← Акыда

Акыда · id 6919

زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور

ابن تيمية

Полный текст (78 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يكن كذلك لم يكن شيخا. وقد تغويهم الشياطين، كما تغوي عباد الأصنام كما كان يجري في العرب في أصنامهم، ولعباد الكواكب وطلاسمها من الشرك والسحر، كما يجري للتتار، والهند، والسودان، وغيرهم من أصناف المشركين من إغواء الشياطين ومخاطبتهم ونحو ذلك، فكثير من هؤلاء قد يجري له نوع من ذلك، لا سيما عند سماع البكاء والتصدية؛ فإن الشياطين قد تنزل عليهم، وقد يصيب أحدهم كما يصيب المصروع: من الإرغاء، والإزباد، والصياح المنكر، ويكلمه بما لا يعقل هو والحاضرون، وأمثال ذلك مما يمكن وقوعه في هؤلاء الضالين. [التوسل بالجاه والحرمة] وأما (القسم الثالث) وهو أن يقول: اللهم

стр. 37

بجاه فلان عندك، أو ببركة فلان، أو بحرمة فلان عندك: افعل بي كذا، وكذا، فهذا يفعله كثير من الناس؛ لكن لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء، ولم يبلغني عن أحد من العلماء في ذلك ما أحكيه؛ إلا ما رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد بن عبد السلام، فإنه أفتى: أنه لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك، إلا للنبي ﵌ إن صح الحديث في النبي ﵌ ومعنى الاستفتاء: قد روى النسائي والترمذي وغيرهما «أن النبي ﵌ علم بعض أصحابه أن يدعو فيقول: " اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد يا رسول الله ! إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها لي، اللهم

стр. 38

فشفعه في» فإن هذا الحديث قد استدل به طائفة على جواز التوسل بالنبي ﵌ في حياته وبعد مماته. قالوا: وليس في التوسل دعاء المخلوقين، ولا استغاثة بالمخلوق، وإنما هو دعاء واستغاثة بالله؛ لكن فيه سؤال بجاهه، كما في سنن ابن ماجه عن النبي ﵌ أنه ذكر في دعاء الخارج للصلاة أن يقول: «اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا، فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا، ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» . قالوا ففي هذا الحديث أنه سأل بحق السائلين عليه وبحق ممشاه إلى الصلاة، والله

стр. 39

تعالى قد جعل على نفسه حقا، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] ونحو قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ [الفرقان: ١٦] وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل أن النبي ﵌ قال له: «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ فإن حقهم عليه أن لا يعذبهم» . وقد جاء في غير حديث: كان حقا على الله كذا وكذا كقوله: «من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربها في الثالثة أو الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال قيل: وما طينة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار» . وقالت طائفة: ليس في هذا جواز التوسل به بعد

стр. 40

مماته وفي مغيبه، بل إنما فيه التوسل في حياته بحضوره، كما في صحيح البخاري: أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس، فقال: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا، فيسقون، وقد بين عمر بن الخطاب ﵁ أنهم كانوا يتوسلون به في حياته فيسقون. وذلك التوسل به أنهم كانوا يسألونه أن يدعو الله لهم، فيدعو لهم، ويدعون معه، ويتوسلون بشفاعته ودعائه، كما في الصحيح «عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان بجوار " دار القضاء " ورسول الله ﵌ قائم، يخطب، فاستقبل رسول الله ﵌ قائما، فقال:

стр. 41

يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله لنا أن يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله ﵌ يديه ثم قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر قال: وأقلعت فخرجنا نمشي في الشمس» ، ففي هذا الحديث أنه قال: ادع الله لنا أن يمسكها عنا. وفي الصحيح أن عبد الله بن عمر قال: إني لأذكر قول أبي طالب في رسول الله ﵌ حيث يقول: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل فهذا كان توسلهم به في الاستسقاء ونحوه، ولما مات توسلوا بالعباس ﵁، كما

стр. 42

كانوا يتوسلون به ويستسقون، وما كانوا يستسقون به بعد موته، ولا في مغيبه ولا عند قبره ولا عند قبر غيره، وكذلك معاوية بن أبي سفيان ﵁ استسقى بيزيد بن الأسود الجرشي، وقال: اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا! يا يزيد ارفع يديك إلى الله! فرفع يديه، ودعا، ودعوا؛ فسقوا؛ فلذلك قال العلماء يستحب أن يستسقى بأهل الصلاح والخير، فإذا كانوا من أهل بيت رسول الله ﵌ كان أحسن. ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته ولا في مغيبه، ولا استحبوا ذلك في الاستسقاء ولا في الاستنصار ولا غير ذلك من الأدعية، والدعاء مخ العبادة.

стр. 43

والعبادة مبناها على السنة والاتباع، لا على الأهواء والابتداع، وإنما يعبد الله بما شرع، لا يعبد بالأهواء والبدع، قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] وقال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] وقال النبي ﵌: «إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور» . [حكم من إذا أصابته نائبة أو خوف استنجد بشيخه] وأما الرجل إذا أصابته نائبة أو خاف شيئا فاستغاث بشيخه يطلب تثبيت قلبه من ذلك الواقع، فهذا من الشرك، وهو من جنس دين النصارى، فإن الله هو الذي يصيب بالرحمة

стр. 44

ويكشف الضر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٢] وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤١] وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا - أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٦ - ٥٧] فبين أن من يدعى من الملائكة والأنبياء وغيرهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا.

стр. 45

فإذا قال قائل: أنا أدعو الشيخ ليكون شفيعا لي فهو من جنس دعاء النصارى لمريم والأحبار والرهبان، والمؤمن يرجو ربه ويخافه، ويدعوه مخلصا له الدين، وحق شيخه أن يدعو له ويترحم عليه؛ فإن أعظم الخلق قدرا هو رسول الله ﵌، وأصحابه أعلم الناس بأمره وقدره، وأطوع الناس له، ولم يكن يأمر أحدا منهم عند الفزع والخوف أن يقول: يا سيدي! يا رسول الله ولم يكونوا يفعلون ذلك في حياته ولا بعد مماته؛ بل كان يأمرهم بذكر الله ودعائه والصلاة والسلام عليه ﵌ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]

стр. 46

﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤] وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ أن هذه الكلمة قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﵌ يعني وأصحابه - حين قال لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم. وفي الصحيح عن النبي ﵌ «أنه كان يقول عند الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم» وقد روي أنه علم نحو هذا الدعاء بعض أهل بيته، وفي السنن «أن النبي ﵌ كان إذا حزبه أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث»

стр. 47

وروي «أنه علم ابنته فاطمة أن تقول: يا حي يا قيوم، يا بديع السماوات والأرض، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك» . وفي مسند الإمام أحمد وصحيح أبي حاتم البستي عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﵌ أنه قال: «ما أصاب عبدا قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري،

стр. 48

وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكانه فرحا قالوا: يا رسول الله: أفلا نتعلمهن؟ قال: ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن» وقال لأمته: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يخوف بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة، وذكر الله، والاستغفار» فأمرهم عند الكسوف بالصلاة والدعاء والذكر والعتق والصدقة، ولم يأمرهم أن يدعوا مخلوقا ولا ملكا ولا نبيا ولا غيرهم. ومثل هذا كثير في سنته، لم يشرع للمسلمين عند الخوف إلا ما أمر الله به: من دعاء الله، وذكره والاستغفار، والصلاة، والصدقة، ونحو ذلك. فكيف يعدل المؤمن بالله

стр. 49

ورسوله عما شرع الله ورسوله إلى بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، تضاهي دين المشركين والنصارى؟ فإن زعم أحد أن حاجته قضيت بمثل ذلك؛ وأنه مثل له شيخه ونحو ذلك، فعباد الكواكب والأصنام ونحوهم من أهل الشرك يجري لهم مثل هذا، كما قد تواتر ذلك عمن مضى من المشركين، وعن المشركين في هذا الزمان. فلولا ذلك ما عبدت الأصنام ونحوها، قال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ - رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥ - ٣٦]

стр. 50

[أول ظهور الشرك] ويقال: إن أول ما ظهر الشرك في أرض مكة بعد إبراهيم الخليل من جهة عمرو بن لحي الخزاعى الذي رآه النبي ﵌ يجر أمعاءه في النار، وهو أول من سيب السوائب، وغير دين إبراهيم قالوا: إنه ورد الشام، فوجد فيها أصناما بالبلقاء يزعمون أنهم ينتفعون بها في جلب منافعهم ودفع مضارهم، فنقلها إلى مكة وسن للعرب الشرك وعبادة الأصنام. والأمور التي حرمها الله ورسوله: من الشرك، والسحر، والقتل، والزنا وشهادة الزور، وشرب الخمر وغير ذلك من المحرمات: قد يكون للنفس فيها حظ مما تعده منفعة، أو دفع مضرة، ولولا ذلك ما أقدمت النفوس على

стр. 51

المحرمات التي لا خير فيها بحال، وإنما يوقع النفوس في المحرمات الجهل أو الحاجة، فأما العالم بقبح الشيء والنهى عنه فكيف يفعله، والذين يفعلون هذه الأمور جميعها قد يكون عندهم جهل بما فيها من الفساد، وقد تكون بهم حاجة إليها مثل الشهوة إليها، وقد يكون فيها من الضرر أعظم مما فيها من اللذة ولا يعلمون ذلك لجهلهم أو تغلبهم أهواؤهم حتى يفعلوها، والهوى غالبا يجعل صاحبه كأنه لا يعلم من الحق شيئا فإن حبك للشيء يعمي الصم. ولهذا كان العالم يخشى الله، وقال أبو العالية: سألت أصحاب محمد ﵌ عن قول الله : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧] الآية فقالوا: كل من عصى الله فهو

стр. 52

جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب. وليس هذا موضع البسط لبيان ما في المنهيات من المفاسد الغالبة وما في المأمورات من المصالح الغالية، بل يكفي المؤمن أن يعلم أن ما أمر الله به فهو لمصلحة محضة أو غالبة، وما نهى الله عنه فهو مفسدة محضة أو غالبة، وأن الله لا يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته إليهم ولا نهاهم عما نهاهم بخلا به عليهم، بل أمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم ولهذا وصف نبيه ﵌ بأنه ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]

стр. 53

[بيان حكم التمسح بالقبر وتقبيله وتمريغ الخد عليه] وأما التمسح بالقبر - أي قبر كان - وتقبيله، وتمريغ الخد عليه فمنهي عنه باتفاق المسلمين، ولو كان ذلك من قبور الأنبياء، ولم يفعل هذا أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هذا من الشرك، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا - وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٣ - ٢٤] وقد تقدم أن هؤلاء أسماء قوم صالحين كانوا من قوم نوح، وأنهم عكفوا على قبورهم مدة، ثم طال عليهم الأمد فصوروا تماثيلهم؛ لا سيما إذا اقترن بذلك دعاء الميت والاستغاثة به. وقد تقدم ذكر ذلك، وبيان ما فيه من الشرك، وبينا الفرق بين " الزيارة البدعية " التي تشبه أهلها بالنصارى و " الزيارة الشرعية ".

стр. 54

[حكم وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وتقبيل الأرض] وأما وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وغيرهم، أو تقبيل الأرض ونحو ذلك، فإنه مما لا نزاع فيه بين الأئمة في النهي عنه، بل مجرد الانحناء بالظهر لغير الله منهي عنه. ففي المسند وغيره «أن معاذ بن جبل ﵁ لما رجع من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: ما هذا يا معاذ؟ فقال: يا رسول الله ! رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، ويذكرون ذلك عن أنبيائهم، فقال: كذبوا يا معاذ! لو كنت آمرا أحد يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، يا معاذ! أرأيت إن مررت بقبري أكنت ساجدا؟ قال: " لا " - قال: لا تفعل

стр. 55

هذا» أو كما قال رسول الله ﵌. بل قد ثبت في الصحيح من حديث جابر: «أنه ﵌ صلى بأصحابه قاعدا من مرض كان به، فصلوا قياما، فأمرهم بالجلوس، وقال: لا تعظموني كما تعظم الأعاجم بعضها بعضا وقال: من سره أن يتمثل له الناس قياما فليتبوأ مقعده من النار» فإذا كان قد نهاهم مع قعوده - وإن كانوا قاموا للصلاة - حتى لا يتشبهوا بمن يقومون لعظمائهم، وبين أن من سره القيام له كان من أهل النار فكيف بما فيه من السجود له، ومن وضع الرأس، وتقبيل الأيادي، وقد كان عمر بن عبد العزيز ﵁ وهو خليفة الله على الأرض - قد وكل أعوانا يمنعون

стр. 56

الداخل من تقبيل الأرض ويؤدبهم إذا قبل أحد الأرض. وبالجملة فالقيام والقعود والركوع والسجود حق للواحد المعبود خالق السماوات والأرض، وما كان حقا خالصا لله لم يكن لغيره فيه نصيب مثل الحلف بغير الله ، وقد قال رسول الله ﵌: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» متفق عليه وقال أيضا: «من حلف بغير الله فقد أشرك» . فالعبادة كلها لله وحده لا شريك له ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] وفي الصحيح عن النبي ﵌ أنه قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثا:

стр. 57

أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم» . وإخلاص الدين لله هو أصل العبادة. ونبينا ﵌ نهى عن الشرك دقه وجله، وحقيره وكبيره؛ حتى أنه قد تواتر عنه أنه نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها بألفاظ متنوعة: تارة يقول: «لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها» وتارة ينهى عن الصلاة بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وتارة يذكر أن الشمس إذا طلعت طلعت بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ونهى عن الصلاة في هذا الوقت، لما فيه من مشابهة المشركين في كونهم يسجدون للشمس في هذا الوقت، وأن الشيطان يقارن

стр. 58

الشمس حينئذ ليكون السجود له فكيف بما هو أظهر شركا ومشابهة للمشركين من هذا، وقد قال الله تعالى فيما أمر رسوله أن يخاطب به أهل الكتاب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] وذلك لما فيه من مشابهة أهل الكتاب من اتخاذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله، ونحن منهيون عن مثل هذا، ومن عدل عن هدي نبيه ﵌ وهدي أصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى ما هو من جنس هدي النصارى فقد ترك ما أمر الله به ورسوله. وأما قول القائل: انقضت حاجتي ببركة الله وبركتك. فمنكر من القول؛ فإنه لا يقرن

стр. 59

بالله في مثل هذا غيره، حتى أن قائلا قال للنبي ﵌: ما شاء الله وشئت فقال: «أجعلتني لله ندا؟ ! بل ما شاء الله وحده» وقال لأصحابه: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد» وفي الحديث أن بعض المسلمين رأى قائلا يقول: نعم القوم أنتم لولا أنكم تنددون، أي تجعلوا لله ندا يعني تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فنهاهم النبي ﵌ عن ذلك، وفي الصحيح عن زيد بن خالد، قال: «صلى بنا رسول الله ﵌ صلاة الفجر بالحديبية في إثر سماء من الليل، فقال: أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما

стр. 60

من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» والأسباب التي جعلها الله أسبابا لا تجعل مع الله شركاء وأندادا وأعوانا. وقال القائل: ببركة الشيخ قد يعني بها دعاءه، وأسرع الدعاء إجابة الدعاء لغائب، وقد يعني بها بركة ما أمره به وعلمه من الخير، وقد يعني بها بركة معاونته له على الحق وموالاته في الدين ونحو ذلك، وهذه كلها معان صحيحة، وقد يعني بها دعاءه للميت والغائب؛ إذ استقلال الشيخ بذلك التأثير، أو فعله لما هو عاجز عنه، أو غير قادر عليه، أو غير قاصد له: متابعته أو مطاوعته على ذلك من البدع المنكرات ونحو هذه المعاني الباطلة. والذي لا

стр. 61

ريب فيه: أن العمل بطاعة الله تعالى، ودعاء المؤمنين بعضهم لبعض، ونحو ذلك: هو نافع في الدنيا والآخرة، وذلك بفضل الله ورحمته. [بيان حقيقة القطب. الغوث. الفرد الجامع] وأما سؤال السائل عن " القطب، الغوث، الفرد الجامع "؛ فهذا قد يقوله طوائف من الناس، ويفسرونه بأمور باطلة في دين الإسلام، مثل تفسير بعضهم أن " الغوث " هو الذي يكون مدد الخلائق بواسطته في نصرهم ورزقهم، حتى يقول: إن مدد الملائكة وحيتان البحر بواسطته. فهذا من جنس قول النصارى في المسيح ﵇، والغالية في علي ﵁، وهذا كفر صريح يستتاب منه صاحبه، فإن تاب وإلا قتل؛ فإنه ليس من

стр. 62

المخلوقات لا ملك ولا بشر يكون إمداد الخلائق بواسطته، ولهذا كان ما يقوله الفلاسفة في " العقول العشرة " الذين يزعمون أنها الملائكة، وما يقوله النصارى في المسيح ونحو ذلك كفر صريح باتفاق المسلمين. وكذلك أعني بالغوث ما يقوله بعضهم: من أن في الأرض ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، يسمونهم " النجباء " فينتقى منهم سبعون هم " النقباء " ومنهم أربعون هم " الأبدال " ومنهم سبعة هم " الأقطاب " ومنهم أربعة هم " الأوتاد " ومنهم واحد هو " الغوث " وأنه مقيم بمكة، وأن أهل الأرض إذا نابهم نائبة في رزقهم ونصرهم فزعوا إلى الثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وأولئك يفزعون إلى السبعين، والسبعون إلى الأربعين والأربعون إلى

стр. 63

السبعة، والسبعة إلى الأربعة، والأربعة إلى الواحد. وبعضهم قد يزيد في هذا وينقص في الأعداد والأسماء والمراتب؛ فإن لهم فيها مقالات متعددة حتى يقول بعضهم: أنه ينزل من السماء على الكعبة ورقة خضراء باسم غوث الوقت، واسم خضره - على قول من يقول منهم: إن الخضر هو مرتبة، وإن لكل زمان خضرا فإن لهم في ذلك قولين - وهذا كله باطل لا أصل له في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا قاله أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا من المشايخ الكبار المتقدمين الذين يصلحون للاقتداء بهم. ومعلوم أن سيدنا رسول رب العالمين وأبا بكر وعمر وعثمان وعليا ﵃ كانوا خير الخلق في زمنهم، وكانوا بالمدينة؛ ولم يكونوا بمكة.

стр. 64

وقد روى بعضهم حديثا في " هلال " غلام المغيرة بن شعبة، وأنه أحد السبعة، والحديث باطل باتفاق أهل المعرفة، وإن كان قد روى بعض هذه الأحاديث أبو نعيم في " حلية الأولياء " والشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في بعض مصنفاته، فلا تغتر بذلك؛ فإن فيه الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، والمكذوب الذي لا خلاف بين العلماء في أنه كذب موضوع، وتارة يرويه على عادة بعض أهل الحديث الذين يروون ما سمعوا ولا يميزون بين صحيحه وباطله، وكان أهل الحديث لا يروون مثل هذه الأحاديث؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي ﵌ أنه قال: «من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين» .

стр. 65

وبالجملة فقد علم المسلمون كلهم أن ما ينزل بالمسلمين من النوازل في الرغبة والرهبة مثل دعائهم عند الاستسقاء لنزول الرزق، ودعائهم عند الكسوف، والاعتداد لرفع البلاء، وأمثال ذلك إنما يدعون في ذلك الله وحده لا شريك له، لا يشركون به شيئا، لم يكن للمسلمين قط أن يرجعوا بحوائجهم إلى غير الله ؛ بل كان المشركون في جاهليتهم يدعونه بلا واسطة فيجيبهم الله، أفتراهم بعد التوحيد والإسلام لا يجيب دعاءهم إلا بهذه الواسطة التي ما أنزل الله بها من سلطان؟ قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧] وقال

стр. 66

تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠ - ٤١] وقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ - فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢ - ٤٣] والنبي ﵌ استسقى لأصحابه بصلاة وبغير صلاة، وصلى بهم للاستسقاء، وصلاة الكسوف، وكان يقنت في صلاته فيستنصر على المشركين، وكذلك خلفاؤه الراشدين بعده، وكذلك أئمة الدين ومشايخ المسلمين، وما زالوا على هذه الطريقة.

стр. 67

ولهذا يقال: ثلاثة أشياء ما لها من أصل: (باب النصيرية) و (منتظر الرافضة) و (غوث الجهال) : فإن النصيرية تدعي في الباب الذي لهم ما هو من هذا الجنس أنه يقيم العالم، فذاك شخصه موجود؛ ولكن دعوى النصيرية فيه باطلة. وأما محمد بن الحسن المنتظر، والغوث المقيم بمكة، ونحو هذا: فإنه باطل ليس له وجود. وكذلك ما يزعمه بعضهم من أن القطب الغوث الجامع يمد أولياء الله، ويعرفهم كلهم، ونحو هذا، فهذا باطل. فأبو بكر وعمر رضى الله عنهما لم يكونا يعرفان جميع أولياء الله، ولا يمدانهم، فكيف بهؤلاء الضالين المغترين الكذابين؟ ! ورسول الله ﵌ سيد ولد آدم إنما عرف الذين لم يكن

стр. 68

رآهم من أمته بسيما الوضوء؛ وهو الغرة والتحجيل، ومن هؤلاء من أولياء الله من لا يحصيه إلا الله . وأنبياء الله الذين هو إمامهم وخطيبهم لم يكن يعرف أكثرهم؛ بل قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] وموسى لم يكن يعرف الخضر، والخضر لم يكن يعرف موسى؛ بل لما سلم عليه موسى قال له الخضر: وأنى بأرضك السلام؟ فقال له: أنا موسى، قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. وقد كان بلغه اسمه وخبره، ولم يكن يعرف عينه. ومن قال: إنه نقيب الأولياء أو أنه يعلمهم كلهم فقد قال الباطل.

стр. 69

[القول الفصل في الخضر ﵇] والصواب الذي عليه المحققون: أنه ميت، وأنه لم يدرك الإسلام ولو كان موجودا في زمن النبي ﵌ لوجب عليه أن يؤمن به، ويجاهد معه، كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره، ولكان يكون في مكة والمدينة، ولكان يكون حضوره مع الصحابة للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ليرقع لهم سفينتهم، ولم يكن مختفيا عن خير أمة أخرجت للناس، وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم. ثم ليس للمسلمين به وأمثاله حاجة لا في دينهم ولا في دنياهم؛ فإن دينهم أخذوه عن الرسول النبي الأمي صلى الله عليه وآله

стр. 70

وسلم الذي علمهم الكتاب والحكمة، وقال لهم نبيهم: «لو كان موسى حيا ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم» وعيسى ابن مريم ﵇ إذا نزل من السماء إنما يحكم فيهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم، فأي حاجة لهم مع هذا إلى الخضر وغيره؟ ! والنبي ﵌ قد أخبرهم بنزول عيسى من السماء، وحضوره مع المسلمين، وقال: " كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسي في آخرها؟ ! " فإذا كان النبيان الكريمان اللذان هما مع إبراهيم وموسى ونوح أفضل الرسل، ومحمد ﵌ سيد ولد آدم، ولم يحتجبوا عن هذه الأمة لا عوامهم ولا خواصهم، فكيف يحتجب عنهم من ليس مثلهم؟ ! وإذا كان الخضر حيا دائما فكيف لم -

стр. 71

يذكر النبي ﵌ ذلك قط، ولا أخبر به أمته، ولا خلفاؤه الراشدون؟ ! وقول القائل: إنه نقيب الأولياء، فيقال له: من ولاه النقابة وأفضل الأولياء أصحاب محمد ﵌؟ وليس فيهم الخضر. وعامة ما يحكى في هذا الباب من الحكايات بعضهما كذب، وبعضها مبني على ظن رجل مثل شخص رأى رجلا ظن أنه الخضر، وقال: إنه الخضر، كما أن الرافضة ترى شخصا تظن أنه الإمام المنتظر المعصوم، أو تدعي ذلك، وروي عن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال - وقد ذكر له الخضر - من أحالك على غائب فما أنصفك. وما ألقى هذا على ألسنة الناس إلا الشيطان. وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع.

стр. 72

[حكم تسمية أفضل أهل الزمان بالقطب والغوث] وأما إن قصد القائل بقوله: " القطب الغوث الفرد الجامع " أنه رجل يكون أفضل أهل زمانه فهذا ممكن، لكن من الممكن أيضا أن يكون في الزمان اثنان متساويان في الفضل، وثلاثة وأربعة، ولا يجزم بأن لا يكون في كل زمان أفضل الناس إلا واحدا، وقد تكون جماعة بعضهم أفضل من بعض من وجه دون وجه، وتلك الوجوه إما متقاربة وإما متساوية. ثم إذا كان في الزمان رجل هو أفضل أهل الزمان فتسميته: " بالقطب الغوث الجامع " بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تكلم بهذا أحد من سلف الأمة وأئمتها، وما زال

стр. 73

السلف يظنون في بعض الناس أنه أفضل أو من أفضل أهل زمانه ولا يطلقون عليه هذه الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان؛ لا سيما أن من المنتحلين لهذا الاسم من يدعي أن أول الأقطاب هو الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄ ثم يتسلل الأمر إلى ما دونه إلى بعض مشايخ المتأخرين، وهذا لا يصح لا على مذهب أهل السنة , ولا على مذهب الرافضة. فأين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار؟ ! والحسن عند وفاة النبي ﵌ كان قد قارب سن التمييز والاحتلام. وقد حكي عن بعض الأكابر من الشيوخ المنتحلين لهذا: أن " القطب الفرد الغوث الجامع " ينطبق علمه على علم الله تعالى وقدرته

стр. 74

على قدرة الله تعالى، فيعلم ما يعلمه الله، ويقدر على ما يقدر عليه الله. وزعم أن النبي ﵌ كان كذلك، وأن هذا انتقل عنه إلى الحسن، وتسلسل إلى شيخه، فبينت أن هذا كفر صريح، وجهل قبيح، وأن دعوى هذا في رسول الله ﵌ كفر، دع ما سواه، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] الآية، وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤] الآية وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وقال تعالى:

стр. 75

﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ - لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٧ - ١٢٨] وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦] والله أمرنا أن نطيع رسوله ﵌ فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وأمرنا أن نتبعه فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] وأمرنا أن نعزره ونوقره وننصره، وجعل له من الحقوق ما بينه في كتابه وسنة رسوله، حتى أوجب علينا أن يكون أحب الناس إلينا من أنفسنا وأهلينا، فقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]
следующие страницы →