← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 6910

المغني لابن قدامة - ت التركي

ابن قدامة

Полный текст (7 955 стр.). Показаны 6371–6410 · переход к 6376.

стр. 6371

إنما يَحْلِفُ على ما يُدَّعَى عليه، ولا يُدَّعَى عليه غيرُ الدِّيَةِ. فصل: وإذا جُرِحَ رَجُلٌ، فشَهِدَ له رجلانِ من وَرَثَتِه غير الوالِدين والمولودِين، نَظَرْتَ؛ فإن كانت الجِراحُ (٢١) مُنْدمِلة، فشَهادتُهما مَقْبُولَةٌ؛ لأنَّهما لا يَجُرَّان إلى أنْفُسِهما نَفْعًا، وإن كانت غيرَ مُنْدَمِلَةٍ، لم يُحْكَمْ بِشهادتِهما؛ لجَوَازِ أنْ تَصِيرَ نَفْسًا، فتجبَ الدِّيَةُ لهما بِشهادَتِهما، فإن شَهِدَا في تلك الحالِ، ورُدَّتْ شَهادتُهما، ثم انْدَمَلتْ، فأعَادا شهادتَهما، فهل تُقْبَلُ؟ على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، لا تُقبلُ؛ لأنَّ الشَّهادةَ رُدَّتْ للتُّهْمَةِ، فَلَا تُقْبَلُ وإن زالتِ التُّهْمَةُ، كالفاسِقِ إذا أعاد شَهادتَه المرْدُودَةَ بعدَ عَدالتِه. والثاني: تُقبلُ؛ لأنَّ سببَ التُّهمةِ قد تحقَّقَ زَوالُه. وللشافعيِّ وَجْهان، كهذين. وإن شَهِدَ وَارِثَا المرِيضِ بمالٍ، ففى قَبُولِ شهادَتِهما له وَجْهانِ؛ أحدُهما، تُقْبلُ؛ لأنَّهما يُثْبِتانِ المالَ للمريضِ، وإن ماتَ انتقَلَ إليهما عنه، فأشْبهتِ الشَّهادَةَ للصَّحِيحِ، بِخِلافِ الجنايَةِ، فإنَّها إذا صارتْ نفسًا وجَبتِ الدِّيَةُ لهما بها. والوجْهُ الثاني، لا تُقْبَلُ؛ لأنَّه متى ثَبَتَ المالُ للمريضِ، تَعَلَّقَ حَقُّ ورثَتِه به، ولهذا لا يُنْفَذُ تَبرُّعُه فيه فيما زادَ على الثُّلثِ، وإنْ شَهِدَ للمَجْروحِ بِالجُرْحِ مَن لا يَرِثُه، لكَوْنِه مَحْجوبًا، كالأَخوين يَشْهَدانِ لأَخِيهما، وله ابنٌ، سُمِعَتْ شَهادتُهما، فإنْ ماتَ ابنُه، نَظَرتَ؛ فإنْ كان الحاكِمُ حَكَمَ بِشَهادتِهما، لم يُنْقَضْ حُكمُه؛ لأنَّ ما يَطْرَأُ بعدَ الحُكْمِ بالشَّهادَةِ لا يُؤَثِّرُ فيها، كالفِسْقِ، وإنْ كان ذلك قبلَ الحُكْمِ بالشَّهادةِ، لم يُحْكَمْ بها؛ لأنَّهما صَارا مُسْتَحِقَّيْنِ، فلا يُحْكَمُ بِشهادتِهما، كما لو فَسَقَ الشَّاهِدانِ قبلَ الحُكْمِ بشَهادتِهم. وإن شُهِدَ على رَجُلٍ بِالجِراحِ المُوجِبةِ للدِّيَةِ على العاقِلَةِ، فشَهِدَ بَعْضُ عَاقِلَة المشْهُودِ عليه بجَرْحِ الشُّهودِ، لم تُقْبَلْ شَهادَتُه، وإنْ كان فقيرًا؛ لأنَّه قد يَكونُ ذا مالٍ وقتَ العَقْلِ، فيَكونُ دافِعًا عن نَفْسِه، وإن كان (٢٢) الجرْحُ (٢٣) ممَّا لا

стр. 6372

تَحْمِلُه العاقِلَةُ، كجِراحَةِ العَمْدِ، أو العَبْدِ، سُمِعَتْ شَهادةُ العاقِلَةِ بجَرْحِ الشُّهودِ، لأنَّهما لا يَدْفَعانِ عن أَنْفُسِهما ضَررًا، فإنَّ مُوجبَ هذه الجِراحَةِ القِصاصُ أو المالُ في ذِمَّةِ الجاني، وكذلك إنْ كانَ الشَّاهِدانِ شَهِدَا (٢٤) على إقْرَارِه بالجُرْحِ؛ لأنَّ العاقِلَةَ لا تَحْمِلُ الاعْترِافَ. وإن كانتْ شَهادَتُهما بجِراحٍ عَقْلُهُ دونَ ثُلثِ الدِّيَةِ خَطَأً، نَظَرْنا؛ فإن كانتْ شَهادَةُ العاقِلَةِ بجَرْحِ الشُّهودِ قَبلَ الانْدِمالِ، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّها ربَّما صارتْ نفسًا فتَحْمِلُها العاقِلَةُ، وإن كانت بعدَه، قُبِلَتْ؛ لأنَّها لا تَحْمِلُ ما دونَ الثُّلثِ. وإن كانَ الشاهدانِ بالجَرْحِ ليسا منَ العاقلةِ في الحالِ، وإنَّما يصِيرانِ من العاقِلَةِ التي تتَحَمَّلُ أنْ لو ماتَ مَن هو أقربُ منهما، قُبِلَتْ شهادَتُهما. ذكرَه القاضِى؛ لأنَّهما ليسا من العاقِلَةِ، وإنَّما يَصيران منها بمَوْتِ القريبِ، والظاهرُ حياتُه. وفارقَ الفقيرَ إذا شَهِدَ؛ لأنَّ الغَنِي ليستْ عليه أَمارَةٌ، فإنَّ المالَ غادٍ ورائِحٌ. ومذهبُ الشافعيِّ في هذا ال فصلِ كلِّه [كنَحْوِ ما] (٢٥) ذكرْنا. ويَحْتمِلُ أن يُسَوَّى بينَ المَسْألتَيْن (٢٦)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما ليس من العاقِلَةِ في الحالِ، وإنَّما يَصِيرُ منها بحُدوثِ أمرٍ لم يتَحَقَّقِ (٢٧) الآنَ سَبَبُه، فهما سَواءٌ، واحتمالُ غِنَى الفقيرِ، كاحتمالِ مَوْتِ الحَيِّ، بل المَوتُ أَقْرَبُ، فإنَّه لا بُدَّ مِنه، وكلُّ (٢٨) حيٍّ مَيِّتٌ، وَكُلُّ نفسٍ ذَائِقَةُ الموتِ، وليس كلُّ فقيرٍ يَسْتَغنِى، فما ثَبَتَ في إحْدَى الصُّورتين يَثبُتُ في الأُخْرَى، فيثبُتُ فيهما جميعًا وَجْهانِ، بأنْ يُنْقَلَ حُكْمُ كُلِّ (٢٩) واحدةٍ من الصُّورَتَيْن إلى الأُخْرَى. فصل: إذا شَهِدَ رَجُلان على رَجُلَيْن، أنَّهما قَتَلا رجلًا، ثم شَهِدَا المشْهُودُ (٣٠) عليهما على الأَوَّلَيْن أنَّهما اللَّذانِ قَتَلاه، فَصَدَّقَ الوَلِيُّ الأوَّلَيْن، وكَذَّبَ الآخِرَيْن، وجبَ القتلُ عليهما؛ لأنَّ الوَلِيَّ يُكَذِّبُهما، وهما يَدْفَعانِ بِشَهادتِهما عن أنْفُسِهما

стр. 6373

ضَرَرًا. وإنْ صدَّقَ الآخِرَين وَحْدَهما، بَطَلَتْ شَهادةُ الجميعِ، لأنَّ الأوَّلَيْنِ، بطَلتْ شَهادَتُهما لِتَكْذِيبه لهما، وَرُجُوعِه عَمَّا شَهِدا له به، والآخِرَانِ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما عَدُوَّان لِلأَوَّلَين، ولأنَّهما يَدْفَعان عن أنفُسِهما ضَرَرًا، وإن صَدَّقَ الجميعَ، بطَلَتْ شَهادَتُهم أيضًا؛ لأنَّه بتَصْديقِ الأوَّلَيْن مُكَذِّبٌ لِلآخِرَيْنِ، وتَصْدِيقُه لِلآخِرَيْن تَكْذِيبٌ لِلأَوَّلَيْنِ، وهما مُتَّهمانِ، لما ذَكَرْناه. فإنْ قيل: فكيف (٣١) تُتَصَوَّرُ هذه المسألة، والشهادةُ إنَّما تَكُونُ بعدَ الدَّعْوَى، فكيفَ يُتَصَوَّرُ فَرْضُ تَصْدِيقِهم وتَكْذِيبهِم؟ قُلْنا: قد يُتَصَوَّرُ أنْ يَشْهدُوا قبلَ الدَّعْوَى، إذا لم يَعْلَمِ الوَلِيُّ مَن قَتَله؛ ولهذا رُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "خَيْرُ الشُّهَدَاءِ، الَّذِي يَأْتِي بِشَهادَتِه قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَها" (٣٢). وهذا مَعْنى ذلك.

стр. 6374

كتاب قِتالِ أهْلِ البَغْيِ والأصلُ في هذا البابِ قولُ اللَّه سبحانَه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾. إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (١) ففيها خمسُ فَوائِدَ؛ أحدها، أنَّهم لم يَخْرُجُوا بالبَغْيِ عن الإِيمانِ، فإنَّه سَمَّاهم مؤمِنين. الثَّانِيةُ، أنَّه أَوْجَبَ قِتالَهم. الثالثةُ، أنَّه أسْقَطَ قِتالَهم إذا فَاءُوا إلى أمْرِ اللهِ. الرَّابِعةُ، أنَّه أَسْقَطَ عنهم التَّبِعَةَ فيما أتْلَفُوه في قِتالِهم. الخامِسَةُ، أنَّ الآيةَ أفادَتْ جَوازَ قِتالِ كُلِّ مَنْ مَنَعَ حَقًّا عليه. وروَى عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "مَنْ أَعْطَى إِمَامًا صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ (٢)، فَليُطِعْهُ مَا اسْتَطاعَ، فَإنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُه، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ". روَاه مُسْلم (٣). وروَىَ عَرْفَجَةُ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "سَتَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ". ورفَع صوتَه: "أَلَا وَمَنْ (٤) خَرَجَ عَلَى أُمَّتي وَهُمْ جَمِيعٌ، فَاضْربُوا عُنُقَهُ بِالسَّيْفِ، كَائِنًا مَنْ كَانَ" (٥). فَكُلُّ مَنْ ثَبَتتْ إِمامَتُه، وجَبتْ طاعَتُه، وحَرُمَ الخُرُوجُ

стр. 6375

عليه وقِتالُه؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٦). وروَى عُبادَةُ بنُ الصَّامِتِ قال: بَايَعْنا رسولَ اللهِ ﷺ على السَّمْعِ والطاعةِ، في الْمَنْشَطِ والمَكْرَهِ، وأَنْ لا نُنازِعَ الأَمْرَ أَهْلَه (٧). ورُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وفَارَقَ الْجَماعَةَ، فَماتَ، فَمِيتَتُهُ جَاهِلِيَّةٌ". رواهُ ابنُ عبد البَرِّ مِن حديثِ أبي هُرَيْرةَ وأبي ذرٍّ وابنِ عباسٍ، كلُّها بمعنىً واحدٍ (٨). وأجْمَعَتِ الصَّحابَةُ، ﵃، على قِتالِ البُغاةِ، فإنَّ أبا بكرٍ، ﵁، قاتَلَ [مانعِي الزَّكاةِ، وعليٌّ قاتلَ] (٩) أهْل الجَمَلِ وصِفِّينَ وأهلَ النَّهْرَوانِ. والخارجونَ عن قَبْضَةِ الإِمامِ، أصنافٌ أربَعَةٌ؛ أحدُها، قَوْمٌ امْتَنَعُوا من (١٠) طاعَتِه، وخرجُوا عن قَبْضَتِه بغيرِ تأْويلٍ، فهؤلاءِ قُطَّاعُ طَريقٍ، ساعُونَ في الأَرضِ بالفسادِ، يَأْتي حُكْمُهُم في بابٍ مُفْرَدٍ. الثاني، قَومٌ لهم تَأْويلٌ، إلَّا أنَّهمْ نَفَرٌ يَسِيرٌ، لا مَنَعَةَ لهم، كالواحِدِ والاثْنَيْنِ والعشرةِ ونَحْوِهم، فهؤلاءِ قُطَّاعُ طَرِيقٍ، في قَوْلِ أَكْثَرِ أَصْحابِنا، وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ ابنَ مُلْجَمٍ لمَّا جَرَحَ عَليًّا، قالَ للحسنِ: إنْ بَرِئْتُ رَأَيْتُ رَأْيِي، وإِن

стр. 6376

مِتُّ فَلا تُمَثِّلُوا به (١١). فلم يُثْبِتْ لِفِعْلِه حُكْمَ البُغاةِ. ولأنَّنا لو أَثْبَتْنا للعدَدِ اليَسِيرِ حُكْمَ البُغاةِ، في سُقُوطِ ضَمانِ ما أَتْلَفُوهُ، أفْضَى إلى إِتْلافِ أمْوالِ النَّاسِ. وقال أبو بكرٍ: لا فرقَ بين الكثيرِ والقليلِ، وحُكْمُهم حُكْمُ الْبُغَاةِ إذا خَرَجُوا عن قَبْضَةِ الإِمامِ. الثالثُ، الخوارجُ الذين يُكَفِّرُونَ بالذَّنْبِ، ويُكَفِّرُونَ عثمانَ وعليًّا وطَلْحَةَ والزُّبيْرَ، وكثيرًا من الصَّحَابَةِ، ويَسْتَحِلُّونَ دِماءَ المسلمِين، وأَمْوالَهُم، إلَّا مَن خَرَجَ معهم، فظاهِرُ قولِ الفُقَهاءِ مِن أصْحابِنا المتَأَخِّرينَ، أنَّهم بُغَاةٌ، حُكْمُهم حُكْمُهم. وهذا قَولُ أبي حنيفةَ، والشَّافعيِّ، وجُمهورِ الفُقَهاءِ، وكثيرٍ من أهلِ الحديثِ. ومالِكٌ يَرَى اسْتِتابَتَهم، فإنْ تابُوا، وإلَّا قُتِلُوا على إفْسادِهِم، لا على كُفْرِهِم. وذهَبتْ طائِفةٌ من أهلِ الحديثِ إلى أنَّهم كُفَّارٌ مُرْتَدُّونَ، حُكْمُهم حُكْمُ الْمُرْتَدِّين، تُباحُ (١٢) دِماؤهُم وأَمْوالُهم، فإن تَحَيَّزُوا في مكانٍ، وكانتْ لهم مَنَعَةٌ وشَوْكَةٌ، صارُوا أهلَ حربٍ، كسائرِ الكُفَّارِ، وإن كانُوا في قَبْضَةِ الإِمامِ، اسْتَتابَهم، كاسْتِتابَةِ الْمُرْتَدِّينَ، فإن تابُوا، وإلَّا ضُرِبَتْ أَعْناقُهم، وكانتْ أمْوالُهم فَيْئًا، لا يَرِثُهم وَرَثَتُهم المسلمون؛ لما رَوى أبو سعيدٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "يَخْرُجُ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَأَعْمَالَكُمْ مَعَ أَعْمَالِهِمْ، يَقْرَأونَ الْقُرَآنُ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّيَنِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُرُ في النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، [وَيَنْظُرُ في الْقِدْحِ فَلَا يَرَى شَيْئًا] (١٣)، وَيَنْظُرُ في الرِّيشِ فَلَا يَرَى شَيْئًا، ويَتَمَارَى في الْفُوقِ" (١٤) رواهُ مالِكٌ، في "مُوَطَّأه"، والبُخَارِيُّ في "صَحيحهِ" (١٥). وهو

