Полный текст (186 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ ان اسْتَطَعْت أَن تعْمل بِالرِّضَا مَعَ الْيَقِين فالفعل فَإِن لم تستطع فان فِي الصَّبْر على مَا تكره خيرا كثيرا وَأما الرِّضَا بالْكفْر والفسوق والعصيان فَالَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة الدّين أَنه لَا يرضى بذلك فَإِن الله لَا يرضاه كَمَا قَالَ وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الكفروقال وَالله لَا يحب الْفساد وَقَالَ تَعَالَى فَإِن ترضوا عَنْهُم فان الله لَا يرضى عَن الْقَوْم الْفَاسِقين وَقَالَ تَعَالَى فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا وَغَضب الله عَلَيْهِ ولعنه وَأعد لَهُ عذاما عَظِيما وَقَالَ ذَلِك بِأَنَّهُم اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أَعْمَالهم وَقَالَ تَعَالَى وعد الله الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْكفَّار نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا هِيَ حسبهم وَقَالَ تَعَالَى لبئس مَا قدمت لَهُم أنفسهم أَن سخط الله عَلَيْهِم وَفِي الْعَذَاب هم خَالدُونَ وَقَالَ تَعَالَى فَلَمَّا آسفونا انتقمنا منهمفاذا كَانَ الله سُبْحَانَهُ لَا يرضى لَهُم مَا عملوه بل يسخطه ذَلِك وَهُوَ يسْخط عَلَيْهِم ويغضب عَلَيْهِم فَكيف يشرع لِلْمُؤمنِ أَن يرضى ذَلِك وَأَن يسْخط ويغضب لما يسْخط الله ويغضبه
стр. 107
أفهام فِي الرِّضَا والارادة وانما ضل هُنَا فريقان من النَّاس قوم من أهل الْكَلَام المنتسبين الى السّنة فِي مناظرة الْقَدَرِيَّة ظنُّوا أَن محبَّة الْحق وَرضَاهُ وغضبه وَسخطه يرجع الى ارادته وَقد علمُوا أَنه مُرِيد لجَمِيع الكائنات خلافًا للقدرية وَقَالُوا هُوَ أَيْضا محب لَهَا مُرِيد لَهَا ثمَّ أخذُوا يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه فَقَالُوا لَا يحب الْفساد بِمَعْنى لَا يُرِيد الْفساد أَي لَا يُريدهُ للْمُؤْمِنين وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الْكفْر أَي لَا يُريدهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤمنِينَ وَهَذَا غلط عَظِيم فَإِن هَذَا عِنْدهم بِمَنْزِلَة أَن يُقَال لَا يحب الايمان وَلَا يرضى لِعِبَادِهِ الايمان أَي لَا يُريدهُ للْكَافِرِينَ وَلَا يرضاه للْكَافِرِينَ وَقد اتّفق أهل الاسلام على أَن مَا أَمر الله بِهِ فَإِنَّهُ بِكَوْن مُسْتَحبا يُحِبهُ ثمَّ قد يكون مَعَ ذَلِك وَاجِبا وَقد يكون مُسْتَحبا لَيْسَ بِوَاجِب سَوَاء فعل أَو لم يفعل وَالْكَلَام على هَذَا مَبْسُوط فِي غير هَذَا الْموضع والفريق الثَّانِي من غالطي المتصوفة شربوا من هَذِه الْعين فَشَهِدُوا أَن الله رب الكائنات جَمِيعهَا وَعَلمُوا أَنه قدر على كل شَيْء وشاءه وظنوا أَنهم لَا يكونُونَ راضين حَتَّى يرْضوا بِكُل مَا يقدره ويقضيه من الْكفْر والفسوق والعصيان حَتَّى قَالَ بَعضهم الْمحبَّة نَار تحرق من الْقلب كل مَا سوى مُرَاد المحبوب قَالُوا والكون كُله مُرَاد المحبوب وضل هَؤُلَاءِ ضلالا عَظِيما حَيْثُ لم يفرقُوا بَين الارادة الدِّينِيَّة والكونية والاذن الكوني والديني وَالْأَمر الكوني والديني والبعث الكوني والديني والارسال الكوني والديني كَمَا بسطناه فِي غير هَذَا الْموضع وَهَؤُلَاء يؤول الْأَمر بهم الى أَن لَا يفرقُوا بَين الْمَأْمُور والمحظور وأولياء الله وأعداءه والأنبياء والمتقين ويجعلون الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات كالمفسدين فِي الأَرْض ويجعلون الْمُتَّقِينَ كالفجار ويجعلون الْمُسلمين
стр. 108
كالمجرمين ويعطلون الْأَمر وَالنَّهْي والوعد والوعيد والشرائع وَرُبمَا سموا هَذَا حَقِيقَة ولعمري انه حَقِيقَة كونية لَكِن هَذِه الحقية الكونية قد عرفهَا عباد الْأَصْنَام كَمَا قَالَ وَلَئِن سألتهمم من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله وَقَالَ تَعَالَى قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا ان كُنْتُم تعلمُونَ سيقولون لله قل أَفلا تذكرُونَ الْآيَات فالمشركون الَّذين يعْبدُونَ الْأَصْنَام كَانُوا مقرين بِأَن الله خَالق كل شَيْء وربه ومليكه فَمن كَانَ هَذَا مُنْتَهى تَحْقِيقه كَانَ أقرب أَن يكون كعباد الْأَصْنَام وَالْمُؤمن انما فَارق الْكفْر بالايمان بِاللَّه وبرسله وبتصديقهم فِيمَا أخبروا وطاعتهم فِيمَا أمروا وَاتِّبَاع مَا يرضاه الله وَيُحِبهُ دون مَا يقدره ويقضيه من الْكفْر والفسوق والعصيان وَلَكِن يرضى بِمَا أَصَابَهُ من المصائب لَا بِمَا فعله من المعائب فَهُوَ من الذُّنُوب يسْتَغْفر وعَلى المصائب يصبر فَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فاصبر ان وعد الله حق واستغفر لذنبك فَيجمع بَين طَاعَة الْأَمر وَالصَّبْر على المصائب كَمَا قَالَ تَعَالَى وان تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا وَقَالَ تَعَالَى وان تصبروا وتتقوا فَإِن ذَلِك من عزم الْأُمُور وَقَالَ يُوسُف انه من يتق ويصبر فَإِن الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ
стр. 109
مِمَّا رُوِيَ فِي الرِّضَا عَن الفضيل والجنيد وَالْمَقْصُود هُنَا أَن مَا ذكره الْقشيرِي عَن النَّصْر آبادي من أحسن الْكَلَام حَيْثُ قَالَ من أَرَادَ أَن يبلغ مَحل الرِّضَا فليلزم مَا جعل الله رِضَاهُ فِيهِ وَكَذَلِكَ قَول الشَّيْخ أبي سُلَيْمَان اذا سلا العَبْد عَن الشَّهَوَات فَهُوَ رَاض وَذَلِكَ أَن العَبْد انما يمنعهُ من الرِّضَا والقناعة طلب نَفسه لفضلول شهواتها فاذا لم يحصل سخط فاذا سلا عَن شهوات نَفسه رَضِي بِمَا قسم الله لَهُ من الرزق وَكَذَلِكَ مَا ذكره عَن الفضيل بن عِيَاض أَنه قَالَ لبشر الحافي الرِّضَا أفضل من الزّهْد فِي الدُّنْيَا لِأَن الراضي لَا يتَمَنَّى فَوق مَنْزِلَته كَلَام حسن لَكِن أَشك فِي سَماع بشر الحافي من الفضيل وَكَذَلِكَ مَا ذكره مُعَلّقا قَالَ قَالَ الشبلي بَين يَدي الْجُنَيْد لَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه فَقَالَ الْجُنَيْد قَوْلك ذَا ضيق صدر وضيق الصَّدْر لترك الرِّضَا بِالْقضَاءِ فَإِن هَذَا من أحسن الْكَلَام وَكَانَ الْجُنَيْد ﵁ سيد الطَّائِفَة وَمن أحْسنهم تَعْلِيما وتأديبا وتقويما وَذَلِكَ أَن هَذِه الْكَلِمَة كلمة استعانة لَا كلمة استرجاع وَكثير من النَّاس يَقُولهَا عِنْد المصائب بِمَنْزِلَة الاسترجاع ويقولها جزعا لَا صبرا فالجنيد أنكر على الشبلي حَاله فِي سَبَب قَوْله لَهُ اذ كَانَت حَالا يُنَافِي الرِّضَا وَلَو قَالَهَا على الْوَجْه الْمَشْرُوع لم يُنكر عَلَيْهِ
стр. 110
مِمَّا رُوِيَ فِي الرِّضَا عَن مُوسَى ﵇ وَفِيمَا ذكره آثَار ضَعِيفَة مثل مَا ذكره مُعَلّقا قَالَ وَقيل قَالَ مُوسَى الهي دلَّنِي على عمل اذا عملته رضيت عني فَقَالَ انك لَا تطِيق ذَلِك فَخر مُوسَى سَاجِدا متضرعا فَأوحى الله اليه يَا ابْن عمرَان رضائي فِي رضاك عني فَهَذِهِ الْحِكَايَة الاسرائيلية فِيهَا نظر فَإِنَّهُ قد يُقَال لَا يصلح أَن يحْكى مثلهَا عَن مُوسَى بن عمرَان وَمَعْلُوم أَن هَذِه الاسرائيليات لَيْسَ لَهَا اسناد وَلَا يقوم بهَا حجَّة فِي شَيْء من الدّين الا اذا كَانَت منقولة لنا نقلا صَحِيحا مثل مَا ثَبت عَن نَبينَا أَنه حَدثنَا بِهِ عَن بني اسرائيل وَلَكِن مِنْهُ مَا يعلم كذبه مثل هَذِه فَإِن مُوسَى من أعظم أولي الْعَزْم وأكابر الْمُسلمين فَكيف يُقَال أَنه لَا يُطيق أَن يعْمل مَا يرضى الله بِهِ عَنهُ وَالله تَعَالَى رَاض عَن السَّابِقين الْأَوَّلين من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَالَّذين اتَّبَعُوهُمْ باحسان أفلايرضى عَن مُوسَى بن عمرَان كليم الرَّحْمَن وَقَالَ تَعَالَى ان الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هم خير الْبَريَّة جزاؤهم عِنْد رَبهم جنَّات عدن تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ وَمَعْلُوم أَن مُوسَى بن عمرَان ﵇ من أفضل الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات ثمَّ ان الله خص مُوسَى بمزية فَوق الرِّضَا حَيْثُ قَالَ وألقيت عَلَيْك محبَّة مني ولتصنع عَليّ عَيْني ثمَّ ان قَوْله لَهُ فِي الْخطاب يَا ابْن عمرَان مُخَالف لما ذكره الله من خطابه فِي الْقُرْآن حَيْثُ قَالَ يَا مُوسَى وَذَلِكَ الْخطاب فِيهِ نوع غض مِنْهُ كَمَا يظْهر وَمثل مَا ذكر أَنه قيل كتب عمر بن الْخطاب ﵁ الى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ
стр. 111
أما بعد فان الْخَيْر كُله فِي الرِّضَا فَإِن اسْتَطَعْت أَن ترْضى والا فاصبر فَهَذَا الْكَلَام كَلَام حسن وان لم يعلم اسناده واذا تبين أَن فِيمَا ذكره مُسْتَندا ومرسلا ومعلقا مَا هُوَ صَحِيح وَغَيره فَهَذِهِ الْكَلِمَة لم يذكرهَا عَن أبي سُلَيْمَان الا مُرْسلَة وبمثل ذَلِك لَا تثبت عَن أبي سُلَيْمَان بِاتِّفَاق النَّاس فَإِنَّهُ وان قَالَ بعض النَّاس ان الْمُرْسل حجَّة فَهَذَا لم يعلم أَن الْمُرْسل هُوَ مثل الضَّعِيف وَغير الضَّعِيف فَأَما اذا عرف ذَلِك فَلَا يبْقى حجَّة بِاتِّفَاق الْعلمَاء كمن علم أَنه تَارَة يحفظ الاسناد وَتارَة يغلط فِيهِ مِمَّا قَالَ أَبُو سُلَيْمَان فِي الرِّضَا والكتب المسندة فِي أَخْبَار هَؤُلَاءِ المشائخ وَكَلَامهم مثل كتاب حلية الْأَوْلِيَاء لأبي نعيم وطبقات الصُّوفِيَّة لأبي عبد الرَّحْمَن صفوة الصفوة لِابْنِ الْجَوْزِيّ وأمثال ذَلِك لم يذكرُوا فِيهَا هَذِه الْكَلِمَة عَن الشَّيْخ أبي سُلَيْمَان أَلا ترى الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ مُسْندًا حَيْثُ قَالَ قَالَ لِأَحْمَد بن أبي الْحوَاري يَا أَحْمد لقد أُوتيت من الرِّضَا نَصِيبا لَو ألقاني فِي النَّار لكنه بذلك رَاضِيا فَهَذَا الْكَلَام مأثور عَن أبي سُلَيْمَان بالاسناد وَلِهَذَا أسْندهُ عَنهُ الْقشيرِي من طَرِيق شَيْخه أبي عبد الرَّحْمَن بِخِلَاف تِلْكَ الْكَلِمَة فَإِنَّهَا لم تسند عَنهُ فَلَا أصل لَهَا عَن الشَّيْخ أبي سُلَيْمَان ثمَّ ان الْقشيرِي قرن هَذِه الْكَلِمَة الثَّانِيَة عَن أبي سُلَيْمَان بِكَلِمَة أحسن مِنْهَا فَإِنَّهُ قبل أَن يَرْوِيهَا قَالَ وَسُئِلَ أَبُو عُثْمَان الْحِيرِي النَّيْسَابُورِي
стр. 112
عَن قَول النَّبِي ﷺ أَسأَلك الرِّضَا بعد الْقَضَاء فَقَالَ لِأَن الرِّضَا بعد الْقَضَاء هُوَ الرِّضَا فَهَذَا الَّذِي قَالَه الشَّيْخ أَبُو عُثْمَان كَلَام حسن سديد ثمَّ أسْند بعد هَذَا عَن الشَّيْخ أبي سُلَيْمَان أَنه قَالَ أَرْجُو أَن أكون قد عرفت طرفا من الرِّضَا لَو أَنه أدخلني النَّار لَكُنْت بذلك رَاضِيا مَا قَالَه أَبُو سُلَيْمَان عزم على الرِّضَا فَتبين بذلك أَن مَا قَالَه أَبُو سُلَيْمَان لَيْسَ هُوَ رضَا وانما هُوَ عزم على الرِّضَا وانما الرِّضَا مَا يكون بعد الْقَضَاء وان كَانَ هَذَا عزما فالعزم قد يَدُوم وَقد يَنْفَسِخ وَمَا أَكثر انْفِسَاخ العزائم خُصُوصا عزائم الصُّوفِيَّة وَلِهَذَا قيل لبَعْضهِم بِمَاذَا عرفت رَبك قَالَ بِفَسْخ العزائم وَنقض الهمم وَقد قَالَ تَعَالَى لمن هُوَ أفضل من هَؤُلَاءِ المشائخ وَلَقَد كُنْتُم تمنون الْمَوْت من قبل أَن تلقوهُ فقد رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُم تنْظرُون وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كبر مقتا عِنْد الله أَن تَقولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ان الله يحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص وَفِي التِّرْمِذِيّ أَن بعض الصَّحَابَة قَالُوا للنَّبِي ﷺ لَو علمنَا أَي الْعَمَل أحب الى الله لعملناه فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة وَقد قَالَ تَعَالَى ألم تَرَ الى الَّذين قيل لَهُم كفوا أَيْدِيكُم وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة فَلَمَّا كتب عَلَيْهِم الْقِتَال اذا فريق مِنْهُم يَخْشونَ النَّاس كخشية الله أَو أَشد خشيَة وَقَالُوا رَبنَا لم كتبت علينا الْقِتَال لَوْلَا
стр. 113
أخرتنا الى أجل قريب الْآيَة فَهَؤُلَاءِ الَّذين كَانُوا قد عزموا على الْجِهَاد وأحبوه لما ابتلوا بِهِ كرهوه وفروا مِنْهُ وَأَيْنَ ألم الْجِهَاد من ألم النَّار وَعَذَاب الله الَّذِي لَا طَاقَة لأحد بِهِ وَمثل هَذَا مَا يذكرُونَهُ عَن سمنون الْمُحب أَنه كَانَ يَقُول وَلَيْسَ لي فِي سواك حَظّ فكيفما شِئْت فاختبرني فَأَخذه الْعسر من سَاعَته أَي حسر بَوْله فَكَانَ يَدُور على الْمكَاتب وَيفرق الْمُحب أَنه كَانَ يَقُول وَلَيْسَ لي فِي سواك حظفكيفما شِئْت فاختبرني فأخذة الْعسر من سَاعَته أَي حصر بَوْله فَكَانَ يَدُور على الْمكَاتب وَيفرق الْجَوْز على الصّبيان وَيَقُول ادعوا لعمكم الْكذَّاب امتحان سمنون وَحكى أَبُو نعيم الْأَصْبَهَانِيّ عَن أبي بكر الوَاسِطِيّ أَنه قَالَ سمنون يَا رب قد رضيت بِكُل مَا تقضيه عَليّ فاحتبس بَوْله أَرْبَعَة عشر يَوْمًا فَكَانَ يتلوى كَمَا تتلوى الْحَيَّة يتلوى يَمِينا وَشمَالًا فَلَمَّا أطلق بَوْله قَالَ رب قد تبت اليك قَالَ أَبُو نعيم فَهَذَا الرِّضَا الَّذِي ادّعى سمنون ظهر غلطه فِيهِ بِأَدْنَى بلوى مَعَ أَن سمنونا هَذَا كَانَ يضْرب بِهِ الْمثل وَله فِي الْمحبَّة مقَام مَشْهُور حَتَّى رُوِيَ عَن ابراهيم بن فاتك أَنه قَالَ رَأَيْت سمنونا يتَكَلَّم على النَّاس فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فجَاء طَائِر صَغِير فَلم يزل يدنو مِنْهُ حَتَّى جلس على يَده ثمَّ لم يزل يضْرب بمنقاره الأَرْض حَتَّى سقط مِنْهُ دم وَمَات الطَّائِر وَقَالَ رَأَيْته يَوْمًا يتَكَلَّم فِي الْمحبَّة فَاصْطَفَقَتْ قناديل الْمَسْجِد وَكسر بَعْضهَا بَعْضًا
стр. 114
قَول رُوَيْم والفضيل والأعرابي وَقد ذكر الْقشيرِي فِي بَاب الرِّضَا عَن رُوَيْم الْمقري رَفِيق سمنون حِكَايَة تناسب هَذَا حَيْثُ قَالَ قَالَ رُوَيْم ان الراضي لَو جعل جَهَنَّم عَن يَمِينه مَا سَأَلَ الله أَن يحولها عَن يسَاره فَهَذَا يشبه قَول سمنون فَكيف ماشئت فامتحني واذا لم يطق الصَّبْر على عسر الْبَوْل أفيطيق أَن تكون النَّار عَن يمينة والفضيل بن عِيَاض كَانَ أَعلَى طبقَة من هَؤُلَاءِ وابتلي بعسر الْبَوْل فغلبه الْأَلَم حَتَّى قَالَ بحبي لَك الا فرجب عني فَفرج عَنهُ ورويم وان كَانَ من رُفَقَاء الْجُنَيْد فَلَيْسَ هُوَ عِنْدهم من هَذِه الطَّبَقَة بل الصُّوفِيَّة يَقُولُونَ انه رَجَعَ الى الدُّنْيَا وَترك التصوف حَتَّى رُوِيَ عَن جَعْفَر الْخُلْدِيِّ صَاحب الْجُنَيْد أَنه قَالَ من أَرَادَ أَن يستكتم سرا فَلْيفْعَل كَمَا فعل رُوَيْم كتم حب الدُّنْيَا أَرْبَعِينَ سنة فَقيل وَكَيف يتَصَوَّر ذَلِك قَالَ ولي اسماعيل بن اسحق القَاضِي قَضَاء بَغْدَاد وَكَانَ بَينهمَا مَوَدَّة أكيدة فَجَذَبَهُ اليه وَجعله وَكيلا على بَابه فَترك لبس التصوف وَلبس الْخَزّ والقصب والديبقي وَأكل الطَّيِّبَات وَبنى الدّور واذا هُوَ كَانَ يكتم حب الدُّنْيَا مَا لم يجدهَا فَلَمَّا وجدهَا أظهر مَا كَانَ يكتم من حبها هَذَا مَعَ أَنه ﵀ كَانَ لَهُ من الْعِبَادَات ماهو مَعْرُوف وَكَانَ على مَذْهَب دَاوُد وَهَذِه الْكَلِمَات الَّتِي تصدر عَن صَاحب حَال لم يفكر فِي لَوَازِم أَقْوَاله
стр. 115
وعواقبها لَا تجْعَل طَريقَة وَلَا تتَّخذ سَبِيلا وَلَكِن قد يسْتَدلّ بهَا على مَا لصالحبها من الرِّضَا والمحبة وَنَحْو ذَلِك وَمَا مَعَه من التَّقْصِير فِي معرفَة حُقُوق الطَّرِيق وَمَا يقدر عَلَيْهِ من التَّقْوَى وَالصَّبْر وَمَا لَا يقدر عَلَيْهِ من التَّقْوَى وَالصَّبْر وَالرسل صلوَات الله عَلَيْهِم أعلم بطرِيق سَبِيل الله وَأهْدى وأنصح فَمن خرج عَن سنتهمْ وسبيلهم كَانَ منقوصا مخطئا محروما وان لم يكن عَاصِيا أَو فَاسِقًا أَو كَافِرًا وَيُشبه هَذَا الْأَعرَابِي الَّذِي دخل عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ وَهُوَ مَرِيض كالفرخ فَقَالَ هَل كنت تَدْعُو الله بِشَيْء قَالَ كنت أَقُول اللَّهُمَّ ماكنت معذبني بِهِ فِي الْآخِرَة فاجعله فِي الدُّنْيَا فَقَالَ سُبْحَانَ الله لَا تستطيعه وَلَا تُطِيقهُ هلا قلت رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار فَهَذَا أَيْضا حمله خَوفه من عَذَاب النَّار ومحبته لِسَلَامَةِ عاقبته على أَن يطْلب تَعْجِيل ذَلِك فِي الدُّنْيَا وَكَانَ مخطئا فِي ذَلِك غالطا وَالْخَطَأ والغلط مَعَ حسن الْقَصْد وسلامته وَصَلَاح الرجل وفضله وَدينه وزهده وورعه وكراماته كثير جدا فَلَيْسَ من شَرط ولي الله أَن يكون مَعْصُوما من الْخَطَأ والغلط بل وَلَا من الذُّنُوب وَأفضل أَوْلِيَاء الله بعد الرُّسُل أَبُو بكر الصّديق ﵁ وَقد ثَبت عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَهُ لما عبر الرُّؤْيَا أصبت بَعْضًا وأخطأت بَعْضًا
