Полный текст (85 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
بل هُوَ مهانة وَضعف وتضرية لَهُم على التَّمَادِي على ذَلِك الْخلق المذموم وتغبيط لَهُم بِهِ وَعون لَهُم على ذَلِك الْفِعْل السوء وَإِنَّمَا تكون الْمُسَامحَة مُرُوءَة لأهل الْإِنْصَاف المبادرين إِلَى الْإِنْصَاف والإيثار فَهَؤُلَاءِ فرض على أهل الْفضل أَن يعاملوهم بِمثل ذَلِك لَا سِيمَا إِن كَانَت حَاجتهم أمس وضرورتهم أَشد فَإِن قَالَ قَائِل فَإِذا كَانَ كلامك هَذَا مُوجبا لإِسْقَاط الْمُسَامحَة والتغافل للإخوان فِيهِ اسْتَوَى الصّديق والعدو والأجبني فِي الْمُعَامَلَة فَهَذَا فَسَاد ظَاهر فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق كلَاما لَا يحض إِلَّا على الْمُسَامحَة والتغافل والإيثار لَيْسَ لأهل التغنم لَكِن للصديق حَقًا فَإِن أردْت معرفَة وَجه الْعَمَل فِي هَذَا وَالْوُقُوف على نهج الْحق فَإِن الْقِصَّة الَّتِي توجب الأثرة من الْمَرْء على نَفسه صديقه يَنْبَغِي لكل وَاحِد من الصديقين أَن يتَأَمَّل ذَلِك الْأَمر فَأَيّهمَا كَانَ أمس حَاجَة فِيهِ وَأظْهر ضَرُورَة لَدَيْهِ فَحكم الصداقة والمروءة تَقْتَضِي للْآخر وتوجب عَلَيْهِ أَن يُؤثر على نَفسه فِي ذَلِك فَإِن لم يفعل فَهُوَ متغنم مستكثر لَا يَنْبَغِي أَن يسامح أَلْبَتَّة إِذْ لَيْسَ صديقا وَلَا أَخا فَأَما إِذا اسْتَوَت حاجتهما واتفقت ضرورتهما فَحق الصداقة هَا هُنَا أَن يُسَارع كل وَاحِد مِنْهُمَا إِلَى الأثرة على نَفسه فَإِن فعلا ذَلِك فهما صديقان وَإِن بدر أَحدهمَا إِلَى ذَلِك وَلم يُبَادر الآخر إِلَيْهِ فَإِن كَانَت عَادَته هَذِه فَلَيْسَ صديقا وَلَا يَنْبَغِي أَن يُعَامل مُعَاملَة
стр. 37
الصداقة وَإِن كَانَ قد يُبَادر هُوَ أَيْضا إِلَى مثل ذَلِك فِي قصَّة أُخْرَى فهما صديقان من أردْت قَضَاء حَاجته بعد أَن سَأَلَك إِيَّاهَا أَو أردْت ابتداءه بقضائها فَلَا تعْمل لَهُ إِلَّا مَا يُرِيد هُوَ لَا مَا تُرِيدُ أَنْت وَإِلَّا فَأمْسك فَإِن تعديت هَذَا كنت مسيئا لَا محسنا ومستحقا للوم مِنْهُ وَمن غَيره لَا للشكر ومقتضيا للعداوة لَا للصداقة لَا تنقل إِلَى صديقك مَا يؤلم نَفسه وَلَا ينْتَفع بمعرفته فَهَذَا فعل الأرذال وَلَا تكتمه مَا يستضر بجهله فَهَذَا فعل أهل الشَّرّ وَلَا يَسُرك أَن تمدح بِمَا لَيْسَ فِيك بل ليعظم غمك بذلك لِأَنَّهُ نقصك يُنَبه النَّاس عَلَيْهِ وَيسْمعهُمْ إِيَّاه وسخرية مِنْك وهزؤ بك وَلَا يرضى بِهَذَا إِلَّا أَحمَق ضَعِيف الْعقل وَلَا تأس إِن ذممت بِمَا لَيْسَ فِيك بل افرح بِهِ فَإِنَّهُ فضلك يُنَبه النَّاس عَلَيْهِ وَلَكِن افرح إِذا كَانَ فِيك مَا تسْتَحقّ بِهِ الْمَدْح وَسَوَاء مدحت بِهِ أَو لم تمدح واحزن إِذا كَانَ فِيك مَا تسْتَحقّ بِهِ الذَّم وَسَوَاء ذممت بِهِ أَو لم تذم من سمع قَائِلا يَقُول فِي امْرَأَة صديقه قَول سوء فَلَا يُخبرهُ بذلك أصلا لَا سِيمَا إِذا كَانَ الْقَائِل عيابة وقاعا فِي النَّاس سليط اللِّسَان أَو دَافع معرة عَن نَفسه يُرِيد أَن يكثر أَمْثَاله فِي النَّاس وَهَذَا كثير مَوْجُود وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يحدث الْإِنْسَان إِلَّا بِالْحَقِّ وَقَول هَذَا الْقَائِل لَا يدرى أَحَق هُوَ أم بَاطِل إِلَّا أَنه فِي الدّيانَة عَظِيم فَإِن سمع القَوْل مستفيضا من جمَاعَة وَعلم أَن أصل ذَلِك القَوْل شَائِع
стр. 38
وَلَيْسَ رَاجعا إِلَى قَول إِنْسَان وَاحِد أَو اطلع على حَقِيقَته إِلَّا أَنه لَا يقدر أَن يُوقف صديقه على مَا وقف هُوَ عَلَيْهِ فليخبره بذلك بَينه وَبَينه فِي رفق وَليقل لَهُ النِّسَاء كثير أَو حصن مَنْزِلك وثقف أهلك أَو اجْتنب أمرا كَذَا وَتحفظ من وَجه كَذَا فَإِن قبل المنصوح وتحرز فحظ نَفسه أصَاب وَإِن رَآهُ لَا يتحفظ وَلَا يُبَالِي أمسك وَلم يعاوده بِكَلِمَة وَتَمَادَى على صداقته إِيَّاه فَلَيْسَ فِي أَن لَا يصدقهُ فِي قَوْله مَا يُوجب قطيعته فَإِن اطلع على حَقِيقَة وَقدر أَن يُوقف صديقه على مثل مَا وقف عَلَيْهِ هُوَ من الْحَقِيقَة فَفرض عَلَيْهِ أَن يُخبرهُ بذلك وَأَن يوقفه على الجلية فَإِن غير فَذَلِك وَإِن رَآهُ لَا يُغير اجْتنب صحبته فَإِنَّهُ رذل لَا خير فِيهِ وَلَا نقية وَدخُول رجل متستر فِي منزل الْمَرْء دَلِيل سوء لَا يحْتَاج إِلَى غَيره وَدخُول الْمَرْأَة فِي منزل رجل على سَبِيل التستر مثل ذَلِك أَيْضا وَطلب دَلِيل أَكثر من هذَيْن سخف وواجب أَن يجْتَنب مثل هَذِه الْمَرْأَة وفراقها على كل حَال وممسكها لَا يبعد عَن الدياثة النَّاس فِي أَخْلَاقهم على سبع مَرَاتِب فطائفة تمدح فِي الْوَجْه وتذم فِي المغيب وَهَذِه صفة أهل النِّفَاق من العيابين وَهَذَا خلق فَاش فِي النَّاس غَالب عَلَيْهِم وَطَائِفَة تذم فِي المشهد والمغيب وَهَذِه صفة أهل السلاطة والوقاحة من العيابين وَطَائِفَة تمدح فِي الْوَجْه والمغيب وَهَذِه صفة أهل الملق والطمع وَطَائِفَة تذم فِي المشهد وتمدح فِي المغيب وَهَذِه صفة أهل السخف والنواكة وَأما أهل الْفضل فيمسكون عَن الْمَدْح
стр. 39
والذم فِي الْمُشَاهدَة ويثنون بِالْخَيرِ فِي المغيب أَو يمسكون عَن الذَّم وَأما العيابون البرآء من النِّفَاق والقحة فيمسكون فِي المشهد ويذمون فِي المغيب وَأما أهل السَّلامَة فيمسكون عَن الْمَدْح وَعَن الذَّم فِي المشهد والمغيب وَمن كل من أهل هَذِه الصِّفَات قد شاهدنا وبلونا إِذا نصحت فِي الْخَلَاء وبكلام لين وَلَا تسند سبّ من تحدثه إِلَى غَيْرك فَتكون نماما فَإِن خشنت كلامك فِي النَّصِيحَة فَذَلِك إغراء وتنفير وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿فقولا لَهُ قولا لينًا﴾ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا تنفرُوا) وَإِن نصحت بِشَرْط الْقبُول مِنْك فَأَنت ظَالِم ولعلك مُخطئ فِي وَجه نصحك فَتكون مطالبا بِقبُول خطئك وبترك الصَّوَاب لكل شَيْء فَائِدَة وَلَقَد انتفعت بمحك أهل الْجَهْل مَنْفَعَة عَظِيمَة وَهِي أَنه توقد طبعي واحتدم خاطري وحمي فكري وتهيج نشاطي فَكَانَ ذَلِك سَببا إِلَى تواليف لي عَظِيمَة الْمَنْفَعَة وَلَوْلَا استثارتهم سَاكِني واقتداحهم كامني مَا انبعثت لتِلْك التواليف لَا تصاهر إِلَى صديق وَلَا تبايعه فَمَا رَأينَا هذَيْن العملين إِلَّا سَببا للقطيعة وَإِن ظن أهل الْجَهْل أَن فيهمَا تَأْكِيدًا للصلة فَلَيْسَ كَذَلِك لِأَن هذَيْن الْعقْدَيْنِ داعيان كل وَاحِد إِلَى طلب حَظّ نَفسه والمؤثرون على أنفسهم قَلِيل جدا فَإِذا اجْتمع طلب كل امْرِئ حَظّ نَفسه
стр. 40
وَقعت الْمُنَازعَة وَمَعَ وُقُوعهَا فَسَاد الْمُرُوءَة وَأسلم الْمُصَاهَرَة مغبة مصاهرة الأهلين بَعضهم بَعْضًا لِأَن الْقَرَابَة تَقْتَضِي الْعدْل وَإِن كرهوه لأَنهم مضمرون إِلَى مَا لَا انفكاك لَهُم مِنْهُ من الِاجْتِمَاع فِي النّسَب الَّذِي توجب الطبيعة لكل أحد الذب عَنهُ والحماية لَهُ
стр. 41
الْمحبَّة وأنواعها الْمحبَّة كلهَا جنس وَاحِد ورسمها أَنَّهَا الرَّغْبَة فِي المحبوب وَكَرَاهَة منافرته وَالرَّغْبَة فِي المقارضة مِنْهُ بالمحبة وَإِنَّمَا قدر النَّاس أَنَّهَا تخْتَلف من أجل اخْتِلَاف الْأَغْرَاض فِيهَا وَإِنَّمَا اخْتلفت الْأَغْرَاض من أجل اخْتِلَاف الأطماع وتزايدها وضعفها أَو انحسامها فَتكون الْمحبَّة لله وَفِيه وللاتفاق على بعض المطالب وَللْأَب وَالِابْن والقرابة وَالصديق وللسلطان ولذات الْفراش وللمحسن وللمأمول وللمعشوق فَهَذَا كُله جنس وَاحِد اخْتلفت أَنْوَاعه كَمَا وصفت لَك على قدر الطمع فِيمَا ينَال من المحبوب فَلذَلِك اخْتلفت وُجُوه الْمحبَّة وَقد رَأينَا من مَاتَ أسفا على وَلَده كَمَا يَمُوت العاشق أسفا على معشوقه وبلغنا عَمَّن شهق من خوف الله تَعَالَى ومحبته فَمَاتَ ونجد الْمَرْء يغار على سُلْطَانه وعَلى صديقه كَمَا يغار على ذَات فرَاشه وكما يغار العاشق على معشوقه فأدنى أطماع الْمحبَّة مِمَّن تحب الحظوة مِنْهُ والرفعة لَدَيْهِ والزلفة عِنْده إِذا لم تطمع فِي أَكثر وَهَذِه غَايَة
стр. 42
أطماع المحبين لله ثمَّ يزِيد الطمع فِي المجالسة ثمَّ فِي المحادثة والموازرة وَهَذِه أطماع الْمَرْء فِي سُلْطَانه وَصديقه وَذَوي رَحمَه وأقصى أطماع الْمُحب مِمَّن يحب المخالطة بالأعضاء إِذا رجا ذَلِك وَلذَلِك تَجِد الْمُحب المفرط الْمحبَّة فِي ذَات فرَاشه يرغب فِي جِمَاعهَا على هيئات شَتَّى وَفِي أَمَاكِن مُخْتَلفَة ليستكثر من الِاتِّصَال وَيدخل فِي هَذَا الْبَاب الْمُلَامسَة بالجسد والتقبيل وَقد يَقع بعض هَذَا الطمع فِي الْأَب فِي وَلَده فيتعدى إِلَى التَّقْبِيل والتعنيق وكل مَا ذكرنَا إِنَّمَا هُوَ على قدر الطمع فَإِذا انحسم الطمع عَن شَيْء مَا لبَعض الْأَسْبَاب الْمُوجبَة لَهُ مَالَتْ النَّفس إِلَى مَا تطمع فِيهِ ونجد الْمقر بِالرُّؤْيَةِ لله شَدِيد الحنين إِلَيْهَا عَظِيم النُّزُوع نَحْوهَا لَا يقنع بِدَرَجَة دونهَا لِأَنَّهُ يطْمع فِيهَا وتجد الْمُنكر لَهَا لَا تحن نَفسه إِلَى ذَلِك وَلَا يتمناه أصلا لِأَنَّهُ لَا يطْمع فِيهِ وتجده يقْتَصر على الرِّضَا والحلول فِي دَار الْكَرَامَة فَقَط لِأَنَّهُ لَا تطمع نَفسه فِي أَكثر ونجد المستحل لنكاح القرائب لَا يقنع مِنْهُنَّ بِمَا يقنع الْمحرم لذَلِك وَلَا تقف محبته حَيْثُ تقف محبَّة من لَا يطْمع فِي ذَلِك فتجد من يسْتَحل نِكَاح ابْنَته وَابْنَة أَخِيه كالمجوس وَالْيَهُود لَا يقف من محبتهما حَيْثُ تقف محبَّة الْمُسلم بل نجدهما يتعشقان الِابْنَة وَابْنَة الْأَخ كتعشق الْمُسلم فِيمَن يطْمع فِي مخالطته بِالْجِمَاعِ وَلَا نجد مُسلما يبلغ ذَلِك فيهمَا وَلَو أَنَّهُمَا أجمل من الشَّمْس وَكَانَ هُوَ أعهر النَّاس وأغزلهم فَإِن وجد ذَلِك فِي الندرة فَلَا تَجدهُ إِلَّا من فَاسد الدّين قد زَالَ عَنهُ ذَلِك الرادع فانفسح لَهُ الأمل وَانْفَتح لَهُ بَاب الطمع وَلَا يُؤمن من الْمُسلم أَن تفرط محبته لابنَة عَمه حَتَّى تصير عشقا وَحَتَّى تتجاوز محبته لَهَا
стр. 43
محبته لابنته وَابْنَة أَخِيه وَإِن كَانَتَا أجمل مِنْهَا لِأَنَّهُ يطْمع من الْوُصُول إِلَى ابْنة عَمه حَيْثُ لَا يطْمع من الْوُصُول إِلَى ابْنَته وَابْنَة أَخِيه ونجد النَّصْرَانِي قد أَمن ذَلِك من نَفسه فِي ابْنة عَمه أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يطْمع مِنْهَا فِي ذَلِك وَلَا يَأْمَن ذَلِك من نَفسه فِي أُخْته من الرضَاعَة لِأَنَّهُ طامع بهَا فِي شَرِيعَته فلاح بِهَذَا عيَانًا مَا ذكرنَا من أَن الْمحبَّة كلهَا جنس وَاحِد لَكِنَّهَا تخْتَلف أَنْوَاعهَا على قدر اخْتِلَاف الْأَغْرَاض فِيهَا وَإِلَّا فطبائع الْبشر كلهم وَاحِدَة إِلَّا أَن للْعَادَة والاعتقاد الديني تَأْثِيرا ظَاهرا ولسنا نقُول إِن الطمع لَهُ تَأْثِير فِي هَذَا الْفَنّ وَحده لَكنا نقُول إِن الطمع سَبَب إِلَى كل هم حَتَّى فِي الْأَمْوَال وَالْأَحْوَال فإننا نجد الْإِنْسَان يَمُوت جَاره وخاله وَصديقه وَابْن عمته وَعَمه لأم وَابْن أَخِيه لأم وجده أَبُو أمه وَابْن بنته فَإذْ لَا مطمع لَهُ فِي مَاله ارْتَفع عَنهُ الْهم لفوته عَن يَده وَإِن جلّ خطره وَعظم مِقْدَاره فَلَا سَبِيل إِلَى أَن يمر الاهتمام لشَيْء مِنْهُ بِبَالِهِ حَتَّى إِذا مَاتَ لَهُ عصبَة على بعد أَو مولى على بعد وَحدث لَهُ الطمع فِي مَاله حدث لَهُ من الْهم والأسف والغيظ والفكرة بفوت الْيَسِير مِنْهُ عَن يَده أَمر عَظِيم وَهَكَذَا فِي الْأَحْوَال فنجد الْإِنْسَان من أهل الطَّبَقَة الْمُتَأَخِّرَة لَا يهتم لإنفاذ غَيره أُمُور بَلَده دون أمره وَلَا لتقريب غَيره وإبعاده حَتَّى إِذا حدث لَهُ مطمع فِي هَذِه الْمرتبَة حدث لَهُ من الْهم والفكرة والغيظ أَمر رُبمَا قَادَهُ إِلَى تلف نَفسه وَتلف دُنْيَاهُ وأخراه فالطمع إِذا أصل لكل ذل وَلكُل هم وَهُوَ خلق سوء ذميم وضده نزاهة النَّفس وَهَذِه صفة فاضلة مركبة من النجدة والجود وَالْعدْل والفهم لِأَنَّهُ رأى قلَّة الْفَائِدَة فِي اسْتِعْمَال ضدها فاستعملها وَكَانَت فِيهِ
стр. 44
نجده أنتجت لَهُ عزة نَفسه فتنزه وَكَانَت فِيهِ طبيعة سخاوة نفس فَلم يهتم لما فَاتَهُ وَكَانَت فِيهِ طبيعة عدل حببت إِلَيْهِ القناعة وَقلة الطمع فَإِذن نزاهة النَّفس متركبة من هَذِه الصِّفَات فالطمع الَّذِي هُوَ ضدها متركب من الصِّفَات المضادة لهَذِهِ الصِّفَات الْأَرْبَع وَهِي الْجُبْن وَالشح والجور وَالْجهل وَالرَّغْبَة طمع مُسْتَوْفِي متزايد مُسْتَعْمل وَلَوْلَا الطمع مَا ذل أحد لأحد وَأَخْبرنِي أَبُو بكر بن أبي الْفَيَّاض قَالَ كتب عُثْمَان بن محامس على بَاب دَاره بأستجة (يَا عُثْمَان لَا تطمع)
أَقْوَال فِي الْمحبَّة من امتحن بِقرب من يكره كمن امتحن ببعد من يحب وَلَا فرق إِذا دَعَا الْمُحب فِي السلو فإجابته مَضْمُونَة ودعوته مجابة إقنع بِمن عنْدك يقنع بك من عنْدك السعيد فِي الْمحبَّة هُوَ من ابْتُلِيَ بِمن يقدر أَن يلقِي عَلَيْهِ قفله وَلَا تلْحقهُ فِي مواصلته تبعة من الله وَلَا ملامة من النَّاس وَصَلَاح ذَاك أَن يتوافقا فِي الْمحبَّة وتحريره أَن يَكُونَا خاليين من الْملَل فَإِنَّهُ خلق سوء مبغض وَتَمَامه نوم الْأَيَّام عَنْهُمَا مُدَّة انْتِفَاع بعضهما بِبَعْض وأنى بذلك إِلَّا فِي الْجنَّة وَأما ضَمَانه بِيَقِين فَلَيْسَ إِلَّا فِيهَا فَهِيَ دَار الْقَرار وَإِلَّا فَلَو حصل ذَلِك كُله فِي الدُّنْيَا لم تؤمن الفجائع ولقطع الْعُمر دون اسْتِيفَاء اللَّذَّة
стр. 45
إِذا ارْتَفَعت الْغيرَة فأيقن بارتفاع الْمحبَّة الْغيرَة خلق فَاضل متركب من النجدة وَالْعدْل لِأَن من عدل كره أَن يتَعَدَّى إِلَى حُرْمَة غَيره وَأَن يتَعَدَّى غَيره إِلَى حرمته وَمن كَانَت النجدة طبعا لَهُ حدثت فِيهِ عزة وَمن الْعِزَّة تحدث الأنفة من الاهتضام أَخْبرنِي بعض من صحبناه فِي الدَّهْر عَن نَفسه أَنه مَا عرف الْغيرَة قطّ حَتَّى ابْتُلِيَ بالمحبة فغار وَكَانَ هَذَا الْمخبر فَاسد الطَّبْع خَبِيث التَّرْكِيب إِلَّا أَنه كَانَ من أهل الْفَهم والجود درج الْمحبَّة خَمْسَة أَولهَا الِاسْتِحْسَان وَهُوَ أَن يتَمَثَّل النَّاظر صُورَة المنظور إِلَيْهِ حَسَنَة أَو يستحسن أخلاقه وَهَذَا يدْخل فِي بَاب التصادق ثمَّ الْإِعْجَاب بِهِ وَهُوَ رَغْبَة النَّاظر فِي المنظور إِلَيْهِ وَفِي قربه ثمَّ الألفة وَهِي الوحشة إِلَيْهِ إِذا غَابَ ثمَّ الكلف وَهُوَ غَلَبَة شغل البال بِهِ وَهَذَا النَّوْع يُسمى بَاب الْغَزل بالعشق ثمَّ الشغف وَهُوَ امْتنَاع النّوم وَالْأكل وَالشرب إِلَّا الْيَسِير من ذَلِك وَرُبمَا أدّى ذَلِك إِلَى الْمَرَض أَو إِلَى التوسوس أَو إِلَى الْمَوْت وَلَيْسَ وَرَاء هَذَا منزلَة فِي تناهي الْمحبَّة أصلا كُنَّا نظن أَن الْعِشْق فِي ذَوَات الْحَرَكَة والحدة من النِّسَاء أَكثر فَوَجَدنَا الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك وَهُوَ فِي الساكنة الحركات أَكثر مَا لم يكن ذَلِك السّكُون بلها
стр. 46
