Полный текст (3 465 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
طَوِيلِ نِجَادِ السّيْفِ لَيْسَ بِجَيْدَرٍ ... إذَا اهْتَزّ وَاسْتَرْخَتْ عَلَيْهِ الْحَمَائِلُ
تَكَادُ يَدَاهُ تُسْلَمَانِ إزَارَهُ ... مِنْ الْجُودِ لَمّا أَذْلَقَتْهُ الشّمَائِلُ
إلَى بَيْتِهِ يَأْوِي الضّرِيكُ إذَا شَتَا ... وَمُسْتَنْبَحٌ بالي الدريسين عَائِلُ
تَرَوّحَ مَقْرُورًا وَهَبّتْ عَشِيّةً ... لَهَا حَدَبٌ تَحْتَثّهُ فَيُوَائِلُ
فَمَا بَالُ أَهْلِ الدّارِ لَمْ يتصدّعوا ... وقد بان منها اللّودعىّ الحلاحل
فأقمم لَوْ لَاقَيْتَهُ غَيْرَ مُوثَقٍ ... لَآبَك بِالنّعْفِ الضّبَاعُ الْجَيَائِلُ
وَإِنّك لَوْ وَاجَهْته إذْ لَقِيته ... فَنَازَلْته أَوْ كُنْتَ مِمّنْ يُنَازِلُ
لَظَلّ جَمِيلٌ أَفْحَشَ الْقَوْمِ صِرْعَةً ... وَلَكِنّ قِرْنَ الظّهْرِ لِلْمَرْءِ شَاغِلُ
فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدّارِ يَا أُمّ ثَابِتٍ ... وَلَكِنْ أَحَاطَتْ بِالرّقَابِ السّلَاسِلُ
وَعَادَ الْفَتَى كَالشّيْخِ لَيْسَ بِفَاعِلِ ... سِوَى الْحَقّ شَيْئًا وَاسْتَرَاحَ الْعَوَاذِلُ
وَأَصْبَحَ إخْوَانُ الصّفَاءِ كَأَنّمَا ... أَهَالَ عَلَيْهِمْ جَانِبَ التّرْبِ هَائِلُ
فَلَا تَحْسَبِي أَنّي نَسِيتُ لَيَالِيَا ... بِمَكّةَ إذْ لَمْ نَعْدُ عَمّا نُحَاوِلُ
إذْ النّاسُ نَاسٌ وَالْبِلَادُ بِغِرّةٍ ... وَإِذْ نَحْنُ لَا تُثْنِي علينا المداخل
[ابن عوف يعتذر عن فراره]
قال ابن إسحاق: وَقَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ وَهُوَ يَعْتَذِرُ يَوْمَئِذٍ من فراره:
منع الرّفاد فَمَا أُغَمّضُ سَاعَةً ... نَعَمٌ بِأَجْزَاعِ الطّرِيقِ مُخَضْرَمُ
سَائِلْ هَوَازِنَ هَلْ أَضُرّ عَدُوّهَا ... وَأُعِينُ غَارِمَهَا إذَا مَا يَغْرَمُ
وَكَتِيبَةٍ لَبّسْتُهَا بِكَتِيبَةٍ ... فِئَتَيْنِ مِنْهَا حَاسِرٌ وَمُلَأّمُ
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3047
وَمُقَدّمٍ تَعْيَا النّفُوسُ لِضِيقِهِ ... قَدّمْته وَشُهُودُ قَوْمِي أَعْلَمُ
فَوَرَدْته وَتَرَكْتُ إخْوَانًا لَهُ ... يَرِدُونَ غَمْرَتَهُ وَغَمْرَتُهُ الدّمُ
فَإِذَا انْجَلَتْ غَمَرَاتُهُ أَوْرَثْنَنِي ... مَجْدَ الْحَيَاةِ وَمَجْدَ غُنْمٍ يُقْسَمُ
كَلّفْتُمُونِي ذَنْبَ آلِ مُحَمّدٍ ... وَاَللهُ أَعْلَمُ مَنْ أَعَقّ وَأَظْلَمُ
وَخَذَلْتُمُونِي إذْ أُقَاتِلُ وَاحِدًا ... وَخَذَلْتُمُونِي إذْ تُقَاتِلُ خَثْعَمُ
وَإِذَا بَنَيْتُ الْمَجْدَ يَهْدِمُ بَعْضُكُمْ ... لَا يَسْتَوِي بَانٍ وَآخَرُ يَهْدِمُ
وَأَقَبّ مِخْمَاصِ الشّتَاءِ مُسَارِعٍ ... فِي الْمَجْدِ يَنْمِي لِلْعُلَى مُتَكَرّمُ
أَكْرَهْتُ فِيهِ أَلّةً يَزَنِيّةً ... سَحْمَاءَ يَقْدُمُهَا سِنَانٌ سَلْجَمُ
وَتَرَكْت حَنّتَهُ تَرُدّ وَلِيّهُ ... وَتَقُولُ لَيْسَ عَلَى فُلَانَةَ مقدم
ونصبت نفسى للرّماح مدجّجا ... مثل الدّريئة تستحلّ وتشرم
[هوازنى يذكر إسلام قومه]
قال ابن إسحاق: وَقَالَ قَائِلٌ فِي هَوَازِنَ أَيْضًا، يَذْكُرُ مَسِيرَهُمْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَعَ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ بَعْدَ إسْلَامِهِ:
أَذْكُرْ مَسِيرَهُمْ لِلنّاسِ إذْ جَمَعُوا ... وَمَالِكٌ فَوْقَهُ الرّايَاتُ تَخْتَفِقُ
وَمَالِكُ مَالِكٌ مَا فَوْقَهُ أَحَدٌ ... يَوْمَ حُنَيْنٍ عَلَيْهِ التّاجُ يَأْتَلِقُ
حَتّى لَقُوا الْبَاسَ حِينَ الْبَاسُ يَقْدُمُهُمْ ... عَلَيْهِمْ الْبِيضُ وَالْأَبْدَانُ وَالدّرَقُ
فَضَارَبُوا النّاسَ حَتّى لَمْ يَرَوْا أَحَدًا ... حَوْلَ النّبِيّ وَحَتّى جَنّهُ الْغَسَقُ
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3048
ثُمّتَ نُزّلَ جِبْرِيلُ بِنَصْرِهِمْ ... مِنْ السّمَاءِ فَمَهْزُومٌ وَمُعْتَنَقُ
مِنّا وَلَوْ غَيْرُ جِبْرِيلِ يُقَاتِلُنَا ... لَمَنّعَتْنَا إذَنْ أَسْيَافُنَا الْعُتُقُ
وَفَاتَنَا عُمَرُ الْفَارُوقُ إذْ هزموا ... بطعنة بلّ منها سرجه العلق
[جشمية ترثى أَخَوَيْهَا]
وَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي جُشَمٍ تَرْثِي أَخَوَيْنِ لَهَا أُصِيبَا يَوْمَ حُنَيْنٍ:
أَعَيْنَيّ جُودَا عَلَى مَالِكٍ ... مَعًا وَالْعَلَاءِ وَلَا تَجْمُدَا
هُمَا الْقَاتِلَانِ أَبَا عَامِرٍ ... وَقَدْ كَانَ ذَا هَبّةٍ أَرْبَدَا
هُمَا تَرَكَاهُ لَدَى مُجْسَدٍ ... يَنُوءُ نَزِيفًا وما وسّدا
[أبو ثواب يهجو قريشا]
وَقَالَ أَبُو ثَوَابٍ زَيْدُ بْنُ صُحَارٍ، أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ:
أَلَا هَلْ أَتَاك أَنْ غَلَبَتْ قُرَيْشٌ ... هَوَازِنَ وَالْخُطُوبُ لَهَا شُرُوطُ
وَكُنّا يَا قُرَيْشُ إذَا غَضِبْنَا ... يَجِيءُ مِنْ الْغِضَابِ دَمٌ عَبِيطُ
وَكُنّا يَا قُرَيْشُ إذَا غَضِبْنَا ... كَأَنّ أُنُوفَنَا فِيهَا سَعُوطُ
فَأَصْبَحْنَا تَسَوّقُنَا قُرَيْشٌ ... سِيَاقَ الْعِيرِ يَحْدُوهَا النّبِيطُ
فَلَا أَنَا إنْ سُئِلْتُ الْخَسْفَ آبٍ ... وَلَا أَنَا أَنْ أَلِينَ لَهُمْ نَشِيطُ
سَيُنْقَلُ لَحْمُهَا فِي كُلّ فَجّ ... وَتُكْتَبُ فِي مَسَامِعِهَا الْقُطُوطُ
وَيُرْوَى «الْخُطُوطُ» ، وَهَذَا الْبَيْتُ فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعْدٍ.
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3049
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أَبُو ثَوَابٍ زِيَادُ بن ثواب. وأنشدنى خلف الأحمر قوله: «يجىء من الغضاب دم عبيط» وآخرها بيتا عن غير ابن إسحاق.
[ابن وهب يرد عَلَى ابْنِ أَبِي ثَوَابٍ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي أُسَيّدٍ، فَقَالَ:
بِشَرْطِ اللهِ نَضْرِبُ مَنْ لَقِينَا ... كَأَفْضَلِ مَا رَأَيْتَ مِنْ الشّرُوطِ
وَكُنّا يَا هَوَازِنُ حِينَ نَلْقَى ... نَبُلّ الْهَامَ مِنْ عَلَقٍ عَبِيطِ
بِجَمْعِكُمْ وَجَمْعِ بَنِي قَسِيّ ... نَحُكّ الْبَرْكَ كَالْوَرَقِ الْخَبِيطِ
أَصَبْنَا مِنْ سَرَاتِكُمْ وَمِلْنَا ... بِقَتْلٍ فِي الْمُبَايِنِ وَالْخَلِيطِ
بِهِ الْمُلْتَاثُ مُفْتَرِشٌ يَدَيْهِ ... يَمُجّ الْمَوْتَ كَالْبَكْرِ النّحِيطِ
فَإِنْ تَكُ قَيْسُ عَيْلَانٍ غِضَابًا ... فَلَا يَنْفَكّ يُرْغِمُهُمْ سَعُوطِي
[شِعْرُ خَدِيجٍ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ]
وَقَالَ خَدِيجُ بْنُ الْعَوْجَاءِ النّصْرِيّ:
لَمّا دَنَوْنَا مِنْ حُنَيْنٍ وَمَائِهِ ... رَأَيْنَا سَوَادًا مُنْكَرَ اللّوْنِ أَخْصَفَا
بِمَلْمُومَةٍ شَهْبَاءَ لَوْ قَذَفُوا بِهَا ... شَمَارِيخَ مِنْ عُزْوَى إذَنْ عَادَ صَفْصَفَا
وَلَوْ أَنّ قَوْمِي طَاوَعَتْنِي سَرَاتُهُمْ ... إذَنْ مَا لَقِينَا الْعَارِضَ الْمُتَكَشّفَا
إذَنْ مَا لَقِينَا جُنْدَ آلِ مُحَمّدٍ ... ثَمَانِينَ أَلْفًا واستمدّوا بخندفا
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3050
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذِكْرُ غَزْوَةِ حُنَيْنٍ وَحُنَيْنٌ الّذِي عُرِفَ بَهْ الْمَوْضِعُ هُوَ: حُنَيْنُ بْنُ قَانِيَةَ بْنِ مَهْلَايِلَ «١» كَذَا قَالَ الْبَكْرِيّ، وَقَدْ قَدّمْنَا أَنّهُ قَالَ فِي خَيْبَرَ مِثْلَ هَذَا أَنّهُ ابْنُ قَانِيَةَ، فَاَللهُ أَعْلَمُ.
مِنْ الْبَلَاغَةِ النّبَوِيّةِ:
وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا غَزْوَةُ أَوْطَاسٍ سُمّيَتْ بِالْمَوْضِعِ الّذِي كَانَتْ فِيهِ الْوَقْعَةُ وَهُوَ مِنْ وَطَسْت الشّيْءَ وَطْسًا إذَا كَدّرْته، وَأَثّرْت فِيهِ. وَالْوَطِيسُ: نَقْرَةٌ فِي حُجَرٍ تُوقَدُ حَوْلَهُ النّارُ، فَيُطْبَخُ بِهِ اللّحْمُ، وَالْوَطِيسُ التّنّورُ، وَفِي غَزْوَةِ أَوْطَاسٍ قَالَ النّبِيّ ﷺ : الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ «٢» ، وَذَلِكَ حِينَ اسْتَعَرْت الْحَرْبُ، وَهِيَ مِنْ الْكَلِمِ الّتِي لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهَا ﷺ ، فَمِنْهَا هَذِهِ، وَمِنْهَا: مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، قَالَهَا فِي فَضْلِ مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَتِيكٍ، قَالَ: ابْنُ عَتِيكٍ: وَمَا سَمِعْت هَذِهِ الْكَلِمَةَ يَعْنِي:
حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ أَحَدِ الْعَرَبِ قَبْلَهُ- ﷺ وَمِنْهَا لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرّتَيْنِ «٣» قَالَهَا لِأَبِي عَزّةَ الْجُمَحِيّ يَوْمَ أُحُدٍ، وَقَدْ مَضَى حديثه.
стр. 3051
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمِنْهَا: لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ، وَسَيَأْتِي سَبَبُهُمَا.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُ ﵇: يَا خَيْلَ اللهِ ارْكَبِي، قَالَهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ أَيْضًا فِي حَدِيثٍ خَرّجَهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ الْجَاحِظُ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ عَنْ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ:
لَمْ يَبْلُغْنَا مِنْ رَوَائِعِ الْكَلَامِ مَا بَلَغَنَا عَنْ النّبِيّ ﷺ «١» ، وَغَلِطَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَنُسِبَ إلَى التّصْحِيفِ، وَإِنّمَا قَالَ الْقَائِلُ: مَا بَلَغَنَا عَنْ الْبَتّيّ، يُرِيدُ عُثْمَانَ الْبَتّيّ «٢» فَصَحّفَهُ الجاحظ، قالوا: وَالنّبِيّ- ﷺ أَجَلّ مِنْ أَنْ يُخْلَطَ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ الْفُصَحَاءِ، حَتّى يُقَالَ: مَا بَلَغَنَا عَنْهُ مِنْ الْفَصَاحَةِ أَكْثَرُ مِنْ الّذِي بَلَغَنَا عَنْ غَيْرِهِ، كَلَامُهُ أَجَلّ مِنْ ذَلِك، وَأَعْلَى، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ.
ابْنُ الصّمّةِ وَالْخَنْسَاءُ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ دُرَيْدَ بْنَ الصّمّةِ الْجُشَمِيّ أَحَدَ بَنِي جُشَمِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، وَفِيهِ تَقُولُ الْخَنْسَاءُ حِينَ خَطَبَهَا: مَا كُنْت تَارِكَةً بَنِي عَمّي، كَأَنّهُمْ صُدُورُ الرّمَاحِ ومرتتة شَيْخًا مِنْ بَنِي جُشَمٍ «٣» ، وَهُوَ دريّد بن الصّمّة بن بكر
стр. 3052
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن عَلْقَمَةَ بْنِ خُزَاعَةَ بْنِ غَزِيّةَ بْنِ جُشَمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، يُكَنّى أَبَا قُرّةَ، وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ زِيَادٍ يُقَالُ: كَانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ سِتّينَ وَمِائَةٍ، وَرَوَى أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللّيْثِ عَنْ اللّيْثِ قَالَ: كَانَ دُرَيْدٌ يَوْمَئِذٍ ابْنَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
وَقَوْلُهُ: فِي شِجَارٍ لَهُ، الشّجَارُ: مِثْلُ الْهَوْدَجِ، وَفِي الْعَيْنِ: الشّجَارُ خَشَبُ الْهَوْدَجِ.
وقوله: فأنقض بِهِ، أَيْ: صَوّتَ، بِلِسَانِهِ فِي فَمِهِ مِنْ النّقِيضِ، وَهُوَ الصّوْتُ، وَقِيلَ: الْإِنْقَاضُ بِالْإِصْبَعِ الْوُسْطَى وَالْإِبْهَامِ، كَأَنّهُ يَدْفَعُ بِهِمَا شَيْئًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْبَرْقِيّ.
وَقَوْلُهُ: رَاعِي ضَأْنٍ، يُجَهّلُهُ بِذَلِكَ، كَمَا قَالَ الشّاعِرُ:
أَصْبَحْت هُزُءَ الرّاعِي الضّأْنِ أُعْجِبُهُ ... مَاذَا يَرِيبُك مِنّي رَاعِيَ الضّانِ
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ- ﵁ لِرَجُلٍ: قُمْ فَمَا نَفَعَك صِدَاغٌ وَلَا رَاعِي ضَأْنٍ. وَالدّرَيْدُ فِي اللّغَةِ: تَصْغِيرُ أَدْرَدَ، وَهُوَ تَصْغِيرُ التّرْخِيمِ، وَالصّمّةُ:
الشّجَاعُ، وَجَمْعُهُ: صِمَمٌ.
مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ وَابْنُ حَدْرَدٍ:
وَذَكَرَ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ النّصْرِيّ رَئِيسَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ يَرْبُوعَ بْنِ وَاثِلَةَ بْنِ دُهْمَانَ بْنِ نَصْرِ ابن مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ النّصْرِي.
стр. 3053
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ بَعْثَ النّبِيّ- ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي حَدْرَدٍ عَيْنًا إلَى هَوَازِنَ، وَهُوَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ سَعْدٍ، وَسَلَامَةُ هُوَ أَبُو حَدْرَدٍ، وَهُوَ مِنْ بَنِي هَوَازِنَ بْنِ أَسْلَمَ بْن أَفْصَى بْنِ حَارِثَةَ، وَهُمْ إخْوَةُ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، أَعْنِي بَنِي أَسْلَمَ بْنِ أَفْصَى، مَاتَ عَبْدُ اللهِ سَنَةَ إحْدَى وَسَبْعِينَ، وَهُوَ الْعَامُ الّذِي قُتِلَ فِيهِ مُصْعَبُ بْنُ الزّبَيْرِ. شَهِدَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ مَعَ النّبِيّ- ﷺ الْحُدَيْبِيَةَ، وَمَا بَعْدَهَا، وَفَاتَهُ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ.
حَوْلَ قَصِيدَةِ عَبّاسٍ النّونِيّةِ:
وَذَكَرَ شِعْرَ عَبّاسٍ وَفِيهِ:
أَصَابَتْ الْعَامَ رِعْلًا
وَهِيَ قَبِيلَةٌ مِنْ سُلَيْمٍ، وَفِي الْحَدِيثِ: قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرَيْنِ يَدْعُو عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعَصِيّةَ، وَهُمْ الّذِينَ غَدَرُوا بِأَصْحَابِ بِئْرِ مَعُونَةَ.
وَقَوْلُهُ:
خَيْلُ ابْنِ هَوْذَةَ لَا تُنْهَى وَإِنْسَانُ
إنْسَانُ: قَبِيلَةٌ مِنْ قَيْسٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي نَصْرٍ، قَالَهُ الْبَرْقِيّ، وَقِيلَ: هُمْ مِنْ بَنِي جُشَمِ بْنِ بَكْرٍ، وَمِنْ بَنِي إنْسَانَ: شيطان بن مدلج صاحب حميدة «١» وهى
стр. 3054
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَرَسٌ لَهُ تَضْرِبُ بِهَا الْعَرَبُ الْمَثَلَ فِي الشّؤْمِ، فَيُقَالُ أَشْأَمُ مِنْ حَمِيدَةَ، وَسَبَبُ ذَلِكَ خَبَرٌ يَطُولُ، ذَكَرَهُ الْأَصْبَهَانِيّ فِي الْأَمْثَالِ.
سَعْدٌ وَدَهْمَانُ:
وَسَعْدٌ وَدَهْمَانُ ابْنَا نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ، كَذَا وَجَدْته فِي بَعْضِ الْمُعَلّقَاتِ، وَالْمَعْرُوفُ فِي قَيْسٍ: دُهْمَانَ بْنُ أَشْجَعَ بْنِ ريث بن غطفان والد نصر ابن دُهْمَانَ الّذِي عَاشَ مِائَةً وَتِسْعِينَ سَنَةً، حَتّى تقوّم ظَهْرُهُ بَعْدَ انْحِنَاءٍ، وَاسْوَدّ شَعْرُهُ بَعْدَ ابْيِضَاضٍ، فَكَانَ أُعْجُوبَةً فِي الْعَالَمِ، وَقَالَ الشّاعِرُ:
لِنَصْرِ بْنِ دُهْمَانَ الْهُنَيْدَةُ عَاشَهَا ... وَتِسْعِينَ حَوْلًا ثُمّ قُوّمَ فَانْصَاتَا
وَعَادَ سَوَادُ الرّأْسِ بَعْدَ ابْيِضَاضِهِ ... وَلَكِنّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ قَدْ مَاتَا «١»
وَمِمّنْ ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ أَبُو الْحَسَنِ الدّارَقُطْنِيّ ﵀.
وَحُنَيْنٌ: اسْمُ جَبَلٍ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ: أَنْجَدَ مَنْ رَأَى حُنَيْنًا.
وَقَوْلُهُ: مِمّا يَشْتَوِي حَذَفٌ. الْحَذَفُ: غَنَمٌ سُودٌ صِغَارٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ، وَفِي الْحَدِيثِ سَوّوا صُفُوفَكُمْ، لَا تَخَلّلَكُمْ الشّيَاطِينُ كَأَنّهَا بنات حذف «٢»
стр. 3055
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَعْنِي فِي الصّفّ فِي الصّلَاةِ، هَكَذَا قَالَ الْبَرْقِيّ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْبَيْتِ، وَاَلّذِي أَرَادَ الشّاعِرُ: إنّمَا هُوَ رَجُلٌ، فَلَعَلّهُ كَانَ يُسَمّى بحذف، ولحذف هِيَ الْغَنَمُ السّودُ الّتِي ذَكَرْنَا.
وَقَوْلُهُ:
كُلّ شِوَاءِ الْعِيرِ جُوفَانُ «١»
يُقَالُ: إنّهُ شُوِيَ لَهُ غُرْمُولُ حِمَارٍ، فَأَكَلَهُ فِي الشّوَاءِ فَوَجَدَهُ أَجْوَفَ، وَقِيلَ لَهُ: إنّهُ الْقُنْبُ، أَيْ: وِعَاءُ الْقَضِيبِ، فَقَالَ: كُلّ شِوَاءِ الْعِيرِ جُوفَانُ، فَضُرِبَ هَذَا الْكَلَامُ مَثَلًا، وَقِيلَ: كَانَ فَزَارِيّ وَتَغْلِبِيّ وَكَلْبِيّ اجتمعوا فى سفر، وَقَدْ اشْتَوَوْا حِمَارَ وَحْشٍ، فَغَابَ الْفَزَارِيّ فِي بعض حاجاته، فأكل صاحباه العير واختباله غرمولاه، فَلَمّا جَاءَ قَالَا لَهُ: هَذَا خَبْؤُنَا لَك، فَجَعَلَ يَأْكُلُ، وَلَا يُسِيغُهُ، فَضَحِكَا مِنْهُ، فَاخْتَرَطَ سيفه، وقال: لا قتلتكما إنْ لَمْ تَأْكُلَاهُ، فَأَبَى أَحَدُهُمَا فَضَرَبَهُ بِالسّيْفِ، فَأَبَانَ رَأْسَهُ، وَكَانَ اسْمُهُ:
مِرْقَمَهْ، فَقَالَ صَاحِبُهُ طَاحَ مِرْقَمَهْ، فَقَالَ الْفَزَارِيّ، وَأَنْتَ إنْ لَمْ تَلْقُمْهُ أَرَادَ: تَلْقُمَهَا، فَطَرَحَ حَرَكَةَ الْهَاءِ عَلَى الْمِيمِ، وَحَذَفَ الْأَلِفَ كَمَا قَدْ قِيلَ فِي الْحِيرَةِ أَيّ رِجَالٍ بِهِ أَيْ بِهَا، وَقَدْ عُيّرَتْ فَزَارَةُ بِهَذَا الْخَبَرِ حَتّى قَالَ سَالِمُ بْنُ دَارَةَ:
لَا تَأْمَنَن فَزَارِيّا خَلَوْت بِهِ ... عَلَى قُلُوصِك، وَاكْتُبْهَا بِأَسْيَارِ
لَا تَأْمَنَنهُ وَلَا تَأْمَنْ بَوَائِقَهُ ... بَعْدَ الّذِي امْتَلّ أَيْرَ الْعَيْرِ فى النار
стр. 3056
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَطْعَمْتُمْ الضّيْفَ غُرْمُولًا مُخَاتَلَةً ... فَلَا سَقَاكُمْ إلَهِي الْخَالِقُ الْبَارِي
مِنْ كِتَابِ الْأَمْثَالِ لِلْأَصْبَهَانِيّ. فَهَذَا الْفَزَارِيّ هُوَ حَذَفٌ الْمَذْكُورُ فِي الْبَيْتِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ:
وَالْأَجْرَبَانِ بَنُو عَبْسٍ وَذُبْيَانُ
سَمّاهُمَا بِالْأَجْرَبَيْنِ تَشْبِيهًا بِالْأَجْرَبِ الّذِي لَا يُقْرَبُ، وَقَالَ مَجْذُومٌ مِنْ الْعَرَبِ:
بِأَيّ فَعَالٍ رَبّ أُوتِيت مَا أَرَى ... أَظَلّ كَأَنّي كُلّمَا قُمْت أَجْرَبُ
أَيْ: يُفَرّ مِنّي، وَفِي الْخَبَرِ أَنّ عُمَرَ لَمّا نُهِيَ النّاسُ عن مجالسة صبيغ بْنِ عَسَلٍ كَانَ كُلّمَا حَلّ مَوْضِعًا تَفَرّقَ النّاسُ عنه كأنه بعير أجرب «١» ، ومن
стр. 3057
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَوَاهُ الْأَجْرَبَانُ بِضَمّ النّونِ، فَهُوَ جَائِزٌ فِي كُلّ اثْنَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ كَالْجَلَمَيْنِ، يُقَالُ فِيهِمَا. الْجَلَمَانُ «١» بِضَمّ النّونِ، وَكَذَلِكَ الْقَمَرَانِ، وَرُوِيَ أَنّ فَاطِمَةَ- رضى الله عنها- نادت الميها فِي لَيْلَةِ ظُلْمَةٍ: يَا حَسَنَانُ يَا حُسَيْنَانُ بِضَمّ النّونِ، قَالَهُ الْهَرَوِيّ فِي الْغَرِيبَيْنِ.
أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبْ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ- ﷺ أَيْنَ أَيّهَا النّاسُ؟! أَنَا مُحَمّدٌ، أَنَا رَسُولُ اللهِ، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرّوَايَةِ:
أَنَا النّبِيّ لَا كَذِبْ ... أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِب «٢»
وَهُوَ كَلَامٌ مَوْزُونٌ، وَقَدْ تَقَدّمَ الْكَلَامُ فِي مِثْلِ هَذَا، وَأَنّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ حَتّى يُقْصَدَ بِهِ الشّعْرُ. وَلِلْخَطّابِيّ فِي كِتَابِ الْأَعْلَامِ تَنْبِيهٌ عَلَى قَوْلِهِ: أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبْ، قَالَ: إنّمَا خَصّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ بِالذّكْرِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَقَدْ انْهَزَمَ النّاسُ تَشْبِيهًا لِنُبُوّتِهِ، وَإِزَالَةً لِلشّكّ لِمَا اشْتَهَرَ، وَعُرِفَ مِنْ رُؤْيَا عَبْدِ الْمُطّلِبِ الْمُبَشّرَةِ بِالنّبِيّ ﷺ ، وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُهَا، وَلِمَا أَنْبَأَتْ بِهِ الْأَحْبَارُ وَالرّهْبَانُ، فَكَأَنّهُ يَقُولُ: أَنَا ذاك، فلابد مما وعدت به لئلا ينهزموا عنه،
стр. 3058
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَيَظُنّوا أَنّهُ مَقْتُولٌ وَمَغْلُوبٌ، فَاَللهُ أَعْلَمُ أَأَرَادَ ذَلِكَ رَسُولُهُ أَمْ لَا.
شَيْبَةُ وَمُحَاوَلَةُ قَتْلِ الرّسُولِ ﷺ :
وَذَكَرَ قِصّةَ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ حِينَ أَرَادَ قَتْلَ النّبِيّ ﷺ ، قَالَ فَجَاءَ شَيْءٌ حَتّى تَغَشّى فُؤَادِي، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ، قَالَ شَيْبَةُ: الْيَوْمَ آخُذُ بِثَأْرِي، فَجِئْت النّبِيّ ﷺ مِنْ خَلْفِهِ، فَلَمّا هَمَمْت بِهِ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خَنْدَقٌ مِنْ نَارٍ وَسُوَرٌ مِنْ حَدِيدٍ، قَالَ:
فَالْتَفَتَ إلَيّ النّبِيّ- ﷺ وَتَبَسّمَ، وَعَرَفَ الّذِي أَرَدْت، فَمَسَحَ صَدْرِي، وَذَهَبَ عَنّي الشّكّ، أَوْ كَمَا قَالَ، ذَهَبَ عَنّي بَعْضُ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ «١» .
أُمّ سُلَيْمٍ وَالْفِرَارُ يَوْمَ حُنَيْنٍ:
وَذَكَرَ أُمّ سُلَيْمٍ وَهِيَ مُلَيْكَةُ بِنْتُ مِلْحَانَ، وَقَالَ فِي اسْمِهَا رُمَيْلَةَ، وَيُقَالُ: سُهَيْلَةُ، وَتُعْرَفُ بِالْغُمَيْصَاءِ ولرّميصاء لِرَمَصٍ كَانَ فِي عَيْنَيْهَا، وَأَبُو طَلْحَةَ بَعْلُهَا هُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ وهو القائل:
стр. 3059
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَنَا أَبُو طَلْحَةَ، وَاسْمِي: زَيْدٌ ... وَكُلّ يَوْمٍ فِي سِلَاحِي صَيْدٌ
وَقَوْلُ أُمّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللهِ اُقْتُلْ هَؤُلَاءِ الّذِينَ يَنْهَزِمُونَ عَنْك.
إنْ قِيلَ: كَيْفَ فَرّ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَنْهُ حَتّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مِنْهُمْ إلّا ثَمَانِيَةٌ، وَالْفِرَارُ مِنْ الزّحْفِ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ مَا أَنْزَلَ. قُلْنَا: لَمْ يُجْمِعْ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ إلّا فِي يَوْمِ بَدْرٍ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ وَنَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلّ عَلَى هَذَا، فَإِنّهُ قَالَ: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ فَيَوْمَئِذٍ إشَارَةٌ إلَى يَوْمِ بَدْرٍ، ثُمّ نَزَلَ التّحْقِيقُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فِي الْفَارّينَ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ قَوْلُهُ:
وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ وَكَذَلِكَ أَنْزَلَ فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ إلَى قَوْلِهِ: غَفُورٌ رَحِيمٌ وفى تفسير ابن سلام:
كان الْفِرَارُ مِنْ الزّحْفِ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ الْكَبَائِرِ، وَكَذَلِك يَكُونُ مِنْ الْكَبَائِرِ فِي مَلْحَمَةِ الرّومِ الْكُبْرَى «١» ، وَعِنْدَ الدّجّالِ، وَأَيْضًا فَإِنّ الْمُنْهَزِمِينَ عَنْهُ ﵇ رَجَعُوا لِحِينِهِمْ، وَقَاتَلُوا مَعَهُ حَتّى فتح الله عليهم.
стр. 3060
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَوْلَ رَجَزٍ مَالِكٍ:
وَقَوْلُ مَالِكٍ فِي رَجَزِهِ:
قد أطعن الطّعنة تقذى بالسّبر
стр. 3061
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السّبُرُ: جَمْعُ سَابِرٍ، وَهُوَ الْفَتِيلُ الّذِي يُسْبَرُ به الجرح أى: يخبر.
وَقَوْلُهُ فِي الرّجَزِ الْآخَرِ:
أَقْدِمْ مُحَاجُ إنّهَا الْأَسَاوِرَهْ
وَقَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ: هُمَا لِغَيْرِ مَالِكٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْيَوْمِ، يَعْنِي يَوْمَ الْقَادِسِيّةِ، وَكَانَتْ الدّوْلَةُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الْفُرْسِ، وَالْأَسَاوِرَةُ: مُلُوكُ الْفُرْسِ، وَقُتِلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ رُسْتُمُ مَلِكُهُمْ دُونَ الْمَلِكِ الْأَكْبَرِ، وَكَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ: بِمَ سُمّيَتْ الْقَادِسِيّةُ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ فِي سَلَبِ الْقَتِيلِ، قَالَ: فَاشْتَرَيْت بِثَمَنِهِ مَخْرَفًا فَإِنّهُ لَأَوّلُ مَالٍ اعْتَقَدْته، يُقَالُ: اعْتَقَدْت مَالِي، أَيْ: اتّخَذْت مِنْهُ عُقْدَةً، كَمَا تَقُولُ: نُبْذَةٌ، أَوْ قِطْعَةٌ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مِنْ الْعَقْدِ، وَأَنّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا عَقَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْشَدَ أبو على [الفالى] :
وَلَمّا رَأَيْت الدّهْرَ أَنْحَتْ صُرُوفُهُ ... عَلَيّ وَأَوْدَتْ بالذّخائر والعقد
стр. 3062
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَذَفْت فُضُولَ الْعَيْشِ حَتّى رَدَدْتهَا ... إلَى الْقُوتِ خَوْفًا أَنْ أُجَاءَ إلَى أَحَدْ «١»
وَيُرْوَى: تَأَثّلْته، وَهِيَ رِوَايَةُ الْمُوَطّأِ، وَيُقَالُ: مَخْرَفٌ بِفَتْحِ الرّاءِ وَكَسْرِهَا، وَأَمّا كَسْرُ الْمِيمِ فَإِنّمَا هُوَ لِلْمِخْرَفِ، وَهِيَ الْآلَةُ الّتِي تُخْتَرَفُ بِهَا التّمْرَةُ أَيْ تُجْتَنَى «٢» بِفَتْحِ الْمِيمِ مَعْنَاهُ الْبُسْتَانُ مِنْ النّخْلِ، هَكَذَا فَسّرُوهُ، وَفَسّرَهُ الْحَرْبِيّ، وَأَجَادَ فِي تَفْسِيرِهِ، فَقَالَ: الْمَخْرَفُ: نَخْلَةٌ وَاحِدَةٌ أَوْ نَخَلَاتٌ يَسِيرَةٌ إلَى عَشْرٍ، فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ، فَهُوَ بُسْتَانٌ أَوْ حَدِيقَةٌ، وَيُقَوّي مَا قَالَهُ الْحَرْبِيّ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، قَالَ: الْمَخْرَفُ:
مِثْلُ الْخَرُوفَةِ، وَالْخَرُوفَةُ: هِيَ النّخْلَةُ يَخْتَرِفُهَا الرّجُلُ لِنَفْسِهِ وَلِعِيَالِهِ، وَأَنْشَدَ:
مِثْلُ الْمَخَارِفِ مِنْ خَيْلَانَ أَوْ هَجَرَا؟؟؟
قال: ويقال للخروفة: خَرِيفَةٌ أَيْضًا.
السّلَبُ لِلْقَاتِلِ:
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ من الفقه أن السّلب للقاتل حكما شرعيّا جعل ذلك الإمام له، أو لم يَجْعَلُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ «٣» ، وَقَالَ مَالِكٌ: إنّمَا ذلك إلى
стр. 3063
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْإِمَامِ لَهُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ مَعْمَعَةِ الْحَرْبِ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ «١» ، وَيَكْرَهُ مَالِكٌ ﵀ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقِتَالِ لِئَلّا يُخَالِطَ النّيّةَ غَرَضٌ آخَرُ غَيْرُ احْتِسَابِ نَفْسِهِ لِلّهِ تَعَالَى، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا.
نُزُولُ الْمَلَائِكَةِ:
وَقَوْلُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: لَقَدْ رَأَيْت مِثْلَ الْبِجَادِ، يَعْنِي الْكِسَاءَ مِنْ النّمْلِ مَبْثُوثًا، يَعْنِي رَآهُ يَنْزِلُ مِنْ السّمَاءِ. قَالَ: لَمْ أَشُكّ أَنّهَا الْمَلَائِكَةُ، وَقَدْ قَدّمَ ابْنُ إسْحَاقَ قَوْلَ الْآخَرِ: رَأَيْت رِجَالًا بِيضًا عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ، وَكَانَتْ الْمَلَائِكَةُ فَأَرَاهُمْ اللهُ لِذَلِكَ الْهَوْاَزنِيّ عَلَى صُوَرِ الْخَيْلِ وَالرّجَالِ تَرْهِيبًا لِلْعَدُوّ، وَرَآهُمْ جُبَيْرٌ عَلَى صُورَةِ النّمْلِ الْمَبْثُوثِ إشْعَارًا بِكَثْرَةِ عَدَدِهَا، إذْ النّمْلُ لَا يُسْتَطَاعُ عَدّهَا مَعَ أَنّ النّمْلَةَ يُضْرَبُ بِهَا الْمَثَلُ فِي الْقُوّةِ، فَيُقَالُ: أَقْوَى مِنْ النّمْلَةِ، لِأَنّهَا تَحْمِلُ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ جِرْمِهَا بِأَضْعَافٍ، وَقَدْ قَالَ رَجُلٌ لِبَعْضِ الْمُلُوكِ: جَعَلَ اللهُ قُوّتَك قُوّةَ النّمْلَةِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْحَيَوَانِ مَا يَحْمِلُ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ إلّا النّمْلَةُ «٢» ، وَهَذَا الْمَثَلُ قَدْ ذكره الأصبهانى فى كتاب الأمثال مَقْرُونًا بِهَذَا الْخَبَرِ، وَقَدْ أُهْلِكَ بِالنّمْلِ أُمّةٌ من الأمم، وهم جرهم.
стр. 3064
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَوْلَ قَصِيدَةِ ابْنِ مِرْدَاسٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ عَبّاسٍ:
وَسَوْفَ إخَالُ يَأْتِيك «١» الْخَبِيرُ
الْفِعْلُ الْمُسْتَقْبَلُ هُوَ: يَأْتِيك، وَإِنْ كَانَ حَرْفُ سَوْفَ دَاخِلًا عَلَى إخَالُ فِي اللّفْظِ، فَإِنّ مَا يَدُلّ عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِقْبَالِ إنّمَا هُوَ الْفِعْلُ الثّانِي كَمَا قَالَ:
وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إخَالُ أَدْرِي «٢»
وَذَلِكَ أَنّ إخَالُ فِي مَعْنَى: أَظُنّ، وَلَيْسَ يُرِيدُ أَنّهُ يَظُنّ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ، وَإِنّمَا يُرِيدُ أَنْ يَخَالَ الْآنَ أَنْ سَيَكُونُ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ:
فإن يهدوا إلى الإسلام يلقوا ... أُنُوفَ النّاسِ مَا سَمَرُ السّمِيرُ
أُنُوفَ النّاسِ انْتَصَبَ عَلَى الْحَالِ، لِأَنّهُ نَكِرَةٌ لَمْ يَتَعَرّفْ بِالْإِضَافَةِ، لِأَنّهُ لَمْ يَرِدْ الْأُنُوفُ بِأَعْيَانِهَا، وَلَكِنّ أشرافا، وهذا كقوله:
بمنجرد قيد الأوابد «٣»
стр. 3065
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِأَنّهُ جَعَلَهُ كَالْقَيْدِ، وَمِثْلُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ فِي: نَصْبِ غَمَائِمَ الْأَبْصَارِ، عَلَى الْحَالِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ مَا مَنَعَهُ سِيبَوَيْهِ حِينَ قال معترضا على الخيل:
لَوْ قُلْت مَرَرْت بِقَصِيرٍ الطّوِيلَ، تُرِيدُ: مِثْلَ الطّوِيلِ، لَمْ يَجُزْ، وَاَلّذِي أَرَادَهُ الْخَلِيلُ هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ اسْتِعَارَةِ الْكَلِمَةِ عَلَى جِهَةِ التّشْبِيهِ، نَحْوَ قَيْدِ الْأَوَابِدِ، وَأُنُوفِ النّاسِ تُرِيدُ: أَشْرَافَهُمْ، فَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ وَصْفًا لِلنّكِرَةِ وَحَالًا مِنْ الْمَعْرِفَةِ، وَقَدْ أَلْحَقَ بِهَذَا الْبَابِ: لَهُ صَوْتٌ صَوْتُ الْحِمَارِ، عَلَى الصّفة، وضعّفه سيبويه فى الحال، قال: وَهُوَ فِي الصّفّةِ أَقْبَحُ، وَإِنّمَا أَلْحَقَهُ الْخَلِيلُ بِمَا تَنَكّرَ، وَهُوَ مُضَافٌ إلَى مُعْرِفَةٍ مِنْ أَجْلِ تُكَرّرْ اللّفْظِ فِيهِ، فَحَسُنَ لِذَلِك.
وَقَوْلُهُ: وَأُسْلِمَتْ النّصُورُ. ذَكَرَ الْبَرْقِيّ أَنّ النّصُورَ هَاهُنَا جَمْعُ: نَاصِرٍ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي كَذَلِك. فَإِنّ فَاعِلًا قَلّ مَا يُجْمَعُ عَلَى فَعُولٍ، وَإِنْ جُمِعَ فَلَيْسَ هُوَ بِالْقِيَاسِ الْمُطّرِدِ، وَإِنّمَا هُمْ بنو نصر مِنْ هَوَازِنَ رَهْطُ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النّصْرِيّ يُقَال لَهُمْ النّصُورُ، كَمَا يُقَال لِبَنِي الْمُهَلّبِ الْمَهَالِبَةُ، وَلِبَنِي الْمُنْذِرِ:
الْمَنَاذِرَةِ، وَكَمَا يُقَال الْأَشْعَرُونَ، وَهُمْ بَنُو أَشْعَرَ بْنِ أُدَدٍ، وَالتّوَتْيَاتُ لِبَنِي تويت بْنِ أَسَدٍ
جَمْعُ أَخ وَابْنٍ:
وَقَوْلُهُ: إنّا أَخُوكُمْ، جَمَعَ أَخًا جَمْعًا مُسْلَمًا بِالْوَاوِ وَالنّونِ، ثُمّ حُذِفَتْ النّونُ لِلْإِضَافَةِ، كَمَا أَنْشَدُوا:
стр. 3066
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَمّا تَبَيّنّ أَصْوَاتَنَا بَكَيْنَ ... وَفَدّيْنَنَا بِالْأَبِينَا «١»
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَضْعُ الْوَاحِدِ مَوْضِعَ الْجَمِيعِ، كَمَا تَقَدّمَ فِي قَوْلِهِ: أَنْتُمْ الْوَلَدُ، وَنَحْنُ الْوُلْدُ.
مِنْ وَصْفِ الزّبَيْرِ:
وَقَوْلُهُ فِي صِفَةِ الزّبَيْرِ: طَوِيلُ الْبَادّ، أَيْ: الْفَخْرِ، وَالْبَدَدُ: تَبَاعُدُ مَا بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ.
