← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 6879

يقظة أولي الاعتبار

صديق حسن خان

Полный текст (233 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

خطْبَة الْكتاب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمد لله على مَا منح من الْهدى وَجعل السّنة المطهرة قدوة لمن يقْتَدى الَّذِي خلق فأحيا وَحكم على خلقه بِالْمَوْتِ والفنا والبعث إِلَى دَار الْجَزَاء والفصل والقضا لتجزى كل نفس بِمَا تسْعَى كَمَا قَالَ فى كِتَابه جلّ وَعلا ﴿إِنَّه من يَأْتِ ربه مجرما فَإِن لَهُ جَهَنَّم لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى وَمن يَأْته مُؤمنا قد عمل الصَّالِحَات فَأُولَئِك لَهُم الدَّرَجَات العلى جنَّات عدن تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء من تزكّى﴾ وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على خير من أفيضت عَلَيْهِ بحار المكارم والندى ولاحت عَلَيْهِ لوائح الصدْق والصفا واهتدى بِمَا أنزل عَلَيْهِ من ربه وَإِلَيْهِ أمته هدى وأنقذها من شرك الردى وَلم يَتْرُكهَا سدى فَمن أطاعه ووالاه فقد رشد وَنَجَا وَمن عَصا وناوأه فقد ضل وغوى وعَلى آله وَصَحبه وَحزبه صَلَاة وَسلَامًا دائمين على طول المدى وَبعد فَهَذَا كتاب فى أَحْوَال النَّار وأصحابها وأهوال الْجَحِيم وأربابها نسجته على منوال كتابى فى أَحْوَال الْجنَّة وأهاليها وحقائق نعمها ومواليها والباعث على جمعه أَن الْحَافِظ الإِمَام نَاصِر السّنة وَالْإِسْلَام مُحَمَّد بن أَبى بكر بن الْقيم بوأه الله فى دَار السَّلَام ألف كتابا جَامعا لم يسْبق إِلَيْهِ فى مَا جَاءَ فى نعيم الْجنان ومدارج الرضْوَان والغفران وَهُوَ بَاب من أَبْوَاب التَّرْغِيب وَقد سبقت رَحْمَة الله على غَضَبه كَمَا ورد ذَلِك فى صِحَاح الْأَحَادِيث وَلم أَقف لَهُ وَلَا لغيره على كتاب مُسْتَقل فى ذكر النَّار وأهوال الْجَحِيم وَمَا يُقَابل الرَّاحَة والعيش الآخر فى دَار النَّعيم وَهَذَا بَاب من أَبْوَاب التَّرْهِيب وحاجة الْمُسلم إِلَيْهِ أَشد من الْحَاجة إِلَى الأول لِأَن الْإِيمَان بَين الْخَوْف والرجا والمرء بَين الشدَّة والرخا وَالْخَوْف يفعل فى الْخَائِف مَالا يفعل الرجا فى الراجى

стр. 2

والخشية تميز تمييزا كَافِيا وافيا بَين الْهَالِك والناجى وَأَن دين الاسلام ورد بالمهلكات كَمَا جَاءَ بالمنجيات وَأَن النَّبِي ﷺ رغب وحذر وَبشر وأنذر فَهُوَ الْمخبر الصَّادِق بكلا الْأَمريْنِ إِخْبَارًا لَا يخفى على ذى عينين وَلَكِن الشَّيْطَان الرَّجِيم غرهم بالغفران والاحسان وكادتهم النَّفس الأمارة بالسوء ووعدتهم بالرضوان والجنان وَدخل عَلَيْهِم إِبْلِيس من بَاب الرجا حَتَّى أضلهم عَن طَرِيق الْهدى فَقَالُوا سيغفر لنا كَمَا قَالَ من قبلهم من الْأُمَم وَلم يعلمُوا أَن بَطش رَبهم لشديد الْأَلَم وَأَن الدَّار الْآخِرَة منقسمة إِلَى قسمَيْنِ رياض الْجنَّة وحفر النَّار وَالْعَبْد بَين مخافتين إِمَّا أَن يصير إِلَى النَّعيم بفضله سُبْحَانَهُ وَإِمَّا أَن يُصَار بِهِ عدلا مِنْهُ إِلَى دَار الْبَوَار وكل من قنع بالرجا وَلم يلم بالخوف لم يعلم بعاقبة أمره وَلم يعرف نَفعه من ضره وَإِنَّمَا الْمُؤمن الناجى من آمن بِاللَّه وَرَسُوله وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا وأقلع نَفسه فى هَذِه الدَّار عَمَّا يوبقه ويهلكه عذبا كَانَ أَو مالحا وفى حَدِيث شَدَّاد بن أَوْس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْكيس من دَان نَفسه وَعمل لما بعد الْمَوْت وَالْعَاجِز من أتبع نَفسه هَواهَا وَتمنى على الله قَالَ فى مجَالِس الْأَبْرَار هَذَا الحَدِيث من حسان المصابيح انْتهى وَمَا أحسن مَا قَالَ بعض العارفين عجبت من شيخى وَمن زهده ... وَذكره النَّار وأهوالها يكره أَن يشرب فى فضَّة ... وَيسْرق الْفضة إِن نالها ووعد الْمَغْفِرَة فى كتاب الله مَنُوط بالايمان وَالْعَمَل الصَّالح جَمِيعًا فَمن أقرّ بِلِسَانِهِ أَن الْآخِرَة خير وَأبقى ثمَّ ترك الْعَمَل واشتغل بالمعاصى فَهُوَ من المغرورين بالدنيا والمسرورين بهَا والمحبين لَهَا والكارهين للْمَوْت خيفة فَوَات لذتها لَا خيفة فَوَات لذات الْآخِرَة وحول عقابها فَهَؤُلَاءِ هم الَّذين غرتهم الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم عَن الْآخِرَة هم غافلون

стр. 3

وَأما الَّذين غرهم بِاللَّه الْغرُور فهم الَّذين يعْملُونَ الْأَعْمَال ويشتغلون بالمنكرات وَيَقُولُونَ أَن الله رَحِيم نرجو رَحمته وكريم نتمنى مغفرته وَهَذَا التمنى هُوَ الْغرُور الذى غير الشَّيْطَان اسْمه وَسَماهُ رَجَاء حَتَّى خدع بِهِ كثيرا من النَّاس وَقد شرح الله الرَّجَاء بقوله الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فى سَبِيل الله أُولَئِكَ يرجون رَحْمَة الله وَقيل لِلْحسنِ قوم يَقُولُونَ نرجوا الله ويضيعون الْعَمَل فَقَالَ هَيْهَات هَيْهَات هَلَكت أمانيهم يتردون فِيهَا من رجا شَيْئا طلبه وَمن خَافَ شَيْئا هرب مِنْهُ وكما لَا ينْبت فى الدُّنْيَا زرع إِلَّا بالحرث كَذَلِك لَا يحصل فى الْآخِرَة أجر وثواب إِلَّا بِالْإِيمَان الْخَالِص وَالْعَمَل الصَّالح وَالنِّيَّة الصادقة وان الله تَعَالَى كَمَا كَانَ غَافِر الذُّنُوب وقابل التَّوْبَة فَهُوَ شَدِيد الْعقَاب أَيْضا وَأَنه مَعَ كَونه كَرِيمًا رحِيما خلد الْكفَّار فى النَّار أَبَد الآباد مَعَ أَن كفرهم لَا يضرّهُ بل سلط الْعَذَاب والمحن والأمراض والعلل والفقر والجوع على عباده فِي الدُّنْيَا مَعَ كَونه رحِيما كَرِيمًا قَادِرًا على إِزَالَتهَا فَمن كَانَت سنته فى عباده كَذَلِك كَيفَ يغتر بِهِ العَبْد وَلَا يخافه وَقد خوف عباده ورجاء أَكثر الْخلق فى هَذَا الزَّمَان هُوَ سَبَب فتورهم عَن الْعَمَل وإقبالهم على الدُّنْيَا وإعراضهم عَن طَاعَة الله تَعَالَى وإهمالهم للسعى للآخرة وهم لَا يعلمُونَ أَنه غرور وَلَيْسَ برجاء وَقد غلب الْغرُور على آخر هَذِه الْأمة كَمَا غلب الطَّاعَة على أَولهَا قَالَ الغزالى قد كَانَ النَّاس فى الزَّمَان الأول يواظبون على الطَّاعَات والعبادات ويبالغون فى الِاحْتِرَاز عَن الشُّبُهَات والشهوات وَمَعَ ذَلِك كَانُوا يخَافُونَ على أنفسهم ويبكون فى الخلوات وَأما الْآن فنرى الْخلق آمِنين فرحين غير خَائِفين مَعَ إصرارهم على المعاصى وانهماكهم فى الدُّنْيَا وإعراضهم عَن

стр. 4

طَاعَة الله ويزعمون أَنهم واثقون بكرم الله تَعَالَى وفضله وراجون لعفوه ومغفرته وَيَقُولُونَ نعْمَته وَاسِعَة وَرَحمته شَامِلَة وأى شىء من معاصى الْعباد فى بحار مغفرته ويسمون تمنيهم واغترارهم رَجَاء وَيَقُولُونَ أَن الرجا مَحْمُود فى الدّين فكأنهم يَزْعمُونَ أَنهم عرفُوا من كرم الله وفضله مَا لم يعرفهُ الْأَنْبِيَاء وَالسَّلَف الصَّالح انْتهى هَذَا وَكَانَ يخْطر فى خلدى قَدِيما مُنْذُ ألفت كتاب مثير سَاكن الغرام إِلَى روضات دَار السَّلَام أَن أؤلف كتابا فى أهوال النَّار وَأَهْلهَا وَصفَة الْجَحِيم حزنها وسهلها مُقْتَصرا فى ذَلِك على مَا ورد فى آيَات الْكتاب الْعَزِيز وأدلة السّنة المطهرة الْبَيْضَاء فَلم يتَّفق لى هَذَا المُرَاد لعوائق عاقتنى وَضَاقَتْ بهَا على الغبراء إِلَى أَن حصل الْآن فرْصَة نذرة فانتدبت لتحرير هَذَا المرام ظنا منى أَنه لم يسْبق إِلَى مثل هَذَا التَّأْلِيف قبلى أحد من الْأَعْلَام وَلَو كنت وقفت على مثل هَذَا الْجمع لأحد مِنْهُم لم أكلف نفسى لجمع هَذَا الْكتاب الْمَوْعُود وَلم أدخلها فى هَذِه الْعقبَة الكئود وَلَكِن الله يوفق بِمَا شَاءَ من عباده وَله فى أَيَّام دهرهم نفحات أَلا فليتعرضوا لَهَا فى بِلَاده وَسميت هَذَا يقظة أولى الِاعْتِبَار مِمَّا ورد فى ذكر النَّار وَأَصْحَاب النَّار ورتبته على مُقَدّمَة وأبواب وخاتمة أجارنا الله تَعَالَى عَن النَّار الحاطمة

стр. 5

الْمُقدمَة فى بَيَان أَن الشَّرَائِع متفقة على إِثْبَات الدَّار الْآخِرَة الَّتِى فِيهَا الْجنَّة وَالنَّار أعلم أَن الله سُبْحَانَهُ صرح باسم الْجنَّة فى أول التَّوْرَاة عِنْد الْكَلَام على ابْتِدَاء خلق الْعَالم ولفظها وغرس الْإِلَه جنَّة فى عدن شرقا وَوضع هُنَاكَ آدم الذى خلقه ثمَّ ذكر أَن مِنْهَا خرج نهر وتفرع عَنهُ فيشون وحداقل وجيحون والفرات فَهَذِهِ هى الْجنَّة الَّتِى ورد ذكرهَا فى الْقُرْآن الْكَرِيم وَصَحَّ عَن النَّبِي ﷺ أَن هَذِه الْأَرْبَعَة الْأَنْهَار خَارِجَة مِنْهَا كَمَا فى دواوين الْإِسْلَام وَغَيرهَا واعترف بهَا رَأس زنادقة الْيَهُود مُوسَى بن مَيْمُون القرطبى الأندلسى فى تأليفه الْمُسَمّى المشنا فى الْفِقْه وفى كتاب اللُّغَات

стр. 6

فى حرف الْعين قَالَ وَمعنى اسْم عدن التَّلَذُّذ والتنعم ثمَّ قَالَ إِن تِلْكَ هى جنَّات النَّعيم وفردوس السَّعَادَة والصالحون باقون فِيهَا ليستلذوا من نور الله قَالَ النبى أشعياء فى حَقِيقَة ذَلِك التَّلَذُّذ هُوَ مَالا عين تقدر أَن ترَاهُ أه

стр. 7

والتوراة أَيْضا صرحت باسم النَّار ولفظها سَوَّلَ واش قَالَ عُلَمَاء الْيَهُود وَمعنى اللَّفْظَيْنِ جَهَنَّم وفيهَا غير ذَلِك من الْآيَات كثير كَمَا فى الأصحاح الثَّامِن عشر من سفر اللاويين الْأَحْبَار وَلَفظه أحكامى تعلمُونَ وفرائضى تحفظون لتسلكوا فِيهَا أَنا الرب إِلَهكُم فتحفظون فرائضى وأحكامى الَّتِى إِذا فعلهَا الْإِنْسَان يحيا بهَا أَنا الرب أه وَلَا حَيَاة دائمة فى الدُّنْيَا بل فى الْآخِرَة وفى الإصحاح الْفَصْل الْخَامِس من سفر الْأَمْثَال لِسُلَيْمَان ﵇ ويجعلهم بعد الْمَوْت إِلَى الْجَحِيم أه وفى الاصحاح السَّادِس وَالْعِشْرين من نبوة أشعياء مَا لَفظه تحيا أمواتك تقوم

стр. 8

الجثت أه وفى سفر دانيال مَا لَفظه وكثيرون من الراقدين فى تُرَاب الأَرْض يستيقظون هَؤُلَاءِ إِلَى الْحَيَاة الأبدية وَهَؤُلَاء إِلَى الْعَار والازدراء الأبديأه وَأما الزبُور فَفِيهِ نُصُوص كَثِيرَة فى التَّصْرِيح بِذكر النَّار جَاءَ فى المزمور التَّاسِع وَالْأَرْبَعِينَ مَا لَفظه مثل الْغنم للهاوية يساقون الْمَوْت يرعاهم ويسودهم المستقيمون غَدَاة وصورتهم تبلى الهاوية مسكن لَهُم إِنَّمَا الله يفْدي نفسى من يَد الهاوية لِأَنَّهُ يأخذني أه وفى المزمور الْخَامِس وَالْخمسين ليبغتهم الْمَوْت لينحدروا إِلَى الهاوية أَحيَاء لِأَن فى مساكنهم فى وَسطهمْ شروراأه وفى المزمور السَّادِس مَا لَفظه وَأَنت يَا رب فحتى مَتى عد يَا رب نج نفسى خلصنى من أجل رحمتك لِأَنَّهُ لَيْسَ فى الْمَوْت ذكرك فى الهاوية

стр. 9

من يحمدك أه وفى المزمور التَّاسِع الشرير يعلق بِعَمَل يَدَيْهِ الأشرار يرجعُونَ إِلَى الهاوية أه وفى المزمور السَّادِس عشر جسدى أَيْضا يسكن مطمئنا لِأَنَّك لن تتْرك نفسى فى الهاوية لن تدع تقيك يرى فَسَادًا أه وفى الْإِنْجِيل ذكر الْجنَّة وَالنَّار فى مَوَاضِع كَثِيرَة ففى الاصحاح الْخَامِس من الْإِنْجِيل الأول إنجيل مَتى وَمن قَالَ يَا أَحمَق يكون مستوجب نَار جَهَنَّم إِلَى قَوْله وَلَا يلقى جسدك كُله فى جَهَنَّم وفى الاصحاح الْعَاشِر من مَتى بل خَافُوا بالحرى من الذى يقدر أَن يهْلك النَّفس والجسد كليهمَا فى جَهَنَّم أه وفى ذَلِك تَصْرِيح بحشر الأجساد وفى الاصحاح الثَّالِث عشر من مَتى يُرْسل ابْن الْإِنْسَان مَلَائكَته فَيجْمَعُونَ من ملكوته جَمِيع المعاثر وفاعلي الْإِثْم

стр. 10

ويطرحونهم فى أتون النَّار هُنَاكَ يكون الْبكاء وصرير الْأَسْنَان وفى الاصحاح التَّاسِع من إنجيل مرقس مَا لَفظه وتمضى إِلَى جَهَنَّم إِلَى النَّار الَّتِى لَا تطفأ حَيْثُ دُورهمْ لَا يَمُوت وَالنَّار لَا تطفأ وفى الاصحاح السَّادِس عشر من إنجيل لوقا مَا لَفظه وَمَات الْغنى وَدفن فَرفع عَيْنَيْهِ فى الهاوية وَهُوَ فى العذابأه وفى الاصحاح الثَّامِن عشر من مَتى صرح بِذكر دُخُول النَّار المؤبدة وبذكر دُخُول جَهَنَّم وفى الاصحاح للثَّانِي وَالْعِشْرين من مَتى مَا لَفظه فى ذَلِك الْيَوْم جَاءَ اليه صدوقيون الَّذين يَقُولُونَ لَيْسَ قِيَامَة أه فَانْظُر إِلَى هَذَا النَّص الصَّرِيح بالقيامة وَإِلَى التَّصْرِيح بِأَن الَّذين يَقُولُونَ لَا قِيَامَة هم الصدوقيون وَكفى بِهَذَا دافعا فى وَجه من زعم أَن إِثْبَات

стр. 11

ذَلِك زنادقة فِي الشَّرِيعَة السَّابِقَة كَمَا ذكره زنادقة فى هَذِه الشَّرِيعَة المحمديه وفى الاصحاح الْخَامِس وَالْعِشْرين من مَتى مَا لَفظه ثمَّ يَقُول أَيْضا للَّذين عَن الْيَسَار اذْهَبُوا عَنى يَا ملاعين إِلَى النَّار الأبدية الْمعدة لإبليس وَمَلَائِكَته وفى هَذَا التَّصْرِيح بِمَا لَا يحْتَاج إِلَى زِيَادَة وَهَذِه النقول من الانجيل الذى جمعه مَتى وَنَحْوه أَيْضا فى الأناجيل الْأُخْرَى الَّتِى جمعهَا يوحنا ومرقس وَغَيرهمَا وفى إنجيل لوقا فى الاصحاح الْعشْرين مِنْهُ وَأما أَن الْمَوْتَى يقومُونَ فقد دلّ عَلَيْهِ مُوسَى وفى الاصحاح الثَّالِث وَالْعِشْرين أَن الْمَسِيح قَالَ للمصلوب مَا لَفظه قَالَ لَهُ يسوع الْحق أَقُول لَك إِنَّك الْيَوْم تكون معى فى الفردوس انْتهى وفى الانجيل الذى جمعه يوحنا فى الاصحاح الْخَامِس مَا لَفظه فَإِن تأتى سَاعَة فِيهَا يسمع جَمِيع الَّذين فى الْقُبُور صَوته فَيخرج الَّذين فعلوا الصَّالِحَات إِلَى قِيَامَة الْحَيَاة وَالَّذين عمِلُوا السيآت إِلَى قِيَامَة الدينونة وفى الاصحاح السَّادِس من يوحنا أَن كل من يرى الابْن ويؤمن بِهِ تكون لَهُ حَيَاة أبدية وَأَنا أقيمه فِي الْيَوْم الْأَخير

стр. 12

وفى الإصحاح الثَّامِن من يوحنا مَا لَفظه الْحق الْحق أَقُول لكم إِن كَانَ أحد يحفظ كلامى فَلَنْ يرى الْمَوْت إِلَى الْأَبَد انْتهى وَإِذا عرفت هَذَا الْمُصَرّح بِهِ الْإِنْجِيل هَكَذَا صرح الحواريون من أَصْحَاب الْمَسِيح ﵇ فى رسائلهم الْمَعْرُوفَة وَهَذِه النُّصُوص ترد على ابْن أَبى الْحَدِيد المعتزلى شَارِح نهج البلاغة قَوْله وَهُوَ أَن كل مَا فى التَّوْرَاة من الْوَعْد والوعيد فَهُوَ مَنَافِع الدُّنْيَا ومضارها وَلم يَأْتِ فِيهَا مَا يتَعَلَّق بِمَا بعد الْمَوْت وَأما الْمَسِيح فَإِنَّهُ صرح بالقيامة وَبعث الْأَبدَان وَلَكِن جعل الْعقَاب روحانيا وَكَذَلِكَ الثَّوَاب انْتهى وَكَذَلِكَ ترد على رَئِيس

стр. 13

الْمَلَاحِدَة ابْن سينا حَيْثُ قَالَ ان النَّصَارَى أثبتوا بعث الْأَبدَان وخلوها عَن الْمطعم والملبس وَالْمشْرَب والمنكح انْتهى قَالَ شَيخنَا الْعَلامَة الْمُجْتَهد الْمُطلق مُحَمَّد بن على الشوكانى فى الْمقَالة الفاخرة فى اتِّفَاق الشَّرَائِع على اثبات الدَّار الْآخِرَة إِن أصل هَذِه الْمقَالة الملعونة