صباحة الصُّور وأنواعها وَقد سُئِلت عَن تَحْقِيق الْكَلَام فِيهَا فَقلت الْحَلَاوَة رقة المحاسن ولطف الحركات وخفة الإشارات وَقبُول النَّفس لأعراض الصُّور وَإِن لم تكن ثمَّ صِفَات ظَاهِرَة القوام جمال كل صفة على حدتها وَرب جميل الصِّفَات على انْفِرَاد كل صفة مِنْهَا بَارِد الطلعة غير مليح وَلَا حسن وَلَا رائع وَلَا حُلْو الروعة بهاء الْأَعْضَاء الظَّاهِرَة مَعَ جمال فِيهَا وَهِي أَيْضا الفراهة وَالْعِتْق الْحسن هُوَ شَيْء لَيْسَ لَهُ فِي اللُّغَة اسْم يعبر بِهِ عَنهُ وَلكنه محسوس فِي النُّفُوس بِاتِّفَاق كل من رَآهُ وَفِي برد مكسو على الْوَجْه وإشراق يستميل الْقُلُوب نَحوه فتجتمع الآراء على استحسانه وَإِن لم تكن هُنَاكَ صِفَات جميلَة فَكل من رَآهُ راقه وَاسْتَحْسنهُ وَقَبله حَتَّى إِذا تَأَمَّلت الصِّفَات إفرادا لم تَرَ طائلا وَكَأَنَّهُ شَيْء فِي نفس المرئي يجده نفس الرَّائِي وَهَذَا أجل مَرَاتِب الصباحة ثمَّ تخْتَلف الْأَهْوَاء بعد هَذَا فَمن مفضل للروعة وَمن مفضل للحلاوة وَمَا وجدنَا أحدا قطّ يفضل القوام الْمُنْفَرد الملاحة اجْتِمَاع شَيْء فشيء مِمَّا ذكرنَا
стр. 47
الْأَخْلَاق والعادات التلون المذموم هُوَ التنقل من زِيّ متكلف لَا معنى لَهُ إِلَى زِيّ آخر مثله فِي التَّكَلُّف وَفِي أَنه لَا معنى لَهُ وَمن حَال لَا معنى لَهَا إِلَى حَال لَا معنى لَهَا بِلَا سَبَب يُوجب ذَلِك وَأما من اسْتعْمل من الزي مَا أمكنه مِمَّا بِهِ إِلَيْهِ حَاجَة وَترك التزيد مِمَّا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ فَهَذَا عين من عُيُون الْعقل وَالْحكمَة كَبِير وَقد كَانَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ الْقدْوَة فِي كل خير وَالَّذِي أثنى الله تَعَالَى على خلقه وَالَّذِي جمع الله تَعَالَى فِيهِ أشتات الْفَضَائِل بِتَمَامِهَا وأبعده عَن كل نقص يعود الْمَرِيض مَعَ أَصْحَابه رَاجِلا فِي أقْصَى الْمَدِينَة بِلَا خف وَلَا نعل وَلَا قلنسوة وَلَا عِمَامَة ويلبس الشّعْر إِذا حَضَره وَقد يلبس الوشي من الحبرات إِذا حَضَره وَلَا يتَكَلَّف مَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَلَا يتْرك مَا يحْتَاج إِلَيْهِ ويستغني بِمَا وَجدّة عَمَّا لَا يجد وَمرَّة يمشي رَاجِلا حافيا وَمرَّة يلبس الْخُف ويركب البغلة الرائعة الشَّهْبَاء وَمرَّة يركب الْفرس عريا وَمرَّة يركب النَّاقة وَمرَّة يركب حمارا ويردف عَلَيْهِ بعض أَصْحَابه
стр. 48
وَمرَّة يَأْكُل التَّمْر دون خبز وَالْخبْز يَابسا وَمرَّة يَأْكُل العناق المشوية والبطيخ بالرطب والحلواء يَأْخُذ الْقُوت ويبذل الْفضل وَيتْرك مَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَلَا يتَكَلَّف فَوق مِقْدَار الْحَاجة وَلَا يغْضب لنَفسِهِ وَلَا يدع الْغَضَب لرَبه الثَّبَات الَّذِي هُوَ صِحَة العقد والثبات الَّذِي هُوَ اللجاج مشتبهان اشتباها لَا يفرق بَينهمَا إِلَّا عَارِف بكيفية الْأَخْلَاق وَالْفرق بَينهمَا أَن اللجاج هُوَ مَا كَانَ على الْبَاطِل أَو مَا فعله الْفَاعِل نصرا لما نشب فِيهِ وَقد لَاحَ لَهُ فَسَاده أَو لم يلح لَهُ صَوَابه وَلَا فَسَاده وَهَذَا مَذْمُوم وضده الْإِنْصَاف وَأما الثَّبَات الَّذِي هُوَ صِحَة العقد فَإِنَّمَا يكون على الْحق أَو على مَا اعتقده الْمَرْء حَقًا مَا لم يلح لَهُ باطله وَهَذَا مَحْمُود وضده الِاضْطِرَاب وَإِنَّمَا يلام بعض هذَيْن لِأَنَّهُ ضيع تدبر مَا ثَبت عَلَيْهِ وَترك الْبَحْث عَمَّا الْتزم أَحَق هُوَ أم بَاطِل حد الْعقل اسْتِعْمَال الطَّاعَات والفضائل وَهَذَا الْحَد ينطوي فِيهِ اجْتِنَاب الْمعاصِي والرذائل وَقد نَص الله تَعَالَى فِي غير مَوضِع من كِتَابه على أَن من عَصَاهُ لَا يعقل قَالَ الله تَعَالَى حاكيا عَن قوم ﴿وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السعير﴾ ثمَّ قَالَ تَعَالَى مُصدقا لَهُم ﴿فَاعْتَرفُوا بذنبهم فسحقا لأَصْحَاب السعير﴾ وحد الْحمق اسْتِعْمَال الْمعاصِي والرذائل وَأما التَّعَدِّي وَقذف الْحِجَارَة
стр. 49
والتخليط فِي القَوْل فَإِنَّمَا هُوَ جُنُون ومرار هائج وَأما الْحمق فَهُوَ ضد الْعقل وهما مَا بَينا آنِفا وَلَا وَاسِطَة بَين الْعقل والحمق إِلَّا السخف وحد السخف هُوَ الْعَمَل وَالْقَوْل بِمَا لَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي دين وَلَا دنيا وَلَا حميد خلق مِمَّا لَيْسَ مَعْصِيّة وَلَا طَاعَة وَلَا عونا عَلَيْهِمَا وَلَا فَضِيلَة وَلَا رذيلة مؤذية وَلكنه من هذر القَوْل وفضول الْعَمَل فعلى قدر الاستكثار من هذَيْن الْأَمريْنِ أَو التقلل مِنْهُمَا يسْتَحق الْمَرْء اسْم السخف وَقد يسخف الْمَرْء فِي قصَّة وَيعْقل فِي أُخْرَى ويحمق فِي ثَالِثَة وضد الْجُنُون تَمْيِيز الْأَشْيَاء وَوُجُود الْقُوَّة على التَّصَرُّف فِي المعارف والصناعات وَهَذَا الَّذِي يُسَمِّيه الْأَوَائِل النُّطْق وَلَا وَاسِطَة بَينهمَا وَأما إحكام أَمر الدُّنْيَا والتودد إِلَى النَّاس بِمَا وافقهم وصلحت عَلَيْهِ حَال المتودد من بَاطِل أَو غَيره أَو عيب أَو مَا عداهُ والتحيل فِي إنماء المَال وَبعد الصَّوْت وتسبيب الجاه بِكُل مَا أمكن من مَعْصِيّة ورذيلة فَلَيْسَ عقلا وَلَقَد كَانَ الَّذين صدقهم الله فِي أَنهم لَا يعْقلُونَ وَأخْبرنَا بِأَنَّهُم لَا يعْقلُونَ سائسين لدنياهم مثمرين لأموالهم الْعقل والسلامة وَمَا إِذا كَانَ السَّعْي فِيمَا ذكرنَا بِمَا فِيهِ تصاون وأنفة فَهُوَ يُسمى الحزم وضده الْمنَافِي لَهُ التضييع وَأما الْوَقار وَوضع الْكَلَام مَوْضِعه والتوسط فِي تَدْبِير الْمَعيشَة ومسايرة النَّاس بالمسالمة فَهَذِهِ الْأَخْلَاق تسمى الرزانة وَهِي ضد السخف
стр. 50
الْوَفَاء مركب من الْعدْل والجود والنجدة لِأَن الوفي رأى من الْجور أَن لَا يقارض من وثق بِهِ أَو من أحسن إِلَيْهِ فَعدل فِي ذَلِك ورأي أَن يسمح بعاجل يَقْتَضِيهِ لَهُ عدم الْوَفَاء من الْحَظ فجاد فِي ذَلِك وَرَأى أَن يتجلد لما يتَوَقَّع من عَاقِبَة الْوَفَاء فشجع فِي ذَلِك أصُول الْفَضَائِل كلهَا أَرْبَعَة عَنْهَا تتركب كل فَضِيلَة وَهِي الْعدْل والفهم والنجدة والجود أصُول الرذائل كلهَا أَرْبَعَة عَنْهَا تتركب كل رذيلة وَهِي أضداد الَّذِي ذكرنَا وَهِي الْجور وَالْجهل والجبن وَالشح الْأَمَانَة والعفة نَوْعَانِ من أَنْوَاع الْعدْل والجود النزاهة فِي النَّفس فَضِيلَة تركبت من النجدة والجود وَكَذَلِكَ الصَّبْر الْحلم نوع مُفْرد من أَنْوَاع النجدة القناعة فَضِيلَة مركبة من الْجُود وَالْعدْل الْحِرْص متولد عَن الطمع والطمع متولد عَن الْحَسَد والحسد متولد عَن الرَّغْبَة وَالرَّغْبَة مُتَوَلّدَة عَن الْجور وَالشح وَالْجهل ويتولد من الْحِرْص رذائل عَظِيمَة مِنْهَا الذل وَالسَّرِقَة وَالْغَصْب وَالزِّنَا وَالْقَتْل والعشق والهم بالفقر وَالْمَسْأَلَة لما بأيدي النَّاس تتولد فِيمَا بَين الْحِرْص والطمع وَإِنَّمَا فرقنا بَين الْحِرْص والطمع لِأَن الْحِرْص هُوَ بِإِظْهَار مَا استكن فِي النَّفس من الطمع والمداراة فَضِيلَة متركبة من الْحلم وَالصَّبْر الصدْق مركب من الْعدْل والنجدة من جَاءَ إِلَيْك بباطل رَجَعَ من
стр. 51
