← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6826

الزهد والورع والعبادة

ابن تيمية

Полный текст (186 стр.). Показаны 176–186 · переход к 181.

стр. 176

ربكُم وشفاء لما فِي الصُّدُور وَهدى وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين وَمثل هَذَا كثير فِي كتاب الله وَسنة رَسُوله واتفاق الْمُؤمنِينَ يحمد ويذم على مَا شَاءَ الله من مساعي الْقُلُوب وأعمالها مثل قَوْله فِي الحَدِيث الصَّحِيح الْمُتَّفق عَلَيْهِ لَا تباغضوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَقَوله لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يحب لِأَخِيهِ من الْخَيْر مَا يحب لنَفسِهِ وَقَوله مثل الْمُؤمنِينَ فِي توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كَمثل الْجَسَد الْوَاحِد اذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْو تداعى لَهُ سَائِر الْجَسَد بالحمى والسهر وَقَوله لَا يدْخل الْجنَّة من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر وَلَا يدْخل النَّار من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من الايمان وَقَوله لَا تسموا الْعِنَب الْكَرم وانما الْكَرم قلب الْمُؤمن وأمثال هَذَا كثير

стр. 177

بل قَول الْقلب وَعَمله هُوَ الأَصْل مثل تَصْدِيقه وتكذيبه وحبه وبغضه من ذَلِك مَا يحصل بِهِ مدح وذم وثواب وعقاب بِدُونِ فعل الْجَوَارِح الظَّاهِرَة وَمِنْه مَا لَا يقْتَرن بِهِ ذَلِك الا مَعَ الْفِعْل بالجوارح الظَّاهِرَة اذا كَانَت مقدورة وَأما مَا ترك فِيهِ فعل الْجَوَارِح الظَّاهِرَة للعجز عَنهُ فَهَذَا حكم صَاحبه حكم الْفَاعِل فأقوال الْقلب وأفعاله ثَلَاثَة أَقسَام أَقسَام أَعمال الْقلب أَحدهمَا مَا هُوَ حَسَنَة وسيئة بِنَفسِهِ وَثَانِيها مَا لَيْسَ سَيِّئَة بِنَفسِهِ حَتَّى يفعل وَهُوَ السَّيئَة المقدورة كَمَا تقدم وَثَالِثهَا مَا هُوَ مَعَ الْعَجز كالحسنة والسيئة المفعولة وَلَيْسَ هُوَ مَعَ الْقُدْرَة كالحسنة والسيئة المفعولة كَمَا تقدم فالقسم الأول هُوَ مَا يتَعَلَّق بأصول الايمان من التَّصْدِيق والتكذيب وَالْحب والبغض وتوابع ذَلِك فاذن هَذِه الْأُمُور يحصل فِيهَا الثَّوَاب وَالْعِقَاب وعلو الدَّرَجَات وأسفل الدركات بِمَا يكون فِي الْقُلُوب من هَذِه الْأُمُور وان لم يظْهر على الْجَوَارِح بل المُنَافِقُونَ يظهرون بجوارحهم الْأَقْوَال والأعمال الصَّالِحَة وانما عقابهم وكونهم فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار على مَا فِي قُلُوبهم من الْأَمْرَاض وان كَانَ ذَلِك قد يقْتَرن بِهِ أَحْيَانًا بغض القَوْل وَالْفِعْل لَكِن لَيست الْعقُوبَة مَقْصُورَة على ذَلِك البغض الْيَسِير وانما ذَلِك البغض دلَالَة كَمَا قَالَ تَعَالَى وَلَو نشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتهمْ بِسِيمَاهُمْ ولتعرفنهم فِي لحن القَوْل فَأخْبر أَنهم لَا بُد أَن يعرفوا فِي لحن القَوْل

стр. 178

وَأما الْقسم الثَّانِي وَالثَّالِث فمظنة الْأَفْعَال الَّتِي لَا تنَافِي أصُول الايمان مثل الْمعاصِي الطبعية مثل الزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر كَمَا ثَبت فِي الصِّحَاح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من مَاتَ يشْهد أَن لَا اله الا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله دخل الْجنَّة وان زنا وان سرق وان شرب الْخمر وكما شهد النَّبِي ﷺ فِي الحَدِيث الصَّحِيح للرجل الَّذِي كَانَ يكثر شرب الْخمر وَكَانَ يجلده كلما جِيءَ بِهِ فلعنه رجل فَقَالَ لَا تلعنه فانه يحب الله وَرَسُوله وَفِي رِوَايَة قَالَ بَعضهم أَخْزَاهُ الله مَا أَكثر مَا يُؤْتِي بِهِ فِي شرب الْخمر فَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا تَكُونُوا أعوانا للشَّيْطَان على أخيكم وَهَذَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة حَدِيث النَّفس والوسوسة وَلِهَذَا قَالَ ان الله تجَاوز لأمتي عَمَّا حدثت بِهِ أَنْفسهَا مَا لم تكلم بِهِ أَو تعْمل بِهِ وَالْعَفو عَن حَدِيث النَّفس انما وَقع لأمة مُحَمَّد الْمُؤمنِينَ بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْيَوْم الآخر فَعلم أَن هَذَا الْعَفو هُوَ فِيمَا يكون من الْأُمُور الَّتِي لَا تقدح فِي الايمان فَأَما مَا نافى الايمان فَذَلِك لَا يتَنَاوَلهُ لفظ الحَدِيث لِأَنَّهُ اذا نافى الايمان لم يكن صَاحبه من أمة مُحَمَّد فِي الْحَقِيقَة وَيكون بِمَنْزِلَة الْمُنَافِقين فَلَا يجب أَن يُعْفَى عَمَّا فِي نَفسه من كَلَامه أَو عمله وَهَذَا فرق بَين يدل عَلَيْهِ الحَدِيث وَبِه تألفت الْأَدِلَّة الشرعيه وَهَذَا كَمَا عَفا

стр. 179

الله لهَذِهِ الْأمة عَن الْخَطَأ وَالنِّسْيَان كَمَا دلّ عَلَيْهِ الْكتاب وَالسّنة فَمن صَحَّ ايمانه عُفيَ لَهُ عَن الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَحَدِيث النَّفس كَمَا يخرجُون من النَّار بِخِلَاف من لَيْسَ مَعَه الايمان فان هَذَا لم تدل النُّصُوص على ترك مؤاخذته بِمَا فِي نَفسه وخظئه ونسيانه وَلِهَذَا جَاءَ نِيَّة الْمُؤمن خير من عمله هَذَا الْأَثر رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخ الْأَصْبَهَانِيّ فِي كتاب الْأَمْثَال من مَرَاسِيل ثَابت الْبنانِيّ وَقد ذكره ابْن الْقيم فِي النِّيَّة من طرق عَن النَّبِي ﷺ ثمَّ ضعفها فَالله أعلم فان النِّيَّة يُثَاب عَلَيْهَا الْمُؤمن بمجردها وتجري مجْرى الْعَمَل اذا لم يمْنَع من الْعَمَل بهَا الا الْعَجز ويمكنه ذَلِك فِي عَامَّة أَفعَال الْخَيْر وَأما عمل الْبدن فَهُوَ مُقَيّد بِالْقُدْرَةِ وَذَلِكَ لَا يكون إِلَّا قَلِيلا وَلِهَذَا قَالَ بعض السّلف قُوَّة الْمُؤمن فِي قلبه وَضَعفه فِي بدنه وَقُوَّة الْمُنَافِق فِي بدنه وَضَعفه فِي قلبه وَقد دلّ على هَذَا الأَصْل قَوْله تَعَالَى وان تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبكُمْ بِهِ الله فَيغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يشاءالآية وَهَذِه الْآيَة وان كَانَ قد قَالَ طائف من السّلف انها مَنْسُوخَة كَمَا روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن مَرْوَان الْأَصْغَر عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وَهُوَ ابْن عمر أَنَّهَا نسخت فالنسخ فِي لِسَان

стр. 180

السّلف أَعم مِمَّا هُوَ فِي لِسَان الْمُتَأَخِّرين يُرِيدُونَ بِهِ رفع الدّلَالَة مُطلقًا وان كَانَ تَخْصِيصًا للعام أَو تقييدا للمطلق وَغير ذَلِك كَمَا هُوَ مَعْرُوف فِي عرفهم وَقد أنكر آخَرُونَ نسخهَا لعدم دَلِيل ذَلِك وَزعم قوم أَن ذَلِك خبر وَالْخَبَر لَا ينْسَخ ورد آخَرُونَ بِأَن هَذَا خبر عَن حكم شَرْعِي كالخبر الَّذِي بِمَعْنى الْأَمر وَالنَّهْي والقائلون بنسخها يجْعَلُونَ النَّاسِخ لَهَا الْآيَة الَّتِي بعْدهَا وَهِي قَوْله لَا يُكَلف الله نفسا الا وسعهَا كَمَا روى مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث أنس فِي هَذِه الْآيَة فَيكون الْمَرْفُوع عَنْهُم مَا فسرت بِهِ الْأَحَادِيث وَهُوَ مَا هموا بِهِ وَحَدثُوا بِهِ أنفسهم من الْأُمُور المقدورة مَا لم يتكلموا بِهِ أَو يعملوا بِهِ وَرفع عَنْهُم الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ كَمَا روى ابْن مَاجَه وَغَيره باسناد حسن ان الله تجَاوز لأمتي عَن الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اتستكرهوا عَلَيْهِ وَحَقِيقَة الْأَمر أَن قَوْله سُبْحَانَهُ ان تبدوا مَا فِي أَنفسكُم أَو تُخْفُوهُ لم يدل على المؤخذة بذلك بل دلّ على المحاسبة بِهِ وَلَا يلْزم من كَونه يُحَاسب أَن يُعَاقب وَلِهَذَا قَالَ فَيغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء لَا يسْتَلْزم أَنه قد يغْفر ويعذب بِلَا سَبَب وَلَا تَرْتِيب وَلَا أَنه يغْفر كل شَيْء أَو يعذب على كل شَيْء مَعَ الْعلم بِأَنَّهُ لَا يعذب الْمُؤمنِينَ وَأَنه لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ الا مَعَ التوبه وَنَحْو ذَلِك

стр. 181

وَالْأَصْل أَن يفرق بَين مَا كَانَ مجامعا لأصل الايمان وَمَا كَانَ منافيا لَهُ وَيفرق أَيْضا بَين مَا كَانَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ فَلم يفعل وَبَين مَا لم يتْرك الا للعجز عَنهُ فهذان الْفرْقَان هما فصل فِي هَذِه المواضيع المشتبهة وَقد ظهر بِهَذَا التَّفْصِيل أَن أصل النزاع فِي الْمَسْأَلَة انما وَقع لكَوْنهم رَأَوْا عزما جَازِمًا لَا يقْتَرن بِهِ فعل قطّ وَهَذَا لَا يكون الا اذا كَانَ الْفِعْل مُقَارنًا للعزم وان كَانَ الْعَجز مُقَارنًا للارادة الجازمة لما هُوَ عَاجز عَنهُ ممتنعة أَيْضا فَمَعَ الارادة الجازمة يُوجد مَا يقدر عَلَيْهِ من مُقَدمَات الْفِعْل ولوازمه وان لم يُوجد الْفِعْل نَفسه والانسان يجد من نَفسه أَن مَعَ قدرته على الْفِعْل يقوى طلبه والطمع فِيهِ وارادته وَمَعَ الْعَجز عَنهُ يضعف ذَلِك الطمع وَهُوَ لَا يعجز عَمَّا يَقُوله ويفعله على السوَاء وَلَا عَمَّا يظْهر على صفحات وَجهه وفلتات لِسَانه مثل بسط الْوَجْه وتعبسه واقباله على الشَّيْء والاعراض عَنهُ وَهَذِه وَمَا يشبهها من أَعمال الْجَوَارِح الَّتِي يَتَرَتَّب عَلَيْهَا الذَّم وَالْعِقَاب كَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهَا الْحَمد وَالثَّوَاب وَبَعض النَّاس يقدر عزما جَازِمًا لَا يقْتَرن بِهِ فعل قطّ وَهَذَا لَا يكون الا لعجز يحدث بعد ذَلِك من موت أَو غَيره فسموا التصميم على الْفِعْل فِي الْمُسْتَقْبل عزما جَازِمًا وَلَا نزاع فِي اطلاق الْأَلْفَاظ فان من النَّاس من يفرق بَين الْعَزْم وَالْقَصْد فَيَقُول مَا قَارن الْفِعْل فَهُوَ قصد وَمَا كَانَ قبله فَهُوَ عزم وَمِنْهُم من يَجْعَل الْجَمِيع سَوَاء وَقد تنازعوا هَل تسمى ارادة الله لما يَفْعَله فِي الْمُسْتَقْبل فَلَا بُد حِين فعله من تجدّد ارادة غير الْعَزْم الْمُتَقَدّم وَهِي الارادة المستلزمة لوُجُود الْفِعْل مَعَ الْقُدْرَة وَتَنَازَعُوا أَيْضا هَل يجب وجود الْفِعْل مَعَ الْقُدْرَة والداعي وَقد ذكرُوا أَيْضا فِي ذَلِك قَولَانِ

стр. 182

وَالْأَظْهَر أَن الْقُدْرَة مَعَ الدَّاعِي التَّام تَسْتَلْزِم وجود الْمَقْدُور والارادة مَعَ الْقُدْرَة تَسْتَلْزِم وجود المُرَاد والمتنازعون فِي هَذِه أَرَادَ أحدهم اثبات الْعقَاب مُطلقًا على كل عزم على فعل مُسْتَقْبل وان لم يقْتَرن بِهِ فعل وَأَرَادَ الآخر رفع الْعقَاب مُطلقًا عَن كل مَا فِي النَّفس من الارادات الجازمة وَنَحْوهَا مَعَ ظن الِاثْنَيْنِ أَن ذَلِك الْوَاحِد لم يظْهر بقول وَلَا عمل وكل من هذَيْن انحراف عَن الْوسط فاذا عرف أَن الارادة الجازمة لَا يتَخَلَّف عَنْهَا الْفِعْل مَعَ الْقُدْرَة الا لعجز يجْرِي صَاحبهَا مجْرى الْفَاعِل التَّام فِي الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَأما اذا تخلف عَنْهَا مَا يقدر عَلَيْهَا فَذَلِك المتخلف لَا يكون مرَادا ارادة جازمة بل هُوَ الْهم الَّذِي وَقع الْعَفو عَنهُ وَبِه ائتلفت النُّصُوص وَالْأُصُول ثمَّ هُنَا مسَائِل كَثِيرَة فِيمَا يجْتَمع فِي الْقلب من الارادات المتعارضة كالاعتقادات المتعارضة وارادة الشَّيْء وضدة مثل شَهْوَة النَّفس للمعصية وبغض الْقلب لَهَا وَمثل حَدِيث النَّفس الَّذِي يتَضَمَّن الْكفْر اذا قارنه بعض ذَلِك والتعوذ مِنْهُ كَمَا شكا أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ اليه فَقَالُوا ان أَحَدنَا يجد فِي نَفسه مَا لِأَن يَحْتَرِق حَتَّى يصير حممة أَو يخر من السَّمَاء الى الأَرْض أحب اليه من أَن يتَكَلَّم بِهِ فَقَالَ أَو قد وجدتموه فقالو نعم قَالَ ذَلِك صَرِيح الْإِيمَان رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث ابْن مَسْعُود وَأبي هُرَيْرَة وَفِيه الْحَمد لله الَّذِي رد كَيده الى الوسوسة

стр. 183

وَحين كتبت هَذَا الْجَواب لم يكن عِنْدِي من الْكتب مَا يستعان بِهِ على الْجَواب فان لَهُ موارد وَاسِعَة فَهُنَا لما اقْترن بالوسواس هَذَا البغض وَهَذِه الْكَرَاهَة كَانَ هُوَ صَرِيح الايمان وَهُوَ خَالِصَة ومحضه لِأَن الْمُنَافِق الْكَافِر لَا يجد هَذَا البغض وَهَذِه الْكَرَاهَة مَعَ الوسوسة بذلك بل إِن كَانَ فِي الْكفْر الْبَسِيط وَهُوَ الاعراض عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُول وَترك الايمان بِهِ وَإِن لم يعْتَقد تَكْذِيبه فَهَذَا قد لَا يوسوس لَهُ الشَّيْطَان بذلك اذ الوسوسة بالمعارض الْمنَافِي للايمان انما يحْتَاج اليها عِنْد وجود مقتضيه فاذا لم يكن مَعَه مَا يتقضي الايمان لم يحْتَج الى معَارض يَدْفَعهُ وان كَانَ فِي الْكفْر الْمركب وَهُوَ التَّكْذِيب فالكفر فَوق الوسوسة وَلَيْسَ مَعَه ايمان يكره بِهِ ذَلِك وَلِهَذَا لما كَانَت هَذِه الوسوسسة عارضة لعامة الْمُؤمنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى أنزل من السَّمَاء مَاء فسالت أَوديَة بِقَدرِهَا فَاحْتمل السَّيْل زبدا رابيا وممايوقدون عَلَيْهِ فِي النَّار ابْتِغَاء حلية أَو مَتَاع زبد مثله الْآيَات فَضرب الله الْمثل لما ينزله من الايمان وَالْقُرْآن بِالْمَاءِ الَّذِي ينزل فِي أَوديَة الأَرْض وَجعل الْقُلُوب كالأودية مِنْهَا الْكَبِير وَمِنْهَا الصَّغِير كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي مُوسَى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ مثل مَا بَعَثَنِي الله بِهِ من الْهدى وَالْعلم كَمثل غيث أصَاب أَرضًا فَكَانَت مِنْهَا طَائِفَة قبلت المَاء فأنبتت الْكلأ والعشب الْكثير وَكَانَت مِنْهَا طَائِفَة أَمْسَكت المَاء فسقى النَّاس وَشَرِبُوا وَكَانَت مِنْهَا طَائِفَة انما هِيَ قيعان لَا تمسك مَاء وَلَا تنْبت كلأ فَذَلِك مثل من فقه فِي دين الله ونفعه الله بِمَا بَعَثَنِي بِهِ من الْهدى وَالْعلم وَمثل من لم يرفع بذلك رَأْسا وَلم يقبل هدى الله الَّذِي أرْسلت بِهِ فَهَذَا أحد المثلين

стр. 184

والمثل الآخر مَا يُوقد عَلَيْهِ لطلب الْحِلْية وَالْمَتَاع من معادن الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْحَدِيد وَنَحْوه وَأخْبر أَن السَّيْل يحْتَمل زبدا رابيا وَمِمَّا يوقدون عَلَيْهِ فِي النَّار زبد مثله ثمَّ قَالَ كَذَلِك يضْرب الله الْحق وَالْبَاطِل فَأَما الزبدالرابي على المَاء وعَلى الموقد عَلَيْهِ فَهُوَ نَظِير مَا يَقع فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ من الشَّك والشبهات فِي العقائد والارادات الْفَاسِدَة كَمَا شكاه الصَّحَابَة الى النَّبِي ﷺ قَالَ تَعَالَى فَيذْهب جفَاء يجفوه الْقلب فيرميه ويقذفه كَمَا يقذف المَاء الزّبد ويجفوه وَأما مَا ينفع النَّاس فيمكث فِي الأَرْض وَهُوَ مثل مَا ثَبت فِي الْقُلُوب من الْيَقِين والايمان كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمثل كلمة طيبَة كشجرة طيبَة الْآيَة الى قَوْله يثبت الله الَّذين آمنوابالقول الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدِّينَا وَفِي الْآخِرَة ويضل الله الظَّالِمين وَيفْعل الله مَا يَشَاء فَكل مَا وَقع فِي قلب الْمُؤمن من خواطر الْكفْر والنفاق فكرهه وألقاه ازْدَادَ ايمانا ويقينا كَمَا أَن كل من حدثته نَفسه بذنب فكرهه ونفاه عَن نَفسه وَتَركه لله ازْدَادَ صلاحا وَبرا وتقوى وَأما الْمُنَافِق فأذا وَقعت لَهُ الْأَهْوَاء والآراء الْمُتَعَلّقَة بالنفاق لم يكرهها وَلم ينفها فانه قد وجدت مِنْهُ سَيِّئَة الْكفْر من غير حَسَنَة ايمانية تدفعها أَو تنفيها والقلوب يعرض لَهَا الْإِيمَان والنفاق فَتَارَة يغلب هَذَا وَتارَة يغلب هَذَا

стр. 185

وَقَوله ﷺ ان الله تجَاوز لأمتي عَمَّا وسوست أَو حدثت بِهِ أَنْفسهَا كَمَا فِي بعض أَلْفَاظه فِي الصَّحِيح هُوَ مُقَيّد بالتجاوز للْمُؤْمِنين دون من كَانَ مُسلما فِي الظَّاهِر وَهُوَ مُنَافِق فِي الْبَاطِن وهم كَثِيرُونَ فِي المتظاهرين بالاسلام قَدِيما وحديثا وهم فِي هَذِه الْأَزْمَان الْمُتَأَخِّرَة فِي بعض الْأَمَاكِن أَكثر مِنْهُم فِي حَال ظُهُور الايمان فِي أول الْأَمر فَمن أظهر الإيمانوكان صَادِقا مجتنبا مَا يضاده أَو يُضعفهُ يتَجَاوَز لَهُ عَمَّا يُمكنهُ التَّكَلُّم بِهِ وَالْعَمَل بِهِ دون مَا لَيْسَ كَذَلِك كَمَا دلّ عَلَيْهِ لفظ الحَدِيث فالقسمان اللَّذَان بَينا أَن العَبْد يُثَاب فيهمَا ويعاقب على أَعمال الْقُلُوب خَارِجَة من هَذَا الحَدِيث وَكَذَلِكَ قَوْله من هم بحسنة وَمن هم بسيئة انما هُوَ فِي الْمُؤمن الَّذِي يهم بسيئة أَو حَسَنَة يُمكنهُ فعلهَا فَرُبمَا فعلهَا وَرُبمَا تَركهَا لِأَنَّهُ أخبر أَن الْحَسَنَة تضَاعف بسبعمائة ضعف الى أَضْعَاف كَثِيرَة وَهَذَا انما هُوَ لمن يفعل الْحَسَنَات لله كَمَا قَالَ تَعَالَى مثل الَّذين يُنْفقُونَ أَمْوَالهم فِي سَبِيل الله وابتغاء مرضاة الله وابتغاء وَجه ربه وَهَذَا للْمُؤْمِنين فان الْكَافِر وان كَانَ الله يطعمهُ بحسناته فِي الدُّنْيَا وَقد يُخَفف عَنهُ بهَا فِي الْآخِرَة كَمَا خفف عَن أبي طَالب لاحسانه الى النَّبِي ﷺ وبشفاعة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 186

فَلم يوعد لكَافِر على حَسَنَاته بِهَذَا التَّضْعِيف وَقد جَاءَ ذَلِك مُقَيّدا فِي حَدِيث آخر أَنه فِي الْمُسلم الَّذِي هُوَ حسن الاسلام وَالله سُبْحَانَهُ أعلم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَصلى الله على نَبينَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم