Полный текст (3 465 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ: سَيَقُولُ بِلَفْظِ الِاسْتِقْبَالِ لِتَقَدّمِ الْعِلْمِ الْقَدِيمِ بِأَنّهُمْ سَيَقُولُونَ ذَلِكَ، أَيْ: لَمْ آمُرْكُمْ بِتَحْوِيلِهَا إلّا وَقَدْ عَلِمْت أَنْ سَيَقُولُونَ مَا قَالُوهُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ، قِصّةَ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فَوَائِدُ فِي مَعْنَى تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، فَلْتُنْظَرْ هُنَالِكَ «١» وَأَنْشَدَ فِي تَفْسِيرِ الشّطْرِ بَيْتَ ابْنِ أَحْمَرَ:
تَعْدُو بِنَا شَطْرَ جَمْعٍ وَهِيَ عَاقِدَةٌ ... قَدْ قَارَبَ الْعِقْدَ مِنْ إيفَادِهَا الْحَقَبَا
وَأَلْفَيْت فِي حَاشِيَةِ الشّيْخِ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ مَا هَذَا نَصّهُ. قَالَ مِنْ إيفَادِهَا:
مِنْ إشْرَافِهَا، كَذَا قَالَ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَرْقِيّ، وَقَالَ كَارَبَ مَوْضِعَ قَارَبَ، وَوَقَعَ فِي شعر ابن أحمر:
تعدو بِنَا عُرْضَ جَمْعٍ وَهِيَ مُوقِدَةٌ ... قَدْ قَارَبَ الْغَرْضُ مِنْ إيفَادِهَا الْحَقَبَا
تَعْدُو: مِنْ الْعَدْوِ بِنَا وَبِرَحْلِي: يَعْنِي غُلَامَهُ. عُرْضَ جَمْعٍ: يَعْنِي مَكّةَ، وَعَرْضُ أَحَبّ إلَيّ، وَعُرْضُ: كَثْرَةُ النّاسِ، عن الأصمعى، وموفدة، أى:
الحواشي
(١) يقول البيضاوى: وفائدة تقديم الإخبار به: توطين النفس وإعداد الجواب.стр. 1752
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُشْرِفَةٌ. أَوْفَدَ: إذَا أَشْرَفَ، وَرَوَى غَيْرُهُ: وَهِيَ عَاقِدَةٌ، يُرِيدُ عُنُقَهَا لَاوِيَتَهَا «١» وَالْغَرْضُ: الْبِطَانُ وَهُوَ حِزَامُ الرّحْلِ. مِنْ إيفَادِهَا، أَيْ إشْرَافِهَا، وَقَدْ اقْتَادَتْ:
نَصَبَتْ عُنُقَهَا وَعَصَرَتْ بِذَنَبِهَا وَتَخَامَصَتْ بِبَطْنِهَا فَقَرُبَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَرْضِ وَالْحَقَبِ مِنْ صَاحِبَهُ بِذَلِكَ. هُنَا انْتَهَى مَا كَتَبَهُ الشّيْخُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ وَأَوْرَدْته وَقَبْلَ الْبَيْتِ:
أَنْشَأْت أَسْأَلُهُ عَنْ حَالِ رُفْقَتِهِ ... فَقَالَ: حَيّ فَإِنّ الرّكْبَ قَدْ نَصَبَا «٢»
مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي بَنِي قَيْنُقَاعِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَا أَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ فِي بَنِي قَيْنُقَاعِ، وَقَوْلَهُمْ لِلنّبِيّ ﷺ : لَوْ حَارَبْتنَا، لَعَلِمْت أَنّا نَحْنُ النّاسُ: قُلْ: لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ إلَى قوله: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ فَمَنْ قَرَأَهُ: يَرَوْنَهُمْ بِالْيَاءِ، فَمَعْنَاهُ أَنّ الْكُفّارَ يَرَوْنَ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانُوا أَقَلّ مِنْهُمْ لَمّا كَثّرَهُمْ بِالْمَلَائِكَةِ. فَإِنْ قِيلَ: وَكَيْفَ وَهُوَ يَقُولُ فِي آيَةٍ أُخْرَى: وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ قيل: كان هذا قبل القتال عند ما حزر الكفار المؤمنين، فرأوهم
الحواشي
(١) فى اللسان: ناقة عاقد: تعقد بذنبها عند اللقاح، وظبى عاقد: واضع عنقه على عجزه قد عطفه للنوم. وفى شرح السيرة لأبى ذر الخشنى: ناقة عاقد: إذا عقدت ذنبها بين فخذيها فى أول ما تحمل.(٢) فى اللسان:
أنشأت أسأله ما بال رفقته ... حى الحمول، فإن الركب قد ذهب
وحى: حث ودعاء.стр. 1753
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَلِيلًا، فَتَجَاسَرُوا عَلَيْهِمْ ثُمّ أَمَدّهُمْ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ، فَرَأَوْهُمْ، كَثِيرًا فَانْهَزَمُوا، وَقِيلَ: إنّ الْهَاءَ فِي يَرَوْنَهُمْ عَائِدَةٌ عَلَى الْكُفّارِ، وَإِنّ الْمُؤْمِنِينَ رَأَوْهُمْ مِثْلَيْهِمْ، وَكَانُوا ثَلَاثَةَ أَمْثَالِهِمْ، فَقَلّلَهُمْ فِي عُيُونِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمّا مَنْ قَرَأَهَا بِالتّاءِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِلْيَهُودِ، أَيْ تَرَوْنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَيْ الْمُؤْمِنِينَ، وَذَلِكَ أَنّهُمْ كَانُوا أَلْفًا، فَانْخَذَلَ عَنْهُمْ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ بِبَنِي زُهْرَةَ، فَصَارُوا سَبْعَمِائَةٍ أَوْ نَحْوَهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ لِلْمُشْرِكِينَ، أَيْ: تَرَوْنَ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلَيْهِمْ، حِينَ أَمَدّهُمْ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ فَيَعُودُ الْكَلَامُ إلَى الْمَعْنَى الْأَوّلِ الّذِي قَدّمْنَاهُ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ. وَفِي الْآيَةِ تَخْلِيطٌ عَنْ الْفَرّاءِ أَضَرَبْنَا عَنْ ذِكْرِهِ «١» ، وَجُلّ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا مَذْكُورٌ فِي التّفَاسِيرِ بِأَلْفَاظِ مُخْتَلِفَةٍ.
وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي الرّبّانِيّينَ أَنّهُمْ الْعُلَمَاءُ الْفُقَهَاءُ السّادَةُ وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ: الرّبّانِيّونَ الّذِينَ يُرَبّونَ النّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ، وَقِيلَ نُسِبُوا إلَى عِلْمِ الرّبّ وَالْفِقْهِ فِيمَا أَنْزَلَ وَزِيدَتْ فِيهِ الْأَلِفُ وَالنّونُ لتفخيم الاسم، وأنشد ابن هشام:
الحواشي
(١) ذكر الفراء هذا فى كتابه معانى القرآن ص ١٩٤ ح ١ ط دار الكتب. وقد خطأ القرطبى الفراء فى قوله إن معنى أحتاج إلى مثله أنك محتاج إليه وإلى مثله قال القرطبى عن هذا إنه بعيد غير معروف فى اللغة. هذا وقد قرأ نافع ويعقوب: ترونهم. والباقون بالياء. وإذا كان الخطاب لليهود، فيحتمل أن تكون الإشارة إلى وقائع أخرى حدثت لبنى إسرائيل مثل قصة طالوت مع جالوت ... وقيل: إن الرائين والمرئيين هم المقاتلون فى سبيل الله فالمعنى أنهم يرون أنفسهم مثلى ما هم عليه عددا.стр. 1754
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لَوْ كُنْت مُرْتَهَنًا فِي الْقَوْسِ أَفْتَنَنِي ... مِنْهَا الْكَلَامُ وَرَبّانِيّ أَحْبَارِ
وَقَالَ: الْقَوْسُ: الصّوْمَعَةُ، وَمِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ: أَنَا بِالْقَوْسِ وَأَنْتَ بِالْقَرْقُوسِ «١» ، فَكَيْفَ نَجْتَمِعُ؟ وَقَالَ فِي أَفَتْنَنِي: هِيَ لُغَةُ تَمِيمٍ، وَفَرّقَ سِيبَوَيْهِ بَيْنَ فَتَنْته وَأَفْتَنْتُهُ، وَجَعَلَهُ مِنْ قَوْلِ الْخَلِيلِ، قَالَ أَفْتَنْتُهُ: صَيّرْته مُفْتَتِنًا أَوْ نَحْوَ هَذَا، وَفَتَنْته، جَعَلْت فِيهِ فِتْنَةً «٢» ، كَمَا تَقُولُ: كَحّلْته جَعَلْت فِي عَيْنَيْهِ كُحْلًا، وَمَآلُ هَذَا الْفَرْقِ إلَى أَنّ فِتْنَتَهُ صَرَفَتْهُ، فَجَاءَ عَلَى وَزْنِهِ، لِأَنّ الْمَفْتُونَ مَصْرُوفٌ عَنْ حَقّ، وَأَفْتَنْتُهُ بِمَعْنَى أَضْلَلْته وَأَغْوَيْته، فَجَاءَ عَلَى وَزْنِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَأَمّا فَتَنْت الْحَدِيدَةَ فِي النّارِ، فَعَلَى وَزْنِ فَعَلْت، لَا غَيْرَ؛ لِأَنّهَا فِي مَعْنَى:
خَبِرْتهَا، وَبَلَوْتهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ «٣» .
الحواشي
(١) القرقوس: القاع الأملس الغليظ الأجرد الذى ليس عليه شىء ... وقد سبق الكلام عن هذا فى الجزء الأول. ويرى سيبويه أن العرب زادوا ألفا ونونا فى الربانى، لأنهم أرادوا تخصيصه بعلم الرب دون غيره، كأن معناه صاحب علم بالرب دون غيره من العلوم، وهو كما يقال: رجل شعرانى ولحيانى ورقبانى إذا خص بكثرة الشعر وطول اللحية، وغلظ الرقبة، فاذا نسبوا إلى الشعر قالوا: شعرى، وإلى الرقبة قالوا: رقبى، وإلى اللحية: لحيى. أقول: وأحسن ما قيل فى تعريفه. العالم العامل المعلم.(٢) وفى اللسان أيضا: فتن الرجل بالمرأة، وافتتن، وأهل الحجاز يقولون: فتنته المرأة إذا ولهته وأحبها وأهل نجد يقولون: أفتنته. وعند الخشنى: فتن لغة قيس، وأفتن لغة تميم. ومرتهنا وتروى: مرتهبا.(٣) فى مفردات الراغب الأصفهانى: أصل الفتن: إدخال الذهب فى النار لتظهر جودته من رداءته. وفى معجم ابن فارس عن مادة الكلمة أنها تدل على ابتلاء واختبار ... وفتنت الذهب بالنار: إذا امتحنته ... وأنكر الأصمعى: -стр. 1755
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَفْسِيرُ آنَاءِ اللّيْلِ:
فَصْلٌ وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي تَفْسِيرِ آنَاءِ اللّيْلِ، قَالَ: وَاحِدُ الْآنَاءِ إنْيٌ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ الْهُذَلِيّ «١» ، ثُمّ أَغْرَبَ بِمَا حَدّثَهُ بِهِ يُونُسُ، فَقَالَ: وَيُقَالُ إنّي فِيمَا حَدّثَنِي يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ، وَهَذَا الّذِي قَالَهُ آخِرًا هُوَ لُغَةُ الْقُرْآنِ، قَالَ اللهُ تعالى: (غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ) .
ذِكْرُ جُمَلٍ مِنْ الْآيَاتِ الْمُنَزّلَةِ فِي قَصَصِ الْأَحْبَارِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ جُمَلًا مِنْ الْآيَاتِ الْمُنَزّلَةِ فِي قَصَصِ الْأَحْبَارِ وَمَسَائِلُهُمْ كُلّهَا وَاضِحَةٌ، وَالتّكَلّمُ عَلَيْهَا يَخْرُجُ عَنْ غَرَضِ الْكِتَابِ إلَى تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وَفِي جُمْلَتِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى أَيَّانَ مُرْساها وَقَالَ الْفَرّاءُ فِي أَيّانَ: هِيَ كَلِمَتَانِ، جُعِلَتْ وَاحِدَةً، وَالْأَصْلُ: أَيْ آنَ، وَالْآنُ وَالْأَوَانُ بِمَعْنًى واحد، كما يقال: راح ورياح، وأنشد:
الحواشي
(١) لبيت المتنخل رواية أخرى فى اللسان هى:
السالك الثغر مخشيا موارده ... بكل إنى قضاء الليل ينتعل
ورواية السيرة وردت فى اللسان، وفيها مرته بدلا من شيمته، وسبق بيان إنى وشيمته: طبيعته.стр. 1756
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نشاوى تساقوا بِالرّيَاحِ الْمُفَلْفَلِ «١»
وَقَدْ ذَكَرَ الْهَرَوِيّ فِي أَيّانَ وَجْهًا آخَرَ، قَالَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ: أَيْوَانَ فَانْدَغَمَتْ الْيَاءُ فِي الْوَاوِ مِثْلَ قِيَامٍ.
وَذَكَرَ آيَةَ التّيهِ وَحَبْسِ بَنِي إسْرَائِيلَ فِيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً عُقُوبَةً مِنْ اللهِ تَعَالَى لِمُخَالَفَتِهِمْ أَمْرِهِ حِينَ فَزِعُوا مِنْ الْجَبّارِينَ لِعِظَمِ أَجْسَامِهِمْ، وَقَالَ لَهُمْ رَجُلَانِ وَهُمَا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ مِنْ سَبْطِ يُوسُفَ، وَكَالِبُ بْنُ يُوفِيَا مِنْ سبط يامين «٢» ادْخُلُوا
الحواشي
(١) البيت فى اللسان لامرئ القيس فى مادة ريح وفى مادة أين قال: أنشد أبو القمقام، وشطرته الأولى: ورواية الشطرة الثانية فى المقامات بشرح الزوزنى: كأن مكالى الجواء عدية صبحن سلافا من رحيق مفلفل. والراح والرياح بفتح الراء: الخمر، وقد أنشد اللسان البيت فى ريح، وأين. وبقية كلام الفراء أن الآن حرف بنى على الألف واللام، ولم يخلعا منه. وترك على مذهب الصفة، لأنه صفة فى المعنى واللفظ. ويرى أن الآن أصلها الأوان، فحذفت منها الألف، وغيرت واوها إلى الألف.(٢) بين القرآن القصة بجلاء لكن لم يرد فيه اسم يوشع وكالب لكن ورد ذكرهما فى أسفار العهد القديم. ويقول الدكتور بوست عن يوشع إنه خليفة موسى، وهو ابن نون من سبط أفرايم ولد فى مصر، وكان أولا خادم موسى، واسمه فى الأصل: هو شع ... وكان هو وكالب الرجلين اللذين تكلما بالحق بخصوص البلاد التى تجسسوها. وانظر سفر الخروج والعدد. وكالب عندهم هو ابن يفنة- بفتح الياء وضم الفاء وتضعيف النون مع فتح القنزى أحد الجواسيس الإثنى عشر الذين أرسلهم موسى إلى أرض كنعان. ويجب أن نأخذ ما يقصه علينا بنو إسرائيل بحذر بالغ، ونقد بصير. وحسبنا قصص القرآن الكريم.стр. 1757
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ فَلَمّا عَصَوْهُمَا دَعَا عَلَيْهِمْ مُوسَى، فَتَاهُوا، أَيّ تَحَيّرُوا، وَكَانُوا سِتّمِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، فَتَاهُوا فِي ستّة فراسخ من مِنْ الْأَرْضِ، يَمْشُونَ النّهَارَ كُلّهُ، ثُمّ يُمْسُونَ حيث أصبحوا، ويصبحون حيث أمسوا. وفى تلك السّنِينَ أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ الْمَنّ وَالسّلْوَى، لِأَنّهُمْ شُغِلُوا عَنْ الْمَعَاشِ بِالتّيهِ فِي الْأَرْضِ، وَأُبْقِيَتْ عَلَيْهِمْ ثِيَابُهُمْ لَا تَخْلَقُ، وَلَا تَتّسِخُ، وَتَطُولُ مَعَ الصّغِيرِ، إذَا طَالَ، وَفِيهَا اسْتَسْقَى لَهُمْ مُوسَى، فَأُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ حَجَرًا مِنْ الطّورِ، فَيَضْرِبُهُ بِعَصَاهُ، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، وَفِيهَا ظَلّلَ عَلَيْهِمْ الْغَمَامَ لِأَنّهُمْ كَانُوا فِي الْبَرِيّةِ، فَظُلّلُوا مِنْ الشّمْسِ، وَذَلِكَ أَنّ مُوسَى كَانَ نَدِمَ حِينَ دَعَا عَلَيْهِمْ لِمَا رَأَى مِنْ جَهْدِهِمْ وَحَيْرَتِهِمْ فِي التّيهِ، فَكَانَ يَدْعُو اللهَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ؛ لِئَلّا يَهْلِكُوا فِي التّيهِ جُوعًا أَوْ عُرْيًا أَوْ عَطَشًا، فَلَمّا آسى عليهم قال الله له: فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ أى: الذين فَسَقُوا أَيْ:
خَرَجُوا عَنْ أَمْرِك. وَمَاتَ فِي أَيّامِ التّيهِ جَمِيعُ كِبَارِهِمْ إلّا يُوشَعُ وَكَالِبٌ فَمَا دَخَلَ الْأَرْضَ عَلَى الْجَبّارِينَ إلّا خُلُوفُهُمْ وَأَبْنَاؤُهُمْ، وَقِيلَ: إنّ مُوسَى مَاتَ فِي تِلْكَ السّنِينَ أَيْضًا وَلَمْ يَشْهَدْ الْفَتْحَ مَعَ يُوشَعَ، وَقِيلَ: بَلْ كَانَ مَعَ يُوشَعَ حِينَ افْتَتَحَهَا «١» .
الحواشي
(١) أصل قصة التيه فى القرآن. أما هذه التفصيلات، فعن أسفار بنى إسرائيل.стр. 1758
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذِكْرُ الْمَرْجُومَةِ مِنْ الْيَهُودِ فَصْلٌ: وَذَكَرَ الْمَرْجُومَةَ مِنْ الْيَهُودِ، وَأَنّ صَاحِبَهَا الّذِي رُجِمَ مَعَهَا حَنَا عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ «١» لِيَقِيَهَا الْحِجَارَةَ. حَنَا بِالْحَاءِ تَقَيّدَ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ،
الحواشي
(١) يقول الدكتور بوست فى قاموسه عن الرجم فى العهد القديم «نوع من أنواع العقاب كان كثير الاستعمال لمقاصة المجرمين الأشقياء حتى إذا لم يذكر نوع القصاص فالغالب أنه الرجم، فكان يرجم المجرمون وعبدة الأصنام ومدلسو البيت ومرتكبوا الفحشاء والمتمردون من البنين، فيخرج بالمجرم إلى خارج المدينة، وحسب زعم البعض كان يربط، وأول من يبدأ برجمه الشهود، والأرجح أنهم كانوا ينزعون ثيابهم لكى يتمكنوا من إجراء العمل بقوة ونشاط» مادة رجم وقد ورد فى سفر التثنية من العهد القديم ما يأتى: «إذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل، فوجدها رجل فى المدينة واضطجع معها، فأخرجوهما كليهما إلى باب تلك المدينة، وارجموهما بالحجارة حتى يموتا الفتاة من أجل أنها لم تصرخ فى المدينة، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه» إصحاح ٢٢ فقرة ٣٢- ٣٤. كما ورد فى الإصحاح المتمم للعشرين من سفر اللاويين من العهد القديم ما يأتى: «وإذا زنى رجل مع امرأة، فإذا زنى مع امرأة قريبة، فانه يقتل الزانى والزانية، وإذا اضطجع رجل مع امرأة أبيه، فقد كشف عورة أبيه، إنهما يقتلان كلاهما، دمهما عليهما، وإذا اضطجع رجل مع كنته- والكنة امرأة الإبن أو الأخ- فانهما يقتلان كلاهما، قد فعلا فاحشة دمهما عليهما، وإذا اضطجع رجل مع ذكر اضطجاع امرأة فقد فعلا كلاهما رجسا إنهما يقتلان دمهما عليهما، وإذا اتخذ رجل امرأة وأمها، فذلك رذيلة بالنار يحرقونه وإياهما لكيلا يكون رذيلة بينكم» وفيه أيضا أن المرأة التى تزعم أن فيها جانا يجب أن ترجم بالحجارة وكذلك الرجل ... أما الرجم فحكمه لم يرد فى القرآن والزعم بأنه كان ثم نسخ لفظه وبقى حكمه دعوى بلا بينة، والقرآن حين ذكر حد الزنى فى سورة النور لم يفرق بين محصن وغير محصن بل جاء بالوصف، ورتب-стр. 1759
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَذَلِكَ فِي الْمُوَطّأِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى، فَجَعَلَ يَحْنَى عَلَيْهَا، وَفِي الرّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ: جَنَأَ بِالْجِيمِ وَالْهَمْزِ، وَعَلَى هَذِهِ الرّوَايَةِ فَسّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَالْجَنَاءُ:
الِانْحِنَاءُ «١» ، قَالَ الشّاعِرُ عَوْفُ بْنُ مُحَلّمٍ:
وَبَدّلَتْنِي بِالشّطَاطِ الْجَنَا ... وَكُنْت كَالصّعْدَةِ تَحْتَ السّنَانِ «٢»
وَفِي حُنُوّهِ عَلَيْهَا مِنْ الْفِقْهِ: أَنّهُمَا لَمْ يَكُونَا فِي حُفْرَتَيْنِ، كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ فِي سُنّةٍ الرّجْمِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَلِيّ ﵀، أنه
الحواشي
(١) فى القاموس: جنأ عليه كجعل وخرج جنوآ، وجنأ: أكب كأجنأ، وجانأ، وتجانأ. وفى النهاية لابن الأثير: أجنأ يجنىء إجناء، وفى رواية أخرى: فلقد رأيته: يجانىء عليها مفاعلة من جانأ يجانىء.(٢) أول القصيدة:
يا ابن الذى دان له المشرقان ... طرا، وقد دان له المغربان
إن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعى إلى ترجمان
وبدلتنى بالشطاط الجنا ... وكنت كالصعدة تحت السنان
وعدة القصيدة فى أمالى القالى: عشرة أبيات، وسببها أن عوفا دخل على عبد الله بن طاهر، فسلم عليه عبد الله، فلم يسمع، فأعلم بذلك. فزعموا أنه ارتجل هذه القصيدة.. وعوف يكنى أبا محلم أو أبا المنهال، وهو شاعر مجيد من شعراء الدولة الهاشمية. والشطاط: حسن القوام والاعتدال، والصعد: الفتاة المستوية انظر ص ٥٠ ح ١ الأمالى ط ٢ و ١٩٨ سمط اللالى للبكرى.стр. 1760
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَفَرَ لِشُرَاحَةَ بِنْتِ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيّةِ حِينَ رَجَمَهَا. وَأَمّا الْأَحَادِيثُ فَأَكْثَرُهَا عَلَى تَرْكِ الْحَفْرِ لِلْمَرْجُومِ، وَاسْمُ هَذِهِ الْمَرْجُومَةِ: بُسْرَةُ فِيمَا ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفِي قِصّتِهِمَا أَنْزَلَ اللهُ: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ الْآيَةُ إلَى قَوْلِهِ: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا، يَعْنِي مُحَمّدًا، وَمَنْ حَكَمَ بِالرّجْمِ قَبْلَهُ، لِأَنّهُ حَكَمَ بِالرّجْمِ لِأُولَئِكَ الْيَهُودِ الّذِينَ تَحَاكَمُوا إلَيْهِ، والربانيون.
يَعْنِي: عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلَامٍ وَابْنَ صورى مِنْ الْأَحْبَارِ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ، لِأَنّهُمْ حَفِظُوا أَنّ الرّجْمَ فِي التّوْرَاةِ، لَكِنّهُمْ بَدّلُوا وَغَيّرُوا، وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ؛ لِأَنّهُمْ شَهِدُوا بِذَلِكَ عَلَى الْيَهُودِ إلَى قَوْلِهِ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَحَكَمَ بِالرّجْمِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهَذَا يُبَيّنُ لَك أَنّ الرّجْمَ فِي الْقُرْآنِ، وَعَلَى هَذَا فَسّرَهُ مَالِكٌ فِيمَا بَلَغَنِي، وَلِذَلِكَ قَالَ ﵇ لِلرّجُلَيْنِ: لَأَحْكُمَنّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، فَحَكَمَ بِالرّجْمِ، كَمَا فِي الْكِتَابِ الْمُنَزّلِ عَلَى مُوسَى وَعَلَى مُحَمّدٍ صَلّى اللهُ عَلَيْهِمَا، وَقَدْ قِيلَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ أَقْوَالٌ غير هذا، والصحيح ما ذكرنا «١» .
الحواشي
(١) روى البخارى ومسلم ومالك وغيرهم أن اليهود جاؤا إلَى رَسُولِ اللهِ- ﷺ فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال لَهُمْ رَسُولُ اللهِ- ﷺ ما تجدون فى التوراة فى شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم، ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة، فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع فاذا آية الرجم، فقالوا صدق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بِهِمَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فرجما، فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة» هذا لفظ البخارى. ونستطيع أن نفهم من هذا أن رسول الله «ص» إنما رجع إلى حكم التوراة، لأنه لم يكن قد نزل حكم-стр. 1761
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَاسْتَشْهَدَ ابْنُ هِشَامٍ فِي تَفْسِيرِ الْجَهْرَةِ بِقَوْلِ أَبِي الْأَخْزَرِ الْحِمّانِيّ، وَاسْمُهُ:
قُتَيْبَةُ، وَحِمّانُ هُوَ ابْنُ كَعْبِ «١» بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، فَقَالَ:
يَجْهَرُ أَفْوَاهَ الْمِيَاهِ السّدُمِ
يُقَالُ: مَاءٌ سِدَامٌ إذَا غَطّاهُ الرّمْلُ، وَجَمْعُهُ: سُدّمٌ، وَجَمْعُهُ عَلَى سَدُمٍ غَرِيبٌ، وَيُقَالُ أَيْضًا سِدَامٌ وَأَسْدَامٌ «٢» وَنَحْوٌ مِنْ قَوْلِهِ يَجْهَرُ قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ فِي أَبِيهَا. وَاجْتَهَرَ لهم عين الرّواء «٣» ، وأنشد فى تفسير الفوم وأنه البرّ:
الحواشي
(١) فى اللباب لابن الأثير: حمان، وهى قبيلة من تميم، وهو حمان ابن عبد العزيز بن كعب الخ بزيادة عبد العزيز عما فى الروض.(٢) فى اللسان: ماء سدم- بفتح السين والدال- وسدم- بفتح فكسر- وسدم- بضم فضم- وسدوم- بضم السين والدال- مندفق، والجمع: أسدام وسدام بكسر السين فى هذه، وقد قيل الواحد والجمع فى ذلك سواء. والرجز فى السيرة: يجهر أجواف.(٣) فى النهاية لابن الأثير «اجتهر دفن الرواء هو بالفتح والمد: الماء الكثير، وقيل: العذب الذى فيه الواردين رى» .стр. 1762
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَوْقَ شِيزَى مِثْلَ الْجَوَابِي عَلَيْهَا ... قِطَعٌ كَالْوَذِيلِ فِي نِقْيِ فُوَمِ
الشّيزَى: خَشَبٌ أَسْوَدُ تُصْنَعُ مِنْهُ الْجِفَانُ [مُفْرَدُهَا: جَفْنَةُ، وَهِيَ الْقَصْعَةُ، وَالْجَوَابِي: جَمْعُ جَابِيَةٍ: الْحَوْضُ يُجْبَى فِيهِ الْمَاءُ لِلْإِبِلِ] ، وَالْوَذِيلُ: جَمْعُ وَذِيلَةٍ وَهِيَ السّبِيكَةُ مِنْ الْفِضّةِ. قال الشاعر:
وتريك وجها كالوذيلة لَا رَيّانَ مُمْتَلِئٌ ولا جهم
ومنه قول عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ: أَمَا وَاَللهِ لَقَدْ أَلْفَيْت أَمْرَك، وَهُوَ أَشَدّ انْفِضَاحًا مِنْ حَقّ الكهول. كذاك رَوَاهُ الْهَرَوِيّ، وَقَالَ ابْن قُتَيْبَةَ:
الْكَهْدَلُ، فَمَا زِلْت أَرُمّهُ بِوَذَائِلِهِ، وَأَصْلُهُ، بِوَصَائِلِهِ، حَتّى تَرَكْته عَلَى مِثْلِ فَلْكَةِ الْمَدْرِ. حَقّ الْكُهُولِ: بَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ، وَكَمَا قَالَهُ الْهَرَوِيّ، قَالَهُ أَبُو عُمَرَ الزّاهِدُ فِي كِتَابِ الْيَاقُوتِ، كَمَا وَقَعَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِلْقُتَبِيّ قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ الْقَزّازِ فِي الْكِتَابِ الْكَبِيرِ، قَالَ: الْكَهْدَلُ: الْعَنْكَبُوتُ، وَقِيلَ فِي الْكُهُولِ إنّهُ ثَدْيُ الْعَجُوزِ، وَفِي الْعَيْنِ: الْوَذِيلَةِ: الْمِرْآةُ «١» ، وَقِيلَ فِي الْفُومِ:
إنّهُ الثّومُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وَاحْتَجّ بِأَنّهُ فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ:
وَثُومِهَا، وَلَا حُجّةَ فِي هَذَا لِمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي النّبَاتِ: أَنّ الثّومَ، هُوَ الْبُرّ،
الحواشي
(١) فى النهاية لابن الأثير عن الكهول: رواها الأزهرى بفتح الكاف وضم الهاء، وقال: هى العنكبوت، ورواها الخطابى والزمخشرى بسكون الهاء وفتح الكاف والواو، وقالا: هى العنكبوت.. وقال القتيبى: أما حق الكهدل، فلم أسمع فيه شيئا ممن يوثق بعلمه، بلغنى أنه بيت العنكبوت، ويقال: إنه ثدى العجوز، وقيل: العجوز نفسها، وحقها: ثديها.стр. 1763
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَنّهُ يُقَالُ بِالْفَاءِ وَبِالثّاءِ، وَمِنْ الشّاهِدِ عَلَى الفوم وأنه البرّ قول أبى أحيحة ابن الجلاح، وقيل هو لأبى محجن الثّققىّ:
قَدْ كُنْت أَغْنَى النّاسِ شَخْصًا وَاحِدًا ... سَكَنَ الْمَدِينَةَ عَنْ زِرَاعَةِ فُومِ «١»
وَأَنْشَدَ فِي بَعْضِ مَا فَسّرَ بَيْتَ الْأَخْطَلِ، قَالَ: وَهُوَ الْغَوْثُ بن هبيرة ابن الصّلْتِ «٢» ، يُكَنّى أَبَا مَالِكٍ، وَالْمَعْرُوفُ: غِيَاثُ بْنُ الغوث بن هبيرة ابن الصّلْتِ، وَسُمّيَ: الْأَخْطَلَ لِقَوْلِهِ:
لَعَمْرُك إنّنِي وَابْنَيْ جُعَيْلٍ ... وَأُمّهِمَا لَاسْتَارٌ لَئِيمُ
كُلّ أَرْبَعَةٍ إسْتَارٌ «٣» قِيلَ: إنّ كَعْبَ بْنَ جُعَيْلٍ قَالَ لَهُ فى خبر جرى بينهما،
الحواشي
(١) نسبه الأخفش إلى أبى محجن، وروايته فى اللسان هكذا:
قد كنت أحسبنى كأغنى واحد ... نزل المدينة عن زراعة فوم(٢) الأخطل فى سمط اللآلى: غياث بن غوث، وفى ديوانه برواية السكرى: غوث بن الصلت بن طارقة بن عمرو بن سيحان بن العذولس بن عمرو بن مالك بن جشم بن بكر بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ تغلب، وفى الأغانى ابن الطارقة، ويقال: ابن السحيان بن عمرو بن العذولس. وعن المدائنى: غوث بن مسلمة بن طارقة انظر ص ٤٤ من السمط.(٣) وقيل الإستار: رابع أربعة. وقيل هو معرب عن الفارسية، وأصله جهار، ويجمع أساتير، وقال أبو حاتم: ثلاثة أساتر.. ويقول ابن قتيبة عن الأخطل: وسمى الأخطل، من الخطل، وهو استرخاء الأذنين.. قال شارحه ابن السيد: لا أعلم أحدا ذكر أن الأخطل كان طويل الأذنين مسترخيهما، والمعروف أنه لقب الأخطل لبذاءته وسلاطة لسانه، وذلك أن ابنىстр. 1764
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْأَخْطَلُ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ يُقَرْزِمُ، أَيْ: كَمَا يَبْتَدِي «١» يَقُولُ:
قُبّحَ ذَاكَ الْوَجْهُ غِبّ الْحُمّهِ «٢» ... فَقَالَ الْأَخْطَلُ، وَلَمْ يَكُنْ
وَفَعَلَ كَعْبُ بْنُ جُعَيْلٍ أمّه «٣»
فقال جعيل؛ إنك لأخطل «٤»
الحواشي
(١) القرزمة: أن يقول الشعر فى أول أمره قبل أن يستحكم طبعه، وتقوى قريحته.(٢) فى الأغانى: شاهد هذا الوجه الخ، وفى خزانة الأدب ويل لهذا الوجه(٣) فى الأغانى: بدل «وفعل» كلمة يقبح ذكرها وقد استبدلها السهيلى، ولهذا قال: ولم يكن يعنى أن الأخطل ذكرها صريحة.(٤) الخبر بطوله فى الأغانى ص ٢٨ ح ٨ ط لبنان، وانظر خزانة البغدادى ص ٣٠٨ وما بعدها ح ١ طبع دار العصور.стр. 1765
تم بحمد الله
الجزء الرابع ويليه الجزء الخامس
ان شاء الله
وأوله: ذكر نصاري نجران وما أنزل الله فيهم
стр. 1766
فهرس الجزء الرابع من الروض الأنف
الرقم الموضوع
٥ المقدمة
٧ كفاية الله أمر المستهزئين «س»
٨ الوليد وأبو أزيهر «س»
١١ ثورة لمقتل أبى أزيهر «س»
١٢ آية الربا من البقرة «س»
١٣ الهم بأخذ ثأر أبا أزيهر «س»
١٣ عمل أم غيلان «س»
١٣ من المؤذين لرسول الله «س»
١٤ ما عاناه الرسول ص بعد وفاة أبى طالب وخديجة «س»
١٥ ما حدث بين النبى «ص» وبين أبى طالب والمشركين «س»
١٦ الرسول يرجو أن يسلم أبو طالب»
١٧ مَا نَزَلَ فِيمَنْ طَلَبُوا الْعَهْدَ عَلَى الرّسُولِ عند أبى طالب «س»
١٧ عن المستهزئين وملكان
١٩ حديث الوليد بن المغيرة
١٩ عن مقتل أبى أزيهر وموقف درس
٢٠ عن أطوقا ومن أحكامه أن
٢٢ شعر الجون
٢٣ من أسواق العرب
٢٥ ما أنزل الله فى الربا
٢٦ وفاة أبى طالب ووصيته
٣١ تفسير المشى فى سورة ص
٣٢ تتابع المصائب بموت خديجة
٣٣ الرسول يسعى إلى الطائف «س»
٣٣ موقف ثقيف من الرسول ص «س»
٣٦ أمرجن نصيبين «س»
٣٦ عرض رسول الله ص نفسه على القبائل «س»
٣٨ العرض على بنى كلب «س»
٣٨ العرض على بنى حنيفة «س»
٣٨ العرض على بنى عامر «س»
٣٩ عرض على العرب فى المواسم «س»
٤٠ حديث سويد بن صامت «س»
٤٢ إسْلَامُ إيَاسِ بْنِ مُعَاذٍ وَقِصّةُ أَبِي الْحَيْسَرِ «س»
٤٣ الرسول مع نفر من الخزرج عند العقبة «س»
стр. 1767
٤٤ أسماء الخزرجين الذين التقوا بالرسول عند العقبة «س»
٤٥ خروج النبى ص إلى الطائف
٤٨ نور الله ووجهه
٥٦ خبر عداس
٥٧ جن نصيبين
٥٩ ذكر عرض نفسه على القبائل
٦٠ عرض نفسه على كندة
٦٠ فى هذا الكتاب تتمة لفائدته
٦٥ حديث سويد بن صامت
٦٦ ذكر مجلة لقمان
٦٧ ذكر قدوم أبى الحيسر
٦٨ بدء إسلام الأنصار
٧١ بيعة العقبة الأولى «س»
٧٣ رجال العقبة من الأوس «س»
٧٣ رجال العقبة الأولى من بنى عمرو «س»
٧٣ بيعة العقبة «س»
٧٤ مصعب بن عمير ووفد العقبة «س»
٧٤ أول جمعة أقيمت بالمدينة «س»
٧٥ إسلام سعد بن معاذ وأسيد ابن حضير «س»
٨١ إسلام عبد الله بن عمرو ابن حزام «س»
٨١ أمرأتان فى البيعة «س»
٨٢ العباس والأنصار «س»
٨٢ عَهْدُ الرّسُولِ ﵊ عَلَى الْأَنْصَارِ «س»
٨٣ أَسَمَاءُ النّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَتَمَامُ خَبَرِ الْعَقَبَةِ «س»
٨٣ النقباء من العقبة «س»
٨٥ النقباء من الأوس «س»
٨٥ شعر كعب بن مالك عن النقباء «س»
٨٦ ما قاله العباس بن عبادة للخزرج قبل المبايعة «س»
٨٧ أول صحابى ضَرَبَ عَلَى يَدِ الرّسُولِ فِي بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الثانية «س»
٨٨ الشيطان وبيعة العقبة «س»
٨٨ الرسول لا يستجيب الطلب الحرب من الأنصار «س»
٨٩ مجادلة جلة قريش للأنصار فى شأن البيعة «س»
٩٠ قريش تطلب الأنصار وتأسر سعد بن عبادة «س»
٩٠ خلاص سعد بن عبادة «س»
٩٧ هجرة مصعب بن عمير
٩٨ أول جمعة
٩٩ نقيع الخضمات
١٠٠ الجمعة
١٠٦ لفظ الجمعة
١٠٦ أيام الأسبوع
стр. 1768
١٠٩ إسلام سعد بن معاذ وأسيد ابن حضير
١١٠ هل يغتسل الكافر إذا أسلم
١١١ من شرح شعر أبن الأسلت
١١٢ ذِكْرُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، وَصَلَاتِهِ إلَى الْقِبْلَةِ
١١٣ قبلة الرسول ص
١١٨ أُمّ عُمَارَةَ وَأُمّ مَنِيعٍ فِي بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الأخرى
١١٩ قول البراء بن معرور
١٢١ ترجمة البراء
١٢١ والهدم الهدم
١٢٣ من ولى النقباء
١٢٥ تفسير بعض ما وقع فى وجدته
١٢٨ تذكير فعيل وتأنيثها
١٢٩ من ألقاب الطويل
١٣٠ معانى الكلمات
١٣١ حول قصيدة حسان
١٣٣ قصة صنم عمرو بن الجموح «س»
١٣٤ اسلام عمرو بن الجموح «س»
١٣٤ شروط البيعة فى العقبة الأخيرة «س»
١٣٥ أسماء من شهد العقبة «س»
١٣٨ من شهدها من بلحارث ابن الخزرج «س»
١٤٦ نزول الأمر لرسول الله ص فى القتال «س»
١٤٧ الإذن لمسلمى مكة بالهجرة «س»
١٤٨ المهاجرون إلى المدينة «س»
١٤٨ هِجْرَةُ أَبِي سَلَمَةَ وَزَوْجُهُ، وَحَدِيثُهَا عَمّا لَقِيَا «س»
١٥٠ هجرة عامر وزوجه وهجرة بنى جحش «س»
١٥٤ إسلام عمرو بن الجموح وصنمه
١٥٥ تفسير بعض الأنساب
١٥٩ ذكر خديج بن سلامة البلوى
١٦١ متى أسلم عثمان بن أبى طلحة
١٦٢ هجرة بنى جحش
١٦٣ الشعر الذى تمثل به أبو سفيان
١٧٠ هجرة عمر وقصة عياش معه «س»
١٧١ كتاب عمر إلى هشام بن العاصى «س»
١٧٢ الوليد بن الوليد وعياش وهشام «س»
١٧٢ منازل المهاجرين بالمدينة «س»
١٧٤ مَنْزِلُ حَمْزَةَ وَزَيْدٍ وَأَبِي مَرْثَدٍ وَابْنِهِ وَأَنَسَةَ وأبى كبشه «س»
١٧٥ خبر الندوة وهجرة الرسول ﷺ «س»
١٧٦ الملأ من قريش يتشاورون فى أمر الرسول ص «س»
١٧٨ مما يقال عن ليلة الهجرة «س»
١٨٠ الآيات التى نزلت فى تربص المشركين بالنبى «س»
١٨١ الهجرة إلى المدينة «س»
стр. 1769
١٨٢ الذين كانوا يعلمون بالهجرة «س»
١٨٢ الرسول ص وأبو بكر فى الغار «س»
١٨٣ الذين قاموا بشئون الرسول فى الغار «س»
١٨٣ لم سميت أسماء بذات النطاقين «س»
١٨٤ راحلة النبى ص «س»
١٨٤ أبو جهل يضرب أسماء بنت أبى بكر «س»
١٨٥ خير الجنى الذى تغنى بمقدم الرسول ص «س»
١٨٥ نسب أم معبد «س»
١٨٦ آل أبى بكر بعد هجرته «س»
١٨٦ خبر سراقة بن مالك «س»
١٨٨ هجرة عمر وعياش
١٩١ قول هشام بن العاص
١٩١ نزول طلحة وصهيب على خبيب بن إساف
١٩٢ أبو كبشه
١٩٦ سالم مولى أبى حذيفة
١٩٨ اجتماع قريش للتشاور فى أمر النبى ص
٢٠٢ إذن الله سبحانه لنبيه بالهجرة
٢٠٤ لم اشتريت الراحلة
٢٠٥ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابن هشام
٢٠٦ بكاء الفرح من أبى بكر
٢٠٧ مكة والمدينة
٢٠٨ حديث الغار
٢١٥ الرّدّ عَلَى الرّافِضَةِ فِيمَا بَهَتُوا بِهِ أَبَا بكر
٢١٦ معية الله مع رسوله وصاحبه
٢١٧ حَدِيثُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ الْكِنَانِي
٢٢٠ حديث أم معبد
٢٢٥ نسب أم معبد وزوجها
٢٢٨ طريق الهجرة «س»
٢٢٩ النزول بقباء «س»
٢٣٠ المنازل التى نزلت بقباء «س»
٢٣٢ سهيل بن جنيف وامرأة مسلحة «س»
٢٣٢ بناء مسجد قباء «س»
٢٣٣ القبائل تعترضه لينزل عندها «س»
٢٣٣ مبرك الناقة بدار بنى مالك ابن النجار «س»
٢٣٤ المسجد والمسكن «س»
٢٣٤ عمار والفئة الباغية «س»
٢٣٥ ارتجاز على «س»
٢٣٥ مشادة عمار «س»
٢٣٥ الرسول ص يوصى بعمار «س»
٢٣٦ إضافة بناء أول مسجد إلى عمار «س»
٢٣٦ الرسول ص فى بيت أبى أيوب «س»
٢٣٧ تلاحق المهاجرين «س»
стр. 1770
٢٣٨ قصة أبى سفيان مع بنى جحش «س»
٢٣٨ انتشار الإسلام ومن بقى على شركه «س»
٢٣٩ الخطبة الأولى «س»
٢٣٩ الخطبة الثانية «س»
٢٤٠ كتاب الموادعة لليهود «س»
٢٤٤ المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار «س»
٢٤٦ بلال يوصى بديوانه لأبى رويحه «س»
٢٤٦ أبو أمامة «س»
٢٤٧ بلاد فى طريق الهجرة
٢٥١ قصة أوس بن حجر
٢٥٣ متى قدم الرسول من المدينة
٢٥٣ كلثوم بن الهدم
٢٥٤ تأسيس مسجد قباء
٢٥٥ التاريخ العربى
٢٥٧ من ودخولها على الزمان
٢٦٠ تحلحل وتلحلح
٢٦١ المربد وصاحباه
٢٦٢ حول بتيان المسجد
٢٦٤ سمية أم عمار
٢٦٦ إضافة بناء المسجد إلى عمار
٢٦٦ أطوار بناء المسجد
٢٦٧ بيوت النبى ﷺ
٢٧٨ حب حباب
٢٧٩ الشوم
٢٧٩ مصير منزل أبى أيوب
٢٨٠ مِنْ قِصّةِ أَبِي سُفْيَانَ مَعَ بَنِي جَحْشٍ
٢٨١ الخطبة
٢٨٢ الحب
٢٨٦ من شرح الخطبة
٢٨٩ كتاب رسول الله ص فيما بينه وبين اليهود
٢٩٠ متى دخل اليهود يثرب؟
٢٩١ اسم يثرب
٢٩٣ تفسير على ربعاتهم
٢٩٤ من كلمات الكتاب
٢٩٦ المؤاخاة بين الصحابة
٢٩٧ نسب أبى الدرداء
٢٩٨ نسب الفزع
٢٩٨ مواخاة حاطب بن أبى بلتعة
٢٩٩ خبر الأذان «س»
٢٩٩ رؤيا عبد الله بن زيد «س»
٣٠٠ رؤيا عمر فى الأذان «س»
٣٠١ ما كان يقوله بلال فى الفجر «س»
٣٠١ أبو قيس بن أبى أنس «س»
٣٠٥ الأعداء من يهود «س»
٣٠٥ من يهود بنى النضير «س»
٣٠٦ من يهود بنى ثعلبة «س»
٣٠٦ من يهود بنى قينقاع «س»
٣٠٧ من يهود بنى قريظة «س»
٣٠٧ من يهود بنى زريق «س»
٣٠٧ من يهود بنى حارثة «س»
стр. 1771
٣٠٨ من يهود بنى عمرو «س»
٣٠٨ من يهود بنى النجار «س»
٣٠٨ اسلام عبد الله بن سلام «س»
٣١٠ حديث مخيريق «س»
٣١٠ شهادة عن صفية «س»
١١١ مِنْ اجْتَمَعَ إلَى يَهُودَ مِنْ مُنَافِقِي الْأَنْصَارِ منافقو بنى عمرو «س»
٣١١ منافقو حبيب «س»
٣١١ من نفاق جلاس «س»
٣١٣ ارتداد الحارث بن سويد وغدره «س»
٣١٤ منافقو بنى ضبيعة «س»
٣١٤ منافقو بنى لوذان «س»
٣١٥ منافقو بنى ضبيعة «س»
٣١٥ معتب وابنا حاطب بدريون وليسوا منافقين «س»
٣١٦ من بنى ثعلبة «س»
٣١٦ من بنى أمية «س»
٣١٦ من بنى عبيد «س»
٣١٧ من بنى النبيت «س»
٣١٨ من بنى ظفر «س»
٣١٩ من عبد الأشهل «س»
٣٢٠ من الخزرج «س»
٣٢٠ من بنى جشم «س»
٣٢٠ من بنى عوف «س»
٣٢١ من أسلم من أحبار يهود نفاقا «س»
٣٢١ من بنى قينقاع «س»
٣٢٢ طَرْدُ الْمُنَافِقِينَ مِنْ مَسْجِدِ الرّسُولِ ﷺ «س»
٣٢٤ مَا نَزَلَ مِنْ الْبَقَرَةِ فِي الْمُنَافِقِينَ وَيَهُودَ ما نزل فى الأحبار «س»
٣٢٦ ما نزل فى منافقى الأوس والخزرج «س»
٣٢٧ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٣٥ دَعْوَى الْيَهُودَ قِلّةَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ وَرَدّ الله عليهم «س»
٣٣٧ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٤١ سؤال اليهود الرسول، وإجابته لهم ﵊ «س»
٣٤٢ إنْكَارُ الْيَهُودِ نُبُوّةَ دَاوُدَ ﵇ وَرَدّ الله عليهم «س»
٣٤٣ كِتَابُهُ ﷺ إلَى يَهُودِ خيبر «س»
٣٤٤ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٤٥ ما نزل فى أبى ياسر وأخيه «س»
٣٤٧ كفر اليهود به ص بعد استفتاحهم وما نزل فى ذلك «س»
٣٤٧ مَا نَزَلَ فِي نُكْرَانِ مَالِكِ بْنِ الصّيْفِ العهد اليهم بالنبى «س»
٣٤٨ مَا نَزَلَ فِي قَوْلِ أَبِي صَلُوبا «مَا جئتنا بشىء نعرفه» «س»
٣٤٨ مَا نَزَلَ فِي قَوْلِ ابْنِ حُرَيْمِلَةَ وَوَهْبٍ «س»
стр. 1772
٣٤٨ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٤٩ ما نزل فى صد حي وأخيه الناس عن الإسلام «س»
٣٤٩ تَنَازُعُ الْيَهُودِ وَالنّصَارَى عِنْدَ الرّسُولِ ﷺ «س»
٣٥٠ مَا نَزَلَ فِي طَلَبِ ابْنِ حُرَيْمِلَةَ أَنْ يكلمه الله «س»
٣٥٠ مَا نَزَلَ فِي سُؤَالِ ابْنِ صُورِيّا لِلنّبِيّ ﵊ بأن يتهود «س»
٣٥١ مَقَالَةُ الْيَهُودِ عِنْدَ صَرْفِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ «س»
٣٥٢ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٥٣ كتمانهم ما فى التوراة من الحق «س»
٣٥٣ جوابهم للنبى ﵊ حين دعاهم إلى الإسلام «س»
٣٥٤ جمعهم فى سوق بنى قينقاع «س»
٣٥٤ دخوله ص بيت المدارس «س»
٣٥٥ اخْتِلَافُ الْيَهُودِ وَالنّصَارَى فِي إبْرَاهِيمَ ﵇ «س»
٣٥٥ ما نزل فيماهم بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ الْإِيمَانِ غَدْوَةً وَالْكُفْرِ عَشِيّةً «س»
٣٥٦ مَا نَزَلَ فِي قَوْلِ أَبِي رَافِعٍ وَالنّجْرَانِيّ «أَتُرِيدُ أَنْ نَعْبُدَك كَمَا تَعْبُدُ النّصَارَى عِيسَى «س»
٣٥٧ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٥٧ ما نزل فى أخذ الميثاق عليهم «س»
٣٥٨ سعيهم فى الوقيعة بين الأنصار «س»
٣٥٨ شىء عن يوم بعاث «س»
٣٥٩ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٦٠ مَا نَزَلَ فِي قَوْلِهِمْ «مَا آمَنَ إلّا شرارنا» «س»
٣٦١ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٦١ ما كان فى نهى المسلمين عن مباطنة اليهود «س»
٣٦٢ ما كان بين أبى بكر وفنحاص «س»
٣٦٣ أمرهم المؤمنين بالبخل
٣٦٤ جحدهم الحق «س»
٣٦٥ تفسير ابن هشام الغريب «س»
٣٦٦ النفر الذين حزبوا الأحزاب «س»
٣٦٦ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٦٧ أنكارهم التنزيل «س»
٣٦٨ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى طَرْحِ الصّخْرَةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ص «س»
٣٦٨ أدعاؤهم أنهم أحباء الله «س»
٣٦٩ إنْكَارُهُمْ نُزُولَ كِتَابٍ بَعْدَ مُوسَى ﵇ «س»
٣٦٩ رجوعهم إلى النبى ص فى حكم الرحم «س»
٣٧٢ ظلمهم فى الدية «س»
٣٧٣ فصدهم الفتنة برسول الله ص «س»
٣٧٣ جحودهم نبوة عيسى ﵇ «س»
٣٧٤ دعاؤهم أنهم على الحق «س»
٣٧٤ إشراكهم بالله «س»
стр. 1773
٣٧٥ نهيه تعالى للمؤمنين عن موادتهم «س»
٣٧٥ سؤالهم عن قيام الساعة «س»
٣٧٦ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٧٧ ادعاؤهم أن عزيزا ابن الله «س»
٣٧٧ طلبهم كتابا من السماء «س»
٣٧٨ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٧٨ سؤالهم له ص عن ذى القرنين «س»
٣٧٩ تهجمهم على ذات الله وغضب الرسول ص لذلك «س»
٣٨٠ تفسير ابن هشام لبعض الغريب «س»
٣٨٠ بدء الآذان
٣٨٩ حديث صرمة بن أبى أنس
٣٩١ من شرح شعره
٣٩٦ تسمية اليهود الذين نزل فيهم القرآن
٣٩٧ يهود المدينة
٣٩٨ السحر المنسوب إلى النبى ص
٤٠٤ فقه حديث السحر
٤٠٧ إسلام عبد الله بن سلام
٤١٠ ذكر المنافقين
٤١١ ذَكَرَ حَدِيثَ بَشِيرِ بْنِ أُبَيْرِقٍ سَارِقُ الدّرْعَيْنِ
٤١٥ ذكر ما أنزل الله فى المنافقين
٤١٨ حديث أبى ياسر بن أخطب
٤٢١ معانى الحروف فى أوائل السور
٤٢٢ ذكر تحويل القبلة
٤٢٤ ما أنزل الله فى بنى قينقاع
٤٢٧ تفسير آناء الليل
٤٢٧ ذِكْرُ جُمَلٍ مِنْ الْآيَاتِ الْمُنَزّلَةِ فِي قَصَصِ الأحبار
стр. 1774
بعون الله وجميل توفيقه قد تم طبع الجزء الرابع من كتاب الروض الأنف
стр. 1775
الجزء الخامس
المقدمة
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الأئمة المهتدين.
«وبعد» فهذا هو الجزء الخامس من السيرة وشرحها «الروض الأنف» للامام السهيلى والله وحده أسأل أن يعين على تمامه؟
عبد الرحمن الوكيل
стр. 1776
[ذكر نصاري نجران وما أنزل الله فيهم]
[معنى العاقب والسيد والأسقف]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ، سِتّونَ رَاكِبًا، فِيهِمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فِي الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إلَيْهِمْ يَئُولُ أَمْرُهُمْ: الْعَاقِبُ، أَمِيرُ الْقَوْمِ وَذُو رَأْيِهِمْ، وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ، وَاَلّذِي لَا يُصْدِرُونَ إلّا عَنْ رَأْيِهِ، وَاسْمُهُ: عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالسّيّدُ لَهُمْ: ثِمَالُهُمْ، وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ، وَاسْمُهُ: الْأَيْهَمُ، وَأَبُو حارثة ابن عَلْقَمَةَ، أَحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، أَسْقُفُهُمْ وَحَبْرُهُمْ وَإِمَامُهُمْ، وَصَاحِبُ مِدْرَاسِهِمْ.
[مَنْزِلَةُ أَبِي حَارِثَةَ عِنْدَ مُلُوكِ الرّومِ]
وَكَانَ أَبُو حَارِثَةَ قَدْ شَرُفَ فِيهِمْ، وَدَرَسَ كُتُبَهُمْ، حَتّى حَسُنَ عِلْمُهُ فِي دِينِهِمْ، فَكَانَتْ مُلُوكُ الرّومِ مِنْ النّصْرَانِيّةِ قَدْ شَرّفُوهُ وَمَوّلُوهُ وَأَخْدَمُوهُ، وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ، وَبَسَطُوا عَلَيْهِ الْكَرَامَاتِ، لِمَا يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي دِينِهِمْ.
[السبب فى إسلام كرز بْنِ عَلْقَمَةَ]
فَلَمّا رَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللهِ- ﷺ مِنْ نَجْرَانَ، جَلَسَ أبو حارثة على بغلة له موجّها، وَإِلَى جَنْبِهِ أَخٌ لَهُ، يُقَالُ لَهُ: كُوزُ بْنُ عَلْقَمَةَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1777
وَيُقَالُ: كُرْزٌ- فَعَثَرَتْ بَغْلَةُ أَبِي حَارِثَةَ، فَقَالَ كُوزٌ: تَعِسَ الْأَبْعَدُ: يُرِيدُ:
رَسُولَ اللهِ ﷺ . فَقَالَ لَهُ أَبُو حَارِثَةَ: بَلْ أَنْتَ تَعِسْت! فَقَالَ:
وَلِمَ يَا أَخِي؟ قَالَ: وَاَللهِ إنّهُ لَلنّبِيّ الّذِي كُنّا نَنْتَظِرُ، فَقَالَ لَهُ كُوزٌ: مَا يَمْنَعُك مِنْهُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ هَذَا؟ قَالَ: مَا صَنَعَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ، شَرّفُونَا وَمَوّلُونَا وَأَكْرَمُونَا، وَقَدْ أَبَوْا إلّا خلافه، فلو فعلت نزعوا منّا كلّ ما تَرَى. فَأَضْمَرَ عَلَيْهَا مِنْهُ أَخُوهُ كُوزُ بْنُ عَلْقَمَةَ، حَتّى أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ. فَهُوَ كَانَ يُحَدّثُ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا بَلَغَنِي.
[رُؤَسَاءُ نجران وإسلام ابن رئيس منهم]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي أَنّ رُؤَسَاءَ نَجْرَانَ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ كُتُبًا عِنْدَهُمْ.
فَكُلّمَا مَاتَ رَئِيسٌ مِنْهُمْ، فَأَفْضَتْ الرّيَاسَةُ إلَى غَيْرِهِ، خَتَمَ عَلَى تِلْكَ الْكُتُبِ خَاتَمًا مَعَ الْخَوَاتِمِ الّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ وَلَمْ يَكْسِرْهَا، فَخَرَجَ الرّئِيسُ الّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ النّبِيّ- ﷺ يَمْشِي، فَعَثَرَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: تَعِسَ الْأَبْعَدُ! يُرِيدُ النّبِيّ- ﷺ فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنّهُ نَبِيّ، وَاسْمُهُ فِي الْوَضَائِعِ، يَعْنِي.. الْكُتُبَ، فَلَمّا مَاتَ لَمْ تَكُنْ لِابْنِهِ هِمّةٌ إلّا أَنْ شَدّ فَكَسَرَ الْخَوَاتِمَ، فَوَجَدَ فِيهَا ذِكْرَ النّبِيّ- ﷺ فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ وَحَجّ، وَهُوَ الذى يقول:
إليك تعدو قلقا وضيتها ... معترضا فى بطها جَنِينُهَا
مُخَالِفًا دِينَ النّصَارَى دِينُهَا
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1778
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْوَضِينُ: الْحِزَامُ، حِزَامُ النّاقَةِ. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ:
وَزَادَ فِيهِ أَهْلُ العراق:
مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا
فَأَمّا أَبُو عُبَيْدَةَ فأنشدناه فيه.
[صلاة النصارى إلى المشرق]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ: لَمّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ- ﷺ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ مَسْجِدَهُ حَيْنَ صَلّى الْعَصْرَ، عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الْحِبَرَاتِ، جُبَبٌ وَأَرْدِيَةٌ، فِي جَمَالِ رِجَالِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ.
قَالَ: يَقُولُ بَعْضُ مَنْ رَآهُمْ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ ﷺ يَوْمئِذٍ:
مَا رَأَيْنَا وَفْدًا مِثْلَهُمْ، وَقَدْ حَانَتْ صَلَاتُهُمْ، فَقَامُوا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ- ﷺ يُصَلّونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ- ﷺ دَعُوهُمْ؛ فَصَلّوْا إلى المشرق.
[أسماء وفد نجران ومعتقدهم ومجادلتهم الرسول ﷺ ]
قال ابن إسْحَاقَ: فَكَانَتْ تَسْمِيَةُ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ، الّذِينَ يَئُولُ إلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ: الْعَاقِبُ، وَهُوَ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالسّيّدُ وَهُوَ الْأَيْهَمُ، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخُو بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَأَوْسٌ، وَالْحَارِثُ، وَزَيْدٌ، وَقَيْسٌ، وَيَزِيدُ، وَنَبِيّهُ، وَخُوَيْلِدٌ، وَعَمْرو، وَخَالِدٌ، وَعَبْدُ اللهِ، وَيُحَنّسُ، فِي سِتّينَ رَاكِبًا،
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1779
فَكَلّمَ رَسُولَ اللهِ- ﷺ مِنْهُمْ أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَالْعَاقِبُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَالْأَيْهَمُ السّيّدُ- وَهُمْ مِنْ النّصْرَانِيّةِ عَلَى دِينِ الْمَلِكِ، مَعَ اخْتِلَافِ مَنْ أَمَرَهُمْ، يَقُولُونَ: هُوَ اللهُ، وَيَقُولُونَ: هُوَ وَلَدُ اللهِ، وَيَقُولُونَ: هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ النّصْرَانِيّةِ.
فَهُمْ يَحْتَجّونَ فِي قَوْلِهِمْ: «هُوَ اللهُ» بِأَنّهُ كَانَ يحيى الموتى، ويبرىء الْأَسْقَامَ، وَيُخْبِرُ بِالْغُيُوبِ، وَيَخْلُقُ مِنْ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطّيْرِ، ثُمّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا، وَذَلِكَ كُلّهُ بِأَمْرِ اللهِ ﵎: وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ.
وَيَحْتَجّونَ فِي قَوْلِهِمْ: «إنّهُ وَلَدُ اللهِ» بِأَنّهُمْ يَقُولُونَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ يُعْلَمُ، وَقَدْ تَكَلّمَ فِي الْمَهْدِ، وَهَذَا لَمْ يَصْنَعْهُ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ قَبْلَهُ.
وَيَحْتَجّونَ فِي قَوْلِهِمْ: «إنّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ» بِقَوْلِ اللهِ: فَعَلْنَا، وَأَمَرْنَا، وَخَلَقْنَا، وَقَضَيْنَا، فَيَقُولُونَ: لَوْ كَانَ وَاحِدًا مَا قَالَ إلّا فَعَلْتُ، وَقَضَيْت، وَأَمَرْت، وَخَلَقْت، وَلَكِنّهُ هُوَ وَعِيسَى وَمَرْيَمُ. فَفِي كُلّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ قَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ- فَلَمّا كَلّمَهُ الْحَبْرَانِ، قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ :
أَسْلِمَا، قَالَا: قَدْ أَسْلَمْنَا، قَالَ: إنّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا، فَأَسْلِمَا، قَالَا: بَلَى، قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَك. قَالَ: كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُمَا مِنْ الْإِسْلَامِ دُعَاؤُكُمَا لِلّهِ وَلَدًا، وَعِبَادَتُكُمَا الصّلِيبَ، وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِيرَ؛ قَالَا: فَمَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمّدُ؟ فَصَمَتَ عَنْهُمَا رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَمْ يجبهما.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1780
[تفسير ما نزل من آل عمران فى وفد نجران]
فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَاخْتِلَافِ أَمْرِهِمْ كُلّهِ، صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إلَى بِضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا، فَقَالَ جَلّ وَعَزّ: الم اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. فَافْتَتَحَ السّورَةَ بِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ عَمّا قَالُوا، وَتَوْحِيدِهِ إيّاهَا بِالْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ، رَدّا عَلَيْهِمْ مَا ابْتَدَعُوا مِنْ الْكُفْرِ، وَجَعَلُوا مَعَهُ مِنْ الْأَنْدَادِ، وَاحْتِجَاجًا بِقَوْلِهِمْ عَلَيْهِمْ فِي صَاحِبِهِمْ، لِيُعَرّفَهُمْ بِذَلِكَ ضَلَالَتَهُمْ، فَقَالَ: الم اللَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ شَرِيكٌ فِي أَمْرِهِ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الْحَيّ الّذِي لَا يَمُوتُ، وَقَدْ مَاتَ عِيسَى وَصُلِبَ فِي قَوْلِهِمْ.
وَالْقَيّومُ: الْقَائِمُ عَلَى مَكَانِهِ مِنْ سُلْطَانِهِ فِي خَلْقِهِ لَا يَزُولُ، وَقَدْ زَالَ عِيسَى فِي قَوْلِهِمْ عَنْ مَكَانِهِ الّذِي كَانَ بِهِ، وَذَهَبَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ. نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، أَيْ بِالصّدْقِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ: وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ:
التّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى، وَالْإِنْجِيلُ عَلَى عِيسَى، كَمَا أَنْزَلَ الْكُتُبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُ:
وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ، أَيْ الْفَصْلَ بَيْنَ الْحَقّ وَالْبَاطِلِ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْأَحْزَابُ مِنْ أَمْرِ عِيسَى وَغَيْرِهِ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ، وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ، أَيْ: أَنّ اللهَ مُنْتَقِمٌ مِمّنْ كَفَرَ بِآيَاتِهِ، بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَا، وَمَعْرِفَتِهِ بِمَا جَاءَ مِنْهُ فِيهَا: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ، أَيْ قَدْ عَلِمَ مَا يُرِيدُونَ وَمَا يَكِيدُونَ وَمَا يُضَاهُونَ بِقَوْلِهِمْ فِي عِيسَى، إذْ جَعَلُوهُ إلَهًا وَرَبّا، وَعِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، غِرّةً بِاَللهِ، وَكُفْرًا بِهِ.
هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ أَيْ: قَدْ كَانَ عيسى ممن
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1781
صُوّرَ فِي الْأَرْحَامِ، لَا يَدْفَعُونَ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُونَهُ، كَمَا صُوّرَ غَيْرُهُ مِنْ وَلَدِ آدَمَ، فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا، وَقَدْ كَانَ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ؟! ثُمّ قَالَ تَعَالَى إنْزَاهًا لِنَفْسِهِ، وَتَوْحِيدًا لَهَا مِمّا جَعَلُوا مَعَهُ: لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، الْعَزِيزُ فِي انْتِصَارِهِ مِمّنْ كَفَرَ بِهِ إذَا شَاءَ، الْحَكِيمُ فِي حُجّتِهِ وَعُذْرِهِ إلَى عِبَادِهِ. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ فِيهِنّ حُجّةُ الرّبّ، وَعِصْمَةُ الْعِبَادِ، وَدَفْعُ الْخُصُومِ وَالْبَاطِلِ، لَيْسَ لَهُنّ تَصْرِيفٌ وَلَا تَحْرِيفٌ عَمّا وُضِعْنَ عَلَيْهِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ لَهُنّ تَصْرِيفٌ وَتَأْوِيلٌ، ابْتَلَى الله فيهنّ العباد، كما ابتلاهم فى الحلال والحرام، ألّا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرّفن عن الحقّ. يقول : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، أَيْ:
مَيْلٌ عَنْ الْهُدَى فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ، أَيْ مَا تَصَرّفَ مِنْهُ، لِيُصَدّقُوا بِهِ مَا ابْتَدَعُوا وَأَحْدَثُوا؛ لِتَكُونَ لَهُمْ حُجّةٌ، وَلَهُمْ عَلَى مَا قَالُوا شُبْهَة ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ، أَيْ: اللّبْسِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ. ذَلِكَ عَلَى مَا رَكِبُوا مِنْ الضّلَالَةِ فِي قَوْلِهِمْ: خَلَقْنَا وَقَضَيْنَا. يَقُولُ: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، أَيْ: الّذِي بِهِ أَرَادُوا مَا أَرَادُوا إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا فَكَيْفَ يَخْتَلِفُ وَهُوَ قَوْلٌ وَاحِدٌ، مِنْ رَبّ وَاحِدٍ؟! ثُمّ رَدّوا تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ عَلَى مَا عَرَفُوا مِنْ تَأْوِيلِ الْمُحَكّمَةِ الّتِي لَا تَأْوِيلَ لِأَحَدٍ فِيهَا إلّا تَأْوِيلٌ وَاحِدٌ، وَاتّسَقَ بِقَوْلِهِمْ الْكِتَابُ، وَصَدّقَ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَنَفَذَتْ بِهِ الْحُجّةُ، وظهر به العذر، وراح بِهِ الْبَاطِلَ، وَدَمَغَ بِهِ الْكُفْرَ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي مِثْلِ هَذَا: وَما يَذَّكَّرُ فِي مثل هذا إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1782
رَبَّنا لَا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا: أَيْ لَا تُمِلْ قُلُوبَنَا، وَإِنْ مِلْنَا بِأَحْدَاثِنَا. وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. ثُمّ قَالَ:
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ بِخِلَافِ مَا قَالُوا قائِماً بِالْقِسْطِ، أَيْ بِالْعَدْلِ (فِيمَا يُرِيدُ) لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ، أَيْ: مَا أَنْتَ عَلَيْهِ يَا مُحَمّدُ: التّوْحِيدُ لِلرّبّ، وَالتّصْدِيقُ لِلرّسُلِ. وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ، أَيْ: الّذِي جَاءَك، أَيْ: أَنّ اللهَ الْوَاحِدَ الّذِي لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ.
بَغْياً بَيْنَهُمْ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. فَإِنْ حَاجُّوكَ، أَيْ: بِمَا يَأْتُونَ بِهِ مِنْ الْبَاطِلِ مِنْ قَوْلِهِمْ: خَلَقْنَا وَفَعَلْنَا وَأَمَرْنَا، فَإِنّمَا هِيَ شُبْهَةُ بَاطِلٍ قَدْ عَرَفُوا مَا فِيهَا مِنْ الْحَقّ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ، أَيْ وَحْدَه. وَمَنِ اتَّبَعَنِ، وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ الذين لا كتاب لهم أَأَسْلَمْتُمْ، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ.
[ما نزل من القرآن فيما ابتدعته الْيَهُودُ وَالنّصَارَى]
ثُمّ جَمَعَ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ جَمِيعًا، وَذَكَرَ مَا أَحْدَثُوا وَمَا ابْتَدَعُوا، مِنْ الْيَهُودِ وَالنّصَارَى، فَقَالَ: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ
إلَى قَوْلِهِ: قُلِ:
اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ، أَيْ: رَبّ الْعِبَادِ، وَالْمَلِكُ الّذِي لَا يَقْضِي فِيهِمْ غَيْرُهُ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ،
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1783
وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ، بِيَدِكَ الْخَيْرُ، أَيْ: لَا إلَهَ غَيْرُك إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، أَيْ: لَا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا غَيْرُك بِسُلْطَانِك وَقُدْرَتِك. تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ، وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ، وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُك، وَلَا يَصْنَعُهُ إلّا أَنْتَ، أَيْ: فَإِنْ كُنْتُ سَلّطْت عِيسَى عَلَى الْأَشْيَاءِ الّتِي بِهَا يَزْعُمُونَ أَنّهُ إلَهٌ، مِنْ إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ وَالْخَلْقِ لِلطّيْرِ مِنْ الطّينِ، وَالْإِخْبَارِ عَنْ الْغُيُوبِ، لِأَجْعَلَهُ بِهِ آيَةً لِلنّاسِ، وَتَصْدِيقًا لَهُ فِي نُبُوّتِهِ الّتِي بَعَثْته بِهَا إلَى قَوْمِهِ، فَإِنّ مِنْ سُلْطَانِي وَقُدْرَتِي مَا لَمْ أُعْطِهِ تمليك الملوك بأمن النّبُوّةِ، وَوَضْعَهَا حَيْثُ شِئْت، وَإِيلَاجَ اللّيْلِ فِي النّهَارِ، وَالنّهَارِ فِي اللّيْلِ، وَإِخْرَاجَ الْحَيّ مِنْ الْمَيّتِ، وَإِخْرَاجَ الْمَيّت مِنْ الْحَيّ، وَرِزْقَ مَنْ شِئْت مِنْ بَرّ أَوْ فَاجِرٍ بِغَيْرِ حِسَابٍ؛ فَكُلّ ذَلِكَ لَمْ أُسَلّطْ عِيسَى عَلَيْهِ، وَلَمْ أُمَلّكْهُ إيّاهُ، أَفَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ وَبَيّنَةٌ! أَنْ لَوْ كَانَ إلَهًا كَانَ ذَلِكَ كُلّهُ إلَيْهِ، وَهُوَ فِي عِلْمِهِمْ يَهْرَبُ مِنْ الْمُلُوكِ، وَيَنْتَقِلُ مِنْهُمْ فِي الْبِلَادِ، مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ.
[مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فى وعظ المؤمنين وتحذيرهم]
ثُمّ وَعَظَ الْمُؤْمِنِينَ وَحَذّرَهُمْ، ثُمّ قَالَ: قُلْ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ، أى: إن كَانَ هَذَا مِنْ قَوْلِكُمْ حَقّا، حُبّا لِلّهِ وَتَعْظِيمًا لَهُ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، أَيْ: مَا مَضَى مِنْ كُفْرِكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. قُلْ: أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ وَتَجِدُونَهُ فِي كِتَابِكُمْ فَإِنْ تَوَلَّوْا، أَيْ: عَلَى كُفْرِهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1784
[مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي خَلْقِ عِيسَى]
ثُمّ اسْتَقْبَلَ لَهُمْ أَمْرَ عِيسَى: ﵇ ، وَكَيْفَ كَانَ بَدْءُ مَا أَرَادَ اللهُ بِهِ، فقال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ، وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ، وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ثُمّ ذَكَرَ أَمْرَ امْرَأَةِ عِمْرَانَ، وَقَوْلَهَا: رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً، أَيْ: نَذَرْته فَجَعَلْته عَتِيقًا، تَعَبّدُهُ لِلّهِ، لَا يَنْتَفِعُ بِهِ لِشَيْءٍ مِنْ الدّنْيَا: فَتَقَبَّلْ مِنِّي، إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ، وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى، أَيْ: لَيْسَ الذّكَرُ كَالْأُنْثَى لِمَا جَعَلْتهَا مُحَرّرًا لَك نَذِيرَةً وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ، وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ. يَقُولُ اللهُ ﵎: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً، وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا بَعْدَ أَبِيهَا وأمّها.
قال ابن هشام: كفّلها: ضمّها.
[آيات عن زكريا ومريم]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذَكّرَهَا بِالْيُتْمِ، ثُمّ قَصّ خَبَرَهَا وَخَبَرَ زَكَرِيّا، وَمَا دَعَا بِهِ، وَمَا أَعْطَاهُ؛ إذْ وَهَبَ لَهُ يَحْيَى ثم ذكر مريم، وقول الملائكة وطهّرك واصطفاك لَهَا يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ.
يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ يقول الله : ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1785
أَيْ: مَا كُنْت مَعَهُمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: أَقْلَامَهُمْ: سِهَامَهُمْ، يَعْنِي قِدَاحَهُمْ الّتِي اسْتَهَمُوا بِهَا عَلَيْهَا، فَخَرَجَ قَدَحُ زَكَرِيّا فَضَمّهَا، فِيمَا قال الحسن بن أبى الحسن البصرىّ.
[دعوى كَفَالَةُ جُرَيْجٍ الرّاهِبِ لِمَرْيَمَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: كَفّلَهَا هَاهُنَا جُرَيْجٌ الرّاهِبُ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ نَجّارٌ، خَرَجَ السّهْمُ عَلَيْهِ بِحَمْلِهَا، فَحَمَلَهَا، وَكَانَ زَكَرِيّا قَدْ كَفّلَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَصَابَتْ بَنِي إسْرَائِيلَ أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَعَجَزَ زَكَرِيّا عَنْ حَمْلِهَا، فَاسْتَهَمُوا عَلَيْهَا أَيّهُمْ يَكْفُلُهَا، فَخَرَجَ السّهْمُ عَلَى جُرَيْجٍ الرّاهِبِ بِكُفُولِهَا فَكَفَلَهَا. وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ، أَيْ: مَا كُنْت مَعَهُمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ فِيهَا. يُخْبِرُهُ بِخَفِيّ مَا كَتَمُوا مِنْهُ مِنْ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ، لِتَحْقِيقِ نُبُوّتِهِ وَالْحُجّةِ عَلَيْهِمْ بِمَا يَأْتِيهِمْ بِهِ مِمّا أَخْفَوْا مِنْهُ.
ثُمّ قَالَ: إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ: الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، أَيْ: هَكَذَا كَانَ أَمْرُهُ، لَا كَمَا تَقُولُونَ فِيهِ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أَيْ عِنْدَ اللهِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ. وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ يُخْبِرُهُمْ بِحَالَاتِهِ الّتِي يَتَقَلّبُ فِيهَا فِي عُمْرِهِ، كَتَقَلّبِ بَنِي آدَمَ فِي أَعْمَارِهِمْ، صِغَارًا وَكِبَارًا، إلّا أَنّ اللهَ خَصّهُ
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1786
بِالْكَلَامِ فِي مَهْدِهِ آيَةً لِنُبُوّتِهِ، وَتَعْرِيفًا لِلْعِبَادِ بِمَوَاقِعِ قُدْرَتِهِ. قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ؟ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ، أَيْ يَصْنَعُ مَا أَرَادَ، وَيَخْلُقُ مَا يَشَاءُ مِنْ بَشَرٍ أَوْ غَيْرِ بَشَرٍ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ مِمّا يَشَاءُ وَكَيْفَ شَاءَ، فَيَكُونُ كَمَا أَرَادَ.
[مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ آيَاتِ عِيسَى ﵇]
ثُمّ أَخْبَرَهَا بِمَا يُرِيدُ بِهِ، فَقَالَ: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ الّتِي كَانَتْ فِيهِمْ مِنْ عَهْدِ مُوسَى قَبْلَهُ وَالْإِنْجِيلَ، كِتَابًا آخَرَ أَحْدَثَهُ اللهُ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إلّا ذِكْرُهُ أَنّهُ كَائِنٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَهُ وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، أَيْ يُحَقّقُ بِهَا نُبُوّتِي، أَنّي رَسُولٌ مِنْهُ إلَيْكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ الّذِي بعثى إلَيْكُمْ، وَهُوَ رَبّي وَرَبّكُمْ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ.
[تفسير ابن هشام لبعض الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: الْأَكْمَهَ: الّذِي يُولَدُ أَعْمَى. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ:
هَرّجْتُ فَارْتَدّ ارْتِدَادَ الْأَكْمَهِ
(وَجَمْعُهُ: كُمْهٌ) . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَرّجْت: صِحْت بِالْأَسَدِ، وَجَلَبْتُ عَلَيْهِ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1787
وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ أَنّي رَسُولُ اللهِ مِنْ اللهِ إلَيْكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ، أَيْ لِمَا سَبَقَنِي عَنْهَا وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، أَيْ أُخْبِرُكُمْ بِهِ أَنّهُ كَانَ عَلَيْكُمْ حَرَامًا فَتَرَكْتُمُوهُ، ثُمّ أُحِلّهُ لَكُمْ تَخْفِيفًا عَنْكُمْ، فَتُصِيبُونَ يُسْرَهُ وَتَخْرُجُونَ مِنْ تِبَاعَاتِهِ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ أَيْ تبريّا مِنْ الّذِينَ يَقُولُونَ فِيهِ، وَاحْتِجَاجًا لِرَبّهِ عَلَيْهِمْ، فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، أَيْ هَذَا الّذِي قَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَيْهِ وَجِئْتُكُمْ بِهِ. فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ وَالْعُدْوَانَ عَلَيْهِ، قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ؟ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ هَذَا قَوْلُهُمْ الّذِي أَصَابُوا بِهِ الْفَضْلَ مِنْ رَبّهِمْ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ لَا مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الّذِينَ يُحَاجّونَك فِيهِ رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ، أَيْ هَكَذَا كَانَ قَوْلُهُمْ وإيمانهم.
[رَفْعُ عِيسَى ﵇]
ثُمّ ذَكَرَ رَفْعَهُ عِيسَى إلَيْهِ حَيْنَ اجْتَمَعُوا لِقَتْلِهِ، فَقَالَ:
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ. ثم أخبرهم وردّ عليهم فيما أقرّوا الميهود بِصَلْبِهِ، كَيْفَ رَفَعَهُ وَطَهّرَهُ مِنْهُمْ، فَقَالَ: إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ، وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، إذْ هَمّوا مِنْك بِمَا هَمّوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1788
ثُمّ الْقِصّةُ؛ حَتّى انْتَهَى إلَى قَوْلِهِ: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ يَا مُحَمّدُ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ الْقَاطِعِ الْفَاصِلِ الْحَقّ، الّذِي لَا يُخَالِطُهُ الْبَاطِلُ، مِنْ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى، وَعَمّا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ، فَلَا تَقْبَلَنّ خَبَرًا غَيْرَهُ. إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ فَاسْتَمِعْ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، أَيْ مَا جَاءَك مِنْ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ، أَيْ قَدْ جَاءَك الْحَقّ مِنْ رَبّك فَلَا تَمْتَرِيَنّ فِيهِ، وَإِنْ قَالُوا:
خُلِقَ عِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ فَقَدْ خَلَقْتُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ، بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ مِنْ غَيْرِ أُنْثَى وَلَا ذَكَرٍ، فَكَانَ كَمَا كَانَ عِيسَى لَحْمًا وَدَمًا، وَشَعْرًا وَبَشَرًا، فَلَيْسَ خَلْقُ عِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ بِأَعْجَبَ مِنْ هَذَا فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، أَيْ مِنْ بَعْدِ مَا قَصَصْتُ عَلَيْك مِنْ خَبَرِهِ، وَكَيْفَ كَانَ أَمْرُهُ، فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ، وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ، ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ.
[تَفْسِيرُ ابْنِ هِشَامٍ لِبَعْضِ الغريب]
قال ابن هِشَامٍ: قَالَ: أَبُو عُبَيْدَةَ: نَبْتَهِلْ: نَدْعُو بِاللّعْنَةِ، قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
لَا تَقْعُدَنّ وَقَدْ أَكّلْتَهَا حَطَبًا ... نَعُوذُ مِنْ شَرّهَا يَوْمًا وَنَبْتَهِلُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. يَقُولُ: نَدْعُو بِاللّعْنَةِ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: بَهَلَ اللهُ فُلَانًا، أَيْ لَعَنَهُ، وَعَلَيْهِ بَهْلَةُ اللهِ. (قَالَ ابْنُ هِشَامٍ) : وَيُقَالُ: بَهْلَةُ اللهِ، أَيْ لَعْنَةُ اللهِ، وَنَبْتَهِلْ أَيْضًا: نَجْتَهِدْ، فِي الدّعَاءِ.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1789
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: إِنَّ هَذَا الّذِي جِئْتُ بِهِ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ مِنْ أَمْرِهِ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. فَإِنْ تَوَلَّوْا، فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ، وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ. فَدَعَاهُمْ إلَى النّصَفِ، وَقَطَعَ عَنْهُمْ الحجة.
[إبَاؤُهُمْ الْمُلَاعَنَةَ]
فَلَمّا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ الْخَبَرُ مِنْ اللهِ عَنْهُ، وَالْفَصْلُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَأَمَرَ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ مُلَاعَنَتِهِمْ إنْ رَدّوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، دَعَاهُمْ إلَى ذَلِكَ؛ فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، دَعْنَا نَنْظُرْ فِي أَمْرِنَا، ثُمّ نَأْتِيك بِمَا نُرِيدُ أَنْ نَفْعَلَ فِيمَا دَعَوْتنَا إلَيْهِ. فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، ثُمّ خَلَوْا بِالْعَاقِبِ، وَكَانَ ذَا رَأْيِهِمْ، فَقَالُوا: يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ، مَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ: وَاَللهِ يَا مَعْشَرَ النّصَارَى لَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنّ مُحَمّدًا لَنَبِيّ مُرْسَلٌ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم مالا عن قَوْمٌ نَبِيّا قَطّ فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ، وَلَا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ، وَإِنّهُ لَلِاسْتِئْصَالُ مِنْكُمْ إنْ فَعَلْتُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَبَيْتُمْ إلّا إلْفَ دِينِكُمْ، وَالْإِقَامَةَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْقَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ، فَوَادِعُوا الرّجُلَ، ثُمّ انْصَرِفُوا إلَى بِلَادِكُمْ. فأتوا رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَدْ رَأَيْنَا أَلّا نُلَاعِنَك، وَأَنْ نَتْرُكَك عَلَى دِينِك وَنَرْجِعَ عَلَى دِينِنَا، وَلَكِنْ ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا مِنْ
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1790
أَصْحَابِك تَرْضَاهُ لَنَا، يَحْكُمْ بَيْنَنَا فِي أَشْيَاءَ اخْتَلَفْنَا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا، فَإِنّكُمْ عِنْدَنَا رِضًا.
[تَوْلِيَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ أُمُورَهُمْ]
قَالَ مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ائْتُونِي الْعَشِيّةَ أَبْعَثْ مَعَكُمْ الْقَوِيّ الْأَمِينَ قَالَ: فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ يَقُولُ: مَا أَحْبَبْت الْإِمَارَةَ قَطّ حُبّي إيّاهَا يَوْمئِذٍ، رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ صَاحِبَهَا، فَرُحْتُ إلَى الظّهْرِ مُهَجّرًا، فَلَمّا صَلّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الظّهْرَ سَلّمَ، ثُمّ نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلْت أَتَطَاوَلُ لَهُ لِيَرَانِي، فَلَمْ يَزَلْ يَلْتَمِسُ بِبَصَرِهِ حَتّى رَأَى أَبَا عبيدة ابن الْجَرّاحِ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: اُخْرُجْ مَعَهُمْ، فَاقْضِ بَيْنَهُمْ بِالْحَقّ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
قَالَ عُمَرُ: فَذَهَبَ بِهَا أَبُو عُبَيْدَةَ.
[نُبَذٌ مِنْ ذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ]
[ابن أبى وابن صيفى]
قال ابن إسحاق: وقدم رسول الله ﷺ الْمَدِينَةَ- كَمَا حَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ- وَسَيّدُ أَهْلِهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُولَ الْعَوْفِيّ ثُمّ أَحَدُ بَنِي الْحُبْلَى، لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ فِي شرفه اثْنَانِ، لَمْ تَجْتَمِعْ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ، حَتّى جَاءَ الْإِسْلَامُ، غَيّرَهُ، وَمَعَهُ فِي الْأَوْسِ رَجُلٌ، هُوَ فِي قَوْمِهِ مِنْ الْأَوْسِ شَرِيفٌ مُطَاعٌ، أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ عَمْرِو بْنِ صَيْفِيّ بْنِ النّعْمَانِ، أَحَدُ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهُوَ أبو حنظلة،
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →