Полный текст (3 465 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثُمّ سَارَ بِهَا إلَى مَكّةَ، فَطَافَ بِهَا حَوْلَ الْبَيْتِ، ثُمّ أَنْزَلَهَا حَيْثُ الطّائِفُ الْيَوْمَ، فَسُمّيَتْ بِاسْمِ الطّائِفِ الّذِي طَافَ عَلَيْهَا، وَطَافَ بِهَا، وَكَانَتْ تِلْكَ الْجَنّةُ بِضَرْوَانَ «١» عَلَى فَرَاسِخَ مِنْ صَنْعَاءَ، وَمِنْ ثَمّ كَانَ الْمَاءُ وَالشّجَرُ بِالطّائِفِ دُونَ مَا حَوْلَهَا مِنْ الْأَرَضِينَ، وَكَانَتْ قصة أصحاب الجنة بعد عيسى بن مَرْيَمَ صَلّى اللهُ عَلَى نَبِيّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلّمَ بِيَسِيرٍ، ذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ النّقّاشُ وَغَيْرُهُ «٢» .
فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ ثَقِيفٌ هُوَ قَسِيّ بْنُ مُنَبّهٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَغَيْرُهُ، فَكَيْفَ قَالَ سِيبَوَيْهِ حَاكِيًا عَنْ الْعَرَبِ: ثَقِيفُ بْنُ قَسِيّ، فَجَعَلَهُ ابْنًا لِقَسِيّ؟
قِيلَ: إنّمَا أَرَادَ سِيبَوَيْهِ أَنّ الْحَيّ سُمّيَ ثَقِيفًا، وَهُمْ بَنُو قسىّ، كما قالوا باهلة ابن أَعْصَرَ، وَإِنّمَا هِيَ أُمّهُمْ، وَلَكِنْ سُمّيَ الْحَيّ بِهَا، ثُمّ قِيلَ فِيهِ: ابْنُ أَعْصَرَ «٣» ، كَذَلِكَ قَالُوا: ثَقِيفُ بْنُ قَسِيّ عَلَى هَذَا، وَيُقَوّي هَذَا أَنّ سِيبَوَيْهِ إنّمَا قَالَ حَاكِيًا: هَؤُلَاءِ ثقيف بن قسىّ.
стр. 3117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
آلَاتُ الْحَرْبِ فِي الطّائِفِ
فَصْلٌ: وَذَكَرَ تَعَلّمَ أَهْلِ الطّائِفِ صَنْعَةَ الدّبّابَاتِ وَالْمَجَانِيقِ وَالضّبُورِ. الدّبّابَةُ آلَةٌ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ يَدْخُلُ فِيهَا الرّجَالُ فَيَدُبّونَ بِهَا إلَى الْأَسْوَارِ لِيَنْقُبُوهَا, وَالضّبُورُ مِثْلُ رُءُوسِ الْأَسْفَاطِ يُتّقَى بِهَا فِي الْحَرْبِ عِنْدَ الِانْصِرَافِ وَفِي الْعَيْنِ الضّبْرُ جُلُودٌ يُغْشَى بِهَا خَشَبٌ يُتّقَى بِهَا فِي الْحَرْبِ.
وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ الزّهْرِيّ " أَنّ اللهَ ﵎ حِينَ مَسَخَ بَنِي إسْرَائِيلَ قِرَدَةً مَسَخَ رُمّانَهُمْ الْمَظّ وَبُرّهُمْ الذّرَةَ وَعِنَبَهُمْ الْأَرَاكَ, وَجَوْزَهُمْ الضّبْرَ "وَهُوَ مِنْ شَجَرِ الْبَرِيّةِ وَلَهُ ثَمَرٌ كَالْجَوْزِ لَا نَفْعَ فِيهِ فَهَذَا مَعْنًى آخَرُ غَيْرَ الْأَوّلِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الضّبْرِ إنّهُ كَالْجَوْزِ يُنَوّرُ وَلَا يُطْعَمُ «١» . قَالَ وَيُقَالُ أَظَلّ الظّلَالِ ظِلّ الضّبْرَةِ وَظِلّ التّنْعِيمَةِ وَظِلّ الْحَجَرِ, قَالَ وَوَرَقُهَا كَدَارٍ كَثِيفَةٍ فَكَانَ ظِلّهَا لِذَلِكَ أَلْمَى «٢» , وَأَمّا الْمَظّ الّذِي تَقَدّمَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ وَرُمّانُ الْبَرّ يُنَوّرُ وَلَا يُثْمِرُ وَلَهُ جُلّنَارُ كَمَا لِلرّمّانِ «٣» يُمْتَصّ مِنْهُ الْمَذَخُ وَهُوَ عَسَلٌ كَثِيرٌ يُشْبِعُ مَنْ امْتَصّهُ حَتّى يَمْلَأَ بَطْنَهُ ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ في النّبَاتِ.
стр. 3118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَمّا الْمَجَانِيقُ «١» : فَمَعْرُوفَةٌ وَهِيَ أَعْجَمِيّةٌ عَرّبَتْهَا الْعَرَبُ. قَالَ كُرَاعٌ:
كُلّ كَلِمَةٍ فِيهَا جِيمٌ وَقَافٌ، أَوْ جِيمٌ وَكَافٌ فَهِيَ أَعْجَمِيّةٌ، وَذَلِكَ كَالْجُوَالِقِ وَالْجَوْلَقِ «٢» وَجِلّقٍ وَالْكَيْلَجَةِ وَهِيَ مِكْيَالٌ صَغِيرٌ، وَالْكَفْجَلَارُ «٣» وَهِيَ الْمِغْرَفَةُ وَالْقَبْجُ وَهُوَ الْحَجَلُ وَمَا كَانَ نَحْوَ ذَلِكَ، وَالْمِيمُ فِي مَنْجَنِيقٍ أَصْلِيّةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَالنّونُ زَائِدَةٌ، وَلِذَلِكَ سَقَطَتْ فِي الْجَمْعِ «٤» .
حول شعر كعب:
وذكر شعر كعب وفيه:
وَكَمْ مِنْ مَعْشَرٍ أَلَبُوا عَلَيْنَا
أَيْ جَمَعُوا، وَصَمِيمُ الْجِذْم مَفْعُولٌ بِأَلَبُوا، وَفِيهِ يَصِفُ السّيُوفَ:
كأمثال العقاثق أخلصتها ... قيون الهند لم تضرب كتيفا
стр. 3119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْعَقَائِقُ: جَمْعُ عَقِيقَةٍ، وَهُوَ الْبَرْقُ تَنْعَقُ عَنْهُ السّحَابُ «١» .
وَقَوْلُهُ: لَمْ تَضْرِبْ كَتِيفًا، جَمْعُ كَتِيفَةٍ، وَهِيَ صَحِيفَةٌ مِنْ حَدِيدٍ صَغِيرَةٌ، وَأَصْلُ الْكَتِيفِ: الضّيّقُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ.
شِعْرُ كِنَانَةَ:
وَذَكَرَ شعر كنانة بن عبد يا ليل الثّقَفِيّ، وَفِيهِ:
وَكَانَتْ لَنَا أَطْوَاؤُهَا وَكُرُومُهَا
الْأَطْوَاءُ: جَمْعُ طَوِيّ، وَهِيَ الْبِئْرُ، جُمِعَتْ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ تَوَهّمُوا سُقُوطَ يَاءَ فَعِيلٍ مِنْهَا إذْ كَانَتْ زَائِدَةً «٢»
وَفِيهَا:
وَقَدْ جَرّبَتْنَا قَبْلَ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ
إنّمَا قَالَ هَذَا جَوَابًا لِلْأَنْصَارِ، لِأَنّهُمْ بَنُو حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بن عامر، وعمر وَهُوَ مُزَيْقِيَاءُ، وَعَامِرٌ هُوَ مَاءُ السّمَاءِ، وَلَمْ يَرِدْ أَنّ الْأَنْصَار جَرّبَتْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَإِنّمَا أَرَادَ إخْوَتَهُمْ، وَهُمْ خُزَاعَةُ لِأَنّهُمْ بَنُو رَبِيعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَقَدْ كَانُوا حَارَبُوهُمْ عِنْدَ نُزُولِهِمْ مكة، وقال البكرى فى معنى
стр. 3120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَذَا الْبَيْتِ: إنّمَا أَرَادَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَكَانُوا مُجَاوِرِينَ لِثَقِيفٍ وَأُمّهُمْ عَمْرَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ الظّرِبِ الْعَدْوَانِيّ، وَأُخْتُهَا زَيْنَبُ كَانَتْ تَحْتَ ثَقِيفٍ، وَأَكْثَرُ قَبَائِلِ ثَقِيفٍ مِنْهَا، وَكَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ أَنْزَلَتْ بَنِي عَمْرِو ابن عَامِرٍ فِي أَرْضِهِمْ لِيَعْمَلُوا فِيهَا، وَيَكُونَ لَهُمْ النّصْفُ فِي الزّرْعِ وَالثّمَرِ، ثُمّ إنّ ثَقِيفًا مَنَعَتْهُمْ ذَلِكَ، وَتَحَصّنُوا مِنْهُمْ بِالْحَائِطِ الّذِي بَنَوْهُ حَوْلَ حَاضِرِهِمْ، فَحَارَبَتْهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، فَلَمْ يَظْفَرُوا مِنْهُمْ بِشَيْءٍ، وَجَلَوْا عَنْ تِلْكَ الْبِلَادِ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ كِنَانَةُ:
وَقَدْ جَرّبَتْنَا قَبْلَ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ
الْبَيْتُ ذَكَرَهُ الْبَكْرِيّ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ لَخّصْته «١» .
أَوّلُ مَنْ رَمَى بِالْمَنْجَنِيقِ فِي الْجَاهِلِيّةِ وَالْإِسْلَامِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حِصَارَ الطّائِفِ، وَأَنّ أَوّلَ مَنْ رَمَى بِالْمَنْجَنِيقِ فِي الْإِسْلَامِ النّبِيّ ﷺ .
