← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6861

الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه

أبو هلال العسكري

Полный текст (51 стр.). Показаны 36–51 · переход к 41.

стр. 36

وَقَالَ: يشفيني الَّذِي أمرضي. وَحَدَّثَهُمَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، فَأَمَرَ لَهُ الْمَأْمُونُ بِعَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ: لَا أَقْبَلُ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَرْبَةَ مَاءٍ. فَزَادَهِ الْمَأْمُونُ عَشَرَةَ آلافٍ أُخْرَى، فَلَمْ يَقْبَلْهَا، وَقَالَ: لَوْ مَلأْتَ هَذَا الْمَسْجِدَ لي ذَهَبا لم أقبله. وَقَالَ الْمَنْصُورُ بْنُ الْمَهْدِيِّ لِلْمَأْمُونِ: أَيَحْسُنُ بِمِثْلِي أَنْ يَتَعَلَّمَ فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَنْ تَمُوتَ طَالِبًا لِلْعِلْمِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَمَوتَ قَانِعًا بِالْجَهْلِ. وَرُوِيَ أَن أَبَا الْعَبَّاس ابْن سُرَيْجٍ لَمْ يَبِتْ عَلَى فِرَاشِهِ حَتَّى مَاتَ ابْن دَاوُد.

стр. 37

وَحُكِيَ عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يُفَارِقُهُ كِتَابٌ يَدْرُسُهُ، فَإِذَا دَعَاهُ رَجُلٌ إِلَى دَعْوَةٍ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَسِّعَ لَهُ مِقْدَارَ مَسُورَةٍ، يضع فِيهَا كتابا وَيقْرَأ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْخَيَّاطُ النَّحْوِيُّ يَدْرُسُ جَمِيعَ أَوْقَاتِهِ، حَتَّى فِي الطَّرِيقِ، وَكَانَ رُبَّمَا سَقَطَ فِي جَرْفٍ أَوْ خَبَطَتْهِ دَابَّةٌ. وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهِ كَانَ يَشُدُّ فِي وَسَطِهِ خَيْطًا إِذا قَامَ من اللَّيْل يدرس خوفًا أَنْ يَسْقُطَ إِذَا نَعَسَ. وَكَانَ ابْنُ الْفُرَاتِ لَا يَتْرُكُ كُلَّ يَوْمٍ إِذَا أَصْبَحَ أَنْ يَحْفَظَ شَيْئًا وَإِنْ قَلَّ. وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: مَتَى تَبْلُغُ مِنَ الْعِلْمِ مَبْلَغًا يُرْضِي، وَأَنْتَ تُؤْثِرُ النَّوْمَ عَلَى الدَّرْسِ، وَالأكْلَ عَلَى الْقِرَاءَةِ. وَسَأَلَ رَجُلٌ أَبَا حَنِيفَةَ عَمَّا يُورِثُ الْحِفْظَ، فَقَالَ: البرز، البرز

стр. 38

وَنَحْو ذَلِك أَن رجلا قَالَ لسقراط: كَيفَ حفظت هَذَا الْعلم فَقَالَ: أَوْقَدْتُ مِنَ الزَّيْتِ أَكْثَرَ مِمَّا شَرِبْتَ مِنَ الْمَاءِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ: كُنْتُ أَحْضُرُ مَجْلِسَ أَبِي حَازِمٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْغَدَاةِ، من غير أَن يكون درس، لِئَلَّا أنفض عادتي من الْحُضُورِ. وَاشَتَرى أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ لَهُ جَارِيَةً، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ، أَقْبَلَ عَلَى الدَّرْسِ، وَالْجَارِيَةُ تَنْتَظِرُ اجْتِمَاعَهُ مَعَهَا، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَتْ سَارَتْ إِلَى النخاس وَقَالَتْ: حَبَسُونِي مَعَ مَجْنُونٍ. فَبَلَغَ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى قَوْلُهَا، فَقَالَ: الْمَجْنُونُ مَنْ عَرَفَ قَدْرَ الْعِلْمِ ثُمَّ ضَيَّعَهُ، أَوْ تَوَانَى فِيهِ حَتَّى فَاتَهُ.

