← Адаб

Адаб · id 6909

ديوان المعاني

أبو هلال العسكري

Полный текст (608 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على جلائل نعمه وفواضل آلائه وقسمه والرغبة إليه فيما يزلف لديه ويمهد المنزلة عنده ويوجب الحظوة قبله والصلاة على خير بريته محمد وعترته. قال الشيخ أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل رحمه الله تعالى: جمعت في هذا الكتاب أبلغ ما جاء في كل فن وأبدع ما روى في كل نوع من أعلام المعاني وأعيانها إلى عواديها وشذاذها، وتخيرت من ذلك ما كان جيد النظم محكم الرصف غير مهلهل رخو ولا متجعد فج، وهذا نوع من الكلام لا يزال الأديب يسأل عنه في المجالس الحافلة والمشاهد الجامعة إذا أريد الوقوف على مبلغ علمه ومقدار حفظه فإن سبق إليه في بالجواب جل قدره وفخم أمره، وإن نكص عن ميدانه وشال في ميزانه قلت الرغبة فيه وانصرفت القلوب عنه، وذلك مثل ما أخبرنا به أبو أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد رحمه الله تعالى قال: كان بعض من ينتحل الأدب يريد الدخول في جملة أبي الفضل محمد بن الحسن بن العميد لمنادمته، وشفع له في

стр. 2

ذلك جماعة من بطانته فأحضره يوما وفاوضه ليقف على مقداره في المعرفة فقال له فيما قال: ما أحسن ما قيل في صفة شعر؟ فبقي مليا يتفكر فقال أبو الفضل: فند عند خاطرك حداجة، ثم قال هات أيها الشيخ فقلت أحسن ما قاله قديم في ذلك قول الشاعر: (فإن أهلك فقد أبقيتُ بعدي ... قوافا تُعجبُ المتمثلينا) (لذيذات المقاطع محكمات ... لو أنَ الشعرَ يُلبَسُ لارتُدينا) وأحسن ما قاله محدث قول أبي تمام: (ووالله لا أنفك أهدى شواردا ... إليك يحملن الثناء المنخلا) (تخال به بردا عليك محبرا ... وتحسبها عقدا عليك مفصلا) (ألذ من السلوى وأطيب نفحة ... من المسك مفتوقا وأيسر محملا) (أخف على روح وأثقل قيمة ... وأقصر في سمع الجليس وأطولا) (وُيزهى به قوم ولم يمدحوا بها ... إذا مثل الراوي بها أو تمثلا)

стр. 3

وقوله: (إن القوافي والمساعى لم تزل ... مثل النظام إذا أصاب فريدا) (هي جوهرٌ نثرٌ فإن ألفته ... بالشعر صار قلائدا وعقودا) (في كل معترك وكل مقامة ... يأخذنَ منها ذمةً وعهودا) (فإذا القصائد لم تكن خفراءها ... لم ترضَ منها مَشهدا مشهودا) (من أجل ذلك كانت العربُ الألى ... يدعون ذلك سؤددا محدودا) (ونند عندهم العلا الأعلى التي ... جعلت لها مُرَرُ القريض قيودا) قال وبقى الرجل لا يفيض بكلمة ثم خرج ولم يعد. قوله فند يعني أن خاطره بطئ. وفند هذا مخنث كان بالمدينة مولى لعائشة بنت أبي وقاص، وكانت بعثته ليقتبس نارا فأتى مصر وأقام بها سنة ثم جاء بنار وهو يعدو فعثر فتبدد الجمر فقال تعست العجلة فقالت فيه: (بعثتك قابساً فلبثتَ حولا ... متى يأتي غياثُك من تغيث) وقال الشاعر: (مارأينا لغراب مَثَلا ... إذ بعثناه لحمل المشمله) (غير فند أرسلوه قابساً ... فثوى حولاً وسب العجله) فتمثلت العرب به فقالت أبطأ من فند. وحداجة رجل يضرب به المثل في السرعة فقيل أسرع من حُداجة. وممن سبق إلى الجواب عن هذا النوع فحظي النضر بن شميل أخبرنا أبو

стр. 4

أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد قال حدثنى أبى قال حدثنا إبراهيم بن حامد قال حدثنا أبو بشر محمد بن ناصح الاصبهاني عن النضر بن شميل المازني قال: كنت أدخل على المأمون في سمره فدخلت عليه ذات ليلة وعلي قميص مرقوع فقال يا نضر ما هذا القشف فقلت يا أمير المؤمنين أنا شيخ ضعيف وحر مر وشديد فأتبرد بهذه الخلقان، قال لا ولكنك قشف فأجرينا الحديث إلى أن أخذ المأمون فى ذكر النساء فقال: حدثنا هشيم عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال قال رسول الله (إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز) فقلت صدق يا أمير المؤمنين هشيم حدثنا عوف بن أبي جميلة عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله قال (إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز) قال وكان متكئاً فاستوى جالسا فقال يا نضر كيف قلت سداد قلت يا أمير المؤمنين السداد ههنا لحن قال ويحك أتلحنني قلت إنما لحن هشيم وكان لحانه فتبع أمير المؤمنين لفظه، قال فما الفرق بينهما قلت السداد القصد في الدين والسبيل، والسداد البلغة وكل ما سددت به شيئا فهو سداد، قال وتعرف العرب هذا؟ قلت نعم العرجى يقول: (أضاعوني وأى فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر) قال قبح الله من لا أدب له، ثم أطرق مليا ثم قال: أنشدني أخلب بيت قالته العرب قلت حمزة بن بيض يقول في الحكم بن مروان:

стр. 5

(تقول لي والعُيونُ هاجعةٌ ... اقم علينا يوماٌ فلم اقم) (أى الوجوه انتجعت قلت لها ... وأى وجه إلا الى الحكَم) (متى يقل صاحبا سرادقه ... هذا ابن بيض بالباب يبتسم) (قد كنت أسلمتُ فيك مقتبلا ... فهات أدخل أو قى سلمى) فقال أحسن ما شاء، أنشدني أنصف بيت قالته العرب قلت أبو عروه المدني حيث يقول: (إني وان كان ابن عمي واغرا ... لمزاحم من خلفه وورائه) (وممده تصرى وإن كان امرأ ... متزحزحا في أرضه وسمائه) (وأكون والى سره فأصونه ... حتى يحين علي وقتُ أدائه) (واذا الحوادثُ أجحفت بسوامه ... قرنتُ صحيحتنا الى جربائه) (واذا دعا باسمى لنركب مركبا ... صعباً قعدتُ له على سيسائه) (وإذا رأيت له رداءً ناضراً ... لم يلفنى متمنياً لردائه) فقال أحسن ما شاء، أنشدني أقنع بيت للعرب قلت الراعي حيث يقول: (اطلب ما يطلبُ الكريمُ من الرزق ... لنفسى فاجملُ الطلبا) (واحلبُ الثرة الصفي ولا ... أجهد أخلاف غيرها حلبا) (إني رأيتُ الفتى الكريمَ إذا ... رغبته في صنيعة رغبا) (والنذلٌ لا يطلبٌ العَلاءَ ولا ... يٌ عطيك شيئاً إلا إذا رهبا) (مثلُ الحمار الموقع السوء لا ... يحسن شيئاً إلا إذا ضربا) (ولم أجد غرة الخلائق الا ... الدين لما اعتبرتُ والحَسَبا)

стр. 6

(قد يُرزَقٌ الخافق وما ... شدَّ لعيس رَحلاً ولا قتبا) (ويحرم الرزق ذو المطية والرحل ... ومن لا يزالُ مغتربا) فقال أحسن ما شاء، ما مالك يا نضر؟ فقلت أريض لي بمرو أتصابها وأتمززها قال ألا نفيدك مع ذلك مالا؟ قلت إني الى ذلك محتاج قال فأخذ القرطاس وكتب ولا أدري ما كتب، قال كيف تقول من التراب اذا أمرت أن تترب؟ قلت أتربه، قال فهو ماذا؟ قلت مترب، قال فمن الطين؟ قلت وطنه، قال فهو ماذا؟ قلت مطين، قال هذه أحسن من الأولى ثم قال يا غلام أتربه وطنه، ثم صلى بنا العشاء ثم قال لخادمه تبلغ معه إلى الفضل بن سهل. فأتيته فلما قرأ الكتاب قال يا نضر إن أمير المؤمنين أمر لك بخمسين ألف درهم فما كان السبب فأخبرته ولم أكذبه فقال لحنت أمير المؤمنين فقلت كلا إنما لحن هشيم وكان لحانة فتبع أمير المؤمنين لفظه وقد تتبع الفقهاء، فأمر لى الفضل بثلاثين ألفاَ فأخذت ثمانين ألفا بحرف استفاده منى. وأخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا الصولي قال أخبرنا أحمد بن يحيى المهلبي قال حدثني أبي قال جرى في مجلس الواثق بالله تعالى ذكر ما قيل في أصحاب النبيذ فأمرت أن يسأل أبا محلم عن أحسن ما قيل في ذلك فسئل بعد أن أحضر فقال أحسنه قول حكيم وهو شاعر عصره النمر بن تولب العكلي: (وفتية كالسيوف أوجههم ... لا حصر فيهم ولا بخل) (بيض مساميح في الشتاء وإن ... أخلف نجم عن وبله وبلوا) (لا يتأرون في المضيق وان ... نادى مناد أن انزلوا نزلوا) (لا يعترى شربنا اللحاء وقد ... توهب فينا القيان والحلل) فاستحسن الواثق الأبيات ووهب أبا محلم.