قَالَ الْمُؤَلّفُ: وَأَمّا فِي الْجَاهِلِيّةِ: فَيُذْكَرُ أَنّ جَذِيمَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ فَهْمِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دَوْسٍ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْأَبْرَشِ أَوّلُ مَنْ رَمَى بِالْمَنْجَنِيقِ، وكان من ملوك الطّوائف، وكان يعرف بِالْوَضّاحِ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا مُنَادِمُ الْفَرْقَدَيْنِ، لِأَنّهُ رَبَأَ بِنَفْسِهِ عَنْ مُنَادَمَةِ النّاسِ، فَكَانَ إذَا شرب نادم الفرقدين عجبا
стр. 3121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِنَفْسِهِ، ثُمّ نَادَمَ بَعْدَ ذَلِكَ مَالِكًا وَعُقَيْلًا اللّذَيْنِ يَقُولُ فِيهِمَا مُتَمّمُ [بْنُ نُوَيْرَةَ يَرْثِي أَخَاهُ مَالِكًا] :
وَكُنّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً ... مِنْ الدّهْرِ حَتّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدّعَا «١»
وَيُذْكَرُ أَيْضًا أَنّهُ أَوّلُ مَنْ أَوْقَدَ الشّمْعَ.
غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ:
وَذَكَرَ حُلِيّ بَادِيَةَ بِنْتِ غَيْلَانَ، وَهُوَ غَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ الثّقَفِيّ، وَهُوَ الّذِي أَسْلَمَ، وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَمَرَهُ النّبِيّ ﷺ أَنْ يُمْسِكَ أَرْبَعًا «٢» ، وَيُفَارِقَ سَائِرَهُنّ، فَقَالَ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ: يَخْتَارُ أَرْبَعًا، وَقَالَ فُقَهَاءُ
стр. 3122
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْعِرَاقِ: بَلْ يُمْسِكُ الّتِي تَزَوّجَ أَوّلًا، ثُمّ الّتِي تَلِيهَا إلَى الرّابِعَةِ «١» ، وَاحْتَجّ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ بِأَنّ النّبِيّ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلْهُ أَيّتَهنّ تَزَوّجَ أَوّلَ، وَتَرْكُهُ لِلِاسْتِفْصَالِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُ مُخَيّرٌ حَتّى جَعَلَ الْأُصُولِيّونَ مِنْهُمْ هَذَا أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْعُمُومِ، فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي كِتَابِ الْبُرْهَانِ: تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ فِي حِكَايَاتِ الْأَحْوَالِ مَعَ الِاحْتِمَالِ يَتَنَزّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ، كَحَدِيثِ غَيْلَانَ. وَغَيْلَانُ هَذَا هُوَ الّذِي قُدّمَ عَلَى كِسْرَى، فَسَأَلَهُ أَيّ وَلَدِهِ أَحَبّ إلَيْهِ؟
فَقَالَ غَيْلَانُ: الْغَائِبُ حَتّى يَقْدَمَ، وَالْمَرِيضُ حَتّى يُفِيقَ، وَالصّغِيرُ حَتّى يَكْبُرَ، فَقَالَ لَهُ كِسْرَى: مَا غِذَاؤُك فِي بَلَدِك؟ قَالَ: الْخُبْزُ: قَالَ: هَذَا عَقْلُ الْخُبْزِ، تَفْضِيلًا لِعَقْلِهِ عَلَى عُقُولِ أَهْلِ الْوَرّ، وَنَسَبَ الْمُبَرّدُ هَذِهِ الْحِكَايَةَ مَعَ كِسْرَى إلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيّ الْحَنَفِيّ، وَالصّحِيحُ عِنْدَ الْإِخْبَارِيّينَ مَا قَدّمْنَاهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ.
بَادِيَةُ بِنْتُ غَيْلَانَ:
وَأَمّا بَادِيَةُ ابْنَتُهُ، فَقَدْ قِيلَ فِيهَا: بَادِنَةُ بِالنّونِ، وَالصّحِيحُ بِالْيَاءِ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَهِيَ الّتِي قَالَ فِيهَا هِيتٌ الْمُخَنّثُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيّةَ: إنْ فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ الطّائِفَ، فَإِنّي أَدُلّك عَلَى بَادِيَةَ بِنْتِ غَيْلَانَ، فَإِنّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، فَسَمِعَهُ النّبِيّ ﷺ ، فقال: قاتلك
стр. 3123
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اللهُ لَقَدْ أَمْعَنْت النّظَرَ، وَقَالَ: لَا يَدْخُلَنّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُنّ «١» ثُمّ نَفَاهُ إلَى رَوْضَةِ خَاخٍ، فَقِيلَ: إنّهُ يَمُوتُ بِهَا جُوعًا فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ كُلّ جُمُعَةٍ يَسْأَلُ النّاسَ، وَيُرْوَى فِي الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ لَمْ تَقَعْ فِي الصّحِيحِ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ «٢» مَعَ ثَغْرٍ كَالْأُقْحُوَانِ، إنْ قَامَتْ تَثَنّتْ، وَإِنْ قَعَدَتْ تَبَنّتْ «٣» ، وَإِنْ تَكَلّمَتْ تَغَنّتْ، يَعْنِي مِنْ الْغُنّةِ، وَالْأَصْلُ تَغَنّنَتْ، فَقُلِبَتْ إحْدَى النّونَيْنِ يَاءً، وَهِيَ هَيْفَاءُ «٤» شَمُوعٌ نَجْلَاءُ كَمَا قَالَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ:
بَيْضَاءُ فَرْعَاءٌ يُسْتَضَاءُ بِهَا ... كَأَنّهَا خُوطُ بَانَةٍ قصف
стр. 3124
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَنْتَرِقُ الطّرْفَ، وَهِيَ لَاهِيَةٌ ... كَأَنّمَا شَفّ وَجْهَهَا نُزَفُ «١»
تَنَامُ عَنْ كِبْرِ شَأْنِهَا فَإِذَا قَا ... مَتْ رُوَيْدًا تَكَادُ تَنْغَرِفُ «٢»
وَفِي هَذَا الْبَيْتِ صَحّفَ ابْنُ دُرَيْدٍ أَعْنِي قَوْلَهُ: تُغْتَرَقُ، فَقَالَ هُوَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، حَتّى هُجّيَ بِذَلِكَ «٣» ، فَقِيلَ:
أَلَسْت قِدْمًا جَعَلْت تَعْتَرِقُ ... الطّرْفَ بِجَهْلِ مَكَانٍ تَغْتَرِقُ
وَقُلْت: كَانَ الْخِبَاءُ مِنْ أَدَمٍ ... وَهُوَ حباء يهدى ويصطدق «٤»
стр. 3125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَانَ صَحّفَ أَيْضًا قَوْلَ مُهَلْهَلٍ، فَقَالَ فِيهِ: الْخِبَاءُ «١» ، وَبَادِيَةُ هَذِهِ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَوَلَدَتْ لَهُ جُوَيْرِيَةَ وَهِيَ امْرَأَةُ المسور ابن مَخْرَمَةَ.
الْمُخَنّثُونَ الّذِينَ كَانُوا بِالْمَدِينَةِ:
وَكَانَ الْمُخَنّثُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْبَعَةً: هِيتٌ هَذَا، وَهَرِمٌ وَمَاتِعٌ «٢» ، وَإِنْهٌ، وَلَمْ يَكُونُوا يَزْنُونَ بِالْفَاحِشَةِ الْكُبْرَى، وَإِنّمَا كَانَ تَأْنِيثُهُمْ لِينًا فِي الْقَوْلِ وَخِضَابًا فِي الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ كَخِضَابِ النّسَاءِ، وَلَعِبًا كَلَعِبِهِنّ، وَرُبّمَا لَعِبَ بَعْضُهُمْ بِالْكُرّجِ «٣» ، وَفِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُدَ أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ ﵁، رَأَى لَاعِبًا يَلْعَبُ بِالْكُرّجِ، فَقَالَ: لَوْلَا أَنّي رَأَيْت هَذَا يَلْعَبُ بِهِ عَلَى عَهْدِ النّبِيّ- ﷺ لَنَفَيْته مِنْ الْمَدِينَةِ.
عُيَيْنَةُ وَذَكَرَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ، وَاسْمُهُ: حُذَيْفَةُ، وَإِنّمَا قِيلَ لَهُ: عُيَيْنَةُ لِشَتْرٍ كَانَ بِعَيْنِهِ.
الْعَبِيدُ الّذِينَ نَزَلُوا مِنْ حِصْنِ الطّائِفِ وَذَكَرَ الْعَبِيدَ الّذِينَ نَزَلُوا مِنْ الطّائِفِ، وَلَمْ يُسَمّهِمْ، وَمِنْهُمْ أبو بكرة
стр. 3126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نُفَيْعُ بْنُ مَسْرُوحٍ تَدَلّى مِنْ سُوَرِ الطّائِفِ عَلَى بَكْرَةٍ، فَكُنّيَ أَبَا بَكْرَةَ، وَهُوَ مِنْ أَفَاضِلِ الصّحَابَةِ، وَمَاتَ بِالْبَصْرَةِ، وَمِنْهُمْ الْأَزْرَقُ، وَكَانَ عَبْدًا لِلْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ الْمُتَطَبّبُ، وَهُوَ زَوْجُ سميّة مولاة الحارث أمّ زياد ابن أَبِي سُفْيَانَ، وَأُمّ سَلَمَةَ بْنِ الْأَزْرَقِ، وَبَنُو سَلَمَةَ بْنُ الْأَزْرَقِ، وَلَهُمْ صِيتٌ وَذِكْرٌ بِالْمَدِينَةِ، وَقَدْ انْتَسَبُوا إلَى غَسّانَ، وَغَلِطَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ، فَجَعَلَ سُمَيّةَ هَذِهِ الْمَذْكُورَةَ أُمّ عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَجَعَلَ سَلَمَةَ بْنَ الْأَزْرَقِ أَخَا عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ لِأُمّهِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَنّ الْأَزْرَقَ خَرَجَ مِنْ الطّائِفِ، فَأَسْلَمَ وَسُمَيّةُ قَدْ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ قَتَلَهَا أَبُو جَهْلٍ، وَهِيَ إذْ ذَاكَ تَحْتَ يَاسِرٍ أَبِي عَمّارٍ، كَمَا تَقَدّمَ فِي بَابِ الْمَبْعَثِ. فَتَبَيّنَ غَلَطُ ابْنِ قُتَيْبَةَ وَوَهْمُهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عُمَرَ النّمِرِيّ كَمَا قُلْت. وَمِنْ أُولَئِكَ الْعَبِيدِ: الْمُنْبَعِثُ، وَكَانَ اسْمُهُ الْمُضْطَجِعُ، فَبَدّلَ النّبِيّ ﷺ اسْمَهُ، وَكَانَ عَبْدًا لِعُثْمَانِ بن عامر ابن مُعَتّبٍ.
وَمِنْهُمْ يُحَنّسُ النّبّالُ، وَكَانَ عَبْدًا لِبَعْضِ آلِ يَسَارٍ.
وَمِنْهُمْ: وَرْدَانُ جَدّ الْفُرَاتِ بْنِ زَيْدِ بْنِ وَرْدَان، وَكَانَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ رييعة بْنِ خَرَشَةَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ، وَكَانَ أَيْضًا لِخَرَشَةَ، وَجَعَلَ النّبِيّ- ﷺ وَلَاءَ هَؤُلَاءِ الْعَبِيدِ لِسَادَتِهِمْ، حِينَ أَسْلَمُوا. كُلّ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابن هشام «١» .
стр. 3127
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ فِيهِمْ نَافِعَ بْنَ مَسْرُوحٍ، وَهُوَ أَخُو نُفَيْعِ أَبِي بَكْرَةَ، وَيُقَالُ فِيهِ وَفِي أَخِيهِ ابْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ.
وَذَكَرَ ابْنُ سَلَامٍ فِيهِمْ نَافِعًا مَوْلَى غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ الثّقَفِيّ، وَذَكَرَ أَنّ وَلَاءَهُ رَجَعَ إلَى غَيْلَانَ حِينَ أَسْلَمَ وَأَحْسَبُهُ وَهْمًا مِنْ ابْنِ سَلَامٍ، أَوْ مِمّنْ رَوَاهُ عَنْهُ، وَإِنّمَا الْمَعْرُوفُ نَافِعُ بْنُ غَيْلَانَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
مِنْ نَسَبِ بُجَيْرِ بْنِ زُهَيْرٍ:
وَذَكَرَ شِعْرَ بُجَيْرِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى، وَاسْمُ أَبِي سُلْمَى: رَبِيعَةُ، وَهُوَ مِنْ بَنِي لَاطِمِ بْنِ عُثْمَانَ، وهم مُزَيْنَةُ، عُرِفُوا بِأُمّهِمْ، وَقَدْ قَدّمْنَا أَنّهَا بِنْتُ كَلْبِ بْنِ وَبَرَةَ، وَأَنّ أُخْتَهَا الْحَوْأَبُ، وَبِهَا سُمّيَ مَاءُ الْحَوْأَبِ، وَعُثْمَانُ هُوَ ابْنُ أَدّ بْنِ طَابِخَةَ.
حَوْلَ شِعْرِ بُجَيْرٍ:
وَقَوْلُهُ:
كَانَتْ عُلَالَةُ يَوْمَ بَطْنِ حُنَيْنٍ
هَذَا مِنْ الْإِقْوَاءِ الّذِي تَقَدّمَ ذِكْرُهُ، وَهُوَ أَنْ يُنْقِصَ حَرْفًا مِنْ آخِرِ الْقَسِيمِ الْأَوّلِ مِنْ الْكَامِلِ، وَهُوَ الذى كان الأصمعىّ يسميه المقعد «١» .
стр. 3128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: كَانَتْ عُلَالَةَ. الْعُلَالَةُ: جَرْيٌ بَعْدَ جَرْيٍ، أَوْ قِتَالٌ بَعْدَ قِتَالٍ»
، يُرِيدُ: أَنّ هَوَازِنَ جَمَعَتْ جَمْعَهَا عُلَالَةً فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَحُذِفَ التّنْوِينُ مِنْ عُلَالَةَ ضَرُورَةً، وَأُضْمِرَ فِي كَانَتْ اسْمُهَا، وَهُوَ الْقِصّةُ، وَإِنْ كَانَتْ الرّوَايَةُ بِخَفْضِ يَوْمٍ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْتِزَامِ الضّرُورَةِ الْقَبِيحَةِ بِالنّصْبِ، وَلَكِنّ أَلْفِيّتَهُ فِي النّسْخَةِ الْمُقَيّدَةِ، وَإِذَا كَانَ الْيَوْمُ مَخْفُوضًا بِالْإِضَافَةِ جَازَ فِي عُلَالَةَ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى خَبَرِ كَانَ، فَيَكُونُ اسْمُهَا عَائِدًا عَلَى شَيْءٍ تَقَدّمَ ذِكْرُهُ، وَيَجُوزُ الرّفْعُ فِي عُلَالَةَ مَعَ إضَافَتِهَا إلَى يَوْمٍ عَلَى أَنْ تَكُونَ كَانَ تَامّةً مُكْتَفِيَةً بِاسْمٍ واحد، ويجور أَنْ تَجْعَلَهَا اسْمًا عَلَمًا لِلْمَصْدَرِ مِثْلَ بَرّةَ وَفَجَارِ «٢» ، وَيُنْصَبُ يَوْمٌ عَلَى الظّرْفِ كَمَا تَقَيّدَ فِي النّسْخَةِ.
وَقَوْلُهُ: تَرْتَدّ حَسْرَانَا، جَمْعُ: حَسِيرٍ وَهُوَ الْكَلِيلُ. وَالرّجْرَاجَةُ: الْكَتِيبَةُ الضّخْمَةُ مِنْ الرّجْرَجَةِ، وَهِيَ شِدّةُ الْحَرَكَةِ وَالِاضْطِرَابِ. وَفَيْلَقٌ: مِنْ الْفِلْقِ، وَهِيَ الدّاهِيَةُ. وَالْهَرَاسُ: شَوْكٌ مَعْرُوفٌ وَالضّرَاءُ: الْكِلَابُ، وَهِيَ إذَا مَشَتْ فِي الْهَرَاسِ ابْتَغَتْ لِأَيْدِيهَا مَوْضِعًا، ثُمّ تَضَعُ أَرْجُلَهَا فِي مَوْضِعِ أَيْدِيهَا، شَبّهَ الْخَيْلَ بِهَا. وَالْفُدُرُ: الْوُعُولُ الْمُسِنّةُ. وَالنّهِيءُ: الْغَدِيرُ، سُمّيَ بِذَلِكَ، لِأَنّهُ مَاءٌ نَهَاهُ مَا ارتفع من الأرض عن السّيلان فوقف.
стр. 3129
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: جُدُلٌ: جَمْعُ جَدْلَاءَ، وَهِيَ الشّدِيدَةُ الْفَتْلِ، وَمَنْ رَوَاهُ: جَدْلٌ، فَمَعْنَاهُ: ذَاتُ جَدْلٍ.
وَقَوْلُهُ: وَآل مُحَرّقِ يَعْنِي عُمَرَ بْنِ هِنْدَ مَلِكَ الْحِيرَةِ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ سَبَبُ تَسْمِيَتِهِ بِمُحَرّقٍ، وَفِي زَمَانِهِ وُلِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيمَا ذَكَرُوا- وَاَللهُ أَعْلَمُ.
دَحْنَا وَمَسْحُ ظَهْرِ آدَمَ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ انْصِرَافَ النّبِيّ ﷺ عَنْ الطّائِفِ عَلَى دَحْنَا.
وَدَحْنَا هَذِهِ هِيَ الّتِي خُلِقَ مِنْ تُرْبِهَا آدَمُ صَلّى اللهُ عَلَى نَبِيّنَا وَعَلَيْهِ، وَفِي الْحَدِيثِ: إنّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ دَحْنَا، وَمَسَحَ ظَهْرَهُ بِنُعْمَانِ الْأَرَاكِ «١» رَوَاهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وَكَانَ مَسْحُ ظَهْرِ آدَمَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْجَنّةِ بِاتّفَاقٍ مِنْ الرّوَايَاتِ، وَاخْتَلَفَتْ الرّوَايَةُ فِي مَسْحِ ظَهْرِهِ، فَرُوِيَ مَا تقدم، وهو أصح، وروى أن
стр. 3130
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَلِكَ كَانَ فِي سَمَاءِ الدّنْيَا قَبْلَ هُبُوطِهِ إلَى الْأَرْضِ، وَهُوَ قَوْلُ السّدّيّ، وَكِلْتَا الرّوَايَتَيْنِ ذَكَرَهُمَا الطّبَرِيّ.
