Полный текст (228 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قلت تَفْسِير ابْن قُتَيْبَة أولى لِأَن النَّبِي ﷺ أَرَادَ أَن الْكُنُوز تتبعه أَي تسير خَلفه طائرة كيعاسيب النَّحْل لِأَنَّهَا أَشد طيرانا من إناث النَّحْل
جزلتين هُوَ تَثْنِيَة جزلة بِالْجِيم وَالزَّاي وَاللَّام وَهُوَ بِفَتْح الْجِيم وَحكى ابْن دُرَيْد كَسره والجزل الْقطع أَي قطعه قطعتين
رمية الْغَرَض الْغَرَض الهدف وَمَعْنَاهُ قطعه قطعتين وَيجْعَل بَين كل قِطْعَة مِقْدَار رمية الهدف وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر الْمَشْهُور قَالَ الشَّيْخ مُحي الدّين النَّوَوِيّ وَحكى القَاضِي هَذَا ثمَّ قَالَ وَعِنْدِي أَن فِيهِ تَقْدِيمًا وتأخيرا وَتَقْدِيره فَيُصِيبهُ إِصَابَة رمية الْغَرَض فيقطعه جزلتين قَالَ الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ وَالصَّحِيح الأول قلت سِيَاق الْكَلَام يُؤَيّد مَا صَححهُ الشَّيْخ محيي الدّين لِأَن الدَّجَّال يَأْمر بذلك الْمُؤمن فينشر بِالْمِنْشَارِ من مفرقه حَتَّى يفرق بَين رجلَيْهِ ثمَّ يمشي الدَّجَّال بَين القطعتين ثمَّ يَقُول لَهُ قُم فيستوي قَائِما على مَا فِي صَحِيح مُسلم وَرَوَاهُ غَيره فَإِذا قطعه قطعتين بَينهمَا رمية الْغَرَض كَانَ أبلغ ليشاهد النَّاس فصل جِسْمه فَيكون إحياؤه بعد ذَلِك أبلغ وَذَلِكَ التَّقْدِير الَّذِي قدره القَاضِي عِيَاض رَحمَه الله تَعَالَى مَا فِيهِ هَذِه الْمُبَالغَة لِأَنَّهُ قَالَ فيقطعه قطعتين لَا غير وَلَا شكّ أَن الأول
стр. 37
أبلغ فِي الْفِتْنَة بِهِ
مهرودتين أَكثر مَا يَقع فِي النّسخ بإبدال الْمُهْملَة والمهرود الثَّوْب الْمَصْبُوغ بالورس ثمَّ بالزعفران وَقيل هما شقتان والشقة نصف الملاءة وَبَعْضهمْ رَوَاهُ مهروذتان بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة والوجهان مشهوران للْمُتَقَدِّمين والمتأخرين من أهل اللُّغَة والغريب وَغَيرهم
جمان بِالْجِيم وَالْمِيم وَبعد الْألف نون ومخفف الْجِيم حبات من الْفضة يصنع خرزا كَاللُّؤْلُؤِ الْكِبَار
فَلَا يحل الرِّوَايَة بِكَسْر الْحَاء الْمُهْملَة وَرَوَاهُ بَعضهم بِضَم الْحَاء وَهُوَ وهم وَغلط
نَفسه بِفَتْح الْفَاء وَمَعْنَاهُ لَا يحل لكَافِر يجد ريح نَفسه إِلَّا مَاتَ لَا يكن وَلَا يَقع قَالَ القَاضِي عِيَاض مَعْنَاهُ عِنْدِي حق وواجب
يمسح عَن وُجُوههم قَالَ القَاضِي عِيَاض يحْتَمل أَن هَذَا الْمسْح حَقِيقَة تبركا وَبرا وَيحْتَمل أَن يكون إِشَارَة إِلَى كشف مَا بهم من الشدَّة وَالْخَوْف
فحرز أَي ضمهم إِلَى الطّور واجعله لَهُم حرْزا وَوَقع فِي بعض النّسخ فحزب بالزاي وَالْبَاء ثَانِيَة الْحُرُوف أَي اجمعهم واجعلهم حزبا وَرُوِيَ أَيْضا فحوز بِالْوَاو
стр. 38
وَالزَّاي مَعْنَاهُ نحهم وأزلهم عَن طريقهم إِلَى الطّور
والحدب بتحريك الدَّال الْمُهْملَة النشر
يَنْسلونَ مَعْنَاهُ يَمْشُونَ مُسْرِعين
النغف بِفَتْح النُّون والغين الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة وَبعدهَا فَاء هُوَ دود يكون فِي أنوف الْإِبِل وَالْغنم الْوَاحِدَة نغفة
فرسى بِفَتْح الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وَفتح السِّين الْمُهْملَة مَقْصُورا هُوَ جمع فريس من الفريسة كقتلى وقتيل
زهمهم هُوَ بِفَتْح الزَّاي وَالْهَاء والزهومة رَائِحَة الدسم الكريهة
الْمدر بِفَتْح الْمِيم وَالدَّال الْمُهْملَة هُوَ الطين الصلب
كالزلقة رُوِيَ بِفَتْح الزَّاي وَاللَّام وبالقاف وَرُوِيَ بِضَم الزَّاي وَسُكُون اللَّام وبالفاء وَالْقَاف وبفتح اللَّام وكل ذَلِك صَحِيح وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ ثَعْلَب وابو زيد وَآخَرُونَ مَعْنَاهُ كَالْمَرْأَةِ فِي صفاتها ونظافتها وَقيل مَعْنَاهُ كمصانع المَاء أَي أَن المَاء يستنقع فِيهَا حَتَّى تصير الأَرْض كالمصنع الَّذِي يجْتَمع فِيهِ المَاء قَالَ أَبُو عُبَيْدَة مَعْنَاهُ كالإجاثة الخضراء وَقيل كالصفحة وَقيل كالروضة
الْعِصَابَة الْجَمَاعَة من النَّاس
بقحفها قحفها بِكَسْر الْقَاف وَسُكُون الْحَاء الْمُهْملَة مقعر قشر الرمانة شبهت بِقحْفِ الرَّأْس وَهُوَ الَّذِي فَوق الدِّمَاغ وَقيل هُوَ مَا انْفَلق من الجمجمة وانفصل
стр. 39
الرُّسُل بِكَسْر الرَّاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَبعدهَا لَام هُوَ اللَّبن
اللقحة بِكَسْر اللَّام وَفتحهَا وَالْكَسْر أشهر وَسُكُون الْقَاف وَبعدهَا حاء مُهْملَة هِيَ النَّاقة أَو الْبَقَرَة أَو غَيرهَا الْقَرِيبَة الْعَهْد بِالْولادَةِ
الفيأم بِكَسْر الْفَاء وَبعدهَا يَاء آخر الْحُرُوف وَألف وَمِيم وَالْألف مَهْمُوزَة هِيَ الْجَمَاعَة الْكَثِيرَة وَمِنْهُم من لَا يجوز الْهَمْز وَحكى الْخطابِيّ أَن بَعضهم ذكره بِفَتْح الْفَاء وَتَشْديد الْيَاء وَهُوَ غلط فَاحش
الْفَخْذ الْجَمَاعَة من الْأَقَارِب وهم دون الْبَطن والبطن دون الْقَبِيلَة وَقَالَ القَاضِي عِيَاض ﵀ قَالَ ابْن فَارس الْفَخْذ هُنَا بِإِسْكَان الْخَاء لَا غير بِخِلَاف الْعُضْو فَإِنَّهُ يكسر ويسكن
يتهارجون تهارج الْحمر الْهَرج بِإِسْكَان الرَّاء الْجِمَاع يُقَال هرج زَوجته أَي جَامعهَا يهرجها بِفَتْح الرَّاء وَمَعْنَاهُ يتناكحون عَلَانيَة بِحَضْرَة النَّاس كَمَا تفعل الْحمير
الْخمر هُوَ بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَالْمِيم وَبعدهَا رَاء مُهْملَة قد فسر فِي نفس الحَدِيث
أنبر نبرت الشَّيْء أنبره بِكَسْر الْبَاء نبرا رفعته وَمِنْه سمي الْمِنْبَر فَقَوله وَهُوَ رَاكب حمارا أنبر يشبه الْبَغْل كَأَنَّهُ يصفه بالعلو والارتفاع
الْكَلَام على مَعَاني هَذِه الْأَحَادِيث
قَالَ القَاضِي عِيَاض ﵀ هَذِه الْأَحَادِيث الَّتِي ذكرهَا مُسلم وَغَيره فِي
стр. 40
قصَّة الدَّجَّال حجَّة لمَذْهَب أهل الْحق فِي صِحَة وجوده وَأَنه شخص بِعَيْنِه ابتلى الله تَعَالَى بِهِ عباده وأقدره على أَشْيَاء من مقدوراته من إحْيَاء الْمَيِّت الَّذِي يقْتله وَمن ظُهُور زهرَة الدُّنْيَا وَالْخصب الَّذِي مَعَه وجنته وناره وَاتِّبَاع كنوز الأَرْض لَهُ وَأمره السَّمَاء أَن تمطر فتمطر وَالْأَرْض أَن تنْبت فتنبت فَيَقَع كل ذَلِك بقدرة الله ومشيئته ثمَّ يعجزه الله تَعَالَى بعد ذَلِك فَلَا يقدر على قتل ذَلِك الرجل الَّذِي قَتله وَلَا غَيره فَيبْطل أمره ويقتله عِيسَى صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِ وَيثبت الله الَّذين آمنُوا
هَذَا مَذْهَب أهل السّنة وَجَمِيع الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء والنظار خلافًا لمن أنكرهُ وأبطل أمره من الْخَوَارِج والجهمية وَبَعض الْمُعْتَزلَة وموافقيهم من الْجَهْمِية وَغَيرهم فِي أَنه صَحِيح الْوُجُود وَلَكِن الَّذِي زَعَمُوا مُخَارق وخيالات لَا حقائق لَهَا وَزَعَمُوا أَنه لَو كَانَ حَقًا لم يوثق بمعجزات الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ وَهَذَا غلط من جَمِيعهم لِأَنَّهُ لم يدع النُّبُوَّة فَيكون مَا مَعَه كالتصديق لَهُ وَإِنَّمَا يَدعِي الإلهية وَهُوَ فِي نفس دَعْوَاهُ مكذب لَهَا بِصُورَة حَاله وَوُجُود دَلَائِل الْحُدُوث فِيهِ وَنقص صورته وعجزه عَن إِزَالَة العور الَّذِي فِي عَيْنَيْهِ وَعَن إِزَالَة الشَّاهِد بِكُفْرِهِ الْمَكْتُوب بَين عَيْنَيْهِ ولهذه الدَّلَائِل وَغَيرهَا لم يغتر بِهِ إِلَّا رعاع من النَّاس لشدَّة الْحَاجة والفاقة رَغْبَة فِي سد الرمق أَو تقية وخوفا من أَذَاهُ لِأَن فتنته عَظِيمَة جدا تدهش الْعُقُول وتحير الْأَلْبَاب مَعَ سرعَة مروره فِي الأَرْض فَلَا يمْكث بِحَيْثُ يتَأَمَّل الضُّعَفَاء حَاله وَدَلَائِل الْحُدُوث فِيهِ وَالنَّقْص فيصدقه من يصدقهُ فِي هَذِه الْحَالة وَلِهَذَا حذرت الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ من فتنته ونبهوا على نَقصه وَدَلَائِل إِبْطَاله وَأما أهل التَّوْفِيق فَلَا يغترون بِهِ وَلَا ينخدعون بِمَا مَعَه لما ذَكرْنَاهُ من الدَّلَائِل المكذبة لَهُ مَعَ مَا سبق لَهُم من الْعلم بِحَالهِ وَلِهَذَا يَقُول لَهُ الَّذِي يقْتله ثمَّ يحييه مَا ازددت فِيك إِلَّا بَصِيرَة قلت
стр. 41
وَقد ذكر هَذَا الْكَلَام مُخْتَصرا بِمَعْنَاهُ الْقُرْطُبِيّ فِي كِتَابه التَّذْكِرَة بأحوال الْآخِرَة وَقَول القَاضِي عِيَاض ﵀ ردا على من قَالَ مَا قَالَ إِن الدَّجَّال لم يدع النُّبُوَّة فَيكون مَا مَعَه كالتصديق وَإِنَّمَا ادّعى الإلهية هَذَا لَا يَكْفِي فِي الرَّد على من ادّعى هَذِه الدَّعْوَى أَلا ترى أَنه جَاءَ فِي بعض الْأَحَادِيث أَنه مَعَه ملكان يشبهان نبيين من الْأَنْبِيَاء لَو شِئْت سميتهما بأسمائهما وَأَسْمَاء آبائهما أَحدهمَا عَن يَمِينه وَالْآخر عَن شِمَاله فَيَقُول الدَّجَّال أَلَسْت بربكم أَلَسْت أحيي وأميت فَيَقُول أحد الْملكَيْنِ كذبت لَا يسمعهُ أحد من النَّاس إِلَّا صَاحبه فَيَقُول لَهُ صدقت فيسمعه النَّاس فيظنون أَنه صدق الدَّجَّال فَذَلِك فتنته وَقَوله للَّذي يقْتله ويقطعه قطعتين ويمر بَينهمَا ثمَّ يحييه فيستوي قَائِما قَالَ ثمَّ يَقُول لَهُ أتؤمن بِي فَيَقُول مَا ازددت فِيك إِلَّا بَصِيرَة وَفِي صَحِيح مُسلم فينتهي إِلَى بعض السباخ الَّتِي على الْمَدِينَة فَيخرج إِلَيْهِ رجل هُوَ خير النَّاس أَو من خير النَّاس فَيَقُول أشهد أَنَّك الدَّجَّال الَّذِي حَدثنَا بِهِ رَسُول الله ﷺ حَدِيثه فَيَقُول الدَّجَّال أَرَأَيْتُم إِن قتلت هَذَا ثمَّ أحييته أتشكون الْأَمر فَيَقُولُونَ لَا فيقتله ثمَّ يحييه أفكل هَذَا مَا هُوَ طلب لتصديقه على دَعْوَى الربوبية وَإِذا كَانَ الَّذِي يَدعِي النُّبُوَّة مُحْتَاجا على مَا يصدقهُ فَالَّذِي يطْلب الإلهية بطرِيق أولى وَالَّذِي يرد بِهِ حجَّة هَؤُلَاءِ الزائغين عَن الْحق أَن يُقَال هَذَا حَدِيث الدَّجَّال قد ثَبت فِي الصَّحِيح وَهُوَ إِخْبَار من الصَّادِق المصدوق ﷺ بِأَمْر وُقُوعه مُمكن وَإِنَّمَا قُلْنَا بإمكانه لِأَنَّهُ ثَبت أَن الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم صلوَات الله عَلَيْهِ أحيى الْمَوْتَى بِإِذن الله شَهَادَة لَهُ على دَعْوَاهُ لمن يُرِيد الله لَهُ الْإِيمَان وَهَذَا الدَّجَّال يحيي الْمَيِّت وَيفْعل غَيره من الخوارق للْعَادَة بِإِذن الله إِرَادَة من الله لكفر من أَرَادَ شقاوته لِأَن الله ابتلى بِهِ عباده ليختبرهم وَكلما أخبر بِهِ الصَّادِق فَهُوَ حق وَالْإِيمَان بِهِ وَاجِب خُصُوصا إِذا كَانَ من هَذَا الْبَاب
стр. 42
تَأْوِيل مَا أشكل من هَذِه الْأَحَادِيث
جَاءَ فِي حَدِيث حُذَيْفَة أَعور الْعين الْيُسْرَى وَفِي حَدِيث ابْن عمر أَعور الْعين الْيُمْنَى فأشكل الْجمع بَين الْحَدِيثين على طَائِفَة من الْعلمَاء حَتَّى إِن أَبَا عمر بن عبد الْبر قَالَ فِي التَّمْهِيد وَفِي حَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب أَن نَبِي الله ﷺ كَانَ يَقُول الدَّجَّال خَارج وَهُوَ أَعور عين الشمَال عَلَيْهَا ظفرة غَلِيظَة وَأَنه يُبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الْمَوْتَى وَذكر الحَدِيث بِتَمَامِهِ فَفِي هَذَا الحَدِيث أَعور الْعين الشمَال وَفِي حَدِيث أنس بن مَالك أَعور الْعين الْيَمين وَالله أعلم وَحَدِيث مَالك أصح من جِهَة الْإِسْنَاد وَلم يزدْ على هَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي كتاب التَّذْكِرَة وَقَالَ شَيخنَا أَحْمد بن عمر فِي كتاب الْمُفْهم لَهُ وَهَذَا اخْتِلَاف يصعب الْجمع فِيهِ بَينهمَا فَقَالَ جَمِيع الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدِي صَحِيح وَهُوَ أَن كل وَاحِدَة مِنْهُمَا عوراء من جِهَة مَا إِذْ العور من كل شَيْء هُوَ الْمَعِيب والكلمة العوراء هِيَ المعيبة فالواحدة عوراء بِالْحَقِيقَةِ وَهِي الَّتِي وصفت فِي الحَدِيث بِأَنَّهَا لَيست بجحراء وَلَا ناتئة وَلَا ممسوحة ومطموسة وطافئة على رِوَايَة الْهَمْز وَالْأُخْرَى عوراء لعيبها اللَّازِم لَهَا لكَونهَا جاحظة أَو كَأَنَّهَا كَوْكَب دري أَو كَأَنَّهَا عنبة طافية بِغَيْر همز وكل وَاحِدَة مِنْهُمَا يَصح فِيهَا الْوَصْف بالعور بِحَقِيقَة الْعرف والاستعمال أَو بِمَعْنى العور الْأَصْلِيّ
قَالَ قَالَ شَيخنَا وَحَاصِل كَلَامه أَن كل وَاحِدَة من عَيْني الدَّجَّال عوراء إِحْدَاهمَا بِمَا أَصَابَهَا حَتَّى ذهب إِدْرَاكهَا وَالثَّانيَِة عوراء بِأَصْل خلقهَا مَعِيبَة لَكِن يبعد هَذَا التَّأْوِيل أَن كل وَاحِدَة من عَيْنَيْهِ جَاءَ فِي وصفهَا فِي الرِّوَايَة بِمثل مَا وصفت بِهِ الْأُخْرَى من العور فَتَأَمّله
قَالَ الْقُرْطُبِيّ مَا قَالَه القَاضِي وتأويله صَحِيح وان العور فِي الْعَينَيْنِ مُخْتَلف كَمَا تبين فِي الرِّوَايَات فَإِن فِي حَدِيث حُذَيْفَة وَأَن الدَّجَّال مَمْسُوح الْعين
стр. 43
عَلَيْهَا ظفرة غَلِيظَة وَإِذا كَانَ الممسوحة المطموسة عَلَيْهَا ظفرة فالتي لَيست كَذَلِك أولى فتتفق الْأَحَادِيث
قَوْله يَقْرَؤُهُ كل مُسلم وَفِي رِوَايَة يَقْرَؤُهُ كل مُؤمن من كَاتب وَغير كَاتب قَالَ الشَّيْخ محيي الدّين النَّوَوِيّ ﵀ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَن هَذِه الْكِتَابَة على ظَاهرهَا وَأَنَّهَا كِتَابَة حَقِيقِيَّة جعلهَا الله آيَة وعلامة من جملَة العلامات القاطعة بِكُفْرِهِ وَكذبه وإبطاله ويظهرها الله تَعَالَى لكل مُؤمن كَاتب وَغير كَاتب ويخفيها عَمَّن أَرَادَ شقاوته وَلَا امْتنَاع فِي ذَلِك
وَذكر القَاضِي فِيهِ خلافًا مِنْهُم من قَالَ هِيَ كِتَابَة حَقِيقِيَّة كَمَا ذكرنَا وَمِنْهُم من قَالَ هِيَ مجَاز وَإِشَارَة إِلَى سمات الْحُدُوث عَلَيْهِ وَاحْتج بقوله يَقْرَؤُهُ كل مُؤمن كَاتب وَغير كَاتب وَهَذَا مَذْهَب ضَعِيف قلت لأي شَيْء يضعف هَذَا وَهُوَ أَن الله تَعَالَى يلهم الْمُؤمن رشده فيراه أَنه غير إِلَه لكَونه أَعور غير تَامّ الْخلق متصفا بِالنُّقْصَانِ وَإنَّهُ عَلَيْهِ إمارات الْحَدث فَإِذا شَاهد الْمُؤمن ذَلِك مِنْهُ علم أَنه غير إِلَه وَقَرَأَ مَا بَين عَيْنَيْهِ وَهُوَ الْكفْر بِعَين البصيرة لقَوْله فِي بعض الْأَحَادِيث وان الله لَيْسَ بأعور وَيُؤَيِّدهُ قِرَاءَة الْكَاتِب وَغير الْكَاتِب وَلَو كَانَ كِتَابَة حَقِيقِيَّة لَكَانَ الْمُؤمن وَالْكَافِر يقرآن ذَلِك وَلَوْلَا أَن ذَلِك لخاصة بِالْمُؤمنِ لما قَرَأَهُ الْكَاتِب وَغير الْكَاتِب وَيُرِيد الي رَجحه الشَّيْخ محيي الدّين رَحمَه الله تَعَالَى إِن فِي بعض الرِّوَايَات فتهجاها كفر
قَوْله أَعور عينه الْيُمْنَى هَذَا عِنْد الْكُوفِيّين على ظَاهره من الْإِضَافَة وَأما عِنْد الْبَصرِيين فَإِنَّهُم يقدرُونَ فِيهِ محذوفا عَمَّا يقدرُونَ فِي نَظَائِر من صَلَاة الأولى وَمَسْجِد الْجَامِع وَالتَّقْدِير صَلَاة السَّاعَة الأولى وَمَسْجِد الْجَامِع لِأَن إِضَافَة الشَّيْء إِلَى نَفسه لَا تجوز وَأما الحَدِيث فتقديره أَعور عين صفحة وَجهه الْيُمْنَى
قَوْله فَمَا أدركن أحد فليأت النَّهر الَّذِي يرَاهُ نَارا قَالَ الشَّيْخ محيي الدّين
стр. 44
هَكَذَا فِي أَكثر النّسخ أدركن وَفِي بَعْضهَا أدْركهُ وَهَذَا الثَّانِي ظَاهر وَأما الأول فَغَرِيب من حَيْثُ الْعَرَبيَّة لِأَن هَذِه النُّون لَا تدخل على الْفِعْل الْمَاضِي قَالَ القَاضِي لَعَلَّه يدركن يَعْنِي فَغَيره بعض الروَاة قلت قَوْله يرَاهُ يروي بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَبِضَمِّهَا
قَوْله غير الدَّجَّال أخوفني عَلَيْكُم قَالَ الشَّيْخ مُحي الدّين
هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نسخ بِلَادنَا أخوفني بنُون بعد الْفَاء وَكَذَا نَقله القَاضِي عَن رِوَايَة الْأَكْثَرين قَالَ وَرَوَاهُ بَعضهم بِحَذْف النُّون وهما لُغَتَانِ صحيحتان ومعناهما وَاحِد وَقَالَ قَالَ شَيخنَا الإِمَام أَبُو عبد الله بن مَالك ﵀ الْحَاجة دَاعِيَة إِلَى الْكَلَام فِي لفظ هَذَا الحَدِيث وَمَعْنَاهُ فَأَما لَفظه فلكونه تضمن مَا لَا يعْتَاد من إِضَافَة أخوف إِلَى يَاء الْمُتَكَلّم مقرونة بنُون الْوِقَايَة وَهَذَا الِاسْتِعْمَال إِنَّمَا يكون مَعَ الْأَفْعَال المتعدية وَالْجَوَاب أَنه كَانَ الأَصْل إِثْبَاتهَا وَلكنه أصل مَتْرُوك فنبه عَلَيْهِ فِي قَلِيل من كَلَامهم وَأنْشد فِيهِ أبياتا مِنْهَا مَا أنْشدهُ الْفراء
(فَمَا أَدْرِي وظني كل ظن ... أمسلمني إِلَى قومِي شراحي)
يَعْنِي شرَاحِيل فرخمه فِي غير النداء للضَّرُورَة وَأنْشد غَيره وَهُوَ
(وَلَيْسَ الموافيني ليرفد خائبا ... فَإِن لَهُ أَضْعَاف مَا كَانَ آيلا)
ولأفعل التَّفْضِيل أَيْضا شبه بِالْفِعْلِ وخصوصا يفعل التَّعَجُّب فَجَاز أَن تلْحقهُ النُّون الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث كَمَا لحقت فِي الأبيات الْمَذْكُورَة هَذَا هُوَ الْأَظْهر فِي هَذِه النُّون وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ أخوف لي فأبدلت النُّون من اللَّام كَمَا أبدلت فِي لعن وَعَن بِمَعْنى لَعَلَّ وعل
واما معنى الحَدِيث فَفِيهِ أوجه أظهرها أَنه من أفعل التَّفْضِيل وَتَقْدِيره
стр. 45
غير الدَّجَّال أخوف مخوفاتي عَلَيْكُم ثمَّ حذف الْمُضَاف إِلَيّ الْيَاء وَمِنْه أخوف مَا أَخَاف على أمتِي الْأَئِمَّة المضلون مَعْنَاهُ فَإِن الْأَشْيَاء الَّتِي أخافها على أمتِي أحقها بِأَن يخَاف الْأَئِمَّة المضلون وَالثَّانِي أَن يكون أخوف من اخاف بِمَعْنى خوف وَمَعْنَاهُ غير الدَّجَّال أَشد مُوجبَات خوفي عَلَيْكُم
وَالثَّالِث أَن يكون من بَاب وصف الْمعَانِي بِمَا يُوصف بِهِ الْأَعْيَان على سَبِيل الْمُبَالغَة كَقَوْلِهِم فِي الشّعْر الفصيح شعر شَاعِر وَخَوف فلَان أخوف من خوفك وَتَقْدِيره خوف غير الدَّجَّال خوفي عَلَيْكُم ثمَّ حذف الْمُضَاف الأول ثمَّ الثَّانِي
قَوْله يَوْم كَسنة وَيَوْم كشهر وَيَوْم كجمعة (وَسَائِر أَيَّامه كأيامكم) قَالَ الشَّيْخ مُحي الدّين النَّوَوِيّ ﵀ قَالَ الْعلمَاء هَذَا الحَدِيث على ظَاهره وَهَذِه الْأَيَّام الثَّلَاثَة طَوِيلَة على هَذَا الْقدر الْمَذْكُور فِي الحَدِيث يدل عَلَيْهِ قَوْله ﷺ وَسَائِر أَيَّامه كأيامكم وَأما قَوْلهم يَا رَسُول الله فَذَلِك الْيَوْم الَّذِي كَسنة أيكفينا فِيهِ صَلَاة يَوْم قَالَ اقدروا لَهُ قدره فَقَالَ القَاضِي وَغَيره هَذَا حكم مَخْصُوص بذلك الْيَوْم شَرعه لنا صَاحب الشَّرْع قَالُوا وَلَوْلَا هَذَا الحَدِيث ووكلنا إِلَى اجتهادنا لاقتصرنا فِيهِ على الصَّلَوَات عِنْد الْأَوْقَات الْمَعْرُوفَة فِي غَيره من الْأَيَّام
وَمعنى قَوْله اقدروا لَهُ قدره أَنه إِذا مضى بعد طُلُوع الْفجْر قدر مَا يكون بَينه وَبَين الظّهْر كل يَوْم فصلوا الظّهْر ثمَّ إِذا مضى بِقَدرِهِ قدر مَا يكون بَينهَا وَبَين الْعَصْر فصلوا الْعَصْر فَإِذا مضى بعْدهَا قدر مَا يكون بَينهَا وَبَين الْمغرب فصلوا الْمغرب وَكَذَا الْعشَاء وَالصُّبْح ثمَّ الظّهْر ثمَّ الْعَصْر ثمَّ الْمغرب وَهَكَذَا حَتَّى يَنْقَضِي ذَلِك الْيَوْم وَقد وَقع فِيهِ صلوَات سنة كلهَا فَرَائض مُؤَدَّاة فِي وَقتهَا
وَأما الثَّانِي الَّذِي كشهر وَالثَّالِث الَّذِي كجمعة فَقِيَاس الْيَوْم الأول أَنه يقدر لَهما كَالْيَوْمِ الأول على مَا ذَكرْنَاهُ
стр. 46
قَوْله إِذْ بعث الله الْمَسِيح عِيسَى بن مَرْيَم قَالَ القَاضِي عِيَاض ﵀ نزُول عِيسَى ﷺ وَقَتله الدَّجَّال حق وصحيح عِنْد أهل السّنة للأحاديث الصَّحِيحَة فِي ذَلِك وَلَيْسَ فِي الْعقل وَلَا فِي الشَّرْع مَا يُبطلهُ فَوَجَبَ إثْبَاته وَأنكر ذَلِك بعض الْمُعْتَزلَة والجهمية وَمن وافقهم وَزَعَمُوا أَن هَذِه الْأَحَادِيث مَرْدُودَة بقوله تَعَالَى ﴿وَخَاتم النَّبِيين﴾ وَبِقَوْلِهِ ﷺ لَا نَبِي بعدِي // سنَن ابْن ماجة // وبإجماع الْمُسلمين أَنه لَا نَبِي بعد نَبينَا مُحَمَّد ﷺ وَأَن شَرِيعَته مؤيدة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا تنسخ وَهَذَا اسْتِدْلَال فَاسد لِأَنَّهُ لَيْسَ المُرَاد بنزول عِيسَى أَنه ينزل نَبيا يشرع وينسخ شرعنا وَلَا فِي هَذِه الْأَحَادِيث وَلَا فِي غَيرهَا شَيْء من هَذَا بل صحت هَذِه الْأَحَادِيث هُنَا بِأَنَّهُ ينزل حكما مقسطا يحكم بشرعنا ويحيي من أُمُور شرعنا مَا هجره النَّاس
وَقَالَ عبد الْحق فِي التَّذْكِرَة وَذهب قوم إِلَى أَن نزُول عِيسَى يرفع التَّكْلِيف لِئَلَّا يكون رَسُولا إِلَى أهل ذَلِك الزَّمَان يَأْمُرهُم عَن الله وينهاهم قَالَ وَهَذَا مَرْدُود بالأخبار الَّتِي ذَكرنَاهَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَغَيره وَقد روى أَبُو الزبير أَنه سمع جَابر بن عبد الله يَقُول سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول لَا تزَال طَائِفَة من أمتِي يُقَاتلُون على الْحق إِلَى يَوْم الْقِيَامَة قَالَ فَينزل عِيسَى ابْن مَرْيَم فَيَقُول أَمِيرهمْ تعال صل بِنَا فَيَقُول لَا إِن بَعْضكُم على بعض أَمر تكرمة لهَذِهِ الْأمة خرجه مُسلم
جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات وَأَن بَين عَيْنَيْهِ مَكْتُوب كَافِر وَفِي بَعْضهَا مَكْتُوبًا وَالْأول مُشكل من ظَاهر الْعَرَبيَّة لِأَن اسْم إِن مَنْصُوب وَلكنه جعل اسْم إِن
стр. 47
محذوفا وَمَا بعد ذَلِك جملَة من مُبْتَدأ وَخبر فِي مَوضِع رفع خبر لإن وَالِاسْم الْمَحْذُوف إِمَّا ضمير الشَّأْن وَإِمَّا ضمير عَائِد على الدَّجَّال وَنَظِيره إِن كَانَ الْمَحْذُوف بضمير الشَّأْن قَوْله ﷺ إِن من أَشد النَّاس عذَابا المصورون وَفِي بعض الرِّوَايَات وَإِن لنَفسك حق وَقَالَ بعض الْعَرَب إِن بك زيد مَأْخُوذ رَوَاهُ سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل وَمِنْه قَوْله ﷺ نَزعهَا عرق أَي لَعَلَّهَا ونظائره فِي الشّعْر كَثِيرَة وَإِن كَانَ الضَّمِير ضمير الدَّجَّال فنظيره رِوَايَة الْأَخْفَش إِن بك مَأْخُوذ أَخَوَاك وَالتَّقْدِير إِنَّك بك مَأْخُوذ أَخَوَاك
وَمثله من الشّعْر قَوْله
(فليت دفعت الْهم عني سَاعَة ... فبتنا على مَا خيلت ناعمي بَال)
أَرَادَ فليتك
وَمثله قَول الآخر
(فَلَو كنت ضبيا عرفت قَرَابَتي ... وَلَكِن زنجي غليظ المشافر)
أَرَادَ وَلَكِنَّك زنجي
стр. 48
الْمُقدمَة الرَّابِعَة فِيمَا لَهُ بالأعور علاقَة من الْفِقْه
قَالَ الشَّيْخ شهَاب الدّين الْقَرَافِيّ الْمَالِكِي ﵀ فرق بَين قَاعِدَة الْعَينَيْنِ وَقَاعِدَة كل اثْنَتَيْنِ فِي الْجَسَد فيهمَا دِيَة وَاحِدَة كالأذنين وَنَحْوهمَا أَنه إِذا ذهب سمع إِحْدَى أُذُنَيْهِ بضربة رجل ثمَّ أذهب سمع الْأُخْرَى فَعَلَيهِ نصف دِيَة وَفِي عين الْأَعْوَر الدِّيَة كَامِلَة قَالَ ووافقنا أَحْمد بن حَنْبَل وَقَالَ الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة نصف الدِّيَة قَالَ لنا وُجُوه
الأول إِن عمر وَعُثْمَان وعليا ﵃ أَجْمَعِينَ قضوا بذلك من غير مُخَالف وَكَانَ ذَلِك إِجْمَاعًا
الثَّانِي إِن الْعين الذاهبة يرجع ضوءها للباقية لِأَن مجْراهَا فِي النُّور الَّذِي يحصل بِهِ الإبصار وَاحِد كَمَا شهد بِهِ علم التشريح وَلذَلِك إِن الصَّحِيح إِذا غمض إِحْدَى عَيْنَيْهِ اتَّسع ثقب الْأُخْرَى بِسَبَب مَا انْدفع إِلَيْهِ من الْأُخْرَى وَقَوي إبصارها وَلَا يُوجد ذَلِك فِي إِحْدَى الْأُذُنَيْنِ إِذا سدت الْأُخْرَى وَإِحْدَى الْيَدَيْنِ إِذا ذهبت الْأُخْرَى أَو انْقَطَعت وَكَذَلِكَ جَمِيع أَعْضَاء الْجَسَد إِلَّا الْعين لما تقدم من اتِّحَاد الْمحل
وَكَانَت الْعين الْوَاحِدَة فِي معنى الْعَينَيْنِ
قلت لَا بَأْس هُنَا بِبَيَان مَا ذكره الشَّيْخ شهَاب الدّين الْقَرَافِيّ الْمَالِكِي رَحمَه
стр. 49
الله فِي قَوَاعِده وَهُوَ أَن قَوْله لِأَن مجْراهَا فِي النُّور الَّذِي يحصل بِهِ الإبصار وَاحِد كَمَا شهد بِهِ علم التشريح فَأَقُول ذكر أَصْحَاب التشريح أَنه يخرج من دَاخل الدِّمَاغ عصبان مجوفان ينبتان من جَانِبي أَجزَاء قطبي الدِّمَاغ المقدمين ثمَّ لَا يمضيان على استقامة لكنهما يتجوفان فِي جَوف عظم الرَّأْس وَلَيْسَ فِي الْجَسَد عصب مجوف غَيرهمَا عصب من الْيَمين وَعصب من الْيَسَار وينتهيان إِلَى قريب الْعين ويلتقيان بِالْقربِ من المنخرين حَتَّى يصير ثقبهما ثقبا وَاحِدًا ثمَّ يفترقان وَيذْهب كل عصب إِلَى عين على هَذِه الصُّورَة وَهَذَا العصب المجوف مَمْلُوء بخارا لطيفا شفافا صقيلا يُسمى الرّوح الباصر وملتقى العصبين مَوْضُوع الْقُوَّة الباصرة ومبدؤهما هُوَ الْبَطن الْمُقدم من الدِّمَاغ فَتَبَارَكَ الله أحسن الْخَالِقِينَ
رَجَعَ القَوْل إِلَى تَمام كَلَام الشَّيْخ شهَاب الدّين الْقَرَافِيّ الْمَالِكِي ﵀ قَالَ احْتَجُّوا بِوُجُوه
الأول قَوْله ﷺ فِي الْعين خَمْسُونَ من الْإِبِل
الثَّانِي قَوْله ﷺ فِي الْعَينَيْنِ الدِّيَة وَهُوَ يَقْتَضِي أَن لَا تجب الدِّيَة إِلَّا إِذا قلع عينين وَهَذَا لم يقْلع عينين
الثَّالِث مَا ضمن نصف الدِّيَة وَمَعَهُ نَظِيره ضمن بِنِصْفِهَا مُفردا كالأذن وَالْيَد
الرَّابِع إِنَّه لَو صَحَّ القَوْل بانتقال الرّوح الباصر لم يجب على الأول نصف
стр. 50
الدِّيَة وَمَعَهُ نَظِيره ضمن بِنِصْفِهَا لِأَنَّهُ لم يذهب نصف الْمَنْفَعَة
وَالْجَوَاب عَن الأول وَالثَّانِي إِنَّه مَحْمُول على الْعين غير العوراء لِأَنَّهُمَا عمومان مطلقان فِي الْأَحْوَال فيفيدان بِمَا ذَكرْنَاهُ من الْأَدِلَّة
وَعَن الثَّالِث الْفرق بانتقال قُوَّة الأولى بِخِلَاف الْأذن وَالْيَد وَلَو انْتقل ألزمناه
وَعَن الرَّابِع فَلَا يلْزم إطراح الأول لِأَنَّهُ جنى عَلَيْهِمَا فاحولتا أَو أعميتا أَو نقص ضوءهما فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْعقل لما نقص وَلَا تنقص الدِّيَة عَمَّن جنى ثَانِيًا على قَول عندنَا وَهَذَا السُّؤَال قوي علينا وَلذَلِك يلْزمنَا أَن نقلع بِعَيْنِه عينين اثْنَتَيْنِ من الْجَانِي
تَفْرِيع قَالَ ابْن أبي زيد فِي النَّوَادِر فِيهَا ألف وَإِن أَخذ فِي الأولى دِيَتهَا قَالَه مَالك وَأَصْحَابه
وَقَالَ أَشهب يسْأَل عَن السّمع فَإِن كَانَ ينْتَقل فكالعينين وَألا فكاليد وَإِن أُصِيب من كل عين نصف بصرها ثمَّ أُصِيب بَاقِيهَا فِي ضَرْبَة فَنصف الدِّيَة لِأَنَّهُ ينظر بهَا نصف نظرهما فَإِن أُصِيبَت بَاقِي إحديهما فربع الدِّيَة فَإِن أُصِيبَت بعد ذَلِك بَقِيَّة الْأُخْرَى فَنصف الدِّيَة لِأَنَّهُ أقيم مقَام نصف بَصَره فَإِن أَخذ صَحِيح نصف دِيَة أحداهما ثمَّ أُصِيب بِنصْف الصَّحِيحَة فثلث الدِّيَة لِأَنَّهُ أذهب من جَمِيع بَقِيَّة بَصَره ثَلَاثَة وَإِن أُصِيبَت بِبَقِيَّة المصابة فَقَط فربع الدِّيَة فَإِن ذهب بَاقِيهَا والصحيحة بضربة فَالدِّيَة كَامِلَة والصحيحة وَحدهَا فثلث الدِّيَة لِأَنَّهَا ثلث بَصَره فَإِن أُصِيبَت بَقِيَّة المصابة فَنصف الدِّيَة بِخِلَاف مَا لَو أُصِيبَت والصحيحة بَاقِيَة قَالَه أَشهب وَقَالَ ابْن الْقَاسِم لَيْسَ فِيمَا يصاب من الصَّحِيحَة إِذا بَقِي من الأولى شَيْء إِلَّا من حِسَاب نصف الدِّيَة انْتهى كَلَام الإِمَام الْقَرَافِيّ الْمَالِكِي رَحمَه الله
стр. 51
قَالَ ابْن حزم ﵀ وَيقْضى فِي الْقطع وَالْكَسْر فِي الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ وأصابعهما من يمنى ليسرى وَمن يسرى ليمنى وَكَذَلِكَ فِي الْعَينَيْنِ وَإِنَّمَا ذَلِك إِذا لم يُوجد الْأَخَص وَأما إِذا وجد فَلَا يتَعَدَّى كاليمنى باليمنى واليسرى باليسرى برهَان ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿والحرمات قصاص فَمن اعْتدى عَلَيْكُم﴾ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمثل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ فَإِن قلع يمنى عَيْنَيْهِ فَلهُ أَن يقْلع يمنى عَيْنَيْهِ فَإِن لم يجد لَهُ يمنى قلع يسراه وَلَا تفاضل بَينهمَا فِي شَيْء من الْمَنَافِع أصلا بل التباين بَين الْعين الْكَبِيرَة الكحلاء السَّوْدَاء الصافية وَبَين الْعين الصَّغِيرَة الشهلاء الرمضاء الضعيفة الْبَصَر قَالَ روينَا من طَرِيق ابْن وهب عَن عبد الله بن عمر أَنه قَالَ من فَقَأَ عين صَحِيح الْعَينَيْنِ تفقأ عينه قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَالْعين بِالْعينِ﴾ الْيُمْنَى باليمنى واليسرى باليسرى وَمن طَرِيق عبد الرَّزَّاق عَن قَتَادَة فِي رجل لَيْسَ لَهُ يَمِين قطع يسَار رجل قَالَ عَلَيْهِ الدِّيَة كَامِلَة دِيَة يدين اثْنَتَيْنِ لَا يقْتَصّ مِنْهُ قَالَ قَتَادَة وَلَو أَن رجلا أحد سَارِقا ليقطع يَمِينه فَقطعت شِمَاله فقد أقيم عَلَيْهِ لَا يُزَاد على ذَلِك قَالَ وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك وَالشَّافِعِيّ وأصحابهم لَا تُؤْخَذ يمنى بيسرى وَلَا يسرى بيمنى لَا فِي الْعَينَيْنِ وَلَا فِي الْيَدَيْنِ وَلَا فِي السن إِلَّا بِمِثْلِهَا قَالَ وروينا من طَرِيق وَكِيع عَن الشّعبِيّ قَالَ تفقأ الْعين بِالْعينِ الْيُمْنَى بالشمال وَقَالَ ابْن شبْرمَة تفقأ الْعين الْيُمْنَى باليسرى واليسرى باليمنى وَكَذَلِكَ اليدان قَالَ الْحسن ين حَيّ تفقأ الْعين الْيُمْنَى
стр. 52
باليسرى وَلَا يقطع يَد يمنى بيسرى وَلَا يسرى بيمنى
قَالَ ابْن حزم فَلَمَّا اخْتلفُوا كَمَا ذكرنَا وَجب أَن تنظر حجَّة كل وَاحِد فِيمَا ذهب إِلَيْهِ ليلوح الْحق من الْخَطَأ فَنَظَرْنَا فِيمَا رُوِيَ عَن ابْن عمر فوجدناه لَا يَصح لِأَن ابْن وهب لم يسمع من أخبرهُ ثمَّ هُوَ عَن عبد الْوَهَّاب بن مُجَاهِد وَهُوَ ضَعِيف جدا ثمَّ لَو صَحَّ لَكَانَ إِنَّمَا فِيهِ الْيُمْنَى باليمنى واليسرى باليسرى وَلَيْسَ فِيهِ الْمَنْع أَن تُؤْخَذ الْيُمْنَى باليسرى وَلَا الْيُسْرَى باليمنى وَبَعض الْخُصُوم لَا يرى قَول الصَّحَابِيّ حجَّة لَكِن من تَأَخّر من مقلدي من لَا يرى قَول الصَّحَابِيّ حجَّة نصرا لمذهبه وتشنيعا على خَصمه الَّذِي لَا يرَاهُ حجَّة فاعجبوا لهَذَا وَإِذا لم يكن فِي أثر ابْن عمر غير مَا ذكرنَا فَلَا يحل أَن يَقُول مَا لم يقل بل فِيهِ دلَالَة على أَنه تُؤْخَذ يمنى بيسرى لاحتجاجه بقول تَعَالَى ﴿وَالْعين بِالْعينِ﴾ وَهَذَا لَا يجوز أَن يخص يمنى وَلَا يسرى كلتاهما عين بِعَين فَقَط ثمَّ نَظرنَا فِيمَا رُوِيَ عَن قَتَادَة فوجدناه خطأ لَا إِشْكَال فِيهِ من وَجْهَيْن
أَحدهمَا مَنعه الْقصاص الَّذِي أَمر الله بِهِ إِذْ يَقُول ﴿فَمن اعْتدى عَلَيْكُم﴾ الْآيَة فَمنع ذَلِك بِلَا دَلِيل
وَالثَّانِي إِيجَابه فِي عين وَاحِدَة دِيَة عينين وَهَذَا لم يُوجِبهُ نَص وَلَا إِجْمَاع وَلَا قِيَاس وَلَا نظر ثمَّ نَظرنَا فِي قَول مَالك ﵁ وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ فوجدناهم يحتجون بِأَن الله أمرنَا بِالْمثلِ وَلَيْسَ هَذَا مثلا وَلَا حجَّة لَهُم غير هَذَا وَهَذَا خطأ بل هِيَ مثل لِأَنَّهَا يَد وَيَد وَعين وَعين وَأذن وَأذن وَلَا فرق وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي فقئ الْعين الدعجاء الصَّحِيحَة القوية المبصرة بِالْعينِ الرمضاء الصَّغِيرَة الحولاء ذَات الشَّقِيقَة وَلَا يَخْتَلِفُونَ بِقطع الْأذن الْكَبِيرَة بالصغيرة وَلَا يشك ذُو حس سليم فِي أَن البون وَعدم التَّمَاثُل بَين الْعين الصَّحِيحَة القوية وَبَين
стр. 53
الرمضاء العمشاء الحولاء وَبَين الْيَد الصناع السليمة وَالْيَد الخرقاء المرتعشة أبعد وَأبين من البون بَين الْيُمْنَى واليسرى بل التَّمَاثُل بَين الْيُمْنَى واليسرى أقرب لضَرُورَة الْحس فعكس هَؤُلَاءِ الْحَقَائِق