عنْدك بِحَق وَذَلِكَ أَن من نقل إِلَيْك كذبا عَن إِنْسَان حرك طبعك فأجبته فَرجع عَنْك بِحَق فتحفظ من هَذَا وَلَا تجب إِلَّا عَن كَلَام صَحَّ عنْدك عَن قَائِله لَا شَيْء أقبح من الْكَذِب وَمَا ظَنك بِعَيْب يكون الْكفْر نوعا من أَنْوَاعه فَكل كفر كذب فالكذب جنس وَالْكفْر نوع تَحْتَهُ وَالْكذب متولد من الْجور والجبن وَالْجهل لِأَن الْجُبْن يُولد مهانة النَّفس والكذاب مهين النَّفس بعيد عَن عزتها المحمودة رَأَيْت النَّاس فِي كَلَامهم الَّذِي هُوَ فصل بَينهم وَبَين الْحمير وَالْكلاب والحشرات ينقسمون أقساما ثَلَاثَة أَحدهمَا من لَا يُبَالِي فِيمَا أنْفق كَلَامه فيتكلم بِكُل مَا سبق إِلَى لِسَانه غير مُحَقّق نصر حق وَلَا إِنْكَار بَاطِل وَهَذَا هُوَ الْأَغْلَب فِي النَّاس وَالثَّانِي أَن يتَكَلَّم ناصرا لما وَقع فِي نَفسه أَنه حق ودافعا لما توهم أَنه بَاطِل غير مُحَقّق لطلب الْحَقِيقَة لَكِن لجاجا فِيمَا الْتزم وَهَذَا كثير وَهُوَ دون الأول وَالثَّالِث وَاضع الْكَلَام فِي مَوْضِعه وَهَذَا أعز من الكبريت الْأَحْمَر لقد طَال هم من غاظه الْحق اثْنَان عظمت راحتهما أَحدهمَا فِي غَايَة الْمَدْح وَالْآخر فِي غَايَة الذَّم وهما مطرح الدُّنْيَا ومطرح الْحيَاء لَو لم يكن من التزهيد فِي الدُّنْيَا إِلَّا أَن كل إِنْسَان فِي الْعَالم فَإِنَّهُ كل
стр. 52
لَيْلَة إِذا نَام نسي كل مَا يشفق عَلَيْهِ فِي يقظته وكل مَا يشفق مِنْهُ وكل مَا يشره إِلَيْهِ فتجده فِي تِلْكَ الْحَال لَا يذكر ولدا وَلَا أَهلا وَلَا جاها وَلَا خمولا وَلَا ولَايَة وَلَا عزلة وَلَا فقرا وَلَا غنى وَلَا مُصِيبَة وكفي بِهَذَا واعظا لمن عقل من عَجِيب تَدْبِير الله للْعَالم أَن كل شَيْء اشتدت الْحَاجة إِلَيْهِ كَانَ ذَلِك أَهْون لَهُ وَتَأمل ذَلِك فِي المَاء فَمَا فَوْقه وكل شَيْء اشْتَدَّ الْغنى عَنهُ كَانَ ذَلِك أعز لَهُ وَتَأمل فِي الْيَاقُوت الْأَحْمَر فَمَا دونه النَّاس فِيمَا يعانونه كالماشي فِي الفلاة كلما قطع أَرضًا بَدَت لَهُ أرضون وَكلما قضى الْمَرْء سَببا حدثت لَهُ أَسبَاب صدق من قَالَ إِن الْعَاقِل معذب فِي الدُّنْيَا وَصدق من قَالَ إِنَّه فِيهَا مستريح فَأَما تعذيبه فَفِيمَا يرى من انتشار الْبَاطِل وَغَلَبَة دولته وَبِمَا يُحَال بَينه وَبَينه من إِظْهَار الْحق وَأما رَاحَته فَمن كل مَا يهتم بِهِ سَائِر النَّاس من فضول الدُّنْيَا إياك وموافقة الجليس السيء ومساعدة أهل زَمَانك فِيمَا يَضرك فِي أخراك أَو فِي دنياك وَإِن قل فَإنَّك لَا تستفيد بذلك إِلَّا الندامة حَيْثُ لَا ينفعك النَّدَم وَلنْ يحمدك من ساعدته بل يشمت بك وَأَقل مَا فِي ذَلِك وَهُوَ الْمَضْمُون أَنه لَا يُبَالِي بِسوء عاقبتك وَفَسَاد مغبتك وَإِيَّاك وَمُخَالفَة الجليس ومعارضة أهل زَمَانك فِيمَا لَا يَضرك فِي دنياك وَلَا وَفِي أخراك وَإِن قل فَإنَّك تستفيد بذلك الْأَذَى والمنافرة والعداوة
стр. 53
وَرُبمَا أدّى ذَلِك إِلَى الْمُطَالبَة وَالضَّرَر الْعَظِيم دون مَنْفَعَة أصلا إِن لم يكن بُد من إغضاب النَّاس أَو إغضاب الله ٠ وَلم يكن لَك مندوحة عَن منافرة الْخلق أَو منافرة الْحق فأغضب النَّاس ونافرهم وَلَا تغْضب رَبك وَلَا تنافر الْحق الاتساء بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي وعظ أهل الْجَهْل والمعاصي والرذائل وَاجِب فَمن وعظ بالجفاء والا كفهرار فقد أَخطَأ وتعدى طَرِيقَته ﷺ وَصَارَ فِي أَكثر الْأَمر مغريا للموعوظ بالتمادي على أمره لجاجا وحردا ومغايظة للواعظ الجافي فَيكون فِي وعظه مسئيا لَا محسنا وَمن وعظ ببشر وَتَبَسم ولين وَكَأَنَّهُ مشير بِرَأْي ومخبر عَن غير الموعوظ بِمَا يستفتح من الموعوظ فبذلك أبلغ وأنجع فِي الموعظة فَإِن لم يتَقَبَّل فلينتقل إِلَى الموعظة بالتحشيم وَفِي الْخَلَاء فَإِن لم يقبل فَفِي حَضْرَة من يستحي مِنْهُ الموعوظ فَهَذَا أدب الله فِي أمره بالْقَوْل واللين وَكَانَ ﷺ لَا يواجه بِالْمَوْعِظَةِ لَكِن كَانَ يَقُول مَا بَال أَقوام يَفْعَلُونَ كَذَا وَقد أثنى ﵊ على الرِّفْق وامر بالتيسير وَنهى عَن التنفير وَكَانَ يَتَخَوَّلُ بِالْمَوْعِظَةِ خوف الْملَل وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو كنت فظا غليظ الْقلب لانفضوا من حولك﴾ وَأما الغلظة والشدة فَإِنَّمَا تجب فِي حد من حُدُود الله تَعَالَى فَلَا لين فِي ذَلِك للقادر على إِقَامَة الْحَد خَاصَّة وَمِمَّا ينجع فِي الْوَعْظ أَيْضا الثَّنَاء بِحَضْرَة الْمُسِيء على من فعل خلاف فعله فَهَذَا دَاعِيَة إِلَى عمل
стр. 54
الْخَيْر وَمَا أعلم لحب الْمَدْح فضلا إِلَّا هَذَا وَحده وَهُوَ أَن يَقْتَدِي بِهِ من يسمع الثَّنَاء وَلِهَذَا يجب أَن تؤرخ الْفَضَائِل والرذائل لينفر سامعها عَن الْقَبِيح الْمَأْثُور عَن غَيره ويرغب فِي الْحسن الْمَنْقُول عَمَّن تقدمه ويتعظ بِمَا سلف تَأَمَّلت كل مَا دون السَّمَاء وطالت فِيهِ فكرتي فَوجدت كل شَيْء فِيهِ من حَيّ وَغير حَيّ من طبعه ان قوي ان يخلع عَن غَيره من الانواع كيفياته ويلبسه صِفَاته فترى الْفَاضِل يود لَو كَانَ النَّاس فضلاء وَترى النَّاقِص يود لَو كَانَ النَّاس نقصاء وَترى كل من ذكر شَيْئا يحض عَلَيْهِ يَقُول وَأَنا أفعل أمرا كَذَا وكل ذِي مَذْهَب يود لَو كَانَ النَّاس موافقين لَهُ وَترى ذَلِك فِي العناصر إِذا قوي بَعْضهَا على بعض أَحَالهُ إِلَى نوعيته وَترى ذَلِك فِي تركيب الشّجر وَفِي تغذي النَّبَات وَالشَّجر بِالْمَاءِ ورطوبة الأَرْض وإحالتهما ذَلِك إِلَى نوعيتها فسبحان مخترع ذَلِك ومدبره لَا إِلَه إِلَّا هُوَ من عَجِيب قدرَة الله تَعَالَى كَثْرَة الْخلق ثمَّ لَا ترى أحدا يشبه آخر شبها لَا يكون بَينهمَا فِيهِ فرق وَقد سَأَلت من طَال عمره وَبلغ الثَّمَانِينَ عَاما هَل رأى الصُّور فِي مَا خلا مشبهة لهَذِهِ شبها وَاحِدًا فَقَالَ لي لَا بل لكل صُورَة فرقها وَهَكَذَا كل مَا فِي الْعَالم يعرف ذَلِك من تدبر الْآلَات وَجَمِيع الْأَجْسَام المركبات وَطَالَ تكَرر بَصَره عَلَيْهَا فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُمَيّز مَا بَينهَا وَيعرف بَعْضهَا من بعض بفروق فِيهَا تعرفها النَّفس وَلَا يقدر أحد يعبر عَنْهَا بِلِسَانِهِ فسبحان الْعَزِيز الْحَكِيم الَّذِي لَا تتناهى مقدوراته
стр. 55
من عجائب الدُّنْيَا قوم غلبت عَلَيْهِم آمال فَاسِدَة لَا يحصلون مِنْهَا إِلَّا على إتعاب النَّفس عَاجلا ثمَّ الْهم والاثم آجلا كمن يتَمَنَّى غلاء الأقوات الَّتِي فِي غلائها هَلَاك النَّاس وَكَمن يتَمَنَّى بعض الْأُمُور الَّتِي فِيهَا الضَّرَر لغيره وَإِن كَانَت لَهُ فِيهَا مَنْفَعَة فَإِن تأميله مَا يؤمل من ذَلِك لَا يَجْعَل لَهُ ذَلِك قبل وقته وَلَا يَأْتِيهِ من ذَلِك بِمَا لَيْسَ فِي علم الله تَعَالَى تكونه فَلَو تمنى الْخَيْر والرخاء لتعجل الْأجر والراحة والفضيلة وَلم يتعب نَفسه طرفَة عين فَمَا فَوْقهَا فاعجبوا لفساد هَذِه الْأَخْلَاق بِلَا مَنْفَعَة
стр. 56
أدواء الْأَخْلَاق الْفَاسِدَة ومداواتها من امتحن بالعجب فليفكر فِي عيوبه فَإِن أعجب بفضائله فليفتش مَا فِيهِ من الْأَخْلَاق الدنيئة فَإِن خفيت عَلَيْهِ عيوبه جملَة حَتَّى يظنّ أَنه لَا عيب فِيهِ فَليعلم أَن مصيبته إِلَى الْأَبَد وَأَنه أتم النَّاس نقصا وأعظمهم عيوبا وأضعفهم تمييزا وَأول ذَلِك أَنه ضَعِيف الْعقل جَاهِل وَلَا عيب أَشد من هذَيْن لِأَن الْعَاقِل هُوَ من ميز عُيُوب نَفسه فغالبها وسعى فِي قمعها والأحمق هُوَ الَّذِي يجهل عُيُوب نَفسه إِمَّا لقلَّة علمه وتمييزه وَضعف فكرته وَإِمَّا لِأَنَّهُ يقدر أَن عيوبه خِصَال وَهَذَا أَشد عيب فِي الأَرْض وَفِي النَّاس كثير يفخرون بِالزِّنَا واللياطة وَالسَّرِقَة وَالظُّلم فيعجب بتأتي هَذِه النحوس لَهُ وبقوته على هَذِه المخازي وَاعْلَم يَقِينا أَن لَا يسلم إنسي من نقص حاشا الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم فَمن خفيت عَلَيْهِ عُيُوب نَفسه فقد سقط وَصَارَ من السخف والضعة والرذالة والخسة وَضعف التَّمْيِيز وَالْعقل وَقلة الْفَهم بِحَيْثُ لَا