стр. 7

فحاجة الأديب إلى هذا الفن شديدة وفاقته إليه عتيدة، وأولى ما يصنف ويؤلف ويقرب مأخذه ويسهل ما كانت الحاجة إليه هذه الحاجة فوقعت العناية عليه وانصرفت بالاهتمام إليه حتى تهذب وتثقف وتشذب وتدانت شعبه وتقاربت سبله ولم أبال ما ألفى فيه من زيادة تعب وفضل كد ونصب إذ لم يكن الإنسان يبلغ ما يريد وينال ما يريغ إلا بتكلفة لغوب ومواصلة دؤوب لا يسما إذا كان الغرض الذي ينزع إليه جسيما يكسبه حسن الذكر ويمنحه طيب النشر من علم يتقنه أو يصنفه ويدونه أو رياسة أرادها فارتادها وسيادة طلب أقتيادها وليس ذلك للمتوانى المتهاون ولا المتواكل المتواهن، وقد قيل: (سهرت عيونهم وأنت ... عن الذي قاسوه حالم) وقيل: (وإن سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلعها طويل) وقيل: (إن السيادة والرياسة والعلى ... أعباؤهن كما علمت ثقال) وقيل: (وإن جسيمات الأمور منوطة ... بمستودعات في بطون الأساود) وقلت: (إن الأمور مريحها في المتعب) وفي المثل (عند الصباح يحمد القوم السرى ... ) وقيل: ما لمن لم يركب الأهوال حظ وقلت: (ولم يتسهل للفتى درك العلا ... إذا هو لم يصبر على المتصعب) ومن كانت له حاجه في الشئ اشتغل به وفرغ له واستندب التعب فيه حتى بلغ مراده منه وقيل: (طوامِس لي من دُونِهنَّ عدَاوَةٌ ... ولي من وراء الطامسات حبيب) (بعيد على من ليس يطلب حاجة ... وأما على ذى حاجة فقريب) والذى حدانى على جمع هذا النوع ايضا أني لم أجد فيه كتابا مؤلفا ولا كلاما مصنفا يجمع فنونه ويحوى ضروبه، ورأيت ما تفرق منه في اثناء الكتب وتضاعيف الصحف غير مقنع يشفى الراغب ويكفي الطالب فجمعته ههنا واضفت إلي كل نوع منه

стр. 8

ما يقاربه من امثاله وما يجرى معه من اشكاله ليكون مادة للمناقضة وقوة للمفاوضة، وجعلته نظما ونثرا وخبرا وشعرا لأ بعث به نشاط الناظر واجلى به صداء الخاطر لأن الخروج من ضرب الى ضرب أنفى للملال وأعدى على الكلالا من لزوم نهج لا يتعداه والاقتصار على امر لا يتوخى سواه. وجعلته اثنى عشر بابا: الباب الأول: في التهاني والمديح والافتخار. الباب الثاني: في الخصال. الباب الثالث: في المعاتبات والهجاء والاعتذار. الباب الرابع: في الغزل واوصاف الحسان. الباب الخامس: في ذكر النار والطبخ وانواع الطعام وصفات الشراب وما يجرى مع ذلك. الباب السادس: في ذكر السماء والنجوم والشمس والقمر وما يجرى مع ذلك. الباب السابع: في ذكر السحاب والمطر والثلوج والمياه وصفات البساتين والرياض والاشجار والثمار والرياضين والنسيم وما يجري مع ذلك. الباب الثامن: في ذكر السلاح والحرب وما يشبه ذلك. الباب التاسع: في ذكر القلم والخط والكتاب وصفة البلاغة وما يجرى مع ذلك. الباب العاشر: في ذكر الخيل والابل والسير والفلوات والسراب وصفة سائر الحيوانات. الباب الحادي عشر: في ذكر الشباب والمشيب والعلل والموت والمراثي والتعازي والزهد. الباب الثاني عشر: في صفات اشياء مختلفة. ثم رأيت اصحابنا يشكون طوله وكبر حجمه وبعد غايته فجعلت كل باب منه ينفرد بنفسه ويتميز من جنسه ليخف محمله ويقرب مأخذه، على ان فوائد الكتاب على قدره في صغره وكبره ولكن ينبغى أن يحمل على كل بقدر طاقته ويكلف

стр. 9

على حسب مقدرته ويحدث بما ينشط لاستماعه ويتسع لوعيه، وتقريب الحكمة حكمة ثانية ويكسوها المحبة ويوجد اليها الرغبة، وأرجو أن أوافق الصواب في جميع ما ضمنت هذه الأبواب. وأن وجد في فصوله خطل أو تعرض فيه زلل أو تخلله خلل فغير بديع ولا قبيح شنيع لأن النقصان منوط بالانسان لايسلم منه خلقه وخلقه وقوله وفعله وقد شمل العيب كل شئ حتى صارت في وجنة القمر سفعة، وقد قلت: (وفي كل شئ حين تخبر أمره ... معايب حتى البدر اكلف اسفع) والشئ إذا سلم جله فقد حسن كله وبالله التوفيق: (كتاب المبالغة) في المديح والتهاني والافتخار وهو الباب الأول من كتاب ديوان المعاني وهو ثلاثة فصول (الفصل الأول في المديح) سمعت أبا أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد رحمه الله تعالى يقول أمدح بيت قالته العرب قول النابغة الذبياني. (ألم تَرَ أنّ اللَّهَ أعطاكَ سُورة ... تَرى كلَّ مَلْك دُونها يَتَذَبْذَب)

стр. 10

(بانك شمس والملوك الكواكب ... إذا طلعت لم يبْدُ منهنّ كوكبُ) ثم قال اخبرنا أبو بكر محمد بن يحي بن العباس قال حدثني أبو ذكوان قال: أدخلت إلى إبراهيم بن العباس وهو بألاهواز لخدمته فقال ما تقول في شعر النابغة ألم تر أن الله أعطاك سورة البيتين فقلت ما عندي فيه إلا الظاهر المشهور يقول فضلك على الملوك كفضل الشمس على الكواكب فقال نفهم معناه قبل هذا إنما يعتذر إلى النعمان من مدحه آل جفنه الغسانيين وتركه له ويريد أن له في مدحه لهم عذراً ألا ترى إلى قوله: (ولكنني كنت امرأ لى جانب ... وأقرب من الأرض فيه مسترادٌ ومَذْهَبُ) (مُلُوك وإخوان إذا ما أتيتهم ... أحكم فى اموالهم واقرب) (كحكمك في قوم أراك اصطفيتهم ... فلم تَرَهم في شُكر ذلك أذنبوا) يقول لا تلمني على شكري وقد أحسنوا إلي إذ لجأت إليهم وإن كانوا أعداءك كما أحسنت إلى قوم فشكروك عند أعدائك فقد أحسنوا ولم يذنبوا، ثم قال اعمل على أني أذنبت فمن أين تجد من لا يذنب فقال: (ولستُ بمُسْتَبقٍ أخاً لا تلمُّهُ ... على شَعَثٍ أى الرجال المهذب) (فأن أك مظلوما فبعد ظلمته ... وإن يك ذا عتبي فمثلك يُعتبُ) يقول مثلك يعفو ويحسن وإن كان عاتباً فى كرمك ما يفعل ذلك ولك العتبي والرجوع إلى ما يجب، ثم فضله عليهم فقال: (ألم تَرَ أنّ اللَّهَ أعطاكَ سُورة ... تَرى كلَّ مَلْك دُونها يَتَذَبْذَب) (بأنك شمسٌ والملوك كواكبٌ ... إذا طلعت لم يبْدُ منهنّ كوكبُ) يقول ما صلحت لي أنت فإني لا أريد غيرك من الملوك كما أن من طلعت عليه

стр. 11

الشمس لم يحتج إلى النجوم. قال أبو ذكوان وما رأيت أعلم بالشعر منه ثم قال لوأراد كاتب بليغ أن ينثر من هذه المعاني ما نظمه النابغة ما جاء به في أضعاف كلامه، وكان يفضل هذا الشعر هذا الشعر يفضل على جميع أشعار الناس. وقد سبق بعض شعراء كندة النابغة إلى هذا المعنى فقال يمدح عمرو بن هند: (تكادُ تَمِيدُ الأرضُ بالناس إن رأوا ... لِعَمْرو بن هِندٍ غضبَةٌ وهو عاتب) (هوالشمس وافت يوم سعد فأفضلت ... على كل ضوءٍ والملوك كواكب) وقالت صفية الباهلية: (أخبني على مالكٍ ريبُ الزمان ولا ... يُبقي الزمانُ على شئ ولا يَذَرُ) (كنا كأنجُمِ ليلٍ بيننا قمر ... يجلوا الدُّجَى فهوَى من بيننا القمر) ومن ههنا أخذ أبو تمام: (كأن بني نبهانَ يومَ وفاته ... نجومُ سماء خَرّ من بينها البدرُ) وقال نصيب في معنى النابغة: (هو البدر والناس الكواكب حَوْلَهُ ... وهل يشبه البدرَ المضئَ الكواكبُ) ومثل قول النابغة (احكم في أموالهم وأقرب) قول الأشجع: (لاتعذلوني في مديحي معشرًا ... خَطَبوا المديح إليَّ بالأموالِ) (يتزحزحُونَ إذا رأوني مُقْبلا ... عن كل مُتَّكإ من الإجلال) وسمعت أبا أحمد يقول: أبرع بيت قيل في المديح قول النابغة: (فإنكَ كالليل الذي هو مُدْركي ... وإن خِلْتُ أن المنتأى عنك واسعٌ) ثم قال أخبرني محمد بن يحي قال أخبرنا عون بن محمد الكندي أخبرنا قعنب بن محرز قال سمعت الأصمعي قال سمعت أبا عمرو يقول كان زهير يمدح السوقة ولو ضرب أسفل قدميه مائة على أن يقول مثل قول النابغة (فإنك كالليل الذي هو مدركي)

стр. 12

ما قاله فما لا يقول مثله زهير كان غيره أبعد منه. أخبرنا أبو أحمد أخبرنا أبو بكر بن دريد عن السكن بن سعيد عن محمد بن عباد قال سمعت أبا عبد الله نفطويه يذكر عن الفراء قال قال الكسائي حضرت مجلساً للخليل بن أحمد وقد جمع بينه وبين يونس بن حبيب عند العباس بن محمد في مفاتقه اللغات ومجاريها ونوادر الإعراب ومذاهب العرب ومجازها وأخبارها فكان الخليل كالسابق قرن به ذو الزوائد الحطم في حلبة المضمار إلى أن تذاكروا الأشعار والشعراء فأكثر يونس من ذكر زهير وتقديمه وذكر الخليل النابغة وقدمه وعظم أمره فقال العباس للخليل بم تذكر النابغة قال كان النابغة أعذب على أفواه الملوك وأبسط قوافي شعر كأن الشعر ثمرات تدانين من خلده فهو يجتنيهن اختياراً، له سهولة السبك وبراعة اللسان ونقاية الفطن لا يتوعر عليه الكلام لعذوبة مخرجه وسهولة مطلبه. أخبرنا شيخ لباهلة يكنى أبا جحار أن النابغة وفد على النعمان معتذراً من تلك البلاغات ومعه اعتذاره الذي يقول فيه: (فإنك كالليل الذي هو مدركي) فقال النعمان أقبل منك عذرك وأصفح لقدرك عنك ثم أمر فخلع عليه خلع الرضا وكن حبرات خضرا مطرفة بالدر في قضب الذهب وانصرف إلى منزله. قال الباهلي وإن النابغة جاء يوماً مستأذناً معتذراً فقال له الحاجب الملك على شرابه قال فهو وقت الملق والشعر تقبله الأفئدة عند السكر فإن يبلج لي فلق المجد عن غرر مواهبه فأنت قسيم ما أفدت. فقال الحاجب والله ما تفي عنايتي بك بدوت شكرك لي فكيف أرغب فيما تصف ودون ما ترغب رهبة التعدي فهل من سبب يمكن الاستئذان. فقال النابغة فعلت ما يجب عليك في الأدب وقضاؤها معقود

стр. 13

بشكرك فمن عنده؟ قال خالد بن جعفر الكلابي فقال أين أنت عنه بما أقول لك قال قل قال تقول له خالياً إن زياداً يقول إن قدرك فوق الغمام ووفاءك وفاء الكرام وقال الفراء تقول له خالياً إن زياداً يقول إن من قدرك نيل الدرك بك وزكاة الجاه رفد المستعين، وناحيتي من الشكر ما علمت وحاجتي ملاطة الأسباب حتى يحرك ذكراً يمكن بمثله الاستئذان وقال الفراء يجري ذكراً فلما صار خالد إلى بعض ما يبعث موارد الشراب نهض فاعترضه الحاجب فقال ليهنك أبا البسام حادث النعم قال خالد هنأك عيشك كل ما نحن فيه تجديد للتفضيل وإتمام للشرف وكل ذلك ببقاء الملك وحسن مواده فما ذاك فأخبره بما قال النابغة فقال آذنه بالطاعة وانتظار المراجعة وكان خالد رفيقاً يتأنى الأمور والأسباب لطفاً وحسن بصيرة في الارتياد فدخل متبسماً وهو يقول: (ألا لمثلكَ أو مَن أنتَ سابقهُ ... سبقَ الجواد إذا استولىَ على الامَد) ثم قال واللات والعزى لكأني أنظر إلى أملاك ذي رعين وذى فايش وقد مدت لهم قصبات المجد إلى معالي الأحساب ومناكب الأنساب في حلية أنت أبيت اللعن غرتها فجئت سابقاً متمهلاً وجاؤا لم يتم لهم سعي، وجاء زياد فقال النعمان والله لأنت في وصفك أبلغ احسانا من إحسان النابغة فينافي نظم قوافيه، فقال خالد أيها الملك واللات ما أبلغ فيك حسناً إلا غمره قدرك استحقاقاً للشرف الباهر ولو كان النابغة حاضراً لقال وقلنا، فقال النعمان النابغة يا غلام فخرج الحاجب فقال النابغة ما وراءك قال رفع الحجاب وأذن في السيادة والافضال فدخل فانتصب بين يدي النعمان وحياه بتحية ثم الملك ثم قال أيفاخرك أبيت اللعن ابن جفنة وأنت سائس العرب وغرة الحسب واللات لأمسك أبهى من يومه ولقذالك.

стр. 14

أحسن من وجهه وليسارك أسمح من يمينه ولعبدك أكثر من قومه ولنفسك أكبر من جده وليومك أشرف من دهره ولوعدك أنجز من رفده ولهزلك أصوب من جده ولفترك أبسط من شبره ولأمك خير من أبيه، ثم أنشأ: (أخلاقُ مَجدك جَلَّتْ مالها حصر ... في البأس والجودِ بَينَ البدْوِ والحضَرِ) (مُتَوَّجٌ بالمعالي فوقَ مَفْرَقِهِ ... وفي الوغى ضَيغمٌ في صُورَة القَمر) قال فتهلل وجه النعمان بالسرور وأمر فحشى فمه دراً، وقال لمثل هذا ترتاح القلوب وبمثله تمدح الملوك، ثم قال الخليل أفيحسن زهير أن يقول مثل هذا؟ فقال يونس للعباس إني لأعجب مما حدث عن قصة النابغة وشعره قوله: (وفي الوغى ضغيم في صورة القمر ... ) أجود شئ قيل في الحسن مع الشجاعة من شعر المتقدمين ومن شعر المحدثين قول أبي العتاهية يمدح الرشيد وولده: (بَنُو المصطفى هارون حول سريره ... فخير قيامٍ حَوله وقُعُود) (يُقلب ألحاظَ المهَابة بَينهم ... عُيونُ ظِباء في قلوب أسُود) وأخذه مسلم بن الوليد فقال (كأن في سرجه بدراً وضرغاما ... ) وقلت: (فتى على نفسه من نفسه رَصدٌ ... يصّده ان نطق الشين والذاما) (مازال يَغنَم مالاً ثم يغرمُه ... مازال للمال غَنّاما وغَراما) (أغر أروع يحكي الغيثَ مكْرمُه ... والنجمَ مَنزلة والطودَ أحلاما) (تجله حين يبدو أن تقول له ... كأن في سَرجه بدراً وضِرغاما) وقد تداول الناس معنى قوله (فأنك كالليل الذي هو مدركي ... )

стр. 15

فقال الفرزدق: (ولو حملتني الريحُ ثم طلبتني ... لكنت كحى أدركته مغادره) وهو دون قول النابغة لأن الليل أعم من الريح والريح أيضاً أيضاً يمتنع منه بأشياء، والليل لا يمتنع منه بشئ. وأخذ الأخطل قول الفرزدق فقال: (فأنتَ كالدهر مبثوثا حبائله ... والدهرُ لا ملجأ منه ولا هَرَب) (ولو ملكتُ عنانَ الريح أصرفُه ... في كل ناحية ما فاتكَ الطلبُ) وأخذ مسلم البيت الأول من الأخطل فقال: (وإنّ أميرَ المؤمنينَ وفعلَه ... لكالدهر لاعار بما فَعل الدهرُ) وهو أيضاً مأخوذ من قول النابغة، وأخذه أبو تمام فقال: (خشَعوا لصولتك التي هي عندهم ... كالموتِ يأتي ليس فيه عار) (فالقول همسٌ والنَداء إشارةٌ ... خَوفَ انتقامِك والحديثُ سرارُ) وأخذه علي بن جبلة فقال: (وما لامرئ حاولته منك مهرَبٌ ... ولو رَفَعته في السماء المطالعُ) (يلي هارب لا يهتدي لمكانه ... ظلامٌ ولا ضَوْء من الصبحِ لامِعُ) وقال البحتري:

стр. 16

(ولو أنهم ركُبوا الكواكبَ لم يَكُن ... لِمُجِدِّهِمْ من خَوف بأسكَ مهرَب) وقلت في قريب منه: (ويدنو له المطلوبُ حتى كأنما ... يواكب ضوء الصبح في كل مطلَبِ) وقالوا أمدح بيت قالته العرب قول أبي الطمحان: (أضاءَتْ لهم أحسابُهم وَوجُوهُهم ... دُجَى الليل حتى نظمَ الجزعَ ثاقبة) (نجومُ سماء كلما انقضَّ كوكبٌ ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه) (وما زال منهم حيث كان مسودٌ ... تسيرُ المنايا حيثُ سارتْ كتائبه) ومثله قول الحطيئة: (نمشي على قول أحسابٍ أضأت لنا ... كما أضاءت نجوم الليل للساري) ومثله قول الآخر: (وجُوهٌ لَوَ أنّ المُدْلجين اعْتشوا بها ... صد عن الدُّجَى حتى يُرى الليلُ ينجلي) وقال بعض الأعراب في رجل: ما دفعته في سواد إلا محاه ولا قابلت به ملماً إلا كفاه. ومثل قوله صد عن الدجى قول بعض المحدثين: (ومِصباحُنا قَمرٌ زَاهِرٌ ... كقوسِ لُجَينٍ يَشقُّ الدُّجَى) وقلت: (وانْشقَّ ثوبُ الظَلامِ عن قمر ... يَضْحكُ في أوجه الدُّجُناتِ)

стр. 17

(كأنما النجم حين قابله ... قبيعة في نصاب مرآة) وقلت: (بليل كما ترفو الغزالةُ أسودٍ ... على أنه مِنْ نُورِ وَجْهكَ أبيضُ) (كواكبه زهر وصُفْر كأنها ... قبائع منها مُذَهبٌ ومُفَضضُ) وقلت: (وذي غنجٍ يأوي إلى فرعه الدُّجى ... ولكنها عن وَجْههِ تتفرج) (ففيه ظَلامٌ بالصباح مُقنعٌ ... وفيه ظَلامٌ بالصباحِ مُتوَّجُ) وقول أبي الطمحان مولى ابن أبي السمط: (فتى لا يُبالي المدْلجونَ بنوره ... إلى بابه ألَّا تضئ الكواكبُ) (له حاجبٌ عن كل أمر يَشينهُ ... وليس له عن طالبِ العُرفِ حاجب) وقول الآخر: (من البيض الوُجوه بني سنانٍ ... لَو أنكَ تستضئ بهم أضاؤا) وقول الآخر: (غلامٌ رماه الله بالحسن يافعا ... له سيماء لا تشقُّ على البصرِ) (كأن الثريا عُلقت في جبينه ... وفي أنفه الشعرى وفي وجهه القمر) (ولما رأى المجد استعيرت ثيابه ... تردَّى بثوب واسع الذَّيل واتزر) (إذا قيلت العوْراءُ غض كأنه ... ذليلٌ بلا ذُّلٍّ ولو شاء لانتصر) وقول الآخر: (اخترْ فِناءَ بني عَمْرو فإنهمُ ... أولُو فضولٍ وأقدار وأخطارِ) (إن يُسألوا الخير يُعطَوهُ وإن جهدوا ... فالجهد يخرج منهم طيبَ أخبار) (وإن تودَّدتهم لانوا وإن شتموا ... كَشَفْتَ أذمارَ سرٍّ غير أسرار) (هْينون ليْنون أيسارٌ ذوو يُسرِ ... أربابُ مَكرُمة أبناء إيسارِ) (من تلقَ منهم تقلْ لاقيتُ سيدَهم ... مثلَ النجوم التي يُهدَى بها الساري)

стр. 18

وهذا عندي أمدح شئ قيل في وصف جماعة. وأنشدنا أبو أحمد لعيسى بن أوس في الجنيد بن عبد الرحمن: (الى مستنير الوجه طال بسؤدد ... تقاصرَ عنه الشاهِقُ المتطاوِلُ) (مَدَحْتكَ بالحق الذي أنتَ أهله ... ومن مِدَحِ الأقوامِ حقٌ وباطلُ) (يعيش الندى مادمت حياً فإن تَمُتْ ... فليس لحيٍّ بعد موتك طائل) (وما لامرىء عندي مُخِيلَة نِعمة ... سِواكَ وقد جادَت عليَّ مخايلُ) وقالوا أمدح بيت قالته العرب قول الأعشى: (فتىً لو ينادي الشمسَ ألقت قِناعَها ... أو القمرَ الساري لألقى المقالِدا) وهذا وقول أبي الطمحان من الغلو، والغلو عند بعضهم مذموم وليس كذلك ولو كان مذموماً لما جعلوا هذين البيتين من أمدح ما قالت العرب وهما من الغلو على ما هما عليه، ومثل هذا الغلو قول طريح بن إسماعيل: (أنتَ ابنُ مُسلنْطح البطاحِ ولم ... يضرب عليك الحنيّ والولج) (لو قلت للسيل دع طريقك ... والموج عليه كالهضب يعتلج) (لارتدَّ أوساخ أو لكانَ له ... في جانبِ الأرضِ عنك مُنعَرج) وهذا من أعلى الغلو لأن السيل لا ترد وجهته هيبة ولا مخافة، والعرب تقول أجرأ من السيل فيهمز ولا يهمز والهمز من الجراءة وترك الهمز من الجري، ويقال في المثل لا أفعل كذا حتى يرد وجه السيل، وليس هذا الشعر بمختار الرصف واللفظ وإنما جئت به لمكان غلوه، ومن الغلو المشهور المستفيض الذي قبله الناس واستحسنوه ورووه بكل لسان قول أبي تمام في المعتصم: (بيمن أبي أسحق طالتْ يدُ العلَا ... وقَامتْ قَناةُ الدِّينِ واشتدَّ كاهله)

стр. 19

(هوَ البحرُ مِن أيِّ النواحِي أتَيته ... فَلُجَّتُهُ المعروفُ والجودُ ساحِلُهْ) (تعوَّدَ بَسطَ الكفِّ حتى لو أنه ... أرادَ انقباضاً لم تُطِعْهُ أنامِله) (ولو لم يكنْ في كفهِ غيرُ نفسه ... لجادَ بها فليتق الله سائِله) وقلت في قريب منه: (وكيف يبيتُ الجارُ منك على صدى ... وكفُّكَ بَحرٌ لُجةُ البحرِ ساحلهْ) أخبرنا أبو أحمد قال سمعت أبا بكر يعني ابن دريد يحكى عن أبي حاتم قال قال الأصمعي سمعت أعرابياً يقول: انكم معاشر أهل الحضر لتخطئون المعنى إن أحدكم ليصف الرجل بالشجاعة فيقول كأنه الأسد ويصف المرأة بالحسن فيقول كأنها الشمس، لم لا تجعلون هذه الأشياء بهم أشبه ثم قال لانشدك شعراً يكون لك إماما ثم أنشدني: (إذا سألت الورى عن كل مَكرمةٍ ... لم تلفِ نسبتَها إلّا إلى الهَوْل) (فتىً جَواداً أعاد النيل نائله ... فالنِّيلُ يشكرُ منه كثرة النيل) وليس هذا الشعر مختاراً عندي: (والموتُ يرهبُ أن يَلقَى مَنيتهُ ... في شِدَّةٍ عند لفِّ الخَيل بالخيلِ) (لو عارض الشمسَ أبقى الشمسَ مُظلمةً ... أو زاحم الصم ألجاها إلى الميل) (أو بارز الليلَ غطَّته قوادِمُه ... دونَ القَوافي كمثل الليلِ بالليلِ) (أمضَى من النَّجمِ إن نابتهُ نائبةٌ ... وعندَ أعدائِه أجرى من السيل) ومن الجيد في هذا المعنى قول الآخر: (عَلَّم الغيثَ الندَى حتى إذا ... ما حكاه عَلمَ البأسَ الأسدْ) (فلهُ الغيث مُقِرُ بالندى ... وله الليث بمقر بالجلَد) وقد أنكر عبد الملك ما أنكره الأعرابي من تشبيه الممدوح بالأسد والصخر والبحر فأخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا أبو بكر أخبرنا عبد الأول بن مزيد أحد بني أنف الناقة عن ابن عائشة عن أبيه قال قال عبد الملك يوماً وقد اجتمع

стр. 20

الشعراء عنده: تشبهوننا بالأسد والأسد أنجر وبالبحر والبحر أجاج والجبل والجبل أوعر ألا قلتم كما قال أيمن بن خزيم بن فاتك في بني هاشم: (نَهاركمُ مكابدةٌ وصومٌ ... وليلكُمُ صلاةٌ واقتراءُ) (أأجعلكم وأقواماً سواءً ... وبينكمُ وبينهمُ الهواء) (وهم أرض لأرجلكم وأنتم ... لأعينهم وأرؤسهم سماء) وهذا من قول أمية بن أبي الصلت وهو أول من أتى به قوله في عبد الله ابن جدعان: (أأذكرُ حاجتي أمْ قد كفاني ... حياؤكَ أن شيمتكَ الحياءُ) (كريم لا يُغيره صباحٌ ... عن الخُلقِ الكرِيم ولا المساءُ) (وأرضُك أرضُ مكرمةٍ بنتها ... بَنو تَيم وأنتَ لهم سماء) ونحوه قوله: (لكلِّ قبيلةٍ شرفٌ وعزٌّ ... وأنت الرأسُ يقدمُ كلَّ هادي) وتصرف فيه المحدثون فقال ابن الرومي: (قومٌ يَحُلونَ من مَجد ومن شرف ... ومن غناء محل البيضن واليلب) (حلوا محلها من كل جمجمةٍ ... نفعاً ورفعاً وإطلالاً على الرتب)

стр. 21

(قومُ همُ الرأس إذ حسادهم ذنب ... ومن يمثِّلُ بينَ الرأس والذَّنب) ومنه قول الحطيئة: (قوم همُ الأنفُ والأذنابُ غيرهمُ ... ومن يسوّي بأنفِ الناقةِ الذَّنبا) وقال غيره: (الناسُ أرضُ بكل أرضٍ ... وأنتَ من فوقهم سماءُ) وقلت: (أبشر فإنك رأسٌ والعلا جسدٌ ... والمجدُ وجهٌ وأنتَ السمع والبصر) (لولاك لم يك للأيامِ منقبةٌ ... تسمو إليها ولا للدِّهر مفتخرُ) وأخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا أبو بكر بإسناد ذكره عن الهيثم بن عدي قال دخل الأخطل على عبد الملك بن مروان فقال يا أمير المؤمنين قد امتدحتك فاستمع مني فقال إن كنت شبهتني بالصقر والأسد فلا حاجة لي بمدحك وإن كنت قلت كما قالت أخت بني الشريد لأخيها صخر فهات فقال الأخطل وما قالت يا أمير المؤمنين قال هي التي تقول: (فما بلغتْ كف امرئ متناولٍ ... بها المجدَ إلاّ حيثُ ما نلتَ لطول) (ولا بلغَ المهدونَ في القولِ مِدحةً ... ولو أطنبوا إلاّ الذي فِيكَ أفضلُ) فقال الأخطل والله لقد أحسنت القول ولقد قلت فيك بيتين ما هما بدون قولها قال هات فأنشد: (إذا متَّ مات العرفُ وانقطعَ النَّدى ... من الناسِ إلا في قليلٍ مُصرَّدِ) (وردَّتْ أكفُّ السائلينَ وأمسكوا ... من الدين والدنيا بخِّلف محرد) وليس يحسن عندي أن يقال للممدوح إذا مت فإن استماع ذلك مكروه وإن كانت الشعراء قد استعملته في كثير من مقاماتها أنشدنا أبو أحمد عن ابن دريد: (إذا مُتَّ لم توصلْ بعرفٍ قرابةٌ ... ولم يبقى في الدنيا رجاءٌ لنائل) وهو من قول النابغة: (فإن يهلك أبو قابوسَ يهلكْ ... ربيع الناس والشهر الحرم)

стр. 22

(ويمسك بعدُه بذناب عيشٍ ... أجبّ الظهرِ ليس له سنامُ) وهذا أجود من الأول لأنه لم يخاطب به الممدوح ولو قيل لولا لكان لقيل كذا وكذا لكان كما قال علي بن جبلة: (لولا أبو دلف لم تحتى عارفة ... ولم ينؤنؤ مأمول بأماله) (يا ابن الأكارم من عدنان قد علموا ... وتالدُ المجدِ بين العمِّ والخال) (وناقلُ الناس من عُدم إلى جدةٍ ... وصارفُ الدهرِ من حالٍ إلى حال) (أنتَ الذي تنزلُ الأيامَ منزلها ... وتمسك الأرضَ عن خسفٍ وزلزال) (وما مددتَ مدى طرفٍ إلى أحد ... إلا قضيتَ بآجالٍ وآمالِ) (تزور سخطا فتمسى البيضُ راضية ... وتستهلُّ فتبكي أوجهُ المالِ) وأخبرنا أبو أحمد في كتاب الورقة عن ابن داود قال قال أبو هفان اجتمع الشعراء بباب المعتصم فقعد لهم محمد بن عبد الملك الزيات فقال إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ويقول لكم من كان يحسن أن يقول مثل قول النمري في الرشيد: (خليفةُ الله إن الجود أودية ... أحللك الله منها حيثُ تجتمعُ) (إن أخلف القَطرُ لم تُخلفْ مخايله ... أو ضاقَ أمرٌ ذكرناه فَيتَّسِع) فقال ابن وهب فينا من يقول مثله: (ثَلاثةٌ تشرقُ الدُّنيا بِبَهجِتها ... شَمسُ الضحَى وأبو أسحق والقمرُ) (تحكِي أفاعيلهُ في كلِّ نائبةٍ ... الغيث والليث والصَّمصامَة الذكر) قال فأجازه وفضل ابن وهب. ولبعض الشعراء في المهلب: (أمْسَى العراقُ سليبا لاأنيس لهُ ... إلّا المهلَّبُ بَعدَ الله والمطرُ)

стр. 23

(هذا يَجودُ ويَحمِي عن ذِمارِهم ... وذا تعيشُ به الأنْعامُ والشجرُ) ومنه أخذ ابن وهب. وقلت في معناه: (لمَ تَزلْ للورَى ثلاثُ شُموسٍ ... وَجهُكَ المستضيءُ والقَمرَانِ) وقالوا أمدح بيت قالته العرب قول زهير: (َتراه إذا ما جِئتَهُ مُتهلِّلا ... كأنك تُعطِيهِ الذِي أنتَ سائِلُهْ) وعاب بعضهم هذا البيت فقال جعل الممدوح فرحاً بعرض يناله وليس هذا شأن الكبير الهمة، والجيد قول أبي نوفل عمرو بن محمد الثقفي: (ولان فرحت بما ينيلك إنه ... لبما ينيلك من نداه أفرح) (مازال يعطى ناطقا أوسا كتا ... حتى ظننتُ أبا عقيل يَمزَحُ) فجعله يفرح بما ينيل. ومثله قول أبي تمام: (أسائلَ نصر لاتسله فإنهُ ... أحنُّ إلى الإرفادِ منكَ إلى الرِّفْدِ) وقال بعض الأعراب: ما زال فلان يعطيني حتى حسبت أنه يودعني، ونحو ذلك أن الحجاج قال لإياس بن معاوية أي الناس أحب إليك؟ قال من أعطاني قال ثم من؟ قال من أعطيته. وقال أبو السمح الطائي فى خلاف ماقال زهير: (فتى لايرى سوقَ المهورِ غرابةً ... ولا غالياتِ المالِ حَلياً على نحر) (فتى كان مكراما لنفسه كريمة ... مهينا لدنيا غيرِ مأمونةِ الغدْرِ) وعندي أن بيت زهير أجود ما قيل من الشعر القديم، وممن أبدع في ذلك البحتري في قوله: (سلامٌ وإن كانَ السلامُ تحيّةً ... فَوجْهُكَ دُونَ الرَّدِ يكفي المُسلِّما) ومن الجيد في ذلك قول ابن الرومي:

стр. 24

(كأنَّما القطرُ مِنْ ندى يَدهِ ... والبرْقُ مِنْ بِشرهِ ومِنْ ضَحكهْ) وقول أبي الأسد: (وَلائمةٍ لّامتك يا فَيْضُ في الندَى ... فَقلتُ لها لن يَقدَحَ اللومُ في البحرِ) (أرادتْ لتثني القبض عن عَادة الندَى ... وَمن ذا الذي يثني السحابَ عن القطرِ) (إذا ما أتاهُ السائِلونَ تَوَّقدَتْ ... عَليهِ مَصابيحُ الطلاقَةِ والبشرِ) (له في بني الحاجات أيد كأنَّها ... مواقِعُ ماءِ المزْنِ في البلدِ القفرِ) وقريب منه قول أبي تمام: (عَهِدي بِهمْ تَستنيرُ الأرضُ إن نزلوا ... فيها وتجتمع الدنيا إذا اجتمعوا) (ويَضحكُ الدَّهرُ منهم عن غَطارفةٍ ... كأنَّ أيامهمْ من أنسها جُمعُ) وقلت: (إذا عبس الزمان فمل إليه ... تجده البشر في وجه الزمانِ) وقلت: (كأنك في خدِّ الزمان تورد ... وفي فمه ضحكٌ وفي وجهه بشرُ) (فمنْ يكُ ممدوحاً بنظم يصوغهُ ... فإنك ممدوحٌ بك النظمُ والنثرُ) وقال البحتري: (وتَواضُعٌ لولا التكرُّمُ عاقةُ ... عنه علوٌّ لم يَنلهُ الفرقدُ) (وفُتوةٌ جمعَ التقى أطرافَها ... وندى أحاط بجانبيه السؤدد) (وشبيبةٌ فيها النُّهى فإذا بدتْ ... لذوي التوسمِ فهي شيبٌ أسودُ) (طلقُ اليدين إذا تفرقَ ماله ... جمع العلا فيما يفيد وينفد) (جذلان يطرب للسؤال كأنما ... غناه مالك طئ أو معبدُ) وقال ابن الرومي:

стр. 25

(أغرُّ أبلجُ يكسو نفسَه حُللِّا ... من المحامِد لا تبلَى على الحقبِ) (تلقاه من نهضه للمجد في صمد ... ومن تواضعه للحق فيصبب) (كأنه وهو مشول وممتدح ... غناه أسحق والأوتارُ في صَخَبِ) (يهتزُّ عطفاه عند الحمدِ يسمعهُ ... من هزةِ المجدِ لا من هزةِ الطربِ) وهذا المصراع من قول أبي تمام: (موكل بيقاع الأرض يشرفه ... من خفةِ الخوفِ لا من خِفةِ الطربِ) وقلت: (وقد يؤنسُ الزوارِ منك إذا التقوا ... سخاء عليه للطَّلاقة شاهدُ) وقلت: زهير قول بعضهم ... كأنك بالمِنْقاش تَنتفُ شارِبَهْ) وقد أحسن جحظة في هذا المعنى أنشدناه أبو أحمد عنه " (قومٌ أحاول نيلهم فكأني ... حاولتُ نتفَ الشَّعر من آنافِهِمْ) (قُم فاسقنيها بالكبيرِ وغنّني ... ذَهبّ الذينَ يُعاشُ في أكنافهمْ) وقالوا أمدح بيت قالته العرب قول جرير: (ألَسْتم خيرَ مَن ركبَ المطايا ... وأندىَ العالمينَ بطونَ راحِ) وليس هذا الاستفهام للشك وفي القرآن الشريف ﴿أليس الله بعزيز ذي انتقام﴾ ﴿أليس الله بأحكم الحاكمين﴾ ﴿أليس الله بكآفٍ عبده﴾ وسئل بعض العرب عن أشعر الناس فقال جرير وذلك أن بيوت الشعر أربعة المديح والهجاء والافتخار والغزل وفي كلها سبق جرير: قال: في المديح: (ألَسْتم خيرَ مَن رَكبَ المطايا ... وأندَى العالمينَ بُطون راحِ)

стр. 26

وقال في الهجاء: (فَغُضَّ الطرفَ إنك من نُمير ... فلا كعباً بلغتَ ولا كِلابا) وقال في الافتخار: (إذا غَضَبت عَليكَ بَنو تَميم ... حَسبتَ الناسَ كلهمُ غِضابا) وقال في الغزل: (إنَّ العيونَ التي في طَرفها حَوَرٌ ... قَتلْننا ثمَّ لم يُحيينَ قتلانَا) (يَصر عن ذا اللبَّ حتى لا حراكَ به ... وهنَّ أضعفُ خلقِ الله أركانا) وقال التنوخي في هذا المعنى: (فكلّما ازدادت قوَى أجْفانِها ... ضَعْفاً تقوينَ على ضَعف القوى) وأمثال هذا كثيرة نوردها فيما بعد، ونقض بعضهم قوله: (إذا غضبت عليك بنو تميم) فقال (لقد غَضبت عليك بنو تميم ... فما نكأتْ بغضبتها ذُبابا) وقالوا أمدح بيت قالته العرب قول حسان: (يغشون حتى ملتهر كلابُهم ... لا يسألونَ عن السَّواد المقبلِ) يقول قد أنست كلابهم بالزوار فهي لا تنبحهم وهم من شجاعتهم لا يسألون

стр. 27

عن جيش يقبل نحوهم لقلة أكتراثهم يهم ولثقتهم ببسالة أنفسهم وشدتهم على أعدائهم. ومثله ما أنشد أبو تمام: (إذا استنجدوا لم يَسألوا من دعاهُم ... لأيَّةِ حَرْبٍ أو لأيِّ مكانِ) وقال ابن هرمة في أثر الكلب بالضيف: (ومُستَنبح تَستكشطُ الريحُ ثَوْبه ... ليسقطَ عنه وهو بالثوب معصمُ) (عوىَ في سوادِ الليلِ بعد اعتسافه ... لينبح كلب أو ليفزع نُومُ) (فجاوبه مستسمع الصوت للقرَى ... له عند أقيان المهبين مطعمُ) (يكادُ إذا ما أبصرَ الضيفَ مُقبلا ... يكلمهُ من حُبه وهو أعجمُ) وقال عمران بن عصام، ويروى لنصيب: (لعبد العزيز على قَوْمِه ... وغيرهم مننٌ غامرهْ) (فبابُك ألينُ أبوابِهم ... ودارُك مأهولةٌ عامره) (وكلبُك آنسُ بالمعتفينَ ... من الأمِّ بابنتِها الزائره) (وكفُّكَ حينَ ترى السائلين ... أندَى من الليلة الماطرة) (فمنكَ العَطاء ومنا الثناء ... لكل مُخبرة سائره) وقال الحطيئة في خلاف ذلك: (مَلوا قِراه وهرَّتْه كلابُهم ... وضرَّسُوه بأنيابٍ وأضراسٍ) (وقال بشارٍ في قريب من المعنى الأول: (سقى اللَّهُ القبابَ وتَل عيدي ... وبالشّرفينِ أيامَ القبابِ) (وأيام لنا قَصَرت وطالتْ ... على فرعان نائمة الكلاب) وقال آخر: (وما يكُ فيَّ من عيب فإني ... جبانُ الكلبِ مهزولُ الفصيل) معناه أن الكلب يضرب إذا نبح الضيف فهو جبان ويؤثر الضيف باللبن والفصيل

стр. 28

مهزول. وقالوا أمدح بيت قالته العرب قول النابغة الجعدي: (فتى تمَّ فيه ما يسرُّ صديقَه (على أنّ فيه ما يسوء الأعاديا) (وهذا غاية المدح لأن الرجل إذا قدر على النفع والضر فقد كمل، ولهذا قيل في البرامكة: (عندَ الملوكِ مضرةٌ ومنافع ... وأرى البرامكَ لا تضرُ وتنفعُ) لا يعرف أهجاهم أم مدحهم لأنه إذا نفى عنهم أن يضروا وافقد قصرهم، وقد قيل: (إذا أنت لم تنفع فضر فإنما ... يُراد الفتى كما يضرُّ وينفعُ) وقد تداول الناس معنى النابغة فقال بعضهم وهو من أحسن ما يروى عنه: (متى تهزز بني قطن تجدهم ... سيوفاً في عواتقهم سيوفُ) (جلوسٌ في مجالسهم رزانٌ ... وإن ضيفٌ ألمَّ فهم وقوفُ) (إذا نزلوا حسبتهم بدوراً ... وإن ركبوا فإنهمُ حتوفُ) وقال آخر: (فذللَ أعناق الصعاب ببأسه ... وأعناق طلاب الندىَ بالفواضلِ) (فما انقبضت كفاهُ إلَّا بصارم ... ولا انبسطت كفاه إلَّا بنائلِ) وقال محمد بن بشر الأزدي: (فتًى وقفَ الأيامَ بالعتب والرضا ... على بذلِ مال أو على حدَ منصلِ) (وما إن له من نظرةٍ ليس تحتها ... غمامةُ غيث أو ضبابةُ قسطل) وقال آخر: (فتًى دهرُه شطرانِ فيما ينوبه ... ففي بأسه شطرٌ وفي جوده شطرُ) (فلا من بغاة الخير في عينه قذى ... ولا من زئير الأسد في أذنه وقرُ) وقد أحسن البحتري في هذا المعنى وهو قوله: (هو العارضُ الثجاجُ أخضلّ جودهُُ ... وطارتْ حواشي برقِه فتلّهبا) (إذا ما تلظّى في وغىً أصعقَ العِدى ... وإن فاض في أُكرومَةٍ غمر الرُّبا) (رزينٌ إذا ما القومُ خفت حلومُهم ... وَقُورٌ إذا ما حادِثُ الدهرِ أجْلبا)

стр. 29

(حياتُك أن يلقاك بالجود راضياً ... وموتُك أن يلقاكَ بالبأسِ مُغضَبَا) (حرونٌ إذا عاززتَه في ملمَّة ... فإن جئتَه من جانب ِالذَّلِّ أصحبا) (إذا همَّ لم يقعدْ به العجزُ مَقعداً ... وإنْ كفّ لم يذهبْ به الحزنُ مَذهبا) وقال الأسدي في نفي الخبر والشر عن المذكور وهو من أشد الهجاء وأدله على الخمول: (فحسبكَ في القوم أن يعلموا ... بأنك فيهم غنيّ مضرُ) (وأنت مليح كلحم الحوار ... فلا أنتَ حلوٌ ولا أنت مر) وقال غيره: (شيخ من بني الجارود ... لا خيرٌ ولا شر) وقال آخر: (ولقد نزلت على زياد مرت ... فظننته شيخاُ يضرُّ وينفعُ) (فإذا زيادٌ في الديارِ كأنهُ ... مشطٌ يقلبهُ خصيُّ أصلعُ) وقد أحسن البحتري في المعنى الأول وهو قوله: (هو الملكُ الموهوب للبأس والتقى ... فالله تقواهُ وللمجدِ سائُره) (له البأسُ يُخشى والسماحةُ تُرتجى ... فلا الغيثُ ثانية ولا الليثُ عاثره) كأنه من قول منصور وهو من المعنى الذي نحن فيه: (هو الملكُ المملوكُ للمجد والتقى ... وصولتهُ لا يستطاعُ خطارُها) (لقد نشأت ْللشامِ منك سحابةٌ ... يؤملُ جدواها ويُخشى ذمارها) (فطوبى لأهل الشامِ أم ويل أمها ... أتاها حياها أم أتاها بوارها) (فإن سلموا كانت غمامة نعمةٍ ... وخيرٍ وإلّا فالدماءُ قطارها) (أبوكَ أبو الأملاك يحيى بن خالدٍ ... أخو الجود والنعمى اللباب صغارها) (وكائن ترى في البرمكيين من به ... ومن سابقات لا يشق غبارها)

стр. 30

(طبيبٌ بأخبار الأمور إذا التوت ... من الدهر أعناقُ فأنت قصارها) وبعد بيت النابغة الجعدي قوله: (فتى كملتْ أخلاقهُ غير أنه ... جوادٌ فما يبقي من المالِ باقيا) (أشم طوال الساعدين شمردلٌ ... إذا لم يرح للمجد أصبحَ غاديا) أخبرنا أبو أحمد أخبرنا محمد بن علي الأجري ببغداد حدثنا أبو العيناء قال قال الأصمعي أنشدت الرشيد أبيات النابغة الجعدي حتى انتهيت إلى قوله: (أشم طوال الساعدين شمردلٌ ... إذا لم يرحُ للمجد أصبح غاديا) فقال الرشيد ويله ولم لم يروحه للمجد ألا قال: (إذا راح للمعروف اصبح غاديا ... ) فقلت وأنت والله يا أمير المؤمنين أعلم منه بالشعر، وكان الرشيد جيد المعرفة ثاقب الفطنة، قال لأبي نواس لم وثب بك أهل مصر قال لقولي: (فإن يكُ باقي إفك فرعونَ فيكمُ ... فإن عصا موسى بكفِّ خصيبِ) قال فوثبوا بي وأرادوا قتلي وقالوا جعلت معجزة موسى لخصيب فقال له الرشيد ألا قلت: (فإن كان باقي إفك فرعونَ فيكمُ ... فباقي عصا موسى بكفِّ خصيبِ) فيكون شعرك أحسن ويكون سالماً من التبعة فقال والله يا أمير المؤمنين إنك لأشعر مني وإني لم أفطن لذلك، وأنشده العماني الراجز في صفة الفرس: (كأنَّ أذنيه إذا تشوّفا ... قادمةً أو قلماً محرّفا) فقال له الرشيد دع (كأن) وقل (تخال) حتى يستوي شعرك، وكان قد لحن العماني

стр. 31

ولم يعرف ولم يفطن له أهل المجلس حتى قال له الرشيد ذلك فتعجبوا من علمه وفطنته. وقالوا أمدح بيت قالته العرب قول حسان: (بِيض الوجوه كريمةُ أحسابهم ... شم الأنوفِ من الطراز الأولِ) (يغشونَ حتى ما تهرُّ كلابُهم ... لا يَسألون عن السوادِ المقبل) وقبله: (لله در عصابة نادمتهم ... يوماً بجلقَ في الزمانِ الأولِ) (أولاد جفنةَ حولَ قبر أبيهم ... قبر ابن ماريةَ الكرِيم المفضل) ثم قال: (فلبثتُ أزماناً طوالاً فيهم ... ثم ادكرت كأنني لم أفعل) (وفتىً يحب المجدَ يجعل ماله ... من دون والده وإن لم يسأل) قوله (بيض الوجوه) معناه مشهورون ببهاء ولم يعن بهم البياض وقد تضمن هذا اللفظ معنى البأس والجود وغيرهما من خلال الخير لأن الإنسان لا يكون نبيهاً مشهوراً حتى يقال عنه أبيض الوجه وأغر ووضاح إلا إذا جمعها وما يجري معها قال الراجز (فهن يحملن فتى وضاحا ... ) وقال أبو طالب في النبي &: (وأبيض يستسقى الغمامُ بوجههِ ... ثمالُ اليتامَى عصمةُ للأراملِ) وقال السموءل: (وأيامُنا مشهورةٌ في عدونا ... لها غررٌ معروفةٌ وحجولُ) أراد بالغرة والحجول الشهرة. وقلب بعض أهل البصرة قول حسان: (بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... ) فقال: (سودُ الوجوهِ لئيمةٌ أحسابُهم ... فطسُ الأنوفِ من الطراز الآخرِ) كما قلب بعضهم بيت أبي نواس: (يا قمراً أبصرتُ في مأتم ... يندبُ شجواً بين أترابِ) (يبكي فيذري الدرَّ من نرجسٍ ... ويلطمُ الوجهَ بعنّابِ) فقال: (وأعور أبصرتُ في مأتمٍ ... يندبُ شجواً بتخاليطِ)

стр. 32

(يبكي فيذري البعر من كوةً ... ويلطم الشوك ببلوط) وأخذ حسان قوله: (ثم ادكرت كأنني لم أفعل ... ) من قول أبي كبير: (فأذنْ وذلك ليس إلّا حينه ... وإذا مضى شئ كأن لم يفعل) وقال ابن شبرمة أمدج ما قالت العرب قول الحطيئة: (أولئك قومٌ إن بنوا أحسنوا ألبنا ... وإن عاهدوا وفوا وإن عقدوا اشدوا) (وإن كانتِ النعماءُ فيهم جَزَوا بها ... وإن أنعموا لا كدّروها ولا كدّوا) (أقلوا عليهم لا أبا لأبيكُم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدّوا) (ويعذلني أبناءُ سعدٍ عليهمُ ... وما قلتُ إلّا بالذي علمتْ سعدُ) (يسوسونَ أحلاماً بعيداً أناتُها ... وإن غضبوا جاء الحفيظةُ والحدُ) ولعمري إن معاني هذه الأبيات أبكار ليس للعرب مثلها وكل من تناولها فإنما استعارها من الحطيئة وهي جامعة لخصال المدح كلها، وقوله (جاء الحفيظة والحد ... ) وروي والجد والحد من قولك حد السيف وحد السنان، والجد خلاف الهزل والمختار الحد بالحاء. يقول الحطيئة في بني لأي بن شماس من قريع، وكان الزبرقان بن بدر لقي الحطيئة في سفر فقال من أنت فقال أنا حسب موضوع أبو مليكة فقال له الزبرقان إني أريد وجهاً فصر إلى منزلي وكن هناك حتى أرجع فصار الحطيئة إلى امرأة الزبرقان فأنزلته وأكرمته فحسده بنو عمه وهم بنو لأي فدسوا إلى الحطيئة وقالوا له إن تحولت إلينا أعطيناك مائة ناقة ونشد إلى كل طنب من أطناب بيتك حلة محبرة وقالوا لامرأة الزبرقان إن الزبرقان إنما قدم هذا الشيخ ليتزوج بنته فقدح ذلك في نفسها فلما أراد القوم النجعة تخلف الحطيئة وتغافلت امرأة الزبرقان عنه فاحتمله القريعيون ووفوا له بما قالوا فأخذ في مدحهم وهجا الزبرقان فقال: (أزمعتُ يأساً مبيناً من نَوالكم ... ولا تَرى طارداً للحرِ كالياس) (دعَ المكارمَ لا ترْحلْ لبغيتها ... واْقعد فإنك أنتَ الطاعمُ الكاسي) (من يفعلِ الخيرَ لا يعدم جوازيهُ ... لا يذهبُ العرفُ بين اللهِ والناسِ)

стр. 33

فاستعدى الزبرقان عليه فحكم عمر حسان فقال حسان ما هجاه ولكن سلج عليه ثم حبس عمر الحطيئة فقال يستعطفه: (ماذا تقولُ لأفراخ بذي مَرَخٍ ... حمرِ الحواصلِ لا ماءٌ ولا شجرُ) (ألقيتَ كاسبَهم في قعد مظلمةٍ ... فاغفرْ عليكَ سلامُ الله يا عمرُ) (ما آثروكَ بها إذ قدموك لها ... لكنْ لأنفسِهم كانت بكَ الأثر) فأخرجه عمر وأجلسه على كرسي وأخذ شفرة وأوهمه أنه يريد قطع لسانه فضج وقال إني والله يا أمير المؤمنين قد هجوت أمي وأبي ونفسي فتبسم عمر وقال ما الذي قلت قال قلت لأبي وأمي: (ولقد رأيتك في النساء فسؤتني ... وأبا نبيك فساءَني في المجلسِ) وقلت لأبي خاصة (فبئس الشيخُ أنتَ لدى تميم ... وبئس الشيخ أنت لدى المعالى) (تنحى فاجلس مني بعيداً ... أراحَ الله منكِ العالمينا) (أَغربالاً إذا استودعت سراً ... وكانوناً على المتحدثين) وقلت لامرأتي خاصة: (أطوّف ما أطوّفُ ثم آوي ... إلى بيتٍ قَعيدتُهُ لَكاعِ) وقلت لنفسي: (أبت شفتاي اليومَ إلاّ تَكَلُماً ... بسوءٍ فلا أدري لمن أنا قائلهُ) (أرى ليَ وجهاً قبّحَ اللهُ خلقهُ ... فقبّحَ من وجهٍ وقُبحَ حاملهُ) وقد هجا أيضاً من أحسن إليه فقال: (منحَت ولم تبخلْ ولم تعطِ طائلاً ... فسّيان لا ذمُ عليك ولا حمدُ) ثم خلى سبيله عمر وأخذ عليه ألا يهجو أحداً وجعل له ثلاثة آلف درهم

стр. 34

اشترى بها من أعراض المسلمين فقال يذكر نهيه إياه عن الهجاء ويتأسف: (وأخذتَ اطرار الكلام فلم تدع ... شتما يضرُ ولا مديح ينفعُ) (ومنعتني عِرضَ البخيل فَلم يخفْ ... شتمي وأصبح آمناً لا يجزعُ) وكان الحطيئة يذم البخل كما ترى وهو أبخل الناس اعترضه رجل وهو يرعى غنماً له فقال له يا راعي الغنم وكان بيد الحطيئة عصاً يزجر بها الغنم فرفعها وقال عجراء من سلم فقال الرجل إنما أنا ضيف فقال: للأضياف أعددتها فتمثلت به العرب وقالوا أبخل من الحطيئة، وكان أحد الحمقى أوصى عند موته بأن يحمل على حمار وقال لعلي أن حلمت عليه لا أموت فإني ما رأيت كريماً مات عليه قط وقال: (لكل جديد لذةٌ غير أنني ... رأيتُ جديدَ الموتِ غيرَ لذيذِ) وقيل له أوصى فقال أوصي أن مالي للذكور دون الإناث قالوا فإن الله لا يقوله قال لكني أقوله، وقالوا له قل لا إله إلا الله قال أشهد أن الشماخ أشعر غطفان. وأخذ قوله: (أغربلا إذا استودعت سرا ... ) من قول كعب بن زهير حيث يقول: (ولا تَمسك بالعهدِ الذي عهدتْ ... إلّاُ كما يمسك الماءَ الغرابيلُ) أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن أبي خليفة عن دماذ عن أبي علي القداح وعباد بن سليم الحضرمي قال أنشد الحطيئة عمر: (مهاريسُ يُروي رِسلُها ضيف أهلها ... إذا النار أبدت أوجه الخضرات) (عظام مقيل الهام غلب رقابها ... بتاكر ورد الماء في السَّبراتِ) (يُزيلُ القتادَ جذبُها عن أصولِه ... إذا ما غدت مقورةً خرِصاتِ) وكان هجا قومه فلما بلغ إلى قوله: (فإن يصطنعني الله لا أصطنعكمُ ... ولا أعطكم مالي على العثراتِ) (لكم دَفَرٌ مثلُ التيوسِ ونسوةٌ ... مماجينُ مثل الآتُنِ التَّعِراتِ)

стр. 35

قال عمر بئس الرجل أنت تمدح إبلك وتهجو قومك فخرج وقال: (رأيتُ ابنَ خطاب تجاهل بعدما ... رأيتُ له عقلاً وما كان جاهلا) (ألا قد علمنا أن ما قال هكذا ... ومن قال حق غير ما قال باطل) وقالوا أمدح أبيات قيلت ما أنشدناه أبو أحمد عن مهلهل بن يموت عن أبيه عن الجاحظ: (اختر فناء بني عمرو فإنهمُ ... أولُو فضولٍ وأقدار وأخطارِ) (إن يُسألوا الخير يُعطَوهُ وإن جهدوا ... فالجهد يخرج منهم طيبَ أخبار) (وإن تودَّدتهم لانوا وإن شتموا ... كَشَفْتَ أذمارَ سرٍّ غير أسرار) (هْينون ليْنون أيسارٌ ذوو يسرٍ ... أبناءُ مَكرمةٍ أبناءُ إيسارِ) (من تلقَ منهم تقلْ لاقيتُ سيدَهم ... مثلَ النجوم التي يسري بها الساري) وهي على الحقيقة أمدح أبيات قيلت. وقالوا أمدح بيت قيل قول الخنساء في أخيها: (أغرُّ أبلجْ تأتمُّ الهداةُ به ... كأنه علمٌ في رأسه نارُ) أخبرنا أبو أحمد حدثنا الأنباري عن أبي عكرمة الضبي أخبرنا أبو دعامة عن صالح بن محمد بن المسيب قال سمعت المفضل الضبي يقول أتاني رسول المهدي فقال أجب فهالني ذلك فمضيت معه حتى دخلت وعنده علي بن يقطين وعمر بن بزيع والمعلى مولاه فسلمت فرد وقال اجلس فجلست فقال أخبرني بأمدح بيت قالته العرب فتحيرت ثم جرى على لسان قول الخنساء: (وإنَّ صخراً لمولانا وسيدنا ... وإن صخراً إذا يشتو لنحارُ) (أغرُّ أبلجْ تأتمُ الهداةُ به ... كأنه علمٌ في رأسه نارُ) فقال أخبرت هؤلاء فأبوا علي فقلت يا أمير المؤمنين كنت أحق بالصواب فقال يا مفضل أسهرتني أبيات ابن مطير الأسدي: (وقد تغدرُ الدنيا فيضحي غنيها ... فقيراً ويغنى بعد بؤسٍ فقيرها)

стр. 36

(وكم قد رأينا من تَكَدُّرٍ عيشةٍ ... وأخرى صفا بعدا اكدرارٍ غديرُها) (فلا تَقربِ الأمرَ الحرامَ فإنه ... حلاوتها تفني ويبقى مريرها) ثم قال حدثني يا مفضل فقلت أي الأحاديث يشتهي أمير المؤمنين قال أحاديث الأعراب فحدثته حتى كاد النهار ينتصف فقال كيف حالك فقلت كيف حال رجل مأخوذ بعشرة آلاف درهم فقال يا عمر بن بزيع أعطه عشرة آلاف درهم لقضاء دينه وعشرة آلاف درهم لنفقة عياله فانصرفت بها. وكانوا يقولون قاتل الله الخنساء ما رضيت أن جعلت أخاها جبلاً حتى جعلت في رأسه ناراً فبالغت أشد المبالغة. واعترض ابن الرومي قولها فقال: (هذا أبو الصقر فرداً في مكارمِه ... من نسل شيبانَ بين الطّلح والسّلم) (كأنه الشمسُ في البرج المنيفِ به ... على البريةِ لا نارٌ على علمِ) وتبعته فقلت: (خيرُ الورى لخيارِ الناس كلهِم ... وشرُّهم لشرارِ الناسِ سوارُ) (منبه الذكرِ معروفٌ طرائقه ... كالشمسِ لا عَلمٌ في رأسه نار) ومن جيد ما قيل في النباهة قول الأول أنشده أبو تمام: (إني إذا خفي الرجالُ وجدْتَني ... كالشمسِ لا تخفى بكلِّ مكانِ) وقال بشار: (أنا المرعَّثُ لا أخفى على أحدٍ ... ذرت بي الشمس للقاصي وللداني) وقلت: (أتأملُ أن تنالَ ندى كريمٍ ... نداهُ أوَّلٌ والغيثُ ثاني) (ويجري والمجرة في عنانٍ ... فلا يخفى على ناءٍ ودانِ) (تصوَّر في القلوب فليس ينأى ... على نأي المحلةِ والمكانِ) (إذا عبسَ الزمانُ فمِل إليهِ ... تجدْهُ البشرَ في وجهِ الزمانِ) وقلت: (تريدون أن أخشى وأخضعَ للأذى ... وجار ابن عيسى كيف يّخشى ويخضعُ) (فتىً بأسُه كالدهر مأمن ملجأ ... ولا فيه إقصارٌ ولا عنهُ مرجعُ) (أغرُّ شهيرٌ في البلادِ كأنما ... به البدرُ يعلو أو سنىَ الصبحِ يسطع)

стр. 37

ومثله قول القاسم بن حنبل رحمه الله تعالى: (من البيض الوجوهِ بني سِنانٍ ... لو أنك تستضئ بهم أضاؤا) (لهم شمسُ النهار إذا استقلتْ ... ونورٌ لا يفنيه العماء) (همُ حلوا من الشرفِ المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاؤا) (فلو أنَّ السماءَ دنت لمجد ... ومكرمةُ دنت لهم السماء) وقالوا أمدح بيت قالته العرب قول الحظيئة: (متى تأتهِ تَعشو إلى ضوءِ نارهِ ... تجدْ خيرَ نارٍ عندها خيرُ مُوقدِ) وقالوا أمدح المدح ما يكون بالتفضيل وهو أن يقول فلان خير من فلان وفلان أكرم من فلان، ومن أجود ما جاء في ذلك قول أبي تمام: (كم من وساعِ الخطو في طلبِ الندى ... لما جرى وجريتُ كنت قطوفا) (أحسنتما صفدي ولكن كنتَ لي ... مثلَ الربيع حيّاً وكان خريفاً) (وكلاكما اقتعد العلا فركبتَها ... في الذّروة العليا وكان رديفا) وقال: (كواكبُ مجدٍ يعلم المجدُ أنها ... إذا طلعتْ باءت بصفر كواكبُهْ) وقال ابن الرومي: (تلوحُ في دولُةِ الأيامِ دولتهم ... كأنها ملةُ الإسلامِ في المللِ) وقلت: (نصرتَ على الأعداء فليهنك النصر ... ودانتْ لك الدنيا وذَلَّ لك الدهرُ) (فأنت كإقبالِ الشبيبة والصبا ... تطيبُ بك الدنيا وينعمرُ العمرُ) (وليس كرامُ الناسِ إلّا كواكبا ... على صَفْحَتَيْ ليلٍ وأنت لهم بدرُ) (وفي الناس أجوادٌ كثيرٌ وإنما ... أولئك أثماد وأنت لهم بحرُ) (فإنْ أظلم الأحداثُ واسودَّ ليلُها ... فهم شفقٌ فيها وأنت بها فجرُ)

стр. 38

(أبا قاسمٍ فخراً على المجد والعلا ... فإن العلا روضٌ وأنت به زهرُ) (غدت أرضنا منكم سماءً مظلَّةً ... لها أنجمٌ من زهر أخلاقكم زهرُ) وبعد بيت الحطيئة: (وأنت امرؤٌ من تعطه اليوم نائلاً ... بكفيك لم يمنعْك من نائلِ الغدِ) (ترى الجودَ لا يدني من المرء حتفه ... كما البخل للانسان ليس بمخلدِ) ومثله قول ليلى الأخيلية في توبة: د (فلا يبعدنك الله يا توبُ إنها ... لقاءُ المنايا دارعاً مثلُ حاسرِ) (فنعمَ فتى الدنيا وإن كان فاجراً ... وفوقَ الفتى إن كان ليس بفاجرِ) (فتىً كان أحيا من فتاةٍ خريدةٍ ... وأشجعَ من ليثٍ بخفان خادرِ) (فتى ينهل الحاجات ثم يعلها ... فيطلعها عنه ثنايا المصادر) يقول لا يمنعه قضاء الحاجة الأولى عن قضاء الأخرى كما قال الآخر: (وأرضعُ حاجةً بلبانِ أخرى ... كذاك الحاجُ ترضع باللبانِ) يقول فبرفعها المثنون عليه حتى كأنها ثنية رجع: (فأُقسم أبكى بعد توبةَ هالكاً ... وأفعل من نالت صروفُ المقادر) وكان بيت الأعشى: (تشب لمقرورين يَصطليانها ... وبات على النارِ الندَى والمحّلقُ) يستحسن حتى قال الحطيئة (متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... ) على أن قول الأعشى (وبات على النار الندى والمحلق) ، من أجود الكلام وأبلغه، والمحلق الممدوح، ومثله قول حماس بن ثامل: (فقلتُ له أقبل فإنكَ راشدٌ ... وإنَّ على النارِ الندى وابن ثامل) وأخبرنا أبو أحمد أخبرنا أبو الحسن الأخفش أخبرنا ثعلب قال اجتمعنا

стр. 39

عند أحمد بن إبراهيم فأنشده رجل: (أمر مالك قاصرٌ فقره ... على نفسه ومشيعٌ غِناهُ) فقال أحمد قد جاء مثل هذا كثيراً فأنشد: (فتى إذا عدت تميم معاً ... سادتها عدوه بالخنصرِ) (ألبسه اللَّهُ ثيابَ العلا ... فلم تَطل عنهُ ولم تَقصرِ) فقال أحمد وقد جاء مثل هذا فأنشد الرجل: (أعدد ثلاثَ خلالٍ قد عرفنَ له ... هل سَب من أحد أو سُبَّ أو بخلا) فقال أحمد وقد جاء مثل هذا فغاظني فقلت هات فقال نعم المدح الغريب الذي لم يؤت مثله: (لله درُ أبي المغيثِ فإنه ... حسنُ الفعالِ ضعيفُ خَبطِ الدرهمِ) وقريب من هذا قول أبي البحتري (حتى توهمناه مخروق اليد ... ) وفي خلاف قوله (فلم تطل عنه ولم تقصر ... ) قول ابن الرومي: (مدحت سليمان المغلب مدحةً ... تجاوزُ حدَّ الحسنِ لو كان يَشكرُ) (فعمي عنها ناظراهُ كأنما ... بعوراءِ عيني جدِّه كان ينظرُ) (سبغت عليه حليةً ليس عيبُها ... سوى أنها ظلت تطول وتقصر) يهجو سليمان بن عبد الله بن طاهر. وسمعت عم أبي يقول أمدح شئ قيل قول الأول: (قوم سنان أبوهم حينَ تنسبهم ... طابوا وطابَ من الأولاد ما وَلدوا) (لو كان يَقعدُ فوقَ الشمسِ من كرمٍ ... قومٌ بعزهم أو مجدهم قعدوا) (محسَّدون على ما كانَ من نِعمٍ ... لا ينزعُ الله عنهم ماله حُسدوا) فأخذ جماعة قوله: (محسَّدون على ما كان من نعم ... ) فصرفوه فيه وحده. ومنها قول أبي تمام:

стр. 40

(لولا التخوفُ للعواقبِ لم يزل ... للحاسدِ النُّعمى على المحسودِ) (لولا اشتعالُ النارِ فيما جاورَتْ ... ما كان طيبُ يعرف العودِ) وقال البحتري: (ولن يستبينَ الدهرَ موضعَ نعمةٍ ... إذا أنتَ لم تدللْ عليها بحاسدِ) وقال: (محسدون كأن المكرماتِ أبتْ ... أن توجدَ الدهر إلا عند محسود) وقال غيره: (محسدونَ وشرُّ الناسِ منزلةً ... من عاش في الناس يوماً غيرَ محسودِ) وسمعته يقول من أوائل المدح الجيد الذي لانظير له قول أمية بن أبي الصلت في عبد الله بن جدعان: (عطاؤكَ زينٌ لامرئٍ ان حبوته ... ببذل وما كان العطاء يَزينُ) (وليس بشينٍ لامرئٍ بذلُ وجهه ... إليكَ كما بعضُ السؤال يَشين) وقال زهير: (من يلقَ يوماً على عِلَّاتِه هَرِماً ... يلقَ السماحةَ منه والندَى خُلقا) (لو نال حيٌّ من الدنيا بمكرمة ... أفقَ السماءِ لنالت كفه الأفقا) (قد جعلَ المبتغونَ الخيرَ في هَرِمِ ... والسائلونَ إلى أبوابه طُرقا) وروى بعض الرواة للنابغة وروي لسعيد: (واللِّه واللِّه لِنعمَ الفتى ... الاعرجُ لا النكسُ ولا الخامل) (الحاربُ الوافرُ والجابر ... المحروب والمرجل والجامل) (والطاعنُ الطعنةَ يومَ الوغى ... ينهلُ منها الأسلُ الناهلُ)
следующие страницы →