وَقَوْلُهُ: حَتّى نَزَلَ الْجِعْرَانَةَ، بِسُكُونِ الْعَيْنِ فِيهَا هُوَ أَصَحّ الرّوَايَتَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطّابِيّ أَنّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ يُشَدّدُونَ الرّاءَ «١» ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنّ الْمَرْأَةَ الّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوّةٍ كَانَتْ تُلَقّبُ بِالْجِعْرَانَةِ، وَاسْمُهَا:
رَيْطَةُ بِنْتُ سَعْدٍ، وَأَنّ الْمَوْضِعَ يُسَمّى بِهَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
حَوْلَ قَوْلِ زُهَيْرٍ أَبِي صُرَدٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ زُهَيْرًا أَبَا صُرَدٍ، وَقَوْلُهُ لِلنّبِيّ ﷺ : وَلَوْ أَنّا مَلَحْنَا لِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي شَمِرٍ، أَوْ لِلنّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ التّعْرِيفُ بِالْحَارِثِ وَبِالنّعْمَانِ، وَمَلَحْنَا: أَرْضَعْنَا، وَالْمِلْحُ: الرّضَاعُ قَالَ الشّاعِرُ:
فَلَا يُبْعِدُ اللهُ رَبّ الْعِبَا ... دِ وَالْمِلْحُ مَا وَلَدَتْ خَالِدَهْ
هُمْ الْمُطْعِمُو الضّيف شحم السّنا ... م والكاسرو والليلة الْبَارِدَهْ
وَهُمْ يَكْسِرُونَ صُدُورَ الْقَنَاِ ... بِالْخَيْلِ تُطْرَدُ أَوْ طَارِدَهْ
فَإِنْ يَكُنْ الْمَوْتُ أَفْنَاهُمْ ... فَلِلْمَوْتِ مَا تَلِدُ الْوَالِدَهْ
وَأَمّا زُهَيْرٌ الّذِي ذَكَرَهُ فَهُوَ ابْنُ صُرَدٍ يُكَنّى أَبَا صُرَدٍ، وقيل أبا جرول،
стр. 3131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَكَانَ مِنْ رُؤَسَاءِ بَنِي جُشَمٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ شِعْرَهُ فِي النّبِيّ ﷺ ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ وَذَكَرَهُ فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْهُ وَهُوَ:
أَمْنِنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللهِ فِي كَرَمٍ ... فَإِنّك الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَنْتَظِرُ
اُمْنُنْ عَلَى بَيْضَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ ... مُمَزّقٌ شَمْلَهَا فِي دَهْرِهَا غِيَرُ
يَا خَيْرَ طِفْلٍ وَمَوْلُودٍ وَمُنْتَخَبٍ ... فِي الْعَالَمِينَ إذَا مَا حُصّلَ الْبَشَرُ
إنْ لَمْ تُدَارِكْهُمْ نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا ... يَا أَرْجَحَ النّاسِ حِلْمًا حِينَ يُخْتَبَرُ
اُمْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْت تَرْضَعُهَا ... إذْ فُوك تَمْلَأُهُ مِنْ مَحْضِهَا الدّرَرُ
إذْ كُنْت طِفْلًا صَغِيرًا كُنْت تَرْضَعُهَا «١» ... وَإِذْ يُزَيّنْكَ مَا تَأْتِي وَمَا تَدَرُ
لَا تَجْعَلَنّا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنا مَعْشَرٌ زُهْرُ
يَا خَيْرَ مَنْ مَرَحَتْ كُمْتُ الْجِيَادِ بِهِ ... عِنْدَ الْهِيَاجِ إذَا مَا اسْتَوْقَدَ الشّرَرُ
إنّا لَنَشْكُرُ آلَاءً وَإِنْ كُفِرَتْ ... وَعِنْدَنَا بعد هذا اليوم مدّخر
стр. 3132
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنّا نُؤَمّلُ عَفْوًا مِنْك تَلْبَسُهُ «١» ... هَذِي الْبَرِيّةِ إذْ تَعْفُو وَتَنْتَصِرُ
فَاغْفِرْ عَفَا اللهُ عَمّا أَنْتَ رَاهِبُهُ ... يَوْمَ الْقِيَامَةِ إذْ يُهْدَى لَك الظّفَرُ
مِنْ أَحْكَامِ السّبَايَا:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ رَدّ السّبَايَا إلَى هَوَازِنَ، وَأَنّهُ مَنْ لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِالرّدّ عَوّضَهُ مِمّا كَانَ بِيَدِهِ، وَاسْتَطَابَ نُفُوسَ الْبَاقِينَ، وَذَلِكَ أَنّ الْمَقَاسِمَ كَانَتْ قَدْ وَقَعَتْ فِيهِمْ، وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنّ عَلَى الْأَسْرَى بَعْدَ الْقَسْمِ، وَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ الْمَقَاسِمِ، كَمَا فَعَلَ النّبِيّ- ﷺ بِأَهْلِ خَيْبَرَ حِينَ مَنّ عَلَيْهِمْ، وَتَرَكَهُمْ عُمّالًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَرْضِهِمْ الّتِي افْتَتَحُوهَا عَنْوَةً، كَذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، قَالَ: وَلَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُنّ عَلَيْهِمْ، فَيَرُدّهُمْ إلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلَكِنْ عَلَى أَنْ يُؤَدّوا الْجِزْيَةَ، وَيَكُونُوا تَحْتَ حُكْمِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ، وَالْإِمَامُ مُخَيّرٌ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْفِدَاءِ وَالْمَنّ وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْفِدَاءِ بِالنّفُوسِ لَا بِالْمَالِ كَذَلِكَ، قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ هَذَا فِي الرّجَالِ، وَأَمّا الذّرَارِيّ وَالنّسَاءُ، فَلَيْسَ إلّا الِاسْتِرْقَاقُ، أَوْ الْمُفَادَاةُ بِالنّفُوسِ دُونَ الْمَالِ كَمَا تَقَدّمَ.
وَذَكَرَ الْجَارِيَةَ الّتِي أُعْطِيَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَأَنّهُ بَعَثَ بِهَا إلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي جُمَحٍ لِيُصْلِحُوا لَهُ مِنْهَا كَيْ يُصِيبَهَا، وَهَذَا لِأَنّهَا كَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ، لِأَنّهُ لَا يَجُوزُ وَطْءُ وَثَنِيّةٍ وَلَا مَجُوسِيّةٍ بِمِلْكِ يَمِينٍ، وَلَا بِنِكَاحٍ حَتّى تُسْلِمَ، وإن
стр. 3133
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كانت ذات زوج، فلابد أَيْضًا مِنْ اسْتِبْرَائِهَا، وَأَمّا الْكِتَابِيّاتُ، فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ وَطْئِهِنّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ التّابِعِينَ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ إبَاحَةُ وَطْءِ الْمَجُوسِيّةِ وَالْوَثَنِيّةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى:
وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ تَحْرِيمٌ عَامّ إلّا مَا خَصّصَتْهُ آيَةُ الْمَائِدَةِ مِنْ الْكِتَابِيّاتِ، وَالنّكَاحُ يَقَعُ عَلَى الْوَطْءِ بِالْعَقْدِ وَالْمِلْكِ.
حَوْلَ سَبْيِ حُنَيْنٍ:
وَكَانَ سَبْيُ حُنَيْنٍ سِتّةَ آلَافِ رَأْسٍ «١» ، وَكَانَ النّبِيّ- ﷺ قَدْ وَلّى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَمْرَهُمْ، وَجَعَلَهُ أَمِينًا عَلَيْهِمْ، قَالَهُ الزّبَيْرُ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ ذَكَرَهُ الزّبَيْرُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أن أباجهم بْنَ حُذَيْفَةَ الْعَدَوِيّ كَانَ عَلَى الْأَنْفَالِ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَجَاءَهُ خَالِدُ بْنُ الْبَرْصَاءِ، فَأَخَذَ مِنْ الْأَنْفَالِ زِمَامَ شَعْرٍ فَمَانَعَهُ أَبُو جَهْمٍ، فَلَمّا تَمَانَعَا ضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ بِالْقَوْسِ فَشَجّهُ مُنَقّلَةٌ «٢» ، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ خَالِدٌ رَسُولَ اللهِ- ﷺ فَقَالَ لَهُ: خُذْ خَمْسِينَ شَاةً ودعه، فقال أقدنى منه، فقال خذمائة، ودعه، فقال: أفدنى مِنْهُ، فَقَالَ: خُذْ خَمْسِينَ وَمِائَةً وَدَعْهُ، وَلَيْسَ لَك إلّا ذَلِكَ، وَلَا أُقِصّكَ مِنْ وَالٍ عَلَيْك، فَقُوّمَتْ الْخَمْسُونَ وَالْمِائَةُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً مِنْ الْإِبِلِ، فَمِنْ هُنَالِكَ جُعِلَتْ دِيَةُ الْمُنَقّلَةِ خمس عشرة فريضة «٣» .
стр. 3134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إعْطَاءُ الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ الْغَنَائِمِ:
فَصْلٌ: وَأَمّا إعْطَاءُ رَسُولِ اللهِ- ﷺ الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ حَتّى تَكَلّمَتْ الْأَنْصَارُ فِي ذَلِكَ، وَكَثُرَتْ مِنْهُمْ الْقَالَةُ، وَقَالَتْ:
يُعْطِي صَنَادِيدَ الْعَرَبِ وَلَا يُعْطِينَا، وَأَسْيَافُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَلِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنّهُ أَعْطَاهُمْ مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ، وَهَذَا الْقَوْلُ مَرْدُودٌ لِأَنّ خُمْسَ الْخُمْسِ مِلْكٌ لَهُ وَلَا كَلَامَ لِأَحَدٍ فِيهِ.
الْقَوْلُ الثّانِي: أَنّهُ أَعْطَاهُمْ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ، وَأَنّ ذَلِكَ خصوص بِالنّبِيّ ﷺ لِقَوْلِهِ ﵎ (قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) وَهَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا يَرُدّهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ نُسَخِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَدْ تَقَدّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، غَيْرَ أَنّ بعض العلماء احتج لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنّ الْأَنْصَارَ لَمّا انْهَزَمُوا يَوْمَ حُنَيْنٍ فَأَيّدَ اللهُ رَسُولَهُ وَأَمَدّهُ بِمَلَائِكَتِهِ، فَلَمْ يَرْجِعُوا حَتّى كَانَ الْفَتْحُ، رَدّ اللهُ تَعَالَى أَمْرَ الْمَغَانِمِ إلَى رَسُولِهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَلَمْ يُعْطِهِمْ مِنْهَا شَيْئًا وَقَالَ لَهُمْ: أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاةِ وَالْبَعِيرِ، وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللهِ إلَى رحالكم، فطيّب نفوسهم بذلك بعد ما فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ.
وَالْقَوْلُ الثّالِثُ: وَهُوَ الّذِي اخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ أَنّ إعْطَاءَهُمْ كَانَ مِنْ الْخُمْسِ حَيْثُ يَرَى أَنّ فِيهِ مَصْلَحَةً للمسلمين.
стр. 3135
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَصْلٌ: وَمِمّا لَمْ يَذْكُرْ ابْنُ إسْحَاقَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَنّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أُثْقِلَ بِالْجِرَاحَةِ يَوْمَئِذٍ، فَأَتَاهُ النّبِيّ ﷺ يَقُولُ: مَنْ يَدُلّنِي عَلَى رَحْلِ خَالِدٍ حَتّى دُلّ عَلَيْهِ، فَوَجَدَهُ قَدْ أُسْنِدَ إلَى مُؤَخّرَةِ رَحْلِهِ، فَنَفَثَ عَلَى جُرْحِهِ فَبَرِئَ، ذَكَرَهُ الْكَشّيّ.
وَصْفُ عَجُوزِ ابْنِ حِصْنٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وَقَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ صُرَدٍ لَهُ فِي الْعَجُوزِ الّتِي أَخَذَهَا: مَا فُوهَا بِبَارِدٍ، وَلَا ثَدْيُهَا بِنَاهِدٍ، وَلَا دَرّهَا بِمَاكِدٍ، وَيُقَالُ أَيْضًا بِنَاكِدٍ، يُرِيدُ: لَيْسَتْ بِغَزِيرَةِ الدّرّ، وَالنّوقُ النّكْدُ: الْغَزِيرَاتُ اللّبَنِ، وَأَحْسَبُهُ مِنْ الْأَضْدَادِ، لِأَنّهُ قَدْ يُقَالُ أَيْضًا نَكِدَ لَبَنُهَا إذَا نَقَصَ، قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ، وَالصّحِيحُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ أَنّ النّكِدَ هِيَ الْقَلِيلَاتُ اللّبَنِ مِنْ قَوْلِهِ : (لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً) وَأَنّ الْمُكْدَ بِالْمِيمِ هِيَ الْغَزِيرَاتُ اللّبَنِ، قَالَ ابْنُ سِرَاجٍ، لِأَنّهُ مِنْ مَكَدَ فِي الْمَكَانِ إذَا أَقَامَ فِيهِ، وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا:
نَكِدَ فِي مَعْنَى مَكَدَ، أَيْ ثَبَتَ
الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ:
وَذَكَرَ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، وَكَانَ مِنْ الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ، ثُمّ حَسُنَ إسْلَامُهُ بَعْدُ، وَهُوَ الّذِي قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) أَفِي كُلّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لَوْ قُلْتهَا لَوَجَبَتْ، وَهُوَ الّذِي قَالَ لِلنّبِيّ ﷺ حِينَ أَقْطَعَ أَبْيَضَ بْنَ حَمّالٍ الْمَاءَ الّذِي
стр. 3136
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِمَأْرِبٍ: أَتَدْرِي مَا أَقْطَعْته يَا رَسُولَ اللهِ؟ إنّمَا أَقْطَعْته الْمَاءَ الْعِدّ «١» ، فَاسْتَرْجَعَهُ النّبِيّ- ﷺ وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ، غَيْرَ أَنّهُ لَمْ يُسَمّ قَائِلَ هَذَا الْكَلَامَ فِيهِ إلّا الدّارَقُطْنِيّ فِي رِوَايَتِهِ، وَزَادَ فِيهِ أَيْضًا: قَالَ أَبْيَضُ: عَلَى أَنْ يَكُونَ صَدَقَةً مِنّي يَا رَسُولَ اللهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: نَعَمْ، وَأَمّا نَسَبُ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، فَهُوَ ابْنُ حَابِسِ بْنِ عِقَالٍ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعِ [بْنِ دَارِمٍ] التّمِيمِيّ الْمُجَاشِعِيّ الدّارِمِيّ، وَأَمّا عُيَيْنَةُ، فَاسْمُهُ: حُذَيْفَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيّ، وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُهُ.
مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ تَوْلِيَةَ النّبِيّ ﷺ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ عَلَى ثُمَالَةَ وَبَنِيّ سَلِمَةَ وَفَهْمٍ. وَثُمَالَةُ هُمْ بَنُو أَسْلَمَ بْنُ أَحْجَنَ أُمّهُمْ: ثُمَالَةُ، وَقَوْلُ أَبِي مِحْجَنٍ فِيهِ:
هَابَتْ الْأَعْدَاءُ جَانِبَنَا ... ثُمّ تَغْزُونَا بَنُو سَلَمَهْ
هَكَذَا تَقَيّدَ فِي النّسْخَةِ بِكَسْرِ اللّامِ، وَالْمَعْرُوفُ فِي قَبَائِلِ قَيْسٍ: سَلَمَةُ بِالْفَتْحِ إلّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْأَزْدِ، فَإِنّ ثُمَالَةَ الْمَذْكُورِينَ مَعَهُمْ حَيّ مِنْ الْأَزْدِ وَفَهْمٌ مِنْ دَوْسٍ، وَهُمْ مِنْ الْأَزْدِ أَيْضًا، وَأُمّهُمْ: جَدِيلَةُ وَهِيَ مِنْ غَطَفَانَ بْنِ قَيْسِ بْنِ غَيْلَانَ، عَلَى أَنّهُ لَا يُعْرَفُ فِي الْأَزْدِ سلمة إلا فى الأنصار، وهم من
стр. 3137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْأَزْدِ وَسَلِمَةُ أَيْضًا فِي جُعْفَى هُمْ، وَسَلِمَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ذُهْلِ بْنِ مُرّانَ بْنُ جُعْفِيّ، وَسَلِمَةُ فِي جُهَيْنَةَ أَيْضًا سَلِمَةُ بْنُ نَصْرِ بْنِ غَطَفَانَ بْنِ قَيْسِ بْنِ جُهَيْنَةَ وَجُعْفِيّ مِنْ مَذْحِجَ، وَجُهَيْنَةُ مِنْ قُضَاعَةَ «١» .
وَأَمّا مِحْجَنٌ، فَاسْمُهُ: مَالِكُ بْنُ حَبِيبٍ، وَقِيلَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ حَبِيبٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ بْنِ غِيَرَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ قَيْسٍ الثّقَفِيّ، وَقَدْ تَقَدّمَ نَسَبُ أُحْجَنَ عِنْدَ ذِكْرِنَا لَهَبَ بْنَ أُحْجَنَ قَبْلَ بَابِ الْمَبْعَثِ.
وَذَكَرَ أَبَا السّنَابِلِ بْنَ بَعْكَكٍ، وَاسْمُهُ: حَبّةُ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وَكَانَ شَاعِرًا وَحَدِيثُهُ مَعَ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيّةِ حِينَ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا مَذْكُورٌ فِي الصّحَاحِ «٢» .
قَوْلُ النّبِيّ ﷺ لِمِرْدَاسٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ ﷺ لِعَبّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ أَنْتَ الْقَائِلُ: فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعَبِيدِ بَيْنَ الأقرع وعيينة؟
стр. 3138
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ: بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هُمَا وَاحِدٌ، يَعْنِي فِي الْمَعْنَى، وَأَمّا فِي الْفَصَاحَةِ، فَاَلّذِي أُجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ ﷺ هُوَ الْأَفْصَحُ فِي تَنْزِيلِ الْكَلَامِ وَتَرْتِيبِهِ، وَذَلِكَ أَنّ الْقَبْلِيّةَ تَكُونُ بِالْفَضْلِ نَحْوَ قوله تعالى: مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَتَكُونُ بِالرّتْبَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى حِينَ ذَكَرَ الْيَهُودَ وَالنّصَارَى، فَقَدِمَ الْيَهُودُ لِمُجَاوَرَتِهِمْ الْمَدِينَةَ، فَهُمْ فِي الرّتْبَةِ قَبْلَ النّصَارَى، وَقَبْلِيّةٌ بِالزّمَانِ نَحْوَ ذِكْرِ التّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بَعْدَهُ وَنُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ، وَقَبْلِيّةٌ بِالسّبَبِ، وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ مَا هُوَ عِلّةُ الشّيْءِ وَسَبَبُ وُجُودِهِ، ثُمّ يَذْكُرُ الْمُسَبّبَ بَعْدَهُ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ مِثْلُ أَنْ يَذْكُرَ مَعْصِيَةً وَعِقَابًا أَوْ طَاعَةً وَثَوَابًا فَالْأَجْوَدُ فِي حُكْمِ الْفَصَاحَةِ تَقْدِيمُ السّبَبِ.
الْقَبْلِيّةُ بَيْنَ الْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةَ:
وَالْأَقْرَعُ وَعُيَيْنَةُ مِنْ بَابِ قَبْلِيّةِ الْمَرْتَبَةِ، وَقَبْلِيّةِ الْفَضْلِ، أَمّا قَبْلِيّةُ الرّتْبَةِ فَإِنّهُ مِنْ خِنْدِفٍ، ثُمّ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى النّبِيّ ﷺ مِنْ عُيَيْنَةَ، فَتَرَتّبَ فِي الذّكْرِ قَبْلَهُ، وَأَمّا قَبْلِيّةُ الْفَضْلِ، فَإِنّ الْأَقْرَعَ حَسُنَ إسْلَامُهُ وَعُيَيْنَةَ لَمْ يَزَلْ مَعْدُودًا فِي أَهْلِ الْجَفَاءِ حَتّى ارْتَدّ وَآمَنَ بِطُلَيْحَةَ، وَأُخِذَ، أَسِيرًا فَجَعَلَ الصّبْيَانُ يَقُولُونَ لَهُ- وَهُوَ يُسَاقُ إلَى أَبِي بَكْرٍ- وَيْحَك يَا عَدُوّ اللهِ ارْتَدَدْت بَعْدَ إيمَانِك، فَيَقُولُ: وَاَللهِ مَا كُنْت آمَنْت، ثُمّ أَسْلَمَ فِي الظّاهِرِ، وَلَمْ يَزَلْ جَافِيًا أَحْمَقَ حَتّى مَاتَ،
стр. 3139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَبِحَسْبِك تَسْمِيَةُ النّبِيّ ﷺ لَهُ: الْأَحْمَقُ الْمُطَاعُ «١» وَمِمّا يُذْكَرُ مِنْ جَفَائِهِ أَنّ عَمْرَو بْنَ مَعْدِي كَرِبَ نَزَلَ بِهِ ضَيْفًا، فَقَالَ لَهُ عُيَيْنَةُ: هَلْ لَك فِي الْخَمْرِ نَتَنَادَمُ عَلَيْهَا؟ فَقَالَ عَمْرٌو: أَلَيْسَتْ مُحَرّمَةً فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ عُيَيْنَةُ إنّمَا قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، فَقُلْنَا نَحْنُ: لَا، فَشَرِبَا.
حَدِيثُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ وَذَكَرَ حَدِيثَ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التّمِيمِيّ، وَمَا قَالَ فِيهِ النّبِيّ ﵇ وَفِي شِيعَتِهِ، وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِهِ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ إلَى صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ إلَى صِيَامِهِمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدّينِ كَمَا يَمْرُقُ السّهْمُ مِنْ الرّمِيّةِ الْحَدِيثُ «٢» ، فَكَانَ كَمَا قَالَ- ﷺ وَظَهَرَ صِدْقُ الْحَدِيثِ فِي الْخَوَارِجِ، وَكَانَ أَوّلُهُمْ مِنْ ضِئْضِئِي ذَلِكَ الرّجُلِ، أَيْ: مِنْ أَصْلِهِ، وَكَانُوا مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ الّتِي قَالَ فِيهَا النّبِيّ ﷺ : منها يطلع قرن
стр. 3140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشّيْطَانِ، فَكَانَ بَدْؤُهُمْ مِنْ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ، وَكَانَ آيَتُهُمْ ذُو الثّدَيّةِ الّذِي قَتَلَهُ عَلِيّ ﵁، وَكَانَتْ إحْدَى يَدَيْهِ كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ، وَاسْمُ ذِي الثّدَيّةِ نَافِعٌ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ، وغيره بقول اسْمُهُ: حُرْقُوصُ [بْنُ زُهَيْرٍ] «١» وَقَوْلُ أَبِي دَاوُدَ أَصَحّ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
شِعْرُ حَسّانَ فِي عِتَابِهِ ﷺ :
وَذَكَرَ شِعْرَ حَسّانَ وفيه:
هيفاء لاذنن فِيهَا وَلَا خَوَرُ
الذّنَنُ: الْغَدْرُ وَالتّفْلُ، وَالذّنِينُ الْمُخَاطُ، وَالذّنَنُ أَيْضًا أَلّا يَنْقَطِعَ حَيْضُ الْمَرْأَةِ، يقال: امرأة ذنّاء، وَلَوْ رُوِيَ بِالدّالِ الْمُهْمَلَةِ لَكَانَ جَيّدًا أَيْضًا، فَإِنّ الدّنَنَ بِالدّالِ هُوَ قِصَرُ الْعُنُقِ وَتَطَامُنُهَا، وَهُوَ عَيْبٌ. وَالْبَهْكَنَةُ: الضّخْمَةُ
حَوْلَ عِتَابِ النّبِيّ لِلْأَنْصَارِ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ- ﷺ للأنصار: ما قالة بلغتنى
стр. 3141
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَنْكُمْ وَجْدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ، هَكَذَا الرّوَايَةُ: جِدَةٌ وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللّغَةِ: مَوْجِدَةٌ إذَا أَرَدْت الْغَضَبَ، وَإِنّمَا الْجِدَةُ فِي الْمَالِ.
وَقَوْلُهُ ﵇: فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدّنْيَا تَأَلّفْت بِهَا قَوْمًا، لِيُسْلِمُوا. اللّعَاعَةُ بَقْلَةٌ نَاعِمَةٌ، وَهَذَا نَحْوٌ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: الْمَالُ حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَاللّعَةُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى: وَهِيَ الْمَرْأَةُ الْمَلِيحَةُ الْعَفِيفَةُ، وَاللّعْلَعُ: السّرَابُ، وَلُعَاعُهُ: بَصِيصُهُ «١» .
جُعَيْلَ بْنُ سُرَاقَةَ:
وَذَكَرَ جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ، وَقَوْلَ النّبِيّ- ﷺ فِيهِ:
وَوَكَلْت جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ إلَى إسْلَامِهِ. نَسَبَ ابْنُ إسْحَاقَ جُعَيْلًا إلَى ضَمْرَةَ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي غِفَارٍ، لِأَنّ غِفَارًا، هُمْ بَنُو مُلَيْلِ بْنِ ضمرة من بنى ليث بن بكر ابن عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ. وَأَمّا حَدِيثُ التّمِيمِيّ الّذِي قَالَ لِلنّبِيّ ﷺ حِينَ أَعْطَى الْمُؤَلّفَةَ قُلُوبُهُمْ: لَمْ أَرَك عَدَلْت، فَغَضِبَ النّبِيّ ﷺ ، ثُمّ قَالَ: إذَا لَمْ يَكُنْ الْعَدْلُ عِنْدِي، فَعِنْدَ مَنْ يَكُونُ؟ وَقَالَ أَيْضًا: إنّي أَرَى قِسْمَةَ مَا أُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللهِ، فَقَالَ ﷺ : أَيَأْمَنُنِي اللهُ فِي السّمَاءِ، وَلَا تَأْمَنُونِي، أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ ، فَالرّجُلُ هُوَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ، كَذَلِكَ جاء ذكره فى الحديث «٢» .
стр. 3142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَيُذْكَرُ عَنْ الْوَاقِدِيّ أَنّهُ قَالَ: هُوَ حُرْقُوصُ بن زهير السّعدى من سند؟؟؟
تَمِيمٍ، وَقَدْ كَانَ لِحُرْقُوصٍ هَذَا مَشَاهِدُ مَحْمُودَةٌ فِي حَرْبِ الْعِرَاقِ مَعَ الْفُرْسِ أَيّامَ عُمَرَ، ثُمّ كَانَ خَارِجِيّا، وَفِيهِ يَقُولُ نُحَيْبَةُ الْخَارِجِيّ:
حَتّى أُلَاقِيَ فِي الْفِرْدَوْسِ حُرْقُوصًا
وَلِذَلِكَ قَالَ فِيهِ النّبِيّ ﷺ : إنّهُ سَيَكُونُ مِنْ ضِئْضِئِهِ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ إلَى صَلَاتِهِمْ، وَذَكَرَ صِفَةَ الْخَوَارِجِ، وَلَيْسَ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ هذا ذا التّديّة الّذِي قَتَلَهُ عَلِيّ بِالنّهَرِ، وَأَنّ ذَلِكَ اسْمُهُ نافع، ذكره أبو داود، وكلام الوافدى حَكَاهُ ابْنُ الطّلّاعِ فِي الْأَحْكَامِ لَهُ.
شِعْرُ بجير وكعب ابى زُهَيْرٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ قِصّةَ بُجَيْرِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى، وَاسْمُ أَبِي سُلْمَى:
رَبِيعَةُ بْنُ رِيَاحٍ أَحَدُ بَنِي مُزَيْنَةَ.
وَفِي شِعْرِ كعب إلى أخيه بجير:
سقاك بها الْمَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيّةً
وَيُرْوَى: الْمَحْمُودُ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ، أَرَادَ بِالْمَحْمُودِ: مُحَمّدًا- ﷺ وَكَذَلِكَ الْمَأْمُونُ وَالْأَمِينُ كَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمّي بِهِمَا النّبِيّ ﷺ قَبْلَ النّبُوّةِ.
وَقَوْلُهُ لِأَخِيهِ بُجَيْرٍ:
стр. 3143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمّا وَلَا أَبًا ... عَلَيْهِ، وَلَمْ تُدْرِكْ عَلَيْهِ أَخَا لَكَا «١»
إنّمَا قَالَ ذَلِكَ، لِأَنّ أُمّهُمَا وَاحِدَةٌ، وَهِيَ كَبْشَةُ بِنْتُ عَمّارٍ السّحَيْمِيّةُ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ الْأَعْرَابِيّ عن ابن الكلبى.
وقوله: إمّا عثرت لعالكا، كلمة تقال للعاثر دعاء له بالإقلة قَالَ الْأَعْشَى:
فَالتّعْسُ أَدْنَى لَهَا ... مِنْ أَنْ يقال لعالها «٢»
وأنشد أبو عبيد:
فلالعا لِبَنِي فَعْلَانَ إذْ عَثَرُوا
وَقَوْلُ بُجَيْرٍ:
وَدِينُ زُهَيْرٍ وَهُوَ لَا شَيْءَ دِينُهُ
رِوَايَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ، وَقَدْ رَوَاهُ الْقَالِيّ، فَقَالَ: وَهُوَ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ، وَفَسّرَهُ عَلَى التّقْدِيمِ وَالتّأْخِيرِ أَرَادَ: وَدِينُ زُهَيْرٍ غَيْرُهُ، وَهُوَ لَا شَيْءَ. وَرِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ أَبْعَدُ مِنْ الْإِشْكَالِ وَأَصَحّ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَكَعْبٌ هَذَا مِنْ فُحُولِ الشّعَرَاءِ هُوَ وَأَبُوهُ زهير، وكذلك ابنه عقبة
стр. 3144
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابن كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ يُعْرَفُ عُقْبَةُ بِالْمُضَرّبِ، وَابْنُ عُقْبَةَ الْعَوّامُ «١» شَاعِرٌ أَيْضًا، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ تَغَيّرَ بَعْدَنَا ... مَلَاحَةُ عَيْنَيْ أُمّ عَمْرٍو وَجِيدُهَا
وَهَلْ بَلِيَتْ أَثْوَابُهَا بَعْدَ جِدّةٍ ... أَلَا حَبّذَ أَخْلَاقُهَا وَجَدِيدُهَا «٢»
وَمِمّا يُسْتَحْسَنُ وَيُسْتَجَادُ مِنْ قَوْلِ كَعْبٍ:
لَوْ كُنْت أَعْجَبُ مِنْ شَيْءٍ لَأَعْجَبَنِي ... سَعْيُ الْفَتَى وَهُوَ مَخْبُوءٌ لَهُ الْقَدَرُ
يَسْعَى الْفَتَى لِأُمُورٍ لَيْسَ يدركها ... فالنّفس واحدة والهمّ منتشر
والمرء ماعاش مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ ... لَا تَنْتَهِي الْعَيْنُ حَتّى يَنْتَهِي الْأَثَرُ
وَقَوْلُهُ:
إنْ كُنْت لَا تَرْهَبُ ذَمّي ... لِمَا تَعْرِفُ مِنْ صَفْحِي عَنْ الْجَاهِلْ
стр. 3145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَاخْشَ سُكُوتِي إذْ أَنَا مُنْصِتٌ ... فِيك لِمَسْمُوعِ خَنَا الْقَائِلْ
فَالسّامِعُ الذّمّ شَرِيكٌ لَهُ ... وَمُطْعِمُ الْمَأْكُولِ كَالْآكِلْ
مَقَالَةُ السّوءِ إلَى أَهْلِهَا ... أَسْرَعُ مِنْ مُنْحَدِرٍ سَائِلْ
وَمَنْ دَعَا النّاسَ إلَى ذَمّهِ ... ذَمّوهُ بِالْحَقّ وَبِالْبَاطِلْ
قَصِيدَةُ بَانَتْ سُعَادُ:
وَذَكَرَ قَصِيدَتَهُ:
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ
وفيها قوله:
شجّت بذى شم
يَعْنِي: الْخَمْرَ، وَشُجّتْ كُسِرَتْ مِنْ أَعْلَاهَا لِأَنّ الشّجّة لا تكون إلا فى الرأس، والشّبم الْبَرْدُ، وَأَفْرَطَهُ: أَيْ مَلَأَهُ. وَالْبِيضُ الْيَعَالِيلُ:
السّحَابُ، وَقِيلَ: جِبَالٌ يَنْحَدِرُ الْمَاءُ مِنْ أَعْلَاهَا، وَالْيَعَالِيلُ أَيْضًا: الْغُدْرَانُ، وَاحِدُهَا يَعْلُولٌ؛ لِأَنّهُ يُعِلّ الْأَرْضَ بِمَائِهِ.
وَقَوْلُهُ: يَا وَيْحَهَا «١» خُلّةٌ قَدْ سِيطَ مِنْ دَمِهَا
أَيْ خُلِطَ بِلَحْمِهَا وَدَمِهَا هَذِهِ الْأَخْلَاقُ الّتِي وَصَفَهَا بِهَا مِنْ الْوَلَعِ وَهُوَ
стр. 3146
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْخَلْفُ، وَالْكَذِبُ، وَالْمَطْلُ، يُقَالُ: سَاطَ الدّمَ وَالشّرَابَ إذَا ضَرَبَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ. وَقَالَ الشّاعِرُ يَصِفُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبّاسٍ:
صَمُوتٌ إذَا مَا زَيّنَ الصّمْتُ أَهْلَهُ ... وَفَتّاقُ أَبْكَارِ الْكَلَامِ الْمُخَتّمِ
وَعَى مَا حَوَى الْقُرْآنُ مِنْ كُلّ حِكْمَةٍ ... وَسِيطَتْ لَهُ الْآدَابُ بِاللّحْمِ وَالدّمِ
وَالْغُولُ: الّتِي تَتَرَاءَى بِاللّيْلِ. وَالسّعْلَاةُ مَا تَرَاءَى بِالنّهَارِ مِنْ الْجِنّ، وَقَدْ أَبْطَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حُكْمَ الْغُولِ حَيْثُ قَالَ: لَا عَدْوَى وَلَا غُولَ «١» ، وَلَيْسَ يُعَارِضُ هَذَا مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇: إذَا تَغَوّلَتْ
стр. 3147
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْغِيلَانُ فَارْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ بِالْأَذَانِ «١» ، وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي أَيّوبَ مَعَ الْغُولِ حِينَ أَخَذَهَا، لِأَنّ قَوْلَهُ ﵇: لَا غُولَ إنّمَا أَبْطَلَ بِهِ مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيّةُ تَتَقَوّلُهُ مِنْ أَخْبَارِهَا وَخُرَافَاتِهَا مَعَهَا
وَقَوْلُهُ:
كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلًا
هُوَ: عُرْقُوبُ بْنُ صَخْرٍ مِنْ الْعَمَالِيقِ الّذِينَ سَكَنُوا يَثْرِبَ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَقِصّتُهُ فِي إخْلَافِ الْوَعْدِ مَشْهُورَةٌ حِينَ وَعَدَ أَخَاهُ بِجَنَا نَخْلَةٍ لَهُ وَعْدًا مِنْ بَعْدِ وَعْدٍ، ثُمّ جَذّهَا لَيْلًا، وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا.
وَالتّبْغِيلُ: ضَرْبٌ مِنْ السّيْرِ سَرِيعٌ، وَالْحِزّانُ جَمْعُ حَزْنٍ وَهُوَ مَا غَلُظَ مِنْ الْأَرْضِ. وَالْمِيلُ مَا اتّسَعَ مِنْهَا:
وَقَوْلُهُ: تَرْمِي النّجَادَ، وَأَنْشَدَهُ أَبُو عَلِيّ: تَرْمِي الْغُيُوبَ، وَهُوَ جَمْعُ غَيْبٍ، وَهُوَ مَا غَار مِنْ الْأَرْضِ، كَمَا قَالَ ابْنُ مِقْبَلٍ:
لَزْمُ الْغُلَامِ وَرَاءَ الْغَيْبِ بِالْحَجَرِ
وَقَوْلُهُ:
حَرْفٌ أَبُوهَا أَخُوهَا مِنْ مُهَجّنَةٍ ... وَعَمّهَا خَالُهَا قَوْدَاءُ شِمْلِيلُ
الْقَوْدَاءُ: الطّوِيلَةُ الْعُنُقِ. والشمليل: السريعة. والحرف: الناقة الضامر.
стр. 3148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: مِنْ مُهَجّنَةٍ، أَيْ: مِنْ إبِلٍ مُهَجّنَةٍ مُسْتَكْرَمَةٍ هِجَانٍ.
وَقَوْلُهُ: أَبُوهَا أَخُوهَا أَيْ: أَنّهُمَا من جنس واحد فى الْكَرَمِ، وَقِيلَ:
إنّهَا مِنْ فَحْلٍ حَمَلَ عَلَى أُمّهِ فَجَاءَتْ بِهَذِهِ النّاقَةِ، فَهُوَ أَبُوهَا وَأَخُوهَا، وَكَانَتْ لِلنّاقَةِ الّتِي هِيَ أُمّ هَذِهِ بِنْتٌ أُخْرَى مِنْ الْفَحْلِ الْأَكْبَرِ، فَعَمّهَا خَالُهَا عَلَى هَذَا، وَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ أَكْرَمِ النّتَاجِ، وَالْقَوْلُ الْأَوّلُ ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيّ الْقَالِيّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، فَاَللهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: أَقْرَابٌ زَهَالِيلُ، أَيْ: خَوَاصِرُ مُلْسٌ، وَاحِدُهَا: زُهْلُولٌ وَالْبِرْطِيلُ: حَجَرٌ طَوِيلٌ، وَيُقَالُ: لِلْمِعْوَلِ أَيْضًا: بِرْطِيلٌ.
وَقَوْلُهُ: ذَوَابِلٌ وَقْعُهُنّ «١» الْأَرْضَ تَحْلِيلُ.
تَحْلِيلُ، أَيْ قَلِيلٌ. يُقَالُ: مَا أفام عِنْدَنَا إلّا كَتَحْلِيلِ الْأَلِيّةِ، وَكَتَحِلّةِ الْمَقْسِمِ، وَعَلَيْهِ حَمَلَ ابْنُ قُتَيْبَةَ قَوْلَهُ ﵇ لَنْ تَمَسّهُ النّارُ إلّا تَحِلّةَ الْقَسَمِ، وَغَلّطَ أَبَا عُبَيْدٍ حَيْثُ فَسّرَهُ عَلَى الْقَسَمِ حَقِيقَةً. قَالَ القتىّ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ قَسَمٌ لِأَنّهُ قَالَ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها وَلَمْ يُقْسِمْ. قَالَ: الْخَطّابِيّ: هَذِهِ غَفْلَةٌ مِنْ ابن قتيبة فإن فى أول الآية: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ وَقَوْلُهُ:
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها داخل تحت القسم المتقدم.
وقوله: بالقور العساقبل. القور: جمع قارة، وهى الحجارة السّود.
стр. 3149
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَالْعَسَاقِيلُ هُنَا السّرَابُ، وَهَذَا مِنْ الْمَقْلُوبِ، أَرَادَ وَقَدْ تَلَفّعَتْ الْقُودُ بِالْعَسَاقِيلِ.
وَفِيهَا قَوْلُهُ:
تَمْشِي «١» الْغُوَاةُ بِجَنْبَيْهَا، أَيْ بِجَنْبَيْ نَاقَتِهِ.
عَنْ الْقَوْلِ والقيل إعرابا ومعنى:
وقوله: إنك يابن أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ وَيُرْوَى: وَقَيْلُهُمْ، وَهُوَ أَحْسَنُ فِي الْمَعْنَى، وَأَوْلَى بِالصّوَابِ؛ لِأَنّ الْقِيلَ هُوَ الكلام المقول فهو مبتدأ، وقوله: إنك يابن أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ: خَبَرٌ، تَقُولُ: إذَا سُئِلْت مَا قِيلُك؟
قِيلِي: إنّ اللهَ وَاحِدٌ، فَقَوْلُك: إنّ اللهَ وَاحِدٌ هُوَ الْقِيلُ، وَالْقَوْلُ مَصْدَرٌ كَالطّحْنِ وَالذّبْحِ، وَالْقِيلُ اسْمٌ لِلْمَقُولِ كَالطّحْنِ وَالذّبْحِ بِكَسْرِ أَوّلِهِ، وَإِنّمَا حَسُنَتْ هَذِهِ الرّوَايَةُ، لِأَنّ القول مصدر فيصير: إنك يابن أَبِي سُلْمَى فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ فِيهِ، فَيَبْقَى الْمُبْتَدَأُ بِلَا خَبَرٍ إلّا أَنْ تَجْعَلَ الْمَقُولَ هو القول على المجار، كَمَا يُسَمّى الْمَخْلُوقُ خَلْقًا، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قوله :
وَقِيلِهِ يا رَبِّ فِي مَوْضِعِ الْبَدَلِ مِنْ الْقِيلِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: إِلَّا قِيلًا:
سَلاماً سَلاماً مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، فَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْبَدَلِ مِنْ قِيلًا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا أى: حديثا مقولا، ومن
стр. 3150
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَذَا الْبَابِ مَسْأَلَةٌ مِنْ النّحْوِ ذَكَرَهَا سِيبَوَيْهِ، وَابْنُ السّرَاجِ فِي كِتَابِهِ، وَأَخَذَ الْفَارِسِيّ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ ابْنِ السّرَاجِ، فَكَثِيرًا مَا يَنْقُلُ مِنْ كِتَابِهِ بِلَفْظِهِ غَيْرَ أَنّهُ أَفْسَدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَلَمْ يَفْهَمْ مَا أَرَادَ بِهَا، وَذَلِكَ أَنّهُمَا قَالَا: إذَا قُلْت أَوّلَ مَا أَقُولُ: إنّي أَحْمَدُ اللهَ، بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، فَهُوَ عَلَى الْحِكَايَةِ، فَظَنّ الْفَارِسِيّ أَنّهُ يُرِيدُ عَلَى الْحِكَايَةِ بِالْقَوْلِ، فَجَعَلَ إنّي أَحْمَدُ اللهَ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ بِأَقُولُ، فَلَمّا بَقِيَ لَهُ الْمُبْتَدَأُ بِلَا خَبَرٍ تَكَلّفَ لَهُ تَقْدِيرًا لَا يُعْقَلُ، فَقَالَ: تَقْدِيرُهُ أَوّلُ مَا أَقُولُ: إنّي أَحْمَدُ اللهَ مَوْجُودٌ أَوْ ثَابِتٌ، فَصَارَ مَعْنَى كَلَامِهِ: إلَى أَنّ أَوّلَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الّتِي هِيَ إنّي أَحْمَدُ اللهَ مَوْجُودٌ أَيْ: أَوّلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مَوْجُودٌ، فَآخِرُهَا إذًا مَعْدُومٌ، وَهَذَا خُلْفٌ مِنْ الْقَوْلِ، كَمَا تَرَى، وَقَدْ وَافَقَهُ ابْنُ جِنّي عَلَيْهِ، رَأَيْته فِي بَعْضِ مَسَائِلِهِ، قَالَ: قُلْت لِأَبِي عَلِيّ لِمَ لَا يَكُونُ: إنّي أَحْمَدُ اللهَ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، كَمَا تَقُولُ: أَوّلُ سورة أقرأها: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أَوْ نَحْوَ هَذَا وَلَا يَحْتَاجُ إلَى حَذْفِ خَبَرٍ، قَالَ: فَسَكَتَ وَلَمْ يَجِدْ جَوَابًا، وَإِنّمَا مَعْنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَوّلُ مَا أَقُولُ، أَيْ: أَوّلُ الْقِيلِ الّذِي أَقُولُهُ إنّي أَحْمَدُ اللهَ عَلَى حِكَايَةِ الْكَلَامِ الْمَقُولِ، وَهَذَا الّذِي أَرَادَ سِيبَوَيْهِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ السّرَاجِ، فَإِنْ فَتَحْت الْهَمْزَةَ مِنْ أَنّ صَارَ مَعْنَى الْكَلَامِ أَوّلُ الْقَوْلِ لَا أَوّلُ الْقِيلِ، وَكَانَتْ مَا وَاقِعَةً عَلَى الْمَصْدَرِ، وَصَارَ مَعْنَاهُ: أَوّلُ قَوْلِي الْحَمْدُ إذْ الْحَمْدُ قَوْلٌ وَلَمْ يُبَيّنْ مَعَ فَتْحِ الْهَمْزَةِ كَيْفَ حَمِدَ اللهَ، هَلْ قَالَ: الْحَمْدُ لِلّهِ بِهَذَا اللّفْظِ، أَوْ غَيْرِهِ، وَعَلَى كَسْرِ الْهَمْزَةِ قَدْ بَيّنَ كَيْفَ حَمِدَ حِينَ افْتَتَحَ كَلَامَهُ، بِأَنّهُ قَالَ:
إنّي أَحْمَدُ اللهَ بِهَذَا اللّفْظِ، أَوْ غَيْرِهِ وَعَلَى كَسْرِ الْهَمْزَةِ قَدْ بَيّنَ كَيْفَ حَمِدَ حِينَ افْتَتَحَ كَلَامَهُ، بِأَنّهُ قَالَ: إنّي أَحْمَدُ اللهَ بِهَذَا اللّفْظِ لَا بِلَفْظٍ آخَرَ، فَقِفْ عَلَى
стр. 3151
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَتَدَبّرْهَا إعْرَابًا وَمَعْنًى، فَقُلْ: مَنْ أَحْكَمَهَا وَحَسْبُك أَنّ الْفَارِسِيّ لَمْ يَفْهَمْ عَمّنْ قَبْلَهُ، وَجَاءَ بِالتّخْلِيطِ الْمُتَقَدّمِ، وَاَللهُ الْمُسْتَعَانُ.
عَوْدٌ إلَى بَانَتْ سُعَادُ:
وَالْخَرَادِيلُ: الْقِطَعُ مِنْ اللّحْمِ، وَفِي الْحَدِيثِ فِي صِفَةِ الصّرَاطِ: فَمِنْهُمْ الْمُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ الْمُخَرْدَلُ، أَيْ تُخَرْدِلُ لَحْمَهُ «١» الْكَلَالِيبُ الّتِي حَوْلَ الصّرَاطِ، سَمِعْت شَيْخَنَا الْحَافِظَ أَبَا بَكْرٍ ﵀ يَقُولُ: تِلْكَ الْكَلَالِيبُ هِيَ الشّهَوَاتُ، لِأَنّهَا تَجْذِبُ الْعَبْدَ فِي الدّنْيَا عَنْ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى سَوَاءِ الصّرَاطِ، فَتُمَثّلُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: بِضَرَاءِ الْأَرْضِ. الضّرَاءُ: مَا وَارَاك مِنْ شَجَرٍ، وَالْخَمْرُ: مَا وَارَاك مِنْ شَجَرٍ وَغَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ: بِوَادِيهِ الْأَرَاجِيلُ، أَيْ: الرّجّالَةُ، قِيلَ: إنّهُ جَمْعٌ الْجَمْعُ، كَأَنّهُ جَمْعُ الرّجْلِ، وَهُمْ الرّجّالَةُ عَلَى أَرْجُلٍ، ثُمّ جَمَعَ أَرَجُلًا عَلَى أَرَاجِلَ، وَزَادَ الْيَاءَ ضَرُورَةً. وَالدّرْسُ: الثّوْبُ الْخَلِقُ. وَالْفَقْعَاءُ: شَجَرَةٌ لَهَا ثَمَرٌ كَأَنّهُ حَلَقٌ.
وَيُرْوَى أَنّ النّبِيّ- ﷺ حِينَ أَنْشَدَهُ كَعْبٌ:
إنّ الرّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ ... مُهَنّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ مَسْلُولُ
نَظَرَ إلَى أَصْحَابِهِ كَالْمُعْجَبِ لَهُمْ مِنْ حسن القول وجودة الشعر.
стр. 3152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ:
لَيْسَ لَهُمْ «١» عَنْ حِيَاضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ
التهليل: أن يَنْكُصُ الرّجُلُ عَنْ الْأَمْرِ جُبْنًا.
وَقَوْلُهُ فِي الْأَنْصَارِ:
ضَرَبُوا عَلِيّا يَوْمَ بَدْرٍ ضَرْبَةً «٢»
بَنُو عَلِيّ: هُمْ بَنُو كِنَانَةَ، يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَلِيّ لِمَا تَقَدّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَأَرَادَ: ضَرَبُوا قُرَيْشًا لِأَنّهُمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ.
وَقَوْلُهُ: إذَا عَرّدَ «٣» السّودُ التّنَابِيلُ: جَمْعُ تِنْبَالٍ وَهُوَ الْقَصِيرُ، وَقَوْلُهُ:
عَرّدَ، أَيْ: هَرَبَ. قَالَ الشاعر:
يعرّد عنه صحبه وصديقه ... وبنبش عَنْهُ كَلْبُهُ وَهُوَ ضَارِبُهْ
عِلّةُ السّوَادِ فِي أَهْلِ الْيَمَنِ وَشَرْحُ بَيْتٍ لِحَسّانَ:
وَجَعَلَهُمْ سُودًا لِمَا خَالَطَ أَهْلَ الْيَمَنِ مِنْ السّودَانِ عِنْدَ غَلَبَةِ الْحَبَشَةِ عَلَى بِلَادِهِمْ «٤» ، وَلِذَلِك قَالَ حَسّانُ فى آل جفنة:
стр. 3153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَوْلَادُ جَفْنَةَ حَوْلَ قَبْرِ أَبِيهِمْ ... بِيضُ الْوُجُوهِ مِنْ الطّرَازِ الْأَوّلِ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: مِنْ الطّرَازِ الْأَوّلِ، أَنّ آلَ جَفْنَةَ كَانُوا مِنْ الْيَمَنِ، ثُمّ اسْتَوْطَنُوا الشّامَ بَعْدَ سَيْلِ الْعَرِمِ، فَلَمْ يُخَالِطْهُمْ السّودَانُ كَمَا خَالَطُوا مَنْ كَانَ مِنْ الْيَمَنِ، مِنْ الطّرَازِ الْأَوّلِ الّذِي كَانُوا عَلَيْهِ فى ألوانهم وأخلاقهم.
стр. 3154
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: حَوْلَ قَبْرِ أَبِيهِمْ، أَيْ إنّهُمْ لِعِزّهِمْ لَمْ يَجْلُوا عَنْ مَنَازِلِهِمْ قَطّ، وَلَا فَارَقُوا قبر أبيهم.
стр. 3155
[غزوة تبوك فى رجب سنة تسع]
[التهيؤ لتبوك]
قال: حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هِشَامٍ، قَالَ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَكّائِيّ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ، قَالَ: ثُمّ أَقَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ مَا بَيْن ذِي الْحَجّةِ إلَى رَجَبٍ، ثُمّ أَمَرَ النّاسَ بِالتّهَيّؤِ لِغَزْوِ الرّومِ وَقَدْ ذَكَرَ لَنَا الزّهْرِيّ وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بن قتادة،
ــ
مَدْحٌ آخَرَ لِكَعْبٍ:
وَمِمّا أَجَادَ فِيهِ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ قَوْلُهُ يَمْدَحُ النّبِيّ ﷺ :
تَخْدِي بِهِ النّاقَةُ الْأَدْمَاءُ مُعْتَجِرًا ... بِالْبُرْدِ كَالْبَدْرِ جَلّى لَيْلَةَ الظّلَمِ
فَفِي عَطَافَيْهِ أَوْ أَثْنَاءِ بُرْدَتِهِ ... مَا يَعْلَمُ اللهُ مِنْ دين ومن كرم
следующие страницы →