وَأما قَول الْحس بن حَيّ فَإِنَّمَا نحا بذلك نَحْو التَّفَاضُل فِي الْمَنْفَعَة فَرَأى أَن مَنْفَعَة الْعين الْيُمْنَى واليسرى سَوَاء لَا تفاضل بَينهمَا وَرَأى أَن الْيَد الْيُمْنَى أَشد تَصرفا فِي الْمَنَافِع من الْيَد الْيُسْرَى فَإِنَّهُ بِالْيَمِينِ يكْتب ويحارب وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء أصلا لِأَنَّهُ لم يَأْتِ بِالْفرقِ بَينهمَا نَص وَلَا إِجْمَاع وَلَا يجوز الحكم فِي الشَّرِيعَة إِلَّا بهما أَو بِأَحَدِهِمَا واما من طَرِيق النّظر فَهُوَ خطأ لِأَنَّهُ لَا يخْتَلف اثْنَان أَنه تقص الْيَد الخرقاء الضعيفة الَّتِي لَا صناعَة فِيهَا من الْيَد الصناع القوية الكاتبة وَهَذَا أَشد تباينا مِمَّا بَين الْيُمْنَى واليسرى وَإِنَّمَا يسهل تصرف الْيُمْنَى فِي الْأَعْمَال بِالْعَادَةِ فَقَط وَلَو تعود الْإِنْسَان أَن يعْمل بيسراه هَذِه الْأَعْمَال لنفذت فِيهَا نَفاذ الْيُمْنَى وَقد شاهدنا من انفكت يمناه فانجبرت على غث وَتعذر عَلَيْهِ الْعَمَل بهَا لِضعْفِهَا فتدرب بِالْعَمَلِ بيسراه فنابت مناب الْيُمْنَى وَقَضِيَّة أبي عَليّ بن مقلة مَشْهُورَة فِي قطع يَده على كبر ومناسبة خطه بيسراه مَا أتقنه من الْخط فِي أول عمره بيمناه وَكَانَ يلْزم الْحسن بن حَيّ أَن يقص يمنى الْأَيْمن بيسرى الأعسر وَألا فقد تنَاقض لِأَنَّهُ يعْمل بيسراه كَمَا يعْمل الْأَيْمن بيمناه فَبَطل هَذَا التَّفْرِيق لِأَنَّهُ غير مطرد
قَالَ وَاحْتج بَعضهم بِأَن قَالُوا لما أَجمعُوا على أَن لَا يقص من يسرى ليمنى مَا دَامَت الْيَمين مَوْجُودَة وَلَا من ربَاعِية لثنية مَا دَامَت الثَّنية وَجب أَن يكون كَذَلِك عِنْد عدم مَا ذكر
قَالَ وَهَذَا قِيَاس وَالْقِيَاس كُله بَاطِل وَحَتَّى لَو كَانَ الْقيَاس حَقًا لَكَانَ
стр. 54
هَذَا مِنْهُ بَاطِلا لِأَنَّهُ قِيَاس الشَّيْء على ضِدّه وَحَال الْعَدَم غير حَال الْوُجُود وضدها وَلَا يجوز الْقيَاس عِنْد الْقَائِلين بِهِ إِلَّا أَن يُقَاس الشَّيْء على ضِدّه
مَسْأَلَة قَالَ ابْن حزم وَمن فَقَأَ عين أعمى أَو عينا رمضة فقئت عينه إِن كَانَت صَحِيحَة برهَان ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْعين بِالْعينِ﴾ على قِرَاءَة الْكسَائي وَلم يذكر صَحِيحَة من سقيمة ﴿وَمَا كَانَ رَبك نسيا﴾ فَإِن فَقَأَ أعمى عين صَحِيح الْعَينَيْنِ فقئت عين الْأَعْمَى أَو عَيناهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غير ذَلِك لِأَنَّهَا عين بِعَين والألم وَاحِد بِلَا خلاف وَلَا معنى لمراعاة الْبَصَر وَلَا وجوده وَلَا عَدمه قَالَ وَمن الدَّلِيل على بطلَان مُرَاعَاة صِحَة الْبَصَر وَعَدَمه إِجْمَاعهم على أَن فَقَأَ عين أرمد أَو عين ضَعِيف الْبَصَر أَو عين من بدا المَاء ينزل فِي عَيْنَيْهِ وَلم يكمل نُزُوله فَعَلَيهِ الْقود وبيقين يدْرِي كل ذِي حس سليم أَن هَذَا الْبَصَر لَيْسَ كبصر الفاقئ فقد بطلت مُرَاعَاة صِحَة الْبَصَر وَكَذَلِكَ لَو فَقَأَ صَحِيح عين أعمى أَو عَيْنَيْهِ فَإِنَّهُ يُقَاد بِهِ لما ذكرنَا وَإِنَّمَا هِيَ عين بِعَين فَإِن فَقَأَ أَعور عينا صَحِيحَة من ذِي عينين فقئت عينه الصَّحِيحَة وَسَوَاء يسرى بيمنى أَو يمنى بيسرى لِأَن الأَصْل فِي ذَلِك مُرَاعَاة قرب الْمُمَاثلَة مَا أمكن وَإِن فَقَأَ عينا عوراء فقئت عينه العوراء سَوَاء كَانَت يمنى بيسرى أَو مُوَافقَة لما ذكر وَلَا غَرَامَة مَعَ الْقود فِي شَيْء مِمَّا ذكر لِأَن الْأَمْوَال مُحرمَة إِلَّا بِنَصّ أَو إِجْمَاع وَكَذَلِكَ إِن فَقَأَ صَحِيح الْعين عين أَعور سَوَاء فَقَأَ العوراء أَو الصَّحِيحَة فقئت عينه الصَّحِيحَة وَإِن فَقَأَ العوراء فقئت عينه العوراء وَلَا يُبَالِي بيسرى كَانَت من أَحدهمَا أَو بيمنى من الْأُخْرَى ومتفقة مِنْهُمَا لما ذكر من قرب الْمُمَاثلَة مَا أمكن وَلَو أَن أعمى أذهب بصر أحد دون أَن يفقأ عَيْنَيْهِ فَلَا قَود هَهُنَا لأَنا لَا نقدر على أَن الْمُمَاثلَة فِيهِ وَإِنَّمَا الْمُمَاثلَة هُنَا بِالدِّيَةِ إِن
стр. 55
صحت إِذْ لَا سَبِيل إِلَى الْمُمَاثلَة بِغَيْر ذَلِك فَلَو أَن مبصرا أذهب نور بصر مبصر دون أَن يفقأ لَهُ عينا أَو يخصيها أقيد مِنْهُ وأذهب بَصَره
قَالَ ابْن حزم ﵀ وروينا من طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة عَن يحيى بن عجْرَة أَن أَعْرَابِيًا قدم بحلوبة لَهُ الْمَدِينَة فساومه مولى لعُثْمَان بن عَفَّان فَلَطَمَهُ ففقأ عينه فَقَالَ لَهُ عُثْمَان هَل لَك أَن أَضْعَف لَك الدِّيَة وَتَعْفُو عَنهُ قَالَ لَا فرفعهما عُثْمَان لعَلي بن أبي طَالب فَدَعَا عَليّ بِمِرْآة فأحماها ثمَّ وضع الْقطن على عينه الْأُخْرَى ثمَّ أَخذ الْمرْآة بكليتين فأدناها من عينه حَتَّى سَالَ إِنْسَان عينه قَالَ فَهَذَا عَليّ وَعُثْمَان بِحَضْرَة الصَّحَابَة ﵃ أَجْمَعِينَ قد اقتصا عينا بِعَين وَلم يَأْتِ عَنْهُمَا وَلَا عَن غَيرهمَا من الصَّحَابَة اشْتِرَاط صَحِيحَة من عمياء وَمن طَرِيق الْحجَّاج بن منهال عَن الشّعبِيّ فِي أَعور فَقَأَ عين صَحِيح الْعَينَيْنِ أَنه يقْتَصّ مِنْهُ وَقَالَ حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان مثل ذَلِك وَقَالَ أَبُو عوَانَة عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ فِي أَعور فقئت عينه قَالَ عين بِعَين وَمن طَرِيق حَمَّاد بن سَلمَة أَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ فِي أَعور فَقَأَ عين رجل صَحِيح الْعَينَيْنِ عمدا قَالَ إِن شَاءَ اقْتصّ مِنْهُ وَأَعْطَاهُ نصف الدِّيَة
وَعَن الْحجَّاج بن أَرْطَاة أَن مسروقا وشريحا وَالشعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالُوا فِي رجل فقئت عينه وَقد كَانَ ذهب مِنْهَا أَنه يلقى عَنهُ بِقدر مَا ذهب مِنْهَا قَالَ ابْن حزم هَذَا لَيْسَ فِيهِ قُرْآن وَلَا سنة إِجْمَاع وَهَذِه رِوَايَة سَاقِطَة لِأَنَّهَا عَن الْحجَّاج بن أَرْطَاة وَلَو صحت فَلَا حجَّة فِي قَول أحد دون رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 56
وَقَالَ سعيد عَن قَتَادَة عَن سعيد بن الْمسيب فِي صَحِيح فَقَأَ عين أَعور قَالَا جَمِيعًا تفقأ عين الصَّحِيح وَيغرم دِيَة عين وَقَالَ قَتَادَة عَن عبد ربه أَبُو عِيَاض عَن عُثْمَان بن عَفَّان أَنه قَالَ فِي أَعور فَقَأَ عين صَحِيح إِنَّه يستقاد مِنْهُ وَعَلِيهِ الدِّيَة كَامِلَة وَمن طَرِيق عبد الرَّزَّاق عَن عَليّ بن أبي طَالب أَنه قَالَ فِي أَعور فقئت عينه الصَّحِيحَة عمدا إِن شَاءَ أَخذ الدِّيَة كَامِلَة وَإِن شَاءَ فَقَأَ عينا وَاحِدَة وَنصف الدِّيَة وَعَن معمر عَن الزُّهْرِيّ وَقَتَادَة قَالُوا جَمِيعًا إِذا فقئت عين الْأَعْوَر فقئت عين الَّذِي فقأها وَغرم أَيْضا الْأَعْوَر خَمْسمِائَة دِينَار
وَعنهُ عَن الحكم بن عتيبة قَالَ لطم رجل رجلا أَو غير اللَّطْم إِلَّا أَنه أذهب بَصَره وعينه قَائِمَة فأرادوا أَن يقيدوه فأعيى عَلَيْهِم وعَلى النَّاس كَيفَ يقيدونه فَجعلُوا لَا يَدْرُونَ كَيفَ يقيدونه فَأَتَاهُم عَليّ ﵁ فَجعل على وَجهه كرسفا ثمَّ اسْتقْبل بِهِ الشَّمْس وَأدنى من عَيْنَيْهِ مرْآة فالتمع بَصَره وعينه قَائِمَة
وَجَاء عَن مَسْرُوق وَالشعْبِيّ وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَعبد الله بن دَغْفَل وَمُحَمّد بن سِيرِين وَعبد الْعَزِيز بن أبي مسلمة وسُفْيَان الثَّوْريّ فِي ذَلِك الْقود فِي كلا الْأَمريْنِ يقْتَصّ الْأَعْوَر من الصَّحِيح وَالصَّحِيح من الْأَعْوَر دون غَرَامَة فِي شَيْء من ذَلِك وَقَالَ بذلك أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وأصحابهما
وَقَالَ مَالك ﵁ إِن فَقَأَ أَعور عين صَحِيح الْعَينَيْنِ فَإِنَّهُ يستقاد مِنْهُ دون غَرَامَة وَإِن شَاءَ أَخذ دِيَة كَامِلَة تَامَّة دِيَة عينين لعَينه الْوَاحِدَة وَإِن فَقَأَ
стр. 57
ذُو عينين عين أَعور فالأعور يُخَيّر بَين فقئ عين وَاحِدَة بِعَيْنِه أَو أَخذ الدِّيَة كَامِلَة وَرُوِيَ مثل ذَلِك عَن ابْن عَبَّاس وروينا من طَرِيق ابْن وهب عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ فِي الرجل الْحر الْأَعْوَر إِن فقئت عينه فَهُوَ مُخَيّر بَين أَن يقْتَصّ من عين وَاحِدَة وَبَين أَن يَأْخُذ الدِّيَة كَامِلَة وَهُوَ قَول ربيعَة وَقَالَ مَالك وَاللَّيْث إِن فَقَأَ أَعور عين إِنْسَان فقئت عينه الصَّحِيحَة وألزم دِيَة الْأُخْرَى
قَالَ ابْن حزم أما القَوْل الْمَأْثُور عَن عَليّ من أَن الْأَعْوَر يُخَيّر بَين ان يَأْخُذ دِيَة كَامِلَة وَإِن شَاءَ أَخذ نصف الدِّيَة واقتص من غير زِيَادَة فَإِنَّهُ قَول صَحِيح عَنهُ إِلَّا أَنه لَا حجَّة فِي قَول أحد دون رَسُول الله ﷺ وَإِنَّمَا جَاءَ الْقُرْآن وَالسّنة بِالْمثلِ وَلم يماثل من أَخذ من عين وَاحِدَة دِيَة عينين أَو عينا وَنصف دِيَة وَالْأَمْوَال مُحرمَة إِلَّا بِنَصّ أَو إِجْمَاع واما الرِّوَايَة عَن عمر وَعُثْمَان ﵄ فِي الْمَنْع من الْقصاص جملَة بَين الْأَعْوَر وَذي الْعَينَيْنِ فَإِنَّهَا لَا تصح الْبَتَّةَ عَنْهُمَا لِأَنَّهَا من طَرِيق أبي عِيَاض واسْمه عَمْرو بن الْأسود وَلم يسمع شَيْئا من عمر وَلَا عُثْمَان واعلا سَمَاعه من مُعَاوِيَة وَهَذَا قَول لَو صَحَّ فَلَا حجَّة فِي قَول أحد دون رَسُول الله ﷺ وَالنَّص قد جَاءَ بالقود فَلَا يجوز إِسْقَاطه بِغَيْر نَص وَلَا إِجْمَاع قَالَ ابْن حزم وعهدنا الحنفيين والشافعيين يعظمون فلَان الصاحب الَّذِي لَا يعرف لَهُ مُخَالف من الصَّحَابَة وهم قد خالفوا هُنَا عمر وَعُثْمَان وعليا ﵃ أَي قَول لم يحفظ عَن أحد من الصَّحَابَة وَهَذَا مَا تناقضوا فِيهِ وَأما قَول مَالك ﵁ فَإِنَّهُ جَاءَ نَحوه عَن ابْن عَبَّاس وَلَا يَصح الْبَتَّةَ لِأَنَّهُ عَن ابْن سمْعَان وَهُوَ كَذَّاب ثمَّ هُوَ أَيْضا مُنْقَطع لِأَن ابْن سمْعَان لم يدْرك ابْن عَبَّاس بل موت ابْن عَبَّاس مُتَقَدم على ولادَة ابْن سمْعَان بِعشْرَة أَعْوَام وَإِذا سَقَطت هَذِه الْأَقْوَال لم يبْق إِلَّا قَوْلنَا وروينا من طَرِيق ابْن وهب عَن ربيعَة بن أبي عبد الرَّحْمَن
стр. 58
أَنه قَالَ فِي رجل فَقَأَ عين رجل فَقَامَ ابْن عَم لَهُ فَقتل الفاقئ غَضبا قَالَ يقتل الْقَاتِل وَلَا شَيْء للمفقوء عينه وَقد فَاتَهُ الْقود قَالَ ابْن وهب بَلغنِي عَن ربيعَة أَنه قَالَ فِي أعمى فَقَأَ عين صَحِيح أَو عينه جَمِيعًا قَالَ مَا فِيهِ مَأْخَذ لقود قَالَ عَلَيْهِ الدِّيَة
قَالَ ابْن حزم هَاتَانِ فتيتان متناقضتان لِأَنَّهُ أوجب الدِّيَة فِي عين فقيت عمدا لأجل امْتنَاع الْقود فِي إِحْدَى الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلم يُوجب فِي الْأُخْرَى دِيَة لأجل امْتنَاع من الْقود أَيْضا وَهَذَا تنَاقض ظَاهر لَا يُؤَيّدهُ نَص وَلَا قِيَاس وَلَا خبر عَن صَاحب وَالْحق من هَذَا أَن الْقود وَاجِب مَا أمكن لقَوْله تَعَالَى ﴿والحرمات قصاص﴾ فَإِذا تعذر الْقصاص بِمَوْت أَو بِعَدَمِ الْعَفو أَو بامتناع لفرار فَإِن كَانَ فِي ذَلِك دِيَة مُؤَقَّتَة ثَابِتَة عَن رَسُول الله ﷺ فَهِيَ وَاجِبَة لمن أرادها مَكَان قصاصه الْفَائِت لِأَن النَّص أوجبهَا لَهُ وَإِن لم تكن هُنَاكَ دِيَة مُؤَقَّتَة عَن رَسُول الله ﷺ فَلَا شَيْء لَهُ لِأَن الْأَحْكَام لَا يُوجِبهَا إِلَّا الله تَعَالَى على لِسَان رَسُول الله ﷺ أَو إِجْمَاع مُتَيَقن وَإِذا كَانَ كَذَلِك فإحدى فتيات ربيعَة صَوَاب وَالْأُخْرَى خطأ فَالصَّوَاب فِي الَّذِي فَقَأَ عين آخر فَوَثَبَ ابْن عَم المفقؤه عينه فَقتل الفاقئ فَلَا قَود للمفقئ عينه وَلم يكن لَهُ غير الْقود
стр. 59
وَالْخَطَأ فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة وَهِي أعمى فَقَأَ عين صَحِيح أَو عَيْنَيْهِ أَنه لَا قَود لَهُ وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الدِّيَة وَذَلِكَ أَنه أوجب دِيَة لم يُوجِبهَا الله تَعَالَى وَلَا رَسُوله ﷺ لَا قِيَاس وَلَا نَص صَحِيح وَمنع الْقود الَّذِي أوجبه الله فَإِن قيل قد رُوِيَ عَن بعض الصَّحَابَة فِي دِيَة الْعين الْقَائِمَة السَّادة لموضعها خلاف الصَّحِيحَة قُلْنَا نعم وَهَكَذَا نقُول وَحكم الدِّيَة غير حكم الْقصاص لِأَن الْقصاص جَاءَ فِي الْقُرْآن مُجملا مثلا بِمثل وَالْعين الصَّحِيحَة والعمياء كلهَا عين وَأما الدِّيَة فَمَا كَانَ مَنْصُوصا عَلَيْهِ فَكَذَلِك وَمَا كَانَ غير مَنْصُوص فَلَا يجوز القَوْل فِيهِ إِلَّا بِإِجْمَاع مُتَيَقن لِأَنَّهُ إِيجَاب مَال وغرامة وَالْأَمْوَال مُحرمَة إِلَّا بِنَصّ أَو إِجْمَاع هَذَا مَا تيَسّر لي كِتَابَته هُنَا من كَلَام ابْن حزم ﵀ مُخْتَصرا فَإِنَّهُ بسط من هَذِه الْإِعَادَة بعض الْأَلْفَاظ وشناعاته المفرطة
مَسْأَلَة مَذْهَب الشَّافِعِي رَضِي الله هـ هَل يشْتَرط فِي الْخَلِيفَة أَن لَا يكون أَعور فِيهِ وَجْهَان يجريان فِي اشْتِرَاط سَلامَة سَائِر الْأَعْضَاء كَالْيَدِ وَالرجل وَالْأُذن
مَسْأَلَة لَا يجْبر مُسْتَحقّ الْغرَّة على قبُول الْأَعْوَر
مَسْأَلَة يُجزئ فِي الْكَفَّارَة الْأَعْوَر بِشَرْط أَن لَا يضعف نظر عينه السليمة
قَالَ الشَّافِعِي ﵀ فِي الْأُم فَإِن ضعف بصرها فأضر بِالْعَمَلِ إِضْرَارًا بَينا لم تجزه قَالَ الْمَاوَرْدِيّ إِن كَانَ ضعف الْبَصَر يمْنَع معرفَة الْخط وَإِثْبَات الْوُجُوه الْقَرِيبَة مِنْهُ وَإِلَّا فل
стр. 60
مَسْأَلَة فِي جَزَاء الصَّيْد إِذا فدا الْأَعْوَر من الْيَمين بالأعور من الشمَال فَفِي جَوَازه وَجْهَان أصَحهمَا يجوز لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَقْصُود من اللَّحْم وَالْقيمَة
وَالثَّانِي لَا يجوز كَمَا لَو اخْتلف نوع الْعَيْب كالعور وَالْعَرج
مَسْأَلَة إِذا نذر عتق رَقَبَة وَأطلق فَالصَّحِيح أَن يجْزِيه مَا ينْطَلق عَلَيْهِ الِاسْم وَالثَّانِي لَا يُجزئ إِلَّا مَا يجزىء فِي الْكَفَّارَة وَهِي الْمسلمَة السليمة من الْعُيُوب هَذَا مَا صَححهُ القَاضِي أَبُو الطّيب والداركي فَلَا تُجزئ العوراء
مَسْأَلَة فِي الْأُضْحِية لَا تُجزئ العوراء الَّتِي ذهبت حدقتها وَكَذَلِكَ إِن بقيت على الْأَصَح قَالَ ابْن حزم فِي كتاب الإغراب قَالُوا لنا صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه نهى عَن الضَّحَايَا عَن العرجاء الْبَين عرجها والعوراء الْبَين عورها فَمَاذَا تَقول فِي العمياء والمكسورة القوائم أَو المقطوعتها كلهَا أَو المخلوقة كَذَلِك تَقولُونَ إِنَّهَا لَا تُجزئ فقد قُلْتُمْ بِالْقِيَاسِ أم تَقولُونَ أَنَّهَا تُجزئ فَهَذِهِ شنعة عَظِيمَة قَالَ نقُول مَا قَالَه الله تَعَالَى وَرَسُوله ﷺ وَلَا نتعدى حُدُوده وَإِنَّمَا بعث الله رَسُوله معلما لنا بِلِسَان عَرَبِيّ مُبين فَوَجَدنَا العميا فِي لُغَة الْعَرَب عوراء والعمى يُسمى عورا
قَالَ تَمِيم بن مرّة بن مقبل وَهُوَ شَاعِر فصيح نَشأ فِي الْجَاهِلِيَّة وَأدْركَ الْإِسْلَام فَأسلم وكف بَصَره فِي الْإِسْلَام
стр. 61
(لَوْلَا الْحيَاء وَلَوْلَا الدّين عبتكما ... بِبَعْض مَا فيكما إِذْ عبتما عوري)
(قد كنت أهدي وَلَا أهْدى فعلمني ... حسن المقادة أَنِّي فَاتَنِي بَصرِي)
فَوَجَبَ أَن العمياء لَا تُجزئ لِأَن اسْم العوراء يَقع عَلَيْهَا وَأَيْضًا فَلَو لم يَقع على العمياء اسْم عوراء فَإِنَّهَا لَا تجزأ كَمَا حَدثنَا عبد الله بن ربيع ثَنَا مُحَمَّد ابْن إِسْحَاق وسَاق سندا يتَّصل بسفيان الثَّوْريّ عَن سعيد بن أسوع عَن شُرَيْح بن النُّعْمَان يَقُول سَمِعت عَليّ بن أبي طَالب ﵁ يَقُول سليمَة الْعين وَالْأُذن يَعْنِي الضحية وَبِه يَقُول عَليّ وَابْن مَسْعُود وَالشعْبِيّ وَغَيرهم فَهَذَا خبر صَحِيح وَسَعِيد بن أسوع ثِقَة مَشْهُور وَشُرَيْح بن النُّعْمَان رجل صدق انْتهى مَسْأَلَة فِي الزَّكَاة لَا يجوز إِخْرَاج العوراء إِلَّا أَن تتمخض مَاشِيَته كَذَلِك
مَسْأَلَة زَاد الرَّوْيَانِيّ على الْعُيُوب المثبتة للخيار فِي النِّكَاح كل عيب منفر كالعمى وتشوه الْبَصَر وَفِي مَعْنَاهُمَا العور وَقَالَ هِيَ تمنع الْكَفَاءَة عِنْدِي وَبِه قَالَ بعض الْأَصْحَاب وَاخْتَارَهُ الصميري
стр. 62
الْمُقدمَة الْخَامِسَة
فِيمَا جَاءَ من الْأَمْثَال والنوادر فِي حق الْأَعْوَر وَغير ذَلِك فِي الْأَمْثَال
تَقول الْعَرَب كسير وعويرا وكل غير خير
قَالَ الْمفضل أول من قَالَ ذَلِك أُمَامَة بنت نشبة بن مرّة كَانَ تزَوجهَا رجل من غطفان أَعور يُقَال لَهُ خلف بن رَوَاحَة فَمَكثت عِنْده زَمَانا حَتَّى ولدت لَهُ خَمْسَة ثمَّ نشزت عَلَيْهِ وَلم تصبر مَعَه فَطلقهَا ثمَّ إِن أَبَاهَا وأخاها خرجا فِي سفر لَهما فلقيهما رجل من بني سليم يُقَال لَهُ حَارِثَة بن مرّة فَخَطب أُمَامَة فَأحْسن الْعَطِيَّة فزوجاها مِنْهُ وَكَانَ أعرج مكسور الْفَخْذ فَلَمَّا دخل عَلَيْهَا رَأَتْهُ محطوم الْفَخْذ فَقَالَت كسير وعوير وكل غير خير فأرسلتها مثلا يضْرب فِي الشَّيْء يكره ويذم من وَجْهَيْن لَا خير فِيهِ قَالَ الشَّاعِر
(أَيَدْخُلُ من يَشَاء بِغَيْر إِذن ... وَكلهمْ كسير أَو عوير)
(وَأبقى من وَرَاء الْبَاب حَتَّى ... كَأَنِّي خصية وسواي أير)
قَالَ الميداني وكسير تَصْغِير كسير يُقَال شَيْء كسير أَي مكسور وَحقه كسير مشدد الْيَاء إِلَّا أَنه خفف لازدواج عوير وَهُوَ تَصْغِير أَعور مرخما وَيَقُولُونَ اللَّيْل أَعور وَإِنَّمَا قيل ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يبصر فِيهِ كَمَا قَالُوا نَهَار مبصر أَي يبصر فِيهِ وَيَقُولُونَ إِن أَتَاك أحد الْخَصْمَيْنِ وَقد فقئت عينه فَلَا
стр. 63
تقض لَهُ حَتَّى يَأْتِيك خَصمه فَلَعَلَّهُ قد فقئت عَيناهُ جَمِيعًا هَذَا مثل أوردهُ الْمُنْذِرِيّ وَقَالَ هَذَا من أمثالهم الْمَعْرُوفَة قلت هَذَا يشبه مَا يحْكى أَن كسْرَى وقف لَهُ رجل قصير واستغاث بِهِ متظلما عَن غَرِيم ظلمه فَأَعْرض عَنهُ وَلم يسمع كَلَامه ففهم الرجل وَقَالَ إِن غريمي أقصر مني فَأقبل عَلَيْهِ وأشكاه
وَيَقُولُونَ بدل أَعور قيل إِن يزِيد بن الْمُهلب لما صرف عَن خُرَاسَان بقتيبة بن مُسلم الْبَاهِلِيّ وَكَانَ شَيخا أَعور قَالَ النَّاس هَذَا بدل أَعور فَصَارَ هَذَا مثلا لكل من لَا يرتضى بَدَلا من الذَّاهِب
وَقَالَ فِيهِ بعض الشُّعَرَاء
(كَانَت خُرَاسَان أَرضًا إِذْ يزِيد بهَا ... وكل بَاب من الْخيرَات مَفْتُوح)
(حَتَّى أَتَانَا أَبُو حَفْص بأسرته ... كَأَنَّمَا وَجهه بالخل منضوح)
وَيَقُولُونَ أبْصر من غراب زعم ابْن الْأَعرَابِي أَن الْعَرَب تسمي الْغُرَاب أَعور لِأَنَّهُ مغمض أبدا إِحْدَى عَيْنَيْهِ مقتصر على إِحْدَاهمَا من قُوَّة بَصَره وَقَالَ غَيره إِنَّمَا سمي أَعور لحدة بَصَره على طَرِيق التفاؤل لَهُ وَقَالَ بشار بن برد
стр. 64
(وَقد ظلموه حِين سموهُ سيدا ... كَمَا ظلم النَّاس الْغُرَاب بأعورا)
وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم إِن الْغُرَاب يبصر من تَحت الأَرْض بِقدر منقاره
قلت وَقَالَ أَرْبَاب طبائع الْحَيَوَان هَذِه الْمقَالة فِي الهدهد وَقَول الْعَرَب أشأم من غراب الْبَين إِنَّمَا لزمَه ذَلِك لِأَن الْغُرَاب إِذا بَان أهل الدَّار للنجعة وَقع فِي مَوضِع بُيُوتهم يتلمس ويتقمم فتشاءموا بِهِ وتطيروا مِنْهُ إِذْ كَانَ لَا يعتري مَنَازِلهمْ إِلَّا إِذا بانوا فَسَموهُ غراب الْبَين ثمَّ كَرهُوا إِطْلَاق ذَلِك الِاسْم مَخَافَة الزّجر والطيرة وَعَلمُوا أَنه نَافِذ الْبَصَر صافي الْعين فَقَالُوا أصفى من عين الْغُرَاب كَمَا قَالُوا أصفى من عين الديك وسموه الْأَعْوَر كِنَايَة كَمَا قَالُوا فِي الطَّيرَة من الاعمى بَصِير وَمن تشاؤمهم بالغراب اشتقوا مِنْهُ اسْم الاغتراب والغربة وَلَيْسَ فِي الأَرْض بارح وَلَا نطيح وَلَا قعيد وَلَا شَيْء مِمَّا يتشاءمون بِهِ إِلَّا والغراب عِنْدهم أنكد مِنْهُ ويرون أَن صياحه أَكثر أَخْبَارًا وَأَن الزّجر فِيهِ أَعم قَالَ عنترة شعر
(خرق الْجنَاح كَأَن لحيي رَأسه ... جلمان بالأخبار هش مولع)
وَقَالَ غَيره شعر
(وَصَاح غراب فَوق أَعْوَاد بانة ... بأخبار أحبابي فقسمني الْفِكر)
(فَقلت غراب باغتراب وبانة ... ببين النَّوَى تِلْكَ العيافة والزجر)
стр. 65
(وهبت جنوب باجتنابي مِنْهُم ... وهاجت صبا قلت الصبابة والهجر)
وَقَالَ غَيره شعر
(تغنى الطائران ببين سلمى ... على غُصْنَيْنِ من غرب وَبَان)
(فَكَانَ البان أَن بَانَتْ سليمى ... وَفِي الغرب اغتراب غير دَان)
وَقَول جبلة بن الْأَيْهَم فِي واقعته الْمَشْهُورَة مَعَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
(تنصرت الْأَشْرَاف من أجل لطمة ... وَمَا كَانَ فِيهَا لَو صبرت لَهَا ضَرَر)
(تكنفني فِيهَا لجاج ونخوة ... وبعت لَهَا الْعين الصَّحِيحَة بالعور)
قَالَ أَبُو الْحسن ابْن سَيّده فِي الْمُحكم أَرَادَ العوراء فَوضع الْمصدر مَوضِع الصّفة وَلَو أَرَادَ العور الَّذِي هُوَ الْعرض لقابل الصَّحِيحَة وَهُوَ جَوْهَر بالعور وَهُوَ عرض وَهَذَا قَبِيح فِي الصَّنْعَة وَقد يُرِيد الْعين الصَّحِيحَة بِذَات العور فَحذف وكل هَذَا ليقابل الْجَوْهَر بالجوهر لِأَن مُقَابلَة الشَّيْء بنظيره أذهب فِي الصَّنْعَة وأشرف فِي الْوَضع
стр. 66
الْمُقدمَة السَّادِسَة
فِيمَا جَاءَ من الشّعْر فِي العور
بعض الشُّعَرَاء قَالَ
(لم يكفني بِالريِّ خيبة مطلبي ... حَتَّى حرمت لذاذة الإيناس)
(كالأعور الْمِسْكِين أعدم عينه ... فاعتاض مِنْهَا بغضه فِي النَّاس) وَقَالَ آخر
(والأعور المقموت مَعَ قبحه ... خير من الْأَعْمَى على كل حَال)
وَقَالَ أَبُو الطّيب شعر
(إِن كنت ترْضى بِأَن يُعْطوا الجزى بذلوا ... مِنْهَا رضاك وَمن للعور بالحول)
وَقَالَ أَيْضا فِي ابْن كروس وَكَانَ أَعور
(أيا ابْن كروس يَا نصف أعمى ... وَإِن تَفْخَر فيا نصف الْبَصِير)
(تعادينا لأَنا غير لَكِن ... وتبغضنا لأَنا غير عور)
(فَلَو كنت امْرَءًا يهجى هجونا ... وَلَكِن ضَاقَ فتر عَن مسير)
стр. 67
وَقَالَ آخر شعر
(رَأَيْت أعمى فِي الضُّحَى وَاقِفًا ... يُورد مَا أصعب فقد الْبَصَر)
(أَجَابَهُ فِي جنبه أَعور ... عِنْدِي فَمَا قلت نصف الْخَبَر)
وَقَالَ شَاعِر أَعور الْعين الْيُمْنَى مَشى إِلَى جَانِبه أَعور الْعين الْيُسْرَى شعر
(ألم ترنا إِذا سرنا جَمِيعًا ... إِلَى الْحَاجَات لَيْسَ لَهَا نَظِير)
(أسايره على يمنى يَدَيْهِ ... وَفِيمَا بَيْننَا رجل ضَرِير)
وَقَالَ الباخرزي
(وَلَا تحسبوا إِبْلِيس عَلمنِي الْخَنَا ... فَإِنِّي مِنْهُ بالفضائح أبْصر)
(وَكَيف يرى إِبْلِيس معشار مَا أرى ... وَقد فتحت عَيْنَايَ لي وَهُوَ أَعور)
وَقَالَ أَبُو عَليّ بن رَشِيق القيرواني فِي الطوسي الْأَعْمَى الشَّاعِر وَابْن شرف القيرواني الشَّاعِر الْأَعْوَر وَكَانَ ابْن رَشِيق أَحول
(لَا بُد فِي العور من تيه وَمن صلف ... لأَنهم يبصرون النَّاس أنصافا)
(وكل أَحول تلفي ذَا مكارمة ... لأَنهم ينظرُونَ النَّاس أضعافا)
(والعمي أولى بِحَال العور لَو عرفُوا ... على الْقيَاس وَلَكِن حاف من حاف)
стр. 68
وَقَالَ آخر فِي تيه العور وأجاد
(شمس الضُّحَى يغشي الْعُيُون ضياؤها ... إِلَّا إِذا رمقت بِعَين وَاحِدَة)
(فلذاك تاه العور واحتقروا الورى ... فاعرف فضيلتهم وخذها فَائِدَة)
(نُقْصَان جارحة أعانت أُخْتهَا ... فَكَأَنَّمَا قويت بِعَين زَائِدَة)
وَقَالَ فَخر الدّين بن الدهان الحاسب فِي نَاصح الدّين أبي مُحَمَّد سعيد بن الْمُبَارك النَّحْوِيّ وَكَانَ مخلا بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ
(لَا يبعد الدهان من أبنه ... أدهن مِنْهُ بطريقين)
(من عجب الدَّهْر فَحدث بِهِ ... بفرد عين وبوجهين)
وَقَالَ الْمُهلب بن أبي صفرَة لما ذهبت عينه بسمرقند الْعَجم
(لَئِن ذهبت عَيْني لقد بقيت نَفسِي ... وفيهَا بِحَمْد الله عَن ذَاك مَا ينسي)
(إِذا جَاءَ أَمر الله أعيى خيولنا
وَلَا بُد أَن تعي الْعُيُون لَدَى الرمس)
أَنْشدني من لَفظه لنَفسِهِ مُحَمَّد الإسْكَنْدراني الْمَعْرُوف بشمس الدّين ابْن القوية بِالْقَاهِرَةِ ﵀ فِي وَكيل القَاضِي فَخر الدّين نَاظر الْجَيْش وَكَانَ مخلا
(رَبنَا لي صَاحب ... بالذنب مدحو شقي)
стр. 69
(غطيت مِنْهُ عَورَة ... يَا خير بر مُشفق)
(وسترت مِنْهُ مَا مضى ... يَا رب فاستر مَا بَقِي)
وَقَالَ جمال الدّين عبد الله حفيد القَاضِي شمس الدّين أَحْمد بن خلكان من أهل الْعَصْر وَهُوَ مخل
(وخود رأتني خليع الثِّيَاب ... أُرِيد الدُّخُول إِلَى خلوتي)
(فحولت وَجْهي فَقَالَت إِلَيّ ... فَقلت لَهَا تنظري عورتي)
وَقَالَ أَيْضا
(عَيْنَايَ مذ عاينا جمالك ... يَا مخجل شمس السَّمَاء إِذْ سَارَتْ)
(ضرائر صارتا فَلَا عجب ... عَلَيْك إِحْدَاهمَا إِذا غارت)
لما رَضِي المتَوَكل على القَاضِي يحيى بن أَكْثَم وأشخصه إِلَى سامراء ولاه قَضَاء الْقُضَاة والمظالم فولى يحيى القَاضِي سوار الْعَنْبَري قَضَاء الْجَانِب الغربي وَولى القَاضِي حَيَّان بن بشر قَضَاء الْجَانِب الشَّرْقِي وَكَانَا أعورين فَقَالَ الجماز وَقيل دعبل الْخُزَاعِيّ
(رَأَيْت من الْكَبَائِر قاضيين ... هما أحدوثة فِي الْخَافِقين)
(هما اقْتَسمَا الْعَمى نِصْفَيْنِ قدرا ... كَمَا اقْتَسمَا قَضَاء الْجَانِبَيْنِ)
(هما فأل الزَّمَان بهلك يحيى ... إِذْ افْتتح الفضاء بأعورين)
стр. 70
وَقَالَ الإِمَام أَبُو الْفَتْح عُثْمَان بن جني النَّحْوِيّ وَكَانَ أَعور
(صدودك عني وَلَا ذَنْب لي ... دَلِيل على نِيَّة فاسده)
(فقد وحياتك مِمَّا بَكَيْت ... خشيت على عَيْني الواحده)
(وَلَوْلَا مَخَافَة أَن لَا أَرَاك ... لما كَانَ فِي تَركهَا فائده)
ونقلت من خطّ القَاضِي مُحي الدّين بن عبد الظَّاهِر شعر
(وأعور الْعين ظلّ يكشفها ... بِلَا حَيَاء مِنْهُ وَلَا خيفه)
(وَكَيف يلفى الْحيَاء عِنْد فَتى ... عَوْرَته لَا تزَال مكشوفه)
وَقَالَ عرقلة الشَّاعِر الْأَعْوَر شعر
(أَقُول وَالْقلب فِي هم وتعذيب ... يَا كل يُوسُف إرحم نصف يَعْقُوب)
وَقَالَ عرقلة أَيْضا فِي مَحْبُوب أَحول
(يَا لائمي هَل رَأَيْت أعجب من ... ذِي عور هائم بِذِي حول)
(أقل فِي عينه وَيكثر فِي ... عَيْني بضد الْقيَاس والمثل)
وَقَالَ بعض المغاربة فِي مليح أَعور
(بَرَكَات يَحْكِي الْبَدْر عِنْد تَمَامه ... حاشاه بل بدر السما يحكيه)
(لم تذو إِحْدَى زهرتيه وَإِنَّمَا ... كملت بِذَاكَ بَدَائِع التَّشْبِيه)
(فَكَأَنَّهُ رام يغمض طرفه ... ليصيب بِالسَّهْمِ الَّذِي يرميه)
وَقَالَ ابْن حريق البلنسي فِي مليح أَعور
(لم تشك الَّذِي بِعَيْنِك عِنْدِي ... أَنْت أعلا من أَن تعاب وأسنى)
стр. 71
(لطف الله رد سهميك سَهْما ... رأفة بالعباد فازددت حسنا)
وَقَالَ آخر
(لما رأى مقلتيه زَاد فتكهما ... فِي الْعَالمين وَقد أضحوا على خطر)
(خَافَ الْهَلَاك على كل بِمَا جنتا ... فَكف إِحْدَاهمَا عطفا على الْبشر)
وَقَالَ الْحَكِيم شمس الدّين مُحَمَّد بن دانيال مواليا
(لاموا على عشق من فِيهِ الورى حارت ... وَقَالُوا أَعور بَقِي إِذْ مقلتوا بارت)
(فَقلت عَيناهُ تهوى كَيفَ مَا صَارَت ... ذِي ضرتين وَذي سنّ حسن ذِي غارت)
وَقَالَ أَبُو مَنْصُور الديلمي فِي مليح أَعور
(لَهُ عين أَصَابَت كل عين ... وَعين قد أصابتها الْعُيُون)
وَقلت أَنا فِي مليح أَعور مضمنا
(أفدي حبيبا طرفه الْبَارِقي ... يَقُول وَمَا تعدى)
(قد غَار من حسني أخي ... وَبقيت مثل السَّيْف فَردا)
وَقلت أَيْضا
(كَانَ فِي عَيْني حَبِيبِي ... أَي حسن لَيْسَ يُنكر)
(يَا لَهَا عين حسود ... ردَّتْ الأحور أَعور)
стр. 72
النتيجة فِي ذكر من كَانَ أَعور
وَقد سردتهم على حُرُوف املعجم ليَكُون ذَلِك أسهل فِي الْكَشْف عَن الِاسْم الْمَطْلُوب
١ - إِبْرَاهِيم بن يزِيد بن الْأسود عَمْرو بن ربيعَة بن حَارِثَة بن سعد بن مَالك بن النَّخعِيّ أَبُو عمرَان وابو عمار وَأمه مليكَة بنت يزِيد بن قيس النخعية أُخْت الْأسود بن يزِيد النَّخعِيّ فَهُوَ خَاله
والنخع بِفَتْح النُّون وَالْخَاء وَبعدهَا عين مُهْملَة وَهِي قَبيلَة كَبِيرَة من مذجح بِالْيمن وَإِنَّمَا قيل لَهُ النخع لِأَنَّهُ انتخع من قومه أَي بعد عَنْهُم
وَاسم النخع جسر بن عَمْرو بن عِلّة بن مخلد بن مَالك بن أدد وَقد خرج من هَذِه الْقَبِيلَة خلق كثير وَقيل فِيهِ إِبْرَاهِيم بن يزِيد بن قيس وَقيل فِي نسبه غير ذَلِك توفّي ﵀ سنة سِتّ وَقيل سنة خمس وَتِسْعين لِلْهِجْرَةِ وَله تسع وَأَرْبَعُونَ سنة وَقيل ثَمَان وَخَمْسُونَ وَالْأول أصح وَقَالَ
стр. 73
يحيى الْقطَّان توفّي بعد الْحجَّاج بأَرْبعَة أشهر وَكَانَ كوفيا وَهُوَ فَقِيه الْعرَاق روى عَن عَلْقَمَة ومسروق وخاله الْأسود بن يزِيد وَالربيع بن خَيْثَم وَالْقَاضِي شُرَيْح وصلَة بن زفر وَعبيدَة السَّلمَانِي وسُويد بن غَفلَة وعابس بن ربيعَة وَهَمَّام بن الْحَارِث وهني بن بُرَيْدَة وَدخل على عَائِشَة ﵂ وَهُوَ صبي وَكَانَ أَعور ﵀ قَالَ لَهُ الشّعبِيّ أَنا أفقه مِنْك حَيا وَأَنت أفقه مني مَيتا قيل إِنَّه لما احْتضرَ جزع جزعا شَدِيدا فَقيل لَهُ فَقَالَ وَأي جزع أخطر وَأعظم مِمَّا أَنا فِيهِ أتوقع سؤالا يرد عَليّ من رَبِّي إِمَّا الْجنَّة وَإِمَّا النَّار وَالله لَوَدِدْت أَنَّهَا تلجلج فِي حلقي إِلَى يَوْم الْقِيَامَة روى لَهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَغَيرهم
стр. 74
٢ - احْمَد بن عبد الله طماس بن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن صول مولى يزِيد بن الْمُهلب الصولي كَانَ أَعور وَكَانَ يلقب بطماس بِكَسْر الطَّاء الْمُهْملَة وَبعدهَا مِيم والف وسين مُهْملَة ذكره أَبُو عبد الله المرزباني فِي كتاب الألقاب وَقَالَ هُوَ عَم شَيخنَا أبي بكر مُحَمَّد بن يحيى بن عبد الله الصولي وَإِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الصولي عَمه وَكَانَ إِبْرَاهِيم يستثقله ويستجفي أخلاقه وَكَانَ فِيهِ مَعَ عوره صلف وَكبر وَكَانَ يهاجي البحتري
قَالَ الْحسن بن وهب لإِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس يَا أَبَا إِسْحَاق تعال حَتَّى نعد الْبغضَاء قَالَ خذني أَولا لأجل ابْن أخي وثن بِمن شِئْت وَكَانَ طماس يَقُول الْعلم رَاقِد فِي الأفئدة مستيقظ فِي الأفواه سَائِر بالأقلام وَقَالَ القرطاس أَمْرَد مَا لم يكحله ميل الدواة وَقَالَ يرثي الْحسن بن مخلد
(مضى جبل الدُّنْيَا وسايس ملكهَا ... وأحذق خلق الله بِالنَّهْي وَالْأَمر)
(مضى سيد الْكتاب غير مدافع ... وَمن لَا يرى شبه لَهُ آخر الدَّهْر)
(وَمَا جمع الْأَمْوَال مثل ابْن مخلد ... يقرب مِنْهَا مَا تبَاعد عَن خبر)
(فَلَا وهب الله الْبَقَاء خِلَافه ... لأعدائه من آل وهب حمى الْكفْر)
(وَمن هُوَ عون للضلال على الْهدى ... عكوف على لحم الْخَنَازِير وَالْخمر)
٣ - أَحْمد بن عَليّ بن أَحْمد بن الْحُسَيْن بن عِيسَى بن رستم أَبُو الطّيب المادرائي الكوكبي الإخباري الْأَعْوَر الْمَعْرُوف بالكوكبي كَانَ أَصْغَر من أَخِيه مُحَمَّد طلب الحَدِيث وَأكْثر مِنْهُ وَمن كِتَابَته وَقَرَأَ الْأَدَب وَكَانَ فَاضلا وَبَينه وَبَين أبي الْعَبَّاس الْمبرد صداقة ومكاتبات بالأشعار ومدح الْحسن بن مخلد وَولي
стр. 75
ديوَان الْخراج بِمصْر أَيَّام المعتضد والمكتفي من قبل هارن بن أبي الْجَيْش خمارويه وَلما رَجَعَ مؤنس وَصفه للمقتدر وخاطبه فِي أَن يستوزره فهيئت لَهُ الْخلْع وَكتب التَّقْلِيد وَنفذ إِلَيْهِ الرَّسُول إِلَى دمشق فَلَقِيَهُمْ رسله بوفاته قَالَ أَخُوهُ مُحَمَّد أَرَادَ أخي السّفر إِلَى الشَّام فلمته على الثّقل فَقَالَ مَا معي إِلَّا مَا لَا بُد مِنْهُ وَلَا أقدر أَن أأخره وأحصى فِي جملَة مَا حمله ثَلَاثمِائَة حمل دفاتر وَكَانَ لَا يدع النّسخ بِحَال وَهُوَ فِي مَجْلِسه يَأْمر وَينْهى وروى عَنهُ أَبُو بكر مُحَمَّد بن جَعْفَر الخرايطي وَمُحَمّد بن الْعَبَّاس الشلغاني ومولده بِبَغْدَاد سنة إِحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَتُوفِّي ﵀ بِمصْر سنة ثَلَاث وثلاثمائة
وَمن شعره أَيْضا
(وَإِذا بدا جلد عَلَيْك من امْرِئ ... وأجله الغشيان والإلمام)
(فتسل عَنهُ بفرقة لَا مبديا ... شكوى لتصلحه لَك الْأَيَّام)
وَله أَيْضا
(عَاقِر الراح ودع نعت الطلل ... واعص من لامك فِيهَا أَو عذل)
(غادها واغن بهَا وَاسع لَهَا ... وَإِذا قَالُوا تصابى قل أجل)
(إِنَّمَا دنياك فَاعْلَم سَاعَة ... أَنْت فِيهَا وَسوى ذَاك أمل)
٤ - أَحْمد بن الْمُخْتَار بن مُحَمَّد بن عبيد بن خير بن سُلَيْمَان الْأَمِير أَبُو الْعَبَّاس بن أبي الْفتُوح ابْن أخي مهذب الدولة أَحْمد هَذَا وَأَبوهُ من أُمَرَاء البطيحة وَكَانَ كثير الشّعْر قدم بَغْدَاد ومدح الْإِمَامَيْنِ المستظهر والمسترشد
следующие страницы →