стр. 6377

حديثٌ صحيحٌ، ثابتُ الإِسْنادِ. وفي لفظٍ قال: "يَخْرُجُ قَوْمٌ في آخِرِ الزَّمَانِ، أَحْدَاثُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ (١٦) الْبَرِيَّةِ، يَقْرَأونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَما لَقِيتَهُمْ فَاقْتُلْهُمْ؛ فَإِنَّ فِي (١٦) قَتْلِهِمْ أجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". روَاه البُخَارِيُّ (١٧). ورُوِيَ مَعْناهُ مِن وُجوهٍ. يقولُ: فَكَما خَرَجَ هَذَا السَّهْمُ نَقِيًّا خَالِيًا مِنَ الدَّمِ وَالْفَرْثِ، لم يتعلَّقْ منهما (١٨) بِشَىْءٍ، كذلكَ خُرُوجُ هؤلاءِ مِن الدِّينِ، يَعْنِي الْخَوَارِجَ. وعن أبي أُمَامَةَ، أَنَّه رَأَى رُءُوسًا مَنْصُوبَةً على دَرَجِ مَسْجِدِ دِمَشْقَ، فقال: "كِلَابُ النَّارِ، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، خيرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوه". ثم قَرَأَ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (١٩) إلى آخِرِ الآيَةِ. فقِيلَ له: أنتَ سَمعْتَه مِنْ رسولِ اللهِ ﷺ ؟ قال: لو لم أَسْمَعْهُ إلَّا مَرّةً، أو مَرَّتين، أَو ثَلاثًا، [أو أرْبَعًا] (٢٠) - حتى عَدَّ سَبْعًا - ما حَدَّثْتُكُمُوهُ (٢١). قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ. ورَواه ابنُ مَاجَه، عن سَهْلٍ، عن ابنِ عُيَيْنَةَ، عن أبي غالبٍ، أنَّه سَمِعَ أَبا أُمامةَ يقولُ: "شَرُّ قَتْلَى قُتِلُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، وخيرُ قَتلَى مَنْ

стр. 6378

قَتَلُوا، كِلابُ أَهْلِ النَّارِ، كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ، كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ، قَد كانَ هَؤُلاءِ مُسْلِمينَ فصَارُوا كُفَّارًا". قلت: يا أبا أُمامةَ، هذا شيءٌ تقولُه؟ قال: بل سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ . وعن عليٍّ، ﵁، في قولِه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ (٢٢). قال: "هم أهْلُ النَّهْرَوَانِ" (٢٣). وعن أبي سعيدٍ، في حديثٍ آخرَ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتلَ عَادٍ" (٢٤). وقال: "لَا يُجَاوِزُ إيمانُهُم حَنَاجِرَهُمْ". وأكثَرُ الْفقهاءِ على أَنَّهُم بُغَاةٌ، ولا يَرَوْنَ تَكْفِيرَهم، قال ابنُ عبد البَرِّ (٢٥): لا أعلمُ أَحدًا وافقَ أَهلَ الحديثِ على تكْفيرِهم (٢٦) وجَعْلِهم كالمُرْتَدِّينَ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ، في الحديثِ الذي رَوَيْناه: قولُه: "يَتَمارَى فِي الفُوقِ". يَدُلُّ على أَنَّه لم يُكَفِّرْهم؛ لِأَنَّهم عَلِقُوا مِن الإِسْلَامِ بِشىءٍ، بحيثُ يُشَكُّ فِي خُرُوجِهِم منه. ورُوِيَ [أنَّ عَلِيًّا] (٢٧) لمَّا قاتلَ أهلَ النَّهْرِ قال لأَصْحَابِه: لا تَبْدَأُوهم بِالقِتالِ. وبَعَثَ إليهم: أَقِيدُونا بِعبدِ اللَّه بنِ خَبَّابٍ. قالوا: كلُّنا قَتَلَه (٢٨). فحينئذٍ اسْتَحلَّ قِتالَهم؛ لإِقْرارِهم على أنْفُسِهم بما يُوجِبُ قَتْلَهم. وذَكَرَ ابنُ عبدِ البَرِّ، عن عليٍّ، ﵁، أنَّه سُئِلَ عن أَهْلِ النَّهْرِ، أَكُفَّارٌ هم؟ قال: مِن الْكُفْرِ فَرُّوا. قيل: فمُنافقون؟ قال: إنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَذكُرُونَ اللهَ إلَّا قَلِيلًا. قِيلَ: فما

стр. 6379

هم؟ قال: هم قَوْمٌ أصابَتْهم فِتْنَةٌ، فَعَمُوا فيها وصَمُّوا، وبَغَوْا عَلَيْنا، وقَاتَلُونا فَقَاتَلْنَاهمْ (٢٩). ولمَّا جَرَحَه ابنُ مُلْجَمٍ، قال للحسنِ: أَحْسِنُوا إسَارَهُ، فإنْ عِشْتُ فَأنا وَلِيُّ دَمِي، وإنْ مِتُّ فَضَرْبَةٌ كضَرْبَتِي. وهذا رَأْيُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ فيهم، وكثيرٍ مِن العلماءِ (٣٠). والصحيحُ، إنْ شاءَ اللهُ، أنَّ الخوارِجَ يجوزُ قَتْلُهم ابْتداءً، والإِجازَةُ على جَرِيحِهِم؛ لأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بقَتْلِهم، وَوَعْدِه بالثَّوابِ مَنْ قَتَلَهم، فإنَّ عَليًّا، ﵁، قال: لولا أنْ تَبْطَرُوا (٣١)، لَحَدَّثْتُكُمْ بما وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ يقتلونهم على لسانِ محمدٍ ﷺ (٣٢)؛ ولأنَّ بِدْعَتَهم، وسُوءَ فِعْلِهم، يَقْتَضِي حِلَّ دِمَائِهِمْ؛ بِدَليلِ ما أخْبَرَ به النَّبِيُّ ﷺ ، مِنْ عِظَمِ ذَنْبهِم، وأنَّهم شَرُّ الخَلْقِ والخليقةِ، وأَنَّهم يَمْرُقُونَ مِن الدِّينِ، وأَنَّهم كِلابُ النَّارِ، وحَثِّه على قَتْلِهم، وإخْباره بأَنَّه لو أدْرَكَهم لَقَتَلَهم قَتْلَ عادٍ، فلا يجوزُ إلْحاقُهم بِمَنْ أمرَ النَّبِيُّ ﷺ بالكَفِّ عنهم، وتَورَّعَ كثيرٌ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ عن قِتالِهم، ولا بِدْعةَ فيهم. الصِّنْفُ الرَّابعُ، قومٌ من أهلِ الحقِّ، يَخْرجُون عن قَبْضَةِ الإِمامِ، ويَرومُون خَلْعَه لتأويلٍ سائِغٍ، وفيهم مَنَعَةٌ يَحْتاجُ في كفِّهم إلى جَمْعِ الجيشِ، فهؤلاءِ البُغاةُ، الذين نذكرُ في هذا البابِ حُكْمَهم، وواجبٌ على النَّاسِ مَعُونةُ إِمامِهم، في قتالِ البُغَاةِ؛ لما ذكرْنا في أوَّلِ البابِ؛ ولأنَّهم لو تَرَكُوا مَعُونَتَه، لقَهَره أهلُ البَغْيِ، وظهرَ الفسادُ في الأرضِ.

стр. 6380

١٥٣٢ - مسألة؛ قال أبو القاسمِ، ﵀: (وإِذَا اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِمَامٍ، فَمَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَطْلبُ مَوْضِعَه، حُورِبُوا، ودُفِعُوا بأَسْهَلِ مَا يَنْدَفِعُونَ بِهِ) وجملةُ الأمرِ أَنَّ مَن اتَّفَقَ المسلمون على إمامَتِه وبَيْعَتِه، ثَبَتَتْ إمامَتُه، ووجَبَتْ مَعونَتُه؛ لما ذَكَرْنَا من الحديثِ والإِجْماعِ، وفي مَعناه، مَنْ ثَبَتَتْ إمامتُه بَعْهدِ النَّبيِّ ﷺ ، أو بِعَهْدِ إمامٍ قبلَه إليه، فإنَّ أبا بكر ثَبَتَتْ إمامتُه بإجماعِ الصحابةِ على بَيْعَتِه، وعُمَرَ ثَبَتَتْ إمامتُه بَعْهدِ أبي بكرٍ إليه، وأجْمَعَ الصَّحابةُ على قَبولِهِ. ولو خرجَ رجلٌ على الإِمامِ، فقهرَه، وغلَبَ الناسَ بسيفهِ حتى أَقرُّوا له، وأذْعَنُوا بطاعتِه، وبَايَعُوه، صارَ إمامًا يَحْرُمُ قِتالُه، والخروجُ عليه؛ فإنَّ عبدَ الملكِ بنَ مروانَ، خرج على ابنِ الزُّبَيْرِ، فقَتلَه، واستَوْلَى على البلادِ وأهلِها، حتى بايَعُوه طَوْعًا وكَرْهًا، فصارَ إمامًا يحْرُمُ الخروجُ عليه؛ وذلك لما في الخُروجِ عليه من شَقِّ عَصَا المسلمين، وإراقة دِمائِهم، وذَهابِ أمْوالِهم، ويدْخُلُ الخارجُ عليه في عُمومِ قولِه ﵇: "مَنْ خَرَجَ على أُمَّتِي، وهُمْ جَمِيعٌ، فاضْرِبُوا عُنُقَهُ بالسَّيفِ، كَائِنًا مَنْ كانَ" (١). فمن خَرَجَ على مَنْ ثَبَتَتْ إمامَتُه بأَحَدِ هذه الوُجُوهِ باغِيًا، وجبَ قِتالُه، ولا يجوزُ قتالُهم حتى يَبْعَثَ إليهم من يَسْأَلُهم، ويَكْشِفَ لهم الصوابَ، إلَّا أَنْ يخافَ كَلَبَهم (٢)؛ فلا يُمْكِنُ ذلك في حَقِّهم. فأَمَّا إنْ أمْكَنَ تَعْرِيفُهم، عَرَّفَهُم ذلك، وأزالَ ما يذكرُونَه مِن المَظالمِ، وأزاحَ (٣) حُجَجَهم، فَإِنْ لَجُّوا، قَاتلَهم حينئذٍ؛ لأَنَّ اللهَ تعالى بدأَ بالأمرِ بالإِصْلاحِ قبلَ القتالِ، فقال سبحانَه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٤). ورُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا، ﵁، راسلَ

стр. 6381

أهلَ البصرَةِ قبلَ وَقْعَةِ الجملِ، ثم أمرَ أصحابَه أنْ لا يَبْدَأُوهم بالقتالِ، ثم قال: إنَّ هذا يومٌ من فَلَجَ (٥) فيه فَلَجَ (٥) يومَ القيامةِ. ثم سَمِعَهم يقولون: اللهُ أكبرُ، [يالَثاراتِ] (٦) عثمانَ. فقال: اللَّهُمَّ أكِبَّ قَتَلَةَ عثمانَ لوُجُوهِهم (٧). ورَوَى عبدُ اللَّه بنُ شَدَّادِ بنِ الهادِ (٨)، أنّ عليًّا لمَّا اعتزلَتْهُ الحَرُورِيَّةُ (٩)، بعثَ إليهم عبدَ اللهِ بنَ عباسٍ، فواضَعُوه كتابَ اللهِ ثلاثةَ أيامٍ، فرَجَعَ منهم أربعةُ آلافٍ (١٠). فإنْ أَبَوُا الرُّجُوعَ، وعَظَهم، وَخَوَّفَهم القِتالَ؛ وإنَّما كان كذلك، لأنَّ المقصودَ كَفُّهم، ودَفْعُ شَرِّهم، لا قَتْلُهم، فإذا أمْكَنَ بمُجَرَّدِ القَوْلِ، كان أوْلَى مِن القِتالِ؛ لما فيه مِن الضَّرَرِ بالفَرِيقَيْن. فإنْ سَألُوا الإِنْظارَ، نَظَرَ في حالهم، وبَحَثَ عن أمْرِهم، فإنْ بانَ له أنَّ قصدَهم الرُّجوعُ إلى الطَّاعةِ، ومَعْرِفةُ الحقِّ، أمْهَلَهم. قالَ ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَنْ أحْفَظُ عنه من أهلِ العِلمِ. وإنْ كان قصْدُهم الاجْتماعَ على قِتالِه، وانتظارَ مَدَدٍ يَقْوَوْنَ بِه، أو خَديعةَ الإِمامِ (١١)، ليأْخُذُوه على غِرَّةٍ، ويفترقَ عَسْكرُه، لم يُنْظِرْهم، وعاجَلَهم؛ لأنَّه لا يأْمنُ أنْ يصيرَ هذا طَريقًا إلى قَهْرِ أهلِ العَدْلِ، ولا يجوزُ هذا، وإنْ أَعْطَوهُ عليه مالًا؛ لأنَّه لا يجوزُ أنْ يأخذَ المالَ على إقرارِهم على ما لا يجوزُ إقْرارُهم عليه. وإن بُذِلَ له رَهائنُ على إنْظارِهم، لم يَجُزْ أخْذُها لذلك؛ ولأنَّ الرّهائنَ لا يجوزُ قَتْلهُم لغَدْرِ أهلهم، فلا يُفِيدُ شيئًا. وإن كان في أَيْدِيهم

стр. 6382

أَسْرَى من أهلِ العَدْلِ، وأعْطَوا بذلك رَهائِنَ منهم، قَبِلَهم الإِمامُ، واسْتَظْهَرَ للمسلمينَ؛ فإن أطْلَقوا أسْرَى المسلمين الذين عِندَهمِ، أُطْلِقَتْ رَهائِنُهم، وإن قتَلُوا مَنْ عِندَهم، لم يَجُزْ قَتْلُ رَهائِنهِم؛ لأنَّهم لا يُقْتَلون بِقَتْلِ غَيْرِهم، فإذا انْقَضَتِ الْحَربُ، خَلَّى الرَهائنَ، كما تُخَلَّى الأسَارَى منهم. وإن خافَ الإِمامُ على الفِئَةِ العادلَةِ الضَّعْفَ عنهم، أَخَّرَ قِتالَهم إلى أنْ تُمْكِنَه القُوَّةُ عليهم؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ الاصْطِلامُ والاسْتِئْصالُ، فيُؤخِّرُهم حتى تَقْوَى شَوْكَةُ أهلِ العَدْلِ، ثم يُقَاتِلُهم. وإن سَأَلُوه أن يُنْظِرَهم أبَدًا، ويدَعَهم وما هُمْ عليه، ويَكُفُّوا عن المسلمين، نَظَرْتَ، فإِن لم يَعْلَمْ قُوَّتَه عليهم، وخافَ قَهْرَهم له إن قاتَلَهم، تَرَكَهم. وإن قَوِىَ عليهم، لم يَجُزْ إقْرارُهم على ذلك؛ لأنَّه لا يجوزُ أنْ يتركَ بعضُ المسلمين طاعةَ الإِمامِ، ولا تُؤْمَنُ قُوَّةُ شَوْكَتِهم، بحيثُ يُفْضِي إلى قَهْرِ الإِمام العادلِ ومَن معه. ثم إنْ أمْكنَ دَفْعهُم بدونِ (١٢) القَتْلِ، لم يَجُزْ قَتْلُهم؛ لأنَّ المقصودَ دَفْعُهم [لا قَتْلُهم] (١٣)؛ ولأنَّ المقصودَ إذا حَصَلَ بدُونِ القَتْلِ، لم يَجُز القَتْلُ من غيرِ حاجةٍ. وإن حَضَرَ معهم مَنْ لا يُقاتِلُ، لم يَجُزْ قَتْلُه. وقال أصحابُ الشافِعيِّ: فيه وَجْهٌ آخَرٌ، يجوزُ؛ لأنَّ عليًّا، ﵁، نَهَى أصحابَه عن قتلِ محمدِ بنِ طلحةَ السَّجَّادِ، وقال: إيَّاكم وصاحبَ البُرْنُسِ. فقتلَه رجلٌ، وأنشأ يقولُ: وأشْعَثَ قَوَّامٍ بآياتِ رَبِّه ... قليلِ الأذَى فيما تَرى العينُ مُسْلمِ هَتَكْتُ له بالرُّمْحِ جَيْبَ قَمِيصِه ... فَخَرَّ صَرِيعًا لليدَيْنِ وللْفَمِ على غيرِ شيءٍ غيرَ أنْ ليس تابعًا ... عَلِيًّا ومَنْ لم يَتْبَعِ الحقَّ يَظْلِمِ يُناشِدُني حم، والرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فهلَّا تَلَا حم قبلَ التَّقَدُّمِ (١٤) وكان السَّجَّادُ حاملَ رايةِ أبيهِ، ولم يكُنْ يُقاتِلُ، فلم يُنْكِرْ علىٌّ قتْلَه، ولأنَّه صارَ رِدْءًا (١٥)

стр. 6383

لهم. ولَنا، قولُ اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (١٦). والأخبارُ الواردةُ في تَحْرِيمِ (١٧) قَتْلِ المسْلمِ، والإِجماعُ على تحْريمِهِ، وإنما خُصَّ مِن ذلك ما حَصَلَ ضَرُورةَ دَفْعِ الباغِى والصائِلِ، ففيما عداهُ يَبْقَى على العُمومِ والإِجْماعِ فيه؛ ولهذا حَرُمَ قتلُ مُدْبِرهِم وأسيرِهم، والإِجْهَازُ على جَرِيحهِم، مع أنَّهم إنَّما تَركُوا القتالَ عَجْزًا عنه، ومتى ما قَدَرُوا عليه، عادُوا إليه، فَمنْ لا يُقاتِلُ تَوَرُّعًا عنه مع قُدْرَتِه عليه ولا يُخافُ منه القتالُ بعدَ ذلك أَوْلَى، ولأنَّه مُسْلِمٌ، لم يَحْتَجْ إلى دَفْعِه، ولا صدَر منه أَحدُ الثلاثَةِ، فلم يَحِلَّ دَمُه؛ لِقولِه ﵇: "لا يَحِلُّ دَمُ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ إلَّا بإِحْدَى ثَلاثٍ" (١٨). فأمَّا حديثُ عَلِيٍّ، في نَهْيهِ عن قتلِ السَّجَّادِ، فهو حُجَّةٌ عليهم (١٩)، فإنَّ نَهْىَ علىٍّ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ مَنْ خَالَفَه، ولا يَمْتَثِلُ قولَ اللَّه تعالى، ولا قولَ رسولِه، ولا قولَ إِمامِه. وقولُهم: لم يُنْكِرْ قَتْلَه؛ قُلْنا: لم يُنْقَلْ إلينا أَنَّ عَلِيًّا عَلِمَ حَقِيقَةَ الحالِ في قَتْلِه، ولا حَضَرَ قَتْلَه فيُنْكِرَه، وقد جاءَ أنَّ عَلِيًّا، ﵁، حينَ طافَ في القَتْلَى رآهُ، فقال: السَّجَّادُ، ورَبِّ الكعبَةِ، هذا الذي قَتلَه بِرُّه بأبيه. وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يَشْعُرْ بِقَتْلِه. ورأَى كَعْبَ بن سُورٍ، فقال: يَزْعُمونَ أَنَّما خَرَجَ إلينا الرِّعاعُ، وهذا الْحَبْرُ بينَ أظْهُرِهم! ويجوزُ أن يكونَ تَرْكُه الإِنْكارَ عليهم اجْتزاءً بالنَّهْيِ المتقدِّمِ؛ ولأَنَّ القَصْدَ من قتالِهِم كَفُّهم، وهذا كافٍ لنَفْسِه، فلم يَجُزْ قتلُه كالمُنْهَزِمِ. فصل: وإذا قاتلَ معهم عبيدٌ ونساءٌ وصبيانٌ، فهم كالرَّجُلِ البالغِ الحُرِّ، يُقاتَلون مُقْبِلين، ويُتْرَكُونَ مُدْبِرين؛ لأَنَّ قتالَهم للدَّفْعِ، ولو أرادَ أحدُ هؤلاءِ قتلَ إنسانٍ، جازَ دَفْعُه وقِتالُه، وإن أتَى على نفسِه؛ ولذلك قُلْنا في أهلِ الحربِ إذا كان معهم النساءُ والصِّبيانُ، يُقاتِلون: قُوتِلُوا، وقُتِلُوا.

стр. 6384

فصل: ولا يُقْاتَلُ البُغاةُ بما يَعمُّ إتْلافُه، كالنَّارِ، والمَنْجَنِيقِ، والتَّغْرِيقِ، مِن غيرِ ضَرُورةٍ؛ لأنَّه لا يجوزُ قَتْلُ مَن لا يُقاتِلُ، وما يَعُمُّ إتلافُه يقعُ على مَن يُقاتلُ ومَن لا يُقاتِلُ. فإن دَعَتْ إلى ذلك ضرورةٌ، مثل أنْ يحتاطَ بهم البُغاةُ، ولا يُمْكِنُهم التَّخَلُصُ إلَّا بِرَمْيِهم بما يَعُمُّ إتْلافُه، جازَ ذلك. وهذا قول الشافعي. وقال أبو حنيفةَ: إذا تحصَّنَ الخوارجُ، فاحتاجَ الإمامُ إلى رَمْيِهم بالمنْجَنِيقِ، فَعَلَ ذلك بهم ما كان لهم عَسْكَرٌ، وما لم يَنْهَزِمُوا، وإن رَماهم البُغاةُ بالمَنْجَنِيقِ والنَّارِ، جازَ رَمْيُهم بمثلِه. فصل: قال أبو بكرٍ: وإذا اقْتَتَلَتْ طائفتانِ من أهلِ البَغْيِ، فقَدَرَ الإِمامُ على قهرِهما، لم يُعِنْ واحدةً منهما؛ لأنَّهما جميعًا على الخَطإِ، وإنْ عَجَزَ عن ذلك، وخاف اجْتماعَهما على حَرْبِه، ضَمَّ إليه أقْربَهما إلى الحَقِّ، فإن اسْتَوَيَا، اجْتَهدَ برَأْيِه في ضَمِّ إحداهُما، ولا يَقْصِدُ بذلكَ مَعُونةَ إحداهُما، بل الاسْتعانةَ على الأُخْرَى، فإذا هَزَمَها، لم يُقاتِلْ مَنْ معه حتى يدْعُوَهم إلى الطاعةِ؛ لأنَّهم قد حَصَلُوا في أمانِه. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. ولا يسْتعينُ على قتالِهم بالكُفَّارِ بحالٍ، ولا بمَن يَرَى قَتْلَهم مُدْبِرِينَ. وبهذا قال الشافِعيُّ. وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: لا بَأْسَ أنْ يسْتعينَ عليهم بأهلِ الذِّمَّةِ والمُسْتَأْمَنين وصِنْفٍ آخَرَ منهم، إذا كان أهلُ العَدْلِ هم الظَّاهرين على مَن يَسْتعينُونَ به. ولَنا، أنَّ القَصْدَ كَفُّهم، وردُّهم إلى الطاعةِ، دونَ قَتْلِهم، وإنْ دعتِ الحاجَةُ إلى الاسْتعانة بهم، فإن كان يَقْدِرُ على كَفِّهم، اسْتعانَ بهم، وإن لم يَقْدِرْ، لم يَجُزْ. فصل: وإذا أظْهَرَ قَوْمٌ رَأىَ الخَوارِجِ، مثلَ تكفيرِ مَن ارْتكبَ كبيرةً، وتَرْكِ الجماعةِ، واستحلالِ دماءِ المسلمينَ وأَمْوالِهم، إلَّا أنَّهم لم يخْرُجُوا عن قَبْضةِ الإِمامِ، ولم يَسْفِكُوا الدَّمَ الحَرامَ، فحَكَى القاضِى عن أبي بكرٍ، أنَّه لا يَحِلُّ بذلك قَتْلُهم ولا قِتالُهم. وهذا قولُ أبي حَنيفَة، والشافعيِّ، وجُمْهورِ أهلِ الفقه. ورُوِيَ ذلك عن عمرَ بنِ عبد العزيز. فعلى هذا، حكمُهم في ضَمانِ النَّفْسِ والمالِ حُكْمُ المسلمين. وإن سَبُّوا الإِمامَ أو غيرَه من أهلِ العدلِ، عُزِّرُوا؛ لأنَّهم ارْتَكَبُوا مُحَرَّمًا لا حَدَّ فيه. وإن عَرَّضُوا

стр. 6385

بالسَّبِّ، فهل يُعَزَّرُونَ؟ على وَجْهَين. وقال مالكٌ في الإِباضيَّةِ (٢٠)، وسائرِ أهِل البِدَعِ: يُسْتَتابُون، فإن تابُوا، وإلَّا ضُرِبَتْ أَعْنَاقُهم. قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: رأَى مالكٌ قتلَ الخوارجِ وأهلِ القَدَرِ، من أجلِ الفسادِ الدَّاخلِ في الدِّينِ، كقُطَّاعِ الطريقِ، فإن تَابُوا، وإلَّا قُتِلُوا على إفْسادِهِم، [لا على كُفْرِهم] (٢١). وأمَّا مَن رأى تكفيرَهم، فمُقتضَى قولِه، أنَّهم يُسْتَتابون، فإن تابُوا، وإلَّا قُتِلُوا لِكُفْرِهم، كما يُقْتَلُ الْمرْتَدُّ، وحُجَّتُهم قَوْلُ النَّبيِّ ﷺ : "فَأَيْنَما لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ" (٢٢). وقولهُ ﵇: "لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ، لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ" (٢٣). وقولُه ﷺ في الذي أنْكَرَ عليه، وقال: إنَّها لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بها وَجْهُ اللهِ. لأَبي بكرٍ: "اذْهَبْ فَاقْتُلْه". ثم قال لعمرَ مثلَ ذلك (٢٤)، فأمَرَ بِقَتْلِه قَبْلَ قِتَالِهِ. وهو الذي قال: "يَخْرُجُ من ضِئضِئِ (٢٥) هَذَا قَوْمٌ". يَعني الخوارجَ. وقولُ عمرَ لصَبِيغٍ: لو وَجَدْتُك مَحْلُوقًا، لَضَرَبْتُ الذي فيهِ عيناكَ بالسَّيفِ (٢٦). يَعني لقَتَلْتُك. وإنَّما يَقْتُلُه لكَوْنِه من الخَوارجِ؛ فإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "سِيمَاهُمُ التَّسْبِيدُ" (٢٧). يعني حَلْقَ رُءُوسِهِم. واحتجَّ الأوَّلونَ بفعِل عَلِيٍّ، رَضِيَ

стр. 6386

اللهُ عنه، فإنَّه رُوِيَ عنه، أنَّه كان يَخْطُبُ يومًا، فقال رجلُ ببابِ المسجدِ: لا حُكْمَ إلَّا للهِ. فقال عليٌّ: كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بها بَاطِلٌ. ثم قال: لكم علينا ثلاثٌ؛ لا نَمْنَعكُمْ مَساجِدَ اللهِ أنْ تَذكُروا فيها اسْمَ اللهِ تعالى، ولا نَمْنَعُكُم الْفَىْءَ ما دامتْ أيدِيكم معنا، ولا نَبْدأُكم بقتالٍ (٢٨). وروَى أبو يحيى، قال: صَلَّى عليٌّ، ﵁، صلاةً، فناداهُ رَجلٌ من الخَوارجِ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢٩). فأجابه عليٌّ، ﵁: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (٣٠). وكتبَ عديٌّ بنُ أرْطاةَ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيز: إنَّ الخوارجَ يَسُبُّونَكَ. فكتبَ إليه: إنْ سَبُّونِي فسُبُّوهم، أو اعْفُوا عنهم، وإن شَهَرُوا السِّلاحَ فاشْهِرُوا عليهم، وإنْ ضَرَبُوا فَاضْرِبُوا. ولأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يتعَرَّضْ للمنافقين الذين معه في المدينةِ، فلأنْ لا يُتَعرَّضَ لغيرِهم أوْلَى. وقد رُوِيَ في خبرِ الخارِجِيِّ الذي أنْكَرَ عليه، أنَّ خالدًا قال: يا رسولَ اللَّه، ألَا أضْرِبُ عُنُقَه؟ قال: "لَا (٣١)، لعَلَّه يُصَلِّي". قال: رُبَّ مُصَلٍّ لا خيرَ فيه. قال: "إنِّي لم أُوْمَرْ أنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ" (٣٢). ١٥٣٣ - مسألة؛ قال: (فإنْ آلَ مَا دفِعُوا بِهِ إلى نُفُوسِهِمْ، فَلَا شَىْءَ على الدَّافِعِ، وإنْ قُتِلَ الدَّافِعُ فَهُوَ شَهِيدٌ) وجملتُه أنَّه إذا لم يُمْكِنْ دَفَعُ أَهلِ البَغْيِ إلَّا بقَتْلِهم، جاز قَتْلُهم، ولا شىءَ على مَنْ

стр. 6387

قَتَلَهم؛ مِن إِثْمٍ ولا ضَمانٍ ولا كَفَّارَةٍ؛ لأَنَّهُ فعَل ما أُمِرَ به، وقتل مَنْ أحَلَّ اللهُ قَتْلَه، وأمَرَ بمُقَاتَلَتِهِ، وكذلك ما أتْلَفَه أهلُ العدلِ على أهلِ البَغْيِ حالَ الحربِ، من المالِ، لا ضَمانَ فيه؛ لأنَّهم إذا لم يُضَمَّنُوا الأنْفُسَ، فالأَمْوَالُ أَوْلَى. وإنْ قُتِلَ العادِلُ، كان شَهِيدًا؛ لأنَّه قُتِلَ في قِتالٍ أَمَرَ اللهُ تعالى بِه بقَولِه: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ (١). وهل يُغَسَّلُ ويُصَلَّى عليه؟ فيه روَايتانِ؛ إحداهُما، لا يُغَسَّلُ، ولا يُصَلّى عليه؛ لأنَّه شَهِيدُ معركةٍ أُمِرَ بالقتالِ فيها، فأشْبَهَ شَهِيدَ معركةِ الكُفَّارِ. والثانيةُ، يُغَسَّلُ، ويُصَلَّى عليه. وهو قَولُ الأوْزَاعِيِّ، وابنِ الْمُنْذِرِ؛ لأنَّ (٢) النَّبِيَّ ﷺ أمرَ بالصلاةِ على مَن قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، واسْتَثْنَى قَتِيلَ الكُفَّارِ في المَعْركةِ (٣)، ففيما عَدَاهُ يَبْقَى على الأصْلِ؛ ولأَنَّ شَهِيدَ مَعْركةِ الكفارِ أَجْرُهُ أعظمُ، وفَضْلُه أكْثرُ، وقد جاء أنَّه يُشَفَّعُ في سبعينَ من أهلِ بيتِه (٤)، وهذا لا يَلْحَقُ به في فضلِه، فلا يثْبُتُ فيه مثلُ حُكْمِه، فإنَّ الشىءَ إنَّما يُقَاسُ على مثلِه. فصل: وليس على أهلِ البَغْيِ أيضًا ضَمانُ ما أتْلَفُوه حالَ الحربِ، من نفسٍ ولا مَالٍ. وبه قالَ أبو حنيفةَ، والشافِعِيُّ، في أَحدِ قَوْليْه. وفي الآخَرِ، يَضْمَنونَ ذلك؛ لقولِ أبي بكرٍ لأهلِ الرِّدَّةِ: تَدُونَ قَتْلَانا، ولا نَدِي قَتْلاكُمْ (٥). ولأنَّها نفوسٌ وأموالٌ مَعْصُومةٌ، أُتْلِفَتْ بِغيرِ حَقٍّ ولا ضرورةِ دَفْعِ مُباحٍ؛ فوجبَ ضَمانُه، كالذي تَلِفَ (٦) في غيرِ حالِ الحربِ. ولَنا، ما روَى الزُّهْرِيُّ، أنَّه قال: كانتِ الفتنةُ العُظْمَى بينَ النَّاسِ،

стр. 6388

وفيهم البَدْرِيُّون، فأَجْمعُوا على أنْ لا يُقامَ حَدٌّ على رجلٍ ارتكبَ فَرْجًا حَرامًا بِتَأْويلِ القرآنِ، ولا يَغْرَمَ مالًا أَتْلَفَه بتأْويلِ القرآنِ (٧). ولأنَّها طائفةٌ مُمْتَنِعَةٌ بالحربِ، بتأويلٍ سائغٍ، فلم تَضْمَنْ ما أَتْلَفَتْ على الأُخْرَى، كأهلِ العدلِ، ولأَنَّ تَضْمِينَهم يُفْضِي إلى تَنْفيرِهم عن الرُّجوعِ إلى الطَّاعةِ، فلا يُشْرَعُ، كتَضْمينِ أهلِ الحربِ. فأمَّا قولُ أبى بكرٍ، ﵁، فقد رَجَعَ عنه، ولم يُمْضِه، فإنَّ عمرَ قال له: أمَّا أنْ يَدُوا قَتْلانا فلا؛ فإنَّ قَتْلانا قُتِلُوا في سبيلِ اللَّه تعالى، على ما (٨) أمرَ اللهُ. فوَافَقَه أبو بكرٍ، ورَجَعَ إلى قولِه، فصارَ أيضًا إجماعًا حُجَّةً لنا، ولم يُنْقَلْ أنَّه أغْرَمَ (٩) أحدًا شيئًا من ذلك. وقد قتل طُلَيْحَةُ عُكَّاشةَ بنَ مِحْصَنٍ، وثابتَ بنَ أقْرَمَ، ثم أسْلَمَ، فلم يُغَرَّمْ شيئًا (١٠). ثم لو وَجَبَ التَّغْريمُ في حقِّ المُرْتدِّين، لم يَلزَمْ مثلُه ههُنا، فإنَّ أولئِك كفارٌ لا تأويلَ لهم، وهؤلاءِ طائفةٌ مِن المسلمين لهم تأويلٌ سائغٌ، فكيف يَصِحُّ إلْحاقُهم بهم! فأمَّا ما أتْلَفَه بعضُهم على بعضٍ، في غيرِ حالِ الحربِ، قبلَه أو بعدَه، فعلى مُتْلِفهِ ضَمانُه. وبهذا قال الشافِعيُّ، ولذلك لمَّا قَتَلَ الخوارجُ عبدَ اللَّه بنَ خَبَّابٍ، أرْسلَ إليهم عَلِيٌّ: أقِيدُونا من عبدِ اللَّه بنِ خَبَّابٍ (١١). ولما قَتَلَ ابنُ (١٢) مُلْجَمٍ عليًّا في غيرِ المعركَةِ، أُقِيدَ به (١٣). وهل يَتَحَتَّمُ قَتْلُ البَاغِي إذا قتلَ أحدًا من أهلِ العدلِ في غيرِ المعركةِ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَتَحَتَّمُ؛ لأنَّه قتلَ بإشْهارِ السِّلاحِ والسَّعْيِ في الأرضِ بالفَسادِ، فيُحَتَّمُ قَتْلُه، كقاطعِ (١٤) الطريقِ. والثاني: لا يَتَحَتَّمُ. [وهو الصَّحِيحُ] (١٥)؛ لقولِ عليٍّ، رَضِيَ

стр. 6389

اللَّه عنه: إنْ شئتُ (١٦) أعْفُو، وإن شئتُ اسْتَقَدْتُ. فأمَّا الخوارجُ، فالصحيحُ، على ما ذكَرْنَا، إباحةُ قَتْلِهم، فلا قِصاصَ على قاتلِ أحدٍ منهم، ولا ضَمانَ عليه في مالِه. ١٥٣٤ - مسألة؛ قال: (وَإذَا دُفِعُوا لَمْ يُتْبَعْ لَهُمْ مُدْبِرٌ، [ولا يُجَازُ] (١) عَلَى جَرِيحِهِمْ (٢)، وَلَمْ يُقْتَلْ لَهُمْ أَسِيرٌ، ولَمْ يُغْنَمْ لَهُمْ مَالٌ، وَلَم تُسْبَ لَهُمْ (٣) ذُرِّيَّةٌ) [وجُمْلةُ الأمرِ] (٤) أنَّ أهلَ البَغْيِ إذا تركُوا القتالَ؛ إمَّا بالرُّجُوعِ إلى الطَّاعةِ، وإمَّا بإلْقاءِ السِّلاحِ، وإمَّا بالهزيمةِ إلى فِئَةٍ أو إلى غيرِ فِئَةٍ، وإمَّا بالعَجْزِ؛ لجِرَاحٍ أو مَرَضٍ أو أسْرٍ، فإنَّه يَحْرُمُ قَتْلُهم، واتِّباعُ مُدْبِرِهم. وبهذا قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ، إذا هُزِمُوا ولا فِئَةَ لهم كقَوْلِنا، وإنْ كانتْ لهم فِئَةٌ يَلْجأُون إليها، جازَ قتلُ مُدْبِرِهم وأَسِيرِهم، والإِجازةُ على جَريحِهم، وإنْ لم يكُنْ لهم فِئَةٌ، لم يُقْتَلُوا، لكنْ يُضْرَبون ضَرْبًا وَجِيعًا، ويُحْبَسُونَ حتى يُقْلِعُوا عَمَّا هم عليه، ويُحْدِثُوا تَوْبةً. ذَكَرُوا (٥) هذا في الخوارج. وَيُرْوَى عن ابن عباسٍ نحوُ هذا. واختارَه بعضُ أصْحابِ الشافِعِيِّ؛ لأنَّه متى لم يَقْتُلْهم، اجْتَمعُوا ثم عادُوا إلى المُحارَبَةِ. ولَنا، ما رُوِيَ عن عليٍّ، ﵁، أنَّه قال يومَ الجَمَلِ: لا يُذَفَّفُ (٦) على جَرِيحٍ، ولا يُهْتَكُ سِتْرٌ (٧)، ولا يُفْتَحُ بابٌ، ومن أغْلَقَ بابًا أو بابَه فهو آمنٌ، ولا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ (٨). وقد رُوِيَ نحوُ ذلك عن عَمَّارٍ. وعن عليٍّ، ﵁، أنَّه

стр. 6390

وَدَى قومًا من بيتِ مالِ المسلمين، قُتِلُوا مُدْبِرين. وعن أبي أُمامَةَ، أنَّه قال: شَهِدتُ صِفِّينَ، فكانوا لا يُجِيزونَ على جَرِيحٍ، ولا يَقْتُلُونَ مُولِيًا، وَلا يَسْلِبون قتيلًا (٩). وقد رَوَى (١٠) القاضِي، في "شَرحِه"، عن عبدِ اللَّه بنِ مسعودٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، مَا حُكْمُ مَنْ بَغَى عَلَى أُمَّتِي؟ " فقلتُ: اللهُ ورسولُه أعْلَمُ. فقال: "لَا يُتْبَعُ مُدْبِرُهُمْ، وَلَا يُجَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ، وَلَا يُقْسَمُ فَيْئُهُمْ" (٩). ولأنَّ المقصودَ دَفْعُهم وكَفُّهم، وقد حصَلَ، فلم يَجُزْ قَتْلُهم، كالصائلِ. ولا يُقْتَلُون لما يُخَافُ في الثاني، كما لو لم تكُنْ لهم فِئَةٌ. إذا ثبتَ هذا، فإنْ قتلَ إنسانٌ مَنْ (١١) مُنِعَ مِنْ قَتلهِ، ضَمِنَه؛ لأنَّه قتلَ مَعْصومًا، لم يُؤْمَرْ بقتلِه. وفي القِصاصِ وَجْهانِ؛ أحدُهما، يجبُ؛ لأنَّه مُكافِىءٌ مَعْصومٌ. والثاني: لا يجبُ؛ لأنَّ في قَتْلِهم اخْتِلافًا بينَ الأئِمَّةِ، فكانَ (١٢) ذلك شُبْهَةً دارِئَةً للقِصاصِ (١٣)؛ لأنَّه ممَّا يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ. وأمَّا أسِيرُهم، فإنْ دخلَ في الطَّاعَةِ، خُلِّيَ سبيلُه، وإنْ أَبَى ذلك، وكان رجلًا جَلْدًا من أهلِ القتالِ، حُبِسَ ما دامتِ الحربُ قائمةً، فإذا انْقَضتِ الحربُ، خُلِّيَ سَبيلُه، وشُرِطَ عليه أنْ لا يعودَ إلى القتالِ، وإنْ لم يكُن الأسيرُ من أهلِ القتالِ، كالنِّساءِ والصِّبيانِ والشُّيوخِ الفَانِينَ، خُلِّيَ سبيلُهم، ولم يُحْبَسُوا، في أحَدِ الوَجْهَيْن. وفي الآخَرِ، يُحْبَسون؛ لأنَّ فيه كسرًا لِقُلوبِ البُغاةِ. وإن أَسَرَ كلُّ واحدٍ من الفَرِيقَيْن أُسارَى من الفريقِ الآخَرِ، جازَ فِداءُ أُسَارَى أهلِ العدلِ بأُسارَى أهلِ البَغْيِ. وإن قَتَلَ أهلُ البَغْيِ أُسَارَى أهلِ العدلِ، لم يَجُزْ لأهِل العَدْلِ قَتْلُ أُسَارَاهم؛ لأنَّهم لا يُقْتَلونَ

стр. 6391

بجنايةِ غيرِهم، ولا يَزِرُونَ وِزْرَ غيرِهم. وإنْ أبى [أهلُ البَغْيِ] (١٤) مُفاداةَ الأَسْرَى الذين معهم، وحَبَسُوهم، احْتَملَ أن يجوزَ لأَهلِ العدلِ حَبْسُ مَن معهم؛ ليتوصَّلُوا إلى تَخْليصِ أُسَارَاهم بحَبْسِ مَنْ معهم، واحْتَمَلَ (١٥) أن لا يجوزَ حَبْسُهم ويُطْلَقُون؛ لأنَّ الذَّنبَ في حَبْسِ أُسارَى أهلِ العدلِ لغيرِهم. فصل: فأمَّا غَنيمةُ أمْوالِهم، وسَبْيُ ذُرِّيَّتِهم، فلا نعلَمُ في تَحْريمِه بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا، وقد ذكَرْنَا حديثَ أَبي أُمامةَ، وابنِ مسعودٍ؛ ولأنَّهم مَعْصُومون، وإنَّما أُبيحَ من دِمائِهم وأمْوالِهم ما حصلَ من ضَرُورةِ دَفْعِهم وقتالِهم، وما عَداهُ يَبْقَى على أصْلِ التَّحْريمِ. وقد رُوِيَ أنَّ عليًّا، ﵁، يومَ الجملِ، قال: مَن عَرَفَ شيئًا من مالِه مع أحدٍ، فَلْيأْخُذْه. وكانَ بعضُ أصحابِ علىٍّ قد أخذَ قِدْرًا وهو يَطْبخُ فيها، فجاءَ صاحِبُها ليأخُذَها، فسَأَلَه الذي يَطْبُخُ فيها إمْهَالَه حتى يَنْضَجَ الطَّبِيخُ، فأبَى، وكَبَّه، وأخَذَها (١٦). وهذا من جُمْلةِ ما نقَمَ الخوارجُ من عليٍّ، فإنَّهم قالُوا: إنه قاتلَ ولم يَسْبِ ولم يَغْنَمْ، فإن حَلَّتْ له دِماؤُهم، فقد حَلَّتْ له أمْوالُهم، وإنْ حَرُمَتْ عليه أَمْوالُهم، فقد حَرُمَتْ عليه دِماؤُهُم. فقال لهم ابن عباسٍ: أفَتَسْبُونَ أُمَّكُم؟ - يعني عائشةَ ﵂ أَمْ تَستحِلُّون منها ما تَسْتَحِلُّون من غيرِها؟ فإنْ قُلْتُم: ليست أُمَّكم. فقد كَفَرْتُم، وإن قُلْتُم: إنَّها أُمُّكم. واسْتَحْلَلْتُم سَبْيَهَا، فقد كَفَرتُم (١٧). يَعني بقولِه أنَّكُم إنْ جَحَدْتُم أنَّها أُمُّكم، فقد قال اللَّه تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (١٨). فإِنْ لم تكنْ [أُمًّا لهم] (١٩)، لم يكونوا من المؤمنين. ولأَنَّ قتالَ

стр. 6392

البُغاةِ إنَّما هو لدَفْعِهِم ورَدِّهم إلى الحقِّ، لا لكُفْرِهم، فلا يُسْتباحُ منهم إلَّا ما حَصَلَ ضَرُورةَ الدَّفْعِ؛ كالصَّائلِ، وقاطِعِ الطَّريقِ، وبقِىَ حُكْمُ المالِ والذُّرِّيَّةِ على أصلِ العِصْمَةِ. وما أُخِذَ من كُرَاعِهم وسِلاحِهم، لم يُرَدَّ إليهم حالَ الحربِ؛ لئلَّا يُقاتِلُونا به. وذكَر القاضِي، أنَّ أحمدَ أوْمأَ إلى جَوازِ الانْتِفاعِ به حالَ الْتِحامِ الحربِ، ولا يجوزُ في غيرِ قتالِهم. وهذا قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ هذه الحالَ يجوزُ فيها إتْلافُ نُفوسِهمْ وحَبْسُ سِلاحِهم وكُراعِهم (٢٠)؛ فجازَ الانْتِفاعُ به، كسلاحِ أهلِ الحربِ. وقال الشافِعيُّ: لا يجوزُ ذلك إلَّا من ضَرُورةٍ إليه؛ لأنَّه مالُ مسلمٍ، فلم يَجُزْ الانْتفاعُ به بغيرِ إذْنِه، كغيرِه من أمْوالِهم. وقال أبو الخطَّاب: في هذه المسألةِ وَجْهانِ، كالمذْهَبينِ. ومتى انقَضتِ الحربُ، وَجَبَ رَدُّه إليهم، كما تُرَدُّ (٢١) سائرُ أمْوالِهم؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلمٍ إلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ" (٢٢). ورَوَى أبو قَيْسٍ، أنَّ عليًّا، ﵁، نادَى: من وَجَدَ مالَه فليأْخُذْه. ١٥٣٥ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، غُسِّلَ وكُفِّنَ، وَصُلِّيَ عَلَيهِ) يَعني من أهلِ البَغْيِ. وبهذا قال مالِكٌ، والشافِعيُّ. وقال أصحابُ الرَّأْيِ: إنْ لم يكُنْ لهم فِئَةٌ، صُلِّيَ عليهم، وإنْ كانتْ لهم فِئَةٌ، لم يُصَلَّ عليهم؛ لأنَّه يجوزُ قَتْلُهم في هذه الحالِ، فلم يُصَلَّ عليهم، كالكُفَّارِ. ولَنا، قولُ النَّبِيِّ ﷺ : "صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ" (١). رَوَاه الخَلَّالُ، في "جامِعِه". ولأنَّهم مسلِمون لم يثْبُتْ لهم حُكْمُ الشَّهادَةِ، فيغَسَّلون، ويُصَلَّى عليهم، كما لو لم يكُنْ لهم فِئَةٌ. وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالزَّانِي المُحْصَنِ، والمُقْتَصِّ منه، والقاتلِ في المُحارَبَةِ. فصل: لم يُفَرِّقْ أصْحابُنا بينَ الخَوارجِ وغيرِهم في هذا. وهو مذهبُ الشافِعِيِّ،

стр. 6393

وأصْحابِ الرَّأْيِ. وظاهرُ كلامِ أحمدَ، ﵀، أنَّه لا يُصَلَّى على الخَوارجِ فإنَّه قال: أهلُ البِدَعِ، إن مَرِضُوا فلا تَعودُوهُم، وإن ماتُوا فلا تُصَلُّوا عليهم. وقال أحمدُ: الجَهْمِيَّةُ والرَّافِضَةُ لا يُصَلَّى عليهم، قد تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ الصلاةَ بِأقلَّ من هذا. وذكرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أنْ تُقَاتَلَ خَيْبَرُ من ناحيةٍ من نَواحِيها، فقاتلَ رجلٌ من تلك النَّاحيةِ، فقُتِلَ، فلم يُصَلِّ عليه النَّبِيُّ ﷺ (٢). فقِيل له (٣): فإنْ (٤) كانَ في قَرْيةٍ أهلُها نَصارَى، ليس فيها مَن يُصَلِّي عليه. قال: أنا لا أشْهَدُه، يَشْهَدُه مَنْ شاء. وقال مالكٌ: لا يُصَلَّى على الإِباضِيَّةِ، ولا القَدَرِيَّةِ، وسائرِ أهلِ (٥) الأهْواءِ، ولا تُتْبَعُ جَنائِزُهم، ولا تُعادُ مَرْضاهم. والإِباضِيَّةُ صِنفٌ من الخَوارجِ، نُسِبُوا إلى عبدِ اللهِ بنِ إباضٍ، صاحبِ مَقالتِهم. والأزارقةُ أصحابُ نافعِ بنِ الأزْرَقِ. والنَّجَدَاتُ أصحابُ نَجْدةَ الْحَرُورِيِّ. والبَيْهسِيَّةُ أصحابُ بَيْهَسَ. والصُّفْرِيَّةُ قيلَ: إنَّهم نُسِبُوا إلى صُفْرَةِ ألوانِهم، وأصنافُهم كثيرةٌ (٦). والحَرُورِيَّةُ نُسِبُوا إلى أرْضٍ يقالُ لها: حَرُوراء خَرَجُوا بها. وقال أبو بكرٍ بنُ عَيَّاش: لا أُصَلِّي على الرَّافِضِيِّ؛ لأنَّه يزْعُمُ (٧) أنَّ عمرَ كافرٌ، ولا على الحَرُورِيِّ؛ لأنَّه يَزْعُمُ أنَّ عليًّا كافرٌ. وقال الفِرْيَابيُّ: مَنْ شَتَمَ أبا بكرٍ فهو كافرٌ، لا يُصَلَّى عليه. ووَجْهُ تَرْكِ الصَّلاةِ عليهم، أنَّهم يُكَفِّرُونَ أهلَ الإِسلامِ، ولا يَرَوْنَ الصلاةَ عليهم، فلا يُصَلَّى عليهم، كالكُفَّارِ مِنْ أهلِ الذِّمَّةِ وغيرِهم، ولأنَّهم مَرَقُوا من الدِّينِ، فأَشْبَهُوا المُرْتَدِّين. فصل: والبُغاةُ إذا لم يَكونُوا من أهلِ البِدَعِ، ليسُوا بِفاسِقِين، وإنَّما هم مُخْطِئون (٨) في تأوِيلِهم، والإِمامُ وأهلُ العَدْلِ مُصِيبون في قتالِهم، فهم جميعًا

стр. 6394

كالْمُجتهِدين من الفُقهاء في الأَحْكامِ، مَنْ شَهِدَ منهم قُبِلَتْ شَهادتُه إذا كان عَدْلًا. وهذا قولُ الشَّافِعِي. ولا أعلمُ في قَبُولِ شهادتِهم خِلافًا. فأمَّا الخوارجُ، وأهلُ البِدَعِ، إذا خَرَجُوا على الإِمامِ، فلا تُقْبَلُ شَهادَتُهم، لأَنَّهم فُسَّاقٌ. وقال أبو حنيفةَ: يُفَسَّقُون بالبَغْيِ، وخُرُوجِهم على الإِمامِ، ولكنْ تُقْبَلُ شَهادتُهم؛ لأنَّ فِسْقَهم من جِهَةِ الدِّين، فلا تُرَدُّ به الشَّهادَةُ، وقد قُبِلَ شَهادةُ الكفارِ بعضِهم على بعضٍ. ويُذْكَرُ ذلك في كتابِ الشَّهاداتِ (٩)، إن شاءَ اللهُ تعالى. فصل: ذكَر القاضِي أنَّه لا يُكْرَهُ للعادِل قَتْلُ ذِي رَحِمِه الباغِي؛ لأَنَّه قَتْلٌ بحَقٍّ، فَأَشْبَهَ إقامةَ الحَدِّ عليه. وكَرِهَتْ طَائِفَةٌ من أهلِ العِلْمِ القَصْدَ إلى ذلك. وهو أصَحُّ، إن شاءَ اللَّه تعالى؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١٠). قال الشافعي: كَفَّ النَّبِيُّ ﷺ أبا حُذَيْفَةَ [بنَ عُتْبَةَ] (١١) عن قتل أبِيه (١٢). وقال بعضُهم: لا يحِلُّ ذلك؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمر بَمُصاحَبَتِه بالمعرُوفِ، وليس هذا من المعروفِ. فإنْ قَتَلَه، فهل يَرِثُه؟ علَى رِوَايَتَيْن؛ إحداهما، يَرِثُه. هذا قولُ أبي بكرٍ، ومذهبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه قَتْلٌ بحَقٍّ، فلم يَمْنَعِ الميراثَ، كالقِصاصِ والقَتلِ في الحَدِّ (١٣). والثانية: لا يَرِثُه. وهو قولُ ابن حامدٍ، ومذهبُ الشافِعي؛ لعُمومِ قولِه ﵇: "لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيءٌ" (١٤). فأمَّا الباغِي إذا قَتَلَ العادِلَ، فلا يَرِثُه. وهذا قولُ الشَّافِعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: يَرِثُه؛ لأنَّه قَتَلَه بتأْويلٍ، أشْبَهَ قَتْلَ العادِلِ الباغِيَ. ولَنا، أَنَّه قتلَه بغيرِ حقٍّ، فلم يَرِثْهُ، كالقاتِلِ خطأً،

стр. 6395

وفارقَ ما إذا قتَلَه العادِلُ، لأنَّه قَتَلَه بحقٍّ. وقال قومٌ: إذا تَعَمَّدَ العادِلُ قَتْلَ قَرِيبِه، فقتلَه ابتداءً؛ لم يَرِثْه، وإن قَصَدَ ضَرْبَه، ليصيرَ غيرَ مُمْتَنِعٍ، فجَرَحَه، وماتَ من هذا الضربِ، وَرِثَه؛ لأَنَّه قتلَه بحقٍّ. وهذا قولُ ابن المُنْذِرِ. وقال: هو أقْرَبُ الأقاوِيلِ. ١٥٣٦ - مسألة؛ قال: (وَمَا أَخَذُوا فِي حَالِ امْتِناعِهِم؛ مِنْ زَكَاةٍ، أو خرَاجٍ، لَمْ يُعَدَّ عَلَيْهِمْ) وجملتُه أنَّ أهلَ البَغْيِ إذا غَلَبُوا على بلدٍ، فجَبَوا الخَرَاجَ والزَّكَاةَ والجِزْيَةَ، وأَقَامُوا (١) الحدودَ، وقعَ ذلك مَوْقِعَهُ، فإذا ظَهَرَ أَهْلُ الْعَدْلِ بعدُ على البلدِ، وظَفِرُوا بأهلِ البَغْيِ، لم يُطالَبُوا بِشَىْءٍ ممَّا جَبَوْهُ، ولم يُرْجَعْ به علَى مَن أُخِذَ منه. رُوِيَ نحوُ هذا عن ابنِ عمرَ، وسَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ. وهو قولُ الشافِعِيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْيِ. وسواءٌ كان من الخوارجِ أو مِن غيرِهم. وقال أبو عُبَيْدٍ (٢): علَى مَن أخذُوا (٣) مِنه الزَّكَاةَ الإِعادةُ، وإن (٤) أخذَها ممَّنْ لا وِلَايةَ له صَحِيحةٌ، فأشْبَهَ ما لو أخذَها آحَادُ الرَّعِيَّةِ. ولَنا، أنَّ عليًّا، ﵁، لمَّا ظَهَرَ على أهلِ البَصْرَةِ، لم يُطَالِبْهم بِشَىْءٍ ممَّا جَبَوْه. وكان ابنُ عُمَرَ إذا أتاه سَاعِي نَجْدَةَ الحَرُورِيِّ، دَفَعَ إليه زَكاتَه (٥). وكذلك سَلَمَةُ بنُ الأكْوَع (٥). ولأنَّ في تَرْكِ الاحْتِسَابِ بها ضَرَرًا عَظِيمًا، وَمَشَقَّةً كَثِيرَةً، فإنَّهم قد يَغْلِبُونَ على البِلادِ السِّنينَ الكَثِيرَةَ، فلو لم يُحْتَسَبْ بما أخَذُوهُ، أَدَّى إلى ثَنَى (٦) الصَّدَقَاتِ في تِلْكَ المُدَّةِ كُلِّها. فإذا ثَبَتَ هذا، فإذا ذَكَرَ أرْبابُ الصَّدَقاتِ أنَّهم قدْ أخَذُوا صدقاتِهم، قُبِلَ قَوْلُهم بِغيرِ يَمِينٍ. قال أحمد: لا يُسْتَحْلَفُ النَّاسُ على صدقاتِهم. وإنِ ادَّعَى أهلُ

стр. 6396

الذِّمَّةِ دَفْعَ جزْيَتِهم إليهم (٧)، لم تُقْبَلْ بِغيرِ بَيِّنَةٍ؛ لأنَّهم غيرُ مَأْمُونِينَ، ولأنَّ ما يَجِبُ عليهم عِوَضٌ، وليس بِمُواسَاةٍ، فلم يُقْبَلْ قَوْلُهم، كأُجرَةِ الدَّارِ. ويَحْتَمِلُ أن يُقْبَلَ قَوْلُهم إذا مَضَى الحَوْلُ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ البُغَاةَ لا يَدَعُونَ الجِزْيَةَ لهم، فكان القَوْلُ قَوْلَهم؛ لأنَّ الظَّاهِرَ معهم، ولأنَّه إذا مَضَى لذلك سِنُونَ كثِيرَةٌ، شَقَّ عليهم إقامَةُ البَيِّنَةِ على كلِّ عامٍ، فَيُؤَدِّي ذلك إلى تَغْرِيمِهم الجِزْيَةَ مَرَّتَينِ. وإن ادَّعَى مَن عليه الخَرَاجُ دَفْعَهُ إليهم، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يُقْبَلُ؛ لأنَّه حَقٌّ على مسلمٍ، فقُبِلَ قولُه فيه كالزَّكَاةِ. والثاني، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه عِوَضٌ، فأشْبَهَ الجِزْيَةَ. وإن كان مَنْ عليه الخَرَاجُ ذِمِّيًّا، فهو كالجِزْيَةِ؛ لأنَّه عِوَضٌ على غيرِ مسلمٍ، فهو كالجِزْيَةِ؛ ولأنَّه أحدُ الخَرَاجَيْنِ، فأشْبَهَ الجِزْيَةَ. ١٥٣٧ - مسألة؛ قال: (وَلَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ حَاكِمِهِمْ، إلَّا مَا يُنْقَضُ مِنْ حُكْمِ غَيرِهِ) يَعْنِي إذا نَصَبَ أهلُ البَغْيِ قاضِيًا يَصْلُحُ للقَضاءِ، فحُكْمُه حُكْمُ قَاضي (١) أَهْلِ العَدْلِ، يَنْفُذُ من أحكامِه ما يَنْفُذُ من أحكامِ قاضي (٢) أهلِ العدلِ، ويُرَدُّ منه ما يُرَدُّ. فإن كان ممَّنْ يَسْتَحِلُّ دِمَاءَ أَهْلِ العَدْلِ وأمْوالَهم، لم يَجُزْ قَضَاؤُه؛ لأنَّه ليس بعَدْلٍ. وهذا قولُ الشَّافِعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ قَضَاؤُه بحالٍ؛ لأنَّ أهلَ البَغْيِ يُفَسَّقون بِبَغْيِهم، والفِسْقُ يُنافِي القضاءَ. ولَنا، أنَّه اخْتِلافٌ في الفُرُوعِ بتأْويلٍ سائغٍ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ القضاءِ، ولم يُفَسَّقْ به (١)، كاختلافِ الفُقَهاءِ. فإذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه إذا حَكَمَ بما لا يُخالِفُ [نَصًّا ولا] (٣) إجْماعًا، نَفَذَ حُكْمُه، وإن خَالَفَ ذلك، نُقِضَ حُكْمُه؛ [لأنَّ قاضىَ أهلِ العَدْل إذا حكم بذلك نُقِضَ حُكْمُه] (٣)، فقاضى أهْلِ البَغْيِ أَوْلَى. وإن حَكَمَ

стр. 6397

بسُقوطِ الضَّمانِ عن أهْلِ البَغْيِ فيما أتْلَفُوه حالَ الحَرْبِ، جازَ حكمُه؛ لأنَّه مَوْضِعُ اجْتِهَادٍ. وإن كان حكمُه فيما أتلَفُوه قبلَ قيامِ الحَرْبِ، لم يَنْفُذْ؛ لأنَّه مُخَالِفٌ للإِجْماعِ. وإن حَكَمَ على أَهْلِ العَدْلِ بِوُجُوبِ الضَّمَانِ فيما أَتْلَفُوه حالَ الحرْبِ، لم يَنْفُذْ حُكْمُه؛ لمُخَالَفَتِه (٤) الإِجْماعَ (٥). وإن حَكَمَ بِوجُوبِ ضَمَانِ ما أتْلَفُوه في غيرِ حالِ الحَرْبِ، نَفَذَ حُكْمُه. وإن كَتَبَ قَاضِيهِم إلى قَاضِى أهْلِ الْعَدْلِ، جازَ قَبُولُ كتابِه؛ لأنَّه قَاضٍ ثَابِتُ القضايا، نَافِذُ الأحْكَامِ. والأَوْلَى أنْ لا يَقْبَلَه، كَسْرًا لِقُلُوبِهِم. وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: لَا يَقْبَلُهُ؛ لأنَّ قَضاءَه لا يجوزُ. وقد سبقَ الكلامُ في هذا. فأمَّا الخَوارِجُ إذا وَلَّوا قَاضِيًا، لم يَجُزْ قضاؤُهُ؛ لأَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهم الفِسْقُ، والفِسْقُ يُنَافِى القَضاءَ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَصِحَّ قضاؤُه، وتَنْفُذَ أحْكامُه؛ لأَنَّ هذا مِمَّا يَتَطَاوَلُ، وفي القضاءِ بِفسادِ قضاياه وعقودِه الأَنْكِحَةِ وغَيْرها ضَرَرٌ كَثِيرٌ، فجازَ دَفْعًا للضَّرَرِ، كما لو أَقام الحُدُودَ، وأَخَذَ (٦) الجِزْيَةَ والخَراجَ والزَّكاةَ. فصل: وإنِ ارْتَكَبَ أهْلُ البَغْى في حالِ امْتِنَاعِهم ما يُوجِبُ الحَدَّ، ثم قُدِرَ عليهم، أُقِيمَتْ فِيهم حُدُودُ اللهِ تعالى، [لأنَّ حُدودَ اللهِ تعالى لا] (٧) تَسْقُطُ بِاخْتِلَافِ الدَّارِ. وبهذا قال مالكٌ، والشَّافِعِيُّ، وابن المُنْذِرِ. وقال أبو حنيفَةَ: إذا امْتَنَعُوا بِدَارٍ، لم يَجِبِ الحَدُّ على أحَدٍ منهم، ولا على مَنْ عِنْدَهم من تاجِرٍ أو أَسِيرٍ؛ لأنَّهم خَارِجون عن دارِ الإِمامِ، فأشْبَهُوا مَنْ في دارِ الْحَرْبِ. ولَنا، عُمومُ الآياتِ والأخْبَارِ؛ ولأنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ تَجِبُ فيه العِباداتُ في أوقاتِها، تَجِبُ الحُدُودُ فيه. عند وُجُودِ أَسْبابِها، كدارِ أَهْلِ العَدْلِ؛ ولأنَّه زَانٍ أو سارقٌ، لا شُبْهَةَ في زِنَاهُ وسَرِقَتِه، فَوَجَبَ عليه الحَدُّ، كالَّذِي في دارِ العَدْلِ. وهكذا نقولُ في مَن أتَى حَدًّا في دارِ الحَرْبِ، فإنَّه يَجِبُ عليه، لكنْ لا يُقامُ إلَّا في دارِ الإِسلامِ، على ما ذَكرْناه في مَوْضِعِه.

стр. 6398

فصل: وإذا اسْتعان أهلُ البَغْي بِالكُفَّارِ، فلا يَخْلُو مِنْ ثلاثة أصْنافٍ؛ أَحَدُهم، أهلُ الحَرْبِ، فإذا اسْتعانُوا بهم، أو آمَنُوهم (٨)، أو عَقَدوا لهم ذِمَّةً، لم يَصِحَّ واحدٌ منها؛ لأَنَّ الأَمانَ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِه الْتِزَامُ (٩) كَفِّهم عن الْمسلمين, وهؤلاءِ يَشْتَرِطُون عليهم قِتالَ المسلمينَ، فلا يصِحُّ، ولِأهْلِ العَدْلِ قِتَالُهم، كمَنْ لم يُؤَمِّنُوه سَواءً. وحُكْمُ أَسِيرِهم، حُكْمُ أَسِيرِ سائرِ أَهْلِ الحَرْبِ قبلَ الاسْتِعانَةِ بهم، فأمَّا أهْلُ البَغْيِ، فلا يَجوزُ لهم قَتْلُهم؛ لأنَّهم آمَنُوهم، فلا يجوزُ لهم الْغَدْرُ بهم. الصِّنْفُ الثاني، المُسْتأْمَنُونَ، فمتى اسْتعانُوا بهم فأعانُوهُم، نَقَضُوا عَهْدَهم، وصاروا كأَهْلِ الْحَرْبِ؛ لأنَّهم تَرَكُوا الشَّرْطَ، وهو كَفُّهم عن المسلمين، فإنْ فعلُوا ذلك مُكرَهِين، لم يَنْتَقِضْ عَهْدُهم؛ لأنَّ لهم عُذْرًا، وإن ادَّعَوا الإِكْرَاهَ، لم يُقْبَلْ قَوْلُهم إِلَّا بِبَيِّنَةٍ؛ لأنَّ الأَصْلَ عَدَمُه. الصِّنْفُ الثَّالِثُ، أَهلُ الذِّمَّةِ، فإذا أعانُوهم، وقاتَلُوا معهم، ففيهِمْ وَجْهانِ، ذَكَرهما أبو بكر؛ أحدُهما، يَنْتَقِضُ عَهْدُهم؛ لأنَّهم قَاتَلُوا أهلَ الحَقِّ، فَيَنْتَقِضُ (١٠) عَهْدُهم، كما لو انْفَرَدُوا بقِتالِهم. والثاني، لا يَنْتَقِضُ؛ لأنَّ أهلَ الذِّمَّةِ لا يَعْرِفُون المُحِقَّ من المُبْطِلِ، فيكونُ ذلك شُبْهَةً لهم. وللشَّافِعِىّ قَوْلانِ، كالْوَجْهَيْنِ. فإنْ قُلْنا: يَنْتَقِضُ عَهْدُهم. صارُوا كأَهْلِ الْحَرْبِ فيما ذَكَرْنا. وإن قُلْنا: لا يَنْتَقِضُ عَهْدُهم. فَحُكْمُهم حُكْمُ أَهْلِ البَغْيِ، في قَتْلِ مُقْبِلِهم، والْكَفِّ عن أسيرِهم، ومُدْبِرِهم وجَرِيحِهم، إلا أنَّهم يَضْمَنُونَ ما أَتْلَفُوه (١١) على أَهْلِ العَدْلِ حالَ القتَالِ وغيرِه، بخِلافِ أَهْلِ البَغْيِ، فإنَّهم لا يَضْمَنُونَ ما أَتْلَفُوه (١١) حالَ الْحَرْبِ؛ لأنَّهُم أَتْلَفُوه (١١) بِتَأْوِيلٍ سائغٍ، وهؤلاء لا تَأْوِيلَ لهم، ولأنَّه سَقَطَ الضَّمَانُ عن المسلمين كيْلا يُؤَدِّىَ إلى تَنْفِيرِهم عن الرُّجُوع إلى الطَّاعةِ، وَأَهْلُ الذِّمَّةِ لا حَاجَةَ بنا إلى ذلك فيهم. وإنْ أكْرَهَهم البُغاةُ على مَعُونَتِهم، لم يَنْتَقِضْ عَهْدُهم، وإن ادَّعَوْا ذلك، قُبِلَ قَوْلُهم؛ لأَنَّهم تحتَ أيْدِيهم وقُدْرَتِهم. وإن قالوا

стр. 6399

ظَنَنَّا أنَّ مَن اسْتعان بنا من المسلمين لَزِمَتْنا مَعُونَتُه. لم يَنْتَقِضْ عَهْدُهم. وإن فعل ذلك المُسْتَأمَنُون، انْتَقَضَ عَهْدُهم. والفَرْقُ بينهما أنَّ أهلَ الذِّمَّةِ أَقْوَى حُكْمًا؛ لأَنَّ عَهْدَهم مُؤَبَّدٌ، ولا يجوزُ نَقْضُه لخَوْفِ الخِيانةِ منهم، ويَلْزَمُ الإِمامَ الدَّفْعُ عنهم، والمُسْتَأمَنُونَ بخلافِ ذلك. فصل: وإذا ارْتَدَّ قومٌ فأتْلَفُوا مالًا للمسلمين، لَزِمَهم ضَمانُ ما أتلفُوه، سواءٌ تَحَيَّزُوا، أو صاروا في مَنَعَةٍ، أو لم يَصِيرُوا. ذَكَرَه أبو بكرٍ. قال القاضي: وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ. وقال الشافِعِيُّ: حُكْمُهم حُكْمُ أَهْلِ البَغْي، فيما أَتْلَفُوه (١٢) من الأنْفُسِ والأمْوالِ؛ لأنَّ تَضْمِينَهم، يُؤَدِّي إلى تَنْفِيرِهم عن الرُّجُوعِ إلى الإِسْلامِ، فأشْبَهُوا أهْلَ البَغْيِ. ولَنا، ما رُوِيَ عن أبي بكرٍ، ﵁، أنَّه قال لأهْلِ الرِّدَّةِ، حين رَجَعُوا: تَرُدُّون علينا ما أَخَذْتُم منا، ولا نَرُدُّ عليكم ما أخَذْنا منكُمْ، وأن تَدُوا قَتْلانا، ولا نَدِي قَتْلاكم. قالوا: نعم. يا خَلِيفَةَ رسولِ اللهِ. فقال عمرُ: كُلُّ ما قُلْتَ [كما قُلْتَ] (١٣)، إلَّا أن يَدُوا ما قُتِلَ مِنَّا، فلا؛ لأنَّهم قَوْمٌ قُتِلُوا في سبيلِ اللهِ واسْتُشْهِدُوا (١٤). ولأنَّهم أتْلَفُوه بغيرِ تأْويلٍ، فأشْبَهُوا أهلَ الذِّمَّةِ. فأمَّا القَتْلَى، فحُكْمُهم فيهم حُكْمُ أهلِ البَغْى؛ لما ذكَرْنا من خبرِ أبى بكرٍ وعُمرَ، ولأنَّ طُلَيْحَةَ الأسَدِيَّ قَتَلَ عُكَّاشَة بن مِحْصَن الأسَدِيَّ، وثابتَ بن أقْرَمَ (١٥)، فلم يَغْرَمْهما (١٦)، وبنو حَنِيفَةَ قَتَلُوا مَن قَتَلُوا من المسلمين يومَ الْيَمامَةِ، فلم يَغْرَمُوا شيئًا. ويَحْتَمِلُ أن يُحْمَلَ قولُ (١٧) أحمدَ، وكلامُه في المالِ، على وُجُوبِ رَدِّ ما هو (١٧) في أيدِيهم دُونَ ما أتْلَفُوه، وعلى مَنْ أتْلَفَ مِن غيرِ أنْ يكونَ له مَنَعَةٌ، أو أَتْلَفَ في غيرِ الحَرْبِ، وما أَتْلَفُوهُ حالَ الحَرْبِ، فلا ضمانَ عليهم فيه؛ لأنَّه إذا سَقَطَ ذلك عن أهْلِ البَغْيِ، كيْلا يُؤَدِّيَ إلى تَنْفِيرِهم عن الرُّجُوعِ إلى الطَّاعَةِ، فَلأنْ يَسْقُطَ

стр. 6400

ذلك كيلا يُؤَدِّيَ إلى التَّنْفِيرِ عَنِ الإِسلامِ أَولَى، لأنَّهم إذا امْتَنَعُوا صارُوا كُفارًا مُمْتَنِعِينَ بِدارِهِم، فَأشْبَهُوا أهلَ الْحَرْبِ. ويُحْمَلُ قَوْلُ أبي بكرٍ على ما بَقِيَ في أيدِيهم مِن المالِ، فيكونُ مذهبُ أحمدَ ومذهبُ الشَّافِعِيِّ في هذا سواءً. وهذا أعْدَلُ وأَصَحُّ. إنْ شاء اللهُ تعالى. فأمَّا مَنْ لا مَنَعَةَ له فيَضْمَنُ ما أَتْلَفَ مِن نفْسٍ ومالٍ، كالواحِدِ مِن المسلمينَ، أو أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لأنَّه لا مَنَعَةَ له، ولا يَكْثُرُ ذلك منه، فَبَقِىَ المالُ والنَّفْسُ بالنِّسْبَةِ إليه على (١٨) عِصْمَتِه، ووُجُوبِ ضَمانِه. واللهُ أعلمُ.

стр. 6401

كتاب المُرْتَدِّ المُرتَدُّ: هو الراجعُ عن دينِ الإِسلامِ إلى الكفرِ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١). وقال النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" (٢). وأجْمَعَ أهلُ العلمِ على وُجوبِ قَتْلِ المُرْتَدِّين (٣). ورُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ، وعثمانَ، وعلىٍّ، ومُعاذٍ، وأبي موسى، وابن عباسٍ، وخالدٍ، وغيرِهم، ولم يُنْكَرْ ذلك، فكان إجماعًا. ١٥٣٨ - مسألة؛ قال: (وَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ، وكَانَ بالِغًا عَاقِلًا، دُعِيَ إلَيْهِ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، وضُيِّقَ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَجَعَ، وإلَّا قُتِلَ) في هذه المسألة فصولٌ خمسة: أحدها: أنَّه لا فَرْقَ بين الرجالِ والنِّساءِ في وُجوبِ القتلِ. رُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ، وعليٍّ، ﵄. وبه قال الحسنُ، والزُّهْرِيُّ، والنَّخَعِيُّ، ومَكْحُولٌ، وحَمَّادٌ، ومَالِكٌ، واللَّيثُ، والأوْزَاعِيُّ، والشَّافِعيُّ، وإسحاقُ. ورُوِى عن عليٍّ، والحسنِ، وقَتَادةَ، أنَّها تُسْتَرَقُّ ولا (١) تُقْتَلُ؛ لأنَّ (٢) أبا بكر استَرَقَّ نساءَ بني حنيفةَ، وذَرارِيَّهم،

стр. 6402

وأعْطَى عليًّا منهم امرأةً، فولدتْ له محمدَ بنَ الحَنَفِيَّةِ (٣)، وكان هذا بمَحْضَرٍ من الصَّحابة، فلم يُنْكَرْ، فكان إجماعًا. وقال أبو حنيفةَ: تُجْبَرُ على الإِسلامِ بالحَبْسِ والضَّربِ، ولا تُقتَلُ؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا تَقْتُلُوا امْرَأةً" (٤). ولأنَّها لا تُقْتَلُ بالكفرِ الأصْلِيِّ، فلا تُقْتَلُ بالطَّارِئِ، كالصَّبِيِّ. ولَنا، قَوْلُه ﵇: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ". روَاه البُخارِيُّ وأبو داودَ (٥). وقال النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امريءٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإحْدَى ثَلَاثٍ؛ الثَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، والتَّارِكُ لِدينِه الْمُفَارِقُ لِلجَمَاعَةِ". مُتَّفَقٌ عليه (٦). وروَى الدَّارَقُطْنِيُّ (٧)، أنَّ امرَأةً يُقال لها: أُمُّ مَرْوانَ، ارَتدَّتْ عن الإِسلامِ، فبلَغ أمرُها إلى النَّبِيِّ ﷺ . فأمَرَ أن تُسْتَتابَ، فإن تَابَتْ، وإلَّا قُتِلَتْ. ولأنَّها شَخْصٌ مُكَلَّفٌ بَدَّلَ دِينَ الحقِّ بالبَاطِلِ، فيُقْتَلُ كالرَّجُلِ. وأمَّا نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عن قَتْلِ المرأةِ، فالمرادُ بهِ الأصلِيَّةُ؛ فإنَّه قال ذلك حينَ رَأَى امرأةً مَقْتولةً، وكانت كافِرَةً أصْلِيَّةً، وكذلك (٨) نَهَى الذين بَعَثَهُم إلى ابنِ أبي الْحُقَيْق عن قتلِ النِّساءِ (٩)، ولم يكُنْ فيهم مُرْتَدٌّ.

стр. 6403

ويُخَالِفُ الكُفْرُ الأصْلِيُّ الطارئِ؛ بدليل أنَّ الرَّجُلَ يُقَرُّ عليه، ولا يُقْتَلُ أهلُ الصَّوامعِ، والشُّيوخُ والمَكافيفُ، ولا تُجْبَرُ المرأةُ على تَرْكِه بضَرْبٍ ولا حَبْسٍ، والكُفْرُ الطَّارِئُ بخلافِهِ، والصَّبِيُّ غيرُ مُكلَّفٍ؛ بخلافِ المرأةِ. وأمَّا بنو حنيفةَ، فلم يَثْبُتْ أنَّ من اسْتُرِقَّ منهم تقدَّمَ له إسْلامٌ، ولم يكُن بنو حنيفةَ أسْلَموا كلُّهم، وإنَّما أسْلَمَ بعضُهم، والظاهِرُ أنَّ الذين أسْلَموا كانُوا رجالًا، فمنهم مَنْ ثَبَتَ على إسْلامِه، منهم ثُمامةُ بنُ أثالٍ، ومنهم مَنِ ارتدَّ، منهم الدَّجَّالُ الحَنَفِيُّ. الفصل الثاني: أنَّ الرِّدَّةَ لا تَصِحُّ إلَّا مِن عاقلٍ، فأمَّا مَنْ لا عَقْلَ له، كالطِّفْلِ الذي لا عَقْلَ له، والمجنونِ، ومن زَالَ عَقْلُه بإغماءٍ، أو نَومٍ، أو مرضٍ، أو شُرْبِ دواءٍ يُباحُ شُرْبُه، فلا تَصِحُّ رِدَّتُه، ولا حُكمَ لكلامِهِ، بغيرِ خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهِل العلمِ، على أنَّ المجنُونَ إذا ارْتَدَّ في حالِ جُنونهِ، أنَّه مسلمٌ على ما كان عليه قبلَ ذلك، ولو قتلَه قاتِلٌ عَمْدًا، كان عليه القَوَدُ، إذا طَلَبَ أولياؤُه. وقد قال النَّبِيُّ ﷺ : "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثلَاثٍ؛ عَن الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ". أَخْرَجَه أبو داودَ، والترمذيُّ (١٠)، وقال: حديثٌ حسَن. ولأنَّه غيرُ مُكَلَّفٍ، فلم يُؤَاخَذْ بِكلامِه، كما (١١) لم يُؤاخَذْ به في إقرارِه، ولا طَلاقِه، ولا إعْتاقِه، وأمَّا السَّكْرانُ، والصَّبِيُّ العاقِلُ، فَنَذْكُرُ حكمَهما فيما بعدُ، إن شاء اللهُ. الفصل الثالث: أنه لا يُقْتَلُ حتى يُسْتَتابَ ثلاثًا. هذا قولُ أكثرِ أهِل العلمِ؛ منهم عمرُ، وعليٌّ، وعطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، ومالِكٌ، والثَّوريُّ، والأوْزَاعيُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرَّأيِ. وهو أحدُ قَوْلَيِ الشافعيِّ. ورُوِىَ عن أحمدَ، روايةٌ أُخْرَى، أنَّه لا

стр. 6404

تجبُ اسْتَتابَتُه، ولكن (١٢) تُسْتَحبُّ. وهذا القولُ الثانِي لِلشافعيِّ، وهو قولُ عُبَيْدِ بنِ عُمَيرٍ، وطاوُسٍ. ويُرْوَى ذلك عن الحسن؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فاقتُلُوهُ". ولم يذْكُرِ اسْتِتابتَه. ورُوِيَ أنَّ مُعاذًا قَدِمَ على أبي موسى، فوَجَدَ عندَه رجلًا مُوثَّقًا، فقال: ما هذا؟ قال: رجلٌ كان يَهُودِيًّا فأسلَمَ، ثم راجَعَ دينَه دِينَ السَّوْءِ فتَهوَّدَ. قال: لا أجلِسُ حتى يُقْتَلَ، قضاءُ اللهِ ورسولِه. قال: اجْلِسْ (١٣). قال: لا أجْلِسُ حتى يُقْتَلَ، قضَاءُ اللهِ ورسولِه. ثلاثَ مرَّاتٍ، فأمرَ به فقُتِلَ. مُتَّفَقٌ عليه (١٤). ولم يَذْكُرِ اسْتِتابتَه؛ ولأنَّه يُقْتَلُ لكُفْرِه، فلم تَجِبِ اسْتِتابَتُه كالأَصْلِيِّ؛ ولأنَّه لو قُتِلَ قَبْلَ الاسْتِتابَةِ، لم يُضْمَنْ، ولو حَرُمَ قَتْلُه قَبْلَهُ (١٥) ضُمِنَ. وقال عَطاءٌ: إنْ كانَ مسلمًا أصْلِيًّا، لم يُسْتَتَبْ، وإن كان أسْلَمَ ثمَّ ارْتَدَّ، اسْتُتِيبَ. ولَنا، حَدِيثُ أُمِّ مَرْوانَ، وأنَّ (١٢) النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ أنْ تُسْتَتابَ. وروَى مالك، في "المُوَطَّإِ" (١٦) عن عبد الرحمنِ بنِ محمد بن عبدِ اللهِ بنِ عبدٍ القَارِيِّ، عن أبيه، أنَّه قَدِمَ على عمرَ رجلٌ من قِبَلِ أبي موسى، فقال له عمرُ: هل كان من مُغَرِّبَةٍ خَبَرٌ (١٧)؟ قال: نعم رجلٌ كَفَرَ بعدَ إِسلامِه، فقال:

стр. 6405

ما فعلتُمْ به؟ قال: قَرَّبْناه، فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ. فقالَ عمرُ: فهلَّا حَبَسْتُمُوه ثلاثًا، فأَطْعَمْتُمُوه كُلَّ يَومٍ رَغِيفًا، واسْتَتَبْتُموهُ، لعلَّه يَتُوبُ، أو يُرَاجِعُ أمْرَ اللهِ؟ اللَّهُمَّ إنِّي لم أحْضُرْ، ولم آمُرْ، ولم أَرْضَ إذْ بَلَغَنِي. ولو لم تَجِبِ اسْتِتَابَتُه لَما بَرِئَ مِنْ فِعْلِهِم. ولأنَّه أمْكَنَ اسْتِصْلاحُه، فلم يَجُزْ إتْلافُه قبلَ اسْتِصْلاحِه، كالثَّوْبِ النَّجِسِ. وأمَّا الأَمْرُ بِقَتْلِهِ، فالْمُرادُ بِهِ بعدَ الاسْتِتَابَةِ، بِدليلِ ما ذكَرْنا. وأمَّا حَدِيثُ مُعاذٍ فإنَّه قد جاء فيه: وكان قد اسْتُتِيبَ. ويُرْوَى أنَّ أبا موسى اسْتَتابَه شَهْرَينِ قَبْلَ قُدومِ مُعاذٍ عليه، وفي رِوَايَةٍ: فدَعاهُ عِشْرِينَ لَيْلةً، أو قَرِيبًا مِنْ ذلك، فجاءَ مُعاذٌ، فدَعاه وأَبَى، فضَرَبَ عُنُقَه. روَاه أبو داودَ (١٨). ولا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ القَتْلِ وُجُوبُ الضَّمانِ، بدليلِ نِساءِ أَهْلِ الْحَرْبِ وصِبْيانِهم وشُيُوخِهم. إذا ثَبَتَ وُجُوبُ الاسْتِتابَةِ، فمُدَّتُها ثلاثةُ أَيَّامٍ. رُوِيَ ذلك عن عمرَ، ﵁. وبه قال مالِكٌ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأيِ. وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ. وقال في الآخَرِ: إنْ تَابَ في الْحالِ، وإلَّا قُتِلَ مَكانَه، وهذا أَصَحُّ قَوْلَيْهِ. وهو قَوْلُ ابْنِ المُنْذِرِ؛ لحَدِيثِ أُمِّ مَرْوَانَ، ومُعاذٍ، ولأَنَّه مُصِرٌّ على كُفْرِه، أَشْبَهَ بعدَ الثلاثِ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: يُدْعَى ثلاثَ مَرَّاتٍ، فَإنْ أبَى، ضُرِبَتْ عُنُقُه. وهذا يُشْبِهُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ. وقال النَّخَعِيُّ: يُسْتَتابُ أبَدًا. وهذا يُفْضِي إلى أنْ لا يُقْتَلَ أبَدًا، وهو مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ والإِجْماعِ. وعن عَلِيٍّ، أنَّه اسْتَتابَ رَجُلًا شَهْرًا. ولَنا، حديثُ عمرَ، ولأنَّ الرِّدَّةَ إنَّما تكونُ لِشُبْهَةٍ، ولا تزُولُ في الحالِ، فوَجَبَ أنْ يُنْتَظَرَ مُدَّةً يَرْتَئِ فيها، وأَوْلَى ذلك ثلاثةُ أيَّامٍ، للأَثَرِ فيها، وأنَّها مُدَّةٌ قَرِيبَةٌ. ويَنْبَغِي أنْ يُضَيَّقَ عليه في مُدَّةِ الاسْتِتابَةِ، وَيُحْبَسَ؛ لِقَوْلِ عمرَ: هَلَّا حَبَسْتُمُوه، وأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا؟ ويُكَرِّرُ دِعايتَه، لَعَلَّهُ يَتَعَطَّفُ قَلْبُهُ، فيُرَاجِعَ دِينَه.

стр. 6406

الفصل الرابع: أنَّه إنْ لم يَتُبْ قُتِلَ؛ لما قَدَّمْنَا ذِكْرَه. وهو قولُ عامَّةِ الفُقَهاءِ، ويُقْتَلُ بالسَّيْفِ؛ لأنَّه آلَةُ القَتْلِ، ولا يُحْرَقُ بالنَّارِ. وقد رُوِىَ عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللهُ عنه؛ أنَّه أمرَ بِتَحْرِيقِ المُرْتَدِّينَ (١٩)، وفعَل ذلك بهم خالدٌ. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لقولِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَلَا تُعَذِّبُوا بعَذَابِ اللهِ". يَعْنِى النَّارَ. أخْرَجَه البُخارِىُّ، وأبو داودَ. وقال النَّبِىُّ ﷺ : "إنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ" (٢٠). الفصل الخامس: أنَّ مَفْهُومَ كلامِ الْخِرَقِىّ، أَنَّه إذا تابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُه، ولم يُقْتَلْ، أىَّ كُفْرٍ كان، وسَواءٌ كان زِنْدِيقًا يَسْتَسِرُّ بالكُفْرِ، أو لم يَكُنْ. وهذا مذهبُ الشَّافِعىِّ، والعَنْبَرِىِّ. ويُرْوَى ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعود، وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عن أحمدَ، واخْتيارُ أبى بكرٍ الخَلَّالِ، وقال: إنَّه أوْلَى على مذهبِ أبى عبد اللَّه. والرِّوايةُ الأُخْرَى، لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ، ومَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُه. وهو قولُ مالِكٍ، واللَّيْثِ، وإسحاقَ. وعن أبى حَنيفةَ رِوَايَتان، كهاتَيْنِ، واخْتَارَ أبو بكْرٍ أنَّه لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ؛ لقولِ اللَّه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ (٢١). والزِّنْدِيقُ لا تَظْهَرُ مِنْهُ علامَةٌ تُبَيِّنُ (٢٢) رُجُوعَهُ وتَوْبَتَه؛ لأنَّه كان مُظْهِرًا لِلإِسلامِ، مُسِرًّا للكفرِ، فإذا وُقِفَ على ذلك، فأظْهَرَ التَّوْبَةَ، لم يَزِدْ على ما كان منه قبلَها، وهو إظْهارُ الإِسلامِ، وأمَّا مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُه، فقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ (٢٣). وروى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن ظِبْيانَ (٢٤) بن

стр. 6407

عُمارَةَ، أنَّ رَجلًا مِن بنى سَعْدٍ مَرَّ على مَسْجِدِ بنى حَنِيفَةَ، فإِذا هُم يَقْرَأونَ بِرَجَزِ مُسَيْلِمَةَ، فرَجَعَ إلى ابنِ مسعودٍ، فذكَر ذلك له، فبعثَ إليهم، فأتَى بهم، فاسْتَتابَهم، فتابُوا، فخَلَّى سَبِيلَهم، إلَّا رَجُلًا منهم يُقالُ له ابنَ النَّوَّاحَةِ. قال: قد أُتِيتُ بِك مَرَّةً، فَزَعَمْتَ أنَّكَ قد تُبْتَ، وأَرَاكَ قد عُدْتَ. فقَتَلَهُ (٢٥). ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، قَوْلُ اللهِ تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٢٦). ورُوِىَ أنَّ رجُلًا سَارَّ رسولَ اللَّه ﷺ ، [فلم يُدْرَ] (٢٧) [ما سَارَّهُ بِه، حتى جَهَرَ رسولُ اللَّه ﷺ ] (٢٨)، فإذا هو يَسْتَأْذِنُه في قَتْلِ رجلٍ مِن المُنافِقين (٢٩)، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ؟ ". قال: بلى، ولا شَهادةَ له. قال: "أَلَيْسَ يُصَلِّى؟ ". قال: بلى، ولا صلاةَ له. فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أُولئِكَ الَّذِينَ نَهَانِى اللهُ عَنْ قَتْلِهِمْ" (٣٠). وقد قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (٣١). ورُوِىَ أنَّ مَخْشِىَّ (٣٢) بن حُمَيِّرٍ كان في النَّفَرِ الَّذين أنْزَلَ اللهُ فِيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ (٣٣). فأتَى النَّبِىَّ ﷺ ، وتابَ إِلى اللهِ تعالى، فقَبِلَ اللهُ تَوْبَتَهُ (٣٤)، وهو الطَّائِفَةُ التي عَنَى اللهُ تعالى بقَوْلِه: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ

стр. 6408

طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ (٣٥) فهو الذي عفا اللهُ عنه، وسَأَلَ اللهَ تعالى، أنْ يُقْتَلَ في سَبِيلِهِ، ولا يُعْلَمَ بمَكانِه، فقُتِلَ يومَ الْيَمَامَةِ، ولم يُعْلَمْ مَوْضِعُه. ولأنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَفَّ عن المُنافقين بما أظْهَرُوا مِن الشَّهادَةِ، مع إِخْبارِ اللهِ تعالى له بِبَاطِنِهم، بقولِه تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ (٣٥) وغيرِها مِنَ الْآياتِ. وحديثُ ابنِ مسعودٍ حُجَّةٌ في قَبُولِ تَوْبَتِهِم، مع اسْتِسْرَارِهم بكُفْرِهم. وأمَّا قَتْلُه ابنَ النَّوَّاحَة، فيَحْتَمِلُ أنَّه قَتَلَه لِظُهُورِ كَذِبِه في تَوْبتهِ؛ لأنَّه أَظْهَرَها، وتَبَيَّنَ أنَّه ما زالَ عَمَّا كان عليه مِنْ كُفْرِهِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه قَتَلَه لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ له حينَ جاءَ رَسُولًا لِمُسَيْلِمَةَ: "لَولا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ، لَقَتَلْتُكَ" (٣٦). فَقَتَلَهُ تَحْقِيقًا لِقَوْلِ رسولِ اللَّه ﷺ ، فقد رُوِىَ أنَّه قَتَلَه لذلك. وفى الجُملة، فالخِلافُ بينَ الأئِمَّةِ فِي قَبُولِ تَوْبتِهم في الظَّاهِرِ مِنْ أحْكامِ الدنيا، مِنْ تَرْكِ قَتْلِهم، وثُبُوتِ أحْكامِ الإِسلامِ في حَقِّهم؛ وأمَّا قَبُولُ اللهِ تعالى لها في الباطِنِ، وغُفْرَانُه لِمَنْ تاب وأقْلَعَ [باطِنًا وظاهِرًا] (٣٧)، فلا خِلافَ فيه، فَإنَّ اللهَ تعالى قال في المنافِقِينَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٣٨). فصل: وَقَتْلُ الْمُرْتدِّ إلى الإِمامِ، حُرًّا كان أو عَبْدًا. وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ، إلَّا الشَّافِعِىَّ، في أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ في العَبْدِ، فإِنَّ لِسَيِّدِه قَتْلَه؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" (٣٩). ولأَنَّ حَفْصَةَ قتَلَتْ جارِيَةً سَحَرَتْهَا (٤٠). ولأَنَّه

стр. 6409

حَقُّ اللهِ تعالى، فمَلَكَ السَّيِّدُ إِقامَتَه على عَبْدِهِ، كَجَلْدِ الزَّانِى. ولَنا، أنَّه قَتْلٌ لحَقِّ اللهِ تعالى، فكان إِلى الإِمامِ، كرَجْمِ الزَّانِى، وكقَتْلِ الْحُرِّ. وأمَّا قَوْلُه: "وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ". فلا يَتَنَاوَلُ الْقَتْلَ لِلرِّدَّةِ، فإنَّه قُتِلَ لِكُفْرِه، لا حَدًّا في حَقِّهِ. وَأَمَّا خَبَرُ حَفْصَةَ، فإنَّ عُثمانَ تَغَيَّظَ عليها، وشَقَّ ذلك عليه. وأمَّا الْجَلْدُ في الزِّنَى، فإِنَّهُ تَأْدِيبٌ، ولِلسَّيِّدِ تَأْدِيبُ عَبْدِه، بخِلافِ الْقَتْلِ. فإنْ قَتَلَه غيرُ الإِمامِ، أساءَ، ولا ضَمانَ عليه؛ لأنَّهُ مَحَلٌّ غيرُ مَعْصُومٍ، وسواءٌ قَتَلَه قبلَ الاسْتِتَابَةِ أو بَعْدَها؛ لذلك. وعلى مَنْ فعل ذلك التَعْزِيرُ؛ لإِساءَتِه وافْتِيَاته. ١٥٣٩ - مسألة؛ قال: (وَكَانَ مَالُهُ فَيْئًا بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنِهِ) وجُمْلَتُه، أنَّ الْمُرْتَدَّ إذَا قُتِلَ، أو ماتَ على رِدَّتِهِ، فإنَّه يُبْدَأُ بِقَضاءِ دَيْنِه، وأرْشِ جِنايَتِه، وَنَفَقةِ زَوْجَتِه وقَرِيبه؛ لأَنَّ هذه الحُقُوقَ لا يجوزُ تَعْطِيلُها، وأُولَى ما تُؤْخَذُ (١) من مَالِه، وما بَقِىَ مِنْ مالِه فهو فَىْءٌ يُجْعَلُ في بيتِ المالِ. وعن أحمد، رِوَايَةٌ أُخْرَى، تَدُلُّ على أنَّه لِوَرَثَتِه مِن الْمسلمين، وعنه أنَّه لقَرابَتِه مِنْ أَهْلِ الدِّينِ الَّذى انْتَقَلَ إِليه. وقد مَضَتْ هذه المسألَةُ مُسْتَوْفاةً في الفَرائِضِ (٢) بما أَغْنَى عن ذِكْرِها ههُنا. فصل: ولا يُحْكَمُ بِزَوَالِ مِلْكِ الْمُرْتَدِّ بِمُجَرَّدِ رِدَّتِه، في قَوْلِ أكْثَرِ أهل العلمِ. قال ابْنُ المُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلى هذا كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِنْ أَهْلِ العلمِ. فعلى هذا، إن قُتِلَ أو ماتَ، زالَ مِلْكُهُ بمَوْتِه، وإنْ رَاجَعَ (٣) الإِسلامَ، فمِلْكُه باقٍ له. وقال أبو بكرٍ: يَزُولُ مِلْكُه بِرِدَّتِه، وإنْ رَاجَعَ الإِسلامَ (٤) عادَ إِليه تَمْلِيكًا مُسْتَأنَفًا؛ لأنَّ عِصْمَةَ نَفْسِه

стр. 6410

ومالِه إنَّمَا تَثْبُتُ بإسلامِه، فزَوَالُ إِسلامِه يُزِيلُ عِصْمَتَهما، كما لو لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَلأنَّ المسلمين مَلَكُوا إِراقَةَ دَمِه بِرِدَّتِه، فوَجَبَ أَنْ يَمْلِكُوا مالَه بها. وقال أصْحابُ أَبى حنيفةَ: مالُه مَوْقُوفٌ؛ إنْ أسْلَمَ تَبَيَّنَّا بَقاءَ مِلْكِه، وإنْ ماتَ أو قُتِلَ على رِدَّتِه تَبَيَّنَّا زَوَالَه مِن حينِ رِدَّتِه. قال الشَّريفُ أبو جعفرٍ: هذا ظَاهِرُ كلامِ أحمدَ. وعنِ الشَّافِعِىِّ ثلاثةُ أقْوَالٍ، كهذه الثَّلاثةِ. ولَنا، أنَّه سَبَبٌ يُبِيحُ دَمَه، فلم يَزُلْ به (٥) مِلْكُه، كزِنَى الْمُحْصَنِ، والْقَتلِ لِمَنْ يُكَافِئُه عَمْدًا، وزَوالُ الْعِصْمَةِ لا يَلْزَمُ منه زَوالُ المِلْكِ، بِدَليلِ الزَّانِى المُحْصَنِ، والقاتِلِ في المُحارَبَةِ، وأَهْلِ الْحَرْبِ، فَإنَّ مِلْكَهم، ثَابِتٌ مع عدمِ (٥) عِصْمَتِهم، ولو لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بدارِ الْحَرْبِ، لم يَزُلْ مِلْكُه، لكنْ يُباحُ قَتْلُه لِكُلِّ أَحَدٍ من غيرِ اسْتِتابَةٍ، وأَخْذُ مالِه لِمَنْ قَدَرَ عليه، لأنَّه صارَ حَرْبِيًّا، حُكْمُهُ حُكْمُ أهلِ الْحَرْبِ، وكذلك لو ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ وامْتَنَعُوا في دَارِهم عن طاعةِ إِمامِ الْمُسلمين، زَالَتْ عِصْمَتُهم في أنْفُسِهم وأمْوالِهم؛ لأنَّ الكُفَّارَ الأَصْلِيِّين لا عِصْمَةَ لهم في دَارِهم، فالمُرْتَدُّونَ (٦) أَوْلَى. فصل: ويُؤْخَذُ مالُ المُرْتَدِّ، فيُجْعَلُ عندَ ثِقَةٍ من المسلمين، وإِنْ كان له إماءٌ جُعِلْنَ عندَ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ؛ لأَنَّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ عليه، فلا يُمَكَّنُ منهنَّ. وذكر القاضي أنَّه يُؤْجَرُ عَقارُه، وعَبِيدُه، وإماؤُه. والأَوْلَى أن لا يُفْعَلَ ذلك (٥)؛ لأنَّ مُدَّةَ انْتِظَارِه [قريبَةٌ، ليس في انْتِظارِه] (٧) فِيها ضَرَرٌ، فلَا يُفَوَّتُ عليه مَنَافِعُ مِلْكِهِ فِيما لَا يَرْضَاه من أَجْلِهَا، فإنَّه رُبَّما رَاجَعَ الإِسلامَ، فيَمْتَنِعُ عليه التَّصَرُفُ في مالِه بإِجارةِ الحاكمِ له. وإن لَحِقَ بدارِ الْحَرْبِ، أو تَعَذَّرَ قَتْلُه مُدَّةً طَوِيلَةً، فَعَلَ الحَاكِمُ ما يَرَى الْحَظَّ فيه، مِن بَيْعِ الْحَيَوانِ الَّذى يَحْتاجُ إلى النَّفَقَةِ وغيرِه، وإجارَةِ مَا يَرَى إِبْقَاءَه، والمُكَاتَبُ يُؤَدِّى إلى الْحَاكِم، فإذا أدَّى عَتَقَ؛ لأنَّه نَائِبٌ عنه.
следующие страницы →