стр. 39

وَقَالَ بَعْضُ الْكُتَّابِ: كُنَّا إِذَا دَخَلْنَا عَلَى أَبِي الْفَضْلِ بْنِ الْعَمِيدِ، رَأَيْنَا إِلَى جَانِبِهِ فِي مَجْلِسِ الْعَمَلِ زُهَاءَ مِائَةِ مُجَلَّدَةٍ، فَنُنْكِرُ ذَلِكَ، فَفَطِنَ يَوْمًا لإِنْكَارِنَا فَقَالَ: إِنِّي أَحْفَظُ جَمِيعَ مَا فِي هَذِهِ الْكُتُبِ، فَإِذَا اشْتَغَلْتُ بِالْعَمَلِ عَنْ دَرْسِهَا، أَحْضَرْتُهَا عِنْدِي، فَكُلَّمَا نَظَرْتُ إِلَيْهَا ذَكَرْتُ مَحْفُوظِي مِنْهَا، فَقَامَ ذَلِكَ لِي مَقَامَ الدَّرْسِ. ثُمَّ قَالَ لِرَجُلٍ مِنَّا: خُذْ أَيَّهَا شِئْتَ. فَأَخَذَ الرَّجُلُ مِنْهَا كِتَابًا، وَقَالَ: هُوَ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ كذَا. فَابْتَدَأَ أَبُو الْفَضْلِ فَقَرَأَ مِنْ أَوَّلِهِ صَدْرًا، ثُمَّ مِنْ وَسَطِهِ، ثُمَّ مِنْ آخِرِهِ، فَتَحَقَّقَ عِنْدَنَا أَنَّهُ صَدَقَ مَا قَالَ، وَعَجِبْنَا مِنْ حِفْظِهِ وَعِنَايَتِهِ وَحِرْصِهِ. وَكَانَ يَأْخُذُ ابْنَهُ أَبَا الْفَتْحِ كُلَّ يَوْمٍ بِدَرْسِ أَلْفَيْ بَيْتٍ قَبْلَ الْغَدَاءِ. وَكَانَ يَحْفَظُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ أَلْفِ بَيْتٍ. وَكَانَ الأَصْمَعِيُّ يَحْفَظُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَلْفَ أُرْجُوزَةٍ، فِيهَا مَا كَانَ عدد أبياته الْمِائَةَ وَالْمِائَتَيْنِ. وَكَانَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ مِنَ الْمَوْصُوفِينَ بِسُرْعَةِ الْحِفْظِ. وَسَمِعْتُ الشَّيْخَ أَبَا أَحْمَدَ يَقُولُ: دَخَلَ أَبُو عَلِيٍّ عَلَى عِسْلِ بْنِ ذكْوَان مَعَ

стр. 40

جمَاعَة، فأنشدهم عسل: // من مجزوء الْبَسِيط // (هَلْ خَبَّرَ الْقَبْرُ سَائِلِيهِ ... أَمْ قَرَّ عَيْنًا بِزَائِرِيهِ) (أَمْ هَلْ تَرَاهُ أَحَاطَ عِلْمًا ... بِالْجَسَدِ الْمُسْتَكِنِّ فِيهِ) (لَوْ يَعْلَمُ الْقَبْرُ مَنْ يُوَارِي ... تَاهَ عَلَى كُلِّ مَنْ يَلِيهِ) وَهِيَ قَصِيدَةٌ. فَسَأَلُوهُ أَنْ يُمْلِيهَا عَلَيْهِمْ، فَوَعَدَهُمْ، فَأَلَحُّوا عَلَيْهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَلِيٍّ: لَا تكلفوا الشَّيْخ مَا يكرههُ، فَقَامَ فَأَمْلاهَا عَلَيْهِمْ، وَإِذَا هُوَ قَدْ حَفِظَهَا مِنْ لَفْظِهِ. وَكَانَ عِسْلٌ ضَنِينًا بِعِلْمِهِ، وَكَانَ إِذَا رَأَى مُتَعَلِّمًا ذَكِيًّا يَفْهَمُ وَيَحْفَظُ قَالَ: يُعِينُ اللَّهُ وَالْبَلْغَمَ. يُرِيدُ أَنَّ اللَّهَ يَبْلُوهُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا بِمَا يُنَسِّيهِ الْعِلْمَ، وَالْبَلْغَمُ مِمَّا يُنَسِّي. وَذُكِرَ لِي عَنْ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهُ قَالَ: ضَاقَتْ بِي الْحَالُ أَيَّامَ طَلَبِي الْعِلْمَ، فعجزت عَن شِرَاء البرز، فَكُنْتُ أَخْرُجُ بِاللَّيْلِ إِلَى الدَّرْبِ الَّذِي أَنْزِلُهُ، وأرتفق بسراج الحارس، وَكَانَ رُبمَا ينَام الحارس، فَكنت أنوب عَنهُ هَذَا - وَأَبِيكَ - الْحِرْصُ وَالاجْتِهَادُ، لَا جَرْمَ أَنَّهُ صَارَ أَحَدَ أَعْيَانِ الدُّنْيَا الْمُشَارَ إِلَيْهِ فِي الْعِلْمِ وَالْفضل والبراعة والجاه العريض الْبَاقِي عَلَى أَعْقَابِ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ، وَمَنْ طَلَبَ وَجَدَ، إِلا مَا قَلَّ وَشَذَّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لأَبِي هَاشِمٍ: مَا أَحْسَنَ جَمْعَكَ لِمَعَانِي كُتُبِ أبي عَليّ

стр. 41

وَاخْتِصَارَكَ لِكَلامِهِ. فَقَالَ: قَدْ دُسْتُ كُتُبَهُ دَوْسًا، وَأَكَلْتُهَا وَشَرِبْتُهَا دَرْسًا، فَعَرَفْتُهَا ظَهْرًا وَبَطْنًا. قُلْنَا: إِلا مَا كَانَ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَسَائِرِ علومه، فَإِنَّهُ لم يكن لأبي هَاشم فِيهِ تَقَدُّمٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الاجْتِهَادِ لِظَنِّهِ آيَةَ التَّحَدِّي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: (وَسُورَةُ الْبَقَرَةِ عِنْدَهُمْ فِي ظَنِّي مَدَنِيَّةً) ، وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْ مِثْلِ أَبِي هَاشِمٍ، وَآيَاتُ التَّحَدِّي فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ الْقُرْآنِ، وَالأَمْرُ فِي سُورَةِ الَبَقَرَةِ أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يَشُكَّ فِيهِ مُتَعَلِّمٌ فَضَلا عَنْ عَالِمٍ. وَأَمْلَى أَبُو عَلِيٍّ جَمِيعَ كُتُبِهِ مِنْ حِفْظِهِ، وَهِيَ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفِ وَرَقَةٍ، وَمَا رَأَى أَحَدٌ مَعَهُ دَفْتَرًا قَطُّ إِلا فِي أَيَّامِ تَعَلُّمِهِ، وَلَيْسَ فِي بَيْتِهِ إِلا مُصْحَفٌ وَتَقْوِيمٌ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَبْلُغُ هَذَا الْمَبْلَغَ إِلَّا بعد الْجهد الشَّديد والتعب الْكَبِير. وَلَا

стр. 42

نَعْلَمُ أَحَدًا غَيْرَ أَبِي عَلِيٍّ أَمْلَى تَفْسِيرَ الْقُرْآنِ إِمْلاءً مِنْ حِفْظِهِ إِلا مَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا مُضَرٍ أَمْلَى تَفْسِيرَهُ فِي أَرْبَعِينَ صَبَاحًا وَهُوَ تَفْسِيرٌ صَغِيرُ الْحَجْمِ لَا يُقَاسُ بِتَفْسِيرِ أَبِي عَلِيٍّ، وَكَانَ أَبُو عَلِيٍّ يُمْلِيهِ وَفِي يَدِهِ الْمُصْحَفُ فَقَطْ، وَلا يَسْتَعِينُ عَلَيْهِ بِكِتَاب. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو هِلالٍ: وَعِنْدَ الْحُكَمَاءِ أَنَّ مَنْ تَبَرَّمَ بِالْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ، وَمَنْ يَقْدِرُ عَلَى حِفْظِ الْعِلْمِ وَالأَدَبِ وَهُوَ مُقَصِّرٌ فِيهِ فَلَيْسَ بِإِنْسَانٍ كَامِلٍ، وَالْكَامِلُ مِنَ النَّاسِ مَنْ عَرَفَ فَضْلَ الْعِلْمِ، ثُمَّ إِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ طَلَبَهُ. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلا قَالَ لِخَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ: مَا لِي إِذَا رَأَيْتُكُمْ تُذَاكِرُونَ الأَخْبَارَ وَتُدَارِسُونَ الآثَارَ وَتُنَاشِدُونَ الأَشْعَارَ وَقَعَ عَلَيَّ النَّوْمُ فَقَالَ: لَا نك حِمَارٌ فِي مِسْلاخِ إِنْسَانٍ. وَخَرَجَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ حَاجًّا وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّه بْنُ جَعْفَرٍ، فَكَانَا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ يَلْعَبَانِ بِالشِّطْرَنْجِ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ رجل من ثقبف، فَأَذِنَ لَهُ وَسَتَرَ الشِّطْرَنْجَ بِمِنْدِيلٍ، فَلَمَّا دَخَلَ الرَّجُلُ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: أَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ

стр. 43

قَالَ: لَا، يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، شغلني عَنْهُ أَمَورٌ وَهَنَاتٌ. قَالَ: أَفَتَعْرِفُ شَيْئًا مِنَ الْفِقْهِ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَرَوَيْتَ مِنَ الشِّعْرِ مَا تُذَاكِرُ بِهِ قَالَ: لَا. قَالَ: أَفَعَلِمْتَ مِنْ أَيَّامِ الْعَرَبِ وَأَخْبَارِهَا مَا تُزَيِّنُ بِهِ مجالسك قَالَ: لَا. قَالَ: فكشف المنديل عَن الشطرنج وَقَالَ: شاهك، فَلَيْسَ مَعنا أحد. وَفِي كتاب للهند إِنَّ الْعَالِمَ إِذَا اغْتَرَبَ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْعلم مَا يَكْفِيهِ كَمَا الْأسد مَعَه من قوته مَا يعِيش بِهِ حَيْثُ مَا تَوَجَّهَ. وَفِي الْحَدِيثِ: الْعُلَمَاءُ فِي الأَرْضِ مِثْلُ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ. وَمِنْ فَضْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُحِبُّ أَنَّ لَهُ بِحَظِّهِ مِنْهُ خطرا. وَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵀: وَجَدْتُ عَامَّةَ عِلْمِ رَسُولِ اللَّه ﷺ عِنْدَ هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ، إِن كنت لأقيل بِبَابِ أَحَدِهِمْ، وَلَوْ شِئْتُ لأَذِنَ لِي، وَلَكِنْ ابْتغِي بذلك طيب نَفسه. وَقَالَ الْحسن ﵀: مَنْ تَرَكَ طَلَبَ الْعِلْمِ حَيَاءً، أَلْبَسَهُ الْجَهْلُ

стр. 44

سِرْبَالَهُ، وَمَنْ رَقَّ وَجْهُهُ رَقَّ عِلْمُهُ. وَقَالَ الْخَلِيل ﵀: منزلَة الْجَهْل بَين الْحيَاء والأنفة. قَالَ أَبُو هِلالٍ: وَجَعَلَ الْحُكَمَاءُ مَنْزِلَةَ الْعُلَمَاءِ مِثْلَ مَنْزِلَةِ الْمُلُوكِ. فَقَالُوا: مِنْ أَدَبِ الدَّاخِلِ على العلام أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ عَامَّةً، وَيَخُصَّهُ بِالتَّحِيَّةِ، وَيَجْلِسَ قُدَّامِهِ، وَلا يُشِيرَ بِيَدِهِ، وَلا يَغْمِزَ بِعَيْنِهِ، وَلا يَقُولَ بِخِلافِ قَوْلِهِ، وَلا يَغْتَابَ عِنْدَهُ أحدا، وَلا يسَار فِي مَجْلِسِهِ، وَلا يُلِحَّ عَلَيْهِ إِذَا كَسِلَ، وَلا يَعْرِضَ عَنْ كَلامِهِ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلَةِ، لَا يَزَالُ يَسْقُطُ عَلَيْكَ مِنْهَا شَيْءٌ ينَفْعُكَ. وَذَكَرَ أَحْمَدُ بْنُ اسحق الْحَلَبِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ سَيَّارٍ الْمَنْبِجِيَّ يَقُول: سَمِعت مَالك بن أنس ﵀: يَقُول: وَجه إِلَيّ هَارُون الرشيد يسألني أَنْ أُحَدِّثَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْعِلْمَ يُؤْتَى وَلا يَأْتِي قَالَ: فَصَارَ إِلَى مَنْزِلِي فَاسْتَنَدَ مَعِي إِلَى الْجِدَارِ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ مِنْ إِجْلالِ اللَّهِ إِجْلالَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، قَالَ: فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيَّ، قَالَ: فَقَالَ لي بَعْدَ مُدَّةٍ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، تَوَاضَعْنَا لِعِلْمِكَ فَانْتَفَعْنَا بِهِ، وَتَوَاضَعَ لَنَا عِلْمُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، فَلَمْ نَنْتَفِعْ بِهِ. وَكَانَ سُفْيَانُ يَأْتِيهم إِلَى بُيُوتِهِمْ فَيُحَدِّثُهُمْ وَيَأْخُذُ دَرَاهِمَهُمْ. حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الزَّعْفَرَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي

стр. 45

خَيْثَمَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا حَمْدَانُ ابْن الأَصْفَهَانِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ شَرِيكٍ، فَأَتَاهُ بَعْضُ وَلَدِ الْمَهْدِيِّ، فَاسْتَنَدَ إِلَى الْحَائِطِ، فَسَأَلَهُ عَنْ حَدِيث، فَلم يلْتَفت إِلَيْهِ، وَأَقْبل علينا ثمَّ عَاد فعلا بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقَالُوا: أَتَسْتَخِفُّ بِأَوْلادِ الْخُلَفَاءِ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الْعِلْمَ أَجَلُّ عِنْدَ أَهْلِهِ مِنْ أَن يضيعوه، قَالَ: فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ سَأَلَهُ، فَقَالَ شَرِيكٌ: هَكَذَا يُطْلَبُ الْعِلْمُ. وَحَدَّثَنَا الشَّيُّخ أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الجلودي، حَدثنَا الْمُغيرَة بن مُحَمَّد، حَدثنَا عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ حَامِدٍ عَنِ الْمَدَائِنِيِّ، قَالَ: خرج الْمَنْصُور يَوْمًا من بَاب الْمَذْهَب فَقَامَ الْقُوَّادُ وَالْحَرَسُ وَالشُّرَطُ وَفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ قَاعِدٌ لَمْ يَقُمْ، فَقَالَ لَهُ: لِمَ لَمْ تَقُمْ كَمَا قَامَ النَّاسُ قَالَ: كَرِهْتُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللَّهُ لِمَ فَعَلْتَ، وَيَسْأَلَكَ لِمَ قُلْتَ، وَقَدْ كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ، فَعَذَرَهُ الْمَنْصُورُ. وَمِثْلُ ذَلِكَ أَنَّ الرشيد جمع الْفُقَهَاء فَاجْتمعُوا فِي ذَلِك، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَامُوا لَهُ إِلا مُحَمَّدَ بن الْحسن، فَلَمَّا دخل استدعاه، فَشَمتَ بِهِ بَعْضُ أَعْدَائِهِ، فَلَمَّا رَآهُ الرَّشِيدُ قَالَ: لم لم تقم لي كَمَا قَامَ أَصْحَابُكَ

стр. 46

فَقَالَ: إِنَّكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْزَلْتَنِي مَنْزِلَةَ الْعَالِمِ، وَمَا كُنْتُ لأُنْزِلَ نَفْسِي مَنْزِلَةَ الْخَادِمِ. فَقَالَ لَهُ: أَحْسَنْتَ، وَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأََلَةٍ فِي السِّيرَةِ، فَأَجَابَ عَنْهَا، فَأَمَرَ لَهُ بِحَمْلِ عَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ: فَرِّقْهَا فِي أَصْحَابِكَ. قَالَ: فَخرج مَسْرُورا وَالْمَال بَين يَدَيْهِ فانحر مَنْ كَانَ شَمِتَ بِهِ وَحَسَدَهُ. قَالَ أَبُو هِلالٍ: وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَنَالَ مِثْلَ هَذِهِ الْمنزلَة بالفتور والهوينا فقد غر نَفسه. وَذَكَرَ بَعْضُ الشُّيُوخِ أَنَّ أَبَا تَمَّامٍ الطَّائِيَّ قَصَدَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ بَعْضَ رُؤَسَاءِ الشَّامِ، فأنشده قصيدة من درج، فانسر بهَا الرَّئِيسُ ثُمَّ نَظَرَ إِلَى التَّرْجَمَةِ فَإِذَا حَبِيبُ بن ابْن أَوْسٍ الطَّائِيُّ، فَقَالَ لَهُ: أَقَلُّ مَا يَنْبَغِي لِلشَّاعِرِ أَنْ يَعْرِفَ شُعَرَاءَ قَبِيلَتِهِ، فَكَمْ مِنْ طَيِّءٍ شَاعِرٍ فَقَالَ: كَذَا وَكَذَا شَاعِرًا مَشْهُورًا ومغمورا وأنشدهم قَصَائِدَ وَمَقَاطِعَ، ثُمَّ أَنْشَدَ بَعْضَهَا مَقْلُوبًا، فَعَجِبَ الرَّئِيسُ مِنْ حِفْظِهِ وَذَكَائِهِ وَقَدَمِهِ، وَقَالَ: كَيْفَ تمكنت من حفظ مَا أرى فَقَالَ: أفادنيه الطّلب وحفظنيه السهر، فَعظم فِي عينه وَأَجَازَهُ. قَالَ أَبُو هِلالٍ: وَنِعْمَ الْمُعَلِّمُ الدَّرْسُ، وَنِعْمَ الْمعِين السهر، وَنعم الدَّلِيل السراج، وَنعم الْقَائِد اللَّيْل، وَنعم الْمُذكر الْكِتَابُ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: (فَلْيَجْتَهِدْ رَجُلٌ فِي الْعِلْمِ يَطْلُبهُ ... كي لَا يكون شَبيه الشَّاء وَالْبَقر) وَالْجهل شَبيه بِالْعَمَى، وَهُوَ مَعْنًى قَدِيمٌ، وَقَدْ جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ. وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: لِمَ لَا تُعَاتِبُونَ الْجُهَّال

стр. 47

قَالَ: لأَنا لَا نؤمل من العميان أَنْ يُبْصِرُوا. قُلْنَا: وَلا يَظْهَرُ فَضْلُ الْعِلْمِ لمن لَا عقل لَهُ، كَمَا لَا تبين الشَّمْسُ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ بَصَرٌ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بن يزِيد: نمى إِلَيَّ أَنَّ الْخَلِيلَ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ فَلا يَشْعُرُ إِلا وَهُوَ فِي الصَّحَرَاءِ وَلَمْ يردهَا، من شغفه بالفكر. وَيدخل الدَّاخِل إِلَى أبي تَمام الشَّاعِر وَهُوَ يَعْمَلُ الشِّعْرَ فَلا يَشْعُرُ بِهِ. وَقَالَتِ امْرَأَةُ الْخَلِيلِ لِلْخَلِيلِ: لَا أَرَاكَ تَجْلِسُ عِنْدِي كثيران قَالَ: وَمَا أَصْنَعُ بِكِ، أَنْتِ تَجِلِّينَ عَنْ دقيقي، وَأَنا أدق من جَلِيلِكِ. وَكَانَ الْخَلِيلُ يَقُولُ: أَثْقَلُ سَاعَاتٍ عَلَيَّ سَاعَة آكل فِيهَا. وَرَأى معلم مُحَمَّد بن دَاوُد ابْن الْجَرَّاحِ عَلَى دَفْتَرٍ لَهُ دَمًا فَسَأَلَهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنِّي كنت عَلَى السِّرَاجِ أَدْرُسُ فِي اللَّيَالِي الْحَارَّةِ فَأَرْعُفُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا تَطْلُبُ الْعِلْمَ لِنَفْسِكَ، فَإِذَا أتفلت نَفْسَكَ فَمَا يَنْفَعُكَ عِلْمُكَ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بن عبد الْعَزِيز: إِنَّ نَفْسِي مَطِيَّتِي فَإِذَا حَمَلْتُ عَلَيْهَا خَسِرْتُهَا، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ: قَالَ بَعْضُ الأَوَائِلِ: إِنْ لَمْ تَصْبِرْ عَلَى تَعَبِ الْعِلْمِ صَبَرْتَ عَلَى شِفَاء الْجَهْل، فَقَالَ: الْعلم، صَدَقَ هَذَا الْقَائِلُ، وَلَكِنْ تَجَاوُزُ الاعْتِدَالِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ رُبَّمَا أَدَّى إِلَى تَضْيِيعِهِ. قَالَ أَبُو هِلالٍ: وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : أَلا إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ

стр. 48

بِرِفْقٍ، فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلا ظَهْرًا أَبْقَى) . وَالْعَرَبُ تَقُولُ: شَرُّ السَّيْرِ الْحَقْحَقَةُ، وَهِيَ شِدَّةُ السَّيْرِ. وَقَالَ الشَّاعِرُ: (تَقْطَعُ بِالنُّزُولِ الأَرْض عَنَّا ... وَطول الأَرْض تقطعه النُّزُولُ) يُرِيدُ إِنَّكَ إِذَا نَزَلْتَ وَسِرْتَ بَلَغْتَ الْقَصْد، وَإِنْ وَاصَلْتَ السَّيْرَ قَطَعَ بِكَ. قُلْنَا: فَخَرَجَ مُحَمَّد (ابْن دَاوُد) أَبْرَعَ النَّاسِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِفْظِ، وَكَانَ يَقْرَأُ عَلَى بَعْضِ الشُّيُوخِ خَبَرَ إِسْلامِ أَبِي ذَرٍّ فَانْتهى إِلَى أَرْبَعُ وَرَقَاتٍ مِنْ أَصْلِ الشَّيْخِ فَقَالَ: اقْرَأْهَا عَلَيَّ فَقَرَأَهَا، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ: اسْمَعْهَا مِنِّي الآنَ، فَإِذَا هُوَ قَدْ حَفِظَهَا مِنْ لَفْظِهِ. وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ سَهْلٍ عَمِلَ قَصِيدَةً اسْتَحْسَنَهَا النَّاسُ وَكَتَبُوهَا، وَكَتَمَهَا الْحَسَنُ مُحَمَّدًا مَخَافَةَ أَنْ يعيب مِنْهَا شَيْئا، وَكَانَ مُحَمَّدٌ نَاقِدًا لِلشِّعْرِ حَسَنَ الْمَعْرِفَةِ بِهِ، فَالْتَقَيَا فِي الْجَامِعِ، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ: إِنْ لَمْ تَكْتُبْنِي قَصِيدَتَكَ هَذِهِ الْغَرَاءَ فَأَنْشِدْنِيهَا مَرَّةً وَاحِدَة، فأنشده إِيَّاهَا، فَقَالَ لَهُ مُحَمَّد: وفقت وَالله ( ...

стр. 49

) من ألْقى وَرَقَةٍ بِخَطٍّ دَقِيقٍ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَحْفَظُ من اللُّغَة مَا لم يحفظه أحد فِي زَمَانه وَلَا يعده إِلَى وَقْتِنَا هَذَا، وَهَذَا جَمِيعُ كُتُبِهِ فِي اللُّغَة: الجمهرة والاشتقاق وَغَيْرُهُمَا، مِنْ حِفْظِهِ وَمَا رَأَى أَحَدٌ مَعَهُ كِتَابًا قَطُّ، وَلَهُ مِنَ الشِّعْرِ مَا لَيْسَ لعالم قبله، وَكَانَ مَعَ ذَلِك يستحضر علمه ويحضر نَفسه. وَذكر لي بَعْضَ غِلْمَانِهِ - ابْنِ بِسْطَامَ أَوْ غَيْرِهِ - تَطَاوَلَ عَلَى رَجُلٍ فَزَجَرَهُ، وَقَالَ: مَا الَّذِي يَعْجِبُكَ من نَفْسِكَ أَوْ يَعْجِبُكَ مِنِّي إِنَّ جَمِيعَ مَا يحفظه وَأكْثر مِنْهُ يَحْفَظُهُ رَاعٍ مِنْ رُعَاةِ الْعَرَبِ. وَوَرَدَ عَسْكَرَ مُكْرَمٍ فَقَادَ إِلَيْهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيُّ فَرَسًا بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَرَادَ الرَّحِيلَ إِلَى مَدِينَةِ السَّلامِ، حَمَلَ إِلَيْهِ مِائَةَ دِينَار وأنشده: (وهون جدي إِن الْفِرَاق بَيْنََنَا ... فِرَاقُ حَيَاةٍ لَا فِرَاقُ مَمَاتٍ) فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: يَا أَبَا الْفَضْلِ، اجْتَهِدْ وَاطْلُبْ وَاسْهَرْ وَلا تَدَعْ أَحَدًا يَسْبِقُكَ فِي علمك وَلَو تشق نَفْسِكَ، فَإِنَّ الرَّفِيعَ مَنْ كَانَ ذَا سُلْطَانٍ أَوْ ذَا عِلْمٍ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَحدهمَا تَركه النَّاس، وَرَأى أَعْقَابهم. وَنحن نقُول: إِن صَاحب السُّلْطَان إِذا نظر حق النّظر، لم يمنح سُلْطَانه عوضا عَن الْعلم، فَإِن عز صَاحِبَ السُّلْطَانِ إِنَّمَا يَدُومُ لَهُ مَا دَامَ فِي سُلْطَانِهِ، فَإِذَا زَالَ عَنْهُ ذلَّ، وَعِزُّ الْعَالم يَدُوم لَهُ فِي حَيَاته وَبعد وَفَاته، وَلِهَذَا كَانَ فُضَلاءُ السَّلاطِينِ

стр. 50

يجتهدون فِي طلب الْعلم مَعَ كَثْرَة أشغالهم ولانغماسهم فِي الدُّنْيَا. وَحَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ غَيْرَ مَرَّةٍ قَالَ: لَمَّا فَارَقْتُ أَبَا الْفَضْلِ الْحُسَيْنَ بْنَ الْعَمِيدِ وَكَانَ بِالرَّيِّ مُبَادِرًا نَحْوَ عَسْكَرِ مُكْرَمٍ لأَمْرٍ حَدَثَ فِي أَهْلِي وَاجْتَزْتُ بِأَصْبَهَانَ اغتنمني الصاحب ابْن عباد، أَبُو الْقَاسِم، وسألني الْمقَام عَلَيْهِ، فَذكر لَهُ الْأَمر الَّذِي من أَجله فَارَقت حَضْرَة أبي الْفَصْل والضرورة الَّتِي دعت إِلَى المسارعة نَحْو الْوَطَنِ، فَأَبَى أَنْ يَعْذُرَنِي فِي الْخُرُوجِ عَنْهُ، وَأَخْبَرَ مُؤَيِّدَ الدَّوْلَةِ بَخَبَرِي وَعَرَّفَهُ صِدْقَ حَاجَتِهِ إِلَى الاسْتِكْثَارِ مِنِّي، فَأَمَرَ فَنُودِيَ بِأَصْبَهَانَ: بَرِئَتِ الذِّمَّة من رفقه تخرج إِلَى خُوزَستَانَ مُدَّةَ سَنَةٍ، فَاجْتَمَعَ تُجَّارُ الْعَسْكَرِ وَغَيْرُهُمْ إِلَيَّ، وَسَأَلُونِي إِجَابَتَهُ إِلَى الْمُقَامِ مَعَهُ الْقَدْرَ الَّذِي أُرِيدُهُ، لِيُفْسِحَ لَهُمْ فِي الْخُرُوجِ وَالتَّصَرُّفِ فِي أُمُورِهِمْ، فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنْ ذَلِكَ، فَأَقَمْتُ مَعَهُ حَتَّى قَرَأَ كِتَابَ الْجَمْهَرَةِ وَكتاب الِاشْتِقَاق وأمالي ابْنِ دُرَيْدٍ وَغَيْرَهَا، وَعَمِلْتُ لَهُ كِتَابَ أَقْسَامِ الْعَرَبِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، وَأَنَا شَاكِرٌ لَهُ ذَاكِرٌ بره. قَالَ أَبُو هِلَال: وَلَو أَن الْجَاهِل بَين نقيصة الْجَهْل من نَفسه لفزع إِلَى. . فِي التَّعَلُّمِ وَلَكِنَّهُ كَآكِلِ الثُّومِ، لَا يَشُمُّ من نَفسه مِنْهُ، وَإِنَّمَا يَشُمُّهُ غَيْرُهُ وَيَتَأَذَّى بِهِ سِوَاهُ، وَالْفَضِيحَةُ بِالْجَهْلِ عَظِيمَةٌ، وَالْغَبْنُ بِهِ كَثِيرٌ لَوْ عَرَفَهُ الْجَاهُلُ وَلا يَرْضَى بِالْجَهْلِ إِلا مَنْ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفسه فَلَا يُبَالِي أَن يهجى ويستخلف بِهِ وَيُسْخَرَ مِنْهُ وَأَدْنَى حَقِّهِ مِنْهُ ذَلِكَ، وَمن أكرمة إِلَّا عِنْد ضَرُورَة فقد وضع الْإِكْرَام فِي غَيره مَوْضِعه.

стр. 51

وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: ثَنَا أَبُو عَليّ عسل، ثَنَا أَبُو حَاتِم، ثَنَا الأَصْمَعِيُّ قَالَ: أَذِنَ هِشَامٌ إِذْنًا عَامًّا، فَدَخَلَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَقَضَى حَاجَتَهُمْ، فَلَمَّا ظهر أَن مَجْلِسه قد خَلا مِنْهُمْ، أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ، فَقَالَ: مَنِ الَّذِي يَقُول: // من المتقارب //. (أَخَذْنَ الْقُرُونَ فَعَكَفْنَهَا ... كَعَكْفِ الْعَسِيفِ غَرَابِيبَ مِيلا) قَالَ: فَسَكَتَ الْقَوْمُ، وَقَدْ تَخَلَّفَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ فِي حَاجَةٍ لَهُ كَالمُخْتَفِي، فَقَالَ: للَّذي يَلِيهِ: قل امْرُؤ الْقَيْس، فقلا: مَا يَعْنِي فَقَالَ الرجل يلقنه: قل الْفَرْع، فَقَالَ: الْفَرْع. فَضَحِك هِشَام وَجعل يضْرب رجله، فَقَالَ لِلْعِرَاقِيِّ: أَهَكَذَا هُوَ قَالَ: لَا، قَالَ: فَلِمَنِ الشِّعَرُ قَالَ: لِكُثَيرٍ، قَالَ: يَصِفُ مَاذَا قَالَ: يَصِفُ شُعُورَ النِّسَاءَ، فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا قَالَ: تَدَنِّي هَؤُلاءِ وَتَقَصِّينَا، وَهَذَا يَقُوله كثير يصف أَخذ النِّسَاء ضفايرهن ووضعهن كَمَا يعْمل عسيف بِالْعِنَبِ إِذَا علقَ عَنَاقِيدَهُ، وَشَبَّهَ الْعَنَاقِيدَ بِالْغَرَابِيبِ السَّودِ، قَالَ: فَقَضَى حَاجَتَهُ وَأَجَازَهُ. فَانْظُرْ كَيْفَ يسخر الْعرَاق مِنَ الشَّامِيِّ لَمَّا تَبَيَّنَ مِنْ جَهْلِهِ، وَكَيْفَ رَأْيَ الْخَلِيفَةِ فِي إِدْنَاءِ الْجُهَّالِ وَإِقْصَاءِ الْعُلَمَاءِ، ولعمري إِن ذَلِك لسبة. أعلانا الله وَإِيَّاك مِنَ الْجَهْلِ وَالرِّضَى بِهِ، وَتَقْرِيبِ أَهْلِهِ وَاسْتِحْسَانِ حَالهم مِنْهُ، وَنَفَعَنَا بِمَا عَلِمْنَا وَجَعَلَهُ حُجَّةً لَنَا لَا علينا. وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته .