بركة زورٍ كجبأةِ الخزم وهو طويلُ الجران مدَّ بلحييه ... فلم يأزما على كزم خيط على زفرةٍ فتمَّ ولم ... يرجع إلى دقةٍ ولا هضم وأحسن ما قيل في صفة الدروع " من الطويل ": وبيضٍ من النسج القديم كأنها ... نهاءٌ نقيعٌ ماؤه متدافعُ تصفقها هوجُ الجنوب إذا جرت ... وتعقبها الأمطار فالماء راجع ولا شعر أشبه بالسنة من قول عديّ بن زيد " من الطويل ": عن المرء لاتسأل وسلْ عن قرينهِ ... فإن القرين بالمقارن يقتدي

стр. 56

ولم يقل شعر قكٌ مثل هذه الثلاثة المعاني في رسول الله ﷺ وهي قول كعب بن زهير " من البسيط ": تحمله الناقةُ الأدماءُ معتجراً ... بالبرد كالبدر جلَّي ليلةَ الظُلمِ وفي عطافيه أو أثناء ريطته ... ما يعلم الله من دينٍ ومن كرم وأجود بيتٍ في الغيث بيت الهذُليّ " من الطويل ": لتُلقحه ريحُ الجنوب وتقبل ... الشمالُ نتاجاً والصبا حالبٌ يمري قال: وقال الكميت " من المتقارب ": مرته الجنوب فلما ... أكفهرَّ حلَّت عزاليه الشمألُ قال: وأحسن ما قيل في وصف جيشٍ قولُ العجَّاج " من الرجز ": كأنما زهاؤه لمن جهر ... ليلٌ ورزُّ وغره إذا وغر سارٍ سرى من قبل العين فجرّ ... عيطّ السحاب والمرابيعَ الكُبَرْ وأحسن ما قيل في وصف الإبل قولُ عمر بن لجاءٍ " من الرجز ": أنعتها إني من نعاتها ... مندحَّةَ السُراتِ وادقاتها أي عظيمة الجوف منبسطته دانيةٌ من الأرض، مكفوفة الأخفاف محمراتها ... سابغةَ الأذناب ذيَّالاتها يريد: أخفافها ليست بمنكسرة كأنها مكفوفةٌ بكفافٍ، طَوَتْ ليومِ الخمس أسقياتها ... غابر ما فيها على بُلاَّتها أي طَوَتِ البقية على البلات، واطو باقي سقاءك على بلله! أي وفيه بلل لا تطوه على يبسٍ فينكسر وهذا مثلٌ، وافقت الشمسَ بجمجماتها ... تمشي إلى رواءٍ عاطناتها تجبس العانس في ريطاتها ... بالأجرع السهل إلى جاراتها التجبُّس التميدُ والتميس، يقول: تمشي إلى الرواء التي رويت قبلها كما تمشي هذه المرأة العانس، كأنما نُطَّت إلى ضَرَّاتها ... مِن نخر الطلح مجوفاتها قال: ولا أعرف للعرب من صفة القطا كقول المَرذَار " من الطويل ": بلادٌ مروراةٌ يحارُ بها القطا ... ترى الرأل في حافاتها يتحدقُ يظلّ بها فرخُ القطاةِ كأنه ... يتيمُ جفا عنه مواليه مُطرّقُ مروراة كلّ أرض لاتنبت مثل العزاز، والرأل فرخ النعام. - قال: وأجودُ ما قال الشعراء قول القيس في الطيب " من الطويل ": ألم ترياني كلما جئت طارقاً ... وجدتُ بها طيباً وإن لم تطيَّبِ قال: ولم أسمع وصف الطعنة بمثل هذا " تشهق " و " تهرُّ " كقول أوس بن حجر " من المتقارب ": وفي صدره مثل جيب العرو ... سِ تشهقُ حيناً وحيناً تهرّ " جيب العروس " أراد: الصبغ بالدم، و " تشهق " أراد: إذا ردّ صاحبها نفسه تصعَّد الدمُ، فسمعت لها شهيقاً، وإذا تنفس أسرع الدمُ إلى موضعها فاحتبس على فمِ الجُرح، فسمعت له مثلَ الهرير. وقال: ثمّ بعد ذلك قولُ زياد الأعجم في مرثية المغيرة بن المهلب " من الكامل ": ومُدَّجج كره الكماة نزالهُ ... شاكي السلاح مسايفٍ أو رامح سبقت يداك له الحتوف بطعنة ... شهقتْ لمنفذها أصولُ جوانح قال: وأحسن ما قيل في وصف عمود الصبح قول ذي الرُمَّة " من الطويل ": كأن عمودُ الصبح جيدٌ ولبَّةٌ ... وراء الدُجى من حُرّة اللون حاسِرُ شبَّه بياض الصبح في الحمرة بعنق امرأة ولبتها، وقوله " وراء الدُجى " أي بعد ما ذهب الدجى. - قال: وأحسن ما قيل في الغيرة قول مسكين الدارمي: ألا أيها الغائرُ المستشيطُ ... علامَ تغار إذا لم تغرْ فما خير عرس إذا خفتها ... وما خير بيتٍ إذا لم يُزرْ تغارُ على الناس أن ينظروا ... وهل يفتن الصالحات النظرْ فإني سأخلي لها بيتها ... فتحفظ في نفسها أو تذرْ إن الله لم يُعطه زُدَّها ... فلن يعطي الوُدَّ سوطٌ ممر يكاد يقطع أضلاعه ... إذا ما رأى زائراً أو نفر فمن ذا يراعي له عرسه ... إذا ضرَّه والمطيَّ السفر قال: وكان الأصمعي كثيراً يردد هذين البيتين في العشق " من الطويل ": سقى اللهُ أياماً لنا لسنَ رُّجعا ... وسقيا لعصر العامرية من عصر ليالي أعطيت البطالة مقودي ... تمرُّ الليالي والشهورُ ولا أدري

стр. 57

قال: وسأل رجلُ من أشراف البصرة عن معنى قول زهير وقال: أوجزوا التفسير " من الطويل ": ومن يعص أطراف الزجاج فإنه ... يطيع العوالي ركبت كل لهذم فذهبوا في التفسير كلَّ مذهب، فسأل الأصمعي فقال: مثل قولهم: من عصى السوط أطاع السيف. - قال المبرد: كانت العرب إذا جاءت تطلب صلحاً فعلامتهم أن يؤخروا صدور رماحهم فيقدموا زجاجها، فإن لم يقبلوا الصلح قلبوا الأسنة للحرب. - وسئل عن قول امرئ القيس " من الطويل ": وهل ينعمن إلا سعيدٌ مخلَّدٌ ... قليلُ الهموم ما يبيت بأوجال قال: هذا مثل قولهم: استراح من لاعقل له! وقال ابو حاتم: سألت الأصمعي عن قول المتلمس " من الطويل ": لذي الحلم قبل اليوم ما تقرعُ العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما فقال: أراد به: إنما يقبل التذكرة والوعظ ذو العقل، وكان ذلك أن عامر بن الظرب العدواني حاكم العرب كان قد اضطرب حكمه لطول عمره، فقال لولده: إذا رأيتموني أحكم بصواب فأمسكوا! وإذا رأيتموني قد اضطربت فحركوا عصا في أيديكم! وقال: إلا ترى إلى قول الآخر " من الكامل ": وزعمتم أن لاحلوم لنا ... إن العصا قرعت لذي الحلم قال المازني: سألت الأصمعي عن بيت الأعشى " من البسيط ": وما طلابك شيئاً لست مدركه ... إن كان عنك غراب الجهل قد وقعا وأنشدته أنا لأبي حية النميري " من المتقارب ": زمان عليَّ غرابٌ غدافٌ ... فطيَّره الدهرُ عني فطارا فقال الأصمعي: أراد أن جهل شبابه الذي شعره أسود فيه كريش الغراب، قد طار عنه بشيبه. وأنشدني " من المتقارب ": زمان عليّ غرابٌ غدافٌ ... فطيَّره القدر السابق وصار على وكره عقعق ... من البلق ذو شيبةٍ ناغقُ وسئل عن بيت ابن مقبل " من المتقارب ": لعمر أبيك لقد شاقني ... خيالٌ حزنتُ له إذ حزن فقال: هذا مثلُ قول مزاحم العقيلي " من الطويل ": بكت دراهم من نأيهم فتسرعت ... دموعي فأي الباكيين ألومُ أمستعبراً يبكي على الهون والبلى ... أم اخر يبكي شجوه ويهيم وليس ثمَّ حزن ولا ههنا بكاء. - قال: وأنشد عنده أبيات دعبل " من الكامل ": أين الشبابُ وأيَّةً سلكا ... لا أين يُطلب ضلَّ بلْ هلكا لا تعجبي يا سلمَ من رجلٍ ... ضحك المشيبُ برأسه فبكى قد كان يضحك في شبيبته ... فأتى المشيبُ فقلَّما ضحكا يا سلم ما بالشيبِ منقصةٌ ... لاسوقةً يبقي ولا ملكا قصر الغواية عن هوى قمرٍ ... وجد السبيلَ إليه مشتركا لاتأخذا بظلامتي أحداً ... قلبي وطرفي في دمي اشتركا فعجب الناسُ من قوله: " ضحك المشيب برأسه فبكى "، فقال: إنما أخذ قوله من قول الحسين بن مطير الأسدي حيث يقول " من الخفيف ": أين أهلُ القباب بالدهناء ... أين جيراننا على الأحساء جاورونا والأرضُ ملبسةٌ نو ... رَ الأقاحي تجادُ بالأنواء كلَّ يومٍ بأقحوان جديد ... تضحك الأرض من بكاء السماء قال: وقد أخذه أيضاً مسلم بن الوليد صريعُ الغواني حيث يقول " من السريع ": مستعبرٌ يبكي على دمنةٍ ... ورأسه يضحكُ فيه المشيب وقال الأصمعي: أولُ الإبل الذود إلى العشرة، فإذا بلغت الخمسة عشر إلى عشرين فهي الصرمة، فإذا بلغت ثلاثين أو أربعين فهي صُبَّة، فإذا بلغت خمسين إلى الستين فهي هجمة، فإذا بلغت سبعين إلى الثمانين فهي العكرة، فإذا بلغت مائة فهي هنيدة بلا ألف ولا لام، فإذا بلغت السبع مائة إلى الأف فهي العرج، والبرك إبل الحيّ. - وقال: إنما سُميّ مُضَرُ مضرَ لشدة بياضه، ومنه المضيرة لبياضها. وقال: في الحمار عشرة أمثال: الجحش لمَّا بذَّك الأعيارُ؛ وأنكحت الفراء فسترى؛ وكلُّ الصيد في جوف الفراء؛ ومن ينك الفراء ينك نياكاً؛ والعير أوقى لدمه؛ وأصبر من عير أبي سيارة، وذلك أنه دفع بالناس أربعين سنة بعرفات؛ وأخرب من جوف حمار؛ والعيرُ يضرط والمكواة في النار؛ وإن ذهب عيرٌ فعيرُ في الرباط. وقال المتلمس في أذلَّ من الحمار والوتد " من البسيط ":

стр. 58

ولا يقيم بدار ليس يعرفها ... إلا الأذلاَّنِ عير الأهل والوتدُ وقال الرياشي: ألقى الأصمعي علينا قول بعض الشعراء " من الطويل ": أحِبُّ من النسوان كُلَّ قصيرةٍ ... لها نسبٌ في الصالحين قصيرُ ثمّ قال: سلوا! فسألنا فلم نجد أحداً يقف عليه، فقال: أما قوله: " أحب من النسوان كلَّ قصيرة " فكأنه قال: أُحب أن أتزوج امرأة، إذا سألتُ عنها قيل: حسبك بها فضلاً وديناً وعقلاً وجمالاً، فقد كُفيت أن أسأل عن حالها، فإذا سألتُ عن أبيها قيل: به رجلاً صالحاً ديّناً: وأنشد الأصمعي " من الطويل ": أحبُ من النسوان كلَّ طويلةٍ ... لها نسبٌ في الصالحين طويلُ وقال: هذه المرأة ليست في شهرة تلك الأولى، هذه أحتاج أني أسأل الناس عنها وعن جمالها ودينها وأسأل عن آبائها حتى أعرف من هم مثل معرفتي تلك. قال: وقد جاء في الحديث: نهى عن جداد النخل بالليل أي صرامه قال: والحال الحمأةُ، وفي الحديث: إن جبريل ﵇ لمَّا دعا فرعون عند الغرق أخذ من حال البحر فأدخله في فيه. وسأل حضري بدوياً: هل عندكم مايرعى؟ فقال البدوي هازئاً به: نعم عندنا مقمل ومدبٌ وباقل وحانط وثامر ووراس! وإنما عني بهذا كله الرمث، وذلك أن الرمث أول ما يتفطر بالنبت يقال: قد أقمل، فإذا زاد على التفطر شيئاً قيل: قد أدبي، ثمّ هو الباقل، ثمّ هو الحانط أي المدرك، وكلُّ مدركٍ يقال له: حانط ويقال: حنط ابنك فزوجه! وهو يحنط حنوطا، والثامر الذي قد خرج ثمره، والوارس الذي قد أصفر وكاد يتحاتُ ويتساقط، وقد أورس الشجر إذا دخلته صفرة. - قال: وكلُّ نبتٌ مالحٍ فهو الحمض نحو الرمث والعضاه والطرفاء والخذراف، فأما الرُغْل والقلام والبرم والطحماء والدرماء والنجيل والسعدان فالخلة، والخلة خبز الإبل والحمض لحمها. وسئل عن قول عليّ ﵇: أشكو إليك عجري وبجري، فقال: همومي وأحزاني. - وقال في قوله: دمُ عفراء أفضل من دم سوداء عند الله، العفراء البيضاء وهي المبيضة البطن من الشحم والسمن، والسوداء التي بطنها أسود فليس فيه شحم. قال: وكان شيخٌ من الكتاب يجالسنا عند أبي عمرو بن العلاء فنظر إلى رجلٍ قد جاء خطُّه، فقال: قد ضاع خطُّك وارتفع! أي ظهر وجاد، ومنه قول الشاعر " من الطويل ": تضوَّع مسكاً بطنُ نعمان أن مشت ... به زينبٌ في نسوةٍ عطراتِ يُخمرن أطراف البنان من التقى ... ويرقدن جنح الليل معتجرات قال: والعارض في قول جرير " من الوافر ": أتذكر يوم تصقلُ عارضيها ... بعودٍ بشامةٍ سُقي البشام هو السن الذي يلي الناب. قال: ويقالُ لأعمال مكة والمدينة العروض، والأعراض القرى واحدتها عرضٌ؛ والعرض بسكون الراء المال الذي ليس بنقد، وبتحريك الراء المال كله؛ وعلق فلان فلانة عرضاً أي من غير تعمد. - وقال: النهار فرخ الحباري، والبقرة العيال الكثير، يقال: جاء فلان يجرُ بقرة أي عيالاً. - ومرَّ فلان يتساوك أي مرّ يتثنى في عطفيه، ومن ثمَّ سميَّ المسواك مسواكا لتردده في جانبي الفم. - وتقول العرب عند الوجع: حس! معناه: وه! وحسسته قتلته، قال الله تعالى: (إذ تحُسُّونهم بإذنه) . - والتزوير إصلاح الكلام، ومنه قول عمر يوم سقيفة بني ساعدة: كنت زوَّرت في صدري مقالةً أقوم بها بين يدي أبي بكر، فجاء أبو بكر فما ترك شيئاً مما كنتُ زورته إلا تكلم به. - قال: واسم دجلة دغليثا، فأعربوها فقالوا: دجلة. - وعمل العراق من هيت إلى الصين والهند والسند، ثمّ هكذا إلى الريّ وخراسان إلى الديلم والجبال كلها وطبرستان. وقال: إصبهان سُرَّة العراق فتحها أبو موسى؛ والجزيرة ما بين دجلة والفرات والموصل. قال الأصمعي: كان أبو فرعون الساسي سائلا بالبصرة، وكنتُ أسمع أبا عمرو بن العلاء يذكر فصاحته ويقول: إنه أفصح أهل البلد، وكان مياسير أهل البصرة يعرضون عليه الكفاية، فيأبى إلا المسألة. قال الأصمعي: فمكثتُ حولاً أطلبه لاأقدر عليه لشغله مع أهل البصرة بالشراب وغيره، فغدوت يوماً مع الأخفش الأكبر أبي الخطاب، نأتي قوماً من الأعراب اقتحمتهم السنة، فبيننا نحن في بعض سكك البصرة إذا نحن بشيخٍ قصير عظيم الهامة كث اللحية وفي يده زبيل وهو يقول " من الرجز ": لقد غدوتُ خلقَ الثيابِ ... معلقَ الزبيل والجراب

стр. 59

طبَّا يدقُّ حلق الأبواب ... أسمعُ ذات الخدر والحجاب ثمّ أتى باباً فقرع حلقته ثم قال: أنيلونا، نالتكم الشفاعة! فخرجت إليه عجوز شهيرة فقالت: بورك فيك، ياسائل، ارجع، فما لك عندنا نائل! فأنشأ يقول " من الرجز ": ربَّ عجوز خبَّة زبون ... سريعة الرد على المسكين تظن أن بوركا يكفيني ... إذا غدوت باسطاً يميني عدمت كل عجلة تؤذيني قال: فقال الأخفش: ألا تسمع لهذا الشويخ ما أفصحه وأسرع إجابته؟! قال: فقلت: إن كان أبو فرعون حيَّاً فهو ذا! ومانحن يومنا بلاقٍ أحداً من الأعراب أفصح منه ولاأظرف، فصيَّر شُغلنا اليوم به! فقال: ذلك إليك! فأتيتهُ فقلت: ياشيخُ، هل لك في فليسات وطعام؟ فقال: أي بأبي، وأين ذلك؟ قال: قلت: عندي! قال: فصيّر مدرجتك لي وادياً حتى أكون له سبيلاً! فانطلقت به إلى المنزل، فقلت: أسألك عن أشياء. فقال: ياشيخ، ألا أرى سؤالك نقداً وطعامك نسيئةًظ! فقلت: أي جارية، هاتي ماحضر! قال: وهذه رفع حشمة قبل ورود مودةٍ! فجاءت الجارية بخوانٍ وأرغفة، فانثنى على جوانبها فأكلها، فلمَّا نظرت إليه الجارية يلتقم الرُعفان أقبلت بجميع ما في سندانتها من خبز فرمت به بين يديه ثمّ قالت: كل! اصطحبت بارداً! فلمَّا نظر إلى كثرة الرُعفان جثا على ركبتيه ثمّ أنشأ يقول " من الرجز ": إني على ما كان من هزالي ... وخفَّةِ اللحم على أوصالي أثلِم حرفَ القرص من حيالي ... ثلمَ المحاقِ جانب الهلال فأهوت الجارية إلى الخوان فرفعت ثمّ قالت: أي مولاي، إنما أمر اللهُ بالتسمية على الطعام، فأما بالارتجاز فلا! فالتفت إليَّ فقال: ياشيخ، وللمنزل ربٌّ سواك أما إنه قد قيل في الامثال: لاتحمدن أمةً عام اشترائها ولا فتاةً عام هدائها؟! والله لولا أنها عرفتك بديدنك ما سبقتك إلى أمرٍ لا تريده، فها هي هذه قد ملكت خوانها فأين فليساتك التي وعدتنيها؟ قال الأصمعي: فالتفت إليَّ الأخفش فقال: أبا سعيد، أنت كما قال الشاعر " من الكامل ": سقط العشاء به على سرحان والرأي لك إن قبلت النجاء، فأخرجه راشداً لاعليك ولا لك! فقال: لله أنت جربَّةٌ جمعتم والله لو كنتم باهليين مازدتم! أما والله لآتين غداً شيخاً لكم قد وصف بالحذق باللؤم والتعليم له فأمتدحتكم عنده، لعلَّ الله أن ينفعكم بي، إذ ضرَّني بكم. قال الأخفش: فما شككتُ أنه يعني سعيد ابن مسلم! فقلت: ياأعرابيُّ، ومن شيخنا يرحمك الله؟ قال: أصيمعي ههنا ذكر لي، بلغني أنّ أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب ﵇ قطع يد جده في شنٍ سرقه، فلذلك سميَّ الأصمعي. فقلت: ياأبا الخطاب، نجني من هذا، ولك الإقرارُ بالتصريف ما عشت! قال الأخفش: فقلت له: ياأعرابيُّ، قُم فقد أغناك الله! فقال: وبمن؟ قلت: بي! قال: كلاّ والله إنَّ لوجهك لحراقيف تُدلُّ على أنك وهذا الشيخ رضيعاً لبان! ثمّ تناول زبيله، فأقبلتُ أقول: اللهمَّ أخرجه عنَّا في عافيةٍ! فخرج وهو يقول " من الرجز ": ياربَّ جبسٍ، قد غدا في شانه ... لا يسقطُ الخردلُ من بنانهِ ولايريمُ الدَهْرَ من مكانه ... أشجع من ليثٍ على دُكانِهِ لايطمعُ السائلُ في رُغفانهِ ... لم يُعطني الفلس على هوانهِ يا ربّ فالَعَنْه بترجمانه وانصرف. قال: وقال خلف بن خليفة الأقطع يمدح يزيد بن عمر بن هبيرة ويصف قصره الذي بناه - وقال الفضل بن الربيع: هو لابن أبي عُيينة المهلبي في قصر عيسى بن جعفر بالخُريبة " من البسيط ": زُرْ وادي القصر نعمَ القصرُ والوادي ... لابُدَّ من زورةٍ عن غير ميعاد زرهُ فليس له شبهٌ يعادله ... من منزل حاضرٍ إن شئت أو بادِ تُرفى قراقيره والعيسُ واقفةٌ ... والنونُ والضَبُّ والملاحُ والحادي قال: أخذه من الذي يقول " من الكامل ": مُكَّاؤُها غَرِدٌ ... يُجيبُ الخضر من ورشانها قرنتْ رؤوسُ ظبائها ... بالزرق من حيتانها وقال: دخلت البادية فإذا أنا بأعرابية على قبرٍ وهي تنشد " من البسيط ": هل أخبر القبر سائليه ... أو قرَّ عيناً بزائريه

стр. 60

أو هل تراه أحاط علماً ... بالجسد المستكن فيه لو يعلم القبر من يراري ... تاه على كلٍ مايليه ياموت لو تقبل افتداءٍ ... لكنتُ بالنفس أفتديه أنعى يزيداً لمعتفيه ... أنعى يزيداً لمعتريه ياجبلاً كان ذا امتناع ... وركن عزٍ لآمليه يانخلة طلعها نضيدٌ ... يقربُ من كفِ مجتنبيه تحلو نعم عنده سماحاً ... ولم تطب قطُّ لابفيه ويا مريضاً على فراشٍ ... تؤذيه أيدي ممرضيه ويا صبوراً على بلاء ... كان به اللهُ يبتليه يا موت ماذا أردت مني ... حققَّت ما كنتُ أتقيه دهري رماني بفقد إلفي ... أذم دهري وأشتكيه آمنك الله كلَّ روعٍ ... وكلَّ ما كنت تتقيه قال: فدنوت منها. فقلت: من صاحب هذا القبر؟ قالت: والله لو علمت مكان أحدٍ ماتكلمتُ! قلت: فإن رأيت أن تعيدي الأبيات؟ قالت: سبحان الله، أوبلغ منك الجهل ما أرى؟ أقول لك: لو علمت مكان أحدٍ ما تكلمت! ثمّ تقول: أعيدي الأبيات!؟ قلت: فإني قد حفظتها، أنشدك؟ قالت: نعم! فأنشدتها، قالت: لعلك الأصمعي الذي يبلغنا خبره؟ فقلت: نعم! ثمّ انصرفت. وقال: دخلتُ على الرشيد في الليل، فتذاكرنا أحوال القمر، فقلت: العربُ تقول إذا كان ابن ليلة: رضاعُ سخيله حِلَّ أهلها برميله. قيل: ماأنت ابن ليلتين؟ قال: حديثُ أمتين بكذب ومين. قيل: ماأنت ابن ثلاث؟ قال: قليلُ اللباث. قيل: فما أنت ابن أربع؟ قال: عتمةُ أمّ ربع غير جائع ولا مرضع. قيل: فابن خمس؟ قال: عشاءُ خلفات قعس - ويقال: حديثٌ وأنس. ويقال: سِر وأمس. قيل: ماأنت ابن ست؟ قال: سِر وبت - وقيل: تحدَّث وبت. قيل: فابن سبع؟ قال: دلجة ضبع - وقيل: أنسُ ذي الجمع. وقيل: حديثُ جمع. وقيل: يضفر في النسع. وقيل: يلتقطُ في الجزع. وقيل: الودع. وقيل: عشيَّة أهل جمع. قيل له: ماأنت ابن ثمان؟ قال قمرٌ إضحيان. قيل: ماأنت ابن تسع؟ قال: يثقبُ فيَّ الجزع ويقطع الشسع. قيل: فما أنت ابن عشر؟ قال: ثلثُ الشهر - وقيل: مخانقُ الفجر. وقيل: أوديك إلى الفجر. وقيل: أبادرُ الفجر. وقيل: ماأنت ابن إحدى عشره؟ قال: أطلع عشاء وأرى بُكره - وقيل: أغيبُ بسحره. قيل: ماأنت ابن إثنتي عشرة؟ قال: مؤنق للبشر بالبدو والحضر. قيل: ماأنت ابن ثلاث عشرة؟ قال: قمرُ باهرٌ لكل ذي ناظر. قيل: ماأنت ابن أربع عشرة؟ قيل: مقتبل الشباب أضيءُ مدجنات السحاب. قيل: ما ابن ست عشرة؟ قال: نقص الخلق بالغرب والشرق. قيل: ماأنت ابن سبع عشرة؟ قال: أمكنتُ المقتفره - قال ثعلبٌ: المقتفرةُ الذي يتبعُ الآثار، ومقفراته موضعه الذي يقصده. قيل: ماأنت ابن ثماني عشرة؟ قال: انبسط أهل العشرة. قيل: ماأنت ابن تسع عشرة؟ قال: بطيءُ الطلوع بين الخشوع. قيل: ماأنت ابن عشرين؟ قال: أطلع بسحره وأنتظر بالبهمه - قال ثعلب: وسط الليل. قيل: ماأنت ابن إحدى وعشرين؟ قال: كالقبس يرى بالغس. قيل: ماأنت ابن اثنتين وعشرين؟ قال: بطيء السُرى إلا ريث ماأرى. قيل: ماأنت ابن ثلاثٍ وعشرين؟ قال: أطلعُ في قتمه ولاأجلو الظلمه في قتمه - أي في غبار. قيل: ما أنت ابن أربع وعشرين؟ قال: لاقمر ولا هلال. قيل: ماأنت ابن خمس وعشرين؟ قال: دنا الأجل وانقطع الأمل. قيل: ماأنت ابن ستٍ وعشرين؟ دنا فلا يرى مني إلا شفا - أي بقية. قيل: ماأنت ابن سبع وعشرين؟ قال: أطلعُ بُكره ولا أرى ظهرا. قيل: ماأنت ابن ثمان وعشرين؟ قال: ضئيل لاصغير فلا يراني إلا البصير. قيل: ماأنت ابن تسع وعشرين؟ قال: أسبق شعاع الشمس. قيل: ماأنت ابن ثلاثين؟ قال: هلالٌ مستبين. وقال: كنتُ بالبادية فنظرت إلى أعرابي في يوم شديد البرد، وقد حفر لنفسه حفرة في الأرض ودفن نفسه فيها وهو يقول " من الطويل ": يا ربُّ هذا القُرُّ أصبح كالحاً ... وأنت بعدمي عالمٌ لاتعلمُ فإن كنت يوماً ما جهنمَّ مدخلي ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم قال الرياشي: كنا عند الأصمعي فجاءه رجلُ سكران وكان جارٌ له ندافاً، فقال له: امدحني بالجوار! فقال له " من الكامل ":

стр. 61

حيَّاك ربُّك واصطحبت عصيدةً ... وإدامها زبد فزبد واندف فقبَّل رجله وقال: جزاك الله خيراً! قال: ودخلتُ الحمَّام فوجدت رجلاً وسيماً فقلت: مانسبك؟ قال: لاأدري. قلت: ماأسمك؟ قال: عمرويه؟ قلت: فالصنعة؟ قال: حائك. فناولته ليفة وقلت: ادلك بهذا ظهري! وقلت " من الرمل ": إنما أنت لحاك الله ... يا عمرويه جيفه كنتُ أرجوك فعند اليأس ... ناولتك ليفه لو كما تنقص تزدا ... د إذن كنت خليفه وقال: كنتُ أنشد هذا البيت ولا أرى له ثانيا " من الوافر ": أرى للكأس حقاً لاأراه ... لغير الكأس إلا للنديم فسمعت بعض أصحاب الحمَّامات يوقد ويقول " من الوافر ": هو القطبُ الذي دارت عليه ... رحا اللذات في الدهر القديم قال: جاؤنا بقثاء كأنه أُيور المراهقين وموزٍ كأذرع الأبكار. - قال: وقرأ رجلٌ: (إنَّا أرْسَلْنا نُوحا) فأرتج عليه، فقال له نبطيُّ: خلفه إن لم يذهب نوح فأرسل غيره. - وقال: كلُّ ما عمل من الدروع بالعراق فهو الفارسي، وما عمل بالشام فهو السلوقي. - وكان إذا استثقل إنساناً أنشد " من البسيطط: من يشتري ستةً مني بواحدةٍ ... أمَّن يبادلُ جيراناً بجيران وسُئل: لمَ سمَّتَ العرب أولادها كلباً وذئباً وعبيدها ميموناً ومباركاً؟ قال: سمَّت أولادها لأعدائها وسمَّت عبيدها لأنفسها. - وقال: ماعرفتُ معنى قول الله تعالى: (حَصَبُ جَهَنَّمَ) حتى سمعت أعرابية تقول: حصبتُ التنَّور - أي أوقدته. - وقال: دهاة العرب أربعة: معاوية وعمرو ابن العاص والسائب بن ألقرع والمغيرة بن شعبة، وكلُّهم وُلد بالطائف. - وقال: قلتُ لأعرابي: خيرُ الغداء بواكره، فكيف في العشاء؟ قال: سوافره! يعني من قبل مغيب الشمس. وقال: دخلت على الرشيد بعقبٍ علَّة، فقال: كيف أنت؟ فقلت: شفاني الله برؤية أمير المؤمنين، ولقد بتُّ بليلة النابغة! فقال: إنَّا لله، هو والله قوله " من الطويل ": فبتُّ كأني ساورتني ضئيلةٌ ... من الرقش في أنيابها السُمُّ ناقعُ فعجبت من ذكائه وفطنته. قال الرشيد يوماً: أنشدونا أحسن ماقيل في العقاب! فعذر القومُ ولم يأتوا بشيء، فقال الأصمعي: من أحسنه " من البسيط ": باتت يؤرقها في وكرها سغب ... وناهضٌ يخلسُ الأقواتَ من فيها ثمّ استمرَّ بها عزمٌ فحدَّرها ... كأنما الريحُ هبَّتْ من خوافيها ماكان إلا كرجع الطرف إذ رجعت ... ملأى تمطقُ ممَّا في أسافيها ثمّ قال: وهذا امرؤ القيس يقول " من الطويل ": كأن قلوبَ الطير رطباً ويابساً ... لدى وكرها العُنَّابُ والحشفُ البالي فقال الرشيد: لله درك، مامن شيء إلا وجدتُ عندك فيه شيئاً. وقال: دخل العباس بن ألحنف على الرشيد وعنده الأصمعي، فقال: أنشدنا من ملحك الغريبة! فأنشده " من الهزج ": إذا ماشئت أن تصنع ... شيئاً يعجبُ الناسا فصور ههنا فوزاً ... وصور ثمَّ عبَّاسا ودع بينهما شبرا ... وإن زدتَّ فلاباسا فإن لم يدنوا حتى ... ترى رأسيهما راسا فكذبها وكذبة ... بما قاست وما قاسى فلمَّا خرج قال الأصمعي: مسترقٌ من العرب والعجم! فقال لي: ماكان من العرب؟ فقلت: رجلٌ يقال له عمر هوي جارية يقال لها قمر، فقال " من الهزج ": إذا ما شئت أن تصنع ... شيئاً يعجب البشرا فصور ههنا قمراً ... وصور ههنا عُمرا فإن لم يدنو حتى ... ترى بشريهما بشرا فكذبها بما ذكرت ... وكذبه بما ذكرا قال: فما كان من العجم؟ قلت: رجلٌ يقال له فلق هوي جارية يقال لها روق، فقال " من الهزج ": إذا ماشئت أن تصنع ... شيئاً يعجبُ الخلقا فصور ههنا روقاً ... وصور ههنا فلقا فإن لم يدنوا حتى ... ترى خلقيهما خلقا فكذبها بما لاقت ... وكذبه بما يلقَّى

стр. 62

قال: فبينا نحن كذلك إذ دخل الحاجب، فقال: عبَّاسٌ بالباب! فقال: ايذن له! فدخل، فقال: ياعبَّاسُ، تسرقُ معاني الشعر وتدَّعيه. فقال: ماسبقني إليه أحدٌ. فقال: هذا الأصمعي يحكيه عن العرب والعجم، ثمّ قال: ياغلام، ادفع الجائزة إلى الأصمعي! فلَّما خرجنا قال العبَّاس: كذبتني وأبطلت جائزتي! فقلت: أتذكر يوم كذا؟ ثمّ أنشأتُ أقول " من البسيط ": إذا وترت أمرءاً فاحذر عداوته ... من يزرع الشوك لايحصدُ به عنبا قال: وكان الأصمعي يكثر من إنشاد " من الطويل ": فإن تجمع الأيام بيني وبينها ... بذي الرمثِ صيفاً مثل صيفي ومربعي شددتُ بأعناق النوى بعد هذه ... مرائر إن جاذبتها لم تقطع وذكر بإسناده عن أبي هلال الراسبي عن النبي صلى الله عليه وسل: سيَّدُ إدام أهل الجنة اللحم وسيّد ريحان أهل الجنة الفاغية. قال الأصمعي: الفاغية نور الحناء. وقال: قال عليّ بن أبي طالب ﵁ " من الهزج ": لاتصحب أخا الجهل ... وإياكَ وإياهُ فكم من جاهلٍ آذى ... حليماً حين آخاهُ يُقاسُ المرءُ بالمرء ... إذا ماهو ماشاهُ وللشيْ على الشيء ... مقاييسٌ وأشباهُ وقال عليّ ﵇ على المنبر: ماأصبتُ من دنياكم هذه - أو قال: من فنئكم - غير هذه القارورة - يريد قارورة الغالية - أهداها إليَّ دُهقانٌ - قال: فرفع الدال - من دهاقين الشأم ورمُاَّنا أهدي إليّ من رُمَّان خلوان. قال: ولقي عمر بن الخطاب رجلاً بطرف الحرة فقال له: ما أسمك؟ قال: طارق. قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب. قال: ممن؟ قال: من الحرقة. قال: فأين منزلك؟ قال: بحرة النار. قال: بأيّها؟ قال: بذات لظى. قال: أدرك أهلك، فقد أحترقوا! فرجع إلى أهله فوجدهم قد أحترقوا. - وقال: أتيتُ بعض الأعراب وقد مات سيَّدٌ لهم وإذا بعضهم يقول " من الكامل ": فلئن بكيناهُ فحُقَّ له البكا ... ولئن تركناهُ فللكبرِ فلمثله جرت العيون دماً ... ولمثله جمدت فما تجري قال وكان بالبصرة أعرابيّ من بني تميم يُطفل على الناس، فعاتبته على ذلك، فقال: والله ما بنيت المنازل إلا لتدخل، ولاوضع الطعامُ إلا ليؤكل، وما قدمت هدية فأتوقع رسولاً، وما أكره أن أكون ثقيلاً على من أراه شحيحاً بخيلاً وأتقحم عليه مستأنساً وأضحك إن رأيته عابساً وآكل برغمه وأدعه بغمه، فما أعدَّ للَّهوات طعام أطيبُ من طعام لاتنفق عليه درهماً ولا تعني إليه خادماً! ثمّ أنشد " من الخفيف ": كلُّ يومٍ أدورُ في عرصة الحيّ ... أشمُّ القُتارَ شمَّ الذئاب فإذا ما رأيتُ آثار عُرسٍ ... وختانٍ أو مجمع الأصحاب لم أرَوَّعْ دون التقحُّم لا أر ... هبُ دفعاً ونُكرةَ البَوَّاب ًمستهيناً بما هجمتُ عليه غير مستأذنٍ ولاهيَّابِ فتراني ألفُ بالرغم منه ... كُلَّ ما قدَّموه لفَ العقاب ذاك أدنى من التكلف والغر ... م وغيظ البقال والقصاب ولد الأصمعي سنة اثنتين - وقيل: ثلاثٍ - وعشرين ومائة، ومات سنة ثلاث عشرة - وقيل: أربع عشرة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: ست عشرة - ومائتين. وقال أبو العالية يرثيه " من البسيط ": لله درُّ بنات الدهر إذ فجعت ... بالأصمعي لقد أبقت لنا أسفا عش مابدا لك في الدنيا ترى ... في الناس منه ولامن علمه خلفا آخر أخبار الأصمعي وبه تمام الجزء الثاني في أبتداء أمر البصرة ونزول المسلمين فيها

стр. 63

كان في أول هذا الكتاب سئل قتادة: لمَ سُميت البصرة بها؟ فقال: قالت العرب: أنزلونا أرضاً بَصْرةً! أي غليظة. وفي أخرى أنه قال: أتدرون من مصر البصرة؟ قيل: لا! قال: رجل من بني شيبان يُسمى المثنى بن حارثة وإنه كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁: إني نزلتُ أرضاً بصرة. فكتب إليه: إذا أتاك كتابي هذا فأثبت حتى يأتيك أمري! فبعث عُتبة بن غزوان معلماً وأميراً، فغزا الأبُلَّة، وقال له حين وجهَّه: سِرْ! فإذا بلغت أقصى أرض العرب وأدنى أرض البيضاء. - وقال ابن دريد: الشيحُ والقيصوم أناخ فنزل، وذلك عند البيضاء. - وقال ابن دريد: البيضاء بالبصرة دارُ عبيد الله بن زياد. - وخطَّأ أبو حاتم تعليل قتادة وقال: لو كان كما ذكره لكانت النسبة إليها بصرياً كنمري، وإنما سُميت بها للحجارة البيض التي في المِرْبد. - ووصف عُتبة بن غزوان لعمر ﵁ أرض البصرة فقال: فيها حجارةٌ بيضٌ خُشن. فقال عمر: هي البصرة. قال الأصمعي: يقال إنَّ البصرة من أرض الهند، ويقال لها المؤتفكة والخُريبة وتَدْمُرُ والبصيرة. وقال: سواد البصرة الأهواز وفارس وميسان ودستميسان، وسواد الكوفة كسكر إلى الزاب إلى عمل حُلْوان إلى القادسية. وعن إياس بن معاوية: مثلت الدنيا على طائر، فالبصرة ومصر الجناحان والشأم الرأس والجزيرة الجؤُجؤ واليمن الذنب. بعث أبو موسى وفداً إلى عمر بن الخطاب فيهم الأحنف بن قيس وهو أضغرهم سناً، فقام ذوو الأسنان فتكلموا، فكان عامة كلامهم الثناء على أمرائهم وحوائج أنفسهم. ثمّ قام ألحنف فقال: ياأمير المؤمنين، إن إخواننا من أهل الكوفة نزلوا منازل كسرى في العيون العذاب والجنان الخصبة في مثل عين الجمل الفاسقة، يأتيهم ماأتاهم من ثمارهم غضاً غريضاً لم ينخضد؛ وإن إخواننا من أهل مصر نزلوا منازل الفراعنة والأمم الخالية؛ وإن إخواننا من أهل الشأم نزلوا منازل بني جفنة وقيصر والروم؛ وإنَّا معاشر أهل البصرة نزلنا في سبخة نشاشة زعقة هشاشة لايجف ثراها ولا ينبتُ مرعاها، طرف لها بالفلاة وآخر في البحر الأجاج، يُجرُّ إليها مايجر في مثل مريءٍ النعامة؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يرفع خسيسنا وينعش كيستنا ويزيد في أرزاق عيالنا وأن يصغر درهمنا ويكبر قفيزنا وأن يأمر لنا بنهر يُحفر. ففعل عمر ذلك وقال: ليس فيكم مثل هذا، كلُّ منكم إنما تكلم في حوائج نفسه، وهذا تكلم في أمر الرعية وعامة الناس، فهو سيّد مسوَّدٌ! ثمّ أمر زياداً بحفر نهر الأبُلة، فحفره. فلمَّا بلغ الفتق تيَّمن زياد بمعقل بن يسار لصحبته من رسول الله ﷺ ، ففتقه معقل فنسب إليه، فسلّم زياد ألف درهم إلى صاحب يدفعها إلى من يشيع أنه نهر زياد، فكلُّ من كلمه فيه لايقول إلا نهر معقل، فردّ الألف. في فضل البصرة، روى أبو ذز قال: أُهدي إلى رسول الله ﷺ طبقٌ من تمرٍ أو رطب، فجعل يأكل منه البَرْنيَّ والقريثاء، ثم قال: اللهمَّ إنك تعلم أني أُحبها فأنبتها في أحب البلاد إليك واجعل عندها آية بينة! - قال الحسن: فوالله ما أعلمها في بلدٍ أكثر منهما بالبصرة، وقد جعل الله عندها آية بينة المَدَّ والجزر. وقال محمد بن سلام الجُمَحي: كان بالبصرة أربعة كلُّ واحد منهم عالمُ زمانه، لايعلمُ في الأمصار مثله: الأحنف بن قيس في حلمه وعفافه ومنزلته، والحسن في زهده وفصاحته وسخائه وموقعه من قلوب الناس، والمهلَّب بن أبي صُفرة في شجاعته ونجدته، وسوار بن عبد الله القاضي في عفافه وتحريه للحق. وقال أبو العيناء محمد بن القاسم اليمامي: يقال: لايعرف بلدٌ أقربُ برَّا من بحر وحضرا من بدوٍ وقانصَ وحش وصائد سمك ونجدا من عور من البصرة، واسطة الأرض وفرضة التُجار ومغيض الأمطار ومسكن الأحرار، عجب أولها رُطب وأوسطها قصب وآخرها العطب - والعطب القطن -، لهم الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، الملَّقحات بالفحل، تعلَّةُ الصبي والشبخ وتحفة مريم ﵍. - نجز ماكان في أول الكتاب من أخبار البصرة. ٣٢ - ومن أخبار قُطرُب النحوي

стр. 64

هو ابو عليّ محمد بن المستنير، أحد من اختلف إلى سيبويه وتعلم منه، ولم يقرأ كتابه عليه، وكان يدلج إليه، وإذا خرج رآه على بابه غدوةً وعشية، فقال له: ماأنت إلا قُطرب ايل! فلُقب به. - قال ابن دريد: قطرب وقطروب ذكر الغيلان. قال: ولغة أزدية يسمون الكلاب الصغار القطارب. وقال ثعلبٌ: القطرب دويبةٌ كثيرة الحركة وهو الصرار. قال: يُروى عن النبي ﷺ : إنّ أحدكم جيفة ليل قطرب نهار! أي لايقوم بالليل لخير ولاصلاة ويتحرك بالنهار كهذه الدويبة. قال: ولقطرب كتب كثيرة في اللغة والنحو والعروض ومعاني الشعر وغريب الحديث وكتاب في القرآن لم يسبقه إلى مثله أحدٌ. وكان لقطرب ابنٌ مع أبي دلف، فحضر يوماً معه بعض الحروب، فجاءه سهم في رأسه، فحمل مغشياً عليه، فجمع له المتطببين وأمرهم بإخراج السهم من رأسه، فقالوا: إن أخرج السهم ولم يخالطه الدماغ عاش، وإن كان قد خالطه لم يعش. ففتح ابن قطرب عينه وقال: انزعةه! فلو كان في رأسي دماغٌ ماحضرتُ هذا الموضع. فقال أبو دلف من قصيدة " من الكامل ": وليشكرن أبو عليٍ قطربٌ ... مني يدا بيضاء غير عُقامِ ردي عليه فتاهُ بعد ثوائه ... رهناً لكل مهنَّدٍ قصام في حيث لاتجدي عليه دفاترٌ ... موسومةٌ برواقش الأقلام لا النحو ينفعه ولا إتقانه ... علم العروض ومذهب النظاَّم ومن شعر قطرب " من البسيط ": إن كنتَ لستَ معي فالذكرُ منك معي ... قلبي يراك إذا ماغبتَ عن بصري فالعينُ تُبصرُ من تهوى وتفقده ... وناظرُ القلبِ لايخلو من الذكر ويروى لقطرب في مرثية محمد بن منصور - وقيل لكُثير في عمر بن عبد العزيز وقيل لبعض الأعراب " من الكامل ": لهفي عليك للهفةٍ من خائفِ ... كنتَ المُجير لها وليس مجير أمَّا القبور فإنهنّ أوانسٌ ... بجوار قبرك والديارُ قبور عَمَّتْ صنائعه فعَمَّ مُصابه ... فالناسُ فيه كلُّهم مأجورُ والناسُ مأتمُهمُ عليه واحدٌ ... في كلّ دارٍ رنَّةٌ وزفيرُ عمّت مصيبنهُ فصارت أسوةً ... للناس كلهم فليس صبور يُثني عليك لسانُ من لم توله ... خيرا لأنك بالثناء جدير ردَّت صنائعه عليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور وقال في أعلام النبي صلى الله عليه وسل " من الطويل ": حمدتُ إلهي وامتدحت نبيَّهُ ... نبيَّ الهُدى الهادي وإياه أحمدُ توحَّد فيه بالصنيعة إنه ... بكلّ جميلٍ بادئٌ متوحدُ إليكَ رسولَ الله منَّا تحيَّةٌ ... وصلى عليك العابدُ المتهجدُ فأنت رسول الله هادٍ ومهتدٍ ... نبيُّ هُدى للأنبياءِ مؤيدُ وقد قال حسّان وفي الشعر شاهدٌ ... تجددهُ الأيامُ يُروى ويُنشدُ أغرُّ عليه للنبوة خاتمٌ ... من الله مشهورٌ يلوحُ ويشهدُ وأعطاه من لفظ اسمه ليُجلَّهُ ... فذو العرٍش محمود وهذا محمَّد فقلتُ شبيهاً بالذي قال إنني ... به مؤمنٌ حقّاً لربي موُحدُ وضمَّ الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذنُ: أشهدُ فلا يُقبل التوحيدُ إلا بذكره ... ليقرنهُ عند النداء المُوحدُ وماجاء يدعونا بغير دلالةٍ ... ولكن بآيات تدلُّ وتشهدُ سمعنا له منها بخمسين آية ... سأذكرُ عنه بعضها وأجددُ فمنها كلامُ الذئب للرجل الذي ... رأى الذئب في أعناقه يتردَّدُ عجبتُ لأخذي منك شاةً رزقتها ... وهذا رسول الله يؤذى ويجحدُ فخلَّى عن الشاة التي كان ضمَّها ... وأقبلَ للإسلام يسعى ويحفدُ دعا شجرا حتى يجامع مثله ... فجاء يشقُ الأرض والأرض فدفَدُ فضمَّهما حتى رأى الناسُ فعله ... وردَّ التي جاءت إلى حيث يعهد

стр. 65

ومن ذاك جذعٌ حن شوقاً إلى الرضا ... فما زال ساعات يميلً ويسند وقد سمعوا صوتاً من الجذع بيتنا ... فيا عجباً ممَّن يشكُ ويُلحدُ ومن دون هذا حُجَّةٌ ودلالةٌ ... كأن الذي يعدوهما يتعمدُ ومن ذاك شاةٌ خلوة الضرع مسَّها ... فدرَّت بغزرٍ حافلٍ يتزَّبدُ فقام إليها الحالبان فأترعا ... أوانيها والضرعُ ريَّانُ أبرْدُ يدٌ مسَّت الأطباءُ وبوركت ... مؤيدةً بالله وهو المؤيَّد مطهرةً التركيب من كل آفةٍ ... مباركةَ الأفعال ما مثلها يدُ وسار إلى البيت المُدَّس ليلة ... مسيرةَ شهرٍ واردٌ ليس يُطرد يخبرُ بالعير التي في طريقه ... ليوُقن أهل الشِرك ذاك فيسعد مسيرة شهرٍ من تهامة ذاهباً ... إليه وشهرٍ راجعاً حين يجهد ومنا ذراعٌ مسَّها فتكلمت ... تحذره من أكلها وتؤكد وكانت ذراعاً قُدمت في طعامه ... وقد سمَّها قومٌ لأحمدَ حُسَّدُ وكان الذي قالت له: لاتمسنيَّ ... ففيَّ سُمومٌ حَرُّها ليس يَبْردُ فأمسك عنها والنبيُّ مؤيدٌ ... يُوفقهُ ربٌّ رحيمٌ ويُرشدُ ومن ذاك عينٌ جاد فيها بتفلةٍ ... فأبصر من كانت له حيث يقصدُ وسالت على الخدين منها غشاوةٌ ... فعاد بها في جفنه يتوقدُ وما كان يرجو أن تعود بصيرةً ... وقد ذهبت حيناً وكان يُقَّودُ ولكن رسول الله أصلحها له ... وتصلحُ في الله الأمورُ وتفسدُ وقد رام هذا الفعل من عين أعور ... مسيلمة الكذاب يبغي ويحسدُ فلم تبره العين التي كان يشتكي ... ولم تسلم الأخرى التي كان يحمد فأعماه لمّلأ أن دنا لعلاجه ... ليفرق بين الحق والبُطل أحمدُ وشاءٌ لعبد القيس مرَّ بأذنها ... فلاحت شهابُ منه تبقى وتخلد وصار على أولادها منه ميسم ... يلوحُ على آذائها حين تُولدُ يُخبر عمَّا لم يجيء بمجيئه ... وما قال فيه اليوم جاء به الغد ومضمر أمر قال ما في ضميره ... دلائل منه بالنبوة تشهد ومن ذاك أخبارٌ عن الغيب قالها ... يُعاينُ منه الصدق فيها ويُوجدُ فسودده بالله إذ كان وحيه ... إليه وهل فوق النبوة سُودد وكان يسمي في قريشٍ أمينها ... فلم يأته الأصنام إذ ذاك تعبدُ فأظهر بالإسلام دعوة صادقٍ ... فضَّل له سهمٌ إليها مُسَدّدُ ففاضت عيون البئر من كل جانبٍ ... بماءٍ فراتٍ نابعٍ يتوَّلدُ فأسقتهم حتى رووا وركابهم ... وقد زوَّدوا منه الذي يُتزوَّدُ وكان أراد الشأم في بعض أمره ... فأقبل سيلً ينشرُ الأرض مُزْبدُ فقحَّمَ في سيلٍ بعاقٍ يعُمُّه ... فصار طريقاً يابساً يتخدَّدُ ويسمعُ من أصواتها في طريقه ... تمجدهُ أنّ النبيَّ مُمجَّدُ وليس رأى إلا الحجارة حوله ... ويسمع صوتاً بالسلام يُردَّدُ وفي مزود إحدى وعشرون تمرةً ... به جاءت الآثار تروى وتسند وقد ضمَّها قدَّامه في ردائه ... وأقبل يدعو ربَّه ويمجدُ فزادت ولاتحصى زيادات ربنا ... ولايبلغ الغايات منها المعدد ثلاثة آلافٍ قضوا منه شبعهم ... وما أفضلوا حتى احتشى منه مزود وجهز منه مزنة فوق رأسه ... رآها بحيرا الراهب المتعبدُ تُظلله من كل حر يصبه ... تقيمُ عليه ما أقام فيركدُ

стр. 66

وإن سار سارت لاتفارق رأسه ... فقال لهم: هذا النبي محمَّدُ حليم رحيمٌ لينُ متواضعٌ ... سَحيّق حييٌّ عابدٌ متزهدُ وكان رسول الله فوق صفانتا ... يُقصرُ فيه من يقولُ فيجهدُ قال يعقوب بن السكيت: كتبت عن قطرب قمطرا، ثمّ تبينت أنه يكذب في اللغة، فلستُ أذكرُ عنه شيئاً. - وقال أبو زيد: قطرب وأبوه معتزليَّان. ومات قُطرب في سنة ست ومائتين. ٣٣ - ومن أخبار يعقوب الحَضْرميّ هو أبو محمد يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي المُقرئ، ولد سنة عشرين ومائة. - قال محمد بن سعد: يعقوب بن إسحاق الحضرمي ليس عندهم بذاك الثبت، يذكرون أنه حدث عن رجال لقيهم وهو صغير لم يدرك. وأخوه أبو إسحاق أحمد بن إسحاق ثقةٌ أكبر من أخيه يعقوب. قال يعقوب: مات حميد الطويل في جمادي الأولى سنة أربعين ومائة، ومات أبان بن أبي عياش في أول رجب سنة ثمان وثلاثين ومائة، ومات الحسن في رجب سنة عشر ومائة. توفي يعقوب الحضرمي وأبو عامر العقدي يوم الأحد في جمادي الأولى سنة خمس ومائتين. ٣٤ - ومن أخبار كيسان المحوي هو أبو سليمان بن المعرَّف كيسان الهُجيميُّ. قال أبو زيد: كان ثقة. وقال أبو عبيدة: العلمُ يمسخُ على لسان كيسان أربع مرات: يسمع معنا غير مانسمع، ويكتب في ألواحه خلاف مايسمع، وينقل إلى الدفة خلاف مايكتب في لوحه، ويقرأ من الدفتر خلاف مافيه. وقام أبو زيد يوماً من مجلسه وقال: كانت العرب تقول: ليس لحاقن رأيُ. قال كيسان: ولالمنعظ. فقال: ماسمعناه ولكن اكتبوه فإنه حقٌ. وقرأ عليه صبيُّ شعراً مرَّ فيه ببيت فيه ذكر العيس، فقال له: ما العيس؟ فقال: الإبل البيض التي تخلط بياضها حمرة. قال: وما الإبل؟ قال: الجمال. قال: وما الجمال؟ فقام على أربعة ورغا في المسجد. ٣٥ - ومن أخبار خلاد بن يزيد الباهليّ الأرقط كنيته أبو عمرو - وقيل: أبو مخلد - ولقب بالأرقط لجدريّ كان به. قال خلادٌ: كنّا على باب أبي عمرو بن العلاء ومعنا التيميُّ، فتذاكرنا كتاب الحجاج إلى قتيبة بن مسلم: إني وإياك لدةٌ وإن امرأً سار خمسين حجة إلى منهل لقمن أن يرده. فقلنا: نصنع في هذا المعنى بيتاً. قال: فارتفع بيننا هذا البيت " من الطويل ": وإن امرأً قد سار خمسين حجَّةً ... إلى منهلٍ من ورده لقريبُ فاستلبه التيمي فأدخله في شعره. قال خلاد: وسار فانفردت أنا ببيت وهو " من الطويل ": ومن كان في الدنيا على حال قلعة ... وإن طال فيها عمره لغريب وقال خلادٌ: حضرنا يزيد بن عمر بن هبيرة في يوم مهرجان وهو أمير العراق، فأسندت له حديث رسول الله ﷺ : إذا أُتي أحدكم بهدية فجلساؤه شركاؤه فيها! وكان بين يديه صنوفُ مما أهدي إليه من الذهب والفضة والجوهر، فقام خلف بن خليفة الأقطع فقال " من المتقارب ": كأنا شماميسُ في بيعةٍ ... تسبحُ في بعض عيداتها وقد حضرت رسلُ المهرجان ... وصفوا كريمَ هداياتها علوتُ برأسي فوق الرؤوس ... فأشخصته فوق هاماتها لأثكسبَ صاحبتي صحفةً ... تغيظُ بها بعض جاراتها فأمر له بجام ذهبٍ فيه صورة شجرة كرم، فقال " من الرمل ": أصبحتُ صحفة أهلي من ذهب ... وصحافُ الناس حولي من خشب وإذا سببُ لي خيرُ أتى ... إنَّ للصنع وجوهاً وسبب فأصبنا صحفة منقوشةً ... نقشت فيها تصاويرُ العتب زين الجام فلما نلته ... زيَّن الشيطان لي مافي الجُربُ إنَّ شيطاني مريدٌ فاتكٌ ... لو أماليه عليها لوثب قال: فأمر له بجراب ثياب، فقال: حسبي أيها الأمير، قد غنيتني! وأقبل يعطيه شيئاً بعد شيء وهو يقول " من الطويل ": إذا الله سنى أمر شيءٍ تيسرا

стр. 67

ثمّ أقبل علينا ابن هبيرة يحدثنا، فقال: إن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ﵁ ورد على يزيد بن معاوية، فقال له: كم كان أمير المؤمنين يعطيك؟ قال: كان ﵀ يعطيني ألف ألف. فقال يزيد: قد زدناك لترحمك عليه ألف ألف. قال: بأبي أنت،امي. قال: ولهذه ألف ألف. قال: أما أني لاأقولها لأحد بعدك. قال: ولهذه ألف ألف. قال: مايمنعني من الأطناب في وصفك إلا الإشفاق عليك من جودك. قال: ولهذه ألف ألف. وحمل المال معه، فقيل ليزيد: فرَّغت بيت مال المسلمين على رجلٍ واحدٍ. قال: إنما دفعته إلى أهل المدينة أجمعين. ثمّ وكل به من يعرفه خبره من حيث لايعلم، فلما دخل المدينة فرق المال فيها حتى أحتاج بعد شهرٍ الى القرض. قال: وأقبل ابن هبيرة يفرق الهدايا وينشد شعر الخثعمي " من البسيط ": لاتبخلن بدنيا وهي مقبلةٌ ... فليس يقصها التبذيرُ والسرف فإن توَّلت فأحرى أن تجود بها ... فالشكر منها إذا ماأدبرت خلف وحدّث خلاد بإسناد له عن عروة بن الزبير أنه قال لعائشة: يأماه - أو: ياخالاه - نظرتُ في أمرك، فعجبت من أشياء ولم أعجب من أشياء، رأيتك من أفقه الناس! - فقلت: مايمنعها وهي زوجة رسول الله ﷺ ورأيتك من أعلم الناس بالشعر! - فقلت: مايمنعها وهي ابنة أبو بكر الصديق - ورأيتك من أعلم الناس بالطب! قال: فأخذت بثوبي وجرَّتني إليها وقالت: ياأبا عُرَّية إن رسول الله ﷺ كان مسقاما، فكان أطباء العرب وأطباء العجم ينعتوتن له، فكنا نعالجه. ٣٦ - ... ومن أخبار أبي الحسن المدائني وهو علي بن محمد بن عبد الله بن أبي سيف القرشي، مولى عبد الرحمان بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف. قال أبو خيثمة: هو صدوق ثقة. وقال يحيى بن معين: هو صدوق إذا حدث عن الثقات، فأحاديثه مستقيمة. وقال يحيى بن معين: من أراد اخبار الجاهلية فعليه بكتب أبي عبيدة، ومن أراد أخبار الإسلام فعليه بكتب المدائني. وحدث المدائني بإسناد له عن معاذ بن جبل قال: مات ابن لي، فكتب إليَّ النبي صلى الله علسه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل، أما بعد فعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، ثمّ إن أنفسنا وأموالنا وأهلينا من مواهب الله الهنيئة، وعواريه المستودعة، يمتع بها إلى أجل معدود، ويقبضها لوقتٍ معلوم، جعل عليه الشكر إذا أعطى، والصبر إذا ابتلى، وقد كان ابنك من مواهب الله الهنيئة، وعواريه المستودعة، متعك به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجرٍ كثير، إن صبرت واحتسبت! فلا يجتمعن عليك، يامعاذ، أن يحبط جزعك أجرك فتندم غدا على ثواب مصيبة، علمت أن المصيبة قد قصرت عنك، وأعلم أنَّ الجزع لايرد ميتا ولايدفع حزنا، فليذهب أسفك ماهو نازلٌ، فكأن قد. وبإسناده عن أنس قال: وضع النبي ﷺ إبراهيم في حجره وهو يجود بنفسه، وقال: لولا أنه موعدٌ صادقٌ ووعدٌ جامع وأنّ الماضيَ فرطُ الباقي وأنّ الآخر لاحقُ الأول، لجزعنا عليك، ياإبراهيم! ثمّ دمعت عينهُ ﷺ ، فقال: تدمعُ العينُ ويحزنُ القلبُ، ولا نقول إلا مايرضي الرّبَّ وإنَّا بك، ياإبراهيمُ، لمحزونون! - وبه عنه ﷺ : سُرعة المشي تذهب ببهاء المسلم. وقال المدائني: ليست الفُتَّوةُ الفسقَ والفُجور إنما الفتوةُ طعامٌ موضوعٌ ونائلٌ مبذولٌ وعفافٌ معروفٌ وأذى مكفوف.

стр. 68

وقال المدائني: كان عفّانُ بن أبي العاص مؤنثاً يلعب في الأعراس بالدُفّ، ومثله الحكم بن أبي العاص، وكان شيبة بن ربيعة حلقياً وكان يأتيه منبه بن الحجاج بن سعد بن سهم وكذلك أبو جهل بن هشام، وكان النضر بن الحارث بن علقمة حلقياً ويأتيه صفوان بن أمية بن خلف، وكان خالد بن خويلد بن حزام مؤنثاً ويأتيه ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان عنبسة بن أبي أحيحة سعيد بن العاص حلقياً، وكان مصعب بن الزبير مؤنثاً، وكان عبد العزيز بن مروان حلقياً محدوداً في خمر، وكان يزيد بن عبد الملك - وهو ابن عاتكة بنت يزيد بن معاوية - حلقياً، وكان الوليد بن يزيد بن عبد الملك حلقياً مؤنثاً، وكان ألحوص بن محمد مستوهاً، ويزيد بن المهلب وقبيصة بن المهلب حلقياَّن، وكان يزيد بن حاتم مخنثاً حلقياً، وجميل بن محفوظ الأزدي مستوها، وكان خالد بن عبد الله القسري حلقياً مستوها، وكان سفيان بن معاوية بن يزيد ابن المهلب حلقياً مشهوراً بذلك، وكان محمد بن القاسم بن محمد بن الحكم ابن أبي عقيل مسعود بن عامر بن معتب صاحب السند مستوهاً، وكان أبان بن الحجَّاج بن يوسف مأبوُناً، وكان مالك بن المنذر بن الجارود مستوهاً، قال الفرزدق " من الطويل ": لِكُلِ أُناسٍ مَسجِدٌ يعمرونه ... ومسجدُ عبد القَيس فَقْحَةُ مالك وكان كردم السدوسي حلقياً، والمقداد بن مجزأة بن ثور حلقياً وكان مصقلة ابن رقبة العبدي مستوها. وقال: أول من عمل الصابون سليمان بن داوود ﵉، وأول من عمل القراطيس يوسف بن يعقوب ﵉، وأول من عمل السويق ذو القرنين، وأول من خبز الرُقاق نمرود بن كنعان، وأول من كتب في القراطيس الحجَّاج بن يوسف، وهو أول من ترجم الديوان بالعربية وهو أول من عمل المحامل وأول من لبس الخفاف الساذجة بالبصرة ولبس الثياب الكتان زياد، وأول من لبس الخز وقور الطرازي عبد الله بن عامر. قال المدائني: ولدت سنة خمس وثلاثين ومائة. قال الحسين: ومات سنة خمس وعشرين ومائتين. وقيل له في مرض موته: ماتشتهي؟ قال: أشتهي أن أعيش! ٣٧ - ومن أخبار ابن سلام الجُمحي وهو أبو عبد الله محمد بن سلام بن عبيد الله بن سالم مولى عثمان بن مظعون الجمحي. قال ابن سلام: أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها حمَّاد الراوية، وكان غير موثوق به. وقال ابن سلام: ذاكرت مروان بن أبي حفصة جريراً والفرزدق والأخطل، وسأله غيري، فقال: يرويه كلُّ قوم بأهوائهم ولكني أقيده بشعر. ووقال " من الكامل ": ذهب الفرزدق بالفخار وإنما ... حُلْوُ القصيد ومُرُّه لجرير ولقد هجا فأمضَّ أخطل تغلب ... وحوى اللُهى بمديحه المشهور كلُّ الثلاثة قد أبرَّ فمدحه ... وهجاؤُه قد سار كُلَّ مسير ولقد جريتُ وفقت غير مبلدٍ ... بجراء لانزقٍ ولامبهورِ جراءٌ مصدر جاريته جراءً ومجاراةً أي ماشيته. وقال: كنتُ ببغداد فمررت بأبي نواس في يوم شديد البرد، فقال لي: أين تذهب في هذا اليوم البارد؟ انزل حتى نتغذَّى بغذاء طيب، وأسمعك سماعاً حسنا، ونشربُ بالكبار حتى ننام! ثمّ أنشدني " من المجتث ": اليومُ يومُ الحجار ... ويومُ ايقاد نار ويومُ قصفٍ ولهوٍ ... والخفق بالأوتار ويومُ شُرْبِ مدامٍ ... نديرها بالكبار حتى نغادرّ صرْعى ... من قبل نصف النهار قال: فنزلت، فوفى بما قال، فوالله ما انتصف النهار حتى نمنا جميعا.

стр. 69

قال ابن سلام: حدثني أبانُ بن عثمان قال: جاء رجلٌ من جند عبد الملك ابن مروان ومعه ابنه إلى عبد الملك، فقال: ياأمير المؤمنين، إني تزوجتُ امرأة وزوجت باني أُمها، فلو أمرت لنا بأعطياتنا فنرُمَّ من شأننا ونضُمَّ إلينا أهلنا. قال: فإذا ولد لكما غلامان فما قرابة بينهما؟ إن أصبت أعطيتكما. ففكر ساعة ثم قال: ياأمير المؤمنين، هذا صاحب شرطتك قلدته سيفك وما وراء بابك إن أصابها فلا تعطني، وإن لم يصبها فأنا أعذر. فقال: صدقت! فسأله عنها، ففكر طويلاً ثمّ لم يُحر جواباً. فناداه رجلٌ من أقصى الصف من أهل العراق: إن أنا أصبتها تأمر لي بحاجتي؟ قال: نعم! قال: ابن الأب عمُّ ابن الابن، وابن الأبن خالُ ابن الأب. - قال ابن سلام: فسألني عنها شعبة وأنا غلام. ومات ابن سلام ببغداد سنة ثنتين وثلاثين ومائتين، ومات أخوه عبد الرحمان بن سلام بالبصرة في هذه السنة بينهما أيامٌ. ٣٨ - ومن أخبار أبي عبد الرحمن العٌتْبِيّ وهو محمد بن عبيد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس. قال الأصمعي: الخطباء من بني أمية عبد الملك بن مروان وعتبة بن أبي سفيان. - قال عتبة بن أبي سفيان لبعض ولده: يابُنّيَّ، بزّهْ سمعك عن سماع الخنى كما تنزه لسانك عن اللفظ به، فإن السامع شريك القائل، وإنما عمد إلى شر ما في وعائه، فأفرغه في وعائك، ولو رددت كلمة الجاهل في فيه لسعدت بها كما شقي هو بها. ثم أنشأ يقول " من المتقارب ": تحرَّ من الطرق أوساطها ... وعد عن الجانب المُشتَّبه وسمعك صُنْ عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن اللفظ به فإنك عند استماع القبيح ... شريكٌ لقائله فأنتبه وكم أزعج الحرص من طالب ... فأدركه الموتُ في مطلبه وقال عتبة لمؤدب ولده: ياعبد الصمد، ليكن إصلاحك بني إصلاحك نفسك، فإن عيوبهم إليك والحسن عندهم ما استحسنت والقبيح عندهم ما استقبحت، علمهم كتاب اللهِ ولاتُملَّهم فيكرهوه ولاتدعهم منه فيهجروه، وروهم من الشعر أعفه ومن الحديث أشرفه، ولاتخرجهم من علم إلى علم حتى يُحكموه، فإنَّ ازدحام العلم في الفهم مضلة للفهم، وجنبهم محادثة النساء وأشغلهم بسير الحكماء، وهددهم بي وأدبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الرفيق الذي لايعجل من الدواء حتى يعرف موضع الداء، وقد أتكلت على كفايةٍ منك فلا تتكلن على عّذرٍ مني، واستزدني بزيادتهم أزدك إن شاء الله! واستعمل عتبة رجلاً من آله على الطائف، فظلم رجلاً من الأزد من شنؤة، فأتى الأزدي عتبة فمثل بين يديه فقال " من البسيط ": أمرت من كان مظلوماً ليأتيكم ... فقد أتاك غريبُ الدار مظلوم ثمّ ذكر ظلامته، فقال عتبة: إني أراك أعرابياً جافياً، والله ما أحسبك تدري كم تصلي في كل يوم وليلةٍ. فقال: أرايت إن أنبأتك ذا، أتعجل لي عليك مسئلة؟ قال: نعم. قال الأعرابي " من الرجز ": إن الصلاة أربعٌ وأربعُ ... ثمّ ثلاثٌ بعدهن أربعُ ثمّ صلاة الفجر لاتضَيَّعُ قال: صدقت فسل! قال: كم فقارُ ظهرك؟ قال: لاأدري. قال: أفتحكم بين الناس وأنت تجهل هذا من نفسك؟! فقال: رُدُّوا عليه غُنيمته! وقال سعد القصر مولى عتبة: احتسبت علينا كُتُب معاوية حتى أرجف أهل مصر بموته، ثمّ قدم كتابه بسلامته، فصعد عتبة بن أبي سفيان المنبر والكتاب بين يديه فقال: ياأهل مصر، قد طالت معاتبتنا إياكم بأطراف الرماح وظبات السيوف، حتى صرنا شجى في لهاكم ما تسوغها حلوقكم، وأقذاء في عيونكم ماتطرف عنها جفونكم. أفحين اشتدت عرى الحق عليكم عقدا واسترخت عقد الباطل منكم حلاً!؟ أرجفتم بالخليفة وأردتم توهين الخلافة وخضتم الحقَّ إلى الباطل، وأقدم عهدكم به حديثٌ؟! فاربحوا أنفسكم إذ خسرتم دينكم! وهذا كتابُ أمير المؤمنين بالخبر السار والعهد القريب منه، واعلموا أن سلطاننا على أبدانكم دون قلوبكم، فأصلحوا لنا ما ظهر، نكلكم إلى الله فيما بطن، وأظهروا خيراً وإن أسررتم شرَّاً، فإنكم حاصدون ما أنتم زارعون، وعلى الله أتوكل وبه أستعين! ثمّ نزل.

стр. 70

وكتب معاوية إلى عتبة وهو والي مصر في عقوبات أقوام، وأمره أن لا يراجعه في ذلك، فكتب إليه عتبة: بالله على أداء حقك أستعين وعليه في جميع أمرك أتوكل، أنا مقتدٍ بكتابك ومنتهٍ إلى أمرك ومتخذه إماماً ما أمَّ الحزم، فإذا خالفه فعندها المراجعة لئلا يرجع عليك ضرره، ولم يغب أمير المؤمنين عما شهدت، ولم يرجع إليه ضرر مافعلت؛ وقد علم من قبلي أن ناري ذكيَّة الشعل لمن عاداك، وأن جنابي أحلى من العسل لمن والاك، فليثق بذلك مني لهم وعليهم وأنا أستكفيك الذي استكفاني بك، ولاقوة إلا بالله. فلما ورد كتابه على معاوية قال: كلامٌ موجزٌ وعقلٌ محرزٌ، فليعمل برأيه. وعن أبي عطاء مولى عتبة قال: قدم علينا ابن عباس سنة إحدى وأربعين وهو كالقرحة المنبجسة، قال: فكان عتبة قليل الكلام، فنظر ابن عباس إلى عتبة يُحدُّ النظر إليه ويقل الكلام معه، فقال له: ياأبا الوليد، مالك تحد النظر - إليَّ وتقل الكلام معي، ألعقلةٍ فطالت أم لموجدة فدامت؟ فقال عتبة: ياأبا العباس، أما قلةُ كلامي معك فلقلته مع غيرك، وأما كثرة نظري إليك فلما أرى من أثر سبوغ النعمة عليك، ولئن سلطت الحقَّ على نفسك لتعلمن أنه لايعرض عنك إلا مبغض ولا ينظرُ إليك إلا محبُّ، ولئن كان هذا الكلام شفي منك داءً وأظهر منك مكتوماً ماأحبُ غيره. فقال ابن عباس: أمهيت، ياأبا الوليد! - يقال: أمهيت الحديدة إذا حددتها على المسن، يريد: بلغت الغاية في العذر - ولو كنتُ على يقين مما ظننت بك لكفاني أو لأرضاني دون ما سمعت منك. فتبسم معاوية ثمّ قال " من الرجز ": دعوتُ عركاً إذ دعا عراكا ... جندلتان اصطكتا اصطكاكا من ينك العير ينك نياكا لاتدخلوا بين بني عبد منافٍ، فإن الحلم لهم حاجزٌ، والداخل بينهم عاجزٌ، وإن فطنة ابن عباس مقرونة بفطنته، ثم تمثل " من الطويل ": سمينُ قريشٍ مانعٌ منك شحمهُ ... وغثُّ قريش حيث كان سمين قال معاوية، لما مات أخوه عتبة، لولده: رحم الله أباكم وآنس وحشة عمكم وأحسن الخلافة عليكم، هلك أقربُ الناس إليَّ بعد والدي وأحبهم إليَّ بعد يزيد، ولئن كانت المنية أخطأتني لقد أصابتني. - توفي أبو سفيان سنة أربع وثلاثين وصلى عليه عثمان بن عفان، وتوفي ابنه عتبة سنة أربع وأربعين حين صدر معاوية عن الحج. ودخل الرفزدق على عمرو بن عتبة في يوم حار وهو يسلت العرق عن جبينه ويقول " من البسيط ": لولا ابن عتبة عمروٌ والرجاءُ له ... ما كانت البصرة الحمقاء لي وطنا أعطاني المال حتى قلت: يودعني ... أو قلت: يدفع حقَّاً قد آراه لنا فجوده متعبٌ شكري ومنته ... وكلما ازددت شكراً زادني مننا يرمي بهمته أقصى مسافتها ... ولا يريد على معروفه ثمنا فأعطاه عليها مائة دينار، وقيل: ألف دينار. ومن دعاء عمرو بن عتبة: اللهم أعني على الدنيا بالقناعة وعلى الدين بالعصمة. اللهم إني أعوذ بك من طول الغفلة وإفراط الفطنة. اللهم لاتجعل قولي فوق عملي، ولاتجعل أسوأ عملي ماولي أجلي. اللهم إني استغفرك ما أملك وأستصفحك لما لاأملك. اللهم لاتجعلني ممن إن مرض ندم وإن أستغنى فتن وإن افتقر حزن. قال الربيع الحاجب. لما مات المنصور قدمت وفود الأمصار على المهدي يعزونه، فما حفظنا عنهم شيئاً نستطرفه إلا كلمات من العتبي البصري فإنه قال: آجر الله أمير المؤمنين على أمير المؤمنين قبله وبارك لأمير المؤمنين فيما خلفه له، فلا مصيبة أعظم من موت والدٍ إمامٍ ولا عقبى أفضل من خلافة الله على أولياء الله، فاقبل يأامير المؤمنين من الله أفضل العطية واحتسب عنده أعظم الرزية! فقال النمهدي: من هذا الرجل؟ فقيل: من بني أمية من ولد عتبة بن أبي سفيان. قال: ماظننت أنه بقي من أعجازهم ماأرى. وأولم محمد بن خالد الثقفي فدعا أبان بن عبد الحميد اللاحقي وسهم بن عبد الحميد الحنفي والحكم بن قنبر وعبيد الله بن عمرو العتبي، فاحتبس عنهم الغداء، فجاء محمد بن خالد فوقف على الباب فقال: ألكم حاجة؟ يمازحهم بذلك، فقال أبانُ " من السريع ": حاجتنا عَجِلْ علينا بها ... من الحشاوي كُلُّ طردين فقال ابن قنبر " من السريع ": ومن خبيص قد حكت عاشقاً ... صفرته زين بتكوين

стр. 71

فقال عبيد الله " من السريع ": وأتبعوا ذاك بآيينة ... فإنكم أصحاب آيين فقال سهم " من السريع ": دعنا من الشعر وأوصافه ... واعجل علينا بالأخاوين فأحضر الغداء وخلع عليهم ووصلهم. أول شعر قاله العتبي " من الطويل ": بقلبي شيءٌ لستُ أعرفُ قدرهُ ... على أنه ماكان فهو شديد تمرُّ به الأيامُ تسحبُ ذيلها ... فتبلى به الأيامُ وهو جديدُ قال: دخلتُ على المأمون ببغداد، وحين خرجت قلت لأحمد بن أبي خالد: هل أنكرت مني شيئاً؟ قال: بلى، أضحكت أمير المؤمنين في شيء، وكان ضحكك أكثر من ضحكه. وكان ابنه عبيد الله نادرة في الشعر، وكتب إلى أبيه " من السريع ": وعدتني وعداً فأخلفتني ... فثق بأني عنه مستغن غنيتُ من ربي بمثل الذي ... غنيتُ يا هذا به عني أخلفت ظني بك في حاجة ... ما أخلف الله بها ظني صرتَ بها في الناس أحدوثة ... وأضحك الله بها سني ما عجبي من واحدٍ مخلفٍ ... بل عجبي في أملي مني وكتب إلي بعض أهله كتاباً فلم يأته الجواب، فقال " من الوافر ": عمرتُ لك المودةَ بالتلاقي ... فما جازيتني بالقرض قرضا وواصلت الكتاب مع التنائي ... فلم أرَ للجواب إليَّ نهضا إذا كتب الصديقُ إلى صديقٍ ... فقد وجب الجواب عليه فرضا وقال العتبي في جارية كان يحبها اسمها ملك " من البسيط ": لمَّا رأتني مُلْكٌ قاصراً بصري ... عنها وفي الطرف عن أمثالها زورُ قالت: عهدتك مجنوناً، فقلت لها: ... إن الشبابَ جنونٌ بُرْؤهُ الكبرُ وهذا البيت الأخير من الأبيات السائرة والأمثال الطاردة، ومثله لحسَّان " من الخفيف ": إن شرخ الشباب والشعر الأسود ما ... لم يعاص كان جنونا واكل العتبي قوماً، فجاؤا بفالوذجة حارةٍ، فقصر عنها القوم وأمعن العتبي، فقال بعضهم لبعض: قد غبننا العتبي بأكله وامتناعنا. قال: لأنه ليس معنا صبر آل أبي سفيان على النار. وكتب أبو علي الحرمازي إلى العتبي " من الهزج ": بنفسي أنت قد جاء ... ك ماعندي من كتبك فلا يبعد من الإفضا ... لِ من يرجوه من قربك فما زلت أخا جودٍ ... وإفضالٍ على صحبك وسلْ قلبك عَمَّا لك في قلبي من حُبِكْ فقد أخبرني قلبي عمَّا لي في قلبك وإني لك راضٍ بي ... وإني لي لراضٍ بك وكتب أيضاً إليه الحرمازي " من السريع ": أصبح بخيرٍ وبه أمس ... ما أستخلف اليوم من الأمس أما تكافيني على سرعتي ... برد كراساتك الخمس ومستعيرٌ منك أمثالها ... إذ لم يطل عنك لها حبسي فابعث بما أمكن من نحوها ... تفديك من كلّ الأذى نفسي وقال العتبي: أصابتني نكبة في طريق مكة، فجعلت أمشي وأنا أقول " من الهزج ": أرى الموتَ لمن أمسى ... على الذل له أصلح قال: فهتف بي هاتفٌ " من الهزج ": ألا يا أيها المرءُ الذي ... الهمُّ به برَّحْ إذا ضاق بك الأمرُ ... ففكر في (ألمْ نَشْرَحْ) سرقاته وسرقات من سرق منه، قال العتبي في ابن له مات " من الكامل ": أضحت بخدي للدموع رسومُ ... أسفاً عليك وفي الفؤاد كُلُومُ والصبر يحسن في المواطن كلها ... إلا عليك فإنه مذموم استرقه حبيبٌ في بيتين أحدهما قوله في إدريس بن بدر " من الطويل ": دموعٌ أجابت داعي الحزن هُمَّعُ ... توصل منا عن قلوب تُقطَّعُ وقد كان يُدعى لابس الصبر حازماً ... فأصبح يُدعى حازماً حين يجزع والآخر قوله " من الكامل ": قالوا: الرحيل! فما شككت بأنها ... نفسي عن الدنيا تريد رحيلا الصبر أحمدُ غير أنَّ تلذذا ... في الحبّ أحرى أن يكون جميلاً وقيل: أخذ العتبي قوله يرثي ابنه " من الطويل ":

стр. 72

وكنت به أُكنى فأصبحتُ كُلَّما ... كُنيتُ به فاضت دموعي على نحري من قول الشاعر " من الكامل ": بأبي وأمي من غبار حنوطه ... بيدي وودَّعني بماءِ شبابهِ كيف السُلُو وكيف صبري بعده ... وإذا دّعيتُ فإنما أدعى به قيل للعتبي: من أشعر الناس؟ قال: أشعر الناس في الجاهلية الملك الضليل، وأشعر الناس في الإسلام الذي يقول - يعني أبا نواس - " من الوافر ": فقام إلى العقار فسَدَّ فاها ... فعاد الليل مُسْوَدَّ الإزار يعني بالملك الضليل امرأ القيس. ولمَّا عُزل طاهر بن عليّ عن البصرة قال العتبي " من الكامل ": يا صاحباً متلوناً ... متبايناً فعلي وفعله ما إنْ أُحبُّ له الرَدَى ... بلْ سَرَّني والله عزلهْ لم تعد فيما قلت لي ... وفعلت بي ماأنت أهْلُهُ كم شاغلٍ بك عدوتيهِ ... وفارغٌ من أنت شغْلُهْ وقال " من الطويل ": ولي صاحبٌ سري المُكتم عنده ... محاريقُ نيرانٍ بلبل تحرَّقُ عطفتُ على أسراره فكسوتها ... ثياباً من الكتمان ما إن تخرَّقُ فمن تكن الأسرار تطفو بصدره ... فأسرار صدري بالأحاديث تغرقُ فلا تودعن الدهر سرَّك أحمقاً ... فإنك إن أودعته منه أحمق وحسبك في ستر الأحاديث واعظاً ... من القول ماقال اللبيب الموفق إذا ضاق صدرُ المرءُ عن سر نفسه ... فصدرُ الذي يستودعُ السرَّ أضيقُ وقال في الشيب " من الوافر ": وقائلةٍ تبيضُ والغواني ... نوافرُ عن معالجة القتيرِ عليك الخضب علَّك أن تُدنَّى ... إلى بيضٍ ترائبهن حور فقلت لها: المشيبُ نذيرُ عمري ... ولستُ مسوداً وجه النذير قال المبرد: تبيض أي تدع لحيتك بيضاء، يقال: بيضّ فلانٌ إذا ترك رأسه ولحيته أبيضين، وهذا كقوله تعالى (وَمَنْ أحيَاها) أي تركها حيَّةً. - وقال العتبي " من الرمل ": آذنتك الشعراتُ ... البيضُ بالخطبِ الجليلِ لم تدع في النفس شكاً ... لك من وشك الرحيلِ يوشك المُرسلُ أن يلقاك ... من بعد الرسول مات العتبي سنة ثمان وعشرين ومائتين، وحضر ابن عائشة جنازته وأنشد " من الكامل ": وابيضَّ مني الرأسُ بعد سواده ... ودعا المشيبُ خليلتي لبعادِ واستحصد القرنُ الذي أنا منهمُ ... وكفى بذاك علامةً لحصادي ٣٩ - ومن أخبار العائشي التيميّ قال عمر بن شَبَّة: هو عبيد الله بن محمد بن حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر التيمي القرشي. وعائشة جدته بنت طلحة. وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: هي بنت عبد الله بن عبيد الله بن معمر التيمي، وأُمها أمّ أبان بنت زياد بن أبي سفيان. وقال عليّ بن هارون عن أبيه: من الشعراء الملقبين عبد الله بن عبيد الله العائشي، وكنيته أبو سعيد، وكانت سمية إحدى جداته وهي أم زياد بن أبيه. قال: كان عبيد الله بن محمد قد أنفق على الإخوان ثلاثمائة ألف دينار، وجاءه وكيله يوماً بثمن ثمارٍ له مائة دينار وثلاثمائة درهم وهو في المسجد، فزافاه سائل، فأدخل يده في كم الوكيل فأخرج منها فدفعه له، فلم يزل السؤال يوافونه وهو يدفع إليهم حتى أفنى الدراهم والدنانير، فقال له وكيله: كم تعطي؟ فقال: أنا كما قال " من الكامل ": وفتى خلا من ماله ... ومن المروءة غير خال أعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤالِ وقدم من البصرة إلى بغداد في شعبان سنة تسع عشرة ومائتين، فكتب عنه العلم، وحكي أنه كان يمسك بيمينه شاةً وبيساره شاةً إلى أن يسلخا. ٤٠ - ومن أخبار عبيد الله بن معمر التيميّ

стр. 73

مرّ عبيد الله على راعٍ في ظل حائط ومعه غنمٌ يرعاها، فقال: ياراعي، هل من لبن؟ قال: أنا مملوك وهذه الغنم لمولاي، ولايسعني ماتسألني ولا يحلُّ لي. قال وهو يطعم وإلى جنبه كلبٌ يأكل لقمةً ويلقي إليه لقمةً، فقال عبيد الله: إنك لعجبٌ! قال: وماذاك؟ قال: أراك تقاسم الكلب طعامك. قال: أولاً أستحيي من ذي عينين يراني آكل ولاأطعمه؟! قال له: فلمن هذه الغنم؟ قال: لبني فلان من أهل المدينة. قال: ومملوك من أنت؟ قال: لهم. قال: فلمن هذا الحائط؟ - يعني البستان. قال: لهم. قال: فأتى عبيد الله بن معمر مواليه، فقال: أتبيعوني مملوككم فلاناً؟ قالوا: نعم! قال: والغنم؟ قالوا: نعم! قال: والبستان؟ قالوا: نعم! فاشتراها كلَّها، ثمّ أقبل إلى الراعي فقال له: أنت، ياراعي، حُرٌّ لوجه الله! قال: الحمد لله على ذلك! قال: وقد اشتريتُ الغنم فهي لك! قال: أشهدك، يامولاي، إنها صدقة على المساكين! قال: وقد اشتريت الحائط وهو لك! قال: أشهدك، يامولاي، إنه وقفٌ على فقراء أهل المدينة! فانصرف عبيد الله وهو يقول: مارأيت كاليوم مثل هذا العبد لله درُّه! واشترى عبيد الله جارية بعشرين ألف دينار، كانت تُسمى الكاملة من الغناء وجودة الضرب ومعرفة الألحان والقرآن والشعر والكتابة وفنون الطبيخ والعطر. وكانت عند فتىً قد أدبها لنفسه، وكان يجدُ بها وجداً شديداً، فلم يزل ينفق عليها حتى أملق واحتاج. فقالت له الجارية: والله إني لأرثي لك وأشفق عليك، ولو أنك بعتني نلت غنى الدهر ولعل الله أن يصنع لنا جميلاً. فحملها إلى عبيد الله، فأعجبته، فاشتراها. فلما قبض الفتى المال استعبر كلّ واحدٍ منهما إلى صاحبه، فأنشأت تقول " من الطويل ": هنيئاً لك المالُ الذي قد حويته ... ولم يبقَ في كفيَ إلا تفكُّري أقولُ لنفسي وهي في عين كربةٍ ... أقلي فقد بان الحبيبُ وأكثري إذا لم تكن للأمر عندك حيلةٌ ... ولم تجدي شيئاً سوى الصبر فاصبري فقال الفتى " من الطويل ": ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... تفرقنا شيئاً سوى الموتِ فاعذري أبوءُ بحزنٍ من فراقك موجعٍ ... أناجي به قلباً طويلَ التفكرِ عليك سلامٌ لازيارةً بيننا ... ولاوصلَ إلا ان يشاءَ ابنُ معْمَرِ فقال عبيد الله ورقَّ لهما: خذ بيدها وانصرفا راشدين! والمالُ الذي نقدته في ثمنها أنفقه عليها! واللهِ لا أخذتُ منها درهماً. قُتل عبيد الله بن معمر لأربعين سنو برستاق من رساتيق إصطخر في زمن عثمان بن عفان، ومات ابنه عمر لستين سنة بالشأم بموضع يقال له ضمير، فرثاه الفرزدق وقال من أبيات " من البسيط ": يا أيها الناسُ لاتبكوا على أحدٍ ... بعد الذي بضميرٍ وافقَ القَدَرا كانت يداه لكم سيفاً يعاذُ به ... من العدوِ وغيثاً ينبتُ الشجرا فابكي هبلتِ أبا حفصٍ وصاحبه ... أبا معاذٍ إذا المولى به انتصرا ٤١ - ومن أخبار محمد بن حفصٍ روى عنه ولده عبيد الله بن محمد بن عائشة، وكان جواداً فصيحاً شاعراً. قال يحيى بن معين: العائشي رجل صدقٍ، ليس ممن يكذب إلا أنه سمع صغيراً. ورد أعرابيٌ على محمد يسأله شيئاً، فقيل له: ويحك إن عليه ديناً! إذ طلع محمد، فقال له الأعرابيُّ: يا أبا عبد الرحمان، قد والله أخبروني بعذرك ولكن مثلك ومثلي كما قال من هو قبلي، وقد أنبئت أن عليك ديناً، فزد في رقم دينك واقض ديني! فأمر له ببدرة. رئي ابن عائشة في يومٍ شديد الحر نصف النهار بالبصرة وهو على حمار وبين يديه غلامان، فقيل له: في مثل هذا الوقت؟ فقال: نعم! " من الطويل ": حقوقٌ لأقوامٍ أريدُ قضاءها ... كأني إذا لم أقضهن مريض عُزي محمد بن عائشة في ابن له، فأنشد " من الطويل ": يُعزي المُعزي ساعةً ثمّ تنقضي ... ونفسُ المُعزَّى في أحرَّ من الجمرِ لأن المُزّي إلفهُ في مكانه ... وإلفُ المُعزَّى في ضريح من القبر وقال عبد الله بن شبيب: رايت ابن عائشة وقف على قبر ابنٍ له قد دفن، فزفر زفرةً ثم قال " من الطويل ": إذا ما دعوتُ الصبر بعدك والبُكا ... أجاب البُكا طوعاً ولم يجبِ الصبرُ

стр. 74

فإن ينقطع منك الرجاءُ فإنه ... سيبقى عليك الحُزن ما بقي الدهرُ قال أبو العيناء: قلتُ لابن عائشة: حدثني هذا الحديث! قال: إي والله وكرامة. ثمّ أنشد " من الطويل ": وأهونُ ما يعطي الخليلُ خليلهُ ... من الهيّن الموجودِ أن يتكلَّما وقال: مارأيتُ قطُّ أحسن استنشاداً عند الحاجات من ابن عائشة! قلتُ له يوماً: كان ابو عمرو المخزومي يقصدك كثيراً، ثمّ قد جفاك. فأنشد " من الطويل ": فإنْ تَنأَ عَنَّا لاتَضُرْنا وإنْ تَعُدْ ... تجدنا على العهد الذي كنت تعلمُ وكان يقول: جزعك في مصيبة صديقك أحسن من صبرك، وصبرك في مصيبتك أحسن من جزعك. - قيل له: فلانٌ عليل، أفلا تعوده؟ فقال متمثلاً " من الطويل ": ولستُ بزوارٍ لمن لايزوروني ... ولستُ أرى للمرء مالايرى ليا وكان ينشد " من الكامل ": الحظُّ أنهضُ بالفتى من علمه ... فانهض بجدٍ في الحوادثِ أو ذر وكان يقول: لاتعرف كلمةٌ بعد القرآن وبعد كلام رسول الله ﷺ أخصر لفظاً ولاأكمل وصفاً ولاأعمَّ نفعاً من قول أمير المؤمنين عليّ ﵇: قيمةُ كلِ امرئ مايحسن. وكان ينشد " من الخفيف ": قيمةُ المرء مثلُ ما يحسنُ المر ... ءُ قضاءٌ من الوصيّ عليّ قال الصوليّ: زنظمه آخر فقال " من السريع ": قال عليُّ بنُ أبي طالبٍ ... وَهْوَ الإمامُ العالمُ المتقنُ كلُّ امرئٍ قيمتهُ عندنا ... وعند أهل العقل مايحسنُ قال ابن عائشة: ما رأيت أظرف من أبي نواس، مررت به يوماً في سكة قريش، فإذا هو في عقد باب دار قومٍ وهو يكلم امرأةً، وكان لي صديقاً، فاستخففت به، فلما رجعت قال لي " من الكامل ": يا أيها الرجلُ النبيلُ ... يا من له الرأيُ الأصيلُ أرأيتَ ما أستقبحت من ... أمري هناك هو الجميل أنّ التي أبصرتها ... سحراً تكلمني رسول لبست هي القصد الذي ... يوتى إليه ولا السبيلً أدَّت إلي رسالةً ... كادت لها نفسي تسيلُ من فاتر العينين ينعت خصره ردفٌ ثقيلُ منتصبٌ قوس الصبا ... يرمي وليس له سبيلُ فلو أنّ أذنك عندنا ... فتسمعت ماذا أقول لرأيت ما أستقبحته ... من أمرنا وهو الجميل وعلمت أني في نعيمٍ ... لايحولُ ولايزولُ وقال ابن عائشة: ليعذّبنَّ الله أبا نواسٍ على إساءته في تحسين شرب الخمر للناس وإن كان قد أحسن الوصف وأبدع، أليس الذي يقول " من الوافر ": مضى أيلولُ وانقطع الحرورُ ... وأطفتْ نارها الشِعرى العبورُ فقوما فالقحا خمرا بماءٍ ... فإن نتاج بينهما السُرورُ نتاجٌ لاتدورُ عليه أمٌّ ... وحملٌ لا تُعدُّ له الشهورُ قال ابن عائشة: قصدتُ بغداد أريد السماع على عبد الله بن المبارك، فلما صرتُ بواسط قلت: لو دخلت إلى هذا الشيخ إسحاق بن يوسف الأزرق! فدخلتُ إليه وسلَّمت عليه وهو مريض، فلما رآني أجهش إلي يبكي، فقلت: مايبكيك؟ فقال: ألم ترَ إلى هذا الفاسق!؟ قلتُ: أيُّ الفاسقُ؟ قال: الحسن بن هانئ. قلتُ: ومالك وله؟ قال: كذب على أصحاب رسول الله ﷺ وزعم أني حدّثنه بحديث عن عبد الله بن مسعود. واللهِ ما حدثته به ولا تكلمتُ به! قال: قلت: ماهو؟ قال: ياجارية، هاتي القرطاس الذي دفعته إليك بالأمس. فجاءت به، فإذا فيه " من الرمل ": يا حَسَن المُقلتين والجيد ... وقاتلي منه بالمواعيد توعدني الوعد ثمّ تخلفني ... فيا بلائي من خلف موعودِ حدثني الأزرق المحدثُ عن ... عمرو بن شمر عن ابن مسعود لايخلف الوعد غير كافرةٍ ... وكافر في الجحيم مصفود وجاء أعرابيٌّ إلى ابن عائشة من ولد زهير بن جناب الكلبي، فأنشده مدحاً له فيه فأعجب ابن عائشة، فقال له: أنت والله كما قال الشاعر " من الكامل ": لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوماً علي الأحساب نتكلُ

стр. 75

نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعلُ مثل ما فعلوا ولستُ كما قال جدك زهير بن جناب. فقال: وما الذي قاله جدي؟ فداك ابنه! فأنشده ابن عائشة " من الطويل ": ألا رُبَّ ذي فقرٍ وإن كان مثرياً ... يروح عليه شأوه وأباعرهْ وكم مخربٍ مجداً تولى بناءه ... سواه فأودى عزه ومفاخره تحيف منه اللؤم أكناف مجده ... فقد خرب البيت الذي هو عامره وزال عموداه ورثت حباله ... وأصلح أولاه وأفسد آخره فقال الأعرابي: لله درك من منشد مجيد وعالم مفيد، والله ما نعرف هذا الشعر. قال: بلى أنشدنيه أبي عاصم. قال الأصمعي: أتاني أبو الشمقمق، فأنشدني " من المتقارب ": رأيتك في النوم أطمعتني ... قواصر من تمرك البارحه فقلت لصبياننا: أبشروا ... برؤيا رأيت لكم صالحه قواصر تأتيكم باكراً ... وإلا فتأتيكم رائحه فأمُّ العيال وصبيانها ... إلى الباب أعينهم طامحه فقل لي " نعم " إنها حلوةٌ ... ودع عنك " لا " إنها مالحه وصدق بنجحك تعبيرها ... فلا يك تعبيرها نازحه فأنت امرؤ تبتني المكرمات ... سبوقٌ إلى الصفقة الرابحه يداك يدٌ لسهام العدى ... وأخرى لأفواقها مانحه قال: فامرت له بتمر. وقال ابن عائشة: يعجبني من شعر أبي الشمقمق قوله في أهل بغداد " من الخفيف ": ليس فيها مرؤةٌ لشريفٍ ... غير هذا القناع بالطيلسان وبقينا في عصبة من قريشٍ ... يشتهون المديح بالمحان قال: صحب النبي ﷺ من المهاجيرن أنيس بن مرثد وأبوه مرثد وجده أبو مرثد، ولا يعرف رجلٌ له ولأبيه وجده صحبة غيره. قال: وبلغني أن أبا عروة كان يصيح بالذئب، فيوجد ميتاً قد انفلق قلبه، فقيل له: فكيف لم تمت الشاء؟! قال: لأنها قد ألفته وعلمت أنها ليست مذنبة. وأنشد ابنُ عائشة " من المنسرح ": وقال: لاأعرف في وصف الصديق المكاشر أحسن من قول عبد الله بن معاوية بن جعفر " من البسيط ": لاخير في الود ممن لاتزالُ له ... مستشعراً أبداً من خيفةٍ وجلا إذا تغيبت لم تبرح تُسيْ به ... ظناً وتسأل عما قال أو فعلا يري الصديق بإدخال مكاشرةً ... كيما يصول بها يوماً إذا عقلا فلا عداوته تبدو فيعرفها ... منه ولاوده يوماً إذا اعتدلا دخل خالد بن صفوان مسجد الجامع، فإذا هو بالفرزدق جالساً في الشمس، فقال: ياأبا فراس، والله لو رأينك نسوة يوسف لما أكبرنك وما (قَطَّعنَ ايْديهنَّ) . فقال: أنت والله، يا أبا صفوان، لو رأينك نسوة مدين لما قلن: (استأجره غنَّ خَيْرَ من أستأجرت القَويُّ الأمينُ) . وقال العائشي: أول الفراعنة سنان بن علوان بن عبيد بن عوج بن عمليق يكنى أبا ملك، وهو الأمثل الذي يبست يداه لما مدهما إلى سارة زوجة إبراهيم الخليل ﵇، فوهب لها هاجر بنت ثويب أم أسماعيل؛ وفرعون الثاني فرعون يوسف ﵇، وهو خير الفراعنة، الريَّان بن الوليد ابن ثروان بن اراشة بن قاران بن عمرو بن عمليق، يقال إنه أسلم على يد يوسف ﵇؛ والثالث فرعون موسى ﵇، وهو أخبث الفراعنة، وهو الوليد بن مصعب بن معاوية بن عمرو بن قاران بن عمرو بن عمليق؛ والرابع وهو توفيل الذي قتله بخت نصر حين غزا مصر؛ والخامس أليس بن استاذن وكان طوله ألفي ذراع وكان قصيراه جسراً لنيل مصر دهرا.
следующие страницы →