стр. 116
أَبَا سُلَيْمَان لما قَالَ هَذِه الْكَلِمَة لَو ألقاني فِي النَّار لَكُنْت بذلك رَضِيا أَن يكون بعض النَّاس حَكَاهُ بِمَا فهمه من المعني أَنه قَالَ الرِّضَا أَن لَا تسْأَل الله الْجنَّة وَلَا تستعيذه من النَّار وَتلك الْكَلِمَة الَّتِي قَالَهَا أَبُو سُلَيْمَان مَعَ أَنَّهَا لَا تدل على رِضَاهُ لذَلِك وَلَكِن تدل على عزمه بِالرِّضَا بذلك فَنحْن نعلم أَن هَذَا الْعَزْم لَا يسْتَمر بل يَنْفَسِخ وَأَن هَذِه الْكَلِمَة كَانَ تَركهَا أحسن من قَوْلهَا وَأَنَّهَا مستدركة كَمَا استدركت دَعْوَى سمنون ورويم وَغير ذَلِك فَإِن بَين هَذِه الْكَلِمَة وَتلك فرقا عَظِيما فَإِن تِلْكَ الْكَلِمَة مضمونها إِن من سَأَلَ الله الْجنَّة واستعاذ من النَّار لَا يكون رَاضِيا وَفرق بَين من يَقُول أَنا اذا فعل كَذَا كنت رَاضِيا وَبَين من يَقُول لَا يكون رَاضِيا الا من يطْلب خيرا وَلَا يهرب من شَرّ وَبِهَذَا وَغَيره يعلم أَن الشَّيْخ أَبَا سُلَيْمَان كَانَ أجل من أَن يَقُول مثل هَذَا الْكَلَام فَإِن الشَّيْخ أَبَا سُلَيْمَان من أجلاء المشائخ وساداتهم وَمن اتبعهم للشريعة حَتَّى أَنه قَالَ انه ليمر بقلبي النُّكْتَة من نكت الْقَوْم فَلَا أقبلها الا بِشَاهِدين الْكتاب وَالسّنة فَمن لَا يقبل نكت قلبه الا بِشَاهِدين يَقُول مثل هَذَا الْكَلَام وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو سُلَيْمَان أَيْضا لَيْسَ لمن ألهم شَيْئا من الْخَيْر أَن يَفْعَله حَتَّى يسمع فِيهِ بأثر فأذا سمع فِيهِ بأثر كَانَ نورا على نور بل صَاحبه أَحْمد بن أبي الْحوَاري كَانَ من اتبع المشائخ للسّنة فَكيف أَبُو سُلَيْمَان وَتَمام تَزْكِيَة أبي سُلَيْمَان من هَذَا الْكَلَام تظهر بالْكلَام فِي الْمقَام الثَّانِي وَهُوَ قَول الْقَائِل كَائِنا من كَانَ الرِّضَا أَن لَا تسْأَل الله الْجنَّة وَلَا تستعيذه من النَّار
стр. 117
ظن بعض النَّاس أَن الْجنَّة التنعم بالمخلوق ونقدم قبل ذَلِك مُقَدّمَة يتَبَيَّن بهَا أصل مَا وَقع فِي مثل هَذِه الْكَلِمَات من الِاشْتِبَاه وَالِاضْطِرَاب وَذَلِكَ أَن قوما كثيرا من النَّاس من المتفقهة والمتصوفة والمتكلمة وَغَيرهم ظنُّوا أَن الْجنَّة التنعم بالمخلوق من أكل وَشرب وَنِكَاح ولباس وَسَمَاع أصوات طيبَة وشم رَوَائِح طيبَة وَلم يدخلُوا فِي مُسَمّى الْجنَّة نعيما غير ذَلِك ثمَّ صَارُوا ضَرْبَيْنِ بعض الْمذَاهب فِي رُؤْيَة الرب ضرب أَنْكَرُوا أَن يكون الْمُؤْمِنُونَ يرَوْنَ رَبهم كَمَا ذهب الى ذَلِك الْجَهْمِية من الْمُعْتَزلَة وَغَيرهم وَمِنْهُم من أقرّ بِالرُّؤْيَةِ اما الرُّؤْيَة الَّتِي أخبر بهَا النَّبِي ﷺ كَمَا هُوَ مَذْهَب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة واما بِرُؤْيَة فسروها بِزِيَادَة كشف أَو علم أَو جعلهَا بحاسة سادسة وَنَحْو ذَلِك من الْأَقْوَال الَّتِي ذهب اليها ضرار بن عَمْرو وَطَوَائِف من أهل الْكَلَام المنتسبين الى نصر أهل السّنة فِي مَسْأَلَة الرُّؤْيَة وان كَانَ مَا يثبتونه من جنس مَا تنفيه الْمُعْتَزلَة والضرارية والنزاع بَينهم لَفْظِي ونزاعهم مَعَ أهل السّنة معنوي وَلِهَذَا كَانَ بشر وَأَمْثَاله يفسرون الرُّؤْيَة بِنَحْوِ من تَفْسِير هَؤُلَاءِ والمقصور هُنَا أَن مثبتة الرُّؤْيَة مِنْهُم من أنكر أَن يكون الْمُؤمن ينعم بِنَفس رُؤْيَته ربه قَالُوا لِأَنَّهُ لَا مُنَاسبَة بَين الْمُحدث وَالْقَدِيم كَمَا ذكر
стр. 118
ذَلِك الْأُسْتَاذ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ فِي الرسَالَة النظامية وكما ذكره أَبُو الْوَفَاء بن عقيل فِي بعض كتبه ونقلوا عَن ابْن عقيل أَنه سمع رجلا يَقُول أَسَالَك لَذَّة النّظر الى وَجهك فَقَالَ يَا هَذَا هَب أَن لَهُ وَجها أَله وَجه يتلذذ بِالنّظرِ الية وَذكر أَبُو الْمَعَالِي أَن الله يخلق لَهُم نعيما بِبَعْض الْمَخْلُوقَات مُقَارنًا للرؤية فَأَما النَّعيم بِنَفس الرُّؤْيَة فانكره وَجعل هَذَا من أسرار التَّوْحِيد مَذْهَب سلف الْأمة فِي رُؤْيَة الرب وَأكْثر مثبتي الرُّؤْيَة يثبتون تنعم الْمُؤمنِينَ بِرُؤْيَة رَبهم وَهُوَ مَذْهَب سلف الْأمة وأئمتها ومشائخ الطَّرِيق كَمَا فِي الحَدِيث الَّذِي فِي النَّسَائِيّ وَغَيره عَن النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ بعلمك الْغَيْب وقدرتك على الْخلق أحيني اذا كَانَت الْحَيَاة خيرا لي وتوفني اذا كَانَت الْوَفَاة خيرا لي اللَّهُمَّ اني أَسأَلك خشيتك فِي الْغَيْب وَالشَّهَادَة وَأَسْأَلك كلمة الْحق فِي الْغَضَب وَالرِّضَا وَأَسْأَلك الْقَصْد فِي الْفقر والغنى وَأَسْأَلك نعيما لَا ينْفد وقرة عين لَا تَنْقَطِع وَأَسْأَلك الرِّضَا بعد الْقَضَاء وَبرد الْعَيْش بعد الْمَوْت وَأَسْأَلك لَذَّة النّظر الى وَجهك وَأَسْأَلك الشوق الى لقائك من غير ضراء مضرَّة وَلَا فتْنَة مضلة اللَّهُمَّ زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة
стр. 119
مهتدين وَفِي صَحِيح مُسلم وَغَيره عَن صُهَيْب عَن النَّبِي ﷺ قَالَ اذا دخل أهل الْجنَّة الْجنَّة نَادَى مُنَاد يَا أهل الْجنَّة ان لكم عِنْد الله موعدا يُرِيد أَن ينجزكموه فَيَقُولُونَ مَا هُوَ ألم يبيض وُجُوهنَا ويثقل موازيننا ويدخلنا الْجنَّة ويجرنا من النَّار قَالَ فَيكْشف الْحجاب فَيَنْظُرُونَ اليه فَمَا أَعْطَاهُم شَيْئا أحب اليهم من النّظر اليه وَكلما كَانَ الشَّيْء أحب كَانَت اللَّذَّة بنيله أعظم وَهَذَا مُتَّفق عَلَيْهِ بَين السّلف وَالْأَئِمَّة ومشائخ الطَّرِيق كَمَا رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ لَو علم العابدون بِأَنَّهُم لَا يرَوْنَ رَبهم فِي الْآخِرَة لذابت نُفُوسهم فِي الدُّنْيَا شوقا اليه وَكَلَامهم فِي ذَلِك كثير ثمَّ هَؤُلَاءِ الَّذين وافقوا السّلف وَالْأَئِمَّة والمشائخ على التنعم بِالنّظرِ الى الله تَعَالَى تنازعوا فِي مَسْأَلَة الْمحبَّة الَّتِي هِيَ أصل ذَلِك فَذهب طوائف من وَالْفُقَهَاء الى أَن الله لَا يحب نَفسه وانما الْمحبَّة طَاعَته وعبادته وَقَالُوا هُوَ أَيْضا لَا يحب عباده الْمُؤمنِينَ وانما محبته ارادته للاحسان اليهم وولايتهم وَدخل فِي هَذَا القَوْل من انتسب الى نصر السّنة من أهل الْكَلَام حَتَّى وَقع فِي طوائف من أَصْحَاب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد كَالْقَاضِي أبي بكر وَالْقَاضِي أبي يعلى وَأبي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيّ وأمثال هَؤُلَاءِ
стр. 120
من أنكر صفة الْمحبَّة وَلَذَّة النّظر الى الله وَهَذَا فِي الْحَقِيقَة شُعْبَة من التجهم والاعتزال فَإِن أول من أنكر الْمحبَّة فِي الاسلام الْجَعْد بن دِرْهَم أستاذ الجهم بن صَفْوَان فضحى بِهِ خَالِد بن عبد الله الْقَسرِي وَقَالَ أَيهَا النَّاس ضحوا تقبل الله ضَحَايَاكُمْ فَإِنِّي مضح بالجعد بن دِرْهَم فانه زعم أَن الله لم يتَّخذ ابراهيم خَلِيلًا وَلم يكلم مُوسَى تكليما ثمَّ نزل فذبحه مَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة فِي ذَلِك وَالَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة وَاتفقَ عَلَيْهِ سلف الْأمة وأئمتها ومشائخ الطَّرِيق أَن الله يحب وَيُحب وَلِهَذَا وافقهم على ذَلِك من تصوف من أهل الْكَلَام كَأبي الْقَاسِم الْقشيرِي وَأبي حَامِد الْغَزالِيّ وأمثالهما وَنصر ذَلِك أَبُو حَامِد فِي الاحياء وَغَيره وَكَذَلِكَ أَبُو الْقَاسِم ذكر ذَلِك فِي الرسَالَة على طَرِيق الصُّوفِيَّة كَمَا فِي كتاب أبي طَالب الْمُسَمّى ب قوت الْقُلُوب وَأَبُو حَامِد مَعَ كَونه تَابع فِي ذَلِك الصُّوفِيَّة اسْتندَ فِي ذَلِك لما وجده من كتب الفلاسفة من اثبات نَحْو ذَلِك حَيْثُ قَالُوا يعشق ويعشق وَقد بسط الْكَلَام على هَذِه الْمَسْأَلَة الْعَظِيمَة فِي الْقَوَاعِد الْكِبَار بِمَا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعه وَقد قَالَ تَعَالَى يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ وَقَالَ تَعَالَى وَالَّذين
стр. 121
آمنُوا أَشد حبا لله وَقَالَ أحب اليكم من الله وَرَسُوله وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الايمان من كَانَ لله وَرَسُوله أحب اليه مِمَّا سواهُمَا وَمن كَانَ يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ الا لله وَمن كَانَ يكره أَن يرجع فِي الْكفْر بعد اذ أنقذه الله مِنْهُ كَمَا يكره أَن يلقى فِي النَّار وَالْمَقْصُود هُنَا أَن هَؤُلَاءِ المتجهمة من الْمُعْتَزلَة وَمن وافقهم الَّذين يُنكرُونَ حَقِيقَة الْمحبَّة يلْزمهُم أَن ينكروا التَّلَذُّذ بِنَظَر اليه وَلِهَذَا لَيْسَ فِي الْحَقِيقَة عِنْدهم الا التنعم بِالْأَكْلِ وَالشرب وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا القَوْل بَاطِل بِالْكتاب وَالسّنة واتفاق سلف الْأمة ومشائخها فَهَذَا أحد الحزبين الغالطين أفهام بعض المتصوفة والمتفقرة والمتبتلة وَالضَّرْب الثَّانِي طوائف من المتصوفة والمتفقرة والمتبتلة وافقوا هَؤُلَاءِ على أَن الْجنَّة لَيست الا هَذِه الْأُمُور الَّتِي يتنعم بهَا الْمَخْلُوق وَلَكِن وافقوا السّلف وَالْأَئِمَّة على اثبات رُؤْيَة الله والتنعم بِالنّظرِ اليه وَأَصَابُوا فِي ذَلِك وَجعلُوا يطْلبُونَ هَذَا النَّعيم وتسمو اليه همتهم وَيَخَافُونَ فَوته وَصَارَ أحدهم يَقُول مَا عبدتك شوقا الى جنتك أوخوفا من نارك وَلَكِن لأنظر اليك واجلالا لَك وأمثال هَذِه الْكَلِمَات مقصودهم بذلك هُوَ أَعلَى من الْأكل وَالشرب والتمتع بالمخلوق لَكِن غلطوا فِي اخراج ذَلِك من الْجنَّة وَقد يغلطون أَيْضا فِي ظنهم أَنهم يعْبدُونَ الله بِلَا حَظّ وَلَا ارادة وَأَن كل مَا يطْلب مِنْهُ فَهُوَ حَظّ النَّفس وتوهموا أَن الْبشر يعْمل بِلَا ارادة وَلَا مَطْلُوب وَلَا مَحْبُوب وَهُوَ سوء معرفَة بِحَقِيقَة الايمان وَالدّين وَالْآخِرَة
стр. 122
وَسبب ذَلِك أَن همة أحدهم الْمُتَعَلّقَة بمطلوبه ومحبوبة ومعبوده تفنية عَن نَفسه حَتَّى لَا يشْعر بِنَفسِهِ وإرادتها فيظن أَنه يفعل لغير مُرَاده وَالَّذِي طلب وعلق بِهِ همته غَايَة مُرَاده ومطلوبه ومحبوبه وَهَذَا كَحال كثير من الصَّالِحين والصادقين وأرباب الْأَحْوَال والمقامات يكون لأَحَدهم وجد صَحِيح وذوق سليم لَكِن لَيْسَ لَهُ عبارَة تبين كَلَامه فَيَقَع فِي كَلَامه غلط وَسُوء أدب مَعَ صِحَة مَقْصُوده وان كَانَ من النَّاس من يَقع مِنْهُ فِي مُرَاده واعتقاده فَهَؤُلَاءِ الَّذين قَالُوا مثل هَذَا الْكَلَام اذا عنوا بِهِ طلب رُؤْيَة الله تَعَالَى أَصَابُوا فِي ذَلِك لَكِن أخطأوا من جِهَة أَنهم جعلُوا ذَلِك خَارِجا عَن الْجنَّة فأسقطوا حُرْمَة اسْم الْجنَّة وَلزِمَ من ذَلِك أُمُور مُنكرَة نَظِير مَا ذكر عَن الشبلي ﵀ أَنه سمع قَارِئًا يقْرَأ مِنْكُم من يُرِيد الدُّنْيَا ومنكم من ير يَد الْآخِرَة فَصَرَخَ وَقَالَ أَيْن مُرِيد الله فيحمد مِنْهُ كَونه أَرَادَ الله وَلَكِن غلط فِي ظَنّه أَن الَّذين أَرَادوا الأخرة مَا أَرَادوا الله وَهَذِه الْآيَة فِي أَصْحَاب النَّبِي ﷺ الَّذين مَا أَرَادوا الله وَهَذِه الْآيَة فيأصحاب النَّبِي ﷺ الَّذين كَانُوا مَعَه بِأحد وهم أفضل الْخلق فَإِن لم يُرِيدُوا الله أفيريد الله من هُوَ دونهم كالشبلي وَأَمْثَاله وَمثل ذَلِك مَا أعرفهُ عَن بعض المشائخ أَنه سَأَلَ مرّة عَن قَوْله تَعَالَى ان الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقلتون وَيقْتلُونَ قَالَ فاذا كَانَت الْأَنْفس وَالْأَمْوَال فِي ثمن الْجنَّة فالرؤية بِمَ تنَال فَأَجَابَهُ مُجيب بِمَا يشبه هَذَا السُّؤَال وَالْوَاجِب أَن يعلم أَن كل مَا أعده الله للأولياء من نعيم بِالنّظرِ اليه وَمَا سوى ذَلِك هُوَ فِي الْجنَّة كَمَا أَن كل مَا وعد بِهِ أعداءه هُوَ فِي النَّار وَقد
стр. 123
قَالَ تَعَالَى فَلَا تعلم نفس مَا أُخْفِي لَهُم من قُرَّة أعين جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ يَقُول الله أَعدَدْت لعبادي الصَّالِحين مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر بله مَا أطلعتهم عَلَيْهِ واذا علم أَن جَمِيع ذَلِك دَاخل فِي الْجنَّة فَالنَّاس فِي الْجنَّة على دَرَجَات مُتَفَاوِتَة كَمَا قَالَ انْظُر كَيفَ فضلنَا بَعضهم على بعض وللآخرة أكبر دَرَجَات وأكبر تفضيلاوكل مَطْلُوب للْعَبد بِعبَادة أَو دُعَاء أَو غير ذَلِك من مطَالب الْآخِرَة هُوَ فِي الْجنَّة طلب الْجنَّة والاستعاذة من النَّار طَرِيق أَنْبيَاء الله وَرُسُله وَطلب الْجنَّة والاستعاذة من النَّار طَرِيق أَنْبيَاء الله وَرُسُله وَجَمِيع أولياءه السَّابِقين المقربين وَأَصْحَاب الْيَمين كَمَا فِي السّنَن أَن النَّبِي ﷺ سَأَلَ بعض أَصْحَابه كَيفَ تَقول فِي دعائك قَالَ أَقُول اللَّهُمَّ اني أَسأَلك الْجنَّة وَأَعُوذ بك من النَّار أما اني لَا أحسن دندنتك وَلَا دندنة معَاذ فَقَالَ حولهما ندندن فقد أخبر أَنه هُوَ صلى
стр. 124
الله عَلَيْهِ وَسلم ومعاذ وَهُوَ أفضل الْأَئِمَّة الراتبين بِالْمَدِينَةِ فِي حَيَاة النَّبِي ﷺ انما يدندنان حول الْجنَّة أفيكون قَول أحد فَوق قَول رَسُول الله ﷺ ومعاذ وَمن يُصَلِّي خلفهمَا من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَلَو طلب هَذَا العَبْد مَا طلب كَانَ فِي الْجنَّة أهل الْجنَّة نَوْعَانِ وَأهل الْجنَّة نَوْعَانِ سَابِقُونَ مقربون وأبرار أَصْحَاب يَمِين قَالَ تَعَالَى كلا ان كتاب الْأَبْرَار لفي عليين وَمَا أَدْرَاك مَا عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون ان الْأَبْرَار لفي نعيم على الأرائك ينظرُونَ تعرف فِي وُجُوههم نَضرة النَّعيم يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك وَفِي ذَلِك فَلْيَتَنَافَس الْمُتَنَافسُونَ ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بهَا المقربون قَالَ ابْن عَبَّاس تمزج لأَصْحَاب الْيَمين مزجا ويشربها المقربون صرفا وَقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ اذا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذّن فَقولُوا مثل مَا يَقُول ثمَّ صلوا عَليّ فَإِنَّهُ من صلى عَليّ مرّة صلى الله عَلَيْهِ عشرا ثمَّ سلوا الله لي الْوَسِيلَة فَإِنَّهَا دَرَجَة فِي الْجنَّة لَا تنبغي الا لعبد من عباد الله وَأَرْجُو أَن أكون أَنا ذَلِك العَبْد فَمن سَأَلَ الله لي الوسلية حلت عَلَيْهِ شَفَاعَتِي يَوْم الْقِيَامَة فقد أخبر أَن الْوَسِيلَة الَّتِي لَا تصلح الا لعبد وَاحِد من عباد الله وَرَجا أَن يكون هُوَ ذ لَك العَبْد هِيَ دَرَجَة فِي الْجنَّة فَهَل بَقِي بعد الْوَسِيلَة شَيْء أَعلَى مِنْهَا يكون خَارِجا عَن الْجنَّة يصلح للمخلوقين
стр. 125
وَثَبت فِي الصَّحِيح أَيْضا فِي حَدِيث الْمَلَائِكَة الَّذين يَلْتَمِسُونَ النَّاس فِي مجَالِس الذّكر قَالَ فَيَقُولُونَ للرب ﵎ وجدناهم يسبحونك ويحمدونك ويكبرونك قَالَ فَيَقُول وَمَا يطْلبُونَ قَالُوا يطْلبُونَ الْجنَّة قَالَ فَيَقُول وَهل رأوها قَالَ فَيَقُولُونَ لَا قَالَ فَيَقُول فَكيف لَو رأوها قَالُوا يستعيذون من النَّار قَالَ فَيَقُول وَهل رأوها قَالَ فَيَقُولُونَ لَا قَالَ فَيَقُول فَكيف لَو رأوها قَالُوا لَو رأوها لكانوا أَشد مِنْهَا استعاذة قَالَ فَيَقُول أشهدكم اني أَعطيتهم مَا يطْلبُونَ وأعذتهم مِمَّا يستعيذون أَو كَمَا قَالَ قَالَ فَيَقُولُونَ فيهم فلَان الخطاء جَاءَ لحَاجَة فَجَلَسَ مَعَهم قَالَ فَيَقُول هم الْقَوْم لَا يشقى بهم جليسهم فَهَؤُلَاءِ الَّذين هم من أفضل أَوْلِيَاء الله كَانَ مطلوبهم الْجنَّة ومهربهم من النَّار وَالنَّبِيّ ﷺ لما بَايع الْأَنْصَار لَيْلَة الْعقبَة وَكَانَ الَّذين بَايعُوهُ من أفضل السَّابِقين الْأَوَّلين الَّذين هم أفضل من هَؤُلَاءِ المشائخ كلهم قَالُوا للنَّبِي ﷺ اشْترط لِرَبِّك وَلِنَفْسِك ولأصحابك قَالَ أشْتَرط لنَفْسي أَن تنصروني مِمَّا تنْصرُونَ مِنْهُ أَنفسكُم وأهليكم وَأَشْتَرِط لِأَصْحَابِي أَن تواسوهم قَالُوا فاذا فعلنَا ذَلِك فَمَا لنا قَالَ لكم الْجنَّة قَالُوا مد يدك فوَاللَّه لَا نقيلك وَلَا نستقيلك وَقد قَالُوا لَهُ فِي أثْنَاء الْبيعَة ان بَيْننَا وَبَين الْقَوْم حِبَالًا وعهودا وانا ناقضوها
стр. 126
فَهَؤُلَاءِ الَّذين بَايعُوهُ من أعظم خلق الله محبَّة لله وَرَسُوله وبذلا لنفوسهم وَأَمْوَالهمْ فِي رضَا الله وَرَسُوله على وَجه لَا يلحقهم فِيهِ أحد من هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرين قد كَانَ غَايَة مَا طلبوه بذلك الْجنَّة فَلَو كَانَ هُنَاكَ مَطْلُوب أَعلَى من ذَلِك لطلبوه وَلَكِن علمُوا أَن فِي الْجنَّة كل مَحْبُوب ومطلوب بل وَفِي الْجنَّة مَا لَا تشعر بِهِ النُّفُوس لتطلبه فَإِن الطّلب وَالْحب والارادة فرع عَن الشُّعُور والاحساس والتصور فَمَا لَا يتصوره الانسان وَلَا يسحه وَلَا يشْعر بِهِ يمْتَنع أَن يَطْلُبهُ وَيُحِبهُ ويريده فالجنة فِيهَا هَذَا وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى لَهُم مَا يشاءون فِيهَا ولدينا مزِيد وَقَالَ وفيهَا مَا تشتهيه الْأَنْفس وتلذ الْأَعْين فَفِيهَا مَا يشتهون وفيهَا مزِيد على ذَلِك وَهُوَ مَا لم يبلغهُ علمهمْ ليشتهوه كَمَا قَالَ ﷺ مَا لَا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَلَا خطر على قلب بشر وَهَذَا بَاب وَاسع غلط من قَالَ الرِّضَا أَن لَا تسْأَل الله الْجنَّة وَلَا تستعيذه من النَّار فاذا عرفت هَذِه الْمُقدمَة فَقَوْل الْقَائِل الرِّضَا أَن لَا تسْأَل الله الْجنَّة وَلَا تستعيذه من النَّار ان أَرَادَ بذلك أَن لَا تسْأَل الله مَا هُوَ دَاخل فِي مُسَمّى الْجنَّة الشَّرْعِيَّة فَلَا تسأله النطر اليه وَلَا غير ذَلِك مِمَّا هُوَ مَطْلُوب جَمِيع الْأَنْبِيَاء والأولياء وَأَنَّك لَا تستعيذ بِهِ من احتجابه عَنْك وَلَا من تعذيبك فِي النَّار فَهَذَا الْكَلَام مَعَ كَونه مُخَالفا لجَمِيع الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَسَائِر الْمُؤمنِينَ فَهُوَ متناقض فِي نَفسه فَاسد فِي صَرِيح الْعُقُول وَذَلِكَ أَن الرِّضَا الَّذِي لَا يسْأَل انما لَا يسْأَله لرضاه عَن الله
стр. 127
وَرضَاهُ عَنهُ انما هُوَ بعد مَعْرفَته بِهِ ومحبته لَهُ واذا لم يبْق مَعَه رضَا عَن الله وَلَا محبَّة لله فَكَأَنَّهُ قَالَ يرضى أَن لَا يرضى وَهَذَا جمع بَين النقيضين وَلَا ريب أَنه كَلَام من لم يتَصَوَّر مَا يَقُول وَلَا عقله يُوضح ذَلِك أَن الراضي انما يحملهُ على احْتِمَال المكاره والآلام مَا يجده من لَذَّة الرِّضَا وحلاوته فاذا فقد تِلْكَ الْحَلَاوَة واللذة امْتنع أَن يتَحَمَّل ألما ومرارة فَكيف يتَصَوَّر أَن يكون رَاضِيا وَلَيْسَ مَعَه من حلاوة الرِّضَا مَا يحمل بِهِ مرَارَة المكاره وَإِنَّمَا هَذَا من جنس كَلَام السَّكْرَان والفاني الَّذِي وجد فِي نَفسه حلاوة الرِّضَا فَظن أَن هَذَا يبْقى مَعَه على أَي حَال كَانَ وَهَذَا غلط عَظِيم مِنْهُ كغلط سمنون كَمَا تقدم وان أَرَادَ بذلك أَن لَا يسْأَل التَّمَتُّع بالمخلوق بل يسْأَل مَا هُوَ أَعلَى من ذَلِك فقد غلط من وَجْهَيْن من جِهَة أَنه لم يَجْعَل ذَلِك الْمَطْلُوب من الْجنَّة وَهُوَ أَعلَى نعيم الْجنَّة وَمن جِهَة أَنه أَيْضا أثبت أَنه طَالب مَعَ كَونه رَاضِيا فاذا كَانَ الرِّضَا لَا يُنَافِي هَذَا الطّلب فَلَا يُنَافِي طلبا آخر اذا كَانَ مُحْتَاجا الى مَطْلُوبه وَمَعْلُوم أَن تمتعه بِالنّظرِ لَا يتم الا بسلامته من النَّار وبتنعمه من الْجنَّة بِمَا هُوَ دون النّظر وَمَا لَا يتم الْمَطْلُوب الا بِهِ فَهُوَ مَطْلُوب فَيكون طلبه للنَّظَر طلبا للوازمه الَّتِي مِنْهَا النجَاة من النَّار فَيكون رِضَاهُ لَا يُنَافِي طلب حُصُول الْمَنْفَعَة وَدفع الْمضرَّة عَنهُ وَلَا طلب حُصُول الْجنَّة وَدفع النَّار وَلَا غَيرهمَا مِمَّا هُوَ من لَوَازِم النّظر فَتبين تنَاقض قَوْله وَأَيْضًا فاذا لم يسْأَل الله الْجنَّة وَلم يستعذ بِهِ من النَّار فاما أَن يطْلب من الله مَا هُوَ دون ذَلِك مِمَّا يحْتَاج اليه من طلب مَنْفَعَة وَدفع مضرَّة واما أَن لَا يَطْلُبهُ فان طلب مَا هُوَ دون ذَلِك واستعاذ مِمَّا هُوَ دون ذَلِك فَطَلَبه للجنة أولى واستعاذته من النَّار أولى وان كَانَ الرِّضَا أَن لَا يطْلب شَيْئا قطّ وَلَو كَانَ مُضْطَرّا اليه وَلَا يستعيذ من شَيْء قطّ وان كَانَ مضرا
стр. 128
فَلَا يخلوا اما أَن يكون ملتفتا بِقَلْبِه الى الله فِي أَن يفعل بِهِ ذَلِك واما أَن يكون معرضًا عَن ذَلِك فَإِن الْتفت بِقَلْبِه الى الله فَهُوَ طَالب مستعيذ بِحَالهِ وَلَا فرق بَين الطّلب بِالْحَال والقال وَهُوَ بهما أكمل وَأتم فَلَا يعدل عَنهُ وان كَانَ معرضًا عَن جَمِيع ذَلِك فَمن الْمَعْلُوم أَنه لَا يحيى وَيبقى الا بِمَا يُقيم حَيَاته وَيدْفَع مضاره بذلك وَالَّذِي بِهِ يحيى من الْمَنَافِع وَدفع المضار اما أَن يُحِبهُ ويطلبه ويريده من أحد أَو لَا يُحِبهُ وَلَا يَطْلُبهُ وَلَا يُريدهُ فَإِن أحبه وَطَلَبه وأراده من غير الله كَانَ مُشْركًا مذموما فضلا عَن أَن يكون مَحْمُودًا وان قَالَ لَا أحبه وأطلبه وأريده لَا من الله وَلَا من خلقه قيل هَذَا مُمْتَنع فِي الْحَيّ فَإِن الْحَيّ مُمْتَنع عَلَيْهِ أَن لَا يحب مَا بِهِ يبْقى وَهَذَا أَمر مَعْلُوم بالحس وَمن كَانَ بِهَذِهِ المثابة امْتنع أَن يُوصف بِالرِّضَا فَإِن الراضي مَوْصُوف بحب وارادة خَاصَّة اذ الرِّضَا مُسْتَلْزم لذَلِك فَكيف يسلب عَنهُ ذَلِك كُله فَهَذَا وَأَمْثَاله مِمَّا يبين فَسَاد هَذَا الْكَلَام وَأما فِي سَبِيل الله وَطَرِيقه وَدينه فَمن وُجُوه أَحدهمَا أَن يُقَال الراضي لَا بُد أَن يفعل مَا يرضاه الله والا فَكيف يكون رَاضِيا عَن الله من لَا يفعل مَا يرضاه الله وَكَيف يسوغ رضَا مَا يكرههُ الله ويسخطه ويذمه وَيُنْهِي عَنهُ وَبَيَان هَذَا أَن الرِّضَا الْمَحْمُود اما أَن يكون الله يُحِبهُ ويرضاه واما أَن لَا يُحِبهُ ويرضاه فَإِن لم يكن يُحِبهُ ويرضاه لم يكن هَذَا الرِّضَا مَأْمُورا بِهِ لَا أَمر ايجاب وَلَا أَمر اسْتِحْبَاب فَإِن من الرِّضَا مَا هُوَ كفر كرضا الْكفَّار بالشرك وَقتل الْأَنْبِيَاء وتكذيبهم ورضاهم بِمَا يسخطه الله ويكرهه قَالَ تَعَالَى ذَلِك بِأَنَّهُم اتبعُوا مَا أَسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط
стр. 129
أَعْمَالهم فَمن اتبع مَا أَسخط الله بِرِضَاهُ وَعَمله فَقَط أَسخط الله وَقَالَ النَّبِي ﷺ ان الْخَطِيئَة اذا عملت فِي الأَرْض كَانَ من غَابَ عَنْهَا ورضيها كمن حضرها وَمن شَهِدَهَا وسخطها كَانَ كمن غَابَ عَنْهَا وأنكرها وَقَالَ ﷺ سَيكون بعدِي أُمَرَاء تعرفُون وتنكرون فَمن أنكر فقد برىء وَمن كره فقد سلم وَلَكِن من رَضِي وتابع هلك وَقَالَ تَعَالَى يحلفُونَ لكم لترضوا عَنْهُم فن ترضوا عَنْهُم فان الله لَا يرضى عَن الْقَوْم الْفَاسِقين فَرضنَا عَن الْقَوْم الْفَاسِقين لَيْسَ مِمَّا يُحِبهُ الله ويرضاه وَهُوَ لَا يرضى عَنْهُم وَقَالَ تَعَالَى أرضيتم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا من الْآخِرَة فَمَا مَتَاع الْحَيَاة الدِّينَا فِي الْآخِرَة الا قَلِيل فَهَذَا رضَا قد ذمَّة الله وَقَالَ تعال ان الَّذين لَا يرجون لقاءنا وَرَضوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا واطمأنوا بهَا فَهَذَا أَيْضا رضَا مَذْمُوم وَسوى هَذَا وَهَذَا كثير فَمن رَضِي بِكُفْرِهِ وَكفر غَيره وفسقه وَفسق غَيره ومعاصيه ومعاصي غَيره فَلَيْسَ هُوَ مُتبعا لرضا الله وَلَا هُوَ مُؤمن بِاللَّه بل هُوَ مسخط لرَبه وربه غَضْبَان عَلَيْهِ لَا عَن لَهُ ذام لَهُ متوعد لَهُ بالعقاب وَطَرِيق الله الَّتِي يَأْمر بهَا المشائخ المهتدون انما هِيَ الْأَمر بِطَاعَة الله
стр. 130
وَالنَّهْي عَن مَعْصِيَته فَمن أَمر أَو اسْتحبَّ أَو مدح الرِّضَا الَّذِي يكرههُ الله ويذمه وَيُنْهِي عَنهُ ويعاقب أَصْحَابه فَهُوَ عَدو لله لأولى لله وَهُوَ يصد عَن سَبِيل الله وَطَرِيقه لَيْسَ بسالك لطريقه وسبيله واذا كَانَ الرِّضَا الموجوده فِي بني آدم مِنْهُ مَا يُحِبهُ الله وَمِنْه مَا يكرههُ ويسخطه وَمِنْه مَا هومباح لَا من هَذَا وَلَا من هَذَا كَسَائِر أَعمال الْقُلُوب من الْحبّ والبغض وَغير ذَلِك لكها تَنْقَسِم الى مَحْبُوب لله ومكروه لله مُبَاح فاذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فالراضي الَّذِي لَا يسْأَل الله الْجنَّة وَلَا يستعيذه من النَّار يُقَال لَهُ سُؤال الله الْجنَّة واستعاذته من النَّار اما أَن تكون وَاجِبَة واما أَن تكون مُسْتَحبَّة واما أَن تكون مُبَاحَة واما أَن تكون مَكْرُوهَة وَلَا يَقُول مُسلم انها مُحرمَة وَلَا مَكْرُوهَة وَلَيْسَت أَيْضا مُبَاحَة مستوية الطريفين وَلَو قيل انها كَذَلِك فَفعل الْمُبَاح المستوي الطَّرفَيْنِ لَا يُنَافِي الرِّضَا اذ لَيْسَ من شَرط الراضي أَن لَا يَأْكُل وَلَا يشرب وَلَا يلبس وَلَا يفعل أَمْثَال هَذِه الْأُمُور فاذا كَانَ مَا يَفْعَله من هَذِه الْأُمُور لَا يُنَافِي رِضَاهُ أينافي رِضَاهُ دُعَاء وسؤال هُوَ مُبَاح واذا كَانَ السُّؤَال وَالدُّعَاء كَذَلِك وَاجِبا أَو مُسْتَحبا فمعلوم أَن الله يرضى بِفعل الْوَاجِبَات والمستحبات فَكيف يكون الراضي الَّذِي من أَوْلِيَاء الله لَا يفعل مَا يرضاه وَيُحِبهُ بل يفعل مَا يسخطه ويكرهه وَهَذِه صفة أَعدَاء الله لَا أَوْلِيَاء الله احتجاج الْقَدَرِيَّة بِأَن الرِّضَا بِقَضَاء الله مَأْمُور بِهِ ورد أهل السّنة على ذَلِك والقشيري قد ذكره فِي أَوَائِل بَاب الرِّضَا فَقَالَ اعْلَم أَن الْوَاجِب على العَبْد أَن يرضى بِقَضَاء الله الَّذِي أَمر بِالرِّضَا بِهِ اذ لَيْسَ كل مَا هُوَ بِقَضَائِهِ يجوز للْعَبد أَو يجب على العَبْد الرِّضَا بِهِ كالمعاصي وفنون محن الْمُسلمين وَهَذَا الَّذِي قَالَه قَالَه قبله وَبعده وَمَعَهُ غير وَاحِد من
стр. 131
الْعلمَاء كَالْقَاضِي أبي بكر وَالْقَاضِي أبي يعلى وأمثالهما لما احْتج عَلَيْهِم الْقَدَرِيَّة بِأَن الرِّضَا بِقَضَاء الله مَأْمُور بِهِ فَلَو كَانَت الْمعاصِي بِقَضَاء الله لَكنا مأمورين بِالرِّضَا بهَا وَالرِّضَا بِمَا نهى الله عَنهُ لَا يجوز فأجابهم أهل السّنة عَن ذَلِك بِثَلَاثَة أجوبة أَحدهَا وَهُوَ جَوَاب هَؤُلَاءِ وجماهير الْأَئِمَّة أَن هَذَا الْعُمُوم لَيْسَ بِصَحِيح فلسنا مأمورين أَن نرضى بِكُل مَا قضى وَقدر وَلم يجىء فِي الْكتاب وَالسّنة أَمر بذلك وَلَكِن علينا أَن نرضى بِمَا أمرنَا أَن نرضى بِهِ كطاعة الله وَرَسُوله وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذكره أَبُو الْقَاسِم وَالْجَوَاب الثَّانِي أَنهم قَالُوا انا نرضى بِالْقضَاءِ الَّذِي هُوَ صفة الله أَو فعله لَا بالمقضي الَّذِي هُوَ مَفْعُوله وَفِي هَذَا الْجَواب ضعف قد بَيناهُ فِي غير هَذَا الْموضع الثَّالِث أَنهم قَالُوا هَذِه الْمعاصِي لَهَا وَجْهَان وَجه الى العَبْد من حَيْثُ هِيَ فعله وصنعه وَكَسبه وَوجه الى الرب من حَيْثُ هُوَ خلقهَا وقضاها وقدرها فيرضى من الْوَجْه الَّذِي يُضَاف بِهِ الى الله وَلَا يرضى من الْوَجْه الَّذِي يُضَاف بِهِ الى العَبْد اذ كَونهَا شرا وقبيحة ومحرما وسببا للعذاب والذم وَنَحْو ذَلِك انما هُوَ من جِهَة كَونهَا مُضَافَة الى العَبْد وَهَذَا مقَام فِيهِ من كشف الْحَقَائِق والأسرار مَا قد ذكرنَا مِنْهُ مَا قد ذَكرْنَاهُ فِي غير هَذَا الْموضع وَلَا يحْتَملهُ هَذَا الْمَكَان فَإِن هَذَا مُتَعَلق بمسائل الصِّفَات
стр. 132
وَالْقدر وَهِي من أعظم مطَالب الدّين وأشرف عُلُوم الْأَوَّلين والآخرين وأدقها على عقول أَكثر الْعَالمين وَالْمَقْصُود هُنَا أَن مشائخ الصُّوفِيَّة وَالْعُلَمَاء وَغَيرهم قد بينوا أَن من الرِّضَا مَا يكون جَائِزا وَمِنْه مَا لَا يكون جَائِزا فضلا عَن كَونه مُسْتَحبا أَو من صِفَات المقربين وَأَن أَبَا الْقَاسِم ذكر فِي الرسَالَة أَيْضا فن قيل هَذَا الَّذِي ذكرتموه أَمر بَين وَاضح فَمن أَيْن غلط من قَالَ الرِّضَا أَن لَا تسْأَل الله الْجنَّة وَلَا تستعيذه من النَّار وَغلط من يستحسن مثل هَذَا الْكَلَام كَائِنا من كَانَ قيل غلطوا فِي ذَلِك لأَنهم رَأَوْا أَن الراضي بِأَمْر لَا يطْلب غير ذَلِك الْأَمر فَالْعَبْد اذا كَانَ فِي حَال من الْأَحْوَال فَمن رِضَاهُ أَن لَا يطْلب غير تِلْكَ الْحَال ثمَّ انهم رَأَوْا أَن أقْصَى المطالب الْجنَّة وأقصى المكاره النَّار فَقَالُوا يَنْبَغِي أَن لَا يطْلب شَيْئا وَلَو أَنه الْجنَّة وَلَا يكره مَا يَنَالهُ وَلَو أَنه النَّار وَهَذَا وَجه غلطهم وَدخل عَلَيْهِم الضلال من وَجْهَيْن أَحدهمَا ظنهم أَن الرِّضَا بِكُل مَا يكون أَمر يُحِبهُ الله ويرضاه وَأَن هَذَا من أعظم طرق أَوْلِيَاء الله فَجعلُوا الرِّضَا بِكُل حَادث وكائن أَو بِكُل حَال يكون فِيهَا للْعَبد طَرِيقا الى الله فضلوا ضلالا مُبينًا وَالطَّرِيق الى الله انما هِيَ أَن ترضيه بِأَن تفعل مَا يُحِبهُ ويرضاه لَيْسَ أَن ترْضى بِكُل مَا يحدث وَيكون فَإِنَّهُ هُوَ لم يَأْمُرك بذلك وَلَا رضيه لَك وَلَا أحبه بل هُوَ سُبْحَانَهُ يكره ويسخط وَيبغض على أَعْيَان أَفعَال مَوْجُودَة لَا يحصيها الا هُوَ وَولَايَة الله مُوَافَقَته بِأَن تحب مَا يحب وَتبْغض مَا يبغض وَتكره مَا يكره وتسخط مَا يسْخط وتوالي من يوالي وتعادي من يعادي فاذا كنت تحب وترضى مَا يكرههُ ويسخطه كنت عدوه لَا وليه وَكَانَ كل ذمّ نَالَ من رَضِي مَا أَسخط الله قد نالك
стр. 133
فَتدبر هَذَا فَإِنَّهُ يُنَبه على أصل عَظِيم ضل فِيهِ من طوائف النساك والصوفية والعباد والعامة من لَا يحصيهم الا الله الْوَجْه الثَّانِي أَنهم لَا يفرقون بَين الدُّعَاء الَّذِي أمروا بِهِ أَمر ايحاب وَأمر اسْتِحْبَاب وَبَين الدُّعَاء الَّذِي نهوا عَنهُ أَو لم يؤمروا بِهِ وَلم ينهوا عَنهُ فَإِن دُعَاء العَبْد لرَبه ومسألته اياه ثَلَاثَة أَنْوَاع أَنْوَاع دُعَاء العَبْد لرَبه نوع أَمر العَبْد بِهِ اما أَمر ايجاب واما أَمر اسْتِحْبَاب مثل قَوْله اهدنا الصِّرَاط الْمُسْتَقيم وَمثل دُعَائِهِ فِي آخر الصَّلَاة كالدعاء الَّذِي كَانَ النَّبِي ﷺ يَأْمر بِهِ أَصْحَابه فَقَالَ اذا قعد أحدكُم فِي الصَّلَاة فليستعذ بِاللَّه من أَربع من عَذَاب جَهَنَّم وَعَذَاب الْقَبْر وفتنة الْمحيا وَالْمَمَات وفتنة الْمَسِيح الدَّجَّال فَهَذَا دُعَاء أَمرهم النَّبِي ﷺ أَن يدعوا بِهِ فِي آخر صلَاتهم وَقد اتّفقت الْأمة على أَنه مَشْرُوع يُحِبهُ الله وَرَسُوله ويرضاه وَتَنَازَعُوا فِي وُجُوبه فأوجبه طَاوُوس وَطَائِفَة هَذَا مُسْتَحبّ والأدعية الَّتِي كَانَ النَّبِي ﷺ يَدْعُو بهَا لَا تخرج عَن أَن تكون وَاجِبَة أَو مُسْتَحبَّة وكل وَاحِد من الْوَاجِب وَالْمُسْتَحب يُحِبهُ الله ويرضاه وَمن فعله ﵁ وأرضاه فَهَل يكون من الرِّضَا ترك مَا يُحِبهُ ويرضاه وَنَوع من الدُّعَاء ينْهَى عَنهُ كالاعتداء مثل أَن يسْأَل الرجل مَا لَا يصلح من خَصَائِص الْأَنْبِيَاء وَلَيْسَ هُوَ بِنَبِي وَرُبمَا هُوَ من خَصَائِص الرب مثل أَن يسْأَل لنَفسِهِ الْوَسِيلَة الَّتِي
стр. 134
لَا تصلح الا لعبد من عباده أَو يسْأَل الله تَعَالَى أَن يَجعله بِكُل شَيْء عليما أَو على كل شَيْء قدير وَأَن يرفغ عَنهُ كل حجاب يمنعهُ من مطالعة الغيوب وأمثال ذَلِك أَو مثل من يَدعُوهُ ظَانّا أَنه مُحْتَاج الى عباده وَأَنَّهُمْ يبلغون ضره ونفعه فيطلب مِنْهُ ذَلِك الْفِعْل وَيذكر أَنه اذا لم يَفْعَله حصل لَهُ من الْخلق ضير وَهَذَا وَنَحْوه جهل بِاللَّه واعتداء فِي الدُّعَاء وان وَقع فِي ذَلِك طَائِفَة من الشُّيُوخ وَمثل أَن يَقُولُوا اللَّهُمَّ اغْفِر لي ان شِئْت فيظن أَن الله قد يفعل الشَّيْء مكْرها وَقد يفعل مُخْتَارًا كالملوك فَيَقُول اغْفِر لي ان شِئْت وَقد نهى النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك وَقَالَ لايقل أحدكُم اللَّهُمَّ اغْفِر لي ان شِئْت اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ان شِئْت وَلَكِن ليعزم الْمَسْأَلَة فَإِن الله لَا مكره لَهُ وَمثل أَن يقْصد السجع فِي الدُّعَاء ويتشهق ويتشدق وأمثال ذَلِك فَهَذِهِ الْأَدْعِيَة وَنَحْوهَا مَنْهِيّ عَنْهَا وَمن الدُّعَاء مَا هُوَ مُبَاح كَطَلَب الفضول الَّتِي لَا مَعْصِيّة فِيهَا آراء فِي الرِّضَا وَالْمَقْصُود أَن الرِّضَا الَّذِي هُوَ من طَرِيق الله لَا يتَضَمَّن ترك وَاجِب وَلَا ترك مُسْتَحقّ فالدعاء الَّذِي هُوَ وَاجِب أَو مُسْتَحبّ لَا يكون تَركه من الرِّضَا كَمَا أَن ترك سَائِر الْوَاجِبَات لَا يكون من الرِّضَا الْمَشْرُوع وَلَا فعل الْمُحرمَات من الْمَشْرُوع فقد تبين غلط هَؤُلَاءِ من جِهَة ظنهم أَن الرِّضَا
стр. 135
مَشْرُوع بِكُل مَقْدُور وَمن جِهَة أَنهم لم يميزوا بَين الدُّعَاء الْمَشْرُوع ايجابا واستحبابا وَالدُّعَاء غير الْمَشْرُوع وَقد علم بالاضطرار من دين الاسلام أَن طلب الْجنَّة من الله والاستعاذة بِهِ من النَّار هُوَ من أعظم الْأَدْعِيَة الْمَشْرُوعَة لجَمِيع الْمُرْسلين والنبيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَأَن ذَلِك لَا يخرج عَن كَونه وَاجِبا أَو مُسْتَحبا وَطَرِيق أَوْلِيَاء الله الَّتِي يسلكونها لَا تخرج عَن فعل وَاجِبَات ومستحبات اذ مَا سوى ذَلِك محرم أَو مَكْرُوه أَو مُبَاح لَا مَنْفَعَة فِيهِ فِي الدّين ثمَّ انه لما أوقع هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْغَلَط أَنهم وجدوا كثيرا من النَّاس لَا يسْأَلُون الله جلب الْمَنَافِع وَدفع المضار حَتَّى طلب الْجنَّة والاستعاذة من النَّار من جِهَة كَون ذَلِك عبَادَة وَطَاعَة وَخيرا بل من جِهَة كَون النَّفس تطلب ذَلِك فَرَأَوْا أَن من الطَّرِيق ترك مَا تختاره النَّفس وتريده وَأَن لايكون لأَحَدهم ارادة أصلا بل يكون مَطْلُوبه الجريان تَحت الْقدر كَائِنا من كَانَ وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَدخل كثيرا مِنْهُم فِي الرهبانية وَالْخُرُوج عَن الشَّرِيعَة حَتَّى تركُوا من الْأكل وَالشرب واللباس وَالنِّكَاح مَا يَحْتَاجُونَ اليه وَمَا لَا تتمّ مصلحَة دينهم الا بِهِ فَإِنَّهُم رَأَوْا الْعَامَّة تعد هَذِه الْأُمُور بِحكم الطَّبْع والهوى والعاده وَمَعْلُوم أَن الْأَفْعَال الَّتِي على هَذَا الْوَجْه لَا تكون عبَادَة وَلَا طَاعَة وَلَا قربَة فَرَأى أُولَئِكَ الطَّرِيق الى الله ترك هَذِه الْعِبَادَات وَالْأَفْعَال الطبعيات فلازموا من الْجُوع والسهر وَالْخلْوَة والصمت وَغير ذَلِك مِمَّا فِيهِ ترك الحظوظ وَاحْتِمَال المشاق مَا أوقعهم فِي ترك وَاجِبَات ومستحبات وَفعل مكروهات ومحرمات وكلا الْأَمريْنِ غير مَحْمُود وَلَا مَأْمُور بِهِ وَلَا طَرِيق الى الله طَرِيق المفرطين الَّذين فعلوا هَذِه الْأَفْعَال الْمُحْتَاج اليها على غير وَجه الْعِبَادَة والتقرب الى الله وَطَرِيق الْمُعْتَدِينَ الَّذين تركُوا هَذِه الْأَفْعَال بل الْمَشْرُوع أَن تفعل بنية التَّقَرُّب الى الله وَأَن يشْكر الله قَالَ الله تَعَالَى كلوا من
стр. 136
الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا وَقَالَ تَعَالَى كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم واشكروا لله فَأمر بِالْأَكْلِ وَالشرب فَمن أكل وَلم يشْكر كَانَ مذموما وَمن لم يَأْكُل وَلم يشْكر كَانَ مذموما وَفِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ ان الله ليرضى عَن العَبْد أَن يَأْكُل الْأكلَة فيحمده عَلَيْهَا وَيشْرب الشربة فيحمده عَلَيْهَا وَقَالَ النَّبِي ﷺ لسعد انك لن تنْفق نَفَقَة تبتغي بهَا وَجه الله الا ازددت بهَا دَرَجَة ورفعة حَتَّى اللُّقْمَة تضعها فِي فِي امْرَأَتك وَفِي الصَّحِيح أَيْضا أَنه قَالَ نَفَقَة الْمُؤمن على أَهله يحتسبها صَدَقَة فَكَذَلِك الْأَدْعِيَة هُنَا من النَّاس من يسْأَل الله جلب الْمَنْفَعَة لَهُ وَدفع الْمضرَّة عَنهُ طبعا وَعَادَة لَا شرعا وَعبادَة فَلَيْسَ من الْمَشْرُوع أَن ادْع الدُّعَاء مُطلقًا لتقصير هَذَا وتفريطه بل أَفعلهُ أَنا شرعا وَعبادَة ثمَّ اعْلَم أَن الَّذِي يَفْعَله شرعا وَعبادَة انما يسْعَى فِي مصلحَة نَفسه وَطلب حظوظه المحمودة فَهُوَ يطْلب مصلحَة دُنْيَاهُ وآخرته بِخِلَاف الَّذِي يَفْعَله طبعا فَإِنَّهُ انما يطْلب مصلحَة دُنْيَاهُ فَقَط كَمَا قَالَ تعال فَمن النَّاس من
стр. 137
يَقُول رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَة من خلاق وَمِنْهُم من يَقُول رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار أُولَئِكَ لَهُم نصيب مِمَّا كسبوا وَالله سريع الْحساب وَحِينَئِذٍ فطالب الْجنَّة والمستعيذ من النَّار انما يطْلب حَسَنَة الْآخِرَة فَهُوَ مَحْمُود وَمِمَّا يبين الْأَمر فِي ذَلِك أَن يرد قَول هَؤُلَاءِ بِأَن العَبْد لَا يفعل مَأْمُورا وَلَا يتْرك مَحْظُورًا فَلَا يُصَلِّي وَلَا يَصُوم وَلَا يتَصَدَّق وَلَا يحجّ وَلَا يُجَاهد وَلَا يفعل شَيْئا من القربات فَإِن ذَلِك انما فَائِدَته حُصُول الثَّوَاب وَدفع الْعقَاب الَّذِي هُوَ النَّار فَلَا يفعل مَأْمُورا وَلَا يتْرك مَحْظُورًا وَيَقُول أَنا رَاض بِكُل مَا يَفْعَله بِي وان كفرت وفسقت وعصيت بل يَقُول أَنا أكفر وأفسق وأعصي حَتَّى يعاقبني وأرضى بعقابه فأنال دَرَجَة الرِّضَا بِقَضَائِهِ وَهَذَا قَول من هُوَ من أَجْهَل الْخلق وأحمقهم وأضلهم وأكفرهم أما جهلة وحمقه فَلِأَن الرِّضَا بذلك مُمْتَنع مُتَعَذر لِأَن ذَلِك يسْتَلْزم الْجمع بَين النقيضين وَأما كفره فَلِأَنَّهُ مُسْتَلْزم لتعطيل دين الله الَّذِي بعث بِهِ رسله وَأنزل بِهِ كتبه وَلَا ريب أَن مُلَاحظَة الْقَضَاء وَالْقدر أوقعت كثيرا من أهل الارادة من المتصوفة فِي أَن تركُوا من الْمَأْمُور وفعلوا من الْمَحْظُور مَا صَارُوا بِهِ اما ناقصين محرومين واما عاصين فاسقين واما كَافِرين وَقد رَأَيْت من ذَلِك ألوانا وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور وَهَؤُلَاء الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم من الْقَدَرِيَّة طرفا نقيض هَؤُلَاءِ يلاحظون الْقدر ويعرضون عَن الْأَمر وَأُولَئِكَ يلاحظون الْأَمر ويعرضون عَن
стр. 138
الْقدر والطائفتان تظن أَن مُلَاحظَة الْأَمر وَالْقدر مُتَعَذر كَمَا أَن طَائِفَة تجْعَل ذَلِك مُخَالفا للحكمة وَالْعدْل وَهَذِه الْأَصْنَاف الثَّلَاثَة هِيَ الْقَدَرِيَّة الْمَجُوسِيَّة والقدرية المشركية والقدرية الابليسية وَقد بسطنا الْكَلَام عَلَيْهِم فِي غير هَذَا الْموضع وأصل مَا يبتلى بِهِ السالكون أهل الارادة الْعَامَّة فِي هَذَا الزَّمَان هِيَ الْقَدَرِيَّة المشركية فَيَشْهَدُونَ الْقدر ويعرضون عَن الْأَمر كَمَا قَالَ فيهم بعض الْعلمَاء أَنْت عِنْد الطَّاعَة قدري وَعند الْمعْصِيَة جبري أَي مَذْهَب وَافق هَوَاك تمذهبت بِهِ وانما الْمَشْرُوع الْعَكْس وَهُوَ أَن يكون عِنْد الطَّاعَة يَسْتَعِين الله عَلَيْهَا قبل الْفِعْل ويشكره عَلَيْهَا بعد الْفِعْل ويجتهد أَن لَا يَعْصِي فاذا أذْنب وَعصى بَادر الى التَّوْبَة وَالِاسْتِغْفَار كَمَا فِي حَدِيث سيد الاسْتِغْفَار أَبُوء لَك بنعمتك عَليّ وأبوء بذنبي وكا فِي الحَدِيث الصَّحِيح الالهي يَا عبَادي انما هِيَ أَعمالكُم أحصيها لَكمَا ثمَّ أوفيكم اياها فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن الا نَفسه وَمن هَذَا الْبَاب دخل قوم من أهل الادارة فِي ترك الدُّعَاء وَآخَرُونَ جعلُوا التَّوَكُّل والمحبة من مقامات الْعَامَّة وأمثال هَذِه الأغاليط الَّتِي تكلمنا عَلَيْهَا فِي غير هَذَا الْموضع وَبينا الْفرق بَين الصَّوَاب وَالْخَطَأ فِي ذَلِك وَلِهَذَا يُوجد فِي كَلَام هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخ الْوَصِيَّة بِاتِّبَاع الْعلم والشريعة حَتَّى قَالَ سهل بن عبد الله التسترِي كل وجد لَا يشْهد لَهُ الْكتاب وَالسّنة فَهُوَ بَاطِل وَقَالَ الْجُنَيْد بن مُحَمَّد علمنَا مُقَيّد بِالْكتاب وَالسّنة فَمن لم يقْرَأ الْقُرْآن وَيكْتب الحَدِيث لَا يَصح أَن يتَكَلَّم فِي علمنَا وَالله أعلم
стр. 139
الْفَصْل الثَّامِن الْهم والعزم
سُؤال مَا تقوم السَّادة الْعلمَاء فِي من عزم على فعل محرم كَالزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر عزما جَازِمًا فعجز عَن فعله اما بِمَوْت أَو غَيره هَل يَأْثَم بِمُجَرَّد الْعَزْم أم لَا وان قُلْتُمْ يَأْثَم فَمَا جَوَاب من يحْتَج على عدم الاثم بقوله اذا هم عَبدِي بسيئة وَلم يعملها لم تكْتب عَلَيْهِ وَبِقَوْلِهِ ان الله تجَاوز لأمتي عَمَّا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم تعْمل أَو تَتَكَلَّم وَاحْتج بِهِ من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَنه أخبر بِالْعَفو عَن حَدِيث النَّفس والعزم دَاخل فِي الْعُمُوم والعزم والهم وَاحِد قَالَه ابْن سَيّده
стр. 140
الثَّانِي أَنه جعل التجاوز ممتدا الى أَن يُوجد كَلَام أَو عمل وَمَا قبل ذَلِك دَاخل فِي حد التجاوز وَيَزْعُم أَن لَا دلَالَة فِي قَول النَّبِي ﷺ اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فِي النَّار لِأَن الْمُوجب لدُخُول الْمَقْتُول فِي النَّار مواجهته أَخِيه لِأَنَّهُ عمل لَا مُجَرّد قصد وَأَن لَا دلَالَة فِي قَوْله ﷺ فِي الَّذِي قَالَ لَو أَن لي مَالا لفَعَلت وَفعلت انهما فِي الاثم سَوَاء وَفِي الْأجر سَوَاء لِأَنَّهُ تكلم وَالنَّبِيّ ﷺ قَالَ مَا لم تعْمل بِهِ أَو تَتَكَلَّم وَهَذَا قد تكلم وَقد وَقع فِي هَذِه الْمَسْأَلَة كَلَام كثير واحتيج الى بَيَانهَا مطولا مكشوفا مُسْتَوفى الاجابة فَأجَاب شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية قدس الله روحه وَنور ضريحه الْحَمد لله هَذِه المسأله وَنَحْوهَا تحْتَاج قبل الْكَلَام فِي حكمهَا الى حسن التَّصَوُّر لَهَا فَإِن اضراب النَّاس فِي هَذِه الْمسَائِل وَقع عامته من أَمريْن سَببا الِاضْطِرَاب أَحدهمَا عدم تَحْقِيق أَحْوَال الْقُلُوب وصفاتها الَّتِي هِيَ مورد الْكَلَام
стр. 141
وَالثَّانِي عدم اعطاء الْأَدِلَّة الشَّرْعِيَّة حَقّهَا وَلِهَذَا كثر اضطرات كثير من النَّاس فِي هَذَا الْبَاب حَتَّى يجد النَّاظر فِي كَلَامهم أَنهم يدعونَ اجماعات متناقضة فِي الظَّاهِر تفَاوت الْأَفْعَال وَالصِّفَات فَيَنْبَغِي أَن يعلم أَن كل وَاحِد من صِفَات الْحَيّ الَّتِي هِيَ الْعلم وَالْقُدْرَة والارادة وَنَحْوهَا لَهُ من الْمَرَاتِب مَا بَين أَوله وَآخره مَا لَا يضبطه الْعباد كالشك ثمَّ الظَّن ثمَّ الْعلم ثمَّ الْيَقِين ومراتبه وَكَذَلِكَ الْهم والارادة والعزم وَغير ذَلِك وَلِهَذَا كَانَ الصَّوَاب عِنْد جَمَاهِير أهل السّنة وَهُوَ ظَاهر مَذْهَب أَحْمد وَهُوَ أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ وَقَول أكثير أَصْحَابه ان الْعلم وَالْعقل وَنَحْوهمَا يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان بل وَكَذَلِكَ الصِّفَات الَّتِي تقوم بِغَيْر الْحَيّ كالألوان والطعوم والأرواح الارادة الجازمة وَحكمهَا فَنَقُول أَولا الارادة الجازمة هِيَ الَّتِي يجب وُقُوع الْفِعْل مَعهَا اذا كَانَت الْقُدْرَة حَاصِلَة فَإِنَّهُ مَتى وجدت الارادة الجازمة مَعَ الْقُدْرَة التَّامَّة وَجب وجود الْفِعْل لكَمَال وجود الْمُقْتَضى السَّالِم عَن الْمعَارض المقاوم وَمَتى وجدت الارادة وَالْقُدْرَة التَّامَّة وَلم يَقع الْفِعْل لم تكن الارادة جازمة وَهُوَ ارادات الْخلق لما يقدرُونَ عَلَيْهِ من الْأَفْعَال وَلم يفعلوه وان كَانَت هَذِه الارادات مُتَفَاوِتَة فِي الْقُوَّة والضعف تَفَاوتا كثيرا لَكِن حَيْثُ لم يَقع الْفِعْل المُرَاد مَعَ وجود الْقُدْرَة التَّامَّة فَلَيْسَتْ الارادة جازمة جزما تَاما وَهَذِه الْمَسْأَلَة انما كثر فِيهَا النزاع لأَنهم قدرُوا ارادة جازمة للْفِعْل لَا يقْتَرن بهَا شَيْء من الْفِعْل وَهَذَا لَا يكون وانما يكون ذَلِك فِي الْعَزْم على أَن يفعل فقد يعزم على الْفِعْل فِي الْمُسْتَقْبل من لَا يفعل مِنْهُ شَيْئا فِي الْحَال والعزم على أَن يفعل فِي الْمُسْتَقْبل لَا يَكْفِي فِي وجود الْفِعْل بل
стр. 142
لَا بُد عِنْد وجود من حُدُوث تَمام الارادة المستلزمة للْفِعْل وَهَذِه هِيَ الارادة الجازمة والارادة الجازمة اذا فعل مَعهَا الانسان مَا يقدر عَلَيْهِ كَانَ فِي الشَّرْع بِمَنْزِلَة الْفَاعِل التَّام لَهُ ثَوَاب الْفَاعِل التَّام وعقاب الْفَاعِل التَّام الَّذِي فعل جَمِيع الْفِعْل المُرَاد حَتَّى يُثَاب ويعاقب على مَا هُوَ خَارج عَن مَحل قدرته مثل المشتركين والمتعاونين على أَفعَال الْبر وَمِنْهَا مَا يتَوَلَّد عَن فعل الانسان كالداعي الى هدى أَو ضَلَالَة والسان سنة حَسَنَة وَسنة سَيِّئَة كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن النَّبِي صلى الله عليى وَسلم أَنه قَالَ من دَعَا الى هدى كَانَ لَهُ من الْأجر مثل أجور من تبعه من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء وَمن دَعَا الى ضَلَالَة كَانَ عَلَيْهِ من الْوزر مثل أوزار من تبعه من غير أَن ينقص أوزارهم شَيْء وَثَبت عَنهُ فِي الصححين أَنه قَالَ من سنّ سنة حَسَنَة كَانَ لَهُ أجرهَا وَأجر من عمل بهَا الى يَوْم الْقِيَامَة من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء
стр. 143
ارادة الدَّاعِي الى الْهدى والضلال فالداعي الى الْهدى والى الضَّلَالَة هُوَ طَالب مُرِيد كَامِل الطّلب والارادة لما دَعَا اليه لَكِن قدرته بِالدُّعَاءِ وَالْأَمر وقدرة الْفَاعِل بالاتباع وَالْقَبُول وَلِهَذَا قرن الله تَعَالَى فِي كِتَابه بَين الْأَفْعَال الْمُبَاشرَة والمتولدة فَقَالَ ذَلِك بِأَنَّهُم لَا يصيبهم ظمأ وَلَا نصب وَلَا مَخْمَصَة فِي سَبِيل الله وَلَا يطؤون موطئا يغِيظ الْكفَّار وَلَا ينالون من عَدو نيلا الا كتب لَهُم بِهِ عمل صَالح ان الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ وَلَا يُنْفقُونَ نَفَقَة صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة وَلَا يقطعون وَاديا الا كتب لَهُم لِيَجْزِيَهُم الله أحسن مَا كَانُوا يعْملُونَ فَذكر فِي الْآيَة الأولى مَا يحدث عَن أفعالهم بِغَيْر قدرتهم المنفردة وَهُوَ مَا يصيبهم من الْعَطش والجوع والتعب وَمَا يحصل للْكفَّار بهم من الغيط وَمَا ينالونه من الْعَدو وَقَالَ كتب لَهُم بِهِ عمل صَالح فَأخْبر أَن هَذِه الْأُمُور الَّتِي تحدث وتتولد من فعلهم وَفعل آخر مُنْفَصِل عَنْهُم يكْتب لَهُم بهَا عمل صَالح وَذكر فِي الْآيَة الثَّانِيَة نفس أَعْمَالهم الْمُبَاشرَة الَّتِي باشروها بِأَنْفسِهِم وَهِي الانفاق وَقطع الْمسَافَة فَلهَذَا قَالَ فِيهَا الا كتب لَهُم فَإِن هَذِه نَفسهَا عمل صَالح وارادتهم فِي الْمَوْضِعَيْنِ جازمة على مطلوبهم الَّذِي هُوَ أَن يكون الدّين كُله لله وَأَن تكون كلمة الله هِيَ الْعليا فَمَا حدث مَعَ هَذِه الارادة الجازمة من الْأُمُور الَّتِي تعين فِيهَا قدرتهم بعض الاعانة هِيَ لَهُم عمل صَالح وَكَذَلِكَ الدَّاعِي الى الْهدى والضلالة لما كَانَت ارادتهم جازمة كَامِلَة
стр. 144
فِي هدى الأتباع وضلالهم وأتى من الاعانة على ذَلِك بِمَا يقدر عَلَيْهِ كَانَ بِمَنْزِلَة الْعَامِل الْكَامِل فَلهُ من الْجَزَاء مثل جَزَاء كل من اتبعهُ للهادي مثل أجور المهتدين وللمضل مثل أوزار الضَّالّين وَكَذَلِكَ السان سنة حَسَنَة وَسنة سَيِّئَة فان السّنة هِيَ مارسم للتحري فَإِن السان كَامِل الارادة لكل مَا يفعل من ذَلِك وَفعله بِحَسب قدرته وَمن هَذَا قَوْله فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ عَن ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لَا تقتل نفس ظلما الا كَانَ على ابْن آدم الأول كفل من دَمهَا لِأَنَّهُ أول من سنّ الْقَتْل فالكفل النَّصِيب مثل نصيب الْقَاتِل كَمَا فسره الحَدِيث الآخر وَهُوَ كَمَا استباح جنس قتل الْمَعْصُوم لم يكن مَانع يمنعهُ من قتل نفس معصومة فَصَارَ شَرِيكا فِي قتل كل نفس وَمِنْه قَوْله تَعَالَى من أجل ذَلِك كتبنَا على بني اسرائيل أَنه من قتل نفسا بِغَيْر نفس أَو فَسَاد فِي الأَرْض فَكَأَنَّمَا قتل النَّاس جَمِيعًا وَمن أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا وَيُشبه هَذَا أَنه من كذب رَسُولا معينا كتكذيب جنس الرُّسُل كَمَا قيل فِيهِ كذبت قوم نوح الْمُرْسلين كذبت عَاد الْمُرْسلين وَنَحْو ذَلِك وَمن هَذَا الْبَاب قَوْله تَعَالَى وَقَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا اتبعُوا
стр. 145
سبيلنا ولنحمل خطاياكم وَمَا هم بحاملين من خطاياهم من شَيْء انهم لَكَاذِبُونَ وليحملن أثقالهم وأثقالا مَعَ أثقالهم وليسألن يَوْم الْقِيَامَة عَمَّا كَانُوا يفترون فَأخْبر أَن أمة الضلال لَا يحملون من خَطَايَا الأتباع شَيْئا وَأخْبر أَنهم يحملون أثقالهم وَهِي أوزار الأتباع من غير أَن ينقص من أوزار الأتباع شَيْء لِأَن ارادتهم كَانَت جازمة بذلك وفعلوا مقدورهم فَصَارَ لَهُم جَزَاء كل عَامل لِأَن الْجَزَاء على الْعَمَل يسْتَحق مَعَ الارادة الجازمة وَفعل الْمَقْدُور مِنْهُ وَهُوَ كَمَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن أبي سُفْيَان أَن النَّبِي ﷺ كتب الى هِرقل فَإِن توليت فَإِن عَلَيْك اثم الأريسيين فَأخْبر أَن هِرقل لما كَانَ امامهم الْمَتْبُوع فِي دينهم أَن عَلَيْهِ اثم الأربسيين وهم الأتباع وان كَانَ قد قيل ان أصل هَذِه الْكَلِمَة من الفلاحين والأكرة كَلَفْظِ الطَّاء بالتركي فَإِن هَذِه الْكَلِمَة تقلب الى مَا هُوَ أَعم من ذَلِك وَمَعْلُوم أَنه اذا تولى عَن أَتبَاع الرَّسُول كَانَ عَلَيْهِ مثل آثامهم من غير أَن ينقص من آثامهم شَيْء كَمَا دلّ عَلَيْهِ سَائِر نُصُوص الْكتاب وَالسّنة وَمن هَذَا قَوْله تَعَالَى الهكم اله وَاحِد فَالَّذِينَ لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة قُلُوبهم مُنكرَة وهم مستكبرون لَا جرم أَن الله يعلم مَا يسرون وَمَا يعلنون انه لَا يحب المستكبرين واذا قيل لَهُم مَاذَا أنزل ربكُم قَالُوا أساطير الْأَوَّلين ليحملوا أوزارهم كَامِلَة يَوْم الْقِيَامَة وَمن أوزار الَّذين يضلونهم بِغَيْر علم
следующие страницы →