стр. 14

وَالرِّوَايَة عَن التَّوْرَاة والانجيل المكذوبة مقالات قَالَهَا جمَاعَة من متزندقة الْيَهُود النَّصَارَى كَابْن مَيْمُون وَأَضْرَابه وَأَنَّهُمْ أَي الْيَهُود كفروه ولعنوه بِسَبَب هَذِه الْمقَالة وَقد وَقع من هَذَا الملعون التحريف لما فى التَّوْرَاة وتلقى ذَلِك عَنْهُم زنادقة الْملَّة الاسلامية استرواحا مِنْهُم لما يتَضَمَّن من الْقدح فى شرائع الله سُبْحَانَهُ انْتهى ثمَّ نقل مَا فى التَّوْرَاة وَالزَّبُور والانجيل نَحْو مَا ذكرنَا وَزَاد فى النقول فى رسَالَته الَّتِى سَمَّاهَا ارشاد الثِّقَات إِلَى اتِّفَاق الشَّرَائِع على التَّوْحِيد والمعاد والنبوات وَهَذِه للكتب الثَّلَاثَة الالهية مَوْجُودَة عندنَا بِاللِّسَانِ العربى فاستفاد من ذَلِك أَن الْأَمر خلاف مَا قَالَه زنادقة الْملَّة الْيَهُودِيَّة وَالْملَّة النَّصْرَانِيَّة ثمَّ تعقب الشوكانى ﵀ ابْن مَيْمُون وَابْن أَبى الْحَدِيد وأوضح فَسَاده ثمَّ قَالَ أما نُصُوص الْقُرْآن فَهُوَ من فاتحته إِلَى خاتمته مصرحة بِالْجنَّةِ وَالنَّار وَبَعثه الْأَجْسَام وتنعمها أَو تعذيبها بِمَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْقُرْآن من أَنْوَاع ذَلِك وَمن تتبع مَا فى كتاب الله سُبْحَانَهُ من حِكَايَة نعيم أهل الْجنَّة وَعَذَاب أهل النَّار عَن الْملَل السالفة وَعَن كتب الله الْمنزلَة عَلَيْهَا وجده كثيرا جدا لَا يَتَّسِع الْمقَام لبسطه وَقد بعث النبى ﷺ وَأهل الْملَّة الْيَهُودِيَّة وَالْملَّة النَّصْرَانِيَّة فى أَكثر بقاع الأَرْض وَلم يسمع عَن أحد مِنْهُم أَنه أنكر ذَلِك أَو قَالَ هُوَ خلاف مَا فى التَّوْرَاة والانجيل وَقد سكن النَّبِي ﷺ فى الْمَدِينَة الشَّرِيفَة وَنزل عَلَيْهِ أَكثر الْقُرْآن

стр. 15

بهَا وَكَانَ الْيَهُود متوافرين فِيهَا وَفِيمَا حولهَا من الْقرى الْمُتَّصِلَة بهَا وَكَانُوا يسمعُونَ مَا ينزل الله على رَسُوله ﷺ من الْقُرْآن وَيُنْكِرُونَ مَا ورد مُخَالفا لما فى التَّوْرَاة ويجادلون أبلغ مجادلة كَمَا حكى ذَلِك الْقُرْآن الْكَرِيم وتضمنته كتب السّير والتاريخ وَلم يسمع أَن قَائِلا قَالَ إِنَّك تحكى عَن التَّوْرَاة مَا لم يكن فِيهَا من الْبَعْث ونعيم الْجنَّة وَعَذَاب النَّار وَقد كَانُوا يتهالكون على ذَلِك ويبالغون فى تتبعه بل كَانُوا فى بعض الْحَالَات يُنكرُونَ وجود مَا هُوَ مَوْجُود فى التَّوْرَاة كالرجم فَكيف يسكتون عَن هَذَا الْأَمر الْعَظِيم مَعَ سماعهم لحكاية الْقُرْآن لَهُ عَنْهُم وَعَن التَّوْرَاة وَهل كَانُوا يعجزون عِنْد أَن يسمعوا مَا حَكَاهُ الله عَنْهُم من قَوْلهم ﴿وَقَالُوا لن تمسنا النَّار إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة﴾ أَن يَقُولُوا مَا قُلْنَا هَذَا وَلَا نعتقده وَلَا جَاءَت بِهِ شَرِيعَة مُوسَى وَهَكَذَا عِنْد سماعهم قَوْله تَعَالَى ﴿إِن هَذَا لفي الصُّحُف الأولى صحف إِبْرَاهِيم ومُوسَى﴾ وَبِهَذَا تبين أَن هَذِه الْمقَالة لم يسمع بهَا الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى إِلَّا فى عصر رَأس الزَّنَادِقَة ابْن مَيْمُون عَلَيْهِ لعائن الله تَعَالَى انْتهى كَلَامه وَكَلَام ابْن مَيْمُون هَذَا كَمَا هُوَ مُخَالف للملة الْيَهُودِيَّة وَلما جَاءَت بِهِ التَّوْرَاة وَلما قَالَه عُلَمَاء الْيَهُود هُوَ أَيْضا مُخَالف للملة النَّصْرَانِيَّة وَلما جَاءَ بِهِ الانجيل

стр. 16

وَقَالَهُ عُلَمَاء النَّصَارَى ومخالف أَيْضا لما جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة الداؤدية وَمَا صرح بِهِ الزبُور ومخالف أَيْضا لما جَاءَت بِهِ الْملَّة الاسلامية وَمَا صرح بِهِ الْقُرْآن الْكَرِيم وَأجْمع عَلَيْهِ عُلَمَاء الاسلام بل مُخَالف لشرائع الْأَنْبِيَاء جَمِيعًا كَمَا حكى ذَلِك عَنْهُم الْقُرْآن فَنحْن وَإِن لم نقف على غير التَّوْرَاة وَالزَّبُور والانجيل من شرائع الانبياء السَّابِقَة فقد حَكَاهَا لنا الْقُرْآن فى غير مَوضِع كَقَوْلِه تَعَالَى وَقَالُوا لن يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ هودا أَو نَصَارَى وَقَوله يَا بنى إِسْرَائِيل اعبدوا الله ربى وربكم إِنَّه من يُشْرك بِاللَّه فقد حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ومأواه النَّار وَقَوله حاكيا عَن مُؤمن آل فِرْعَوْن يَا قوم إنى أَخَاف عَلَيْكُم يَوْم التناد إِلَى قَوْله وَإِن الْآخِرَة هِيَ دَار الْقَرار إِلَى قَوْله فَأُولَئِك يدْخلُونَ الْجنَّة يرْزقُونَ فِيهَا بِغَيْر حِسَاب وَقَوله إِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ إِلَى قَوْله وجاعل الَّذين اتبعوك فَوق الَّذين كفرُوا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَى آخر الْآيَات بِطُولِهَا

стр. 17

وَالْحَاصِل أَن هَذَا أَمر اتّفقت عَلَيْهِ الشَّرَائِع ونطقت بِهِ كتب الله سابقها ولاحقها وتطابقت عَلَيْهِ الرُّسُل أَوَّلهمْ وَآخرهمْ وَلم يُخَالف فِيهِ أحد وَهَكَذَا اتّفق على ذَلِك أَتبَاع جَمِيع الْأَنْبِيَاء من أهل الْملَل والنحل وَلم يسمع عَن أحد مِنْهُم أَنه أنكر ذَلِك إِلَّا مَا تقدم من ابْن مَيْمُون الملعون وأفراخه فانه وَقع مِنْهُ كَلَام فى إِنْكَار الْمعَاد ثمَّ اخْتلف كَلَامه فى ذَلِك فَتَارَة يُثبتهُ وَتارَة يَنْفِيه وَإِنَّمَا أنكر أَن يكون فِيهِ لذات حسية جسمانية بل لذات عقلية روحانية ثمَّ تلقى ذَلِك عَنهُ من هُوَ شَبيه بِهِ من أهل الاسلام كَابْن سينا فقلده وَنقل عَنهُ

стр. 18

مَا يُفِيد أَنه لم يَأْتِ فى الشَّرَائِع السَّابِقَة على الشَّرِيعَة المحمدية إِثْبَات الْمعَاد تقليدا لذَلِك الْيَهُودِيّ الملعون الزنديق مَعَ أَن الْيَهُود قد أَنْكَرُوا عَلَيْهِ هَذِه الْمقَالة وسموه كَافِرًا وَتبع ابْن سينا ابْن أَبى الْحَدِيد شَارِح نهج البلاغة وهلم جرا

стр. 19

بَاب فِي بَيَان وجود النَّار الْآن اعْلَم أَنه لم يزل أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ والتابعون وتابعوهم وَأهل السّنة والْحَدِيث قاطبة وفقهاء الاسلام وَأهل التصوف والزهد على اعْتِقَاد ذَلِك وإثباته مستندين فى ذَلِك إِلَى نُصُوص الْكتاب الْعَزِيز وَالسّنة المطهرة وَمَا علم بِالضَّرُورَةِ من أَخْبَار الرُّسُل كلهم من أَوَّلهمْ إِلَى آخِرهم كَمَا تقدم فى الْمُقدمَة فانهم دعوا الْأُمَم إِلَيْهَا وأخبروا بهَا إِلَى أَن نبغت نَابِغَة من أهل الْبدع والأهواء فأنكرت أَن تكون الْآن مخلوقة مَوْجُودَة وَقَالَت بل الله ينشئها يَوْم الْمعَاد وَأَن خلق النَّار قبل الْجَزَاء عَبث فانها تصير معطلة مدَدا متطاولة لَيْسَ فِيهَا سكانها فَردُّوا من النُّصُوص الْأُصُول وَالْفُرُوع وضللوا كل من خَالف بدعتهم هَذِه بِمَا لَا يسمن وَلَا يغنى من جوع وَلِهَذَا صَار السّلف الصَّالح وَمن نحا نحوهم تذكرُونَ فى عقائدهم أَن الْجنَّة وَالنَّار مخلوقتان الْآن موجودتان فى الْحَال وَيذكر من صنف فى المقالات أَن هَذِه المقالات أَن هَذِه مقَالَة أهل السّنة والْحَدِيث كَافَّة لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهَا مِنْهُم أَبُو الْحسن الأشعرى إِمَام الاشاعرة فى كِتَابه مقالات الاسلاميين وَاخْتِلَاف المضلين وَقد ذكر الله تَعَالَى النَّار فِي كِتَابه فِي مَوَاضِع كَثِيرَة يتعسر حَدهَا ويفوت عدهَا ووصفها وَأخْبر بهَا على لِسَان نبيه ﷺ ونعتها فَقَالَ عز من قَالَ فَاتَّقُوا النَّار الَّتِي وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة أعدت للْكَافِرِينَ ﴿وَقَالَ﴾ وَاتَّقوا النَّار الَّتِي أعدت للْكَافِرِينَ ﴿وَقَالَ﴾ إِنَّا أَعْتَدْنَا للظالمين نَارا أحَاط بهم سرادقها ﴿وَقَالَ﴾ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّم للْكَافِرِينَ نزلا ﴿وَقَالَ﴾ وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا وَقَالَ تَعَالَى أغرقوا فأدخلوا نَارا

стр. 20

﴿وَقَالَ﴾ وَأعد لَهُم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا ﴿وَقَالَ﴾ فانا أَعْتَدْنَا للْكَافِرِينَ سعيرا ﴿وَقَالَ﴾ وأعتدنا لَهُم عَذَاب السعير ﴿وَقَالَ﴾ النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا إِلَى غير ذَلِك من الْأَدِلَّة القطعية الَّتِي كلهَا صِيغ مَوْضُوعَة للمضى حَقِيقَة فَلَا وَجه للعدول عَنْهَا إِلَى المجازات إِلَّا بِصَرِيح آيَة أَو صَحِيح دلَالَة وأنى لَهُم ذَلِك وفى الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن أحدكُم إِذا مَاتَ عرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ والعشى إِن كَانَ من أهل الْجنَّة فَمن أهل الْجنَّة وَإِن كَانَ من أهل النَّار فَمن أهل النَّار يُقَال هَذَا مَقْعَدك حَتَّى يَبْعَثك الله يَوْم الْقِيَامَة وَفِيهِمَا أَيْضا أَن النَّبِي ﷺ رأى فى صَلَاة الْكُسُوف النَّار فَلم ير منْظرًا أفظع من ذَلِك وفى البخارى عَن عمرَان بن حُصَيْن عَن النَّبِي ﷺ قَالَ اطَّلَعت فى النَّار فَرَأَيْت أَكثر أَهلهَا النِّسَاء وَفِيه دلَالَة على وجودهَا حَال اطِّلَاعه وَرَوَاهُ الترمذى والنسائى أَيْضا وفى الصَّحِيح بَاب صفة النَّار وَأَنَّهَا مخلوقة الْآن وَعَن أبي ذَر عَن النَّبِي ﷺ أبردوا بِالصَّلَاةِ فان شدَّة الْحر من فيح جَهَنَّم وَعَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ اشتكت النَّار إِلَى رَبهَا فَقَالَت رب أكل بعضى بَعْضًا فَأذن لَهَا بنفسين نفس فى الشتَاء وَنَفس فى الصَّيف فأشد مَا تَجِدُونَ من الْحر وَأَشد مَا تَجِدُونَ من الزَّمْهَرِير رَوَاهُ البخارى أى من ذَلِك التنفس وَعَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر رضى الله عَنْهُم قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الْحمى من فيح جَهَنَّم فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ رَوَاهُ البخارى وفى رِوَايَة من فَور جَهَنَّم رَوَاهُ عَن رَافع بن خديج

стр. 21

وكل ذَلِك يُفِيد وجود النَّار الْآن وفى مُسْند أَحْمد وَسنَن أَبى دَاوُد والنسائى من حَدِيث ابْن عمر رضى الله عَنْهُمَا وَلَقَد أدنيت النَّار مني حَتَّى جعلت أتقيها خشيَة أَن تغشاكم الحَدِيث وفى صَحِيح مُسلم من حَدِيث أنسرضى الله عَنهُ أَنه ﷺ قَالَ لَو رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْت لضحكتم قَلِيلا ولبكيتم كثيرا قَالُوا وَمَا رَأَيْت يَا رَسُول الله قَالَ رَأَيْت الْجنَّة وَالنَّار وفى مُسْند أَحْمد وَمُسلم وَالسّنَن من حَدِيث أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لما خلق الله الْجنَّة وَالنَّار أرسل جِبْرِيل إِلَى الْجنَّة فَقَالَ اذْهَبْ فَانْظُر إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعدَدْت لأَهْلهَا فِيهَا فَذهب فَنظر اليها وَإِلَى مَا أعد الله لأَهْلهَا فِيهَا فَرجع وَقَالَ بعزتك لَا يسمع بهَا أحد إِلَّا دَخلهَا فَأمر الْجنَّة فحفت بالمكاره فَقَالَ فَارْجِع فَانْظُر إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعدَدْت لأَهْلهَا قَالَ فَنظر إِلَيْهَا ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ وَعزَّتك لقد خشيت أَن لَا يدخلهَا أحد ثمَّ أرْسلهُ إِلَى النَّار وَقَالَ اذْهَبْ فَانْظُر إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعدَدْت لأَهْلهَا فِيهَا فَنظر اليها فاذا هِيَ يركب بَعْضهَا بَعْضًا ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ وَعزَّتك لَا يدخلهَا أحد سمع بهَا فَأمر بهَا فحفت بالشهوات ثمَّ قَالَ اذْهَبْ فَانْظُر إِلَى مَا أَعدَدْت لأَهْلهَا فِيهَا فَرجع فَقَالَ وَعزَّتك لقد خشيت أَن لَا ينجو مِنْهَا أحد إِلَّا دَخلهَا قَالَ الترمذى هَذَا حديثحسن صَحِيح وفى الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيثه أَيْضا يرفعهُ حجبت الْجنَّة بالمكاره وحجبت النَّار بالشهوات وفى الْبَاب أَحَادِيث كَثِيرَة وَقَالَ الشَّيْخ أَحْمد ولى الله الْمُحدث الدهلوى فى عقائده الْجنَّة وَالنَّار حق وهما مخلوقتان الْيَوْم باقيتان إِلَى يَوْم الْقِيَامَة انْتهى وَنَحْوه وَمثله فى الْكتب الْأُخْرَى الْمُؤَلّفَة فى أصُول الدّين

стр. 22

بَاب فى أَن النَّار لَا تفنى وَلَا يفنى مَا فِيهَا قَالَ تَعَالَى أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ وَهَذِه الْآيَة فى مَوَاضِع من الْقُرْآن الْكَرِيم وَقَالَ تَعَالَى يدْخلهُ نَار خَالِدا فِيهَا وَقَالَ تَعَالَى فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا وَقَالَ تَعَالَى أُولَئِكَ حبطت أَعْمَالهم وفى النَّار هم خَالدُونَ وَقَالَ تَعَالَى فَأن لَهُ نَار جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا ﴿وَقَالَ﴾ فادخلوا نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا وَهَذِه فى غير مَوضِع من الْقُرْآن وَقَالَ لَو كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَة مَا وردوها وكل فِيهَا خَالدُونَ ﴿وَقَالَ﴾ فى جَهَنَّم خَالدُونَ تلفح وُجُوههم النَّار ﴿وَقَالَ﴾ إِن الْمُجْرمين فى عَذَاب جَهَنَّم خَالدُونَ ﴿وَقَالَ﴾ فَكَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا فى النَّار خَالِدين فِيهَا ﴿وَقَالَ﴾ فى نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا أبدا ﴿وَقَالَ﴾ وَمَا هم بِخَارِجِينَ من النَّار وَعَن ابْن عمر رضى الله عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يدْخل أهل الْجنَّة الْجنَّة وَأهل النَّار النَّار ثمَّ يقوم مُؤذن بَينهم يَا أهل الْجنَّة لَا موت وَيَا أهل النَّار لَا موت كل خَالِد فِيمَا هُوَ فِيهِ أخرجه الشَّيْخَانِ وفى رِوَايَة عَنهُ عِنْدهمَا فَيَزْدَاد أهل الْجنَّة فَرحا إِلَى فَرَحهمْ ويزداد أهل النَّار حزنا إِلَى حزنهمْ وَعَن أَبى سعيد الخدرى رضى الله عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ يجاء بِالْمَوْتِ فى صُورَة كَبْش أَمْلَح فَيُوقف بَين الْجنَّة وَالنَّار ثمَّ يُقَال يَا أهل الْجنَّة فيطلعون مشفقين وَيُقَال يَا أهل النَّار فيطلعون فرحين فَيُقَال هَل تعرفُون هَذَا فَيَقُولُونَ نعم هَذَا الْمَوْت فَيذْبَح بَين الْجنَّة وَالنَّار وَيُقَال يَا أهل الْجنَّة خُلُود وَلَا موت فِيهَا وَيَا أهل النَّار خُلُود وَلَا موت فِيهَا أخرجه البخارى وَمُسلم وفى هَذَا عدَّة أَحَادِيث عَن أَبى هُرَيْرَة عَن الترمذى وَصَححهُ وَالْحَاكِم وَابْن ماجة وَعَن أنس عَن أَبى يعلى وَالْبَزَّار والطبرانى وَفِيه فَيذْبَح كَمَا تذبح الشَّاة فَيَأْمَن هَؤُلَاءِ وَيَنْقَطِع رَجَاء هَؤُلَاءِ فَثَبت بِمَا ذكر من الْآيَات

стр. 23

الصَّرِيحَة وَالْأَخْبَار الصَّحِيحَة خُلُود أهل الدَّاريْنِ خلودا مُؤَبَّدًا كل بِمَا هُوَ فِيهِ من نعيم وَعَذَاب أَلِيم وعَلى هَذَا اجماع أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فَأَجْمعُوا على أَن عَذَاب الْكفَّار لَا يَنْقَطِع كَمَا أَن نعيم أهل الْجنَّة لاينقطع وَدَلِيل ذَلِك الْكتاب وَالسّنة وَزَعَمت الْجَهْمِية أَن الْجنَّة وَالنَّار تفنيان قَالَ هَذَا جهم بن صَفْوَان إِمَام المعطلة وَلَيْسَ لَهُ فى ذَلِك سلف قطّ لَا من الصَّحَابَة وَلَا من التَّابِعين وَلَا أحد من أَئِمَّة الدّين وَلَا قَالَ بِهِ أحد من أهل السّنة نعم حكى بعض الْعلمَاء فى أبدية النَّار قَوْلَيْنِ وَحَاصِل ذَلِك كُله سَبْعَة أَقْوَال أَحدهَا قَول الْخَوَارِج والمعتزلة أَن من دخل النَّار لايخرج مِنْهَا أبدا بل كل من دَخلهَا يخلد فِيهَا أَبَد الآباد الثَّانِي قَول من يَقُول أَن أَهلهَا يُعَذبُونَ فِيهَا مُدَّة ثمَّ تنْقَلب عَلَيْهِم وَتبقى طبائعهم نارية يتلذذون بالنَّار لموافقتها لطبائعهم وَهَذَا قَول مُحي الدّين بن عربى الطائى فى كِتَابه فصوص الحكم وَغَيره من كتبه الثَّالِث قَول من يَقُول إِن أهل النَّار يُعَذبُونَ فِيهَا إِلَى وَقت مَحْدُود ثمَّ يخرجُون مِنْهَا ويخلفهم فِيهَا قوم آخَرُونَ وَهَذَا القَوْل حَكَاهُ الْيَهُود للنَّبِي ﷺ فكذبهم فِيهِ وَقد كذبهمْ الله تَعَالَى أَيْضا فى قَوْله وَقَالُوا لن تمسنا النَّار إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة قل أتخذتم عِنْد الله عهدا فَلَنْ يخلف الله عَهده أم تَقولُونَ على الله مَالا تعلمُونَ بلَى من كسب سَيِّئَة وأحاطت بِهِ خَطِيئَة فَأُولَئِك أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ فَهَذَا القَوْل إِنَّمَا هُوَ قَول أَعدَاء الله الْيَهُود فهم شُيُوخ أربابه والقائلين بِهِ وَقد دلّ الْقُرْآن وَالسّنة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة الدّين على فَسَاده الرَّابِع قَول من يَقُول يخرجُون مِنْهَا وَتبقى نَارا بِحَالِهَا لَيْسَ فِيهَا

стр. 24

أحد يعذب ذكره شيخ الاسلام ابْن تيميه رَحمَه الله تَعَالَى عَن بعض أهل الْفرق قَالَ وَالْقُرْآن وَالسّنة يردان هَذَا القَوْل الْخَامِس قَول من يَقُول تفنى النَّار بِنَفسِهَا لِأَنَّهَا حَادِثَة كَانَت بعد أَن لم تكن وَمَا ثَبت حُدُوثه اسْتَحَالَ بَقَاؤُهُ وأبديته وَهَذَا قَول جهم بن صَفْوَان وشيعته وَلَا فرق عِنْده بَين الْجنَّة وَالنَّار السَّادِس قَول من يَقُول تفنى حياتهم وحركاتهم ويصيرون جمادا لَا يتحركون وَلَا يحسون بألم وَهَذَا قَول أَبى الْهُذيْل العلاف أحد أَئِمَّة الْمُعْتَزلَة طردا لِامْتِنَاع حوادث لَا نِهَايَة لَهَا وَالْجنَّة وَالنَّار عِنْده سَوَاء فى هَذَا الحكم السَّابِع قَول من يَقُول إِن الله تَعَالَى يفنيها لِأَنَّهُ رَبهَا وخالقها لِأَنَّهُ تَعَالَى على زعم أَرْبَاب هَذَا القَوْل جعل لَهَا أمدا تنتهى إِلَيْهِ ثمَّ تفنى وَيَزُول عَذَابهَا قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية وَقد نقل هَذَا عَن طَائِفَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ولشيخ الاسلام وتلميذه الإِمَام الْمُحَقق الْحَافِظ ابْن الْقيم رحمهمَا الله تَعَالَى ركون إِلَى هَذَا القَوْل وَذكر ابْن الْقيم على تأييده بضعا وَعشْرين وَجها ثمَّ قَالَ وَمَا ذَكرْنَاهُ فى هَذِه الْمَسْأَلَة من صَوَاب فَمن الله وَهُوَ المنان بِهِ وَمَا كَانَ من خطأ فمنى وَمن الشَّيْطَان وَالله وَرَسُوله بريئان مِنْهُ وَالله عِنْده لِسَان كل قَائِل وقصده وَالله أعلم انْتهى وَقد ألف الْعَلامَة الشَّيْخ مرعى الكرمى الحنبلى رِسَالَة سَمَّاهَا توفيق الْفَرِيقَيْنِ على خُلُود أهل الدَّاريْنِ وفى الْبَاب رِسَالَة للسَّيِّد الإِمَام مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْأَمِير ورسالة للقاضى الْعَلامَة الْمُجْتَهد مُحَمَّد بن على الشوكانى حاصلهما بَقَاء الْجنَّة وَالنَّار وخلود أهلهما فيهمَا وَهُوَ الْحق الذى دلّت عَلَيْهِ أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأَئِمَّة وَالْأمة وَالله اعْلَم

стр. 25

قَالَ القرطبى أجمع عُلَمَاء أهل السّنة على أَن أهل النَّار مخلدون فِيهَا غير خَارِجين مِنْهَا كإبليس وَفرْعَوْن وهامان وَقَارُون وكل من كفر وتكبر وطغى وتجبر فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى وَقد أعدهم الله عذَابا أَلِيمًا فَقَالَ كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب وَأجْمع أهل السّنة أَيْضا على أَنه لايبقى فِيهَا مُؤمن وَلَا يخلد فِيهَا إِلَّا كَافِر جَاحد فاعلمه وَقد زل هُنَا بعض من ينتمى إِلَى الْعلم وَالْعُلَمَاء فَقَالَ إِنَّه يخرج من النَّار كل كَافِر ومبطل وَشَيْطَان وجاحد وَيدخل الْجنَّة وَأَنه جَائِز فى الْعقل أَن تَنْقَطِع صفة الْغَضَب فيعكس عَلَيْهِ فَيُقَال وَكَذَلِكَ جَائِز فى الْعقل أَن تَنْقَطِع صفة الرَّحْمَة فَيلْزم عَلَيْهِ أَن تدخل الْأَنْبِيَاء والأولياء النَّار يُعَذبُونَ فِيهَا وَهَذَا فَاسد مَرْدُود بوعده الْحق وَقَوله الصدْق قَالَ تَعَالَى فى حق أهل الْجنان عَطاء غير مجذوذ أى غير مَقْطُوع وَقَالَ وَمَا هم مِنْهَا بمخرجين ﴿وَقَالَ﴾ لَهُم أجر غير ممنون ﴿وَقَالَ﴾ لَهُم فِيهَا نعيم مُقيم خَالِدين فِيهَا أبدا وَقَالَ فى حق الْكَافرين لَا يدْخلُونَ الْجنَّة حَتَّى يلج الْجمل فى سم الْخياط ﴿وَقَالَ﴾ فاليوم لَا يخرجُون مِنْهَا وَلَا هم يستعتبون وَهَذَا وَاضح وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا مدْخل للعقول فِيمَن اقتطع أَصله بالاجماع والنقول وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَاله من نور انْتهى وَلَعَلَّ القرطبى أَرَادَ بقوله زل هُنَا بعض الشَّيْخ مُحي الدّين بن عربى صَاحب الفتوحات فانه ذهب إِلَى ذَلِك وَتَبعهُ من تبعه من عُلَمَاء الشَّرِيعَة وَبِنَاء هَذَا القَوْل على أَنه ترجح فى أنظارهم سبق رَحْمَة الله على غَضَبه كَمَا ورد بذلك الحَدِيث الصَّحِيح فى البخارى وَغَيره وعَلى أَن الْخلف فى الْوَعيد جَائِز وفى الْوَعْد لَا يجوز وَلكُل وجهة هُوَ موليها وَلَكِن لَا ريب فى أَن ظَاهر النّظم القرآنى وواضح النَّص السنى خُلُود كل من أهل النَّار

стр. 26

وَالْجنَّة فى كل من الْجنَّة وَالنَّار وَهُوَ الْحق المطابق بالأدلة الشَّرْعِيَّة الْمجمع عَلَيْهَا المصار إِلَيْهَا وَالله أعلم وَعلمه أتم وَأحكم مسئلة سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن تَيْمِية ﵀ عَن حَدِيث روى عَن أنس بن مَالك عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ سَبْعَة لَا تَمُوت وَلَا تفنى وَلَا تذوق الفناء النَّار وسكانها وَالْجنَّة وسكانها واللوح والقلم والكرسى وَالْعرش فَهَل هَذَا الحَدِيث صَحِيح أم لَا فَأجَاب ﵀ هَذَا الحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ لَيْسَ من كَلَام النبى ﷺ وَإِنَّمَا هُوَ من كَلَام بعض الْعلمَاء وَقد اخْتلف سلف الْأمة وأئمتها وَسَائِر أهل السّنة وَالْجَمَاعَة على أَن من الْمَخْلُوقَات مَالا يعْدم وَلَا يفنى بِالْكُلِّيَّةِ كالجنة وَالنَّار وَالْعرش وَغير ذَلِك وَلم يقل بِفنَاء جَمِيع الْمَخْلُوقَات إِلَّا طَائِفَة من أهل الْكَلَام المبتدعة كالجهم بن صَفْوَان وَمن وَافقه من الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم وَهَذَا قَول بَاطِل مُخَالف لكتاب الله وَسنة رَسُوله وَإِجْمَاع سلف الْأمة وأئمتها وَقد دلّت الْأَدِلَّة على بَقَاء الْجنَّة وَالنَّار وأهلهما وَبَقَاء غير ذَلِك وَقد اسْتدلَّ طوائف من أهل الْكَلَام والمتفلسفة على امْتنَاع فنَاء جَمِيع الْمَخْلُوقَات بأدلة عقلية انْتهى وَلَا يَتَّسِع الْمقَام لذكرها هُنَا

стр. 27

بَاب فى ذكر مَكَان النَّار وَأَيْنَ هى على مُقْتَضى الْآثَار وَكَذَا مَكَان الْجنَّة فَاعْلَم أَن الْجنَّة فَوق السَّمَاء السَّابِعَة وسقفها عرش الرَّحْمَن كَمَا قَالَ تَعَالَى فى مُحكم الْقُرْآن وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى عِنْدهَا جنَّة المأوى وَقد ثَبت أَن سِدْرَة الْمُنْتَهى فَوق السَّمَاء السَّابِعَة وَقَالَ تَعَالَى وفى السَّمَاء رزقكم وَمَا توعدون قَالَ مُجَاهِد هُوَ الْجنَّة وتلقاه النَّاس عَنهُ رَوَاهُ ابْن أَبى نجيح وفى رِوَايَة عَنهُ هُوَ الْجنَّة وَالنَّار حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر فى تَفْسِيره وَعَن عبد الله ابْن سَلام قَالَ قَالَ أكْرم خَليفَة الله أَبُو الْقَاسِم ﷺ إِن الْجنَّة فى السَّمَاء أخرجه أَبُو نعيم وَعِنْده أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس أَن الْجنَّة فى السَّمَاء السَّابِعَة ويجعلها الله تَعَالَى حَيْثُ شَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وجهنم فى الأَرْض السَّابِعَة وَعَن ابْن مَسْعُود رضى الله عَنهُ الْجنَّة فى السَّمَاء السَّابِعَة فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جعلهَا الله حَيْثُ شَاءَ وَالنَّار فى الأَرْض السَّابِعَة فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جعلهَا الله حَيْثُ شَاءَ أخرجه ابْن مندة وَقَالَ مُجَاهِد قلت لِابْنِ عَبَّاس أَيْن الْجنَّة قَالَ فَوق سبع سموات قلت فَأَيْنَ النَّار قَالَ تَحت سَبْعَة أبحر مطبقة رَوَاهُ ابْن مَنْدَه قَالَ الشوكانى فى فتح الْقَدِير وَالْأولَى الْحمل على مَا هُوَ الْأَعَمّ من هَذِه الْأَقْوَال فان جَزَاء الْأَعْمَال مَكْتُوب فى السَّمَاء وَالْقدر وَالْقَضَاء ينزل مِنْهَا وَالْجنَّة وَالنَّار فِيهَا انْتهى وَعَن ابْن عمر رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن جَهَنَّم مُحِيطَة بالدنيا وَإِن الْجنَّة وَرَاءَهَا فَلذَلِك كَانَ الصِّرَاط على جَهَنَّم طَرِيقا إِلَى الْجنَّة أخرجه أبونعيم فى تَارِيخ أَصْبَهَان

стр. 28

وَعَن معَاذ بن جبل رضى الله عَنهُ سُئِلَ رَسُول الله ﷺ من أَيْن يجاء بجهنم يَوْم الْقِيَامَة قَالَ يجاء بهَا من الأَرْض السَّابِعَة لَهَا سَبْعُونَ ألف زِمَام يتَعَلَّق بِكُل زِمَام سَبْعُونَ ألف ملك تصيح إِلَى أهلى إِلَى أهلى فَإِذا كَانَت من الْعباد على مسير مائَة سنة زفرت زفرَة فَلَا يبْقى ملك مقرب وَلَا نبى مُرْسل إِلَّا جثى على رُكْبَتَيْهِ فَيَقُول رب نفسى نفسى وَأخرجه جُوَيْبِر فى تَفْسِيره وَعَن يعلى بن أُميَّة رضى الله عَنهُ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْبَحْر هُوَ جَهَنَّم أخرجه أَحْمد والبيهقى بِسَنَد رِجَاله ثِقَات وَعَن سعيد بن أَبى الْحُسَيْن قَالَ الْبَحْر طبق جَهَنَّم أخرجه أَحْمد فى الزّهْد وَعَن على بن أَبى طَالب رضى الله عَنهُ قَالَ مَا رَأَيْت يَهُودِيّا أصدق من فلَان زعم أَن نَار الله الْكُبْرَى هى الْبَحْر فاذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جمع الله فِيهِ الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم ثمَّ بعث عَلَيْهِ الدبور فسعرته أخرجه أَبُو الشَّيْخ فى العظمة والبيهقى من طَرِيق سعيد بن الْمسيب وَعَن كَعْب فى قَوْله تَعَالَى وَالْبَحْر الْمَسْجُور قَالَ الْبَحْر يسجر فَيصير جَهَنَّم أخرجه أَبُو الشَّيْخ وَعَن وهب بن مُنَبّه أَنه قَالَ إِذا قَامَت الْقِيَامَة أَمر بالفلق فَيكْشف عَن سقر وَهُوَ غطاؤها فَتخرج مِنْهُ نَار فاذا وصلت إِلَى الْبَحْر المطبق على شَفير جَهَنَّم وَهُوَ بَحر البحور نشفته أسْرع من طرف الْعين وَهُوَ حاجز بَين جَهَنَّم وَالْأَرضين السَّبع فاذا نشفت اشتعلت فى الْأَرْضين السَّبع فتدعها جَمْرَة وَاحِدَة أخرجه البيهقى فى شعب الْإِيمَان وَقيل إِن النَّار فى السَّمَاء كالجنة لما روى أَحْمد من حَدِيث حُذَيْفَة رضى الله عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ أتيت بِالْبُرَاقِ فَلم نزايل طرفَة عين أَنا وَجِبْرِيل حَتَّى أتيت بَيت الْمُقَدّس وَفتحت لنا أَبْوَاب السَّمَاء وَرَأَيْت الْجنَّة وَالنَّار وَأخرج أَيْضا عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ رَأَيْت لَيْلَة أسرى بى الْجنَّة وَالنَّار

стр. 29

فى السَّمَاء وَقَرَأَ هَذِه الْآيَة وفى السَّمَاء رزقكم وَمَا توعدون فكأنى لم أقرأها قَالَ السفارينى وَلَيْسَ فى هَذَا وَنَحْوه حجَّة على أَن النَّار فى السَّمَاء لجَوَاز أَن يَرَاهَا فى الأَرْض وَهُوَ فى السَّمَاء وَهَذَا الْمَيِّت يرى وَهُوَ فى قَبره الْجنَّة وَالنَّار وَلَيْسَت الْجنَّة فى الأَرْض وَثَبت أَنه ﷺ رآهما وَهُوَ فى صَلَاة الْكُسُوف وَهُوَ فى الأَرْض قَالَ الْحَافِظ ابْن رَجَب وَحَدِيث حُذَيْفَة إِن ثَبت فالسماء ظرف للرؤية لَا للمرئى وفى حَدِيث ضَعِيف جدا أَنه ﷺ رأى الْجنَّة وَالنَّار فَوق السَّمَوَات فَلَو صَحَّ على حمل مَا ذكرنَا وَالْحَاصِل أَن الْجنَّة فَوق السَّمَاء السَّابِعَة وسقفها الْعَرْش وَإِن النَّار فى الأَرْض السَّابِعَة على الصَّحِيح الْمُعْتَمد وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق انْتهى أَقُول قَالَ السيوطى فى اتمام الدِّرَايَة شرح النقاية ونعتقد أَن الْجنَّة فى السَّمَاء وَقيل فى الأَرْض وَقيل بِالْوَقْفِ حَيْثُ لَا يُعلمهُ إِلَّا الله والذى اخترته هُوَ الْمَفْهُوم من سِيَاق الْقُرْآن والْحَدِيث كَقَوْلِه تَعَالَى فى قصَّة آدم قُلْنَا اهبطوا مِنْهَا وفى الصَّحِيح سلوا الله الفردوس فَإِنَّهُ أَعلَى الْجنَّة وفوقه عرش الرَّحْمَن وَمِنْه تفجر أَنهَار الْجنَّة وفى صَحِيح مُسلم أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي حواصل طيور خضر تسرح من الْجنَّة حَيْثُ شَاءَت ثمَّ تأوى إِلَى قناديل معلقَة بالعرش وتقف عَن النَّار أَي تَقول فِيهَا بِالْوَقْفِ أى محلهَا حَيْثُ لَا يُعلمهُ إِلَّا الله فَلم يثبت عندى حَدِيث اعْتَمدهُ فى ذَلِك وَقيل تَحت الأَرْض لما روى ابْن عبد الْبر وَضَعفه من حَدِيث ابْن عمر مَرْفُوعا لَا يركب الْبَحْر إِلَّا غاز أَو حَاج أَو مُعْتَمر فان تَحت الْبَحْر ناراوروى عَنهُ أَيْضا مَوْقُوفا لَا يتَوَضَّأ بِمَاء الْبَحْر لِأَنَّهُ طبق جَهَنَّم وَضَعفه وَقيل هى على وَجه الأَرْض لما روى وهب أَيْضا

стр. 30

قَالَ أشرف ذُو القرنين على جبل قَاف فَرَأى تَحْتَهُ جبالا صغَارًا إِلَى أَن قَالَ يَا قَاف أخبرنى عَن عَظمَة الله فَقَالَ إِن شَأْن رَبنَا لعَظيم إِن ورائى أَرضًا مسيرَة خَمْسمِائَة عَام فى خَمْسمِائَة عَام من جبال ثلج يحطم بَعْضهَا بَعْضًا وَلَوْلَا هى لاحترقت من جَهَنَّم وروى الْحَارِث بن أُسَامَة فى مُسْنده عَن عبد الله بن سَلام قَالَ الْجنَّة فى السَّمَاء وَالنَّار فى الأَرْض وَقيل محلهَا فى السَّمَاء انْتهى كَلَام السيوطى وَمثله فى التَّذْكِرَة للقرطبى قَالَ فَهَذَا يدل على أَن جَهَنَّم على وَجه الأَرْض وَالله أعلم بموضعها وَأَيْنَ هى من الأَرْض انْتهى وَقَالَ قَالَ الشَّيْخ أَحْمد ولى الله الْمُحدث الدهلوى فى عقيدته وَلم يُصَرح نَص بتعين مكانهما بل حَيْثُ شَاءَ الله تَعَالَى إِذْ لَا إحاطة لنا بِخلق الله وعوالمه انْتهى أَقُول وَهَذَا القَوْل أرجح الْأَقْوَال وأحوطها إِن شَاءَ الله تَعَالَى

стр. 31

بَاب فى آيَات من الْكتاب الْعَزِيز وَردت فى جَهَنَّم قَالَ القرطبى فى التَّذْكِرَة ذكر الله تَعَالَى النَّار فى كِتَابه ووصفها وَأخْبر بهَا على لِسَان نبيه ﷺ ونعتها وأوعد بهَا الْكَافرين وَخَوف الطغاة والمتمردين والعصاة من الْمُوَحِّدين لينزجروا عَمَّا نَهَاهُم والآى فى هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة انْتهى وَهَذَا الْكثير أذكرهُ فى بَابَيْنِ فَهَذَا الْبَاب أوردت فِيهِ مَا ورد من ذكر النَّار فى الْكتاب ثمَّ أتبعه بِبَاب آخر أذكر فِيهِ مَا ورد فى صفة النَّار وَأَهْلهَا وَإِن كَانَ فى هَذَا الِاخْتِيَار وَالتَّرْتِيب بعض التكرير وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق قَالَ تَعَالَى فَاتَّقُوا النَّار الَّتِي وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة أعدت للْكَافِرِينَ الْوقُود بِالْفَتْح الْحَطب وبالضم التوقد وَفِيه دَلِيل على عظم تِلْكَ النَّار وقوتها وفى هَذَا من التهويل مَا لَا يقادر قدره من كَون هَذِه النَّار تتقد بِالنَّاسِ وَالْحِجَارَة فأوقدت بِنَفس مَا يُرَاد إحراقه بهَا وَمعنى أعدت جعلت عدَّة لعذابهم وهيئت كَذَلِك قَالَه ابْن عَبَّاس وَعَن أنس قَالَ تَلا رَسُول الله ﷺ هَذِه الْآيَة فَقَالَ أوقد عَلَيْهَا ألف عَام حَتَّى احْمَرَّتْ وَألف عَام حَتَّى ابْيَضَّتْ وَألف عَام حَتَّى اسودت فهى سَوْدَاء مظْلمَة لَا يطفأ لهيبها أخرجه ابْن مرْدَوَيْه والبيهقى فى شعب الْإِيمَان وَأخرج ابْن أَبى شيبَة والترمذى وَابْن مردوية والبيهقى عَن أَبى هُرَيْرَة مَرْفُوع مثله وَأخرج أَحْمد وَمَالك والبخارى وَمُسلم عَنهُ بِلَفْظ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ نَار بنى آدم الَّتِى يوقدون جُزْء من سبعين جُزْء من نَار جَهَنَّم قَالُوا يَا رَسُول الله إِن كَانَت لكَافِيَة قَالَ فانها قد فضلت عَلَيْهَا بِتِسْعَة وَسِتِّينَ جُزْء كُلهنَّ مثل حرهَا

стр. 32

وَعَن أَبى هُرَيْرَة قَالَ ترونها حَمْرَاء مثل نَاركُمْ هَذِه الَّتِى توقدون إِنَّهَا لأشد سوادا من القار قَالَ الشَّوْكَانِيّ فِي فتح الْقَدِير وَالْآيَة دلّت على أَنَّهَا مخلوقة إِذْ الْأَخْبَار عَن إعدادها بِلَفْظ الماضى دَلِيل على وجودهَا وَإِلَّا لزم الْكَذِب فى خبر الله تَعَالَى فَمَا زعمت الْمُعْتَزلَة من أَنَّهَا تخلق يَوْم الْجَزَاء مَرْدُود وتأويلهم بِأَنَّهُ يعبر عَن الْمُسْتَقْبل بالماضى لتحقيق الْوُقُوع وَمثله كثير فى الْقُرْآن مَدْفُوع بِأَنَّهُ خلاف الظَّاهِر وَلَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا بِقَرِينَة وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْمُتَقَدّمَة تَدْفَعهُ انْتهى وَقَالَ تَعَالَى وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ أى لَا يخرجُون مِنْهَا وَلَا يموتون فِيهَا والخلد وَالْخُلُود الْبَقَاء الدَّائِم الذى لَا يَنْقَطِع وَقد يسْتَعْمل مجَازًا فِيمَا يطول دَامَ أَو لم يدم وَالْمرَاد هُنَا الأول لما تشهد لَهُ الْآيَات وَالْأَحَادِيث وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو قيل لأهل النَّار إِنَّكُم مَاكِثُونَ فى النَّار عدد كل حَصَاة فى الدُّنْيَا لفرحوا وَلَو قيل لأهل الْجنَّة إِنَّكُم مَاكِثُونَ عدد كل حَصَاة لحزنوا وَلَكِن جعل لَهُم الْأَبَد أخرجه الطبرانى وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم وَقَالَ ابْن عَبَّاس يُخْبِرهُمْ أَن الثَّوَاب بِالْخَيرِ وَالشَّر مُقيم على أَهله أبدا لانْقِطَاع لَهُ وَقَالَ تَعَالَى وَقَالُوا لن تمسنا النَّار إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة أى قدرا مُقَدرا يحصرها الْعدَد ويلزمها فى الْعَادة الْقلَّة ثمَّ يرفع عَنَّا الْعَذَاب قَالَه الْيَهُود وفى سَبَب نُزُولهَا فى الحَدِيث قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذبْتُمْ بل أَنْتُم خَالدُونَ مخلدون فِيهَا قَالَ عِكْرِمَة وَهَذِه الْآيَة فى مَوَاضِع من الْقُرْآن وَقَالَ تَعَالَى وَلَا تسئل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم وهى النَّار الشَّدِيدَة التأجج وكل نَار بَعْضهَا فَوق نَار وَقَالَ أَبُو مَالك الْجَحِيم مَا عظم من النَّار وَقَالَ تَعَالَى وَمن كفر فأمتعه قَلِيلا ثمَّ اضطره إِلَى عَذَاب النَّار وَبئسَ الْمصير أى سأرزقه فى الدُّنْيَا مُدَّة حَيَاته ثمَّ ألزه لز الْمُضْطَر إِلَى عَذَابهَا

стр. 33

وَقَالَ تَعَالَى وَمَا هم بِخَارِجِينَ من النَّار فِيهِ دَلِيل على خُلُود الْكفَّار فى النَّار وَظَاهر هَذَا التَّرْكِيب يُفِيد الِاخْتِصَاص وَجعله الزمخشرى للتقوية لغَرَض لَهُ يرجع إِلَى المدهب والبحث فى هَذَا يطول وَعَن ثَابت بن معبد قَالَ مَا زَالَ أهل النَّار يأملون الْخُرُوج مِنْهَا حَتَّى نزلت هَذِه الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُون فى بطونهم إِلَّا النَّار ذكر الْبُطُون دلَالَة وتأكيدا على أَن هَذَا الْأكل حَقِيقَة وَقَالَ تَعَالَى فَمَا أصبرهم على النَّار مَعْنَاهُ التَّعَجُّب وَالْمرَاد تعجب الْخلق من حَال هَؤُلَاءِ الَّذين باشروا الْأَسْبَاب الْمُوجبَة لعذاب النَّار فكأنهم بِهَذِهِ الْمُبَاشرَة للأسباب صَبَرُوا على الْعقُوبَة فى نَار جَهَنَّم وَقَالَ تَعَالَى وقنا عَذَاب النَّار وَقَالَ تَعَالَى وَإِذا قيل لَهُ اتَّقِ الله أَخَذته الْعِزَّة بالإثم فحسبه جَهَنَّم ولبئس المهاد أَي كافيه معاقبة وَجَزَاء وَسميت مهادا لِأَنَّهَا مُسْتَقر الْكفَّار وَقيل أَنَّهَا بدل لَهُم من مهاد والمهاد الْفراش قَالَ مُجَاهِد بئْسَمَا مهدوا لأَنْفُسِهِمْ وَقَالَ ابْن عَبَّاس بئس الْمنزل وَهَذَا من بَاب التهكم والاستهزاء وَقَالَ تَعَالَى أُولَئِكَ يدعونَ إِلَى النَّار أى إِلَى الْأَعْمَال الْمُوجبَة للنار فَكَانَ فى مصاهرة الْمُشْركين ومعاشرتهم ومصاحبتهم من الْخطر الْعَظِيم مَالا يجوز للْمُؤْمِنين أَن يتَعَرَّضُوا لَهُ ويدخلوا فِيهِ وَقَالَ تَعَالَى أُولَئِكَ هم وقود النَّار أى حطب جَهَنَّم الذى تسعر بِهِ وَقَالَ تَعَالَى قل للَّذين كفرُوا ستغلبون وتحشرون إِلَى جَهَنَّم وَبئسَ المهاد الْجُمْلَة مستأنفة تهويلا وتفظيعا أى بئس مَا مهد لَهُم فِيهَا وَقَالَ تَعَالَى وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار فأنقذكم مِنْهَا وشفا كل شىء حرفه أَي كُنْتُم على طرفها من مَاتَ مِنْكُم وَقع فِي النَّار فَبعث الله مُحَمَّدًا ﷺ واستنقذكم بِهِ من تِلْكَ الحفرة

стр. 34

وَقَالَ تَعَالَى وَاتَّقوا النَّار الَّتِى أعدت للْكَافِرِينَ قَالَ بَعضهم إِن هَذِه الْآيَة أخوف آيَة فى الْقُرْآن حَيْثُ أوعد الله الْمُؤمنِينَ بالنَّار الْمعدة للْكَافِرِينَ إِن لم يتقوه ويجتنبوا مَحَارمه وَقَالَ تَعَالَى مأواهم النَّار وَبئسَ مثوى الظَّالِمين أى مسكنهم الَّذين يستقرون فِيهِ وَكلمَة ﴿بئس﴾ تسْتَعْمل فى جَمِيع المذام وفى جعلهَا مثواهم بعد جعلهَا مأواهم رمز إِلَى خلودهم فان المثوى مَكَان الْإِقَامَة المنبثة عَن الْمكْث والمأوى الْمَكَان الذى يأوى إِلَيْهِ الْإِنْسَان وَقدم المأوى على المثوى لِأَنَّهُ على التَّرْتِيب الوجودى يأوى ثمَّ يثوى وَقَالَ تَعَالَى ﴿ومأواه جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير﴾ أى الْمرجع يعْنى الغال والمتخلف عَن رَسُول الله ﷺ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ذوقوا عَذَاب الْحَرِيق﴾ والحريق اسْم للنار الملتهبة وَإِطْلَاق الذَّوْق على إحساس الْعَذَاب فِيهِ مُبَالغَة بليغة وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن زحزح عَن النَّار وَأدْخل الْجنَّة فقد فَازَ﴾ الزحزحة التنحية والابعاد وَقَالَ تَعَالَى ﴿سُبْحَانَكَ فقنا عَذَاب النَّار رَبنَا إِنَّك من تدخل النَّار فقد أخزيته وَمَا للظالمين من أنصار﴾ قَالَ الْمفضل أخزيته أهلكته وَقيل فضحته وأبعدته قَالَ سعيد بن الْمسيب هَذِه الْآيَة خَاصَّة بِمن لَا يخرج مِنْهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَارا﴾ المُرَاد بأكلها مَا يكون سَببا للنار تَعْبِير بالمسبب عَن السَّبَب قيل بطونهم أوعية النَّار وَهَذَا على الْحَقِيقَة كَمَا تقدم وَقيل بالمجاز وَالْأول أولى وَقَالَ تَعَالَى سيصلون سعيرا أى بأكلهم أَمْوَال الْيَتَامَى وَالصَّلَا هُوَ التسخن بِقرب النَّار أَو بمباشرتها والسعير الْجَمْر المشتعل وَقيل النَّار الموقدة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله ويتعد حُدُوده يدْخلهُ نَارا خَالِدا فِيهَا وَله عَذَاب مهين﴾ أى وَله بعد إِدْخَاله النَّار

стр. 35

عَذَاب ذُو إهانة لَا يعرف كنهه وَلَا دَلِيل فى الْآيَة للمعتزلة على أَن العصاة والفساق من أهل الْإِيمَان يخلدُونَ فى النَّار قَالَ تَعَالَى ﴿فَسَوف نصليه نَارا﴾ أى عَظِيمَة يَحْتَرِق فِيهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكفى بجهنم سعيرا﴾ أى نَارا مسعرة لمن لَا يُؤمن وَقَالَ تَعَالَى ﴿سَوف نصليهم نَارا كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب﴾ أى آتَيْنَاهُم مَكَان كل جلد محترق جلدا آخر غير محترق فان ذَلِك أبلغ فى الْعَذَاب للشَّخْص لِأَن إحساسه لعمل النَّار فى الْجلد الذى لم يَحْتَرِق أبلغ من إحساسه لعملها فى الْجلد المحترق قَالَ معَاذ تبدل فى سَاعَة مائَة مرّة وَعَن ابْن مَسْعُود أَن غليظ جلد الْكَافِر اثْنَان وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعا وَقَالَ الْحسن تأكلهم النَّار فى كل يَوْم سبعين ألف مرّة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا﴾ وَلَيْسَ وَرَاء هَذَا التَّشْدِيد تَشْدِيد وَلَا مثل هَذَا الْوَعيد وَعِيد وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ وَقد اسْتدلَّ جمَاعَة من أهل الْعلم بِهَذِهِ الْآيَة على حجية الاجماع وَلَا حجَّة فى ذَلِك كَمَا قَرَّرَهُ الشوكانى فى كتبه وقررته أَنا فى فتح الْبَيَان وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ مأواهم جَهَنَّم وَلَا يَجدونَ عَنْهَا محيصا﴾ أى معدلا وَقيل ملْجأ ومخلصا ومحيدا ومهربا والمحيص اسْم مَكَان وَقيل مصدر وَقَالَ تَعَالَى ﴿ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة فتهاجروا فِيهَا فَأُولَئِك مأواهم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ أى مَكَانا يصيرون إِلَيْهِ وَالْآيَة تدل على أَن من لم

стр. 36

يتَمَكَّن من إِقَامَة دينه فى بلد كَمَا يجب بِأَيّ سَبَب كَانَ وَعلم أَنه يتَمَكَّن من إِقَامَته فى غَيره حقت عَلَيْهِ الْهِجْرَة وفى الْبَاب أَحَادِيث ذَكرنَاهَا فى خَاتِمَة كتاب الْعبْرَة بِمَا جَاءَ فى الْغَزْو وَالشَّهَادَة وَالْهجْرَة فَرَاجعه وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله جَامع الْمُنَافِقين والكافرين فِي جَهَنَّم جَمِيعًا﴾ أى كَمَا اجْتَمعُوا فى الدُّنْيَا على الْكفْر والاستهزاء وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار وَلنْ تَجِد لَهُم نَصِيرًا﴾ أى فى الطَّبَق الذى فى قَعْر جَهَنَّم والدرك الطَّبَق وَالنَّار دركات سبع بَعْضهَا فَوق بعض وَسميت طبقاتها دركات لِأَنَّهَا متداركة متتابعة فالمنافق فى الدَّرك الْأَسْفَل مِنْهَا وهى الهاوية لغلظ كفره وَكَثْرَة غوائله وَأَعْلَى الدركات جَهَنَّم ثمَّ لظى ثمَّ الحطمة ثمَّ السعير ثمَّ سقر ثمَّ الْجَحِيم ثمَّ الهاوية وسيأتى تَفْصِيل لذَلِك وَقد يُسمى جَمِيعهَا باسم الطَّبَقَة الْعليا أعاذنا الله مِنْهَا وَقيل الدَّرك بَيت مقفل عَلَيْهِم تتوقد فِيهِ النَّار من فَوْقهم وَمن تَحْتهم وَإِنَّمَا كَانَ الْمُنَافِق أَشد عذَابا من الْكَافِر لِأَنَّهُ أَمن السَّيْف فى الدُّنْيَا فَاسْتحقَّ الدَّرك الْأَسْفَل فى الْآخِرَة تعديلا وَلِأَنَّهُ مثله فى الْكفْر وَضم إِلَى كفره الِاسْتِهْزَاء بِالْإِسْلَامِ وَأَهله قَالَ ابْن مَسْعُود الدَّرك الْأَسْفَل توابيت من حَدِيد مقفلة عَلَيْهِم وفى لفظ مُبْهمَة عَلَيْهِم أى مقلقة لَا يهتدى لمَكَان فتحهَا وَعَن أَبى هُرَيْرَة نَحوه وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا وظلموا لم يكن الله ليغفر لَهُم وَلَا ليهديهم طَرِيقا إِلَّا طَرِيق جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا أبدا﴾ وَالْمعْنَى يدخلهم جَهَنَّم لكَوْنهم اقترفوا مَا يُوجب لَهُم ذَلِك بِسوء اختيارهم وفرط شقائهم وجحدوا الْوَاضِح وعاندوا الْبَين

стр. 37

وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ أى ملابسوها وَالْجُمْلَة مستأنفة أَتَى بهَا اسمية دَالَّة على الثُّبُوت والاستقرار وَهَذِه الْآيَة نَص قَاطع فى أَن الخلود لَيْسَ إِلَّا للْكفَّار لِأَن المصاحبة تقتضى الْمُلَازمَة وَقَالَ تَعَالَى إِن اريد أَن تبوء بإثمى وإثمك فَتكون من أَصْحَاب النَّار وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمين أى من الملازمين لَهَا قَالَ تَعَالَى ﴿يُرِيدُونَ أَن يخرجُوا من النَّار وَمَا هم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُم عَذَاب مُقيم﴾ أى دَائِم ثَابت لَا يَزُول عَنْهُم وَلَا ينْتَقل أبدا وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيث تواترا لَا يخفى على من لَهُ أدنى إِلْمَام بِعلم الرِّوَايَة بِأَن عصاة الْمُوَحِّدين يخرجُون من النَّار فَمن أنكر هَذَا فَلَيْسَ بِأَهْل المناظرة لِأَنَّهُ أنكر مَا هُوَ من ضروريات الشَّرِيعَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّه من يُشْرك بِاللَّه فقد حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ومأواه النَّار﴾ أى مصيره إِلَيْهَا فى الْآخِرَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على النَّار﴾ أى حبسوا عَلَيْهَا وَقيل ادخلوها وَقيل بقربها معانين لَهَا وَالتَّقْدِير لرأيت منْظرًا هائلا وَحَالا فظيعا وأمرا عجيبا وَقَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين أبسلوا بِمَا كسبوا لَهُم شراب من حميم وَعَذَاب أَلِيم بِمَا كَانُوا يكفرون﴾ وَالْحَمِيم المَاء الْحَار الْبَالِغ نِهَايَة الْحَرَارَة وَمثل قَوْله تَعَالَى يصب من فَوق رُؤْسهمْ الْحَمِيم وَهُوَ هُنَا شراب يشربونه فَيقطع أمعاءهم وَقَالَ تَعَالَى ﴿لأملأن جَهَنَّم مِنْكُم أَجْمَعِينَ﴾ وفى هَذَا من التهديد مَالا يقادر قدره وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَهُم من جَهَنَّم مهاد وَمن فَوْقهم غواش﴾ جمع

стр. 38

غاشية أى نيران تحيط بهم من تَحْتهم وتغشاهم من فَوْقهم كالأغطية قَالَ ابْن عَبَّاس الغواش اللحف وَبِه قَالَ القرطبى وَالضَّحَّاك والسدى وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ أُولَئِكَ هم الغافلون﴾ أى جعلهم سُبْحَانَهُ للنار بعدله وبعمل أَهلهَا يعْملُونَ وَقد علم مَا هم عاملون قبل كَونهم كَمَا ثَبت فى الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة وَعَن ابْن عمر رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ان الله لما ذَرأ لِجَهَنَّم من ذَرأ كَانَ ولد الزِّنَا مِمَّن ذَرأ لِجَهَنَّم أخرجه ابْن جرير وَابْن أَبى حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن النجار وَعَن عَائِشَة قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله خلق للجنة أَهلا خلقهمْ لَهَا وهم فى أصلاب آبَائِهِم وَخلق للنار أَهلا خلقهمْ لَهَا وهم فى أصلاب آبَائِهِم أخرجه مُسلم وَقَالَ تَعَالَى إِن للْكَافِرِينَ عَذَاب النَّار إِشَارَة إِلَى الْعقَاب الآجل الذى أعده الله لَهُم فى الْآخِرَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين كفرُوا إِلَى جَهَنَّم يحشرون﴾ أى يساقون إِلَيْهَا لَا إِلَى غَيرهَا وَالْمرَاد المستمرون على الْكفْر وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَيَجْعَلهُ﴾ أى الْفَرِيق الْخَبيث فى جَهَنَّم ﴿أُولَئِكَ هم الخاسرون﴾ أى الكاملون فى الخسران وَقَالَ تَعَالَى ﴿ذوقوا عَذَاب الْحَرِيق﴾ أى المحرق والذوق قد يكون محسوسا وَقد يوضع مَوضِع الِابْتِلَاء والاختبار

стр. 39

وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ حبطت أَعْمَالهم وَفِي النَّار هم خَالدُونَ﴾ وفى هَذِه الْجُمْلَة الإسمية مَعَ تَقْدِيم الظّرْف الْمُتَعَلّق بالْخبر تَأْكِيد لمضمونها وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم هَذَا مَا كنزتم لأنفسكم فَذُوقُوا مَا كُنْتُم تكنزون﴾ والبشارة بِالْعَذَابِ من بَاب التهكم بهم وَأَن النَّار توقد على مَا ذكر من الْأَعْضَاء وهى ذَات حمى وحر شَدِيد وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن جَهَنَّم لمحيطة بالكافرين﴾ أى مُشْتَمِلَة عَلَيْهِم من جَمِيع الجوانب لَا يَجدونَ عَنْهَا مخلصا وَلَا يتمكنون من الْخُرُوج مِنْهَا بِحَال من الْأَحْوَال وَهَذَا وَعِيد لَهُم على مَا فعلوا وَقَالَ تَعَالَى ألم يعلم أَنه من يحادد الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا ذَلِك الخزي الْعَظِيم أى يخالفهما وأصل المحاددة وُقُوع هَذَا فى حد وَذَلِكَ فى حد وَقَالَ تَعَالَى ﴿وعد الله الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْكفَّار نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا هِيَ حسبهم ولعنهم الله وَلَهُم عَذَاب مُقيم﴾ أى نوع آخر من الْعَذَاب غير النَّار دَائِم لَا يَنْفَكّ عَنْهُم كالزمهرير وَالْمعْنَى يصلونها مقيمين فِيهَا مقدرين الخلود وَالنَّار كافيهم جَزَاء وعقابا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى زِيَادَة على عَذَابهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل نَار جَهَنَّم أَشد حرا لَو كَانُوا يفقهُونَ﴾ أى حرا كثيرا فى زمن كَبِير بل غير متناه أَبَد الآبدين ودهر الداهرين وَقَالَ تَعَالَى ومأواهم جَهَنَّم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ والمأوى كل مَكَان يأوى إِلَيْهِ لَيْلًا أَو نَهَارا وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَمَن أسس بُنْيَانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بُنْيَانه على شفا جرف هار فانهار بِهِ فِي نَار جَهَنَّم﴾ والشفا الشفير يُقَال اشفا على كَذَا إِذا دنا مِنْهُ وَقرب أَن يَقع فِيهِ والجرف مَا ينجرف بالسيول

стр. 40

وهى الجوانب الَّتِى تنحفر بِالْمَاءِ وَقيل الْمَكَان الذى أكل المَاء تَحْتَهُ فَهُوَ إِلَى السُّقُوط قريب وَقيل الْبِئْر الَّتِى لم تطو وَقيل هُوَ الهوة والاجتراف اقتلاع الشَّيْء من أَصله والهار السَّاقِط قَالَ ابْن عَبَّاس أى صيرهم نفاقهم إِلَى النَّار وَجَاء بالانهيار الذى هُوَ للجرف ترشيحا للمجاز فسبحان الله مَا أبلغ هَذَا الْكَلَام وَأقوى تراكيبه وأوقع مَعْنَاهُ وأفصح مبناه وَقَالَ تَعَالَى ﴿من بعد مَا تبين لَهُم أَنهم أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ فِيهِ النهى عَن الاسْتِغْفَار للْمُشْرِكين الَّذين هم أهل النَّار وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَهُم شراب من حميم وَعَذَاب أَلِيم﴾ وَهُوَ المَاء الْحَار الذى قد انْتهى حره وكل مسخن عِنْد الْعَرَب فَهُوَ حميم وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين لَيْسَ لَهُم فِي الْآخِرَة إِلَّا النَّار وحبط مَا صَنَعُوا فِيهَا وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ الْآيَة خَاصَّة بالكفار وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يكفر بِهِ﴾ أى بالنبى أَو الْقُرْآن ﴿من الْأَحْزَاب فَالنَّار موعده﴾ أى من أهل النَّار لَا محَالة وفى جعل النَّار موعدا اشعار بِأَن فِيهَا مَالا يُحِيط بِهِ الْوَصْف من أفانين الْعَذَاب عَن أَبى هُرَيْرَة رضى الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ والذى نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَا يسمع بى أحد من هَذِه الامة لَا يهودى وَلَا نصرانى وَمَات وَلم يُؤمن بالذى أرْسلت بِهِ إِلَّا كَانَ من أَصْحَاب النَّار أخرجه البغوى بِسَنَدِهِ قَالَ سعيد بن جُبَير مَا بلغنى حَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ على وَجهه إِلَّا وجدت مصداقه فى كتاب الله حَتَّى بلغنى هَذَا الحَدِيث فَقلت أَيْن هَذَا فى كتاب الله حَتَّى أتيت على هَذِه الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تركنوا إِلَى الَّذين ظلمُوا فتمسكم النَّار﴾ وَفِيه أَن الظلمَة أهل النَّار ومصاحبة النَّار توجب لَا محَالة مَسهَا وَهَذَا فِيمَن ركن إِلَى من ظلم فَكيف بالظالم نَفسه وَقَالَ تَعَالَى ﴿وتمت كلمة رَبك لأملأن جَهَنَّم من﴾
следующие страницы →