Полный текст (451 стр.). Показаны 421–451 · переход к 426.
стр. 421
فِي الْمُوَطَّأ مَوْقُوف على أبي الدَّرْدَاء
قَالَ معَاذ بن جبل مَا عمل آدَمِيّ عملا أنجى لَهُ من عَذَاب الله من ذكر الله وَذكر رَسُوله ﷺ تبع لذكره
وَالْمَقْصُود أَن دوَام الذّكر سَبَب لدوام الْمحبَّة فالذكر للقلب كَالْمَاءِ للزَّرْع بل كَالْمَاءِ للسمك لَا حَيَاة لَهُ إِلَّا بِهِ
وَهُوَ أَنْوَاع ذكره بأسمائه وَصِفَاته وَالثنَاء عَلَيْهِ بهَا
الثَّانِي تسبيحه وتحميده وتكبيره وتهليله وتمجيده وَالْغَالِب من اسْتِعْمَال لفظ الذّكر عِنْد الْمُتَأَخِّرين هَذَا
الثَّالِث ذكره بأحكامه وأوامره ونواهيه وَهُوَ ذكر الْعَالم بل الْأَنْوَاع الثَّلَاثَة هِيَ ذكرهم لرَبهم
وَمن أفضل ذكره ذكره بِكَلَامِهِ
قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ طه ١٢٤ فَذكره هُنَا كَلَامه الَّذِي أنزلهُ على رَسُوله ﷺ
وَقَالَ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ الرَّعْد ٢٨
وَمن ذكره سُبْحَانَهُ دعاؤه واستغفاره والتضرع إِلَيْهِ فَهَذِهِ خَمْسَة أَنْوَاع من الذّكر
стр. 422
الْفَائِدَة الثَّالِثَة وَالثَّلَاثُونَ أَن الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ سَبَب لمحبته للْعَبد فَإِنَّهَا إِذا كَانَت سَببا لزِيَادَة محبَّة الْمصلى عَلَيْهِ لَهُ فَكَذَلِك هِيَ سَبَب لمحبته هُوَ للْمُصَلِّي عَلَيْهِ ﷺ
الرَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ أَنَّهَا سَبَب لهداية العَبْد وحياة قلبه فَإِنَّهُ كلما أَكثر الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ وَذكره واستولت محبته على قلبه حَتَّى لَا يبْقى فِي قلبه مُعَارضَة لشَيْء من أوامره وَلَا شكّ فِي شَيْء مِمَّا جَاءَ بِهِ بل يصير مَا جَاءَ بِهِ مَكْتُوبًا مسطوراً فِي قلبه لَا يزَال يَقْرَؤُهُ على تعاقب أَحْوَاله ويقتبس الْهدى والفلاح وأنواع الْعُلُوم مِنْهُ وَكلما ازْدَادَ فِي ذَلِك بَصِيرَة وَقُوَّة وَمَعْرِفَة ازدادت صلَاته عَلَيْهِ ﷺ
وَلِهَذَا كَانَت صَلَاة أهل الْعلم العارفين بسنته وهديه المتبعين لَهُ على خلاف صَلَاة الْعَوام عَلَيْهِ الَّذين حظهم مِنْهَا إزعاج أعضائهم بهَا رفع أَصْوَاتهم وَأما أَتْبَاعه العارفون بسنته وهديه المتبعين لَهُ على خلاف الْعَوام عَلَيْهِ الَّذين حظهم مِنْهَا إزعاج أعضائهم بهَا وَرفع أَصْوَاتهم وَأما أَتْبَاعه العارفون بسنته الْعَالمُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ فصلاتهم عَلَيْهِ نوع آخر فَكلما ازدادوا فِيمَا جَاءَ بِهِ معرفَة ازدادوا لَهُ محبَّة وَمَعْرِفَة بِحَقِيقَة الصَّلَاة الْمَطْلُوبَة لَهُ من الله تَعَالَى
وَهَكَذَا ذكر الله سُبْحَانَهُ كلما كَانَ العَبْد بِهِ أعرف وَله أطوع وَإِلَيْهِ أحب كَانَ ذكره غير ذكر الغافلين اللاهين وَهَذَا أَمر إِنَّمَا يعلم بالْخبر لَا بالْخبر وَفرق بَين من يذكر صِفَات محبوبه الَّذِي قد ملك حبه جَمِيع قلبه ويثني عَلَيْهِ وَبهَا ويمجده بهَا وَبَين من يذكرهَا إِمَّا أَمارَة وَإِمَّا لفظا لَا يدْرِي مَا مَعْنَاهُ لَا يُطَابق فِيهِ قلبه لِسَانه كَمَا أَنه فرق بَين بكاء النائحة وبكاء الثكلى فَذكره ﷺ وَذكر مَا جَاءَ بِهِ وَحمد الله سُبْحَانَهُ على إنعامه علينا ومنته بإرسالة هُوَ حَيَاة الْوُجُود وروحه كَمَا قيل
(روح الْمجَالِس ذكره وَحَدِيثه ... وَهدى لكل ملدد حيران)
стр. 423
(وَإِذا اخل فِي مجْلِس ... فَأُولَئِك الْأَمْوَات فِي الْحَيَّانِ)
الْخَامِسَة وَالثَّلَاثُونَ أَنَّهَا سَبَب لعرض اسْم الْمُصَلِّي عَلَيْهِ ﷺ وَذكره عِنْده كَمَا تقدم قَوْله إِن صَلَاتكُمْ معروضة عَليّ
وَقَوله ﷺ إِن الله وكّل بقبري مَلَائِكَة يبلغوني عَن أمتِي السَّلَام وَكفى بِالْعَبدِ نبْلًا أَن يذكر اسْمه بِالْخَيرِ بَين يَدي رَسُول الله ﷺ وَقد قيل فِي هَذَا الْمَعْنى
(وَمن خطرت مِنْهُ خطرة ... حقيق بِأَن يتقدما)
وَقَالَ الآخر
(أَهلا بِمَا لم أكن أَهلا لموقعه ... قَول المبشر بعد الْيَأْس بالفرج)
لَك الْبشَارَة فاخلع مَا عَلَيْك فقد ... ذكرت ثمَّ على مَا فِيك من عوج)
السَّادِسَة وَالثَّلَاثُونَ أَنَّهَا سَبَب لتثبيت الْقدَم على الصِّرَاط وَالْجَوَاز عَلَيْهِ لحَدِيث عبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ سعيد بن الْمسيب فِي رُؤْيا النَّبِي ﷺ وَفِيه وَرَأَيْت رجلا من امتي يزحف على الصِّرَاط ويحبو أَحْيَانًا وَيتَعَلَّق احيانا فَجَاءَتْهُ عَليّ فأقامته على قَدَمَيْهِ وأنقذته رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ وَبنى عَلَيْهِ كِتَابه فِي = التَّرْغِيب والترهيب = وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن جدا
السَّابِعَة وَالثَّلَاثُونَ أَن الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ أَدَاء لأَقل الْقَلِيل من حَقه وشكر لَهُ على نعْمَته الَّتِي أنعم الله بهَا علينا مَعَ أَن الَّذِي يسْتَحقّهُ من ذَلِك لَا يُحْصى علما وَلَا قدرَة وَلَا إِرَادَة وَلَكِن الله سُبْحَانَهُ لكرمه رَضِي من عباده باليسير من شكره وَأَدَاء حَقه
الثَّامِنَة وَالثَّلَاثُونَ أَنَّهَا متضمنة لذكر الله تَعَالَى وشكره وَمَعْرِفَة إنعامه على عبيده بإرساله فالمصلي عَلَيْهِ ﷺ قد تَضَمَّنت
стр. 424
صلَاته عَليّ ذكر الله وَذكر رَسُوله وسؤاله أَن يجْزِيه بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَهله كَمَا عرفنَا رَبنَا وأسماءه وَصِفَاته وهدانا إِلَى طَرِيق مرضاته وعرفنا مالنا بعد الْوُصُول إِلَيْهِ والقدوم عَلَيْهِ فَهِيَ متضمنة لكل الْإِيمَان بل هِيَ متضمنة للإقرار بِوُجُوب الرب الْمَدْعُو وَعلمه وسَمعه وَقدرته وارادته وحياته وَكَلَامه وإرسال رَسُوله وتصديقه فِي أخباره كلهَا وَكَمَال محبته وَلَا ريب أَن هَذِه هِيَ أصُول الْإِيمَان فَالصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ متضمنة لعلم العَبْد ذَلِك وتصديقه بِهِ ومحبته لَهُ فَكَانَت من أفضل الاعمال
التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ أَن الصَّلَاة عَلَيْهِ ﷺ من العَبْد هِيَ دُعَاء وَدُعَاء العَبْد وسؤاله من ربه نَوْعَانِ
أَحدهمَا سُؤَاله حَوَائِجه ومهماته وَمَا ينوبه فِي اللَّيْل وَالنَّهَار فَهَذَا دُعَاء وسؤال وإيثار لمحبوب العَبْد ومطلوبه
وَالثَّانِي سُؤَاله أَن يثني على خَلِيله وحبيبه وَيزِيد فِي تشريفه وتكريمه وإيثاره ذكره وَرَفعه وَلَا ريب أَن الله تَعَالَى يحب ذَلِك وَرَسُوله يُحِبهُ فالمصلي عَلَيْهِ ﷺ قد صرف سُؤَاله ورغبته وَطَلَبه إِلَى محاب الله وَرَسُوله وآثر ذَلِك على طلبه حَوَائِجه ومحابه هُوَ بل كَانَ هَذَا الْمَطْلُوب من أحب الْأُمُور إِلَيْهِ وآثرها عِنْده فقد آثر مَا يُحِبهُ الله وَرَسُوله على مَا يُحِبهُ هُوَ فقد آثر الله ومحابه على مَا سواهُ وَالْجَزَاء من جنس الْعَمَل فَمن آثر الله على غَيره آثره الله على غَيره وَاعْتبر هَذَا بِمَا تَجِد النَّاس يعتمدونه عِنْد مُلُوكهمْ وَرُؤَسَائِهِمْ إِذا أَرَادوا التَّقَرُّب اليهم والمنزلة عِنْدهم فَإِنَّهُم يسْأَلُون المطاع أَن ينعم على من يعلمونه أحب رَعيته إِلَيْهِ وَكلما سَأَلُوهُ أَن يزِيد فِي حبائه وإكرامه وتشريفه علت مَنْزِلَتهمْ عِنْده وازداد قربهم
стр. 425
مِنْهُ وحظوا بهم لَدَيْهِ لأَنهم يعلمُونَ مِنْهُ إِرَادَة الإنعام والتشريف والتكريم لمحبوبه فأحبهم إِلَيْهِ أَشَّدهم لَهُ سؤالا ورغبة أَن يتم عَلَيْهِ إنعامه وإحسانه هَذَا أَمر مشَاهد بالحس وَلَا تكون منزلَة هَؤُلَاءِ ومنزلة المطاع حَوَائِجه هُوَ وَهُوَ فارغ من سُؤَاله تشريف محبوبه والإنعام عَلَيْهِ وَاحِدَة فَكيف بأعظم محب وأجله لأكرم مَحْبُوب وأحقه بمحبة ربه لَهُ وَلَو لم يكن من فَوَائِد الصَّلَاة عَلَيْهِ إِلَّا هَذَا الْمَطْلُوب وَحده لكفى الْمُؤمن بِهِ شرفاً
وَهَا هُنَا نُكْتَة حَسَنَة لمن علم أمته دينه وَمَا جَاءَ بِهِ ودعاهم إِلَيْهِ وحضهم عَلَيْهِ وصبر على ذَلِك وَهِي أَن النَّبِي ﷺ لَهُ من الْأجر الزَّائِد على أجر عمله مثل أجور من اتبعهُ فالداعي إِلَى سنته وَدينه والمعلم الْخَيْر للْأمة إِذا قصد توفير هَذَا الْحَظ على رَسُول الله ﷺ وَصَرفه إِلَيْهِ وَكَانَ مَقْصُوده بِدُعَاء الْخلق إِلَى الله التَّقَرُّب إِلَيْهِ بإرشاد عباده وتوفير أجور المطيعين لَهُ على رَسُول الله ﷺ مَعَ توفيتهم أُجُورهم كَامِلَة كَانَ لَهُ من الْأجر فِي دَعوته وتعليمه بِحَسب هَذِه النِّيَّة وَذَلِكَ فضل الله يؤتيه من يَشَاء وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم
стр. 426
- ﷺ َ - الْبَاب السَّادِس ﷺ َ -
فِي الصَّلَاة على غير النَّبِي وَآله ﷺ تَسْلِيمًا
أما سَائِر الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ فَيصَلي عَلَيْهِم وَيسلم
قَالَ تَعَالَى عَن نوح ﵇ ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلام على نوح فِي الْعَالَمِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ الصافات ٧٨ ٨٠
وَقَالَ تَعَالَى عَن إِبْرَاهِيم خَلِيله ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلام عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ الصافات ١٠٨ و ١٠٩
وَقَالَ تَعَالَى فِي مُوسَى وَهَارُون ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيهِمَا فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُون﴾ الصافات ١١٩ و ١٢٠
وَقَالَ تَعَالَى ﴿سَلامٌ على إل ياسين﴾ الصافات ١٣٠ فَالَّذِي تَركه سُبْحَانَهُ على رسله فِي الآخرين هُوَ السَّلَام عَلَيْهِم الْمَذْكُور
وَقد قَالَ جمَاعَة من الْمُفَسّرين مِنْهُم مُجَاهِد وَغَيره وَتَركنَا عَلَيْهِم فِي الآخرين الثَّنَاء الْحسن ولسان الصدْق للأنبياء كلهم وَهَذَا قَول قَتَادَة أَيْضا وَلَا يَنْبَغِي أَن يحْكى هَذَا قَوْلَيْنِ لِلْمُفَسِّرِينَ كَمَا يَفْعَله من لَهُ بحكاية الْأَقْوَال بل هما قَول وَاحِد فَمن قَالَ إِن الْمَتْرُوك هُوَ السَّلَام عَلَيْهِم فِي الآخرين نَفسه فَلَا ريب أَن قَوْله
стр. 427
﴿سَلام على نوح﴾ جملَة فِي مَوضِع نصب ب تركنَا وَالْمعْنَى أَن الْعَالمين يسلمُونَ على نوح وَمن بعده من الْأَنْبِيَاء وَمن فسره بِلِسَان الصدْق وَالثنَاء الْحسن نظر إِلَى لَازم السَّلَام وموجبة وَهُوَ الثَّنَاء عَلَيْهِم وَمَا جعل لَهُم من لِسَان الصدْق الَّذِي لأَجله إِذا ذكرُوا سلم عَلَيْهِم
وَقد زعمت طَائِفَة مِنْهُم ابْن عَطِيَّة وَغَيره أَن من قَالَ تركنَا عَلَيْهِ ثَنَاء حسنا ولسان صدق كَانَ ﴿سَلام على نوح فِي الْعَالمين﴾ جملَة ابتدائية لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب وَهُوَ سَلام من الله سلم بِهِ عَلَيْهِ قَالُوا فَهَذَا السَّلَام من الله أَمَنَة لنوح فِي الْعَالمين أَن يذكرهُ أحد بشر قَالَه الطَّبَرِيّ
وَقد يُقَوي هَذَا القَوْل أَنه سُبْحَانَهُ أخبر أَن الْمَتْرُوك عَلَيْهِ هُوَ فِي الآخرين وَأَن السَّلَام عَلَيْهِ فِي الْعَالمين وَبِأَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ أبقى الله عَلَيْهِ ثَنَاء حسنا
وَهَذَا القَوْل ضَعِيف لوجوه
أَحدهَا أَنه يلْزم مِنْهُ حذف الْمَفْعُول ل تركنَا وَلَا يبْقى فِي الْكَلَام فَائِدَة على التَّقْدِير فَإِن الْمَعْنى يؤول إِلَى أَنا تركنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين امرا مَالا ذكر لَهُ فِي اللَّفْظ لِأَن السَّلَام عِنْد هَذَا الْقَائِل مُنْقَطع مِمَّا قبله لَا تعلق لَهُ بِالْفِعْلِ
الثَّانِي أَنه لَو كَانَ الْمَفْعُول محذوفاً كَمَا ذَكرُوهُ لذكره فِي مَوضِع وَاحِد ليدل على المُرَاد مِنْهُ حذفه وَلم يطرد فِي جَمِيع من أخبر أَنه ترك عَلَيْهِ فِي الآخرين الثَّنَاء الْحسن وَهَذِه طَريقَة الْقُرْآن بل وَكَانَ فصيح أَن يذكر الشَّيْء فِي مَوضِع ثمَّ يحذفه فِي مَوضِع آخر لدلَالَة الْمَذْكُور على الْمَحْذُوف وَأكْثر مَا تَجدهُ مَذْكُورا
стр. 428
وحذفه قَلِيل وَأما أَن يحذف حذفا مطرداً وَلم يذكرهُ فِي مَوضِع وَاحِد وَلَا فِي اللَّفْظ مَا يدل عَلَيْهِ فَهَذَا لَا يَقع فِي الْقُرْآن
الثَّالِث أَن فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود / < وَتَركنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلاما > / بِالنّصب وَهَذَا وَهَذَا يدل على إِن الْمَتْرُوك هُوَ السَّلَام نَفسه
الرَّابِع أَنه لَو كَانَ السَّلَام مُنْقَطِعًا مِمَّا قبله لأخل ذَلِك بفصاحة الْكَلَام وجزالته وَلما حسن الْوُقُوف على مَا قبله وَتَأمل هَذَا بِحَال السَّامع إِذا سمع قَوْله ﴿وَتَركنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين﴾ كَيفَ يجد قلبه متشوقا متطلعاً إِلَى تَمام الْكَلَام واجتناء الْفَائِدَة مِنْهُ وَلَا يجد فَائِدَة الْكَلَام انْتَهَت وتمت لِيَطمَئِن عِنْدهَا بل يبْقى طَالبا لتمامها وَهُوَ الْمَتْرُوك فالوقف على ﴿الآخرين﴾ لَيْسَ بوقف تَامّ
فَإِن قيل فَيجوز حذف الْمَفْعُول من هَذَا الْبَاب لِأَن ترك هُنَا بِمَعْنى أعْطى لِأَنَّهُ اعطاه ثناءا حسنا أبقاه عَلَيْهِ فِي الآخرين وَيجوز فِي بَاب أعْطى ذكر المفعولين وحذفهما والاقتصار على أَحدهمَا وَقد وَقع ذَلِك فِي الْقُرْآن كَقَوْلِه ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ فذكرهما
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ اللَّيْل ٥ فحذفهما
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبك﴾ الضُّحَى فَحذف الثَّانِي وَاقْتصر على الأول
وَقَالَ ﴿يُؤْتونَ الزَّكَاة﴾ فَحذف الأول وَاقْتصر على الثَّانِي قيل فعل الْإِعْطَاء فعل مدح فلفظه دَلِيل على أَن الْمَفْعُول الْمُعْطى قد ناله عَطاء الْمُعْطى والإعطاء إِحْسَان ونفع وبر فَجَاز ذكر المفعولين وحذفهما والاقتصار على أَحدهمَا بِحَسب الْغَرَض الْمَطْلُوب من الْفِعْل فَإِن كَانَ الْمَقْصُود إِيجَاد مَاهِيَّة الْإِعْطَاء
стр. 429
المخرجة للْعَبد من الْبُخْل وَالشح وَالْمَنْع الْمنَافِي للإحسان ذكر الْفِعْل مُجَردا كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ وَلم يذكر مَا أعْطى وَلَا من أعْطى وَتقول فلَان يُعْطي وَيتَصَدَّق ويهب وَيحسن
وَقَالَ النَّبِي ﷺ اللَّهُمَّ لَا مَانع لما أَعْطَيْت وَلَا معطي لما منعت لما كَانَ الْمَقْصُود بِهَذَا تفرد الرب سُبْحَانَهُ بالعطاء وَالْمَنْع لم يكن لذكر الْمُعْطى وَلَا لحظ الْمُعْطى معنى بل الْمَقْصُود أَن حَقِيقَة الْعَطاء وَالْمَنْع إِلَيْك لَا إِلَى غَيْرك بل أَنْت المتفرد بهَا لَا يشركك فِيهَا أحد فَذكر المفعولين هُنَا يخل بِتمَام الْمَعْنى وبلاغته وَإِذا كَانَ الْمَقْصُود ذكرهمَا ذكرا مَعًا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ الْكَوْثَر ١ فَإِن الْمَقْصُود إخْبَاره لرَسُوله ﷺ بِمَا خصّه بِهِ وَأَعْطَاهُ إِيَّاه من الْكَوْثَر وَلَا يتم هَذَا إِلَّا بِذكر المفعولين وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ الْإِنْسَان ٨ وَإِذا كَانَ الْمَقْصُود أَحدهمَا فَقَط اقْتصر عَلَيْهِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَيُؤْتونَ الزَّكَاة﴾ الْمَقْصُود بِهِ أَنهم يَفْعَلُونَ هَذَا الْوَاجِب عَلَيْهِم وَلَا يهملونه فَذكره لانه هُوَ الْمَقْصُود وَقَوله عَن أهل النَّار ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ المدثر ٤٣ ٤٤ لما كَانَ الْمَقْصُود الْإِخْبَار عَن الْمُسْتَحق للإطعام أَنهم بخلوا عَنهُ ومنعوه حَقه من الْإِطْعَام وقست قُلُوبهم عَنهُ كَانَ ذكره هُوَ الْمَقْصُود دون المطعوم
وتدبر هَذِه الطَّرِيقَة فِي الْقُرْآن وَذكره للأهم الْمَقْصُود وحذفه
стр. 430
لغيره يطلعك على بَاب من أَبْوَاب إعجازه وَكَمَال فَصَاحَته
وَأما فعل التّرْك فَلَا يشْعر بِشَيْء من هَذَا وَلَا يمدح بِهِ فَلَو قلت فلَان يتْرك لم يكن مُفِيدا فَائِدَة أصلا بِخِلَاف قَوْلك يطعم وَيُعْطِي ويهب وَنَحْوه بل لَا بُد أَن تذكر مَا يتْرك وَلِهَذَا لَا يُقَال فلَان تَارِك وَيُقَال معط ومطعم وَمن أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ الْمُعْطِي فَقِيَاس ترك على أعْطى من أفسد الْقيَاس و ﴿سَلام على نوح فِي الْعَالَمِينَ﴾ الصافات ٧٩ جملَة محكية
قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ الصافات ٧٨ من الْأُمَم هَذِه الْكَلِمَة وَهِي ﴿سَلام على نوح﴾ يَعْنِي يسلمُونَ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا وَيدعونَ لَهُ وَهُوَ من الْكَلَام المحكي كَقَوْلِك قَرَأت سُورَة أنزلناها
الْخَامِس أَنه قَالَ ﴿سَلام على نوح فِي الْعَالمين﴾ فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن هَذَا السَّلَام عَلَيْهِ فِي الْعَالمين وَمَعْلُوم أَن هَذَا السَّلَام فيهم هُوَ سَلام الْعَالمين عَلَيْهِ كلهم يسلم عَلَيْهِ ويثني عَلَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ فَذكره بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ فيهم وَأما سَلام الله عَلَيْهِ فَلَيْسَ مُقَيّدا بهم وَلِهَذَا لَا يشرع أَن يسْأَل الله تَعَالَى مثل ذَلِك فَلَا يُقَال السَّلَام على رَسُول الله فِي الْعَالمين وَلَا اللَّهُمَّ صل وَسلم على رَسُولك فِي الْعَالمين وَلَو كَانَ هَذَا هُوَ سَلام الله لشرع أَن يطْلب من الله على الْوَجْه الَّذِي سلم بِهِ
وَأما قَوْلهم إِن الله سلم عَلَيْهِ فِي الْعَالمين وَترك عَلَيْهِ فِي الآخرين فَالله أبقى على أنبيائه وَرُسُله سَلاما وثناءً حسنا فِيمَن تَأَخّر بعدهمْ جَزَاء على صبرهم وتبليغهم رسالات رَبهم
стр. 431
واحتمالهم للأذى من أممهم فِي الله وَأخْبر أَن هَذَا الْمَتْرُوك على نوح هُوَ عَام فِي الْعَالمين وَأَن هَذِه التَّحِيَّة ثَابِتَة فيهم جَمِيعًا لَا يخلون مِنْهَا فأدامها عَلَيْهِ فِي الْمَلَائِكَة والثقلين طبقًا بعد طبق وعالماً بعد عَالم مجازاة لنوح ﵇ بصبره وقيامه بِحَق ربه وَبِأَنَّهُ أول رَسُول أرْسلهُ الله إِلَى أهل الأَرْض وكل الْمُرْسلين بعده بعثوا بِدِينِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً﴾ الشورى ١٣
وَقَوْلهمْ إِن هَذَا قَول ابْن عَبَّاس فقد تقدم أَن ابْن عَبَّاس وَغَيره إِنَّمَا أَرَادوا بذلك أَن السَّلَام عَلَيْهِ من الثَّنَاء الْحسن ولسان الصدْق فَذكرُوا معنى السَّلَام عَلَيْهِ وَفَائِدَته وَالله سُبْحَانَهُ أعلم
وَأما الصَّلَاة عَلَيْهِم فَقَالَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق فِي كِتَابه حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي بكر الْمقدمِي حَدثنَا عمر بن هَارُون عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة عَن مُحَمَّد بن ثَابت عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ صلوا على أَنْبيَاء الله وَرُسُله فَإِن الله بَعثهمْ كَمَا بَعَثَنِي ﷺ تَسْلِيمًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن الدبرِي عَن عبد الرَّزَّاق عَن الثَّوْريّ عَن مُوسَى
وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ حَدثنَا ابْن أبي مَرْيَم حَدثنَا الْفرْيَابِيّ حَدثنَا سُفْيَان عَن مُوسَى بن عُبَيْدَة عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا صليتم عَليّ فصلوا على أَنْبيَاء الله فَإِن الله بَعثهمْ كَمَا بَعَثَنِي // إِسْنَاده ضَعِيف //
стр. 432
وَفِي الْبَاب عَن أنس وَقيل عَن أنس عَن أبي طَلْحَة
قَالَ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ وَبَلغنِي بِإِسْنَاد عَن بعض السّلف أَنه رأى آدم ﵊ فِي الْمَنَام كَأَنَّهُ يشكو قلَّة صَلَاة بنيه عَلَيْهِ ﷺ وعَلى جَمِيع الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ
ومُوسَى وَإِن كَانَ ضَعِيفا فَحَدِيثه يسْتَأْنس بِهِ
وَقد حكى غير وَاحِد الْإِجْمَاع على أَن الصَّلَاة على جَمِيع النَّبِيين مَشْرُوعَة مِنْهُم الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ ﵀ وَغَيره قد حُكيَ عَن مَالك ﵁ رِوَايَة أَنه لَا يصلى على غير نَبينَا ﷺ وَلَكِن قَالَ اصحابه هِيَ مؤولة بِمَعْنى أَنا لم نتعبد بِالصَّلَاةِ على غَيره من الْأَنْبِيَاء كَمَا تعبدنا الله بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 433
فصل
وَأما من سوى الْأَنْبِيَاء فآل النَّبِي ﷺ يصلى عَلَيْهِم بِغَيْر خلاف بَين الْأمة
وَاخْتلف موجبو الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ فِي وُجُوبهَا على آله على قَوْلَيْنِ مشهورين لَهُم وَهِي طريقتان للشَّافِعِيَّة
إِحْدَاهمَا أَن الصَّلَاة وَاجِبَة على النَّبِي ﷺ وَفِي وُجُوبهَا على الْآل قَولَانِ للشَّافِعِيّ هَذِه طَريقَة إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزالِيّ
والطريقة الثَّانِيَة أَن فِي وُجُوبهَا على الْآل وَجْهَيْن وَهِي الطَّرِيقَة الْمَشْهُورَة عِنْدهم وَالَّذِي صححوه أَنَّهَا غير وَاجِبَة عَلَيْهِم
وَاخْتلف أَصْحَاب أَحْمد فِي وجوب الصَّلَاة على آله ﷺ وَفِي ذَلِك وَجْهَان لَهُم وَحَيْثُ أوجبوها فَلَو أبدل لفظ الْآل بالأهل فَقَالَ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى أهل مُحَمَّد فَفِي الاجراء وَجْهَان
وَحكى بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي الْإِجْمَاع على أَن الصَّلَاة على الْآل مُسْتَحبَّة لَا وَاجِبَة وَلَا يثبت فِي ذَلِك إِجْمَاع
стр. 434
فصل
وَهل يُصَلِّي على آله منفردين عَنهُ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَة على نَوْعَيْنِ
أَحدهمَا أَن يُقَال اللَّهُمَّ صل على آل مُحَمَّد فَهَذَا يجوز وَيكون ﷺ دَاخِلا فِي آله فالإفراد عَنهُ وَقع فِي اللَّفْظ لَا فِي الْمَعْنى
الثَّانِي أَن يفرد وَاحِد مِنْهُم بِالذكر فَيُقَال اللَّهُمَّ صل على عَليّ أَو على حسن أَو حُسَيْن أَو فَاطِمَة وَنَحْو ذَلِك فَاخْتلف فِي ذَلِك وَفِي الصَّلَاة على غير آله ﷺ من الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ فكرة ذَلِك مَالك وَقَالَ لم يكن ذَلِك من عمل من مضى وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة أَيْضا وسُفْيَان بن عُيَيْنَة وسُفْيَان الثَّوْريّ وَبِه قَالَ طَاوُوس
وَقَالَ ابْن عَبَّاس لَا يَنْبَغِي الصَّلَاة إِلَّا على النَّبِي ﷺ
قَالَ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق حَدثنَا عبد الله بن عبد الْوَهَّاب قَالَ حَدثنَا عبد الرَّحْمَن بن زِيَاد حَدثنِي عُثْمَان بن حنيف عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ لَا تصلح الصَّلَاة على أحد إِلَّا على النَّبِي ﷺ وَلَكِن يدعى للْمُسلمين وَالْمُسلمَات بالإستغفار
стр. 435
وَهَذَا مَذْهَب عمر بن عبد الْعَزِيز
قَالَ أَبُو بكر بن أبي شيبَة حَدثنَا حُسَيْن بن عَليّ عَن جَعْفَر بن برْقَان قَالَ كتب عمر بن عبد الْعَزِيز أما بعد فَإِن نَاسا من النَّاس قد التمسوا الدُّنْيَا بِعَمَل الْآخِرَة وَإِن الْقصاص قد أَحْدَثُوا فِي الصَّلَاة على خلفائهم وأمرائهم عدل صلَاتهم على النَّبِي ﷺ فَإِذا جَاءَك كتابي فمرهم أَن تكون صلَاتهم على النَّبِيين ودعاؤهم للْمُسلمين عَامَّة وَيَدْعُو مَا سوى ذَلِك
وَهَذَا مَذْهَب أَصْحَاب الشَّافِعِي وَلَهُم ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنه منع تَحْرِيم
وَالثَّانِي وَهُوَ قَول الْأَكْثَرين انه منع كَرَاهِيَة تَنْزِيه
وَالثَّالِث أَنه من بَاب ترك الأولى وَلَيْسَ بمكروه حَكَاهَا النَّوَوِيّ فِي الْأَذْكَار قَالَ وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الاكثرون أَنه مَكْرُوه كَرَاهَة تَنْزِيه
ثمَّ اخْتلفُوا فِي السَّلَام هَل هُوَ فِي معنى الصَّلَاة فَيكْرَه أَن يُقَال السَّلَام على فلَان أَو قَالَ فلَان ﵇ فكرهه طَائِفَة مِنْهُم أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَمنع أَن يُقَال عَن عَليّ ﵇ وَفرق آخَرُونَ بَينه وَبَين الصَّلَاة فَقَالُوا السَّلَام يشرع فِي حق كل مُؤمن حَيّ وميت وحاضر وغائب فَإنَّك تَقول بلغ فلَانا مني السَّلَام وَهُوَ تَحِيَّة أهل الْإِسْلَام بِخِلَاف الصَّلَاة فَإِنَّهَا من حُقُوق الرَّسُول ﷺ وَلِهَذَا يَقُول الْمُصَلِّي السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين وَلَا يَقُول الصَّلَاة علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين فَعلم الْفرق
стр. 436
وَاحْتج هَؤُلَاءِ بِوُجُوه
أَحدهَا قَول ابْن عَبَّاس وَقد تقدم
الثَّانِي أَن الصَّلَاة على غير النَّبِي ﷺ وَآله قد صَارَت شعار أهل الْبدع وَقد نهينَا عَن شعارهم ذكره النَّوَوِيّ
قلت وَمعنى ذَلِك أَن الرافضة إِذا ذكرُوا ائمتهم يصلونَ عَلَيْهِم بِأَسْمَائِهِمْ وَلَا يصلونَ على غَيرهم مِمَّن هُوَ خير مِنْهُم وَأحب إِلَى الرَّسُول ﷺ فَيَنْبَغِي أَن يخالفوا فِي هَذَا الشعار
الثَّالِث مَا احْتج بِهِ مَالك ﵀ أَن هَذَا لم يكن من عمل من مضى من الْأمة وَلَو كَانَ خيرا لسبقونا إِلَيْهِ
الرَّابِع أَن الصَّلَاة قد صَارَت مَخْصُوصَة فِي لِسَان الْأمة بِالنَّبِيِّ ﷺ تذكر مَعَ ذكر اسْمه كَمَا صَار وسبحانه وَتَعَالَى مَخْصُوصًا بِاللَّه يذكر مَعَ ذكر اسْمه وَلَا يسوغ أَن يسْتَعْمل ذَلِك لغيره فَلَا يُقَال مُحَمَّد وَلَا فَلَا يعْطى الْمَخْلُوق مرتبَة الْخَالِق فَهَكَذَا لَا يَنْبَغِي أَن يعْطى غير النَّبِي ﷺ مرتبته فَيُقَال قَالَ فلَان ﷺ
الْخَامِس أَن الله سُبْحَانَهُ قَالَ ﴿لَا تجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كدعاء بَعْضكُم بَعْضًا﴾ النُّور ٦٣ فَأمر سُبْحَانَهُ إِلَّا يدعى باسمه كَمَا يدعى غَيره باسمه فَكيف يسوغ أَن تجْعَل الصَّلَاة عَلَيْهِ كَمَا تجْعَل على غَيره فِي دُعَائِهِ والاخبار عَنهُ هَذَا مِمَّا لَا يسوغ أصلا
السَّادِس أَن النَّبِي ﷺ شرع لأمته فِي التَّشَهُّد أَن يسلمُوا
стр. 437
على عباد الله الصَّالِحين ثمَّ يصلوا على النَّبِي ﷺ فَعلم أَن الصَّلَاة عَلَيْهِ حَقه الَّذِي لَا يشركهُ فِي أحد
السَّابِع أَن الله سُبْحَانَهُ ذكر الْأَمر بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِي معرض حُقُوقه وخواصه الَّتِي خصّه بهَا من تَحْرِيم نِكَاح أَزوَاجه وَجَوَاز نِكَاحه لمن وهبت نَفسهَا لَهُ ايجاب اللَّعْنَة لمن آذاه وَغير ذَلِك من حُقُوقه وأكدها بِالْأَمر بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّسْلِيم فَدلَّ على أَن ذَلِك حق لَهُ خَاصَّة وَآله تبع لَهُ فِيهِ
الثَّامِن أَن الله سُبْحَانَهُ شرع للْمُسلمين أَن يَدْعُو بَعضهم لبَعض ويستغفر بَعضهم لبَعض ويترحم عَلَيْهِ فِي حَيَاته وَبعد مَوته وَشرع لنا أَن نصلي على النَّبِي ﷺ فِي حَيَاته وَبعد مَوته فالدعاء حق للْمُسلمين وَالصَّلَاة حق لرَسُول الله ﷺ فَلَا يقوم أَحدهمَا مقَام الآخر وَلِهَذَا فِي صَلَاة الْجِنَازَة إِنَّمَا يدعى للْمَيت ويترحم عَلَيْهِ ويستغفر لَهُ وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ بدل ذَلِك فَيُقَال اللَّهُمَّ صل عَلَيْهِ وَسلم وَفِي الصَّلَوَات يُصَلِّي على النَّبِي ﷺ وَلَا يُقَال بدله اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وارحمه وَنَحْو ذَلِك بل يعْطى كل ذِي حق حَقه
التَّاسِع أَن الْمُؤمن أحْوج النَّاس إِلَى أَن يدعى لَهُ بالمغفرة وَالرَّحْمَة والنجاة من الْعَذَاب وَأما النَّبِي ﷺ فَغير مُحْتَاج أَن يدعى لَهُ بذلك فَالصَّلَاة عَلَيْهِ زِيَادَة فِي تشريف الله لَهُ وتكريمه وَرفع درجاته وَهَذَا حَاصِل لَهُ ﷺ وَإِن غفل عَن ذكره الغافلون فَالْأَمْر بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ إِحْسَان من الله للْأمة وَرَحْمَة بهم لينيلهم كرامته بصلاتهم على رَسُوله ﷺ بِخِلَاف غَيره من الْأمة فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى من يَدْعُو لَهُ ويستغفر لَهُ ويترحم عَلَيْهِ وَلِهَذَا جَاءَ الشَّرْع بِهَذَا فِي مَحَله وَهَذَا فِي مَحَله
стр. 438
الْعَاشِر أَنه لَو كَانَت الصَّلَاة على غَيره ﷺ سَائِغَة فإمَّا أَن يُقَال باختصاصها بِبَعْض الْأمة أَو يُقَال تجوز على كل مُسلم
فَإِن قيل باختصاصها فَلَا وَجه لَهُ وَهُوَ تَخْصِيص من غير مُخَصص وَإِن قيل بِعَدَمِ الِاخْتِصَاص وانها تسوغ لكل من يسوغ الدُّعَاء لَهُ فَحِينَئِذٍ تسوغ الصَّلَاة على الْمُسلم وَإِن كَانَ من أهل الْكَبَائِر فَكَمَا يُقَال اللَّهُمَّ تب عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ يُقَال اللَّهُمَّ صل عَلَيْهِ وَهَذَا بَاطِل
وَإِن قيل تجوز على الصَّالِحين دون غَيرهم فَهَذَا مَعَ أَنه لَا دَلِيل عَلَيْهِ لَيْسَ لَهُ ضَابِط فَإِن كَون الرجل صَالحا أَو غير صَالح وصف يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَكَذَلِكَ كَونه وليا لله وَكَونه متقياً وَكَونه مُؤمنا كل ذَلِك يقبل الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَمَا ضَابِط من يُصَلِّي عَلَيْهِ من الْأمة وَمن لَا يصلى عَلَيْهِ
قَالُوا فَعلم بِهَذِهِ الْوُجُوه الْعشْرَة اخْتِصَاص الصَّلَاة بِالنَّبِيِّ ﷺ وَآله
وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ فَقَالُوا تجوز الصَّلَاة على غير النَّبِي ﷺ وَآله
قَالَ القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن بن الْفراء فِي رُؤُوس مسَائِله وَبِذَلِك قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وخصيف وَمُجاهد وَمُقَاتِل بن سُلَيْمَان وَمُقَاتِل بن حَيَّان وَكثير من أهل التَّفْسِير قَالَ وَهُوَ قَول الإِمَام احْمَد نَص عَلَيْهِ فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَقد سُئِلَ أينبغي أَن يُصَلِّي على أحد إِلَّا على النَّبِي ﷺ قَالَ أَلَيْسَ قَالَ عَليّ لعمر ﵄ صلى الله عَلَيْك قَالَ وَبِه قَالَ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَأَبُو ثَوْر وَمُحَمّد بن جرير الطَّبَرِيّ وَغَيرهم وَحكى أَبُو
стр. 439
بكر بن أبي دَاوُد عَن أَبِيه ذَلِك قَالَ أَبُو الْحُسَيْن وعَلى هَذَا الْعَمَل وَاحْتج هَؤُلَاءِ بِوُجُوه
أَحدهَا قَوْله ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ التَّوْبَة ١٠٣ فَأمر سُبْحَانَهُ أَن يَأْخُذ الصَّدَقَة من الْأمة وَأَن يُصَلِّي عَلَيْهِم وَمَعْلُوم أَن الْأَئِمَّة بعده يَأْخُذُونَ الصَّدَقَة كَمَا كَانَ يَأْخُذهَا فيشرع لَهُم أَن يصلوا على الْمُتَصَدّق كَمَا كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهِ النَّبِي ﷺ
الثَّانِي فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث شُعْبَة عَن عَمْرو عبن عبد الله بن أبي أوفى قَالَ كَانَ النَّبِي ﷺ إِذا أَتَاهُ قوم بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ اللَّهُمَّ صل على آل فلَان فَأَتَاهُ أبي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى
وَالْأَصْل عدم الِاخْتِصَاص وَهَذَا ظَاهر فِي أَنه هُوَ المُرَاد من الْآيَة
الثَّالِث مَا رَوَاهُ حجاج عَن أبي عوَانَة عَن الْأسود بن قيس عَن نبيه الْعَنزي عَن جَابر بن عبد الله إِن امْرَأَة قَالَت يَا رَسُول الله صل عَليّ وعَلى زَوجي فَقَالَ صلى الله عَلَيْك وعَلى زَوجك // إِسْنَاده قوي // رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد فِي السّنَن
الرَّابِع مَا رَوَاهُ ابْن سعد فِي كتاب الطَّبَقَات من حَدِيث ابْن عُيَيْنَة عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جَابر بن عبد الله إِن عليا دخل
стр. 440
على عمر وَهُوَ مسجى فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِ قَالَ صلى الله عَلَيْك مَا أحد ألْقى إِلَى الله بصحيفته أحب إِلَى من هَذَا المسجى بَيْنكُم
الْخَامِس مَا رَوَاهُ إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق حَدثنَا عبد الله بن مسلمة حَدثنَا نَافِع بن عبد الرَّحْمَن أبي نعيم الْقَارئ عَن نَافِع عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يكبر على الْجِنَازَة وَيُصلي على النَّبِي ﷺ ثمَّ يَقُول اللَّهُمَّ بَارك فِيهِ وصل عَلَيْهِ واغفر لَهُ وَأوردهُ حَوْض نبيك // إِسْنَاده صَحِيح //
السَّادِس أَن الصَّلَاة هِيَ الدُّعَاء وَقد أمرنَا بِالدُّعَاءِ بَعْضنَا لبَعض احْتج بِهَذِهِ الْحجَّة أَبُو الْحُسَيْن
السَّابِع مَا رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه من حَدِيث حَمَّاد بن زيد عَن بديل عَن عبد الله بن شَقِيق عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ إِذا خرجت روح الْمُؤمن تلقاها ملكان يصعدانها قَالَ حَمَّاد فَذكر من طيب رِيحهَا وَذكر الْمسك قَالَ وَيَقُول أهل السَّمَاء روح طيبَة جَاءَت من قبل الأَرْض صلى الله عَلَيْك وعَلى جَسَد كنت تعمرينه وَذكر الحَدِيث هَكَذَا قَالَ مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة مَوْقُوفا وسياقه يدل على أَنه مَرْفُوع فَإِنَّهُ قَالَ بعده وَأَن الْكَافِر إِذا خرجت روحه قَالَ حَمَّاد وَذكر من نتنها وَذكر لعناً وَيَقُول أهل السَّمَاء روح خبيثة جَاءَت من قبل الأَرْض قَالَ فَيُقَال انْطَلقُوا بِهِ إِلَى آخر الْأَجَل قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَرد رَسُول الله ﷺ ريطة كَانَت على أَنفه هَكَذَا
стр. 441
وَهَذَا يدل على أَن رَسُول الله ﷺ حَدثهمْ بِالْحَدِيثِ وَقد رَوَاهُ جمَاعَة عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا مِنْهُم أَبُو سَلمَة وَعمر بن الحكم وَإِسْمَاعِيل السّديّ عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَسَعِيد بن يسَار وَغَيرهم
وَقد استوفيت الْكَلَام على هَذَا الحَدِيث وَأَمْثَاله فِي = كتاب الرّوح =
قَالُوا فَإِذا كَانَت الْمَلَائِكَة تَقول لِلْمُؤمنِ صلى الله عَلَيْك جَازَ ذَلِك للْمُؤْمِنين بَعضهم لبَعض
الثَّامِن قَوْله ﷺ إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على معلم النَّاس الْخَيْر // حَدِيث حسن صَحِيح //
وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ الْأَحْزَاب ٤٣
التَّاسِع مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على ميامن الصُّفُوف
وَفِي حَدِيث آخر عَنْهَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن الله
стр. 442
وَمَلَائِكَته يصلونَ على الَّذين يصلونَ الصُّفُوف وَقد تقدم فِي أول الْكتاب صَلَاة الْمَلَائِكَة على من صلي على النَّبِي ﷺ
الْعَاشِر مَا احْتج بِهِ القَاضِي أَبُو يعلى وَرَوَاهُ بِإِسْنَاد من حَدِيث مَالك بن يخَامر عَن النَّبِي ﷺ مُرْسلا أَنه قَالَ اللَّهُمَّ صل على أبي بكر فَإِنَّهُ يحب الله وَرَسُوله اللَّهُمَّ صل على عَليّ فَإِنَّهُ يحب الله وَرَسُوله اللَّهُمَّ صل على عَمْرو بن الْعَاصِ فَإِنَّهُ يحب الله وَرَسُوله
الْحَادِي عشر مَا رَوَاهُ يحيى بن يحيى فِي موطئِهِ عَن مَالك عَن عبد الله بن دِينَار قَالَ رَأَيْت عبد الله بن عمر ﵄ يقف على قبر النَّبِي ﷺ فَيصَلي على النَّبِي ﷺ وعَلى أبي بكر وَعمر ﵄ هَذَا لفظ يحيى بن يحيى
الثَّانِي عشر أَنه قد صَحَّ أَن النَّبِي ﷺ نَص على أَزوَاجه فِي الصَّلَاة وَقد تقدم
قَالُوا وَهَذَا على أصولكم ألزم فَإِنَّكُم لم تدخلوهن فِي آله الَّذِي تحرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة فَإِذا جَازَت الصَّلَاة عَلَيْهِنَّ جَازَت على غَيْرهنَّ من الصَّحَابَة ﵃
الثَّالِث عشر أَنكُمْ قد قُلْتُمْ بِجَوَاز الصَّلَاة على غير النَّبِي ﷺ وَآله تبعا لَهُ فقلتم بِجَوَاز أَن يُقَال اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد واصحابه وأزواجه وَذريته وَأَتْبَاعه
قَالَ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيّ وَاتَّفَقُوا على جَوَاز جعل غير الْأَنْبِيَاء تبعا لَهُم فِي الصَّلَاة ثمَّ ذكر هَذِه الْكَيْفِيَّة وَقَالَ للأحاديث
стр. 443
الصَّحِيحَة فِي ذَلِك وَقد أمرنَا بِهِ فِي التَّشَهُّد وَلم يزل السّلف عَلَيْهِ خَارج الصَّلَاة أَيْضا
قلت وَمِنْه الْأَثر الْمَعْرُوف عَن بعض السّلف اللَّهُمَّ صل على ملائكتك المقربين وأنبيائك وَالْمُرْسلِينَ وَأهل طَاعَتك أَجْمَعِينَ من أهل السَّمَاوَات وَالْأَرضين
الرَّابِع عشر مَا رَوَاهُ أَبُو يعلى الْموصِلِي عَن ابْن زَنْجوَيْه حَدثنَا أَبُو الْمُغيرَة حَدثنَا أَبُو بكر بن أبي مَرْيَم حَدثنَا ضَمرَة بن حبيب بن صُهَيْب عَن أبي الدَّرْدَاء عَن زيد بن ثَابت أَن رَسُول الله ﷺ أَنه دَعَاهُ وَأمره أَن يتَعَاهَد بِهِ أَهله كل يَوْم قَالَ قل حِين تصبح لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك لبيْك وَسَعْديك وَالْخَيْر فِي يَديك ومنك وَإِلَيْك اللَّهُمَّ مَا قلت من قَول أَو نذرت من نذر أَو حَلَفت من حلف فمشيئتك بَين يَدَيْهِ مَا شِئْت مِنْهُ كَانَ وَمَا لم تشأ لم يكن وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بك أَنْت على كل شَيْء قدير اللَّهُمَّ وَمَا صليت من صَلَاة فعلى من صليت وَمَا لعنت من لعن فعلى من لعنت أَنْت وليي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة توفني مُسلما وألحقني بالصالحين // إِسْنَاده ضَعِيف //
وَوجه الِاسْتِدْلَال أَنه لَو لم تشرع الصَّلَاة على غير النَّبِي ﷺ مَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاء فِيهَا فَإِن العَبْد لما كَانَ يُصَلِّي على من لَيْسَ بِأَهْل للصَّلَاة وَلَا يدْرِي اسْتثْنى من ذَلِك كَمَا اسْتثْنى فِي حلفه ونذره
стр. 444
وَقَالَ الْأَولونَ الْجَواب عَمَّا ذكرْتُمْ من الْأَدِلَّة أَنَّهَا نَوْعَانِ نوع مِنْهَا صَحِيح وَهُوَ غير متناول لمحل النزاع فَلَا يحْتَج بِهِ وَنَوع غير مَعْلُوم الصِّحَّة فَلَا يحْتَج بِهِ أَيْضا وَهَذَا إِنَّمَا يظْهر بالْكلَام على كل دَلِيل دَلِيل
أما الدَّلِيل الأول وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وصل عَلَيْهِم﴾ فَهَذَا فِي غير مَحل النزاع لِأَن كلامنا فِي انه هَل يسوغ لِأَحَدِنَا أَن يُصَلِّي على غير النَّبِي ﷺ وَآله أم لَا
وَأما صَلَاة النَّبِي ﷺ على من صلى عَلَيْهِ فَتلك مَسْأَلَة أُخْرَى فَأَيْنَ هَذِه من صَلَاتنَا عَلَيْهِ الَّتِي أمرنَا بهَا قَضَاء لحقه هَل يجوز أَن يُشْرك مَعَه غَيره فِيهَا أم لَا يؤكده الْوَجْه الثَّانِي أَن الصَّلَاة عَلَيْهِ حق لَهُ ﷺ يتَعَيَّن على الْأمة أَدَاؤُهُ وَالْقِيَام بِهِ وَأما هُوَ ﷺ فيخص من أَرَادَ بِبَعْض ذَلِك الْحق وَهَذَا كَمَا تَقول فِي شاتمه ومؤذيه إِن قَتله حق لرَسُول الله ﷺ يجب على الْأمة الْقيام بِهِ واستيفاؤه وَإِن كَانَ ﷺ يعْفُو عَنهُ حَتَّى كَانَ يبلغهُ وَيَقُول رحم الله مُوسَى لقد أوذي بِأَكْثَرَ من هَذَا فَصَبر
وَبِهَذَا حصل الْجَواب عَن الدَّلِيل الثَّانِي أَيْضا وَهُوَ قَوْله اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفي
وَعَن الدَّلِيل الثَّالِث أَيْضا وَهُوَ صلَاته على تِلْكَ الْمَرْأَة وَزوجهَا
وَأما دليلكم الرَّابِع وَهُوَ قَول عَليّ لعمر صلى الله عَلَيْك فَجَوَابه من وُجُوه
стр. 445
أَحدهَا أَنه قد اخْتلف على جَعْفَر بن مُحَمَّد فِي هَذَا الحَدِيث فَقَالَ أنس بن عِيَاض عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه أَن عليا لما غُسّل عمر وكفن وَحمل على سَرِيره وقف عَلَيْهِ فَأثْنى عَلَيْهِ وَقَالَ وَالله مَا على الأَرْض رجل أحب إِلَيّ أَن القى بصحيفته من هَذَا المسجى بِالثَّوْبِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّد ويعلى ابْنا عبيد عَن حجاج الوَاسِطِيّ عَن جَعْفَر وَلم يذكر هَذِه اللَّفْظَة وَرَوَاهُ وَرْقَاء عَن عَمْرو عَن عَمْرو بن دِينَار عَن أبي جَعْفَر عَن عَليّ وَلم يذكر لَفظه الصَّلَاة بل قَالَ رَحِمك الله وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَارِم بن الْفضل عَن حَمَّاد بن زيد عَن أَيُّوب وَعَمْرو بن دِينَار وَأبي جَهْضَم قَالُوا لما مَاتَ عمر فَذكرُوا الحَدِيث دون لفظ الصَّلَاة وَكَذَلِكَ رَوَاهُ قيس بن الرّبيع عَن قيس بن مُسلم عَن ابْن الْحَنَفِيَّة
الثَّانِي أَن الحَدِيث الَّذِي فِيهِ الصَّلَاة لم يسْندهُ ابْن سعد بل قَالَ فِي الطَّبَقَات أخبرنَا بعض أَصْحَابنَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة أَنه سمع مِنْهُ هَذَا الحَدِيث عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن جَابر عَن عبد الله فَذكره وَقَالَ لما انْتهى إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ صلى الله عَلَيْك وَهَذَا الْمُبْهم لَعَلَّه لم يحفظه فَلَا يحْتَج بِهِ
الثَّالِث أَنه معَارض بقول ابْن عَبَّاس لَا يَنْبَغِي الصَّلَاة على أحد إِلَّا على النَّبِي ﷺ وَقد تقدم
قَالُوا وَأما دليلكم الْخَامِس وَهُوَ قَول ابْن عمر فِي صَلَاة الْجِنَازَة اللَّهُمَّ صل عَلَيْهِ فَجَوَابه من وُجُوه
أَحدهَا أَن نَافِع بن أبي نعيم ضَعِيف عِنْدهم فِي الحَدِيث
стр. 446
وَإِن كَانَ فِي الْقِرَاءَة إِمَامًا قَالَ الإِمَام أَحْمد يُؤْخَذ عَنهُ الْقُرْآن وَلَيْسَ فِي الحَدِيث بِشَيْء وَالَّذِي يدل على أَن هَذَا لَيْسَ بِمَحْفُوظ عَن ابْن عمر أَن مَالِكًا فِي موطئِهِ لم يروه عَن ابْن عمر وَإِنَّمَا روى أثرا عَن أبي هُرَيْرَة فَلَو كَانَ هَذَا عِنْد نَافِع مَوْلَاهُ لَكَانَ مَالك أعلم بِهِ من نَافِع بن أبي نعيم
الثَّانِي أَن قَول ابْن عَبَّاس يُعَارض مَا نقل عَن ابْن عمر
وَأما دليلكم السَّادِس أَن الصَّلَاة دُعَاء وَهُوَ مَشْرُوع لكل مُسلم فَجَوَابه من وُجُوه
أَحدهَا أَنه دُعَاء مَخْصُوص مَأْمُور بِهِ فِي حق الرَّسُول ﷺ وَهَذَا لَا يدل على جَوَاز أَن يدعى بِهِ لغيره لما ذكرنَا من الفروق بَين الدُّعَاء وَغَيره مَعَ الْفرق الْعَظِيم بَين الرَّسُول ﷺ وَغَيره فَلَا يَصح الْإِلْحَاق بِهِ لَا فِي الدُّعَاء وَلَا فِي الْمَدْعُو لَهُ ﷺ
الثَّانِي أَنه كَمَا لَا يَصح أَن يُقَاس عَلَيْهِ دُعَاء غَيره لَا يَصح أَن يُقَاس على الرَّسُول ﷺ غَيره فِيهِ
الثَّالِث أَنه مَا شرع فِي حق الرَّسُول ﷺ لكَونه دُعَاء بل لأخص من مط بل لأخص من مط لق الدُّعَاء وَهُوَ كَونه صَلَاة متضمنة لتعظيمه وتمجيده وَالثنَاء عَلَيْهِ كَمَا تقدم تَقْرِيره وَهَذَا أخص من مُطلق الدُّعَاء
وَأما دليلكم السَّابِع وَهُوَ قَول الْمَلَائِكَة لروح الْمُؤمن صل الله عَلَيْك وعَلى جَسَد كنت تعمرينه فَلَيْسَ بمتناول لمحل النزاع فَإِن النزاع إِنَّمَا هُوَ هَل يسوغ لِأَحَدِنَا أَن يصلى على غير الرَّسُول وَآله ﷺ وَأما الْمَلَائِكَة فليسوا بداخلين تَحت أَحْكَام تكاليف الْبشر حَتَّى يَصح قياسهم عَلَيْهِ فِيمَا يَقُولُونَهُ ويفعلونه فَأَيْنَ أَحْكَام
стр. 447
الْملك من أَحْكَام الْبشر فالملائكة رسل الله فِي خلقه وَأمره يتصرفون بأَمْره لَا بِأَمْر الْبشر وَبِهَذَا خرج الْجَواب عَن كل دَلِيل فِيهِ صَلَاة الْمَلَائِكَة
وَأما قَوْلكُم إِن الله يُصَلِّي على الْمُؤمنِينَ وعَلى معلم النَّاس الْخَيْر
جَوَابه أَنه فِي غير مَحل النزاع وَكَيف يَصح قِيَاس فعل العَبْد على فعل الرب وَصَلَاة العَبْد دُعَاء وَطلب وَصَلَاة الله على عَبده لَيست دُعَاء وَإِنَّمَا هِيَ إكرام وتعظيم ومحبة وثناء وَأَيْنَ هَذَا من صَلَاة العَبْد
وَأما دليلكم الْعَاشِر وَهُوَ حَدِيث مَالك بن يخَامر وَفِيه صَلَاة النَّبِي ﷺ على أبي بكر وَعمر وَمن مَعَهُمَا فَجَوَابه من وُجُوه
أَحدهَا أَنه لَا علم لنا بِصِحَّة هَذَا الحَدِيث وَلم تَذكرُوا إِسْنَاده لنَنْظُر فِيهِ
الثَّانِي أَنه مُرْسل
الثَّالِث أَنه فِي غير مَحل النزاع كَمَا تقدم
وَأما دليلكم الْحَادِي عشر أَن ابْن عمر كَانَ يقف على قبر النَّبِي ﷺ فَيصَلي عَلَيْهِ وعَلى أبي بكر وَعمر فَجَوَابه من وُجُوه
أَحدهَا أَن ابْن عبد الْبر قَالَ أنكر الْعلمَاء على يحيى بن يحيى وَمن تَابعه فِي الرِّوَايَة عَن مَالك عَن عبد الله بن دِينَار رَأَيْت ابْن عمر يقف على قبر النَّبِي ﷺ فَيصَلي على النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 448
وعَلى أبي بكر وَعمر وَقَالُوا إِنَّمَا الرِّوَايَة لمَالِك وَغَيره عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يقف على قبر النَّبِي ﷺ فَيصَلي على النَّبِي وَيَدْعُو لأبي بكر وَعمر وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْن الْقَاسِم والقعنبي وَابْن بكير وَغَيرهم عَن مَالك ففرقوا بِمَا وصفت لَك بَين وَيَدْعُو لأبي بكر وَعمر وَبَين فَيصَلي على النَّبِي ﷺ وَإِن كَانَت الصَّلَاة قد تكون دُعَاء لما خص بِهِ ﷺ من لفظ الصَّلَاة
قلت وَكَذَلِكَ هُوَ فِي موطأ ابْن وهب لفظ الصَّلَاة مُخْتَصّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالدُّعَاء لصاحبيه
الثَّانِي أَن هَذَا من بَاب الِاسْتِغْنَاء عَن أحد الْفِعْلَيْنِ بِالْأولِ مِنْهُمَا وَإِن كَانَ غير وَاقع على الثَّانِي كَقَوْل الشَّاعِر
(علفتها تبناً وماءباردا ... حَتَّى غَدَتْ همالةً عَيناهَا)
وَقَول الآخر
(وَرَأَيْت زَوجك قد غَدا ... مُتَقَلِّدًا سَيْفا ورمحا)
وَقَول الآخر
(وزججن الحواجب والعيونا ... )
стр. 449
فَلَمَّا كَانَ الْفِعْل الأول مُوَافقا للْفِعْل الثَّانِي فِي الْجِنْس الْعَام اكْتفى بِهِ مِنْهُ لِأَن الْعلف مُوَافق للسقي فِي التغذية وتقلد السَّيْف مُوَافق لحمل الرمْح فِي معنى الْحمل وتزجيج الحواجب مُوَافق لكحل الْعُيُون فِي الزِّينَة وَهَكَذَا الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ مُوَافقَة للدُّعَاء لأبي بكر وَعمر ﵄ فِي معنى الدُّعَاء والطلب
الثَّالِث أَن ابْن عَبَّاس قد خَالفه كَمَا تقدم
وَأما دليلكم الثَّانِي عشر بِالصَّلَاةِ على أَزوَاجه ﷺ ففاسد لِأَنَّهُ إِنَّمَا صلى عَلَيْهِنَّ لإضافتهن إِلَيْهِ ودخولهن فِي آله وَأهل بَيته فَهَذِهِ خَاصَّة لَهُ وَأهل بَيته وزوجاته تبع لَهُ فِيهَا ﷺ
وَأما قَوْلكُم إِنَّه ألزم على أصولنا فَإنَّا لَا نقُول بِتَحْرِيم الصَّدَقَة عَلَيْهِنَّ فَجَوَابه أَن هَذَا وَإِن سلم دلّ على أَنَّهُنَّ لسن من الْآل الَّذين تحرم عَلَيْهِم الصَّدَقَة لعدم الْقَرَابَة الَّتِي يثبت بهَا التَّحْرِيم لكنهن من أهل بَيته الَّذين يسْتَحقُّونَ الصَّلَاة عَلَيْهِم وَلَا مُنَافَاة بَين الْأَمريْنِ
وَأما دليلكم الثَّالِث عشر وَهُوَ جَوَاز الصَّلَاة على غَيره ﷺ تبعا وحكايتكم الِاتِّفَاق على ذَلِك فجواه من وَجْهَيْن
أَحدهمَا أَن هَذَا الِاتِّفَاق غير مَعْلُوم الصِّحَّة وَالَّذين منعُوا الصَّلَاة على غير الْأَنْبِيَاء منعوها مُفْردَة وتابعة وَهَذَا التَّفْصِيل وَإِن كَانَ مَعْرُوفا عَن بَعضهم فَلَيْسَ كلهم يَقُوله
الثَّانِي أَنه لَا يلْزم من جَوَاز الصَّلَاة على أَتْبَاعه تبعا للصَّلَاة عَلَيْهِ جَوَاز إِفْرَاد الْمعِين أَو غَيره بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ اسْتِقْلَالا
стр. 450
وَقَوله للأحاديث الصَّحِيحَة فِي ذَلِك فَلَيْسَ فِي الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الصَّلَاة على غير النَّبِي ﷺ وَآله وأزواجه وَذريته لَيْسَ فِيهَا ذكر أَصْحَابه وَلَا أَتْبَاعه فِي الصَّلَاة
وَقَوله أحرنا بهَا فِي التَّشَهُّد فالمأمور بِهِ فِي التَّشَهُّد الصَّلَاة على آله وأزواجه لَا على غَيرهمَا
وَأما دليلكم الرَّابِع عشر وَهُوَ حَدِيث زيد بن ثَابت الَّذِي فِيهِ اللَّهُمَّ مَا صليت من صَلَاة فعلى من صليت فَفِيهِ أَبُو بكر بن أبي مَرْيَم ضعفه أَحْمد وَابْن معِين وَأَبُو حَاتِم وَالنَّسَائِيّ وَالسَّعْدِي وَقَالَ ابْن حبَان كَانَ من خِيَار أهل الشَّام وَلكنه كَانَ رَدِيء الْحِفْظ يحدث بِشَيْء فَيَهِم وَكثر ذَلِك حَتَّى اسْتحق التّرْك
وَفصل الْخطاب فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِن الصَّلَاة على غير النَّبِي ﷺ إِمَّا أَن يكون آله وأزواجه وَذريته أَو غَيرهم فَإِن كَانَ الأول فَالصَّلَاة عَلَيْهِم مَشْرُوعَة مَعَ الصَّلَاة على النَّبِي ﷺ وجائزة مُفْردَة
وَأما الثَّانِي فَإِن كَانَ الْمَلَائِكَة وَأهل الطَّاعَة عُمُوما الَّذين يدْخل فيهم الْأَنْبِيَاء وَغَيرهم جَازَ ذَلِك أَيْضا فَيُقَال اللَّهُمَّ صل على ملائكتك المقربين وَأهل طَاعَتك أَجْمَعِينَ وَإِن كَانَ شخصا معينا أَو طَائِفَة مُعينَة كره أَن يتَّخذ الصَّلَاة عَلَيْهِ شعاراً لَا يخل بِهِ وَلَو قيل بِتَحْرِيمِهِ لَكَانَ لَهُ وَجه وَلَا سِيمَا إِذا جعلهَا شعاراً لَهُ وَمنع مِنْهَا نَظِيره أَو من هُوَ خير مِنْهُ وَهَذَا كَمَا تفعل الرافضة بعلي ﵁ فَإِنَّهُم حَيْثُ ذَكرُوهُ قَالُوا ﵊ وَلَا يَقُولُونَ ذَلِك فِيمَن هُوَ خير مِنْهُ فَهَذَا مَمْنُوع لَا سِيمَا
стр. 451
إِذا اتخذ شعاراً لَا يخل بِهِ فَتَركه حِينَئِذٍ مُتَعَيّن وَأما إِن صلى عَلَيْهِ أَحْيَانًا بِحَيْثُ لَا يَجْعَل ذَلِك شعارا كَمَا صلى على دَافع الزَّكَاة وكما قَالَ ابْن عمر للْمَيت صلى الله عَلَيْهِ وكما صلى النَّبِي ﷺ على الْمَرْأَة وَزوجهَا وكما رُوِيَ عَن عَليّ من صلَاته على عمر فَهَذَا لَا بَأْس بِهِ
وَبِهَذَا التفصل تتفق الْأَدِلَّة وينكشف وَجه الصَّوَاب وَالله الْمُوفق