стр. 57
يتَخَلَّف عَنهُ متخلف من الأرذال وبحيث لَيْسَ تَحْتَهُ منزلَة من الدناءة فليتدارك نَفسه بالبحث عَن عيوبه والاشتغال بذلك عَن الْإِعْجَاب بهَا وَعَن عُيُوب غَيره الَّتِي لَا تضره لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة وَمَا أَدْرِي لسَمَاع عُيُوب النَّاس خصْلَة إِلَّا الاتعاظ بِمَا يسمع الْمَرْء مِنْهَا فيجتنبها وَيسْعَى فِي إِزَالَة مَا فِيهِ مِنْهَا بحول الله تَعَالَى وقوته وَأما النُّطْق بعيوب النَّاس فعيب كَبِير لَا يسوغ أصلا وَالْوَاجِب اجتنابه إِلَّا فِي نصيحة من يتَوَقَّع عَلَيْهِ الْأَذَى بمداخلة الْمَعِيب أَو على سَبِيل تبكيت المعجب فَقَط فِي وَجهه لَا خلف ظَهره ثمَّ يَقُول للمعجب ارْجع إِلَى نَفسك فَإِذا ميزت عيوبها فقد داويت عجبك وَلَا تمثل بَين نَفسك وَبَين من هُوَ أَكثر عيوبا مِنْهَا فتستسهل الرذائل وَتَكون مُقَلدًا لأهل الشَّرّ وَقد ذمّ تَقْلِيد أهل الْخَيْر فَكيف تَقْلِيد أهل الشَّرّ لَكِن مثل بَين نَفسك وَبَين من هُوَ أفضل مِنْك فَحِينَئِذٍ يتْلف عجبك وتفيق من هَذَا الدَّاء الْقَبِيح الَّذِي يُولد عَلَيْك الاستخفاف بِالنَّاسِ وَفِيهِمْ بِلَا شكّ من هُوَ خير مِنْك فَإِذا استخففت بهم بِغَيْر حق استخفوا بك بِحَق لِأَن الله تَعَالَى يَقُول ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ فتولد على نَفسك أَن تكون أَهلا للاستخفاف بك بل على الْحَقِيقَة مَعَ مقت الله وطمس مَا فِيك من فَضِيلَة فَإِن أعجبت بعقلك ففكر فِي كل فكرة سوء تحل بخاطرك وَفِي أضاليل الْأَمَانِي الطَّائِفَة بك فَإنَّك تعلم نقص عقلك حِينَئِذٍ وَإِن عجبت بآرائك فتفكر فِي سقطاتك واحفظها وَلَا تنسها وَفِي كل رَأْي قدرته صَوَابا فَخرج بِخِلَاف تقديرك وَأصَاب غَيْرك وأخطأت أَنْت فَإنَّك إِن فعلت ذَلِك فَأَقل أحوالك أَن يوازن سُقُوط رَأْيك
стр. 58
بصوابه فَتخرج لَا لَك وَلَا عَلَيْك والأغلب أَن خطأك أَكثر من صوابك وَهَكَذَا كل أحد من النَّاس بعد النَّبِيين صلوَات الله عَلَيْهِم وَإِن أعجبت بعملك فتفكر فِي مَعَاصِيك وَفِي تقصيرك وَفِي معاشك ووجوهه فوَاللَّه لتجدن من ذَلِك مَا يغلب على خيرك ويعفي على حَسَنَاتك فليطل همك حِينَئِذٍ وأبدل من الْعجب تنقصا لنَفسك وَإِن أعجبت بعلمك فَاعْلَم أَنه لَا خصْلَة لَك فِيهِ وَأَنه موهبة من الله مُجَرّدَة وهبك إِيَّاهَا رَبك تَعَالَى فَلَا تقَابلهَا بِمَا يسخطه فَلَعَلَّهُ ينسيك ذَلِك بعلة يمتحنك بهَا تولد عَلَيْك نِسْيَان مَا علمت وحفظت وَلَقَد أَخْبرنِي عبد الملك بن طريف وَهُوَ من أهل الْعلم والذكاء واعتدال الْأَحْوَال وَصِحَّة الْبَحْث أَنه كَانَ ذَا حَظّ من الْحِفْظ عَظِيم لَا يكَاد يمر على سَمعه شَيْء يحْتَاج إِلَى استعادته وَأَنه ركب الْبَحْر فَمر بِهِ فِيهِ هول شَدِيد أنساه أَكثر مَا كَانَ يحفظ وأخل بِقُوَّة حفظه إخلالا شَدِيدا لم يعاوده ذَلِك الذكاء بعد وَأَنا أصابتني عِلّة فَأَفَقْت مِنْهَا وَقد ذهب مَا كنت أحفظ إِلَّا مَا لَا قدر لَهُ فَمَا عاودته إِلَّا بعد أَعْوَام وَاعْلَم أَن كثيرا من أهل الْحِرْص على الْعلم يَجدونَ الْقِرَاءَة والإكباب على الدُّرُوس والطلب ثمَّ لَا يرْزقُونَ مِنْهُ حظا فَليعلم ذُو الْعلم أَنه لَو كَانَ بالإكباب وَحده لَكَانَ غَيره فَوْقه فصح أَنه موهبة من الله تَعَالَى فَأَي مَكَان للعجب هَا هُنَا مَا هَذَا إِلَّا مَوضِع تواضع وشكر لله تَعَالَى واستزادة من نعمه واستعاذة من سلبها ثمَّ تفكر أَيْضا فِي أَن مَا خَفِي عَلَيْك وجهلته من أَنْوَاع الْعلم ثمَّ من أَصْنَاف علمك الَّذِي تخْتَص بِهِ فَالَّذِي أعجبت بنفاذك فِيهِ أَكثر مِمَّا تعلم من ذَلِك فَاجْعَلْ مَكَان الْعجب استنقاصا
стр. 59
لنَفسك واستقصارا لَهَا فَهُوَ أولى وتفكر فِيمَن كَانَ أعلم مِنْك تجدهم كثيرا فلتهن نَفسك عنْدك حِينَئِذٍ وتفكر فِي إخلالك بعلمك وَأَنَّك لَا تعْمل بِمَا علمت مِنْهُ فلعلمك عَلَيْك حجَّة حِينَئِذٍ وَلَقَد كَانَ أسلم لَك لَو لم تكن عَالما وَاعْلَم أَن الْجَاهِل حِينَئِذٍ أَعقل مِنْك وَأحسن حَالا وأعذر فليسقط عجبك بِالْكُلِّيَّةِ ثمَّ لَعَلَّ علمك الَّذِي تعجب بنفاذك فِيهِ من الْعُلُوم الْمُتَأَخِّرَة الَّتِي لَا كَبِير خصْلَة فِيهَا كالشعر وَمَا جرى مجْرَاه فَانْظُر حِينَئِذٍ إِلَى من علمه أجل من علمك فِي مَرَاتِب الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فتهون نَفسك عَلَيْك وَإِن أعجبت بشجاعتك فتفكر فِيمَن هُوَ أَشْجَع مِنْك ثمَّ انْظُر فِي تِلْكَ النجدة الَّتِي منحك الله تَعَالَى فيمَ صرفتها فَإِن كنت صرفتها فِي مَعْصِيّة فَأَنت أَحمَق لِأَنَّك بذلت نَفسك فِيمَا لَيْسَ ثمنا لَهَا وَإِن كنت صرفتها فِي طَاعَة فقد أفسدتها بعجبك ثمَّ تفكر فِي زَوَالهَا عَنْك بالشيخوخة وَأَنَّك إِن عِشْت فستصير من عدد الْعِيَال وكالصبي ضعفا على أَنِّي مَا رَأَيْت الْعجب فِي طَائِفَة أقل مِنْهُ فِي أهل الشجَاعَة فاستدللت بذلك على نزاهة أنفسهم ورفعتها وعلوها وَإِن أعجبت بجاهك فِي دنياك فتفكر فِي مخالفيك وأندادك ونظرائك ولعلهم أخساء وضعفاء سقاط فَاعْلَم أَنهم أمثالك فِيمَا أَنْت فِيهِ ولعلهم مِمَّن يستحيا من التَّشَبُّه بهم لفرط رذالتهم وخساستهم فِي أنفسهم وأخلاقهم ومنابتهم فاستهن بِكُل منزلَة شاركك فِيهَا من ذكرت لَك وَإِن كنت مَالك الأَرْض كلهَا وَلَا مُخَالف عَلَيْكُم وَهَذَا بعيد جدا فِي الْإِمْكَان فَمَا نعلم أحدا ملك معمور الأَرْض كُله على قلته وضيق ساحته بِالْإِضَافَة إِلَى غامرها
стр. 60
فَكيف إِذا أضيف إِلَى الْفلك الْمُحِيط فتفكر فِيمَا قَالَ ابْن السماك للرشيد وَقد دَعَا بِحَضْرَتِهِ بقدح فِيهِ مَاء ليشربه فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَو منعت هَذِه الشربة بكم كنت ترْضى أَن تبتاعها فَقَالَ لَهُ الرشيد بملكي كُله قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَو منعت خُرُوجهَا مِنْك بكم كنت ترْضى أَن تَفْتَدِي من ذَلِك قَالَ بملكي كُله قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أتغتبط بِملك لَا يُسَاوِي بولة وَلَا شربة مَاء وَصدق ابْن السماك ﵀ وَإِن كنت ملك الْمُسلمين كلهم فَاعْلَم أَن ملك السود وَهُوَ رجل أسود رذل مَكْشُوف الْعَوْرَة جَاهِل يملك أوسع من ملكك فَإِن قلت أَنا أَخَذته بِحَق فلعمري مَا أَخَذته بِحَق إِذا اسْتعْملت فِيهِ رذيلة الْعجب وَإِذا لم تعدل فِيهِ فاستحي من حالك فَهِيَ حَالَة رذالة لَا حَالَة يجب الْعجب فِيهَا وَإِن عجبت بِمَالك فَهَذِهِ أَسْوَأ مَرَاتِب الْعجب فَانْظُر فِي كل سَاقِط خسيس هُوَ أغْنى مِنْك فَلَا تغتبط بِحَالَة يفوقك فِيهَا من ذكرت وَاعْلَم أَن عجبك بِالْمَالِ حمق لِأَنَّهُ أَحْجَار لَا تنْتَفع بهَا إِلَّا أَن تخرجها عَن ملكك بنفقتها فِي وَجههَا فَقَط وَالْمَال أَيْضا غاد ورائح وَرُبمَا زَالَ عَنْك ورأيته بِعَيْنِه فِي يَد غَيْرك وَلَعَلَّ ذَلِك يكون فِي يَد عَدوك فالعجب بِمثل هَذَا سخف والثقة بِهِ غرور وَضعف وَإِن أعجبت
стр. 61
بحسنك ففكر فِيمَا يُولد عَلَيْك مِمَّا نستحي نَحن من إثْبَاته وتستحي أَنْت مِنْهُ إِذا ذهب عَنْك بدخولك فِي السن وَفِيمَا ذكرنَا كِفَايَة وَإِن أعجبت بمدح إخوانك لَك ففكر فِي ذمّ أعدائك إياك فَحِينَئِذٍ ينجلي عَنْك الْعجب فَإِن لم يكن لَك عَدو فَلَا خير فِيك وَلَا منزلَة أسقط من منزلَة من لَا عَدو لَهُ فَلَيْسَتْ إِلَّا منزلَة من لَيْسَ الله تَعَالَى عِنْده نعْمَة يحْسد عَلَيْهَا عَافَانَا الله فَإِن استحقرت عيوبك ففكر فِيهَا لَو ظَهرت إِلَى النَّاس وتمثل إطلاعهم عَلَيْهَا فَحِينَئِذٍ تخجل وتعرف قدر نقصك إِن كَانَت لَك مسكة من تَمْيِيز وَاعْلَم بأنك إِن تعلمت كَيْفيَّة تركيب الطبائع وتولد الْأَخْلَاق من امتزاج عناصرها المحمولة فِي النَّفس فستقف من ذَلِك وقُوف يَقِين على أَن فضائلك لَا خصْلَة لَك فِيهَا وَأَنَّهَا منح من الله تَعَالَى لَو منحها غَيْرك لَكَانَ مثلك وَأَنَّك لَو وكلت إِلَى نَفسك لعجزت وَهَلَكت فَاجْعَلْ بدل عجبك بهَا شكرا لواهبك إِيَّاهَا وإشفاقا من زَوَالهَا فقد تَتَغَيَّر الْأَخْلَاق الحميدة بِالْمرضِ وبالفقر وبالخوف وبالغضب وبالهرم وَارْحَمْ من منع مَا منحت وَلَا تتعرض لزوَال مَا بك من النعم بالتعاصي على واهبها تَعَالَى وَبِأَن تجْعَل لنَفسك فِيمَا وهبك خصْلَة أَو حَقًا فتقدر أَنَّك اسْتَغْنَيْت عَن عصمته فتهلك عَاجلا أَو آجلا وَلَقَد أصابتني عِلّة شَدِيدَة ولدت عَليّ ربوا فِي الطحال شَدِيدا فولد ذَلِك عَليّ من الضجر وضيق الْخلق وَقلة الصَّبْر والنزق أمرا حاسبت نَفسِي فِيهِ إِذْ أنْكرت تبدل خلقي وَاشْتَدَّ عجبي من مفارقتي لطبعي وَصَحَّ عِنْدِي أَن الطحال مَوضِع الْفَرح إِذا فسد تولد ضِدّه وَإِن
стр. 62
أعجبت بنسبك فَهَذِهِ أَسْوَأ من كل مَا ذكرنَا لِأَن هَذَا الَّذِي أعجبت بِهِ لَا فَائِدَة لَهُ أصلا فِي دنيا وَلَا آخِرَة وَانْظُر هَل يدْفع عَنْك جوعة أَو يستر لَك عَورَة أَو ينفعك فِي آخرتك ثمَّ انْظُر إِلَى من يساهمك فِي نسبك وَرُبمَا فِيمَا هُوَ أَعلَى مِنْهُ مِمَّن نالته ولادَة الْأَنْبِيَاء ﵈ ثمَّ ولادَة الْخُلَفَاء ثمَّ ولادَة الْفُضَلَاء من الصَّحَابَة وَالْعُلَمَاء ثمَّ ولادَة مُلُوك الْعَجم من الأكاسرة والقياصرة ثمَّ ولادَة التبابعة وَسَائِر مُلُوك الْإِسْلَام فَتَأمل غبراتهم وبقاياهم وَمن يُدْلِي بِمثل مَا تدلي بِهِ من ذَلِك تَجِد أَكْثَرهم أَمْثَال الْكلاب خساسة وتلفهم فِي غَايَة السُّقُوط والرذالة والتبدل والتحلي بِالصِّفَاتِ المذمومة فَلَا تغتبط بِمَنْزِلَة هم فِيهَا نظراؤك أَو فَوْقك ثمَّ لَعَلَّ الْآبَاء الَّذين تَفْخَر بهم كَانُوا فساقا وشربة خمور ولاطة ومتعبثين ونوكى أطلقت الْأَيَّام أَيْديهم بالظلم والجور فأنتجوا ظلما وآثارا قبيحة تبقي عارهم بذلك الْأَيَّام ويعظم إثمهم والندم عَلَيْهَا يَوْم الْحساب فَإِن كَانَ كَذَلِك فَاعْلَم أَن الَّذِي أعجبت بِهِ من ذَلِك دَاخل فِي الْعَيْب والخزي والعار والشنار لَا فِي الْإِعْجَاب فَإِن أعجبت بِوِلَادَة الْفُضَلَاء إياك فَمَا أخلى يدك من فَضلهمْ إِن لم تكن أَنْت فَاضلا وَمَا أقل غناهم عَنْك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة إِن لم تكن محسنا وَالنَّاس كلهم أَوْلَاد آدم الَّذِي خلقه الله بِيَدِهِ وَأَسْكَنَهُ جنته وأسجد لَهُ مَلَائكَته وَلَكِن مَا أقل نَفعه لَهُم وَفِيه كل معيب وكل فَاسق
стр. 63
وكل كَافِر وَإِذا فكر الْعَاقِل فِي أَن فضل آبَائِهِ لَا يقر بِهِ من ربه تَعَالَى وَلَا يكسبه وجاهة لم يحزها هُوَ بسعده أَو بفضله فِي نَفسه وَلَا مَالا فَأَي معنى للإعجاب بِمَا لَا مَنْفَعَة فِيهِ وَهل المعجب بذلك إِلَّا كالمعجب بِمَال جَاره وبجاه غَيره وبفرس لغيره سبق كَانَ على رَأسه لجامه وكما تَقول الْعَامَّة فِي أَمْثَالهَا كالغبي يزهى بذكاء أَبِيه فَإِن تعدى بك الْعجب إِلَى الامتداح فقد تضَاعف سقوطك لِأَنَّهُ قد عجز عقلك من مقاومة مَا فِيك من الْعجب هَذَا إِن امتدحت بِحَق فيكف إِن امتحدت بِالْكَذِبِ وَقد كَانَ ابْن نوح وَأَبُو إِبْرَاهِيم وَأَبُو لَهب عَم النَّبِي ﷺ أقرب النَّاس من أفضل خلق الله تَعَالَى وَمِمَّنْ الشّرف كُله فِي اتباعهم فَمَا انتفعوا بذلك وَقد كَانَ فِيمَن ولد لغير رشدة من كَانَ الْغَايَة فِي رياسة الدُّنْيَا كزياد وَأبي مُسلم وَمن كَانَ نِهَايَة فِي الْفضل على الْحَقِيقَة كبعض من نجله عَن ذكره فِي مثل هَذَا الْفَصْل مِمَّن يتَقرَّب إِلَى الله تَعَالَى بحبه والاقتداء بحميد آثاره وَإِن أعجبت بِقُوَّة جسمك فتفكر فِي أَن الْبَغْل وَالْحمار والثور أقوى مِنْك وأحمل للأثقال وَإِن أعجبت بخفتك فَاعْلَم أَن الْكَلْب والأرنب يفوقانك فِي هَذَا الْبَاب فَمن الْعجب العجيب إعجاب نَاطِق بخصلة يفوقه فِيهَا غير النَّاطِق وَاعْلَم أَن من قدر فِي نَفسه عجبا أَو ظن لَهَا على سَائِر النَّاس فضلا فَلْينْظر إِلَى صبره عِنْدَمَا يدهمه من هم أَو نكبة أَو وجع أَو
стр. 64
دمل أَو مُصِيبَة فَإِن رأى نَفسه قَليلَة الصَّبْر فَليعلم أَن جَمِيع أهل الْبلَاء من المجذومين وَغَيرهم الصابرين أفضل مِنْهُ على تَأَخّر طبقتهم فِي التَّمْيِيز وَإِن رأى نَفسه صابرة فَليعلم أَنه لم يَأْتِ بِشَيْء يسْبق فِيهِ على مَا ذكرنَا بل هُوَ إِمَّا مُتَأَخّر عَنْهُم فِي ذَلِك أَو مسَاوٍ لَهُم وَلَا مزِيد ثمَّ لينْظر إِلَى سيرته وعدله أَو جوره فِيمَا خوله الله من نعْمَة أَو مَال أَو خول أَو أَتبَاع أَو صِحَة أَو جاه فَإِن وجد نَفسه مقصرة فِيمَا يلْزمه من الشُّكْر لواهبة تَعَالَى ووجدها خائفة فِي الْعدْل فَليعلم أَن أهل الْعدْل وَالشُّكْر والسيرة الْحَسَنَة من المخولين أَكثر مِمَّا هُوَ فِيهِ أفضل مِنْهُ فَإِن رأى نَفسه ملتزمة للعدل فالعادل بعيد عَن الْعجب أَلْبَتَّة لعلمه بموازين الْأَشْيَاء ومقادير الْأَخْلَاق والتزامه التَّوَسُّط الَّذِي هُوَ الِاعْتِدَال بَين الطَّرفَيْنِ المذمومين فَإِن أعجب فَلم يعدل بل قد مَال إِلَى جنبه الافراط المذمومة وَاعْلَم أَن التعسف وَسُوء الملكة لمن خولك الله تَعَالَى أمره من رَقِيق أَو رعية يدلان على خساسة النَّفس ودناءة الهمة وَضعف الْعقل لِأَن الْعَاقِل الرفيع النَّفس العالي الهمة إِنَّمَا يغلب أكفاءه فِي الْقُوَّة ونظراءه فِي المنعة وَأما الاستطالة على من لَا يُمكنهُ الْمُعَارضَة فسقوط فِي الطَّبْع ورذالة فِي النَّفس والخلق وَعجز ومهانة وَمن فعل ذَلِك فَهُوَ بِمَنْزِلَة من يتبجح بقتل جرذ أَو بقتل برغوث أَو بفرك قملة وحسبك بِهَذَا ضعة وخساسة
стр. 65
وَاعْلَم أَن رياضة الْأَنْفس أصعب من رياضة الْأسد لِأَن الْأسد إِذا سجنت فِي الْبيُوت الَّتِي تتَّخذ لَهَا الْمُلُوك أَمن شَرها وَالنَّفس وَإِن سجنت لم يُؤمن شَرها الْعجب أصل يتَفَرَّع عَنهُ التيه والزهو وَالْكبر والنخوة والتعالي وَهَذِه أَسمَاء وَاقعَة على معَان مُتَقَارِبَة وَلذَلِك صَعب الْفرق بَينهَا على أَكثر النَّاس فقد يكون الْعجب لفضيلة فِي المعجب ظَاهِرَة فَمن معجب بِعِلْمِهِ فيكفهر ويتعالى على النَّاس وَمن معجب بِعَمَلِهِ فيترفع وَمن معجب بِرَأْيهِ فيزهو على غَيره وَمن معجب بنسبه فيتيه وَمن معجب بجاهه وعلو حَاله فيتكبر ويتنخى وَأَقل مَرَاتِب الْعجب أَن ترَاهُ يتوفر عَن الضحك فِي مَوَاضِع الضحك وَعَن خفَّة الحركات وَعَن الْكَلَام إِلَّا فِيمَا لَا بُد لَهُ من أُمُور دُنْيَاهُ وعيب هَذَا أقل من عيب غَيره وَلَو فعل هَذِه الأفاعيل على سَبِيل الِاقْتِصَار على الْوَاجِبَات وَترك الفضول لَكَانَ ذَلِك فضلا وموجبا لحمده وَلَكِن إِنَّمَا يفعل ذَلِك احتقارا للنَّاس وإعجابا بِنَفسِهِ فَحصل لَهُ بذلك اسْتِحْقَاق الذَّم وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَلكُل امْرِئ مَا نوى حَتَّى إِذا زَاد الْأَمر وَلم يكن هُنَاكَ تَمْيِيز يحجب عَن تَوْفِيَة الْعجب حَقه وَلَا عقل جيد حدث من ذَلِك ظُهُور الاستخفاف بِالنَّاسِ واحتقارهم بالْكلَام وَفِي الْمُعَامَلَة حَتَّى إِذا زَاد ذَلِك وَضعف التَّمْيِيز وَالْعقل وترقى ذَلِك إِلَى الاستطالة على النَّاس بالأذى بِالْأَيْدِي والتحكم وَالظُّلم والطغيان واقتضاء الطَّاعَة لنَفسِهِ والخضوع لَهَا
стр. 66
إِن أمكنه ذَلِك فَإِن لم يقدر على ذَلِك امتدح بِلِسَانِهِ وَاقْتصر على ذمّ النَّاس والاستهزاء بهم وَقد يكون الْعجب لغير معنى ولغير فَضِيلَة فِي المعجب وَهَذَا من عَجِيب مَا يَقع فِي هَذَا الْبَاب وَهُوَ شَيْء يُسَمِّيه عامتنا التمترك وَكَثِيرًا مَا نرَاهُ فِي النِّسَاء وفيمن عقله قريب من عقولهن من الرِّجَال وَهُوَ عجب من لَيْسَ فِيهِ خصْلَة أصلا لَا علم وَلَا شجاعة وَلَا علو حَال وَلَا نسب رفيع وَلَا مَال يطغيه وَهُوَ يعلم مَعَ ذَلِك أَنه صفر من ذَلِك كُله لِأَن هَذِه الْأُمُور لَا يغلط فِيهَا من يقذف بِالْحِجَارَةِ وَإِنَّمَا يغلط فِيهَا من لَهُ أدنى حَظّ مِنْهَا فَرُبمَا يتَوَهَّم إِن كَانَ ضَعِيف الْعقل أَنه قد بلغ الْغَايَة القصوى مِنْهَا كمن لَهُ حَظّ من علم فَهُوَ يظنّ أَنه عَالم كَامِل أَو كمن لَهُ نسب معرق فِي ظلمَة ونجدهم لم يَكُونُوا أَيْضا رفعاء فِي ظلمهم فتجده لَو كَانَ ابْن فِرْعَوْن ذِي الْأَوْتَاد مَا زَاد على إعجابه الَّذِي فِيهِ أَو لَهُ شَيْء من فروسية فَهُوَ يقدر أَنه يهْزم عليا ويأسر الزبير وَيقتل خَالِدا أَو لَهُ شَيْء من جاه رذل فَهُوَ لَا يرى الْإِسْكَنْدَر على حَال أَو يكون قَوِيا على أَن يكْسب مَا يتوفر بِيَدِهِ مويل يفضل عَن قوته فَلَو أَخذ بقرني الشَّمْس لم يزدْ على مَا هُوَ فِيهِ وَلَيْسَ يكثر الْعجب من هَؤُلَاءِ وَإِن كَانُوا عجبا لَكِن مِمَّن لَا حَظّ لَهُ من علم أصلا وَلَا نسب الْبَتَّةَ وَلَا مَال وَلَا جاه وَلَا نجدة بل ترَاهُ فِي كَفَالَة غَيره مهتضما لكل من لَهُ أدنى طَاقَة
стр. 67
وَهُوَ يعلم أَنه خَال من كل ذَلِك وَأَنه لَا حَظّ لَهُ فِي شَيْء من ذَلِك ثمَّ هُوَ مَعَ ذَلِك فِي حَالَة المزهو التياه وَلَقَد تسببت إِلَى سُؤال بَعضهم فِي رفق ولين عَن سَبَب علو نَفسه واحتقاره النَّاس فَمَا وجدت عِنْده مزيدا على أَن قَالَ لي أَنا حر لست عبد أحد فَقلت لَهُ أَكثر من ترَاهُ يشاركك فِي هَذِه الْفَضِيلَة فهم أَحْرَار مثلك لَا قوما من العبيد هم أطول مِنْك يدا وَأمرهمْ نَافِذ عَلَيْك وعَلى كثير من الْأَحْرَار فَلم أجد عِنْده زِيَادَة فَرَجَعت إِلَى تفتيش أَحْوَالهم ومراعاتها ففكرت فِي ذَلِك سِنِين لأعْلم السَّبَب الْبَاعِث لَهُم على هَذَا الْعجب الَّذِي لَا سَبَب لَهُ فَلم أزل أختبر مَا تنطوي عَلَيْهِ نُفُوسهم بِمَا يَبْدُو من أَحْوَالهم وَمن مراميهم فِي كَلَامهم فاستقر أَمرهم على أَنهم يقدرُونَ أَن عِنْدهم فضل عقل وتميز رَأْي أصيل لَو أمكنتهم الْأَيَّام من تصريفه لوجدوا فِيهِ متسعا ولأداروا الممالك الرفيعة ولبان فَضلهمْ على سَائِر النَّاس وَلَو ملكوا مَالا لأحسنوا تصريفه فَمن هَا هُنَا تسرب التيه إِلَيْهِم وسرى الْعجب فيهم وَهَذَا مَكَان فِيهِ للْكَلَام شعب عَجِيب ومعارضة مُعْتَرضَة وَهُوَ أَنه لَيْسَ شَيْء من الْفَضَائِل كلما كَانَ الْمَرْء مِنْهُ أعرى قوي ظَنّه فِي أَنه قد استولى عَلَيْهِ وَاسْتمرّ يقينه فِي أَنه قد كمل فِيهِ إِلَّا الْعقل والتمييز حَتَّى إِنَّك تَجِد الْمَجْنُون المطبق والسكران الطافح يسخران بِالصَّحِيحِ وَالْجَاهِل النَّاقِص يهزأ بالحكماء وأفاضل الْعلمَاء وَالصبيان الصغار يتهكمون بالكهول والسفهاء العيارين يستخفون بالعقلاء المتصاونين وضعفة النِّسَاء يستنقص عقول أكَابِر الرِّجَال وآراءهم وَبِالْجُمْلَةِ فَكلما نقص الْعقل توهم صَاحبه أَنه أوفر النَّاس عقلا
стр. 68
وأكمل تمييزا وَلَا يعرض هَذَا فِي سَائِر الْفَضَائِل فَإِن العاري مِنْهَا جملَة يدْرِي أَنه عَار مِنْهَا وَإِنَّمَا يدْخل الْغَلَط على من لَهُ أدنى حَظّ مِنْهَا وَإِن قل فَإِنَّهُ يتَوَهَّم حِينَئِذٍ إِن كَانَ ضَعِيف التَّمْيِيز أَنه عالي الدرجَة فِيهِ ودواء من ذكرنَا الْفقر والخمول فَلَا دَوَاء لَهُم أنجع مِنْهُ وَإِلَّا فداؤهم وضررهم على النَّاس عَظِيم جدا فَلَا تجدهم إِلَّا عيابين للنَّاس وقاعين فِي الْأَعْرَاض مستهزئين بِالْجَمِيعِ مجانبين للحقائق مكبين على الفضول وَرُبمَا كَانُوا مَعَ ذَلِك متعرضين للمشاتمة والمهارشة وَرُبمَا قصدُوا الملاطمة وَالْمُضَاربَة عِنْد أدنى سَبَب يعرض لَهُم وَقد يكون الْعجب كمينا فِي الْمَرْء حَتَّى إِذا حصل على أدنى مَال أَو جاه ظهر ذَلِك عَلَيْهِ وَعجز عقله عَن قمعه وستره وَمن ظريف مَا رَأَيْت فِي بعض أهل الضعْف أَن مِنْهُم من يغلبه مَا يضمر من محبَّة وَلَده الصَّغِير وَامْرَأَته حَتَّى يصفها بِالْعقلِ فِي المحافل وَحَتَّى إِنَّه يَقُول هِيَ أَعقل مني وَأَنا أتبرك بوصيتها وَأما مدحه إِيَّاهَا بالجمال وَالْحسن والعافية فكثير فِي أهل الضعْف جدا حَتَّى كَأَنَّهُ لَو كَانَ خاطبها مَا زَاد على مَا يَقُول فِي ترغيب السَّامع فِي وصفهَا وَلَا يكون هَذَا إِلَّا فِي ضَعِيف الْعقل عَار من الْعجب بِنَفسِهِ إياك والامتداح فَإِن كل من يسمعك لَا يصدقك وَإِن كنت صَادِقا بل يَجْعَل مَا سمع مِنْك من ذَلِك أول معايبك وَإِيَّاك ومدح أحد فِي وَجهه فَإِنَّهُ فعل أهل الملق وضعة النُّفُوس وَإِيَّاك وذم أحد لَا بِحَضْرَتِهِ وَلَا فِي مغيبه فلك فِي إصْلَاح نَفسك شغل وَإِيَّاك والتفاقر
стр. 69
فَإنَّك لَا تحصل من ذَلِك إِلَّا على تكذيبك أَو احتقار من يسمعك وَلَا مَنْفَعَة لَك فِي ذَلِك أصلا إِلَّا كفر نعْمَة رَبك تَعَالَى أَو شكواه إِلَى من لَا يَرْحَمك وَإِيَّاك وَوصف نَفسك باليسار فَإنَّك لَا تزيد على إطماع السَّامع فَمَا عنْدك وَلَا تزد على شكر الله تَعَالَى وَذكر فقرك إِلَيْهِ وغناك عَن دونه فَإِن هَذَا يكسبك الْجَلالَة والراحة من الطمع فِيمَا عنْدك الْعَاقِل هُوَ من لَا يُفَارق مَا أوجبه تَمْيِيزه من سَبَب للنَّاس الطمع فِيمَا عِنْده لم يحصل إِلَّا على أَن يبذله لَهُم وَلَا غَايَة لهَذَا أَو يمنعهُم فيلؤم ويعادونه فَإِذا أردْت أَن تُعْطِي أحدا شَيْئا فَلْيَكُن ذَلِك مِنْك قبل أَن يَسْأَلك فَهُوَ أكْرم وأنزه وَأوجب للحمد من بديع مَا يَقع فِي الْحَسَد قَول الْحَاسِد إِذا سمع إنْسَانا يغرب فِي علم مَا هَذَا شَيْء بَارِد لم يتَقَدَّم إِلَيْهِ وَلَا قَالَه قبله أحد فَإِن سمع من يبين مَا قد قَالَه غَيره قَالَ هَذَا بَارِد وَقد قيل قبله وَهَذِه طَائِفَة سوء قد نصبت أَنْفسهَا للقعود على طَرِيق الْعلم يصدون النَّاس عَنْهَا ليكْثر نظراؤهم من الْجُهَّال الْحَكِيم لَا تَنْفَعهُ حكمته عِنْد الْخَبيث الطَّبْع بل يَظُنّهُ خبيثا مثله وَقد شاهدت أَقْوَامًا ذَوي طبائع رَدِيئَة وَقد تصور فِي أنفسهم الخبيثة أَن النَّاس كلهم على مثل طبائعهم لَا يصدقون أصلا بِأَن أحدا هُوَ سَالم من رذائلهم بِوَجْه من الْوُجُوه وَهَذَا أسوء مَا يكون من فَسَاد الطَّبْع
стр. 70
والبعد عَن الْفضل وَالْخَيْر وَمن كَانَت هَذِه صفته لَا ترجى لَهَا معاناة أبدا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق الْعدْل حصن يلجأ إِلَيْهِ كل خَائِف وَذَلِكَ أَنَّك ترى الظَّالِم وَغير الظَّالِم إِذا رأى من يُرِيد ظلمه دَعَا إِلَى الْعدْل وَأنكر الظُّلم حِينَئِذٍ وذمه وَلَا ترى أحدا يذم الْعدْل فَمن كَانَ الْعدْل فِي طبعه فَهُوَ سَاكن فِي ذَلِك الْحصن الْحصين الاستهانة نوع من أَنْوَاع الْخِيَانَة إِذْ قد يخونك من لَا يستهين بك وَمن استهان بك فقد خانك الانصاف فَكل مستهين خائن وَلَيْسَ كل خائن مستهينا الاستهانة بالمتاع دَلِيل على الاستهانة بِرَبّ الْمَتَاع حالان يحسن فيهمَا مَا يقبح فِي غَيرهمَا وهما المعاتبة والاعتذار فَإِنَّهُ يحسن فيهمَا تعديد الأيادي وَذكر الْإِحْسَان وَذَلِكَ غَايَة الْقبْح فِي مَا عدا هَاتين الْحَالَتَيْنِ لَا عيب على من مَال بطبعه إِلَى بعض القبائح وَلَو أَنه أَشد الْعُيُوب وَأعظم الرذائل مَا لم يظهره بقول أَو فعل بل يكَاد يكون أَحْمد مِمَّن أَعَانَهُ طبعه على الْفَضَائِل وَلَا تكون مغالبة الطَّبْع الْفَاسِد إِلَّا عَن قُوَّة عقل فَاضل الْخِيَانَة فِي الْحرم أَشد من الْخِيَانَة فِي الدِّمَاء الْعرض أعز على الْكَرِيم من المَال يَنْبَغِي للكريم أَن يصون جِسْمه بِمَالِه ويصون نَفسه بجسمه ويصون عرضه بِنَفسِهِ ويصون دينه بعرضه وَلَا يصون بِدِينِهِ شَيْئا أصلا الْخِيَانَة فِي الْأَعْرَاض أخف من
стр. 71
الْخِيَانَة فِي الْأَمْوَال وبرهان ذَلِك أَنه لَا يكَاد يُوجد من لَا يخون الْعرض وَإِن قل ذَلِك مِنْهُ وَكَانَ من أهل الْفضل وَأما الْخِيَانَة فِي الْأَمْوَال وَإِن قلت أَو كثرت فَلَا تكون إِلَّا من رذل بعيد عَن الْفضل الْقيَاس فِي أَحْوَال النَّاس قد يكذب فِي أَكثر الْأُمُور وَيبْطل فِي الْأَغْلَب وَاسْتِعْمَال مَا هَذِه صفته فِي الدّين لَا يجوز الْمُقَلّد رَاض أَن يغبن عقله وَلَعَلَّه مَعَ ذَلِك يستعظم أَن يغبن فِي مَاله فيخطئ فِي الْوَجْهَيْنِ مَعًا لَا يكره الْغبن فِي مَاله ويستعظمه إِلَّا لئيم الطَّبْع دَقِيق الهمة مهين النَّفس من جهل معرفَة الْفَضَائِل فليعتمد على مَا أمره الله وَرَسُوله ﷺ فَإِنَّهُ يحتوي على جَمِيع الْفَضَائِل رب مخوف كَانَ التَّحَرُّز مِنْهُ سَبَب وُقُوعه وَرب سر كَانَت الْمُبَالغَة فِي طيه سَبَب انتشاره وَرب إِعْرَاض أبلغ فِي الاسترابة من إدامة النّظر وأصل ذَلِك كُله الإفراط الْخَارِج عَن حد الِاعْتِدَال الْفَضِيلَة وسيطة بَين الإفراط والتفريط فكلا الطَّرفَيْنِ مَذْمُوم والفضيلة بَينهمَا محمودة حاشا الْعقل فَإِنَّهُ لَا إفراط فِيهِ الْخَطَأ فِي الحزم خير من الْخَطَأ فِي التضييع من الْعَجَائِب أَن الْفَضَائِل مستحسنة ومستثقلة والرذائل مستقبحة ومستخفة
стр. 72
من أَرَادَ الْإِنْصَاف فليتوهم نَفسه مَكَان خَصمه فَإِن يلوح لَهُ وَجه تعسفه حد الحزم معرفَة الصّديق من الْعَدو وَغَايَة الْخرق والضعف جهل الْعَدو من الصّديق لَا تسلم عَدوك لظلم وَلَا تظلمه وساو فِي ذَلِك بَينه وَبَين الصّديق وَتحفظ مِنْهُ وَإِيَّاك وتقريبه وإعلاء قدره فَإِن هَذَا من فعل النوكى من سَاوَى بَين عدوه وَصديقه فِي التَّقْرِيب والرفعة فَلم يزدْ على أَن زهد النَّاس فِي مودته وَسَهل عَلَيْهِم عداوته وَلم يزدْ على استخفاف عدوه لَهُ وتمكنه من مقاتله وإفساد صديقه على نَفسه وإلحاقه بجملة أعدائه غَايَة الْخَيْر أَن يسلم عَدوك من ظلمك وَمن تَركك إِيَّاه للظلم وَأما تقريبه فَمن شيم النوكى الَّذين قد قرب مِنْهُم التّلف وَغَايَة الشَّرّ أَن يسلم صديقك من ظلمك وَأما إبعاده فَمن فعل من لَا عقل لَهُ وَمن كتب عَلَيْهِ الشَّقَاء لَيْسَ الْحلم تقريب الْأَعْدَاء وَلكنه مسالمتهم مَعَ التحفظ مِنْهُم كم رَأينَا من فاخر بِمَا عِنْده من الْمَتَاع فَكَانَ ذَلِك سَببا لهلاكه فإياك وَهَذَا الْبَاب الَّذِي هُوَ ضرّ مَحْض لَا مَنْفَعَة فِيهِ أصلا كم شاهدنا مِمَّن أهلكه كَلَامه وَلم نر قطّ أحدا وَلَا بلغنَا أَنه أهلكه
стр. 73
سُكُوته فَلَا تَتَكَلَّم إِلَّا بِمَا يقربك من خالقك فَإِن خفت ظَالِما فاسكت قَلما رَأَيْت أمرا أمكن فضيع إِلَّا فَاتَ فَلم يُمكن بعد محن الْإِنْسَان فِي دهره كَثِيرَة وَأَعْظَمهَا محنته بِأَهْل نَوعه من الْإِنْس دَاء الْإِنْسَان بِالنَّاسِ أعظم من دائه بالسباع الكلبة والأفاعي الضارية لِأَن التحفظ من كل مَا ذكرنَا مُمكن وَلَا يُمكن التحفظ من الْإِنْس أصلا الْغَالِب على النَّاس النِّفَاق وَمن الْعجب أَنه لَا يجوز مَعَ ذَلِك عِنْدهم إِلَّا من نافقهم لَو قَالَ قَائِل إِن فِي الطبائع كرية لِأَن أَطْرَاف الأضداد تلتقي لم يبعد من الصدْق وَقد نجد نتائج الأضداد تتساوي فنجد الْمَرْء يبكي من الْفَرح وَمن الْحزن ونجد فرط الْمَوَدَّة يلتقي مَعَ فرط البغضة فِي تتبع العثرات وَقد يكون ذَلِك سَببا للقطيعة عِنْد عدم الصَّبْر والإنصاف كل من غلبت عَلَيْهِ طبيعة مَا فَإِنَّهُ وَإِن بَالغ الْغَايَة من الحزم والحذر مصروع إِذا كويد من قبلهَا كَثْرَة الريب تعلم صَاحبهَا الْكَذِب لِكَثْرَة ضَرُورَته إِلَى الِاعْتِذَار بِالْكَذِبِ فيضرى عَلَيْهِ ويستسهله
стр. 74
أعدل الشُّهُود على المطبوع على الصدْق وَجهه لظُهُور الاسترابة عَلَيْهِ إِن وَقع فِي كذبة أَو هم بهَا وَأَعْدل الشُّهُود على الْكذَّاب لِسَانه لاضطرابه وَنقض بعض كَلَامه بَعْضًا الْمُصِيبَة فِي الصّديق الناكث أعظم من الْمُصِيبَة بِهِ أَشد النَّاس استعظاما للعيوب بِلِسَانِهِ هُوَ أَشَّدهم استسهالا لَهَا بِفِعْلِهِ ويتبين ذَلِك فِي مسافهات أهل الْبذاء ومشاتمات الأرذال الْبَالِغين غَايَة الرذالة من الصناعات من الخسيسة من الرِّجَال وَالنِّسَاء كَأَهل التعيش بالزمر وكنس الحشوش والخادمين فِي المجازر وكساكني دور الْجمل الْمُبَاحَة لكراء الْجَمَاعَات والساسة للدواب فَإِن كل من ذكرنَا أَشد الْخلق رميا من بَعضهم لبَعض بالقبائح وَأَكْثَرهم عَيْبا بالفضائح وهم أوغل النَّاس فِيهَا وأشرهم بهَا اللِّقَاء يذهب بالسخائم فَكَأَن نظر الْعين للعين يصلح الْقُلُوب فَلَا يسؤك التقاء صديقك بعدوك فَإِن ذَلِك يفتر أمره عِنْده أَشد الْأَشْيَاء على النَّاس الْخَوْف والهم وَالْمَرَض والفقر وأشدها كلهَا إيلاما للنَّفس الْهم للفقد من المحبوب وتوقع الْمَكْرُوه ثمَّ الْمَرَض ثمَّ الْخَوْف ثمَّ الْفقر وَدَلِيل ذَلِك أَن الْفقر يستعجل ليطرد بِهِ الْخَوْف فيبذل الْمَرْء مَاله كُله ليأمن وَالْخَوْف والفقر يستعجلان ليطرد بهما ألم الْمَرَض فيغرر الْإِنْسَان فِي طلب الصِّحَّة ويبذل مَاله فِيهَا إِذا أشْفق من الْمَوْت وَيَوَد عِنْد تيقنه بِهِ لَو بذل
стр. 75
مَاله كُله وَيسلم ويفيق وَالْخَوْف يستسهل ليطرد بِهِ الْهم فيغرر الْمَرْء بِنَفسِهِ ليطرد عَنهُ الْهم وَأَشد الْأَمْرَاض كلهَا ألما وجع ملازم فِي عُضْو مَا بِعَيْنِه وَأما النُّفُوس الْكَرِيمَة فَالَّذِي عِنْدهَا أَشد من كل مَا ذكرنَا وَهُوَ أسهل المخوفات عِنْد ذَوي النُّفُوس اللئيمة وَمِمَّا قلته فِي الْأَخْلَاق ... إِنَّمَا الْعقل أساس ... فَوْقه الْأَخْلَاق سور ... فحلي الْعقل بِالْعلمِ ... وَإِلَّا فَهُوَ بور ... جَاهِل الْأَشْيَاء أعمى ... لَا يرى كَيفَ يَدُور ... وَتَمام الْعلم بالعد ... ل وَإِلَّا فَهُوَ زور ... وزمام الْعدْل بالجود ... وَإِلَّا فيجور ... وملاك الْجُود بالنجدة ... والجبن غرور ... عف إِن كنت غيورا ... مَا زنى قطّ غيور
وَكَمَال الْكل بالتقوى ... وَمِمَّا قلته أَيْضا ... زِمَام أصُول جَمِيع الْفَضَائِل ... عدل وَفهم وجود وباس ... فَمن هَذِه ركبت غَيرهَا ... فَمن حازها فَهُوَ فِي النَّاس راس ... كَذَا الرَّأْس فِيهِ الْأُمُور الَّتِي ... بإحساسها يكْشف الإلتباس ...
следующие страницы →