مِنْ أَحْكَامِ الْقِتَالِ:
وَقَوْلُهُ فِي الْمَرْأَةِ الْمَقْتُولَةِ: أَدْرِكْ خَالِدًا، فَقُلْ: أن رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَاك أَنْ تَقْتُلَ وَلِيدًا، أَوْ امْرَأَةً، أَوْ عَسِيفًا الْعَسِيفُ: الْأَجِيرُ، وَهَذَا مُنْتَزَعٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، لِأَنّهُ يَقُولُ: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ فَاقْتَضَى دَلِيلُ الْخِطَابِ أَلَا تُقْتَلَ الْمَرْأَةُ إلّا أَنْ تُقَاتِلَ، وَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ قَاسَ مَسْأَلَةَ الْمُرْتَدّةِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَإِنّ الْمُرْتَدّةَ لَا تسترقّ ولا تسبى،
стр. 3067
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَمَا تُسْبَى نِسَاءُ الْحَرْبِ وَذَرَارِيّهُمْ، فَتَكُونُ مَالًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَنَهَى عَنْ قَتْلِهِنّ لِذَلِكَ.
حُكْمُ رَفْعِ الْيَدِ فِي الدّعَاءِ:
وَذَكَرَ فِيمَنْ اُسْتُشْهِدَ أَبَا عَامِرٍ، وَاسْمُهُ: عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمِ بْنِ حَصّارٍ، وَهُوَ عَمّ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيّ، وَهُوَ الّذِي اسْتَغْفَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ- ﷺ حِينَ قُتِلَ رَافِعًا يَدَيْهِ جِدّا، يَقُولُ: اللهُمّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ ثَلَاثًا، وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي الدّعَاءِ، وَقَدْ كَرِهَهُ قَوْمٌ، رَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ أَنّهُ رَأَى قَوْمًا يرفعون أيديهم فى الدعاء، فقال:
أو قد رَفَعُوهَا؟ قَطَعَهَا اللهُ، وَاَللهِ لَوْ كَانُوا بِأَعْلَى شَاهِقٍ مَا ازْدَادُوا مِنْ اللهِ بِذَلِكَ قُرْبًا وَذُكِرَ لِمَالِكٍ أَنّ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزّبَيْرِ كَانَ يَدْعُو بِإِثْرِ كُلّ صَلَاةٍ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَقَالَ: ذَلِكَ حَسَنٌ، وَلَا أَرَى أَنْ يَرْفَعَهُمَا جِدّا.
وَحُجّةُ مَنْ رَأَى الرّفْعَ أَحَادِيثُ مِنْهَا مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، وَمِنْهَا حَدِيثٌ تَقَدّمَ فِي سَرِيّةِ الْغُمَيْصَاءِ حِينَ رَفَعَ النّبِيّ- ﷺ يَدَيْهِ، وَقَالَ:
اللهُمّ إنّي أَبْرَأُ إلَيْك مِمّا صَنَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ثَلَاثَ مَرّاتٍ وَلِكُلّ شَيْءٍ وَجْهٌ، فَمَنْ كَرِهَ، فَإِنّمَا كَرِهَ الْإِفْرَاطَ فِي الرّفْعِ كَمَا كُرِهَ رَفْعُ الصّوْتِ بِالدّعَاءِ جِدّا. قَالَ ﷺ : أَرْبِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمّ وَلَا غَائِبًا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ الّذِي قَدّمْنَاهُ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ.
الْحَفْنَةُ وَشَاهَتْ الْوُجُوهُ:
فَصْلٌ: وَمِمّا ذُكِرَ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ الحفنة التى
стр. 3068
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَخَذَهَا النّبِيّ ﷺ مِنْ الْبَطْحَاءِ، وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ، فَرَمَى بِهَا أَوْجُهَ الْكُفّارِ، وَقَالَ: شَاهَتْ الْوُجُوهُ «١» ، فَانْهَزَمُوا. وَالْمُسْتَقْبَلُ مِنْ شَاهَتْ:
تَشَاهُ، لِأَنّ وَزْنَهُ فَعَلَ، وَفِيهِ أَنّ الْبَغْلَةَ حَضَجَتْ بِهِ إلَى الْأَرْضِ حِينَ أَخَذَ الحفنة، ثم قامت به، وفسروا حَضَجَتْ، أَيْ: ضَرَبَتْ بِنَفْسِهَا إلَى الْأَرْضِ، وَأَلْصَقَتْ بَطْنَهَا بِالتّرَابِ، وَمِنْهُ الْحِضَاجُ، وَهُوَ زِقّ مَمْلُوءٌ قَدْ أُسْنِدَ إلَى شَيْءٍ، وَأَمِيلُ إلَيْهِ، وَالْبَغْلَةُ الّتِي كَانَ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ هِيَ الّتِي تُسَمّى الْبَيْضَاءَ «٢» ، وَهِيَ الّتِي أَهْدَاهَا إلَيْهِ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ، وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُ الْأُخْرَى، وَاسْمُهَا:
دُلْدُلُ وَذِكْرُ مَنْ أَهْدَاهَا إلَيْهِ.
نِدَاءُ أَصْحَابِ الشّجَرَةِ:
وَذَكَرَ نِدَاءَ الْعَبّاسِ: يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ السّمُرَةِ، وَكَانَ الْعَبّاسُ صِيّتَا جَهِيرًا. وَأَصْحَابُ السّمُرَةِ: هُمْ أَصْحَابُ بَيْعَةِ الرّضْوَانِ الّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَ الشّجَرَةِ، وكانت الشجرة سمرة.
стр. 3069
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لضحاك بْنُ سُفْيَانَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ الضّحّاكَ بْنَ سُفْيَانَ الكلابى، وهو الضّحّاك بن سفيان ابن عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ كلاب الكلابىّ، يُكَنّى أَبَا سَعِيدٍ، وَكَانَ يَقُومُ عَلَى رَأْسِ النّبِيّ- ﷺ مُتَوَشّحًا بِالسّيْفِ، وَكَانَ يُعَدّ وَحْدَهُ بِمِائَةِ فَارِسٍ، وَكَانَتْ بَنُو سُلَيْمٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ تِسْعَمِائَةٍ، فَأَمّرَهُ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَأَخْبَرَهُ أَنّهُ قَدْ تَمّمَهُمْ بِهِ أَلْفًا، وَإِيّاهُ أَرَادَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ بِقَوْلِهِ:
جُنْدٌ بَعَثْت عَلَيْهِمْ الضّحّاكَا
وَقَالَ الْبَرْقِيّ: لَيْسَ الضّحّاكُ بْنُ سُفْيَانَ هَذَا بالكلابى، إنما هو الضحاك ابن سُفْيَانَ السّلَمِيّ.
وَذَكَرَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ نَسَبَهُ مَرْفُوعًا إلَى بُهْثَةَ ابن سُلَيْمٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو عُمَرَ فِي الصّحَابَةِ إلّا الْأَوّلُ، وَهُوَ الْكِلَابِيّ، فَاَللهُ أَعْلَمُ.
قَصِيدَةُ ابْنِ مِرْدَاسٍ الْعَيْنِيّةُ:
وَذَكَرَ شِعْرَ عَبّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ الّذِي أَوّلُهُ:
عَفَا مِجْدَلٌ مِنْ أَهْلِهِ فَمُتَالِعُ
الْمِجْدَلُ: الْقَصْرُ، وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ اسم علم لمكان.
وَفِيهِ:
فَمِطْلَا أَرِيكٍ
стр. 3070
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المطل: يمدّ ويقصر، وهى أرض تعقل لرّجل عن الشى، فَقِيلَ: إنّهَا مِفْعَالٌ مِنْ الطّلْيِ وَهُوَ الْجَرْيُ يُطْلَى، أَيْ تُعْقَلُ رِجْلُهُ، وَقِيلَ: إنّ الْمِطْلَاءَ فِعْلَاءُ مِنْ مَطَلْت إذَا مَدَدْت، وَجَمْعُهُ: مِطَالٌ فِي الْأَمَالِي:
أَمَا تَسْأَلَانِ اللهَ أَنّ يَسْقِيَ الحمى ... ألا فسقى الله الحمى فالمطايا «١»
وفيه:
نَذُودُ أَخَانَا عَنْ أَخِينَا، وَلَوْ نَرَى ... مَصَالًا لَكُنّا الْأَقْرَبِينَ نُتَابِعُ
يُرِيدُ أَنّهُ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَسُلَيْمٌ مِنْ قَيْسٍ، كَمَا أَنّ هَوَازِنَ مِنْ قَيْسٍ، كِلَاهُمَا ابْنُ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسٍ، فَمَعْنَى الْبَيْتِ: نُقَاتِلُ إخْوَتَنَا، وَنَذُودُهُمْ عَنْ إخْوَتِنَا مِنْ سُلَيْمٍ، وَلَوْ نَرَى فِي حُكْمِ الدّينِ مَصَالًا مُفْعِلًا مِنْ الصّوْلَةِ، لَكُنّا مَعَ الْأَقْرَبِينَ هَوَازِنُ:
وَلَكِنّ دِينَ اللهِ دِينُ مُحَمّدٍ ... رَضِينَا بِهِ فِيهِ الْهُدَى وَالشّرَائِعُ
وَفِيهِ قَوْلُهُ:
دَعَانَا إلَيْهِ خَيْرُ وَفْدٍ عَلِمَتْهُمْ ... خُزَيْمَةُ وَالْمَدّارُ «٢» مِنْهُمْ وَوَاسِعُ
هَؤُلَاءِ وَفْدُ بَنِي سُلَيْمٍ وَفَدُوا عَلَى النّبِيّ- ﷺ فأسلموا،
стр. 3071
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثُمّ دَعَوْا قَوْمَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَذَكَرَ فِيهِمْ الْمَدّارَ السّلَمِيّ، وَوَاسِعًا السّلَمِيّ، وَخُزَيْمَةَ، وَهُوَ خُزَيْمَةُ بْنُ جُزَيّ أَخُو حِبّانَ بْنِ جُزَيّ، وَكَانَ الدّارَقُطْنِيّ يَقُولُ فِيهِ: جِزَيّ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالزّايِ.
وَفِيهَا:
يَدَ اللهِ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ نُبَايِعُ
مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ أَقَامَ يَدَ رَسُول اللهِ ﷺ مَقَامَ يَدِهِ، كَمَا قَالَ- ﷺ فِي الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: هُوَ يَمِينُ اللهِ فِي الْأَرْضِ «١» ، أَقَامَهُ فِي الْمُصَافَحَةِ وَالتّقْبِيلِ مَقَامَ يَمِينِ الْمَلِكِ الّذِي يُصَافِحُ بِهَا، لِأَنّ الْحَاجّ وَافِدٌ عَلَى الْمَلِكِ الْأَعْلَى وَزَائِرٌ بَيْتَهُ، فَجَعَلَ تَقْبِيلَهُ الْحَجَرَ مُصَافَحَةً لَهُ، وَكَمَا جُعِلَتْ يَمِينُ السّائِلِ الْآخِذِ لِلصّدَقَةِ الْمُتَقَبّلَةِ يَمِينَ الرّحْمَنِ سُبْحَانَهُ تَرْغِيبًا فِي الصّدَقَةِ، وَتَبْشِيرًا بِقَبُولِهَا، وَتَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ مَنْ أُعْطِيَتْ لَهُ، فَإِنّمَا أَعْطَاهَا الْمُتَصَدّقُ لله سبحانه، وإياه سبحانه أقرض،
стр. 3072
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَقَالَ : وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ «١» التّوْبَةُ: ١٠٤ وَقَالَ ﷺ : إنّمَا يَضَعُهَا فِي كَفّ الرّحْمَنِ يُرَبّيهَا لَه الْحَدِيثُ.
شِعْرُ عَبّاسٍ الْكَافِي:
وَقَوْلُ عَبّاسٍ فِي الشّعْرِ الْكَافِي:
إنّ الْإِلَهَ بَنَى عَلَيْك مَحَبّةً ... فِي خَلْقِهِ وَمُحَمّدًا سَمّاكَا
مَعْنًى دَقِيقٌ وَغَرَضٌ نَبِيلٌ وَتَفَطّنٌ لِحِكْمَةٍ نَبَوِيّةٍ قَدْ بَيّنّاهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ فِي تَسْمِيَةِ اللهِ تَعَالَى لِنَبِيّهِ مُحَمّدًا وَأَحْمَدَ «٢» ، وَأَنّهُ اسْمٌ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ قَوْمِهِ قَبْلَهُ، وَأَنّ أُمّهُ أُمِرَتْ فِي الْمَنَامِ أَنْ تُسَمّيَهُ مُحَمّدًا، فَوَافَقَ مَعْنَى الِاسْمِ صِفَةَ الْمُسَمّى بِهِ مُوَافَقَةً تَامّةً قَدْ بَيّنّا شَرْحَهَا «٣» هُنَالِكَ، وَلِذَلِك قَالَ: بَنَى عَلَيْك مَحَبّةً، لِأَنّ الْبِنَاءَ تَرْكِيبٌ عَلَى أُسّ، فَأَسّسَ لَهُ سُبْحَانَهُ مُقَدّمَاتٍ لِنُبُوّتِهِ مِنْهَا: تَسْمِيَتُهُ بِمُحَمّدٍ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ، ثُمّ لَمْ يَزَلْ يُدْرِجُهُ فى محامد الأخلاق
стр. 3073
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَمَا تُحِبّهُ الْقُلُوبُ مِنْ الشّيَمِ، حَتّى بَلَغَ إلَى أَعْلَى الْمَحَامِدِ مَرْتَبَةً، وَتَكَامَلَتْ لَهُ الْمَحَبّةُ مِنْ الْخَالِقِ وَالْخَلِيقَةِ، وَظَهَرَ مَعْنَى اسْمِهِ فِيهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، فَهُوَ اللّبِنَةُ الّتِي اسْتَتَمّ بِهَا الْبِنَاءُ، كَمَا أَخْبَرَ ﵇، وَهَذَا كُلّهُ مَعْنَى بَيْتِ عَبّاسٍ، حَيْثُ قَالَ: إنّ الْإِلَهَ بَنَى عَلَيْك، الْبَيْتُ.
الدّامّاءُ وَالدّأْمَاءُ:
وَقَوْلُهُ: فِي العينيّة الأخرى يصف الخيل:
أو هى مُقَارَعَةُ الْأَعَادِي دَمّهَا
يُرِيدُ شَحْمَهَا، يُقَالُ: أَدْمِمْ قِدْرَك بِوَدَكٍ، وَدَمَمْت الشّيْءَ: طَلَيْته، وَمِنْهُ: الدّامّاءُ أَحَدُ جُحْرَةِ الْيَرْبُوعِ، لِأَنّهُ يَدُمّ بَابَهُ بِقِشْرٍ رقيق من الأرض، فلا يراه الصائد، فإذ طلب من القاصعاء أو لرّاهطاء أَوْ النّافِقَاءِ أَوْ الْعَانُقَاءِ، وَهِيَ الْأَبْوَابُ الْأُخَرُ نَطَحَ بِرَأْسِهِ بَابَ الدّامّاءِ فَخَرَقَهُ، وَأَمّا الدّأْمَاءُ بِالتّخْفِيفِ، فَهُوَ الْبَحْرُ وَهُوَ فَعْلَاءُ، لِأَنّهُ يُهْمَزُ فَيُقَالُ: دَأْمَاءُ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ
شِعْرُ عَبّاسٍ الْفَاوِيّ:
وَذَكَرَ شِعْرَ عَبّاسٍ الْفَاوِيّ، وَفِيهِ:
بِعَاقِبَةٍ وَاسْتَبْدَلَتْ نِيّةً خُلْفَا
النّيّةُ: مِنْ النّوَى وَهُوَ الْبُعْدُ. وَخُلْفَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ أَيْ: فَعَلْت ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الْخُلْفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكّدًا
стр. 3074
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِلِاسْتِبْدَالِ، لِأَنّ اسْتِبْدَالَهَا بِهِ خُلْفٌ مِنْهَا لِمَا وَعَدَتْهُ بِهِ، وَيُقَوّي هَذَا الْبَيْتَ الْبَيْتُ الّذِي بَعْدَهُ:
وَقَدْ حَلَفَتْ بِاَللهِ لَا تَقْطَعُ الْقُوَى
يَعْنِي: قُوَى الْحَبْلِ، وَالْحَبْلُ هُنَا: هُوَ الْعَهْدُ، ثُمّ قَالَ:
فَمَا صَدَقَتْ فِيهِ، وَلَا بَرّتْ الْحَلْفَا
وَهَذَا هُوَ الْخُلْفُ الْمُتَقَدّمُ ذِكْرُهُ.
وَقَوْلُهُ:
وَفِينَا وَلَمْ يَسْتَوْفِهَا مَعْشَرٌ أَلْفَا
أَيْ: وَفِينَا أَلْفًا وَلَمْ يَسْتَوْفِهَا غَيْرُنَا، أَيْ: لَمْ يَسْتَوْفِ هَذِهِ الْعُدّةَ غَيْرُنَا مِنْ الْقَبَائِلِ.
وَقَوْلُهُ:
إذَا هى حالت فِي مَرَاوِدِهَا عَزْفَا
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَمْعَ مِرْوَدٍ «١» وَهُوَ الْوَتَدُ، كَمَا قَالَ الْآخَرُ يَصِفُ طعنة:
ومستنّة كاستنان الخرو ... ف قَدْ قَطَعَ الْحَبْلَ بِالْمِرْوَدِ
وَالْخَرُوفُ هَاهُنَا فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ: الْمُهْرُ، وَقَالَ آخَرُونَ: وَالْفَرَسُ يُسَمّى خَرُوفًا، وَمَعْنَاهُ عِنْدِي فِي هَذَا الْبَيْتِ أَنّهَا صفة من خرفت الثمرة إذا جنيتها
стр. 3075
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَالْفَرَسُ خَرُوفٌ لِلشّجَرِ وَالنّبَاتِ، لَا نَقُولُ: إنّ الْفَرَسَ يُسَمّى خَرُوفًا فِي عُرْفِ اللّغَةِ، وَلَكِنْ خَرُوفٌ فِي مَعْنَى أَكُولٍ، لِأَنّهُ يَخْرُفُ، أَيْ: يَأْكُلُ، فَهُوَ صِفَةٌ لِكُلّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ مِنْ الدّوَابّ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَرَاوِدِهَا جَمْعُ مُرَادٍ، وَهُوَ حَيْثُ تَرُودُ الْخَيْلِ تَذْهَبُ وَتَجِيءُ فَمُرَادُ وَمَرَاوِدُ، مِثْلُ مَقَامٍ وَمَقَاوِمَ، وَمَنَارٍ وَمَنَاوِرَ.
وَقَوْلُهُ: لَنَا زَجْمَةً إلّا التّذَامُرَ وَالنّقْفَا.
يُقَالُ: مَا زَجَمَ زَجْمَةً «١» ، أَيْ مَا نَبَسَ بِكَلِمَةٍ، وَقَوْسٌ زَجُومٌ، أَيْ:
ضَعِيفَةُ الْإِرْنَانِ.
وَقَوْلُهُ: إلّا التّذَامُرَ، أَيْ يَذْمُرُ بَعْضُنَا بَعْضًا، ويحرّضه على القتل والنّقف: كسر الرّؤس، وَنَاقِفُ الْحَنْظَلَةِ: كَاسِرُهَا وَمُسْتَخْرِجُ مَا فِيهَا.
النّسَبُ إلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ وَتَصْغِيرُهَا:
قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَإِنّمَا قُلْنَا فِي هَذِهِ الْقَصِيدَةِ وَفِي التي بعدها الفاوية وَالرّاوِيَةُ، لِأَنّ النّسَبَ إلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ الّتِي أَوَاخِرُهَا أَلِفٌ هَكَذَا، هُوَ بِالْوَاوِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ، وَفِي التّصْغِيرِ تُقْلَبُ أَلِفُهَا يَاءً، تَقُولُ فِي تَصْغِيرِ بَاءٍ: بُيَيّةٌ، وَخَاءٍ: خُيَيّةٌ، وَمَا كَانَ آخِرُهُ حَرْفًا سَالِمًا مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ قُلِبَتْ أَلِفُهُ وَاوًا فِي التّصْغِيرِ، فَتَقُولُ فِي الذّالِ: ذُوَيْلَةُ، وَفِي الضّادِ: ضُوَيْدَةُ، وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ، وَقِيَاسُ الْوَاوِ فِي النّحْوِ أَنْ تُصَغّرَ: أُوَيّةٌ بِهَمْزَةٍ [فِي] أَوّلِهَا.
стр. 3076
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْقَصِيدَةُ الرّاوِيَةُ:
وَقَوْلُ عَبّاسٍ فِي الْقَصِيدَةِ الرّاوِيَةُ:
مثل الحماطة أغضى فوقها الشّفر
الحماطة مِنْ وَرَقِ الشّجَرِ: مَا فِيهِ خُشُونَةٌ وَحُرُوشَةٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ:
الْحُمَاطُ: وَرَقُ التّينِ الْجَبَلِيّ. وَقَالَ أَيْضًا فِي بَاب الْقَطَانِيّ: الْحَمَاطُ: تِبْنُ الذّرَةِ، إذَا ذُرّيَتْ، وَلَهُ أُكَالٌ فِي الْجِلْدِ. وَالْعَائِرُ: كَالشّيْءِ يَتَنَخّسُ فِي الْعَيْنِ كَأَنّهُ يَعُورُهَا، وَجَعَلَهُ سَهِرًا، وَإِنّمَا السّهِرُ الرّجُلُ، لِأَنّهُ لَمْ يفتر عنه، فكأنه قد سهر، وَلَمْ يَنَمْ، كَمَا قَالَ آخَرُ فِي وَصْفِ برق:
حتى شئاها كليل موهنا عَمَلُ ... بَاتَتْ طِرَابًا وَبَاتَ اللّيْلُ لَمْ يَنَمْ
شَئَاهَا: شَاقّهَا، يُقَالُ: شَاهَ وَشَاءَهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، أَيْ شَاقّهُ، وَأَنْشَدَ:
وَلَقَدْ عَهِدْت تَشَاءُ بِالْأَظْعَانِ
فَتَأَمّلْهُ فَإِنّهُ بَدِيعٌ مِنْ الْمَعَانِي.
وَقَوْلُهُ: الصّمّانُ وَالْحَفَرُ: هُمَا مَوْضِعَانِ، وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ أَبُو دَاوُدَ الْحَفَرِيّ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَالْعَكَرُ: جَمْعُ عَكَرَةٍ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ الضّخْمَةُ مِنْ الْمَالِ.
وَعَكَرَةُ اللّسَانِ أَيْضًا: أَصْلُهُ، وَمَا غَلُظَ مِنْهُ، وَعَكَدَتُهُ «١» أَيْضًا بالدال.
стр. 3077
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَصِيدَةُ عَبّاسٍ السّينِيّةُ:
وَقَوْلُهُ فِي السّينِيّةِ:
وَجْنَاءُ مُجْمَرَةُ الْمَنَاسِمِ عِرْمِسُ
وَجْنَاءُ: غَلِيظَةُ الْوَجَنَاتِ بَارِزَتُهَا، وذلك يدل على غئور عَيْنَيْهَا، وَهُمْ يَصِفُونَ الْإِبِلَ بِغُئُورِ الْعَيْنَيْنِ عِنْدَ طُولِ السّفَارِ، وَيُقَالُ: هِيَ الْوَجْنَةُ فِي الْآدَمِيّينَ، رَجُلٌ مُوجَنٌ وَامْرَأَةٌ مُوجَنَةٌ، وَلَا يُقَالُ: وَجْنَاءُ، قَالَهُ يَعْقُوبُ.
وَمُجْمَرَةُ الْمَنَاسِمِ، أَيْ: نَكَبَتْ مَنَاسِمَهَا الْجِمَارُ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ، وَالْعِرْمِسُ:
الصّخْرَةُ الصّلْبَةُ، وَتُشَبّهُ بِهَا النّاقَةُ الْجَلْدَةُ، وَقَدْ يُرِيدُ بِمُجْمَرَةٍ أَيْضًا أَنّ مَنَاسِمَهَا مُجْتَمِعَةٌ مُنْضَمّةٌ، فَذَلِكَ أَقْوَى لَهَا، وَقَدْ حُكِيَ أَجْمَرَتْ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا إذَا ظَفّرَتْهُ وَأَجْمَرَ الْأَمِيرُ الْجَيْشَ أَيْ حَبَسَهُ عَنْ الْقُفُولِ قَالَ الشّاعِرُ:
مُعَاوِيَ إمّا أَنْ يُجَهّزَ أَهْلُنَا ... إلينا، وإما أن نؤوب مُعَاوِيَا
أَأَجْمَرْتنَا إجْمَارَ كِسْرَى جُنُودَهُ ... وَمَنّيْتنَا حَتّى نَسِينَا الْأَمَانِيَا
وَقَوْلُهُ:
كَانُوا أَمَامَ الْمُؤْمِنِينَ دَرِيئَةً
الدّرِيئَةُ: الْحَلْقَةُ الّتِي يُتَعَلّمُ عَلَيْهَا الرّمْيُ، أَيْ: كَانُوا كَالدّرِيئَةِ لِلرّمَاحِ وَقَوْلُهُ:
وَالشّمْسُ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهِمْ أَشْمَسُ
يُرِيدُ: لَمَعَانَ الشّمْسِ، فِي كُلّ بَيْضَةٍ مِنْ بَيْضَاتِ الْحَدِيدِ، وَالسّيُوفِ،
стр. 3078
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَأَنّهَا شَمْسٌ. وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ وَتَشْبِيهٌ مَلِيحٌ.
وَفِيهَا قَوْلُهُ:
وَالْخَيْلُ تَقْرَعُ بِالْكُمَاةِ وَتُضْرَسُ
أَيْ: تَضْرِبُ أَضْرَاسَهَا بِاللّجُمِ. تَقُولُ: ضَرَسَتْهُ، أَيْ ضَرَبَتْ أَضْرَاسَهُ، كَمَا تَقُولُ: رَأَسْته، أَيْ أَصَبْت رَأْسَهُ.
قَصِيدَةُ عَبّاسٍ الْمِيمِيّةِ:
وَقَوْلُهُ: فِي كَلِمَتِهِ الْمِيمِيّةِ:
وَفِيهِمْ مِنْهُمْ مَنْ تَسَلّمَا
يُرِيدُ: وَفِي سُلَيْمٍ مِنْ اعْتَزَى إلَيْهِمْ مِنْ حُلَفَائِهِمْ، فَتَسَلّمَ بِذَلِكَ، كَمَا تَقُولُ: تَقَيّسَ الرّجُلُ، إذَا اعْتَزَى إلَى قَيْسٍ. أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
وَقَيْسُ عَيْلَانَ وَمَنْ تَقَيّسَا «١»
стр. 3079
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَوْلَ قَصِيدَةِ ضَمْضَمِ بْنِ الْحَارِثِ:
وَأَنْشَدَ لِضَمْضَمِ بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ مِمّنْ شَهِدَ حُنَيْنًا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ يَنْبَغِي لِأَبِي عُمَرَ ﵀ أَنْ يَذْكُرَهُ فِي الصّحَابَةِ، لِأَنّهُ مِنْ شَرْطِهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَقَدْ أَنْشَدَ لَهُ ابْنُ إسْحَاقَ مَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُ مِنْهُمْ لِقَوْلِهِ:
يَوْمًا عَلَى أَثَرِ النّهَابِ وَتَارَةً ... كُتِبَتْ مُجَاهَدَةً مَعَ الْأَنْصَارِ
يَعْنِي: فَرَسَهُ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ أَبُو عُمَرَ ضَمْضَمَ بْنَ قَتَادَةَ الْعِجْلِيّ، وَلَهُ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ فِي قُدُومِهِ عَلَى النّبِيّ ﷺ ، وَذَلِكَ أَنّهُ قَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنّي قَدْ تَزَوّجْت امْرَأَةً فَوَلَدَتْ لِي غُلَامًا أَسْوَدَ، فَقَالَ لَهُ النّبِيّ- ﷺ هَلْ لَك مِنْ إبِلٍ، فَقَالَ: نَعَمْ «١» وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ، غَيْرَ أَنّهُ لَمْ يُسَمّ بِاسْمِهِ فِي الصّحِيحَيْنِ، وَسُمّيَ فِي بَعْضِ الْمُسْنَدَاتِ، وَذَكَرَهُ عَبْدُ الْغَنِيّ فِي الْمُبْهَمَاتِ، وَذَكَرَ عَبْدُ الْغَنِيّ فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةً حَسَنَةً قَالَ: كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ بَنِي عِجْلٍ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ عَجَائِزُ مِنْ عِجْلٍ، فَسُئِلْنَ عَنْ الْمَرْأَةِ الّتِي وَلَدَتْ الْغُلَامَ الْأَسْوَدَ، فَقُلْنَ: كَانَ فِي آبَائِهَا رجل أسود.
стр. 3080
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شِعْرُ أَبِي خِرَاشٍ:
وَذَكَرَ شِعْرَ أَبِي خِرَاشٍ، وَاسْمُهُ: خُوَيْلِدُ بْنُ مُرّةَ شَاعِرٌ إسْلَامِيّ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ﵀: مِنْ نَهْشِ حَيّةٍ نَهَشَتْهُ، كَانَ سَبَبُهَا أَضْيَافٌ نَزَلُوا بِهِ، وَخَبَرُهُ بِذَلِكَ عَجِيبٌ، وَلَهُ فِيهِ شِعْرٌ. وَالْخِرَاشُ: وَسْمٌ لِإِبِلٍ يَكُونُ مِنْ الصّدْغِ إلَى الذّقْنِ: فَقَوْلُهُ:
تَكَادُ يَدَاهُ تُسْلَمَانِ إزَارَهُ ... مِنْ الْجُودِ لَمّا أَذْلَفَتْهُ الشّمَائِلُ
يُرِيدُ: أَنّهُ مِنْ سَخَائِهِ، يُرِيدُ أَنْ يَتَجَرّدَ مِنْ إزَارِهِ لِسَائِلِهِ، فَيُسَلّمَهُ إلَيْهِ، وَأَلْفَيْت بِخَطّ أَبِي الْوَلِيدِ الْوَقْشِيّ: الْجُودُ هَاهُنَا، وَعَلَى هَذِهِ الرّوَايَةِ، وَبِهَذِهِ الرّتْبَةِ: السّخَاءُ، وَكَذَلِكَ فَسّرَهُ الْأَصْمَعِيّ وَالطّوسِيّ، وَأَمّا عَلَى مَا وَقَعَ فِي شِعْرِ الْهُذَلِيّ، وَفُسّرَ فِي الْغَرِيبِ الْمُصَنّفِ، فَهُوَ الْجُوعُ «١» وَمَوْضِعُهُ فِي الشّعْرِ الْمَذْكُورِ يَتْلُو قَوْلَهُ: تَرَوّحَ مَقْرُورًا.
وَفِي الْغَرِيبِ رِدَاءَهُ بَدَلَ إزَارِهِ.
وَقَوْلُهُ:
وَلَكِنّ قَرْنَ الظّهْرِ لِلْمَرْءِ شَاغِلُ
قَرْنٌ بِالْقَافِ: جَمْعُهُ: أَقْرَانٍ، وَيُرْوَى:
وَلَكِنّ أقران الظهور مقاتل
стр. 3081
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَقَاتِلُ: جَمْعُ مَقْتَلٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ، مِثْلُ مِحْرَبٍ من الحرب، أى من كان قرن ظهر، فَإِنّهُ قَاتِلٌ وَغَالِبٌ.
وَقَوْلُهُ يَصِفُ الرّيحَ:
لَهَا حَدَبٌ تَحْتَثّهُ فَيُوَائِلُ
بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَقَعَ فِي الْأَصْلِ، وَقَدْ يُسَمّى انْحِدَارُ الْمَاءِ وَنَحْوُهُ حَدَبًا، فَيَكُونُ هَذَا مِنْهُ، وَإِلّا فَالْخَدَبُ بِالْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ أَشْبَهُ بِمَعْنَى الْبَيْتِ، لِأَنّهُمْ يَقُولُونَ: رِيحٌ خَدْبَاءُ كَانَ بِهَا خَدْبًا «١» ، وَهُوَ الْهَوَجُ «٢» .
مِنْ شِعْرِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ:
وَذَكَرَ فِي آخِرِ بَيْتٍ مِنْ شِعْرِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ:
مِثْلَ الدّرِيئَةِ تُسْتَحَلّ وَتُشْرَمُ
الدّرِيئَةُ: الْحَلْقَةُ الّتِي يُتَعَلّمُ عَلَيْهَا الطّعْنُ، وَهُوَ مَهْمُوزٌ «٣» ، وَتُسْتَحَلّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَعَ فِي الْأَصْلِ، وَفِي غَيْرِهِ: تُسْتَخَلّ بِالْخَاءِ مُعْجَمَةً، وَهُوَ أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى مِنْ الْخِلَالِ، وَقَدْ يَكُونُ لِتَسْتَحِلّ وَحَيّه مِنْ الْحَلّ إذْ بَعْدَهُ تشرم، وكلاهما قريب فى المعنى.
стр. 3082
[ذِكْرُ غَزْوَةِ الطّائِفِ بَعْدَ حُنَيْنٍ فِي سَنَةِ ثمان]
ولما قدم فلّ ثَقِيفٍ الطّائِفَ أَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ مَدِينَتِهَا، وَصَنَعُوا الصنائع للقتال.
وَلَمْ يَشْهَدْ حُنَيْنًا وَلَا حِصَارَ الطّائِفِ عُرْوَةُ بن مسعود، ولا غيلان بن سلمة، كانا بجرش يتعلّمان صنعة الدّبّاباب والمجانيق والضّبور.
ثُمّ سَارّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إلَى الطّائِفِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حُنَيْنٍ؛ فَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، حِينَ أَجْمَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ السّيْرَ إلَى الطائف:
[شعر كعب]
قَضَيْنَا مِنْ تِهَامَةَ كُلّ رَيْبٍ ... وَخَيْبَرَ ثُمّ أجممنا السّيُوفَا
نُخَيّرُهَا وَلَوْ نَطَقَتْ لَقَالَتْ ... قَوَاطِعُهُنّ: دَوْسًا أَوْ ثَقِيفًا
فَلَسْتُ لِحَاضِنٍ إنْ لَمْ تَرَوْهَا ... بساحة داركم منّا أُلُوفَا
وَنَنْتَزِعُ الْعُرُوشَ بِبَطْنِ وَجّ ... وَتُصْبِحُ دُورُكُمْ مِنْكُمْ خُلُوفَا
وَيَأْتِيكُمْ لَنَا سَرَعَانُ خَيْلٍ ... يُغَادِرُ خَلْفَهُ جَمْعًا كَثِيفَا
إذَا نَزَلُوا بِسَاحَتِكُمْ سَمِعْتُمْ ... لَهَا مِمّا أَنَاخَ بِهَا رَجِيفَا
بِأَيْدِيهِمْ قَوَاضِبُ مُرْهَفَاتٌ ... يُزِرْنَ الْمُصْطَلِينَ بِهَا الْحُتُوفَا
كَأَمْثَالِ الْعَقَائِقِ أَخْلَصَتْهَا ... قُيُونُ الْهِنْدِ لَمْ تَضْرِبْ كَتِيفَا
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3083
تَخَالُ جَدِيّةَ الْأَبْطَالِ فِيهَا ... غَدَاةَ الزّحْفِ جَادِيّا مَدُوفَا
أَجِدّهُمْ أَلَيْسَ لَهُمْ نَصِيحٌ ... مِنْ الْأَقْوَامِ كَانَ بِنَا عَرِيفَا
يُخَبّرُهُمْ بِأَنّا قَدْ جَمَعْنَا ... عِتَاقَ الْخَيْلِ وَالنّجُبَ الطّرُوفَا
وَأَنّا قَدْ أَتَيْنَاهُمْ بزحف ... يحيط بسور حصنهم صفوفا
رئيسم النّبِيّ وَكَانَ صُلْبًا ... نَقِيّ الْقَلْبِ مُصْطَبِرًا عَزُوفَا
رَشِيدُ الْأَمْرِ ذُو حُكْمٍ وَعِلْمٍ ... وَحِلْمٍ لَمْ يَكُنْ نَزِقًا خَفِيفَا
نُطِيعُ نَبِيّنَا وَنُطِيعُ رَبّا ... هو الرّحمن كان بنا رؤفا
فَإِنْ تُلْقُوا إلَيْنَا السّلْمَ نَقْبَلْ ... وَنَجْعَلْكُمْ لَنَا عَضُدًا وَرِيفَا
وَإِنْ تَأْبَوْا نُجَاهِدْكُمْ وَنَصْبِرْ ... وَلَا يَكُ أَمْرُنَا رَعِشًا ضَعِيفَا
نُجَالِدُ مَا بَقِينَا أَوْ تُنِيبُوا ... إلَى الْإِسْلَامِ إذْعَانًا مُضِيفَا
نُجَاهِدُ لَا نُبَالِي مَنْ لَقِينَا ... أَأَهْلَكْنَا التّلَادَ أَمْ الطّرِيفَا
وَكَمْ مِنْ مَعْشَرٍ أَلَبُوا عَلَيْنَا ... صَمِيمَ الْجِذْمِ مِنْهُمْ وَالْحَلِيفَا
أَتَوْنَا لَا يَرَوْنَ لَهُمْ كِفَاء ... فَجَدّعْنَا الْمَسَامِعَ وَالْأُنُوفَا
بِكُلّ مُهَنّدٍ لَيْنٍ صَقِيلٍ ... يَسُوقُهُمْ بِهَا سَوْقًا عَنِيفَا
لِأَمْرِ اللهِ وَالْإِسْلَامِ حَتّى ... يَقُومَ الدّينُ مُعْتَدِلًا حَنِيفَا
وَتُنْسَى اللّاتُ وَالْعُزّى وَوَدّ ... وَنَسْلُبُهَا الْقَلَائِدَ وَالشّنُوفَا
فَأَمْسَوْا قَدْ أَقَرّوا وَاطْمَأَنّوا ... وَمَنْ لَا يَمْتَنِعْ يَقْبَلْ خسوفا
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3084
[كنانة يرد على كعب]
فأجابه كنانة بن عبد يا ليل بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، فَقَالَ:
مَنْ كَانَ يَبْغِينَا يُرِيدُ قِتَالَنَا ... فَإِنّا بِدَارٍ مَعْلَمٍ لَا نَرِيمُهَا
وَجَدْنَا بِهَا الْآبَاءَ مِنْ قَبْلِ مَا تَرَى ... وَكَانَتْ لَنَا أَطْوَاؤُهَا وَكُرُومُهَا
وَقَدْ جَرّبَتْنَا قَبْلُ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ ... فَأَخْبَرَهَا ذُو رَأْيِهَا وَحَلِيمُهَا
وَقَدْ عَلِمَتْ إنْ قَالَتْ الْحَقّ أَنّنَا ... إذَا مَا أَبَتْ صُعْرُ الْخُدُودِ نُقِيمُهَا
نُقَوّمُهَا حَتّى يَلِينَ شَرِيسُهَا ... وَيُعْرَفُ لِلْحَقّ الْمُبِينِ ظَلُومُهَا
عَلَيْنَا دِلَاصٌ مِنْ تُرَاثِ مُحَرّقٍ ... كَلَوْنِ السّمَاءِ زَيّنَتْهَا نُجُومُهَا
نُرَفّهُهَا عَنّا بِبِيضٍ صَوَارِمٍ ... إذَا جرّدت فى غمرة لا نشيمها
[قصيدة شَدّادٍ فِي الْمَسِيرِ إلَى الطّائِفِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ شَدّادُ بْنُ عَارِضٍ الْجُشَمِيّ فِي مَسِيرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى الطائف:
لا تنصرو اللّاتَ إنّ اللهَ مُهْلِكُهَا ... وَكَيْفَ يُنْصَرُ مَنْ هُوَ لَيْسَ يَنْتَصِرُ
إنّ الّتِي حُرّقَتْ بِالسّدّ فَاشْتَعَلَتْ ... وَلَمْ يُقَاتَلْ لَدَى أَحْجَارِهَا هَدَرُ
إنّ الرّسُولَ مَتَى يَنْزِلْ بِلَادَكُمْ ... يَظْعَنْ وَلَيْسَ بِهَا من أهلها بشر
[الطّرِيقُ إلَى الطّائِفِ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَسَلَكَ رسول الله ﷺ على نخلة
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3085
الْيَمَانِيَةِ، ثُمّ عَلَى قَرْنٍ، ثُمّ عَلَى الْمُلَيْحِ، ثُمّ عَلَى بُحْرَةِ الرّغَاءِ مِنْ لِيّةَ، فَابْتَنَى بِهَا مَسْجِدًا فَصَلّى فِيهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ: أَنّهُ أَقَادَ يَوْمَئِذٍ بِبُحْرَةِ الرّغَاءِ، حِينَ نَزَلَهَا، بِدَمِ، وَهُوَ أَوّلُ دَمٍ أُقِيدَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَتَلَهُ بِهِ؛ وَأَمّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهُوَ بِلِيّةَ، بِحِصْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ فَهُدِمَ، ثُمّ سَلَكَ فِي طَرِيقٍ يُقَالُ لَهَا الضّيْقَةُ، فَلَمّا تَوَجّهَ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ سَأَلَ عَنْ اسْمِهَا، فَقَالَ: مَا اسْمُ هَذِهِ الطّرِيقِ؟ فَقِيلَ لَهُ: الضّيْقَةُ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ الْيُسْرَى، ثُمّ خَرَجَ مِنْهَا عَلَى نَخْبٍ، حَتّى نَزَلَ تَحْتَ سِدْرَةٍ يُقَالُ لَهَا الصّادِرَةُ، قَرِيبًا مِنْ مَالِ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إمّا أَنْ تَخْرُجَ، وَإِمّا أَنْ نُخْرِبَ عَلَيْك حَائِطَك؛ فَأَبَى أَنْ يَخْرُجَ، فَأَمَرَ رسول الله ﷺ بِإِخْرَابِهِ
ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ الطّائِفِ، فَضَرَبَ بِهِ عَسْكَرَهُ، فَقُتِلَ بِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالنّبْلِ، وَذَلِكَ أَنّ الْعَسْكَرَ اقْتَرَبَ مِنْ حَائِطِ الطّائِفِ، فَكَانَتْ النّبْلُ تَنَالُهُمْ، وَلَمْ يَقْدِرْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنْ يَدْخُلُوا حَائِطَهُمْ، أَغْلَقُوهُ دُونَهُمْ؛ فَلَمّا أُصِيبَ أُولَئِكَ النّفَرُ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالنّبْلِ وَضَعَ عَسْكَرَهُ عِنْدَ مَسْجِدِهِ الّذِي بِالطّائِفِ الْيَوْمَ، فَحَاصَرَهُمْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَعَهُ امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِهِ، إحْدَاهُمَا أُمّ سَلَمَةَ بنت
ــ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →