← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6854

أدب الطلب ومنتهى الأرب - ت الخشت

الشوكاني

Полный текст (213 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

دراسة التحقيق: المؤلف والكتاب أولا: المؤلف: • توطئة. • شخصية الشوكاني العلمية من خلال منهجه. • معالم حياته. • شيوخه. • مؤلفاته. • تلاميذه. ثانياً: الكتاب: • نسبة الكتاب إلى الشوكاني. • أسلوب الشوكاني. * مضمون الكتاب. • تقسيم الكتاب وتبويه. • سبب تأليفه. • مخطوطات الكتاب. • منهج التحقيق.

стр. 2

أولًا: المؤلف * توطئة: يعتبر الإمام الشوكاني أحد كبار الفقهاء في الحضارة الإسلامية، وأحد المجددين البارزين للقرن الثالث عشر الهجرى، لما يتمتع به من عقلية منهجية منظمة، تعرف مواقع النصوص، وموارد الأدلة، ومواطن قيام الحجج. فهو يتحلى بأمانة المحدث، ويستنبط بعقلية المنطقي الفقيه، ويستنير بمنهج الأصوليين، ويكتب بوجدان الأديب، ويؤرخ بدقة الحفاظ. وفوق هذا وذاك، فإن تلك العقلية المنهجية يكمن وراءها ضمير حيّ يخفق بالموضوعية والصدق، وله من عمق الدافع مثل ماله من نزاهة القصد .. ضمير متبصر يعي إلى حدٍ كبير الأزمة الحضارية التي تعانيها الأمة الإسلامية، ويدرك مكامن الداء، ويعرف أسلوب الدواء. * شخصية الشوكاني العلمية من خلال منهجه: هناك أساليب متعددة يلجأ إليها الباحثون من أجل تحديد الملامح العلمية للشخصية التي يضعونها تحت منظار البحث والدراسة. ومن أهم هذه الأساليب تحديد المنهج العلمي الذي تتبناه الشخصية، لأنه إذا ما أمكنا الوقوف على ملامح ذلك المنهج وخطواته، أمكنا بكل سهولة تحديد سمات تلك الشخصية وأهم مميزاتها. فما هي أهم ملامح منهج الشوكاني؟ من خلال الاطلاع على مؤلفات الشوكاني ولا سيما "أدب الطلب" و "القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد" يمكن للباحث أن يستنبط منهجه في الوصول إلى الحقيقة، وقد تراءى لي أن أقسم خطوات ذلك المنهج إلى

стр. 3

قسمين: أحدهما سلبى والآخر إيجابى. أما المنهج السبي: فندرج تحته كل الأمور السلبية التي تعوق المرء عن التوصل إلى الحق، والتي نبه الشوكاني إليها، ودعا الباحثين إلى وجوب التخلى عنها بعزيمة صادقة وتحرير أذهانهم وتطهيرها منها حتى يقبلوا على البحث بذهن بريء محياد، هذه المعوقات والسلبيات تتمثل في: ١ - النشوء في بلد متمذهب بمذهب معين أو تقليد ذلك المذهب دون تبصر. ٢ - حب الشرف والمال. ٣ - الجدال والمراء وحب الانتصار والظهور. ٤ - حب القرابة والتعصب للأجداد. ٥ - عدم الرجوع إلى الحق الذي سبق لطالب العلم أن قال بخلافه. ٦ - عدم الرجوع إلى الحق لأن المتكلم به صغير السن أو الشأن. ٧ - الاستناد إلى قواعد ظنية. ٨ - عدم الموضوعية في عرض حجج الخصوم. ٩ - تقليد المتعصبين من علماء الجرح والتعديل. ١٠ - المنافسة بين الأقران بلا تبصر. ١١ - التباس ما هو من الرأي البحت بشيء من العلوم التي هي مواد الاجتهاد. ١٢ - التحايل على أحكام الشريعة للتخلص من فرائضها وواجباتها وسائر أنواع ما تأمر بالالتزام به. ١٣ - الاغترار بمجرد الاسم عن المسمى. ١٤ - التسرع في قبول الإجماع، والقياس، والاستحسان، والاجتهاد (بمعنى استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي)، دون كشف وتحر. فهذه الأمور تعوق الذهن الإنساني عن التوصل إلى الحق، وينبغى على

стр. 4

طالب العلم أن يتخلى عنها قبل شروعه في البحث. أما المنهج الإيجابي: فيمكن للمرء أن يدرج تحته كل الأشياء التي دعا الشوكاني طلاب العلم إلى وجوب اتباعها حتى يمكنهم البحث على أسس سليمة، وهي: ١ - تقديم القرآن الكريم والسنة الصحيحة على قول كل عالم كائنًا مَنْ كان. ٢ - وجوب الوقوف على الدليل والحجة وعدم التقليد الأعمى، سواء كان عالمًا أم غير عالم فإذا ما كان الباحث عالمًا فإنه يمكنه الوقوف على الدليل من دون أن يرجع إلى غيره، لأنه استعد لذلك بما اشتغل به من الطلب والوقوف بين يدى أهل العلم ومشاركته لهم في معارف الاجتهاد. أما إذا لم يكن قد بلغ مرتبة العلماء فيمكنه الوقوف على الدليل بسؤال علماء الشريعة، على طريقة طلب الدليل واسترواء النص. وبذلك يكون مجتهدًا في طلب الدليل والحجة وفهمهما، بخلاف المقلد الذي يعمل بالرأي دون السؤال عن البرهان. ٣ - أن يعلم الباحث عن الحق أن الشريعة مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد؛ حتى إذا وجد أمرًا لم يرد فيه نص يخصه، ولا اشتمل عليه عموم، ولا تناوله إطلاق؛ فحق عليه أن يستحضر ذلك، ويرشد إليه، ويحكم وفقًا له. ٤ - تدبر الدلائل العامة، والتفكير فيما يندرج تحتها من المسائل بوجه من وجوه الدلالة المعتبرة. فإن الباحث إذا تمرن في ذلك وتدرب - صار مستحضرًا لدليل كل ما يُسأل عنه من الأحكام الشرعية. وهكذا التفكر في الكليات الصادرة عن النبي (ص)؛ فإن كثيرًا من عباراته صالحة لأن تكون كليات عامة تندرج تحتها كثير من المسائل الجزئية. ٥ - أن يعلم الباحث أن نصوص الشريعة قرآنًا وسنة يراد بها المعنى الحقيقى والمدلول الواضح، ولا يجوز الانتقال عنه إلا لعلاقة أو قرينة، كأن يكون هناك مسوّغ شرعى تتوقف عليه الصحة الشرعية أو العقلية التي يتفق عليها العقلاء.

стр. 5

تلك كانت أهم المقومات والعناصر التي يقوم عليها منهج الشوكاني -بشقيه السلبى والإيجابى حسب تقسيمنا- في البحث عن الحقيقة، وبهذا يمكننا تحديد ملامح شخصيته العلمية، فنجدها شخصية عالم، مجتهد، أصولى بالدرجة الأولى؛ شخصية تتميز بالموضوعية والحياد؛ شخصية ذات ضمير حى، وبصيرة نافذة؛ شخصية لها من صفات الاندغام الإجتماعي، والنضج الإنسانى، والحس الحضارى، ما يجعلها ترفض التقليد، وتدعو إلى التجديد.

стр. 6

* معالم حياته: ولد محمد بن عليّ محمد بن عبد الله الشوكاني، بهجرة شوكان، من بلاد خولان باليمن؛ سنة ١١٧٣ هـ الموافقة سنة ١٧٦٠ م. وقد نشأ الشوكاني في بيئة ميسورة الحال؛ حيث كان أبوه من العلماء الكبار، وكان يشغل منصب قاضى صنعاء؛ مما كان له أكبر الأثر في تكوين الشوكاني؛ حيث كفاه أبوه مؤنة طلب الرزق، وكفل له كل وسائل الحياة؛ مما أعانه على أن يتفرغ لطلب العلم بذهن خال من الهموم التي كثيرًا ما تعوق النوابغ عن تحصيل العلوم بالشكل الذي يتطلعون إليه. كما كان لهذه النشأة أثر آخر، غير ذلك الأثر المادى، ألا هو توجيه أبيه العالم القاضي له منذ نعومة أظافره إلى الاشتغال المستمر بتحصيل العلوم الشرعية. وقد ابتدأ بقراءة القرآن وتجويده على أكثر من قارئ من قراء صنعاء اليمن. وفى تلك الفترة التي كان معنيا فيها بتلاوة القرآن، كان مشغولا أيضا بالاطلاع على أكثر من كتاب في الأدب العربى والتاريخ الإسلامي وحفظ أكثر من مختصر في علوم اللغة، والفقه، وأصول الدين. وتلت هذه المرحلة مرحلة ثانية، أخذ فيها العلوم الشائعة في ذلك الوقت عن كبار علماء اليمن الذين سنتحدث عن أهمهم بشكل مجمل في فقرة مستقلة. وشأنه شأن كل النوابغ، لم يكتف باستيفاء ماعند شيوخه من كتب، وإنما كان يطلع على كتب أخرى كثيرة بشكل مستقل عنهم. ونظرًا لما كان عليه الشوكاني من تفوق ملحوظ أثناء طلبه للعلم، فقد كان كثير من التلاميذ يلجأون إليه لكى يدرّس لهم الفن أو المصنف الذي فرغ من تعلمه. ولذا فقد كان يومه موزعا بين التلقى من شيوخه وبين الشرح والتدريس لزملائه وأقرانه. وبعد ذلك عكف على نشر ما تعلمه من علوم بين الطلاب، فكان يدرس في اليوم ما يزيد على عشرة دروس في علوم أصول الدين، والفقه وأصوله

стр. 7

والحديث ومصطلحه، وعلوم اللغة المختلفة. ولم يكتف بالاطلاع على العلوم الشرعية والتمكن منها، بل قرأ العلوم الفلسفية الشائعة في ذلك الوقت، كالمنطق، والطبيعة، والرياضة، والميتافيزيقا، وقد بلغ مرتبة من التفوق المبكر جعلته يفتي وهو في العشرين من عمره، وكان لفتاويه تأثير واضح جعل الكثير من أهل صنعاء، بل وغيرهم من أهالي المدن المجاورة، يستفتونه في مختلف شئون الدين. ورغم أن الشوكاني كان قد تلقى الفقه على مذهب الإمام زيد بن علي، إلا أنه لم يلبث أن تخلى عن التقليد والتمذهب، وأصبح لا يتقيد بفرقة من الفرق أو مذهب من المذاهب، بل اعتمد اعتمادًا مباشرًا على الكتاب والسنة، وأصبح من المجتهدين في البحث عن الحكم الشرعي والرأى العقائدي من خلال الأدلة والبراهين لا من طريق التقليد والتلقين. وقد وصل إلى هذه المرتبة وهو بعد لم يتخط الثلاثين من عمره. وظل مكبًا على تحصيل العلم ونشره، مركزًا كل اهتمامه في مجالسة أهل العلم والأدب وملاقاتهم، والاستفادة منهم، وإفادتهم. وكان نزيهًا، متحليًا بصفات الاحترام والاعتزاز بالنفس؛ حتى كان منعزلًا عن المشتغلين بالمناصب العليا، ولم يحاول أن يتمسح بقاض، ولا أن يتملق أميرًا. بل كان يجهر بالحق، ويدعو إلى الاجتهاد، وينهى عن التقليد، لا يخشى في ذلك لومة لائم، ولا تجنى حسود. وكان شيئا منطقيًا أن يتولى بعد ذلك القضاء، وهو في السادسة والثلاثين من عمره؛ فهو العالم المجتهد، والرجل النزيه، والداعية الصادق. وظل متوليًا لمنصب القضاء العام، حتى جمع بينه وبين الوزارة معًا؛ فأصبح مسئولا مسئولية مباشرة عن كل شئون اليمن الداخلية والخارجية؛ فحكم بين الناس بالعدل، وأعطى كل ذي حق حقه، ولم يدخر جهدًا في تحسين أحوال بلده وفي رفع مستوى أهلها العلمي والثقافى، حتى انتقل إلى رحاب ربه في سنة

стр. 8

١٢٥٠ هـ الموافقة لسنة ١٨٣٤ م. * شيوخ الشوكاني: كان من حسن طالع الإمام الشوكانى أنه نشأ في إحدى العواصم الإسلامية التي كان يوجد بها عدد غير قليل من العلماء المتخصصين في فروع علمية دينية متباينة: مثل القراآت، والتفسير، والفقه، والأصول، والحديث، والتاريخ، والأدب، وعلوم اللغة المختلفة. وكانت لهم إسهاماتهم التي تتناسب مع الأسلوب الشائع في عصرهم بصرف النظر عن مدى الابتكار أو التقليد في تلك الإسهامات. وأهم الشيوخ الذين تلقى عنهم الشوكاني: ١ - القاضي على بن محمد الشوكاني المتوفى سنة ١٢١١ هـ، أبو الإمام الشوكاني، وصاحب الفضل الأول عليه -بعد المولى سبحانه- في توجيهه إلى طلب العلم، وتيسير أسباب الحياة له. ٢ - الإمام عبد القادر بن أحمد الكوكباني: (١١٣٥ - ١٢٠٧ هـ = ١٧٢٣ - ١٧٩٢ م)، وهو محدث، مجتهد، من علماء الزيدية باليمن. له كتب كثيرة، منها "مسند" في أسماء شيوخه، و "شرح نزهة الطرف" للأخفش الصنعانى. وقد أكثر الشوكاني من الثناء عليه والاعتراف بجميله؛ ومما قال فيه: "كان شيخنا السيد العلامة عبد القادر بن أحمد ﵀ من أكثر الناس نشرًا للحق، وإرشادًا له، وتلقينا له، وهدما لما يخالفه، فجعله الله علمًا يقتدى به، ومرجعًا يأوى إليه أهل عصره، وأخضع له كل مخالف له، واعترف له كل واحد بأنه إمام عصره، وعالمه، ومجتهده". ٣ - الإمام القاسم بن يحيى الخولاني: (١١٦٢ - ١٢٠٩ هـ)، فقيه، مجتهد. وقد تتلمذ عليه الشوكاني، ومن الطريف أنه قد رافقه فترة في طلب العلم. وأثنى الشوكاني عليه خلقيًا وعلميًا، وعده شيخه الأكبر. ٤ - العلامة الحسن بن إسماعيل المغربى: ( … - ١٢٠٨ هـ)،

стр. 9

منطقي، مشتغل بعلوم الفلسفة. وقد درس الشوكاني على يديه علم المنطق. ٥ - الإمام أحمد بن عامر الحدائى ( … - ١١٩٧ هـ). ٦ - الإمام يحيى بن محمد الحونى: (نحو ١١٦٠ - ١٢٤٧ هـ)، مشتغل بعلم الحساب والمساحة والفرائض. وقد تتلمذ الشوكاني عليه في هذه العلوم. ٧ - القاضي عبد الرحمن بن حسن الأكوع: ( … - ١٢٠٦ هـ) ٨ - العلامة على بن إبراهيم بن علي: (نحو ١١٣٩ - ١٢٠٧ هـ). * مؤلفات الشوكاني: يمكن للمرء أن يتبين بوضوح عند تتبعه لمؤلفات الإمام الشوكاني مدى العمق والجدة التي تنطبع بها تلك المؤلفات، كما يلحظ روح الاجتهاد التي تسيطر على كل ما يصدر عنه من آراء وأفكار، فلا يكاد الباحث يطلع على رأى من آرائه إلا ويجد مبررات هذا الرأى وحججه، فالرجل مستقل كل الاستقلال عن المذاهب والفرق مجتهد بمعزل عن التقليد والإتباع الأعمى. وفيما يلي نقدم للقارئ إحصاء بكتب الشوكاني، حتى يكون على علم بكل أعمال ذلك الإمام الفذ، وهى: ١ - فتح القدير: الجامع بين فنى الرواية والدراية من علم التفسير. وهو مطبوع في خمسة مجلدات. ٢ - نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار. من أدق كتب الفقه، وهو في ثماني أجزاء، في أربع مجلدات. ٣ - السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار. ينقد فيه كتاب الأزهار في الفقه الهدوى الزيدى، كمثال عملى على تطبيق منهج الاجتهاد والاستقلال في الرأي. ٤ - در السحابة في مناقب القرابة والصحابة. ٥ - التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر، والدجال، والمسيح.

стр. 10

٦ - الدراية في مسألة الوصاية. يبحث فيه مدى أحقية أو بطلان وصاية النبي ﷺ لعليّ بن أبي طالب. ٧ - الجوابات المنيعة على الأبحاث المنيعة. ٨ - هفوات الأئمة الأربعة. ٩ - المختصر البديع في الخلق الوسيع. تحدث فيه عن مخلوقات الله من سموات وأرضين وإنس .. إلخ. ١٠ - منحة المنان في أجرة القاضي والسجان. ١١ - الوشى المرقوم في تحريم التحلى بالذهب للرجال على العموم. ١٢ - هداية القاضي إلى تخوم الأراضى. ١٣ - شفاء العلل في زيادة الثمن لمجرد الأجل. ١٤ - عقود الجمان في شأن حدود البلدان وما يتعلق بها من الضمان. ١٥ - حل الإشكال في إجبار اليهود على التقاط الأزبال. ١٦ - دفع الاعتراضات على إيضاح الدلالات. ١٧ - أدب الطلب ومنتهى الأرب. ١٨ - إبطال دعوى الإجماع على تحريم مطلق السماع. ١٩ - الأبحاث الوضية في الكلام على حديث حب الدنيا رأس كل خطية. ٢٠ - إيضاح الدلالات على أحكام الخيارات. ٢١ - البحث المسفر عن تحريم كل مسكر ومفتر. ٢٢ - إرشاد الأعيان إلى تصحيح ما في عقود الجمان. ٢٣ - أمنية المنشوق في تحقيق حكم المنطق. ٢٤ - إشراق النيرين في بيان الحكم إذا تخلف عن الوعد أحد الخصمين. ٢٥ - البغية في مسألة الرؤية. ٢٦ - تنبيه الأمثال على عدم جواز الاستعانة من خالص المال. ٢٧ - التشكيك على التفكيك لعقود التشكيك.

стр. 11

٢٨ - الروض الوسيع في الدليل المنيع على عدم انحصار علم البديع. ٢٩ - رفع البأس عن حديث النفس والهم والوسواس. ٣٠ - الصوارم الحداد القاطعة لعلائق مقالات أرباب الاتحاد. ٣١ - الطود المنيف في الإنتصاف للسعد من الشريف. ٣٢ - العذب النمير في جواب عالم بلاد عسير. ٣٣ - نثر الجوهر على حديث أبي ذر. ٣٤ - مطلع البدرين ومجمع البحرين. في علوم التفسير. ٣٥ - كشف الأستار عن حكم الشفعة بالجوار. ٣٦ - القول الحسن في فضائل أهل اليمن. ٣٧ - المباحث الدرية في المسألة الحميرية. ٣٨ - كشف الأستار في إبطال كلام من قال بفناء النار. ٣٩ - كشف الرين عن حديث ذى اليدين. ٤٠ - وبل الغمامة في تفسير: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾. ٤١ - وبل الغمام على شفاء الأورام. ٤٢ - المقالة الفاخرة في بيان إتفاق الشرائع على الدار الآخرة. ٤٣ - المختصر الكافي من الجواب الشافي. ٤٤ - كفاية المحتظ. ٤٥ - القول المقبول في رد خبر المجهول من غير صحابة الرسول. ٤٦ - القول الجلى في لبس النساء للحلى. ٤٧ - القول الصادق في حكم الإمام الفاسق. ٤٨ - فتح القدير بين المعذرة والتعذير. ٤٩ - الفتح الرباني في فتاوى الشوكاني. ٥٠ - فتح الخلاق في جواب مسائل عبد الرزاق. ٥١ - القول الواضح في صلاة المستحاضة ونحوها من أهل العلل والجرائح.

стр. 12

٥٢ - نزهة الأحداق في علم الاشتقاق. ٥٣ - طيب النشر في جواب المسائل العشر. ٥٤ - الصوارم الهندية المسلولة على الرياض الندية. ٥٥ - زهر النسرين الفائح بفضل العمرين: أبي بكر وعمر ﵄. ٥٦ - رفع الخصام في الحكم بالعلم من الحكام. ٥٧ - رفع الجناح عن نافى المباح. ٥٨ - جيد النقد في عبارة الكاشف والسعد. ٥٩ - تنبيه ذوى الحجا على حكم بيع الرجا. ٦٠ - تفويق النبال إرسال المقال. ٦١ - تشنيف السمع لجواب المسائل السبع. ٦٢ - تشنيف السمع بإبطال أدلة الجمع. ٦٣ - تحرير الدلائل على مقدار ما يجوز بين الإمام والمؤتم من الإرتفاع والحال. ٦٤ - بغية المستفيد في الرد على من أنكر الاجتهاد من أهل التقليد. ٦٥ - البغية في مسألة الرؤية. ٦٦ - البحث الملم المتعلق بقوله تعالى: ﴿إلا من ظلم﴾. ٦٧ - إيضاح القول في إثبات العول. ٦٨ - الإعلام بالمشايخ الأعلام والتلامذه الكرام. ٦٩ - إطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الإختلال. ٧٠ - إرشاد المستفيد إلى دفع كلام ابن دقيق العيد في الإطلاق والتقييد. ٧١ - إرشاد الغبى إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي. ٧٢ - إرشاد السائل إلى دلائل المسائل. ٧٣ - الدفعة في وجه ضرب القرعة.

стр. 13

٧٤ - إتحاف المهرة في الكلام على حديث "لا عدوى ولا طيرة". ٧٥ - الأبحاث البديعة في وجوب الإجابة إلى أحكام الشريعة. ٧٦ - رفع منار حق الجار بالإجبار على البيع مع الضرار. ٧٧ - القول المقبول في فيضان الغيول والسيول. ٧٨ - بلوغ المني في الإستمناء. ٧٩ - ضرب القرعة في شرطية خطبة الجمعة. ٨٠ - إشراق الطلعة في عدم الإعتداد بإدراك ركعة من الجمعة. ٨١ - إسلاك الجوهر في نظم مجدد القرن الثالث عشر. ٨٢ - إقناع الباحث بدفع ما ظنه دليلًا على جواز الوصية للوارث. ٨٣ - المباحث الوفية في الشركة العرفية. ٨٤ - الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة. ٨٥ - القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد، أو القول المفيد في حكم التقليد. ٨٦ - نزل من اتقى بكشف أحوال المنتقى. ٨٧ - العقد الثمين في إثبات وصاية أمير المؤمنين. ٨٨ - البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع. ٨٩ - إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر. ٩٠ - التحف في مذاهب السلف. ٩١ - إرشاد الثقات إلى إتفاق الشرائع على التوحيد والمعاد والنبوات. ٩٢ - تحفة الذاكرين في شرح عدة الحصن الحصين للجزرى. ٩٣ - الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد. ٩٤ - الدراري المضية في شرح الدرر البهية. ٩٥ - الدرر البهية. ٩٦ - تنبيه الأعلام على تفسير المشتبهات بين الحلال والحرام. ٩٧ - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول. ٩٨ - الدواء العاجل في دفع العدو الصائل.

стр. 14

٩٩ - رفع الريب فيما يجوز ولا يجوز من الغيب. ١٠٠ - شرح الصدور في تحريم رفع القبور. ١٠١ - التعقبات على الموضوعات. كما له أيضا عدد من الأبحاث والرسائل الصغيرة التي تتناول عديدًا من الموضوعات وتجيب عن كثير من التساؤلات التي كانت تُوجه إليه. * تلاميذه: شيء طبيعي أن يلتف العدد الجم من التلاميذ والطلبة حول عالم كبير مثل الشوكاني؛ فهو صاحب علم راسخ، وذو عقل مستنير مجدد، وقلب مفتوح لكل من يريد أن يرقى بفهمه ويسمو بعلمه. وإذ كانت ثمرة علم الشوكاني الأولى، هي مؤلفاته، فإن ثمرة علمه الثانية هي تلاميذه الذين بلغوا من العلم تحت رعايته مبلغًا أهلهم لأن يحتلوا مراتب سامية بين الفضلاء، ومناصب ذات تأثير في شئون الدول. نذكر من بين أولئك التلاميذ الفضلاء: ١ - ابنه على بن محمد الشوكاني ولد في سنة ١٢١٧ هـ، رباه أبوه الإمام الشوكاني فأحسن تربيته، حتى أصبح فقيهًا من أهل الاجتهاد. من مؤلفاته "القول الشافي السديد في نصح المقلد وإرشاد المستفيد". توفي قبل وفاة أبيه بشهرين سنة ١٢٥٠ هـ. ٢ - ابنه أحمد بن محمد الشوكاني: ولد ١٢٢٩ هـ، نهل من علم أبيه ومؤلفاته الشيء الكثير، حتى أصبح عالمًا فقيهًا، وتولى القضاء في صنعاء زمنًا. وأصابته محن في أيام الناصر (عبد الله بن الحسن) وأيام الإمام أحمد بن هاشم، فسجن في عهد الأول، وفرّ من صنعاء في عهد الثاني، فطاف متنقلًا في بعض الأطراف، ثم استقر في "الروضة" يحكم وينفذ الشريعة وهو لم يولَّ ذلك فكان علماء اليمن يسمونه "قاضى أرحم الراحمين"! وتوفي فيها. من كتبه

стр. 15

"كشف الريبة في الزجر عن الغيبة". توفى سنة ١٢٨١ هـ. ٣ - محمد بن حسن بن علي الشجنى: ولد سنة ١٢٠٠ هـ، من أهل "ذمار" باليمن، صاحب الإمام الشوكاني وأخذ عنه، وقد أجازه الشوكاني سنة ١٢٣٩ هـ. وأهم ما يتميز به الشجنى هو العلم بالتراجم. من مؤلفاته التي تدل على وفائه لأستاذه "التقصار" في سيرة الشوكاني ومشايخه وتلاميذه، وقد انتقل إلى رحاب ربه عام ١٢٨٦ هـ. ٤ - محمد بن أحمد السودى: ولد في سنة ١١٧٨ هـ، وقد صاحب الشوكاني وأخذ عنه من بداية طلبه حتى منتهاه. وقد عاجلته المنية سنة ١٢٢٦ هـ. وقد أثنى عليه الشوكاني فقال فيه نظمًا: أعز المعالى أنت للدهر زينة … وأنت على رغم الحواسد ماجده ٥ - على بن أحمد هاجر الصنعاني: ولد نحو ١١٨٠ هـ، تعمق في دراسة العلوم الفلسفية وبرع فيها لاسيما المنطق. وقد تعلم المنطق وغيره من العلوم على يد الشوكاني، وأثنى عليه شيخنا ثناء كبيرًا حتى قال عنه في تمكنه من المنطق: "وهو يفهمه فهما بديعًا، ويتقنه إتقانًا عجيبًا .. قل أن يوجد نظيره". مات عام ١٢٣٥ هـ. ٦ - أحمد بن عبد الله بن عبد العزيز الضمدى: ولد سنة ١١٧٤ هـ في هجرة ضمد باليمن. ورحل إلى زبيد ثم إلى صنعاء وصعدة، وحج مرات، وتوفي في مدينة أبي عريش، راجعًا من الحرمين. وهو فقيه زيدى متمكن. من كتبه "مشارق الأنوار" أربع مجلدات في الفقه، و "شرح ملحة الإعراب" نحو. وله فتاوى ومراجعات في العلوم الإسلامية. وقال الشوكاني: "قرأ عليّ في شرح الغاية، وسألنى مسائل عديدة أجبت عليها بجواب سميته" "العقد المنضد في جيد مسائل علامة ضمد". انتقل إلى رحمة الله عام ١٢٢٢ هـ.

стр. 16

هؤلاء كانوا بعض تلاميذ الشوكاني المباشرين، ولا يزال تلاميذه الناهلون من علمه المكتوب في ثنايا مؤلفاته يتزايدون يومًا بعد يوم حتى عصرنا الحالي. وكاتب هذه السطور شخصيًا قد تأثر منذ وقت مبكر من حياته بمنهج الإمام الشوكاني الفقهى وبأسلوبه الاجتهادى الفذ في استنباط الأحكام الشرعية. ثانيا: الكتاب * نسبة الكتاب إلى الشوكاني: لا يدور أدنى شك حول نسبة كتاب "أدب الطلب ومنتهى الأرب" إلى الإمام الشوكاني؛ للأسباب الآتية: ١ - توجد نسخة مخطوطة، بخط الشوكاني نفسه، في مكتبة الجامع المقدس بصنعاء اليمن تحت رقم ٣٠٢ حديث. ٢ - جاءت نصوص متعددة في كتب الشوكاني الأخرى مؤكدة نسبة "أدب الطلب" إليه، مثل كتابه "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع"، وقال عنه فيه: "فهو كتاب لا يستغنى عنه طالب الحق". البدر الطالع: الجزء الثاني، ص ٨٩. ٣ - أجمعت المراجع التي ترجمت لحياة الشوكاني ومؤلفاته على نسبة "أدب الطلب" إليه. * سبب تأليف الكتاب: لعل السبب الرئيسى الذي دفع الشوكاني إلى تأليف هذا الكتاب، يتمثل في الحالة المتردية التي وصل إليها طلاب العلم في زمنه من التقليد الأعمى، والتعصب الرذيل، وتقديم الثانوى في العلم على الضرورى، وغير ذلك من مظاهر التخلف. فلما رأى الرجل ذلك، أراد أن ينهض بأبناء دينه بإرشادهم

стр. 17

إلى المنهج العلمي الذي ينبغى عليهم أن يسلكوه حتى يصلوا إلى مراتب العلم المختلفة، وحتى يمكنهم بلوغ الحق والحقيقة في شرائع الدين وعلوم الدنيا. * مضمون الكتاب: يتناول هذا الكتاب بالشرح والتحليل الواجبات التي يلزم طالب العلم القيام بها، والصفات التي ينبغى أن يتسم بها. وينبه إلى جميع السلبيات والمعوقات التي تعوق عن الوصول إلى الحقيقة، وحتمية التخلى عنها، والوسائل التي تمكّن من التخلص منها. ثم يذكر الخطوات التي يتحتم على طالب العلم سلوكها حتى يستطيع بلوغ المرتبة العلمية التي يتطلع إليها. وفي النهاية يتحدث عن عديد من القواعد والمنطلقات العامة التي تفيد طالب العلم وتغنيه عن كثير من المسائل الجزئية. * تقسيم الكتاب وتبويبه: يخلو هذا الكتاب تمامًا، كما كتبه الشوكاني، من التقسيم، والتبويب والعناوين الأساسية والفرعية. ولذا فقد رأيت أن أقوم بتقسيمه وتبويبه وعنونة موضوعاته؛ حتى يأخذ الشكل العصرى الذي يتلاءم مع مناهج الكتابة الحديثة؛ فقمت بتقسيمه إلى أربعة أقسام وخاتمة، كالآتي: القسم الأول: واجبات طالب العلم .. القسم الثاني: الأسباب التي تؤدى إلى البعد عن الحق، والوقوع في التعصب .. القسم الثالث: كيفية الوصول إلى مراتب العلم المختلفة ..

стр. 18

القسم الرابع: مباحث ضرورية لطالب الحق .. الخاتمة: مفاسد أصابت دين الإسلام .. وقمت أيضًا بتقسيم كل قسم من هذه الأقسام إلى عدة موضوعات وفقرات، لكل منها عنوان مستقل. * أسلوب الشوكاني: يتميز أسلوب الشوكاني بصفة عامة بوضوح العبارة، ودقة التعبير، ومنطقية بناء الجملة. ويَغلب على كتاباته روح الموضوعية وعدم التعصب. وإذا كان يشوب أسلوبه في كثير من الأحيان لون من الحماسة والعاطفة الجياشة، فهذا يرجع في نظرنا إلى طبيعة حياته العلمية التي كانت مليئة بالمناظرات والمناقشات مع المقلدين والمتعصبين الذين كانوا يثيرونه بسبب منطقهم الأعوج، وفهمهم المختل، وعلمهم القاصر. ويتسم أسلوبه أيضا بغلبة الوحدة العضوية أو الموضوعية، إلا إنه يستطرد أحيانًا استطرادات طويلة، ويلح على الفكرة إلحاحًا شديدًا، مما قد يؤدى إلى شيء من التكرار وإختلال البنية العضوية لوحدة الموضوع. وهذا يرتد في رأينا إلى ما اعتاد عليه الإمام الشوكاني من قراء زمانه المقلدين الذين ليس لهم فطنة لفهم الحقائق؛ فكان يرحمه الله تعالى يستطرد، ويلح، ويكرر؛ عسى أن يفهم أولئك المقلدة مقصده وما يدعو إليه من آراء مستنيرة. * منهج التحقيق: اتبعت في تحقيق هذا الكتاب المنهج الآتى: ١ - تخليص النص من شوائب التصحيف والتحريف والأخطاء اللغوية

стр. 19

وما إليها. ٢ - كتابة النص وفقًا لقواعد الإملاء المعاصرة، وترقيمه بواسطة علامات الترقيم العصرية. وفي ظني أن استخدام علامات الترقيم يسهل على كثير من القراء فهم تراكيب في الكتاب قد لا يتيسر فهمها بدون هذه العلامات؛ وحتى يعرف القارئ أين يبتدئ وأين ينتهى. ٣ - تنسيق الكتاب، وتقسيمه، وتبويبه، ووضع العناوين للموضوعات التي يشتمل عليها؛ حتى يأخذ الشكل العصرى الذي يتلاءم مع مناهج الكتابة الحديثة؛ فالكتاب - كما سبق أن أشرت - خال من أي عنوان داخلي. ٤ - تخريج الأحاديث النبوية المذكورة في الكتاب وعزوها إلى مواضعها في كتب الحديث المختلفة. ٥ - شرح الألفاظ الغامضة والمصطلحات بالاعتماد على كتب اللغة والمعاجم والموسوعات. ٦ - التعليق على بعض المواضع التي اقتضت التعليق. ٧ - التعريف بالأعلام الواردة في متن الكتاب بإيجاز، مع ذكر مصادر الترجمة. ٨ - ذكر الأسماء الكاملة للكتب التي كان يشير إليها الشوكاني إشارة تلميح. ٩ - التقديم للكتاب بدراسة عن الإمام الشوكاني وكتابه "أدب الطلب ومنتهى الأرب" الذي بين أيدينا الآن. وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب … محمد عثمان الخُشْت القاهرة في: ٢٩ ربيع أول ١٤٠٦ هـ ٢٠ نوفمبر ١٩٨٥ م

стр. 20

[تقديم] أحمدك .. لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأصلي وأسلم على رسولك وآله، وأسألك التثبيت والهداية، وأعوذ بك من الخذلان والغواية. وبعد: فإني قد عزمتُ - عزم الله لي على الخير - على أن أجمع في هذه الورقات ما ينبغي لطالب العلم اعتماده في طلبه، والتحلي به في إيراده وإصداره، وابتدائه وانتمائه، وما يشرع فيه ويتدرج إليه حتى يبلغ مراده، على وجه يكون به فائزا بما هو الثمرة والعلة الغائية التي هي أول الفكر وآخر العمل، وسميته: «أدب الطلب، ومنتهى الأرب».

стр. 21

واجبات طالب العلم • إخلاص النية لله • قصد تحصيل علم الدين • تجنب التحيز والعصبية • تحرى الإنصاف • توطين النفس على الاجتهاد • تجربة الشوكاني مع الاجتهاد

стр. 22

واجبات طالب العلم وإني أتصور الآن أن الكلام بمعونة الله ومشيئته لا بد أن يتعدى إلى فوائد ومطالب ينتفع بها المنتهي كما ينتفع بها المبتدئ ويحتاج إليها الكامل كما يحتاج إليها المقصر ويعدها المتحققون بالعرفان من أعظم الهدايا إخلاص النية لله فأول ما على طالب العلم أن يحسن النية ويصلح طويته ويتصور أن هذا العمل الذي قصد له والأمر الذي أراده هو الشريعة التي شرعها الله سبحانه لعباده وبعث بها رسله وأنزل بها كتبه ويجرد نفسه عن أن يشوب ذلك بمقصد من مقاصد الدنيا أو يخلطه بما يكدره من الإرادات التي ليست منه كمن يريد به الظفر بشيء من المال أو يصل به إلى نوع من الشرف أو البلوغ إلى رئاسة من رئاسات الدنيا أو جاه يحصله به فإن العلم طيب لا يقبل غيره ولا يحتمل الشركة والروائح الخبيثة إذا لم تغلب على الروائح الطيبة فأقل الأحوال أن تساويها وبمجرد هذه المساواة لا تبقى للطيب رائحة والماء الصافي العذب الذي يستلذه شاربه كما يكدره الشيء اليسير من الماء المالح فضلا عن غير الماء من القاذورات بل تنقص لذته مجرد وجود القذاة فيه ووقوع الذباب عليه هذا على فرض أن مجرد تشريك العلم مع غيره له حكم هذه المحسوسات وهيهات ذاك فإن من أراد أن يجمع في طلبه العلم بين قصد الدنيا والآخرة فقد أراد الشطط وغلط أقبح الغلط فإن طلب العلم من أشرف أنواع العبادة

стр. 23

وأجلها وأعلاها وقد قال الله سبحانه ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ فقيد الأمر بالعبادة بالإخلاص الذي هو روحها وصح عن رسول الله ﷺ حديث إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى وهو ثابت في دواوين الإسلام كلها وقد تلقته الأمة بالقبول وإن كان أحاديا أجمع جميع أهل الإسلام على ثبوته وصحته وقد تقرر في علم البيان الأصول بأن إنما من صيغ الحصر وثبت القول بذلك عن الصحابة روى عن ابن عباس أنه احتج على اختصاص الربا النسيئة بحديث الربا في النسيئة ولم يخالفه الصحابة في فهمه وإنما خالفوه في الحكم مستدلين بأدلة أخرى مصرحة بثبوت ربا الفضل وكما أن هذا التركيب يفيد ما ذكرناه من الحصر كذلك لفظ الأعمال بالنية أو بالنيات كما ورد في بعض ألفاظ الحديث الثابتة في الصحيح فإن الألف واللام تفيد الاستغراق وهو يستلزم الحصر وهكذا ورد في بعض ألفاظ الحديث لا عمل إلا بنية وهي أيضا من صيغ الحصر بل هي أقواها والمراد بالأعمال هنا أفعال الجوارح حتى اللسان فتدخل الأقوال ومن نازع في ذلك فقد أخطأ ثم لا بد لقوله بالنيات من تقدير متخلق عام لعدم ورود دليل يدل على

стр. 24

التعلق الخاص فيقدر الوجود أو الكون أو الاستقرار أو الثبوت أو ما يفيد مفاد ذلك فيكون التقدير إنما وجود الأعمال وكونها واستقرارها أو ثبوتها بالنيات فلا وجود أو لا كون أو لا استقرار أو لا ثبوت لما لم يكن كذلك وهو ما ليس فيه لا يقال أن تقدير الثبوت والوجود والكون ونحوها يستلزم عدم وجود الذات أو عدم النية وقد وجدت في الخارج لأنا نقول المراد الذات الشرعية وهي غير موجودة ولا اعتبار بوجودات غير شرعية ونفي الذات هو المعنى الحقيقي فلا يعدل عنه إلى غيره إلا لصارف ولا صارف هنا على أنه لو فرض وجود صارف إلى المغنى المجازى لم يكن المقدر هاهنا إلا الصحة أو ما يفيد مفادها وهي مستلزمة لنفي الذات فتقرر بمجموع ما ذكرنا أن حصول الأعمال وثبوتها لا يكون إلا بالنية فلا حصول أو لا ثبوت لما ليس كذلك فكل طاعة من الطاعات وعبادة من العبادات إذا لم تصدر عن إخلاص نية وحسن طوية لا اعتداد بها ولا التفات إليها بل هي إن لم تكن معصية فأقل الأحوال أن تكون من أعمال العبث واللعب التي هي بما يصدر عن المجانين أشبه منها بما يصدر عن العقلاء قصد تحصيل علم الدين ومن أهم ما يجب على طالب العلم تصوره عنه الشروع واستحضاره عند المباشرة بل وفي كل وقت من أقوات طلبه مبتدئا أو منتهيا متعلما وعالما أن يقر في نفسه أن هذا العلم الذي هو بصدده هو تحصيل العلم الذي شرعه الله لعباده والمعرفة لما تعبدهم في محكم كتابه وعلى لسان رسوله والوقوف على أسرار كلام الله ورسوله ﷺ وأن هذا المطلب الذي هو بسبب تحصيله ليس هو من المطالب التي يقصدها من هو طالب للجاه والمال والرئاسة بل هو مطلب يتأجر به الرب سبحانه

стр. 25

تجنب التحيز والمعصية وتكون غايته العلم بما بعث الله به رسوله وأنزل فيه كتبه وذلك سبب الظفر بما عند الله من خير ومثل هذا لا مدخل فيه لعصبية ولا مجال عنده لحمية بل هو شيء بين الله سبحانه وبين جميع عباده تعبدهم به تعبدا مطلقا أو مشروطا بشروط وأنه لا يخرج عن ذلك فرد منهم بل أقدامهم متساوية في ذلك عالمهم وجاهلهم وشريفهم ووضيعهم وقديمهم وحديثهم ليس لواحد منهم أن يدعي أنه غير متعبد بما تعبد الله به عباده أو أنه خارج عن التكليف أو أنه غير محكوم عليه بأحكام الشرع ومطلوب منه ما طلبه الله من سائر الناس فضلا عن أن يرتقي إلى درجة التشريع وإثبات الأحكام الشرعية وتكليف عباد الله سبحانه بما يصدر عنه من الرأي فإن هذا أمر لم يكن إلا لله سبحانه لا لغيره من البشر كائنا من كان إلا فيما فوضه إلى رسله وليس لغير الرسل في هذا مدخل بل الرسل منهم متعبدون بما تعبدهم الله به مكلفون بما كلفوا به مطالبون بما طلبه منهم وتخصيصهم بأمور لا تكون لغيرهم لا يعني خروجهم عن كونهم كذلك بل هم من جملة البشر ومن سائر العباد في التكليف بما جاؤوا به عن الله وقد أخبروا بهذا وأخبر به الله عنهم كما في غير موضع من الكتاب العزيز ومن السنة النبوية وكما وقفنا عليه في التوراة والإنجيل والزبور مكررا في كل واحد منها وإذا كان هذا حال الرسل عليهم الصلاة والسلام في التعبد بالأوامر الشرعية والتوقف في التبليغ على ما أمرهم تعالى بتبليغه فلا يشرعون للناس إلا ما أذن لهم به وأمرهم بإبلاغه وليس لهم من الأمر شيء إلا مجرد البلاغ عن الله والتوسط بينه وبين عباده فيما شرعه لهم وتعبدهم به كما هو معنى الرسول والرسالة لغة وشرعا عند من يعرف علم اللغة ومصطلح أهل الشرع ولا ينافي هذا وقوع الخلاف بين أئمة الأصول في إثبات اجتهاد الأنبياء

стр. 26

ونفيه فإن الخلاف المحرر في هذه المسألة لفظي عند من أنصف وحقن فكيف بحال غيرهم من عباد الله ممن ليس هو من أهل الرسالة ولا جعله الله من أهل العصمة كالصحابة فالتابعين فتابعيهم من أئمة المذاهب فسائر حملة العلم فإن من زعم أن لواحد من هؤلاء أن يحدث في شرع الله ما لم يكن فيه أو يتعبد عباد الله بما هو خارج عن ما هو منه فقد أعظم على الله الفرية وتقول على الله تعالى بما لم يقل وأوقع نفسه في هوة لا ينجو منها إلا طرحها في مطرح سوء ووضعها في موضوع شر ونادى على نفسه بالجهل والجرأة على الله تعالى والمخالفة لما جاءت به الشرائع وما أجمع عليه أهلها فإن هذه رتبة لم تكن إلا لله ومنزلة لا ينزلها غيره ولا يدعيها سواه فمن ادعاها لغيره تصريحا أو تلويحا فقد أدخل نفسه في باب من أبواب الشرك وكان ذلك هو الفائدة التي استفادها من طلبه والربح الذي ربحه من تعبه ونصبه وصار اشتغاله بالعلم جناية عليه ومحنة له ومصيبة أصاب بها نفسه وبلية قادها إليها ومعصية كان عنها بالجهل وعدم الطلب في راحة وهكذا من لم يحسن لنفسه الاختيار ولا سلك فيها مسالك الأبرار ولا اقتدى بمن أمر الله الاقتداء به من أهل العلم الذين جعلهم محلا لذلك ومرجعا تحري الإنصاف فإذا تقرر لك هذا وعلمت بما فيه من الضرر العظيم الذي يمحق بركة العلم ويشوه وجهه ويصيره بعد أن كان من العبادات التي لا تشبهها طاعة ولا تماثلها قربة معصية محضة وخطيئة خالصة تبين لك نفع ما أرشد إليه من تحري الإيمان الذي من أعظم أركانه وأهم ما يحصله لك أن تكون منصفا لا متعصب في شيء من هذه الشريعة فإنها وديعة الله عندك وأمانته لديك فلا تخنها وتمحق بركتها بالتعصب لعالم من علماء الإسلام بأن تجعل ما يصدر عنه من الرأي ويروى له من الاجتهاد حجة عليك وعلى سائر العباد

стр. 27

فإنك إن فعلت ذلك كنت قد جعلته شارعا لا متشرعا مكلفا لا مكلفا وتعبدا لا متعبدا وفي هذا من الخطر علك والوبال لك ما قدمناه فإنه وإن فضلك بنوع من أنواع العلم وفاق عليك بمدرك من مدارك الفهم فهو لم يخرج بذلك عن كونه محكوما عليه متعبدا بما أنت متعبد فضلا عن أن يرتفع عن هذه الدرجة إلى درجة يكون رأيه فيها حجة على العباد واجتهاده لديها لازما لهم بل الواجب عليك أن تعترف له بالسبق وتقر له بعلو الدرجة اللائقة به في العلم معتقدا أن ذلك الاجتهاد الذي اجتهده والاختيار الذي اختاره لنفسه بعد إحاطته بما لا بد منه هو الذي لا يجب عليه غيره ولا يلزمه سواه لما ثبت في الصحيح عنه ﷺ من طرق أنه إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر وفي خارج الصحاح في طرق أنه إذا أصاب فله عشر أجور وقد صححه الحاكم في المستدرك وفضل الله واسع وعطاؤه جم توطين النفس على البحث والاجتهاد وليس لك أن تعتقد أن صوابه صواب لك أو خطأه خطأ عليه بل عليك أن توطن نفسك على الجد والاجتهاد والبحث بما يدخل من تحت طوقك وتحيط به قدرتك حتى تبلغ إلى ما بلغ إليه من أخذ الأحكام الشرعية من ذلك المعدن الذي لا معدن سواه والموطن الذي هو أول الفكر وآخر العمل فإن ظفرت به فقد تدرجت من هذه البداية إلى تلك النهاية وإن قصرت عنه لم تكن ملوما بعد أن قررت عند نفسك وأثبت في تصورك أنه لا حجة إلا لله ولا حكم إلا منه ولا شرع إلا ما شرعه وإن اجتهادات

стр. 28

المجتهدين ليست بحجة على أحد ولا هي من الشريعة في شيء بل هي مختصة بمن صدرت عنه لا تتعداه إلى غيره ولا يجوز له أن يحمل عليه أحدا من عباد الله ولا يحل لغيره أن يقبلها عنه ويجعلها حجة عليه يدين الله بها فإن هذا شيء لم يأذن الله به وأمر لم يسوغه لأحد من عباده ولا يغرك ما استدل به القائلون بجواز التقليد فإنه لا دلالة في شيء مما جاءوا به على محل النزاع وقد أوضحنا ذلك في مؤلف مستقل وهو القول المفيد في حكم التقليد فارجع إليه إن بقي في صدرك حرج فإنك تقف فيه على ما يريحك وينثلج به صدرك ويفرح عنده روعك فإن قلت وكيف يقتدر على تصور ما أرشدت إلى تصوره ويتمكن من توطين نفسه على ما دللت عليه من أراد الشروع في العلم بادئ بدء وهو إذ ذاك لا يدري ما الشرع ولا يتعقل الحجة ولا يعرف الإنصاف ولا يهتدي إلى ما هديته إليه إلا بعد أن يتمرن ويمارس ويكون له من العلم ما يفهم به ما تريد منه قلت ما أرشدك إليه يعرف بمجرد العقل وسلامة الفطرة وعدم ورود ما يرد عليها مما يغيرها وعلى فرض ورود شيء من المغيرات عليها كاعتقاد حقية التقليد ونحوه فارتفاع ذلك يحصل بأدنى تنبيه فإن هذا أمر يقبله الطبع بأول وهلة لمطابقته للواقع وحقيته وكل ما كان كذلك فهو مقبول والطبائع تنفعل له انفعالا بأيسر عمل وأقل إرشاد وهذا أمر يعلمه كل أحد ويشترك في معرفته أفراد الناس على اختلاف طبقاتهم ولهذا نبه عليه الشارع فقال كل مولود يولد على الفطرة ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه وهو ثابت في الصحيح

стр. 29

تجربة الشوكاني مع الاجتهاد وإني أخبرك أيها الطالب عن نفسي تحدثا بنعمة الله سبحانه ثم تقريبا لما ذكرت لك من أن هذا الأمر كامن في طبائع الناس ثابت في غرائزهم وأنه من الفطرة التي فطر الله الناس عليها إني لما أردت الشروع في طلب العلم ولم أكن إذا ذاك قد عرفت شيئا منه حتى ما يتعلق بالطهارة والصلاة إلا مجرد ما يتلقاه الصغير من تعليم الكبير لكيفية الصلاة والطهارة ونحوهما فكان أول بحث طالعته بحث كون الفرجين من أعضاء الوضوء في الأزهار وشرحه لأن الشيخ الذي أردت القراءة عليه والأخذ عنه كان قد بلغ في تدريس تلامذته إلى هذا البحث فلما طالعت هذا البحث قبل الحضور عند الشيخ رأيت اختلاف الأقوال فيه سألت والدي ﵀ عن تلك الأقوال أيها يكون العمل عليه فقال يكون العمل على ما في الأزهار فقلت صاحب الأزهار أكثر علما من هؤلاء قال لا قلت فكيف كان اتباع قوله دون أقوالهم لازما فقال أصنع كما يصنع الناس فإن فتح الله عليك فستعرف ما يؤخذ به وما يترك فسألت الله عند ذلك أن يفتح علي من معارفه ما يتميز لي به الراجح من المرجوح وكان هذا في أول بحث نظرته وأول موضوع درسته وقعدت فيه بين يدي العلم فاعتبر بهذا ولا تستبعد ما أرشدتك إليه فتحرم بركة العلم وتمحق فائدته ثم ما زلت بعد كما وصفت لك أنظر في مسائل الخلاف وأدرسها على الشيوخ ولا أعتقد ما يعتقده أهل التقليد من حقية بعضهم بمجرد الإلف والعادة والاعتقاد الفاسد والاقتداء بمن لا يقتدي به بل أسأل من عندهُ

стр. 30

علم بالأدلة على الراجح وأبحث في كتب الأدلة عن ماله تعلق بذلك أستروح إليه وأتعلل به مع الجد في الطلب واستغراق الأوقات في العلم خصوصا علوم الاجتهاد وما يلتحق بها فإني نشطت إليها نشاطا زائدا لما كنت أتصوره من الانتفاع بها حتى فتح الله بما فتح ومنح ما منح فله الحمد كثيرا حمدا لا يحاط به ولا يمكن الوقوف على كنهه فإن وطنت نفسك أيها الطالب على الإنصاف وعدم التعصب لمذهب من المذاهب ولا لعالم من العلماء بل جعلت الناس جميعا بمنزلة واحدة في كونهم منتمين إلى الشريعة محكوما عليهم بما لا يجدوا لأنفسهم عنها مخرجا ولا يستطيعون تحولا فضلا عن أن يرتقوا إلى واحد منهم أو يلزمه تقليده وقبوله قوله فقد فزت بأعظم فوائد العلم وربحت بأنفس فرائده ولأمر ما جعل ﷺ المنصف أعلم الناس وإن كان مقصرا فإنه أخرج الحاكم في المستدرك وصححه مرفوعا أعرف الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا في العمل وإن كان يزحف على أستة هكذا في حفظي فليراجع المستدرك فانظر كيف جعل ﷺ المنصف أعلم الناس وجعل ذلك هو الخصلة الموجبة للأعلمية ولم يعتبر غيرها وإنما كان أبصر الناس بالحق إذا اختلف الناس لأنه لم يكن لديه هوى ولا حمية ولا عصبية لمذهب من المذاهب أو عالم من العلماء فصفت غريزته عن أن تتكدر بشيء من ذلك فلم يكن له مأرب ولا مقصد إلا مجرد معرفة ما جاء عن الشارع فظفر بذلك بسهولة من غير مشقة ولا تعب لأنه موجود إما في كتاب الله وهو بين أظهرنا في المصاحف الشريفة مفسر بتفاسير العلماء الموثوق بهم وإما في سنة رسول الله ﷺ وهي أيضا موجودة قد ألف أهل العلم في أدلة المسائل من السنة كتبا متنوعة منها ما هو على أبواب الفقه ومنها ما هو على

стр. 31

حروف المعجم فكان تناوله يسيرا ثم قد تكلم الأئمة على صحتها وحسنها فجاؤوا بما لا يحتاج الناظر معه إلى غيره ووضعوا في ذلك مؤلفات مشتملة على ذلك اشتمالا على أحسن وجه وأبدع أسلوب ثم أوضحوا ما في السنة من الغريب بل جمعوا بين المتعارضات ورجحوا ما هو راجح ولم يدعو شيئا تدعو إليه الحاجة فإذا وقف على ذلك من قد تأهل للاجتهاد وظفر بعلومه أخذه أخذ غير أخذ من لم يكن كذلك وعمل عليه مطمئنه به نفسه ساكنة إليه نافرة عن غيره هاربة منه

стр. 32

الأسباب التي تؤدي إلى البعد عن الحق والعصبية • النشوء في بلد متمذهب بمذهب معين • حب الشرف والمال • الجدال والمراء وحب الظهور • حب القرابة والتعصب للأجداد • صعوبة الرجوع إلى الحق لقوله بخلافه • كون المنافس المتكلم بالحق صغير السن أو الشأن • آفات الشيوخ والتلاميذ • علاج التعصب • العواقب الوخيمة للتعصب والبعد عن الحق • عود إلى أسباب التعصب • الاستناد إلى قواعد ظنية • عدم الموضوعية في عرض حجج الخصوم • المنافسة بين الأقران • التباس ما هو من الرأي البحت بشيء من العلوم التي هي مواد الاجتهاد

стр. 33

الأسباب التي تؤدي إلى البعد عن الحق والتعصب واعلم أن سبب الخروج عن دائرة الإنصاف والوقوع في موبقات التعصب كثيرة جدا فمنها النشوء في بلد متمذهب بمذهب معين وهو أكثرها وقوعا وأشدها بلاء أن ينشأ طالب العلم في بلد من البلدان التي قد تمذهب أهلها بمذهب معين واقتدوا بعالم مخصوص وهذا الداء قد طبق في بلاد الإسلام وعم أهلها ولم يخرج عنه إلا أفراد قد يوجد الواحد منهم في المدينة الكبيرة وقد لا يوجد لأن هؤلاء الذين ألفوا هذه المذاهب قد صاروا يعتقدون أنها هي الشريعة وأن ما خرج عنها خارج عن الدين مباين لسبيل المؤمنين ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ فأهل هذا المذهب يعتقدون أن الحق بأيديهم وأن غيرهم على الخطأ والضلال والبدعة وأهل المذهب الآخر يقابلونهم بمثل ذلك والسبب أنهم نشأوا فوجدوا آباءهم وسائر قراباتهم على ذلك ورثة الخلف عن السلف والآخر عن الأول وانضم إلى ذلك قصورهم عن إدراك الحقائق بسبب التغيير الذي ورد عليهم ممن وجدوه قبلهم وإذا وجد فيهم من يعرف الحق فهو لا يستطيع أن ينطق بذلك مع أخص خواصه وأقرب قرابته فضلا عن غيره لما يخافه على نفسه أو على ماله أو على جاهه بحسب اختلاف المقاصد وتباين العزائم الدينية فيحصل من قصورهم مع تغير فطرهم بمن أرشدهم إلى البقاء على ما هم عليه وأنه الحق وخلافه الباطل وسكوت من له فطنة ولدينه عرفان وعنده إنصاف عن

стр. 34

تعليمهم معالم الإنصاف وهدايتهم إلى طرق الحق ما يوجب جمودهم على ما هم عليه واعتقادهم أن الحق مقصور عليه منحصر فيه وأن غيره ليس من الدين ولا هو من الحق فإذا سمع عالما من العلماء يفتى بخلافه أو يعمل على ما لا يوافقه اعتقد أنه من أهل الضلال ومن الدعاة إلى البدعة وهذا إذا عجز عن إنزال الضرر به بيده أو لسانه فإن تمكن من ذلك فعله معتقدا أنه من أعظم ما يتقرب به إلى الله ويدخره في صحائف حسناته ويتأجر الله وهذا معلوم لكل أحد وقد شاهدنا منه مالا يأتي عليه حصر ولا تحيط به عبارة بل قد بلغ هذا المتعصب في معاداة من يخالفه إلى حد يجاوز به عدواته لليهود والنصارى ولو علم المخدوع المغرور بأن سعيه ضلال وعمله وبال وأنه من ﴿الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ لأقصر عن غوايته وأرعوى عن بعض جهله لكنه جهل قدر نفسه وخسران سعيه وتحامي غيره من أهل المعرفة والفهم إرشاده إلى الحق وتنبيهه على فساد ما هو فيه مخافة على نفسه منه وممن يشابهه في ذلك فتعاظم الأمر وعم البلاء وتفاقم الأمر وعم الضرر ولو نظر ذلك المتعصب بعين الإنصاف ورجع إلى عقله وما تقتضيه فطرته الأصلية لكف عن فعله وأقصر عن غيه وجهله ولكنه قد حيل بينه وبين ذاك وفرغ الشيطان منه إلا من عصم الله وقليل ما هم وهكذا صاحب المعرفة وحامل الحجة وثاقب الفهم لو وطن نفسه على الإرشاد وتكلم بكلمة الحق ونصر الله سبحانه ونصر دينه وقام في تبيين ما أمره الله بتبيينه لحمد مسراه وشكر عاقبته وأراه الله سبحانه من بدائع صنعه وعجائب وقايته وصدق ما وعد به من قوله ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾ ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ ما يزيده

стр. 35

ثباتا ويشد من عضده ويقوى قلبه في نصرة الحق ومعاضدة أهله ومن تأمل الأمر كما ينبغي عرف أن كل قائم بحجة الله إذا بينها للناس كما أمره الله وصدع بالحق وضرب بالبدعة في وجه صاحبها وألقم المعتصب حجرا وأوضح له ما شرعه الله لعباده وأنه في تمسكه بمحض الرأي مع وجود البرهان الثالث عن صاحب الشرع كخابط عشواء وراكب العمياء فإن قبل منه ظفر بما وعده رسول الله ﷺ من الأجر في حديث لأن يهدى الله بك رجلا الحديث وإن لم يقبل منه كان قد فعل ما وجب الله عليه وخلص نفسه من كتم العلم الذي أمره الله بإفشائه وخرج من ورطة أن يكون من الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى ودفع الله عنه ما سولته له نفسه الأمارة من الظنون الكاذبة والأوهام الباطلة وانتهى حاله إلى أن يكون كعبه الأعلى وقوله الأرفع ولم يزده ذلك إلا رفعة في الدنيا والآخرة وحظا عند عباد الله وظفرا بما وعد الله به عبادة المتقين وهم وإن أرادوا أن يضعوه بكثرة الأقاويل وتزوير المطاعن وتلفيق العيوب وتواعدوه بإيقاع المكروه به وإنزال الضرر عليه فذلك كله ينتهي إلى خلاف ما قدروه وعكس ما ظنوه وكانت العاقبة للمتقين كما وعد به عبادة المؤمنين ﴿ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله﴾ ولقد تتبعت أحوال كثير من القائمين بالحق المبلغين به كما أمر الله المرشدين إلى الحق فوجدتهم ينالون من حسن الأحدوثة وبعد الصيت وقوة الشهرة وانتشار العلم ونفاق المؤلفات وطيرانها وقبولها في الناس ما لا يبلغه غيرهم ولا يناله من سواهم وسأذكر لك هنا جماعة ممن اشتهرت مذاهبهم وانتشرت أقوالهم وطارت

стр. 36

مصنفاتهم بعدهم وما أصابهم من المحنة ما نالهم كإمام دار الهجرة مالك بن أنس فإنه بلى بخصوم وعاداه ملوك فنشر الله مذهبه في الأقطار واشتهر من أقواله ماملأ الأنجاد والأغوار كذلك الإمام أحمد بن حنبل فإنه وقع له من المحن التي هي منح مما لا يخفى على من له اطلاع وضرب بين يدي المعتصم العباسي ضربا مبرحا وهموا بقتله مرة بعد مرة وسجنوه في الأمكنة المظلمة وكبلوه بالحديد ونوعوا له أنواع العذاب فنشر الله من علومه ما لا يحتاج إلى بيان ولا يفتقر إلى إيضاح وكانت العاقبة له فصار بعد ذلك إمام الدنيا غير مدافع ومرجع أهل العلم غير منازع ودون الناس كلماته وانتفعوا بها وكان يتكلم بالكلمة فتطير في الآفاق فإذا تكلم بالكلمة في رجل بجرح تبعه الناس وبطل علم المجروح وإن تكلم في رجل بتعديل كان هو العدل الذي لا يحتاج بعد تعديله إلى غيره ثم الإمام محمد بن إسماعيل البخاري أصابه من محمد بن يحيى الذهلي

стр. 37

وأتباعه من المحنة ما مات به كمدا ثم جعل الله تعالى كتابه الجامع الصحيح كما ترى أصح كتاب في الدنيا وأشهر مؤلف في الحديث وأجل دفتر من دفاتر الإسلام ثم انظر أحوال من جاء بعد هؤلاء بدهر طويل كابن حزم المغربي فإنه أصيب بمحن عظيمة بسبب ما أظهره من إرشاد الناس إلى الدليل والصدع بالحق وتضعيف علم الرأي حتى أفضى ذلك إلى امتحان الملوك له وإيقاعهم به وتشريده من مواطنه وتحريق مصنفاته ومع ذلك نشر الله من علومه ما صار عند كل فرقة وفي كل بلاد المسلمين وبين ظهراني كل طائفة ثم كذلك شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية أحمد بن عبد الحليم فإنه لما أبان للناس فساد الرأي وأرشدهم إلى التمسك بالدليل وصدع بما أمره الله به ولم يخف في الله لومة لائم قام عليه طوائف من المنتمين إلى العلم المنتحلين له من أهل المناصب وغيرهم فمازالوا يحاولون ويصاولون ويسعون به إلى الملوك ويعقدون له مجالس المناظرة ويفتون تارة بسفك دمه وتارة باعتقاله فنشر الله من فوائده ما لم ينشر بعضه لأحد من معاصريه وترجمه أعداؤه فضلا عن أصدقائه بتراجم لم يتيسر لهم مثلها ولا ما يقارنها لأحد من الذين يتعصبون لهم ويدأبون في نشر فضائلهم

стр. 38

ويطرؤون في إطرائهم وجعل الله له من ارتفاع الصيت وبعد الشهرة ما لم يكن لأحد من أهل عصره حتى اختلف من جاء بعد عصره في شأنه واشتغلوا بأمره فعاداه قوم وخالفهم آخرون والكل معترفون بقدره معظمون له خاضعون لعلومه واشتهر هذا بينهم غاية الاشتهار حتى ذكره المترجمون لهم في تراجمهم فيقولون وكان من المائلين إلى ابن تيمية أو المائلين عنه وهذه الإشارة إنما هي لقصد الإيضاح لك لتعلم بما يصنعه الله لعباده وعلماء دينه وحملة حجته وفي كل عصر من هذا الجنس من تقوم به الحجة على العباد وانظر في أهل قطرنا فإنه لا يخفى عليك حالهم إن كنت ممن له اطلاع علي أخبار الناس وبحث عن أحوالهم كالسيد الإمام محمد بن إبراهيم الوزير فإنه قام داعيا إلى الدليل في ديارنا هذه في وقت غربة وزمان ميل من الناس إلى التقليد وإعراض عن العمل بالبرهان فناله من أهل عصره من المحن ما اشتملت عليه مصنفاته حتى ترسل عليه من ترسل من مشائخه برسالة حاصلها الإنكار عليه لما هو فيه من العمل بالدليل وطرح التقليد وقام عليه كثير من الناس وثلبوه بالنظم والثر ولم يضيره ذلك شيئا بل نشر الله من علومه وأظهر من معارفه ما طار كل مطار ثم جاء بعده مع طول فصل وبعد عهد السيد العلامة الحسن بن أحمد الجلال والعلامة صالح بن مهدي المقبلي فنالا من المحن والعداوة من

стр. 39

أهل عصرهما ما حمل الأول على استقراره في هجرة الجراف منعزلا عن الناس وحمل الثاني على الارتحال إلى الحرم الشريف والاستقرار فيه حتى توفاه الله فيه ومع هذا فنشر الله من علومهم وأظهر مؤلفاتهم ما لم يكن لأحد من أهل عصرهما ما يقاربه فضلا عن أن يساويه ثم كان في العصر الذي قبل عصرنا هذا السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير وله في القيام بحجة الله والإرشاد إليها وتنفير الناس عن العمل بالرأي وترغيبهم إلى علم الرواية ما هو مشهور معروف فعاداه أهل عصره وسعوا به إلى الملوك ولم يتركوا في السعي عليه بما يضره جهدا وطالت بينه وبينهم المصاولة والمقاولة ولم يظفروا منه بطائل ولا نقصوه من جاه ولا مال ورفعه الله عليهم وجعل كلمته العليا ونشر له من المصنفات المطولة والمختصرة ما هو معلوم عند أهل هذه الديار ولم ينتشر لمعاصريه المؤذين له المبالغين في ضرره بحث من المباحث العلمية فضلا عن رسالة فضلا عن مؤلف بسيط فهذه عادة الله في عباده فأعلمها وتيقنها وكان شيخنا السيد العلامة عبد القادر بن أحمد ﵀ من أكثر الناس نشرا للحق وإرشادا له وتلقينا له وهدما لما يخالفه فجعل الله علما

стр. 40

يقتدى به ومرجعا يأوى إليه أهل عصره وأخضع له كل مخالف له واعترف له كل واحد بأنه إمام عصره وعالمه ومجتهده ولم يضره ما كان يناله به المخالفون له من الغيبة التي هي غاية ما يقدرون عليه ونهاية ما يبلعون إليه وإني أخبرك أيها الطالب عن نفسي وعن الحوادث الجارية بيني وبين أهل عصري ليزداد يقينك وتكون على بصيرة فيما أرشدتك إليه اعلم أني كنت عند شروعي في الطلب على الصفة التي ذكرتها لك سابقا ثم كنت بعد التمكن من البحث عن الدليل والنظر في مجاميعه أذكر في مجالس شيوخي ومواقف تدريسهم وعند الاجتماع بأهل العلم ما قد عرفته من ذلك لا سيما عند الكلام في شئ من الرأي مخالف الدليل أو عند ورود قول عالم من أهل العلم قد تمسك بدليل ضعيف وترك الدليل القوي أو أخذ بدليل عام وبعمل خاص أو بمطلق وطرح المقيد أو بمجمل ولم يعرف المبين أو بمنسوخ ولم ينتبه للناسخ أو بأول ولم يعرف بآخر أو بمحض رأي ولم يبلغه أن في تلك المسألة دليلا يتعين عليه العمل به فكنت إذا سمعت بشيء من هذا لا سيما في مواقف المتعصبين ومجامع الجامدين تكلمت بما بلغت إليه مقدرتي وأقل الأحوال أن أقول استدل هذا بكذا وفلان المخالف له بكذا ودليل فلان أرجح لكذا فمازال أسراء التقليد يستنكرون ذلك ويستعظمونه لعدم الفهم به وقبول طبائعهم له حتى ولد ذلك في قلوبهم من العداوة والبغضاء ما الله به عليم ثم كنت إذا فرغت من أخذ فن من الفنون أو مصنف من المصنفات على شيوخي أقبل جماعة من الطلبة إلي وعولوا علي في تدريسهم في ذلك فكان يأخذ أترابي شيئا من الحسد الذي لا يخلو عنه إلا القليل ثم تكاثر الطلبة علي في علوم الاجتهاد وغيرها وأخذوا عني أخذا خاليا عن التعصب سالما من الاعتساف فكنت أقرر لهم دليل كل مسألة وأوضح
следующие страницы →