Полный текст (4 551 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مجلة المنار
لصاحبها: محمد رشيد رضا
أنشئت سنة ١٣١٥ هـ
(رقم الجزء، هو رقم المجلد. ورقم الصفحة، هي الصفحة التي يبدأ عندها المقال في المجلد المطبوع)
стр. 2
التعريف بالمجلة
[المصدر: قرص مجلة المنار]
مجلة المنار ودورها الإصلاحي
(صدر أول عدد: ٢٢ من شوال ١٣١٥هـ)
كانت مجلة المنار في عصرها أكبر مجلة إسلامية في العالم الإسلامي،
وأعظمها صيتًا، وأكثرها تأثيرًا، ولا تزال حتى اليوم تحتل مكانة مرموقة في
الصحافة الإسلامية، على الرغم من انقطاع صدورها منذ نحو سبعين عامًا،
وصدور عشرات المجلات الإسلامية في مختلف الدول والبلدان.
أحدث صدور المنار دويًا هائلاً ونشاطًا واسعًا، وتغيرًا في الرأي والتفكير،
ولم يكن وراء هذه المجلة العظيمة مؤسسة تنفق عليها وتشرف على طبعها
وتحريرها، بل كان يقف وراءها رجل عصامي وإمام فقيه ومجاهد عظيم هو محمد
رشيد رضا.
صاحب المجلة.. وفكرة إصدارها:
وصاحب هذا العمل الكبير هو الشيخ محمد رشيد رضا، أحد رواد الإصلاح
في العالم الإسلامي، ولد في إحدى قرى لبنان، وتلقى تعليمه هناك، واشتغل
بالدعوة والإصلاح في بلدته، ومال في بادئ حياته إلى الزهد والمجاهدة والوعظ
والإرشاد، ثم شاء له القدر أن يقع في يديه بعض أعداد من مجلة (العروة الوثقى)
التي كان يصدرها من باريس الإمامان: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، فقرأ
مقالاتها وتأثر بها غاية التأثر، وتغير كثير من أفكاره، وهو ما عبر عنه بقوله:
(ولقد أحدث لي هذا الفهم الجديد في الإسلام رأيًا فوق الذي كنت أراه في إرشاد
المسلمين، فقد كان همي قبل ذلك محصورًا في تصحيح عقائد المسلمين، ونهيهم
عن المحرمات، وحثهم على الطاعات، وتزهيدهم في الدنيا، فتعلقت نفسي بعد
ذلك بوجوب إرشاد المسلمين عامة إلى المدنية، والمحافظة على ملكهم، ومباراة
الأمم العزيزة في العلوم والفنون والصناعات، فطفقت استعد لذلك استعدادًا.. .) .
ثم سنحت له الفرصة أن يلتقي بالإمام محمد عبده مرتين حين زار طرابلس،
وازداد إعجابه به بعد المقابلتين، واشتد تعلقه به، وقوي إيمانه بأنه خير من يخلف
جمال الدين الأفغاني في ميدان الإصلاح وإيقاظ الشرق من سباته. ولم يجد رشيد
رضا ميدانًا أفسح له للعمل والإصلاح من مصر، فهاجر إليها، وقابل شيخه محمد
عبده في القاهرة في (شعبان ١٣١٥هـ = فبراير ١٨٩٨م) ، ولم يكد يمضي شهر
على نزوله القاهرة حتى فاتح أستاذه بأنه ينوي أن يصدر صحيفة يكون هدفها
التربية والتعليم، ونشر الأفكار الصحيحة، ومقاومة الجهل والتخلف والبدع
والخرافات.
صدور المنار:
وبعد مناقشة حامية بين الرجلين المصلحين أيد محمد عبده تلميذه فيما يطمح
إليه، وعرض رشيد رضا عدة أسماء للجريدة، من بينها المنار، ليختار منها محمد
عبده ما يراه مناسبًا، فاختار (المنار) ، وكان هذا هو الاسم الذي ارتاحت له نفس
رشيد رضا كذلك، وصدر العدد الأول من مجلة المنار في (٢٢ من شوال ١٣١٥
هـ = ١٥ من مارس ١٨٩٨م) ، وكانت أسبوعية، يتألف كل عدد منها من ثماني
صفحات كبيرة على صورة الجريدة اليومية.
وحددت افتتاحية العدد الأول أهداف المجلة التي تتركز في الإصلاح الديني
والاجتماعي للأمة وإبطال الشبهات الواردة على الإسلام، وتفنيد ما يعزى إليه من
خرافات، وتربية البنين والبنات، وإصلاح كتب التعليم وطريقة التأليف، ودفع
الأمة على مجاراة الأمم المتقدمة في مختلف المجالات. وحرص رشيد رضا على
أن يعرض على أستاذه الإمام محمد عبده كل ما يكتبه من مقالات، ليسمع منه
توجيهاته وإرشاداته.
وبعد عام من الصدور صارت المجلة تصدر على شكل مجلة أسبوعيًا، ثم
أصبحت في العام التالي تصدر مرتين في الشهر، وبعد سنوات صارت تصدر كل
شهر عربي مرة، وكان الشيخ رشيد يكتب على الصفحة الأولى (المنار مجلة
شهرية تبحث في فلسفة الدين وشؤون الاجتماع والعمران) .
وكانت المنار تطبع في أول عهدها في مطبعة المؤيد التي كان يملكها الشيخ
علي يوسف، ثم اشترى رشيد رضا مطبعة خاصة للمنار، يطبع فيها المجلة،
وغيرها من كتبه ومطبوعاته.
موضوعاتها:
كانت المجلة تستهل عددها بتفسير القرآن الكريم، وهو إما بقلم الشيخ محمد
عبده أو سائر على طريقته، ثم تأتي (فتاوى المنار) حيث تنشر فيها الإجابات
على الأسئلة التي تتناول أمورًا فقهية أو اعتقادية تلقاها الشيخ رشيد من قرائه، ثم
تأتي بعد ذلك بعض المقالات الدينية أو الاجتماعية أو التاريخية، أو بعض الخطب
المهمة للشيخ رشيد أو لغيره من كبار الخطباء، ومن الأبواب الثابتة التي كانت
تلتزم بها المجلة (باب المراسلة والمناظرة) وباب بعنوان: (آثار علمية وأدبية) ،
وباب للأخبار والآراء، وآخر بعنوان: (تراجم الأعيان) .
وكان رشيد رضا يكتب أغلب ما ينشر في المنار، على مدى عمرها المديد،
وهو لا يوقّع مقالاته وبحوثه في المنار باستثناء الافتتاحية، ويقرر أن كل ما يكتب
في المنار دون إمضاء فهو له، وكان وراء ذلك همة عالية، وزاد واسع من العلم،
فرشيد رضا عالم موسوعي، ملم بالتراث الإسلامي، متمكن من علوم القرآن، على
دراية عميقة بالفقه والحديث، مدرك لأحوال مجتمعه وعلله وأمراضه، شديد
الإحاطة بما يدور في عصره الذي يعيش فيه، خبير بأحوال المسلمين في أقطارهم
المختلفة.
ولم تقتصر المجلة على البحوث الدينية، بل نشرت كثيرًا من المقالات عن
السنن الكونية، والطب والصحة، وأفردت مساحات للأدب والشعر والقصة
الطريفة، والبحث اللغوي الشائق، وكانت تنقل عن المجلات الأخرى عيون
مقالاتها أو بحوثها الجيدة، مثل: مجلة المقتطف، وصحيفة المؤيد، والتزمت أمانة
النقل فكانت تذكر المصدر الذي أخذت عنه.
وشارك الشيخ رشيد في الكتابة في المنار أعلام الأمة من الأدباء والشعراء
والعلماء، أمثال: أحمد الإسكندري، وحفني ناصف، ومصطفى صادق الرافعي،
ومصطفى لطفي المنفلوطي، وحافظ إبراهيم، وعبد المحسن الكاظمي، ومحمد
روحي الخالدي، وعبد القادر المغربي، وشكيب أرسلان، ومحمد الخضر حسين،
ورفيق العظم، وملك حفني ناصف، وهؤلاء جميعًا كانوا يتولون قيادة الفكر وتوجيه
الناس في معظم أنحاء العالم العربي.
قضاياها:
عنيت المجلة فيما عنيت بإصلاح العقيدة ومحاربة البدع والخرافات الشائعة في
المجتمع، ونشر الفكر الصحيح، ونقد ما يحدث من انحرافات في الموالد الصوفية
من منكرات، وما يقوم به بعض الناس من التبرك بالأولياء الأموات، وكانت
المجلة شديد اللهجة، قوية الخطاب في معالجة هذا الوضع.
واهتمت المنار بالتربية والتعليم باعتبارهما جوهر دعوة محمد عبده للإصلاح،
ولا يكاد يخلو عدد من المنار من مقال في هذا الموضوع؛ ووقفت إلى جانب
حركة تحرير المرأة في نطاق الشريعة الإسلامية، وحاربت الدعوة إلى العامية،
واستبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية، وهاجمت العادات السيئة التي
تسربت إلينا من الغرب نتيجة الاتصال بهم، في الوقت الذي نادت فيه بضرورة
مسايرة أوروبا في مجال العلوم الحديثة ومباراتهم في الصناعات والاختراعات.
انتشارها:
صدرت المنار والناس في شوق إلى معرفة دينهم، وتطلع إلى التقدم
والإصلاح، فلقيت ترحيبًا حذرًا في أول صدورها، وتوجست منها الدولة العثمانية
لجرأتها في العرض، وتناولها موضوعات جديدة، فمنعت دخولها في بعض بلدانها،
غير أنها أخذت طريقها تدريجيًا إلى الناس وزاد إقبالهم عليها، وكثر المشتركون
فيها، وانتشرت في أنحاء العالم الإسلامي، وأصبحت طريقتها في الكتابة والتحرير
نموذجًا تحتذيه كثير من الصحف الإسلامية، ولم يكد العام الثاني عشر من عمرها
يمر عليها إلا وتدعمت مكانتها وتبوأت ما تستحق من مكانة وتقدير، وتنافس الناس
في اقتناء أعدادها القديمة والجديدة، وبيعت الأعداد الأولى بأضعاف ثمنها.
وامتد تأثير المجلة إلى كثير من الأقطار الإسلامية، وصار لها مؤيدون
ومحبون، كونوا مدارس فكرية في هذه الأقطار، وقد أشار إلى ذلك كتاب (وجهة
الإسلام) الذي قام بتأليفه جماعة من المستشرقين على رأسهم هاملتون جب، فقال:
(ولم يشرق منار الإسلام على المصريين وحدهم، ولكنه أشرق على العرب في
بلادهم وخارجها وعلى المسلمين في أرخبيل الملايو الذين درسوا في الجامعة
الأزهرية، وعلى الإندونيسي المنعزل الذي ظل محافظًا على علاقاته بقلب العالم
الإسلامي بعد عودته لبلاده النائية.. وقد أصبح الذين اقتبسوا من نور المنار منارات
صغرى في إندونيسيا بعد أن عادوا إليها...) .
ولم يكن استمرار مجلة المنار في الصدور أمرًا هينًا وسهلاً، بل صادفت
صعوبات كثيرة، وأزمات مادية، ومنافسة من مجلات أخرى؛ وهجومًا من أعداء
لها ضاقوا بفكرتها الإصلاحية ودعوتها التحريرية الواعية، ولم يكن الشيخ يملك
جاهًا أو سلطانًا، بل كان يملك عقلاً واعيًا وقلبًا صادقًا، ورغبة ملحة في الإصلاح،
وهمة عالية في الصبر والثبات ومواجهة الأزمات، ساعده ذلك على الاستمرار في
صدور مجلته، وإن تعثرت أحيانًا عن الصدور شهرًا أو شهرين، لكنها لم تتوقف
تمامًا حتى وفاته في (٢٧ من جمادى الأولى ١٣٥٤هـ=٢٢ من أغسطس ١٩٣٥م) .
بعد وفاة مؤسسها:
توقفت المجلة سبعة أشهر بعد وفاة الشيخ رشيد رضا، ثم أسندت رئاسة
تحريرها إلى الشيخ (بهجت البيطار) من علماء سوريا المعروفين، فقام على
تحريرها، وحاول إكمال التفسير الذي كان ينهض به الشيخ، فأتم تفسير سورة
يوسف، ثم توقفت المنار مرة أخرى لمدة تقترب من ثلاث سنوات.
ثم أسندت أسرة الشيخ إصدار المجلة إلى الإمام المرشد (حسن البنا) مؤسس
جماعة الإخوان المسلمين وكان مقدرًا للمجلة وصاحبها، فأصدر العدد الأول الجديد
في (غرة جمادى الآخرة ١٣٥٨هـ = ١٨ من يوليو ١٩٣٩م) بعد تردد،
وكان لرجوعها مرة أخرى صدى واسع، عبر عنه الإمام محمد مصطفى المراغي
شيخ الأزهر بكلمة في افتتاحية الإصدار الجديد، قدم فيه حسن البنا إلى قراء
المنار، مشيدًا بعلمه وقدرته في مجال الدعوة الإسلامية.
وواصلت المجلة صدورها لكنه كان بطيء الخطى، والمهام جسيمة على رجل
مثقل بالمسئوليات، مشغول بأعباء كثيرة، فلم يتمكن من الاستمرار، وتوقفت
المجلة بعد أن صدر منها ستة أعداد على مدى أربعة عشر شهرًا، وذلك في سنة
(١٣٥٩هـ=١٩٤٠م) .
الحواشي
(١) أحمد الشرباصي: رشيد رضا، الصحفي، المفسر، الشاعر - مطبوعات مجمع البحوث
الإسلامية - القاهرة - ١٩٧٧م.(٢) إبراهيم العدوي: رشيد رضا، الإمام المجاهد - الدار المصرية للتأليف والترجمة - القاهرة - بدون تاريخ.(٣) أنور الجندي: إعلام وأصحاب أقلام - دار نهضة مصر - القاهرة - بدون تاريخ.(٤) محمود منصور هيبة: الصحافة الإسلامية في مصر - دار الوفاء للطباعة والنشر - المنصورة - مصر - ١٤١٠=١٩٩٠.(٥) سامي عبد العزيز الكومي: الصحافة الإسلامية في القرن التاسع عشر - دار الوفاء للطباعة والنشر - المنصورة - مصر - ١٤١٣هـ=١٩٩٢م.стр. 3
ترجمة صاحب المنار
[المصدر: قرص مجلة المنار]
محمد رشيد رضا.. رائد الإحياء والتجديد
(١٢٨٢ هـ - ١٣٥٤ هـ = ١٨٦٥ م - ١٩٣٥ م)
كان الشيخ رشيد رضا أكبر تلامذة الأستاذ الإمام محمد عبده، وخليفته من بعده،
حمل راية الإصلاح والتجديد، وبعث في الأمة روحًا جديدة، تُحرِّك الساكن،
وتنبه الغافل، لا يجد وسيلة من وسائل التبليغ والدعوة إلا اتخذها منبرًا لأفكاره
ودعوته ما دامت تحقق الغرض وتوصل إلى الهدف.
وكان ﵀ متعدد الجوانب والمواهب، فكان مفكرًا إسلاميًا غيورًا
على دينه، وصحفيًا نابهًا ينشئ مجلة (المنار) ذات الأثر العميق في الفكر
الإسلامي، وكاتبًا بليغًا في كثير من الصفح، ومفسرًا نابغًا، ومحدثًا متقنًا في طليعة
محدثي العصر، وأديبًا لغويًا، وخطيبًا مفوهًا تهتز له أعواد المنابر، وسياسيًا يشغل
نفسه بهموم أمته وقضاياه، ومربيًا ومعلمًا يروم الإصلاح ويبغي التقدم لأمة.
وخلاصة القول: إنه كان واحدًا من رواد الإصلاح الإسلامي الذين بزغوا في
مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وعملوا على النهوض بأمتهم؛ حتى تستعيد
مجدها الغابر، وقوتها الفتية على هدى من الإسلام، وبصر بمنجزات العصر.
المولد والنشأة:
في قرية (القلمون) كان مولد (محمد رشيد بن علي رضا) في (٢٧ من
جمادى الأولى ١٢٨٢هـ = ٢٣من سبتمبر ١٨٦٥م) ، وهي قرية تقع على شاطئ
البحر المتوسط من جبل لبنان، وتبعد عن طرابلس الشام بنحو ثلاثة أميال، وهو
ينتمي إلى أسرة شريفة من العترة النبوية الشريفة، حيث يتصل نسبها بآل (الحسين
بن علي) ﵂ .
وكان أبوه (علي رضا) شيخًا للقلمون وإمامًا لمسجدها، فعُني بتربية ولده
وتعليمه؛ فحفظ القرآن وتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب، ثم انتقل إلى
طرابلس، ودخل المدرسة الرشيدية الابتدائية، وكانت تابعة للدولة العثمانية، وتعلم
النحو والصرف ومبادئ الجغرافيا والحساب، وكان التدريس فيها باللغة التركية،
وظل بها رشيد رضا عامًا، ثم تركها إلى المدرسة الوطنية الإسلامية بطرابلس سنة
(١٢٩٩هـ = ١٨٨٢م) ، وكانت أرقى من المدرسة السابقة، والتعليم فيها
بالعربية، وتهتم بتدريس العلوم العربية والشرعية والمنطق والرياضيات والفلسفة
الطبيعية، وقد أسس هذه المدرسة وأدارها الشيخ (حسين الجسر) أحد علماء الشام
الأفذاذ ومن رواد النهضة الثقافية العربية، وكان يرى أن الأمة لا يصلح حالها أو
ترتقي بين الأمم إلا بالجمع بين علوم الدين وعلوم الدنيا على الطريقة العصرية
الأوربية مع التربية الإسلامية الوطنية.
ولم تطل الحياة بتلك المدرسة فسرعان ما أُغلقت أبوابها، وتفرّق طلابها في
المدارس الأخرى، غير أن رشيد رضا توثقت صلته بالشيخ الجسر، واتصل
بحلقاته ودروسه، ووجد الشيخ الجسر في تلميذه نباهة وفهمًا، فآثره برعايته وأولاه
عنايته، فأجازه سنة (١٣١٤هـ = ١٨٩٧م) بتدريس العلوم الشرعية والعقلية
والعربية، وهي التي كان يتلقاها عليه طالبه النابه، وفي الوقت نفسه درس (رشيد
رضا) الحديث على يد الشيخ (محمود نشابة) وأجازه أيضًا برواية الحديث، كما
واظب على حضور دروس نفر من علماء طرابلس، مثل: الشيخ عبد الغني
الرافعي، ومحمد القاوجي، ومحمد الحسيني، وغيرهم.
في قريته:
اتخذ الشيخ رشيد رضا من قريته الصغيرة ميدانًا لدعوته الإصلاحية بعد أن
تزود بالعلم وتسلح بالمعرفة، وصفت نفسه بالمجاهدات والرياضيات الروحية
ومحاسبة نفسه وتخليص قلبه من الغفلة وحب الدنيا، فكان يلقي الدروس والخطب
في المسجد بطريقة سهلة بعيدة عن السجع الذي كان يشيع في الخطب المنبرية آنذاك،
ويختار آيات من القرآن يحسن عرضها على جمهوره، ويبسط لهم مسائل الفقه،
ويحارب البدع التي كانت شائعة بين أهل قريته.
ولم يكتف الشيخ رضا بمن يحضر دروسه في المسجد، فذهب هو إلى الناس
في تجمعاتهم في المقاهي التي اعتادوا على الجلوس فيها لشرب القهوة والنارجيلة،
ولم يخجل من جلوسه معهم يعظهم ويحثهم على الصلاة، وقد أثمرت هذه السياسة
المبتكرة، فأقبل كثير منهم على أداء الفروض والالتزام بالشرع والتوبة والإقبال
على الله، وبعث إلى نساء القرية من دعاهن إلى درس خاص بهن، وجعل مقر
التدريس في دار الأسرة، وألقى عليهن دروسًا في الطهارة والعبادات والأخلاق،
وشيئًا من العقائد في أسلوب سهل يسير.
الاتصال بالأستاذ الإمام:
في الفترة التي كان يتلقى فيها رشيد رضا دروسه في طرابلس كان الشيخ
محمد عبده قد نزل بيروت للإقامة بها، وكان محكومًا عليه بالنفي بتهمة الاشتراك
في الثورة العرابية، وقام بالتدريس في المدرسة السلطانية ببيروت، وإلقاء دروسه
التي جذبت طلبة العلم بأفكاره الجديدة ولمحاتة الذكية، وكان الشيخ محمد عبده قد
أعرض عن السياسة، ورأى في التربية والتعليم سبيل الإصلاح وطريق الرقي،
فركز جهده في هذا الميدان.
وعلى الرغم من طول المدة التي مكثها الشيخ محمد عبده في بيروت فإن
الظروف لم تسمح لرشيد رضا بالانتقال إلى المدرسة السلطانية والاتصال بالأستاذ
الإمام مباشرة، والتلمذة على يديه، وكان التلميذ النابه شديد الإعجاب بشيخه،
حريصًا على اقتفاء أثره في طريق الإصلاح، غير أن الفرصة سنحت له على
استحياء، فالتقى بالأستاذ الإمام مرتين في طرابلس حين جاء إلى زيارتها؛ تلبية
لدعوة كبار رجالها، وتوثقت الصلة بين الرجلين، وازداد تعلق رشيد رضا بأستاذه،
وقوي إيمانه به وبقدرته على أنه خير من يخلف (جمال الدين الأفغاني) في
ميدان الإصلاح وإيقاظ الشرق من سباته.
وحاول رشيد رضا الاتصال بجمال الدين الأفغاني والالتقاء به، لكن جهوده
توقفت عند حدود تبادل الرسائل وإبداء الإعجاب، وكان جمال الدين في الآستانة
يعيش بها كالطائر الذي فقد جناحيه فلا يستطيع الطيران والتحليق، وظل تحت
رقابة الدولة وبصرها حتى لقي ربه سنة (١٣١٤هـ = ١٨٩٧م) دون أن تتحقق
أمنية رشيد رضا في رؤيته والتلمذة على يديه.
في القاهرة:
لم يجد رشيد رضا مخرجًا له في العمل في ميدان أفسح للإصلاح سوى الهجرة
إلى مصر والعمل مع محمد عبده تلميذ الأفغاني حكيم الشرق، فنزل الإسكندرية في
مساء الجمعة (٨ من رجب ١٣١٥ هـ = ٣ من يناير ١٨٩٨م) ، وبعد أيام قضاها
في زيارة بعض مدن الوجه البحري نزل القاهرة واتصل على الفور بالأستاذ الإمام،
وبدأت رحلة جديدة لرشيد رضا كانت أكثر إنتاجًا وتأثيرًا في تفكيره ومنهجه
الإصلاحي.
ولم يكد يمضي شهر على نزوله القاهرة حتى صارح شيخه بأنه ينوي أن
يجعل من الصحافة ميدانًا للعمل الإصلاحي، ودارت مناقشات طويلة بين الإمامين
الجليلين حول سياسة الصحف وأثرها في المجتمع، وأقنع التلميذ النجيب شيخه بأن
الهدف من إنشائه صحيفة هو التربية والتعليم، ونقل الأفكار الصحيحة لمقاومة
الجهل والخرافات والبدع، وأنه مستعد للإنفاق عليها سنة أو سنتين دون انتظار ربح
منها.
مجلة المنار:
صدر العدد الأول من مجلة المنار في (٢٢ من شوال ١٣١٥هـ = من مارس
١٨٩٨م) ، وحرص الشيخ رشيد على تأكيد أن هدفه من المنار هو الإصلاح الديني
والاجتماعي للأمة، وبيان أن الإسلام يتفق والعقل والعلم ومصالح البشر، وإبطال
الشبهات الواردة على الإسلام، وتفنيد ما يعزى إليه من الخرافات.
وأفردت المجلة إلى جانب المقالات التي تعالج الإصلاح في ميادينه المختلفة
بابًا لنشر تفسير الشيخ محمد عبده، إلى جانب باب لنشر الفتاوى والإجابة على ما
يرد للمجلة من أسئلة في أمور اعتقادية وفقهية، وأفردت المنار أقسامًا لأخبار الأمم
الإسلامية، والتعريف بأعلام الفكر والحكم والسياسة في العالم العربي والإسلامي،
وتناول قضايا الحرية في المغرب والجزائر والشام والهند.
ولم يمض خمس سنوات على صدور المجلة حتى أقبل عليها الناس،
وانتشرت انتشارًا واسعًا في العالم الإسلامي، واشتهر اسم صاحبها حتى عُرف باسم
رشيد رضا صاحب المنار، وعرف الناس قدره وعلمه، وصار ملجأهم فيما يعرض
لهم من مشكلات، كما جاء العلماء يستزيدون من عمله، وأصبحت مجلته هي
المجلة الإسلامية الأولى في العالم الإسلامي، وموئل الفتيا في التأليف بين الشريعة
والعصر.
وكان الشيخ رشيد يحرر معظم مادة مجلته على مدى عمرها المديد، يمده زاد
واسع من العلم، فهو عالم موسوعي ملم بالتراث الإسلامي، محيط بعلوم القرآن،
على دراية واسعة بالفقه الإسلامي والسنة النبوية، عارف بأحوال المجتمع والأدوار
التي مر بها التاريخ الإسلامي، شديد الإحاطة بما في العصر الذي يعيش فيه، خبير
بأحوال المسلمين في الأقطار الإسلامية.
منهجه في الإصلاح:
كتب رشيد مئات المقالات والدراسات التي تهدف إلى إعداد الوسائل للنهوض
بالأمة وتقويتها، وخص العلماء والحكام بتوجيهاته؛ لأنهم بمنزلة العقل المدبر
والروح المفكر من الإنسان، وأن في صلاح حالها صلاح حال الأمة، وغير ذلك
بقوله: (إذا رأيت الكذب والزور والرياء والنفاق والحقد والحسد وأشباهها من
الرذائل فاشية في أمة، فاحكم على أمرائها وحكامها بالظلم والاستبداد وعلى علمائها
ومرشديها بالبدع والفساد، والعكس بالعكس) .
واقترح رشيد رضا لإزالة أسباب الفرقة بين المسلمين تأليف كتاب يضم جميع
ما اتفقت عليه كلمة المسلمين بكل فرقهم، في المسائل التي تتعلق بصحة الاعتقاد
وتهذيب الأخلاق وإحسان العمل، والابتعاد عن مسائل الخلاف بين الطوائف
الإسلامية الكبرى كالشيعة، وتُرسل نسخ بعد ذلك من هذا الكتاب إلى جميع البلاد
الإسلامية، وحث الناس على دراستها والاعتماد عليها.
وطالب بتأليف كتب تهدف إلى توحيد الأحكام، فيقوم العلماء بوضع هذه
الكتب على الأسس المتفق عليها في جميع المذاهب الإسلامية وتتفق مع مطالب
العصر، ثم تُعرض على سائر علماء المسلمين للاتفاق عليها والتعاون في نشرها
وتطبيق أحكامها.
التربية والتعليم:
كان الشيخ رشيد رضا من أشد المنادين بأن يكون الإصلاح عن طريق التربية
والتعليم، وهو في ذلك يتفق مع شيخه محمد عبده في أهمية هذا الميدان، (فسعادة
الأمم بأعمالها، وكمال أعمالها منوط بانتشار العلوم والمعارف فيها) .
وحدد (رشيد رضا) العلوم التي يجب إدخالها في ميدان التربية والتعليم
لإصلاح شئون الناس، ودفعهم إلى مسايرة ركب العلم والعرفان، مثل: علم أصول
الدين، علم فقه الحلال والحرام والعبادات، التاريخ، الجغرافيا، الاجتماع،
الاقتصاد، التدبير المنزلي، حفظ الصحة، لغة البلاد، والخط.
ولم يكتف بدور الموجه والناصح، وإنما نزل ميدان التعليم بنفسه، وحاول
تطبيق ما يراه محققًا للآمال، فأنشأ مدرسة دار الدعوة والإرشاد لتخريج الدعاة
المدربين لنشر الدين الإسلامي، وجاء في مشروع تأسيس المدرسة أنها تختار
طلابها من طلاب العلم الصالحين من الأقطار الإسلامية، ويُفضل من كانوا في
حاجة شديدة إلى العلم كأهل جاوة والصين، وأن المدرسة ستكفل لطلابها جميع ما
يحتاجون إليه من مسكن وغذاء، وأنها ستعتني بتدريس طلابها على التمسك بآداب
الإسلام وأخلاقه وعبادته، كما تُعنى بتعليم التفسير والفقه والحديث، فلا خير في
علم لا يصحبه خلق وسلوك رفيع، وأن المدرسة لا تشتغل بالسياسة، وسيُرسل
الدعاة المتخرجون إلى أشد البلاد حاجة إلى الدعوة الإسلامية.
وقد افتتحت المدرسة في ليلة الاحتفال بالمولد النبوي سنة (١٣٣٠هـ =
١٩١٢م) في مقرها بجزيرة الروضة بالقاهرة، وبدأت الدراسة في اليوم التالي
للاحتفال، وكانت المدرسة تقبل في عداد طلبتها شباب المسلمين ممن تتراوح
أعمارهم ما بين العشرين والخامسة والعشرين، على أن يكونوا قد حصلوا قدرًا من
التعليم يمكنهم من مواصلة الدراسة.
غير أن المدرسة كانت في حاجة إلى إعانات كبيرة ودعم قوي، وحاول رشيد
رضا أن يستعين بالدولة العثمانية في إقامة مشروعه واستمراره لكنه لم يفلح، ثم
جاءت الحرب العالمية لتقضي على هذا المشروع، فتعطلت الدراسة في المدرسة،
ولم تفتح أبوابها مرة أخرى.
مؤلفاته:
بارك الله في عمر الشيخ الجليل وفي وقته رغم انشغاله بالمجلة التي أخذت
معظم وقته، وهي بلا شك أعظم أعماله، فقد استمرت من سنة (١٣١٦هـ =
١٨٩٩م) إلى سنة (١٣٥٤ = ١٩٣٥م) ، واستغرقت ثلاثة وثلاثين مجلدًا ضمت
١٦٠ ألف صفحة، فضلاً عن رحلاته التي قام بها إلى أوربا والآستانة والهند
والحجاز، ومشاركته في ميادين أخرى من ميادين العمل الإسلامي.
ومن أهم مؤلفاته (تفسير المنار) الذي استكمل فيه ما بدأه شيخه محمد عبده
الذي توقف عند الآية (١٢٥) من سورة النساء، وواصل رشيد رضا تفسيره حتى
بلغ سورة يوسف، وحالت وفاته دون إتمام تفسيره، وهو من أجل التفاسير. وله
أيضًا: الوحي المحمدي ونداء للجنس اللطيف، وتاريخ الأستاذ الإمام والخلافة،
والسنة والشيعة، وحقيقة الربا، ومناسك الحج.
وفاة الشيخ:
كان للشيخ رشيد روابط قوية بالمملكة العربية السعودية، فسافر بالسيارة إلى
السويس لتوديع الأمير سعود بن عبد العزيز وزوده بنصائحه، وعاد في اليوم نفسه،
وكان قد سهر أكثر الليل، فلم يتحمل جسده الواهن مشقة الطريق، ورفض المبيت
في السويس للراحة، وأصر على الرجوع، وكان طول الطريق يقرأ القرآن كعادته،
ثم أصابه دوار من ارتجاج السيارة، وطلب من رفيقيه أن يستريح داخل السيارة،
ثم لم يلبث أن خرجت روحه الطاهرة في يوم الخميس الموافق (٢٣ من جمادى
الأولى ١٣٥٤هـ = ٢٢ من أغسطس ١٩٣٥م) ، وكانت آخر عبارة قالها في
تفسيره: (فنسأله تعالى أن يجعل لنا خير حظ منه بالموت على الإسلام) .
الحواشي
(١) أحمد الشرباصي: رشيد رضا صاحب المنار - إصدارات المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - القاهرة.(٢) إبراهيم العدوي - رشيد رضا الإمام المجاهد - المؤسسة المصرية العامة للتأليف - القاهرة - بدون تاريخ.(٣) أنور الجندي - أعلام وأصحاب أقلام - دار نهضة مصر للطبع والنشر - القاهرة - بدون تاريخ.стр. 4
التعريف بمنهج المنار
[المصدر: قرص مجلة المنار]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على المبعوث بخير دين، وعلى آله
وصحبه أجمعين.
وبعد ,,,
فإنَّ الشيخ/ محمد رشيد رضا عَلَمٌ مِنْ أَعْلامِ الإصلاحِ، ورائدٌ من رواد
التَّجديد، وأحد أقطاب المدرسة العقليَّة الحديثة في التفسير. له في الدعوة إلى
الله جهود مشكورة، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسنات مبرورة، وفي
محاربة البدع والخرافة طريقة محمودة، وفي إصلاح الأزهر مواقف مشهودة، وفي
التأليف والكِتَابَةِ مُصنفات مشهورة، وكانت له في السياسة مشاركات ومحاولات.
وُلِدَ في قرية القَلَمُون قرب طرابلس الشام بلبنان عام ١٢٨٢هـ , وتُوفّي
بالقاهرة عام ١٣٥٤هـ , ودُفِن ﵀ بقرافة المُجَاورين بجوارأستاذه
محمد عبده [١] نشأ ﵀ نشأة صوفية , تتلمذ فيها على أبي حامد الغزالي
في إحيائه، وتَأَثَّرَ منذ نعومة أظفاره بأحد علماء الشام الأفذاذ؛ وهو الشيخ/ حسين الجسر , الذي أنشأ المدرسة التي فيها تخرج الشيخ رشيد رضا، وحصل على
شهادتها العالية، والإجازة في التدريس.
ثم إنه اتصل بالأفغاني ومحمد عبده؛ فنشأ نشأته الثانية:
عَقلانيَّة إِصلاحيَّة، بدأت عام ١٣١٥هـ، وفي هذه المرحلة أصدر مجلته المنار وكثيرًا من كتبه, وشرع في تفسير المنار وانتهى إلى الآية (١٠١) من سورة يوسف.
وأما المرحلة الأخيرة من حياة الشيخ رشيد ﵀ فتبدأ بوفاة شيخه محمد
عبده، وتستمر حتى وفاته منتحلاً مذهب السلف في الجُملة ومتأثرًا بالصوفيَّة
والعقلانيَّة في قضايا عديدة.
أما الدليل على انتحاله مذهب السلف ومنهج أهل السنة والجماعة فيتمثل في
أمور منها:
مخالفته في قضايا عديدة لمنهج المدرسة العقلية التي نشأ عليها في التفسير
وغيره، كما أفصح هو عن ذلك بنفسه [٢] ، ومن ذلك عنايته بكتب السلف عقيدة
ومنهجًا حيث عُنِي بكتب ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب وغيرهم؛
حتى اشتهر بذلك وأسماه خصومه بالوهابي، ولعل سبب هذه التسمية أيضًا أنه
كتب مقالات عديدة في الدفاع عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، منها مجموعة
مقالات أسماها الوهابيون والحجاز شرح فيها دعوة الشيخ، وجَلَّى مبادئها وأهدافها،
كما كتب كتابًا رَدَّ فيه على خصوم الدعوة من الشيعة والرافضة، أسماه (السنة
والشيعة) أو (الوهابية والرافضة) .
وأخيرًا فمِمَّا يؤكد سلفيَّة مرحلته الأخيرة: أنه وقعت بَيْنَه وبين أتباع
وتلامذة المدرسة العقليَّة الحديثة العداوة والوحشة بسبب ما انتحاه الشيخ من مَنْحى
السلفيَّة، مما أذكى نار العداوة بينهم على صحائف الصحف والمجلات [٣] .
وبحق فقد كانت عقيدة السيد رشيد رضا أصفى وأنقى في طورها الأخير، وأبعد
عن نظرات الاعتزال ومسالك العقلانيين.
وكما كانت عقيدته أسلم فقد كان مسلكه أقوم، فلم تعرف له صلات مشبوهة
مع الإنجليز، بل إنه فضح مخططاتهم وشنع عليهم في مواضع عديدة من مقالاته،
ولم يعرف أنه انتسب إلى الماسونية كما ثبت ذلك في حق شيخيه عبده والأفغاني [٤]
ولقد حُمِدَ له تصديه لكتاب علي عبد الرازق (الإسلام وأصول الحكم) [٥] ومحاربته
لجمعية الاتحاد والترقي التي عملت على خلع السلطان (عبد الحميد الثاني)
وتقويض الخلافة، ووصف (مصطفى كمال أتاتورك) بالإلحاد والمروق من الدين [٦]
وأصدر كتابه (الخلافة أو الإمامة العظمى) يدعو فيه بشدة إلى إعادة الخلافة
الإسلامية، وعقد مؤتمرًا عام ١٣٤٣ هـ للدعوة إلى هذا الأمر [٧] .
هذا وتُعَدُّ مجلة المنار التي أصدرها الشيخ بعد شهر واحد من مقدِمه إلى مصر
أكبر مجلة إسلامية في العالم الإسلامي بأسره، وأكثرها تداولاً وأعظمها تأثيرًا
وأبعدها صيتًا.
وصدرعددها الأول في ٢٢ من شوال عام ١٣١٥ هـ وكان الشيخ يكتب
على صدرها: مجلة شهرية تبحث في فلسفة الدين وشئون الاجتماع والعمران.
ولقد عُنيت المجلّة بمحاور متعددة، فلم تقتصر على الأمور الشرعيَّة والدينيَّة،
بل أَفْرَدت مساحات للأدب والشعر والقصة، ونشرت مقالات عديدة عن السنن
الكونية والطب والصحة، ونقلت عن مجلات أخرى عيون مقالاتِها وبحوثِها
الجيدة، وشارك السيدَ رشيد في تحريرها نخبةٌ من الأعلام كالرافعي،
والمنفلوطي، وشكيب أرسلان، ومحمد الخضر حسين، وغيرهم.
وأخذت المجلة في حياة مؤسسها مكانتها في قلوب الناس وعقولهم، وامتد أثرها
إلى معظم أصقاع العالم الإسلامي. واستمر صدورها إلى وفاة مؤسسها في
١٣٥٤هـ لتتوقف سبعة أشهر وتعود على يد علامة الشام الشيخ/ بهجت البيطار،
ثم توقفت أخرى ليعود صدورها على يد الشيخ/ حسن البنا حيث أخرج منها ستة
أعداد على مدى أربعة عشر شهرًا لتتوقف عن الصدور نهائيًّا عام ١٣٥٩ هـ
/١٩٤٠م.
وبحق فقد كانت المنار منارًا للإحياء والتجديد والتربية والتعليم، وقد
تصدت لقضايا الأمة بعامة، وعنيت بإصلاح العقيدة ومحاربة البدع والخرافة،
والاهتمام بشأن العلم المادي والتجريبي، والدعوة إلى إنهاض الأمة في جميع
المجالات، ولقد كانت بصمات الشيخ/ رشيد رضا على المجلة واضحة، فهو أكبر
محرريها، وأكثر من كتب فيها، بل جُلّ مقالاتها تُنسَب إليه شخصيًّا أو إلى المدرسة
التي انتمى إليها في المرحلة الوسيطة من حياته.
وكما سبق التنبيه فإن موارد الشيخ الصوفية والعقلانية والسلفية قد ظهرت
وانعكست بوضوح في كتاباته ومقالاته، وفيما يلي بعض الملاحظ المهمة التي لا
تخفى على الباحث المدقق، ويحتاج إليها عامة القراء والمهتمين بمجلة المنار من
حيث هي ديوان فكر للإصلاحيين، ونبضُ أُمةٍ في مرحلة من الانكسار، وتأريخ
لعدد من المساجلات العلمية والفكرية، ورصد لكثير من التحولات
المنهجية.
أولاً: بعض المآخذ العقدية على ما ورد في مجلة المنار
١- تأويل بعض الغيبيات:
ومن أمثلة ذلك مقالة نشرها الشيخ يذهب كاتبها إلى تأويل الميزان، وأن
المراد بالوزن هو القضاء العادل، وأن الكرسي له معنى مجازي كالعظمة والسلطة،
وأن النفخ في الصور كناية عن إعلان الأمر وإشهاره، ونحو ذلك من التأويلات
البعيدة للأمور المغيبة، والتي يتلخص موقف المسلم منها في الإيمان والإقرار بها
وإمرارها من غير تعرض لها بتأويل معتسف أو صرف للمعنى عن ظاهره
المراد. [٨]
٢- إنكار المهدي:
يقول الشيخ/ رشيد: " وجملة القول أننا لا نعتقد بهذا المهدي المنتظر، ونقول
بضرر الاعتقاد به " [٩] . ويعلل هذا الحكم بأن الصحيحين ليس فيهما ذكر له، وأن
ابن خلدون أعل الأحاديث التي فيها ذكره، وأن هذا المعتقد كان سببًا في نكبات تقع
من أدعياء المهدية وما يتبع ذلك من سفك للدماء، وإزهاق للأرواح [١٠] .
ومما لاشك فيه عند أهل السنة أن أحاديث المهدي كثيرة مشتهرة بل بلغت
مبلغ التواتر عند بعض أهل العلم [١١] فلا مجال إذن لإنكارها أو إبطال دلالتها.
٣- التشكيك في الدجال:
يرى الشيخ/ رشيد أن عقيدة الدجال منافية لحكمة إنذار الناس بقرب قيام
الساعة وإثباتها بغتة، وأن ما أُعطي الدجال من الفتن والخوارق يفوق أكبر الآيات
التي أُيد بها المرسلون، وأن أحاديث الدجال متعارضة ومضطربة، وأنها
مصنوعة ومدسوسة، من عمل اليهود [١٢] .
ومعلوم أن الإيمان بدجال آخر الزمان هو جزء من الإيمان بأمارات الساعة
التي ثبتت بالصحيح المسند من الأحاديث النبوية، وعليها انعقد إجماع أهل
السنة والجماعة، وقد نقل تواتر أحاديثه الحافظ ابن كثير [١٣] والنووي [١٤] عليهما
رحمة الله.
٤- إنكار كثير من المعجزات وتأويلها:
يذهب بعيدًا الشيخ/ رشيد في إنكار المعجزات، ويَعُدُّ مجرد رواية القرآن
لمعجزات الأنبياء السابقين سببًا لإعراض العلماء والعقلاء عن الدين الإسلامي،
ولولا رواية القرآن لتلك المعجزات لكان إقبال " أحرار الإفرنج " عليه أكثر، وأن
تلك المعجزات مثار شبهات، وتأويلات في روايتها وصحتها ودلالتها [١٥] .
ثم نرى الشيخ يدافع عن كتاب (حياة محمد) لمحمد حسين هيكل الذي جرد
النبي ﷺ من جميع المعجزات إلا القرآن الكريم وينتصر له
انتصاراً عظيمًا [١٦] .
وتارة أخرى يُسْأَل في المجلة عن معراجه ﷺ فيذهب: إلى
أنه رؤية منامية فحسب [١٧] .
وأما معراجه ﷺ إلى السماء السابعة، قال الطحاوي:
والمعراج حق، وقد أسري بالنبي ﷺ ، وعرج بشخصه في اليقظة
إلى السماء، ثم إلى حيث شاء الله من العلا، وأكرمه الله بما شاء، ... ".
وقد أكد هذا المعتقد الحافظ ابن حجر في الفتح عن جماهير أهل السنة [١٨] . وعلى نفس المنوال نسج الشيخ/ رشيد في معجزة انشقاق القمر الثابتة بالقرآن
وأحاديث الصحيحين وغيرهما [١٩] .
وقد قال ابن كثير في تفسيره: وقد كان هذا في زمان رسول الله صلى الله
عليه وسلم كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة [٢٠] .
وقال الشوكاني: " ومع هذا فقد نُقِل إلينا بطريق التواتر، وهذا بمجرده يدفع الاستبعاد، ويُضرَب به في وجه قائله " [٢١] .
٥- الانحراف في الإيمان بالملائكة والجن:
نقل الشيخ رضا كلام أستاذه الشيخ عبده في هذا الصدد واستحسنه
ودافع عنه، وسوّى بين الملائكة والجن والميكروبات المسببة للأمراض والعلل
واعتبرها جميعًا من جنس واحد، وأن الجن ورؤيته هو أمر تخييلي ليس بحقيقي،
أقرب لخرافات وأوهام العرب وليس في الإمكان رؤيتهم إلا على اعتبار أنهم من
الميكروبات الدقيقة [٢٢] .
وكيف تصح التسوية بين حيوانات غير مكلَّفة ولا محاسبة في
الآخرة، وبين الجن المكلفين بالأمر والنهي والمحاسبين في الآخرة وبين الملائكة
الذين هم لله طائعون وبأمره يعملون! !
ثانياً: بعض المآخذ الأصولية والمنهجية
١- الموقف من أحاديث الآحاد:
اضطرب موقف الشيخ/ رشيد من أحاديث الآحاد وحجيتها ومتى يُعمَل بها فتارة
يرى أن بعضها يفيد العلم وتارة يراها مفيدة للظن، وتارة يقبلها في العمل بدون شرط
أو قيد، وتارة يعلِّق ذلك على عدم معارضتها للعقل، أو على جريان العمل بها من
أهل القرون المفضلة، فأحاديث المعراج أحاديث آحاد فلا تفيد اعتقاد ثبوت ذلك،
وكذا أحاديث سحره ﷺ لا تفيد ثبوت تلك الواقعة، ولمعارضتها لما
هو أوثق لديه! ! وكذا الأحاديث الصحيحة المتفق عليها في أن الشمس إذا
غربت تستأذن في السجود فيؤذن لها، معارضة عنده للحِسِّ والعقل. وغير ذلك من
المواقف المتشددة من السنة الآحاد [٢٣] .
وقد وقف مثل هذا الموقف وأشد عندما أنكر حد الرجم فقال: وجملة القول
أنه لم يُرْوَ في هذا المقام حديث صحيح السند، إلا قول عمر في (الشيخ والشيخة إذا
زنيا) وهو من رواية الآحاد، ولذلك خالف الخوارج وبعض المعتزلة في الرجم
ولم يكفرهم أحد بذلك، وأنا لا أعتقد صحته، وإن ُروي في الصحيحين ".
ولاشك أن أهل السنة والجماعة على خلاف مع أهل البدع من المعتزلة وغيرهم في
هذا الأمر.
يقول ابن حجر: " قد شاع فاشيًا عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد من
غير نكير، فاقتضى الإتفاق منهم على القبول ".
ويقول ابن أبي العز: " خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول، عملاً به وتصديقاً
له، يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة ".
وقال شيخ الإسلام: " السنة إذا ثبتت، فإن المسلمين كلهم متفقون على وجوب اتباعها ".
والصحيح الذي عليه أهل السنة: أن خبر الواحد تثبت به العقيدة، وما خالف
هذا القول فمُحْدَث، لا يثبت عن واحد من السلف.
٢- الموقف من العقل:
لاشك أن من أكبر المآخذ على المدرسة العقليَّة الحديثة بعامة هو الموقف المبالِغ
في تقديم العقل على النقل، وقد وقع وجرى بسبب هذا الأصل البِدْعِيُّ شيء كثير
من المخالفات والبدع، بدءًا من التحسين والتقبيح العقليين، إلى ما لا ينحصر
من الجزئيات المخالفة.
وقد نقل الشيخ رشيد عن شيخه عبده في المجلة مواضع كثيرة من هذا المعنى
وأيده في أجوبته وفتاواه ومواقفه كثيرًا، ومن ذلك نقله عن عبده اتفق أهل الملة
الإسلامية - إلا قليلاً ممن لا يُنظَر إليه - على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ
بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول مع
الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في علمه، والطريق الثانية:
تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل. (وقال)
وبهذا الأصل الذي قام على الكتاب وصحيح السنة وعمل النبي صلى الله عليه
وسلم مهدت بين يدي العقل كل سبيل) . اهـ[٢٤]
وهذا القول وأشباهه معلوم بطلانه، والأصل المستقر عند أهل السنة أن
العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح، والعبرة في المسائل الاعتقادية هي صحة
الإسناد، وسلامته من العلل القادحة.
ولو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره،
ولاشك أن الإجماع المدعى غير صحيح ولا مقبول.
٣- الموقف من أهل الكتابين:
يقول الشيخ رشيد في مقالة له بعنوان " شبهات المسيحيين على الإسلام،
وشبهات التاريخ على اليهودية والنصرانية " ما نصه: ".. كتبنا نبذة معنونة بهذا العنوان في الجزء الخامس ذكرنا في فاتحتها أننا طلاب مودة والتئام، لا عوامل نزاع وخصام، وأننا لا نود أن يطعن أحد من المسلمين والنصارى في دين الآخر" [٢٥] .
ولاشك أن المودة منهي عنها بقوله تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية، فالمحبة والمودة لأهل الإسلام، والعدل والقسط لأهل الأديان.
ويقول في موضع آخر: وأما لفظ الكفر فيُطْلَق في عرف الكتاب اليوم
على الملاحدة،.. فمهما أطلقنا لقب (الكافر) أو اسم الكفر في كلامنا فنريد به
ما ذكرنا، ولا نطلقه على المخالفين لنا في الدين من أصحاب الملل الأخرى، لأنهم
ليسوا كفارًا بهذا المعنى، بل نقول بعدم جواز إطلاقه عليهم شرعًا، لأنه صار في
هذه الأيام من أقبح الشتائم وأجرح سهام الامتهان، وذلك مما تحظّره علينا
الشريعة باتفاق علماء الإسلام.. [٢٦] .
ولا يخفى على متأمل ما في هذا من المخالفة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ
قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ [[المائدة: ١٧] . وقوله تعالى:] مَا يَوَدُّ الَّذِينَ
كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ وَلاَ المُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة:
١٠٥] وغير ذلك من الآيات، وتحريم عدم إطلاقه شرعًا يحتاج إلى دليل، ونقل
الاتفاق على ذلك محل نظر.
٤- موقفه من بعض الأشخاص:
يجدر بالذكر أن مورد الشيخ الصوفي جعله يحسن الظن بأمثال ابن عربي؛
فيذكره مادحًا ومثنيًا. ثم لما غلب عليه مورده السلفي انسحب من ذلك كله، ورد عليه
وبين ضلاله ونقل كلام الأئمة فيه.
كما أنه أثنى على ابن الفارض ولقبه بألقاب لا تجوز في حقه فكان
يقول: سيدنا، ورضي الله عنه، ورحمه الله، ونحو ذلك وربما نقل بعض كلامه
أو أشعاره [٢٧] .
قال شيخ الإسلام: " ابن الفارض من متأخرة الاتحاديَّة، صاحب القصيدة التائية المعروفة بنظم السلوك، وقد نظم فيها الاتحاد نظمًا رائق اللفظ، فهو أخبث من
لحم خنزير في صينية من ذهب، وما أحسن تسميتها نظم الشكوك " [٢٨]
وقال الذهبي: " عمر بن الفارض ينعق بالاتحاد تلويحًا وتصريحًا في شعره،
وهذه بلية عظيمة " [٢٩] .
ولعل الشيخ/رشيد رجع عن هذا التعظيم في طوره الأخير.
كما أورد ثناءً على ابن سينا وإشاراته في الحكمة العقلية وبيان جلالة قدره،
مما يدل على أن هذا من أوضار العقلانية المفرطة.
وقد قال ابن حجر: وقد اتفق العلماء على أن ابن سينا كان يقول بقدم العالم،
ونفي المعاد الجسماني، فقطع علماء زمانه ومَن بَعْدَهم من الأئمة بكفره [٣٠] .
وقال شيخ الإسلام: " وإشارات ابن سينا يعرف جمهور المسلمين
الذين يعرفون دين الإسلام أن فيها إلحادًا كثيرًا " [٣١] .
والظن بالشيخ ﵀ أن يكون قد رجع عن هذا التعظيم الممقوت
لابن سينا وأمثاله.
ومما يُذْكَر على الشيخ اشتداده على بعض الثقات وجرحه، ككعب الأحبار
ورميه له بالزندقة، فيقول: " وقد حققنا من قبل أن كعب الأحبار من زنادقة
اليهود.. " [٣٢]
وقد ذكره أهل العلم في الثقات كابن حبان، وأثنى عليه بعض الصحابة كأبي الدرداء ومعاوية.
ومثلُ كعب - عند الشيخ - وهب بن منبه، وقد وثقه أيضًا كلٌ من أبي
زرعة والنسائي والذهبي وابن حبان وأخرج له البخاري ومسلم وأبوداود والترمذي
والنسائي.
وأخيرًا
فإن هذه الملاحظ ـ على كثرتها وتعددها وما ترتب عليها من آثار في اتساع
البون بين المدرسة العقليَّة ومنهج أهل الحق والاتباع ـ لا تمنع باحثًا بصيرًا قادرًا
على التمييز بين الصواب والخطأ من الاستفادة من المنار، ومن آثار محررها،
والكمال لله وحده، والعبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات، وإنما الأعمال
بالخواتيم.
نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى مغفرة لأهل التوحيد، ونبرأ
إلى الله تعالى من البدع وأهلها، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله
وصحبه وسلم.
الحواشي
(١) رشيد رضا لإبراهيم العدوي ص٢٦٨.(٢) انظر كلامه في صدر تفسيره المنار (١/١٦) .(٣) تُراجَع مجلة المنار (١٥/٩٢٥) ، (١٣/٤٦٥) .(٤) الإسلام والحضارة الغربية، محمد محمد حسين ص ٩٦.(٥) مجلة المنار (٢٨ / ٢٤٠) .(٦) مجلة المنار (١٦/١٤٥) .(٧) رشيد رضا أو إخاء أربعين عاماً، شكيب أرسلان ص٣٥٢-٣٥٣.(٨) المنار (٢٧/١/٥٥) .(٩) المنار (٧/٤/١٣٨) .(١٠) المنار (٢٤/٨/٥٧٨) ، (٣/٢٧/٦٦٠) .(١١) الحاوي للفتاوى للسيوطي (٢/١٦٥-١٦٦) ، المنار المنيف لابن القيم ص ١٤٢.(١٢) تفسير المنار (٩/٤٥١) .(١٣) الفتن والملاحم لابن كثير (١/١٠٦) .(١٤) صحيح مسلم بشرح النووي (١٨/٥٨) .(١٥) تفسير المنار (١١/١٥٥) ، الوحي المحمدي: ص ٦٢.(١٦) مجلة المنار (٣٤/١٠/٧٩٣) .(١٧) مجلة المنار (١/٣٩/٧٧١) ، (٣٢/١٠/٧٣٥) ، (٦/١٣/٥٥٠٦) .(١٨) فتح الباري لابن حجر (٧/١٩٧) .(١٩) مجلة المنار (٣٠/٥/٣٦٣) ، (٣٠/٤/٢٦٧-٢٦٨) .(٢٠) تفسير ابن كثير (٤/٢٧٩) .(٢١) فتح القدير (٥/١٢٠) .(٢٢) تفسيرالمنار (٧/٥٢٦) ، (٧/٣١٩) .(٢٣) تراجع مجلة المنار (٣٢/١٠/٧٨٥) ، (١٢/٩/٦٩٣) ، (٣٢/١٠/٧٧٢) ، (٦/١٣/٥٠٦) , (٣٤/١٠/٧٥٧) .(٢٤) المنار (١٣/٨/٦١٣) .(٢٥) المنار (٤/١٠/٣٧٩) .(٢٦) (١/١/١٤) .(٢٧) المنار (٢٧/١٠/٧٤٨) ، (٢٦/٨/٦١٣) .(٢٨) المنار (١/٢٨/٥٢٤) ، (١/٣٧/٧٢٢) ، (١/٤٨/٩٢٣) .(٢٩) الفتاوى(٧٣١٤) .(٣٠) لسان الميزان (٢/٢٩٣) .(٣١) منهاج السنة (٥/٤٣٣) .(٣٢) المنار (٢٨/١٠/٧٤٧) .стр. 5
المجلد رقم (١)
стр. 6
شوال - ١٣١٥ه ـ
فبراير - ١٨٩٨م
стр. 7
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) يبيع أصحاب الصحف ما زاد عن حاجة المشتركين والمبتاعين من صحفهم إلى التجار وأصحاب الأفران! .(٢) راجع مقالات القول الفصل ص ٣١ وصيحة حق ص ٢١٧ والمدارس الوطنية ٢٥٦ وإلى أي تربية وتعليم نحن أحوج ٢٧٨، والجيوش الغربية المعنوية في الفتوحات الشرقية ٢٩٩، والعلم والحرب ٣٤١، والسلطتان الروحية والسياسية ٤٠٤، والمقالات المفتتحة بالآيات في ص ٥٨٥ و ٦٠٦ وما يتبعها، ومقالات الإصلاح الديني والسياسي، وغير ذلك إلخ.(٣) من أعظم هؤلاء قدرًا: السيد مهدي خان محسن الملك نواب بهادر وناظم مدرسة العلوم في عليكده بالهند ﵀ .(٤) من أشهر هؤلاء الشيخ أبو الهدى الصيادي والشيخ حسين الجسر ﵀ .стр. 8
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) فاتحة السنة الأولى للمنار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت
وإليه أنيب.
أما بعد: فهذا صوت صارخ بلسان عربي مبين، ونداء حق يقرع مع سمع
الناطق بالضاد مسامع جميع الشرقيين، ينادي من مكان قريب يسمعه الشرقي
والغربي، ويطير به البخار فيتناوله التركي والفارسي.
يقول: أيها الشرقي المستغرق في منامه، المبتهج بلذيذ أحلامه، حسبك
حسبك! فقد تجاوزت بنومك حد الراحة، وكاد يكون إغماءً أو موتاً زؤاماً، تنبه من
رقادك، وامسح النوم عن عينيك، وانظر إلى هذا العالم الجديد، فقد بُدِّلت الأرض
غير الأرض، ودخل الإنسان في طور آخر خضع له به العالم الكبير.
فهذه الجمادات تتكلم بغير لسان، وتكتب من غير قلم ولا بنان، والوحوش
حُشرت مع الأنعام، والمراكب تجوب السهوب والفيافي وتفترع الأعلام، بل طارت
في الهواء تسابق الرياح، وتساهم ذوات الجناح، واستولى أخوك المستيقظ على
قوى الطبيعة، فقرن بين الماء والنار، وولدهما البخار، واستخدم الكهرباء والنور
فاخترق بذلك الجبال، واختبر أعماق البحار، وعرف مساحة الهواء، ونفذت أشعة
بصره الكثائف، ووصلت أمواج صوته إلى كل مكان سحيق، فقرب أبعاد الأرض
وجمع بين أقطارها، بل عرج بهمته للقبة الفلكية فعرف الكواكب ومدارها، ومادتها
ومقدارها.
حسبك حسبك! هُب من سباتك واستيقظ من هجوعك، فقد ولت حنادس
الجهالة، وأشرقت شمس المعرفة، انظر وتأمل ماذا يفعل أخوك المستيقظ يدكّ
الحصون والصياصي، ويقوض المعاقل والهياكل، وهو متكئ على أريكته ينظر
إليها بالآلة المقربة للبعيد، ويقيم الحصون والأسوار، ويشيد البوارج والأبراج،
ولا يتعب له عضل، ولا يندى له جبين، ولا يحتاج في أمثال هذه الأعمال العظيمة
إلا إلى إشارة لطيفة، وحركة خفيفة، فالطبيعة تخضع لإشارته، وتسير طوع يمينه،
فيتم له كل ما يريد. لا يهولنَّك ما تسمع، ولا يروعنك ما ترى، واعلم أن هذا
العصر عصر العلم والعمل، فمن علم وعمل ساد، ومن جهل وكسل باد، ﴿مَا
أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: ٢٩) .
كانت العلوم الطبيعية على عهد أسلافك أفكارًا متضاربة، وآراءً متناقضة،
وأقوالاً متعارضة، لم تأتِ عن امتحان وعمل، ولم يكد يُبْنَى عليها عمل؛ ولذلك
كثر ذامّوها، وقلّ مادحوها، وأما في هذا العصر فليس العلم إلا ما أثبته العمل، أو
بُني عليه عمل، فما لم يحتف به العمل من قطريه، لا يعول عليه، فالأعمال
تنمي العلوم، والعلوم تمد الأعمال، وشاهد ذلك عندك الحديث الشريف: (مَن عمل
بما علم ورَّثه الله علم ما لم يعلم) قاعدة وُضعت في الشرق، واهتدى للانتفاع
بعمومها أهل الغرب، والذين صدرت بلُغتهم لاهون غافلون. فلا تضيع أوقاتك
بالتخيل والتفكر، ولا تجعل حظك من حياتك الأماني والتشهي، ولا تدع للأوهام في
ذهنك مجالاً واسعًا ومكانًا فسيحاً ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (النساء: ١٢٣) ، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكُ بِظَلاَّمٍ
لِّلْعَبِيدِ﴾ (فصلت: ٤٦) .
فعليك بالعلم والعمل رُضْ بهما نفسك، ورَبِّ عليهما ولدك، فلقد حَلَّ من
لساني عقدة الاعتقال والسكوت، وأطلق قلمي من عقال الدعة والسكون، استغراقُ
بعض إخوتي وإخوتك في النوم، وغرق بعضهم في بحار الوهم، وجهل المريض
منهم بدائه، ويأس العالم بمرضه من شفائه، فأنشأت هذه الجريدة إجابة لرغبة مَن
تنبهت نفوسهم لإصلاح الخلل، ومشايعة للساعين في مداواة العلل، الذين أرشدتهم
التعاليم الدينية، وهداهم النظر في الآيات الكونية، إلى أن اليأس من روح الله،
والقنوط من رحمته جل علاه - هو عين الكفر والضلال، وآية الخزي والنكال،
فأحبوا أن يعملوا لأمتهم، ويقوموا بخدمة لملتهم، فالجريدة تكون وصلة بينهم وبين
الأمة، تبعث بإرشادهم روح الهمة في أفرادها، وتحيي ميت الغيرة من نفوس
آحادها. وتجاري الحُدَاة لدى السير في مناهج الترقي، وتنتصب (منارًا) في
أخرات الشبهات، ومجاهيل المشكلات.
وغرضها الأول الحث على تربية البنات والبنين، لا الحط في الأمراء
والسلاطين، والترغيب في تحصيل العلوم والفنون، لا الاعتراض على القضاة
والقانون، وإصلاح كتب العلم وطريقة التعليم، والتنشيط على مجاراة الأمم المتمدنة
في الأعمال النافعة، وطروق أبواب الكسب والاقتصاد، وشرح الدخائل التي
مازجت عقائد الأمة، والأخلاق الرديئة التي أفسدت الكثير من عوائدها، والتعاليم
الخادعة التي لبست الغي بالرشاد، والتأويلات الباطلة التي شبهت الحق بالباطل،
حتى صار الجبر توحيدًا، وإنكار الأسباب إيمانًا، وترك الأعمال المفيدة توكلاً،
ومعرفة الحقائق كفرًا وإلحادًا، وإيذاء المخالف في المذهب دينًا، والجهل بالفنون
والتسليم بالخرافات صلاحًا، واختبال العقل وسفاهة الرأي ولاية وعرفانًا، والذلة
والمهانة تواضعًا، والخنوع للذل والاستبسال للضيم رضًا وتسليمًا، والتقليد الأعمى
لكل متقدم علمًا وإيقانًا.
تُشَخِّص هذه الأمراض الروحية وأشباهها، وتوضح عللها وتصف علاجها،
وتجتهد في تأليف القلوب المتنافرة، ووصل العلائق المتقطِّعة، وجمع الكلمة
المتفرقة ما استطاعت، وتحاول إقناع أرباب النحل المتباينة، والمذاهب المختلفة -
أن الله تعالى شرع الدين للتحابّ والتوادّ، والبر والإحسان، وأن المعارضة
والمناهضة، والمناصبة والمواثبة - تُفضي إلى خراب الأوطان، وتقضي على
هدي الأديان. وتحث على التمسك بالدين، وتبين أنه أساس السعادة وأن الكفر فساد
العمران، وتدرأ الشبه الواردة على الشريعة الإسلامية، وتدحض مزاعم مَن قال:
إنها حجاب كثيف، وسد حائل بين الآخذين بها وبين المدنية الصحيحة، لجهلهم بما
انطوت عليه من الحكم الرائعة، والأحكام العادلة، وترشد العاملين إلى أن محاولة
الطفور غرور، وأن طلب الغاية في البداية جهل وحرمان، وأن مراعاة السنن
الإلهية، ومسايرة النواميس الطبيعية - كافية بتوفيق الله تعالى لبلوغ كل مقصد،
ونيل كل مرام، وتنبه العثمانيين على أن الشركات المالية هي مصدر العمران،
وينبوع العرفان، وأن عليها مدار تقدم أوربا في الفنون والصنائع، لا على الملوك
والأمراء، فهي التي تنشئ المكاتب والمدارس، وتشيد المعامل والمصانع، وتسيّر
المراكب والبواخر، ونموذج ذلك بين أيديهم، وتحت مواقع أبصارهم، وتنشر
محاسن اللغة العربية بالتحلي بفرائدها واقتناص أوابدها، وتقييد شواردها، على
سبيل التدرج في الاستعمال. ولا تأتلي أن تذكر ما تفيد معرفته من أخبار السياسة
الخارجية، وتثبت ما يهم بيانه من الحوادث المحلية، مع انتقاء الصادق والاعتدال،
لا تميل مع ريح حزب من الأحزاب، ولا تتطرف لجانب تفريط أو إفراط،
بحسب ما يصل إليه الاجتهاد. لكنها عثمانية المشرب، حميدية اللهجة، تحامي عن
الدولة العلية بحق، وتخدم مولانا السلطان الأعظم بصدق، وتتحامى المطاعن
الشخصية، والأماديح الشعرية، لكنها لا تني في تقريظ الأعمال العامة الموضوع،
وتقريض الكتب المؤلفة لإفادة الجمهور بالقول الصحيح، والانتقاد الرجيح، وتقبل
الانتقاد الأدبي من كل أحد، وتقابل عليه بالثناء والشكر، وتذعن للحق كيفما طلع
بدره، ومن أين انبلج فجره، وتتلقف الحكمة من حيث أتت، وتأخذها أينما وجدت.
هذا ما توجهت إليه النفس واعتزمت عليه بعد تصحيح النية وإخلاص القلب،
ولا أجهل أنني حاولت أمرًا جليلاً، وحملت نفسي عبأ ثقيلاً، ينوء بالعصبة أولي القوة
ويعوز إلى تأليف لجنة أو عقد جمعية، لكنني مع ذلك أعلم أن للحق أنصارًا،
وللصالحات أعضادًا تستمد الجريدة من بحار أفكارهم، وتغتذي بالكلم الطيب من
مجاني عرفانهم، وتستقي مداد الحكمة من أنابيب أقلامهم، ومن جراء هذا أو ذاك
مر عليَّ حين من الدهر بعد تصور الموضوع والعزم على الشروع، وأنا بين إقدام
وإحجام، ويأس ورجاء يحركني الباعثان، ويتنازعني العاملان حتى أعملت الأمل،
ورجحت الإقدام على العمل وما أجدرني بموقف الحيرة بين بين، وقد أنذرني بعض
عظماء هذا القطر، بما صدقه به الابتلاء والخبر، من أن الجد مرغوب عنه، لا
مرغوب فيه، وأن السواد الأعظم من الأمة قد ثار حابلهم على نابلهم، وهضم
مفضولهم حقوق فاضلهم، فأصبحوا ومطامح أنظارهم انتقاد الحكومة المحلية،
ومطارح أفكارهم العداوات الشخصية، ولا يديرون ألحاظهم، أو يعيرون التفاتهم لما
وراء الغميزة والإزراء، إلا ما كان من نكتة هزلية، أو رواية غرامية، فإذا رأوا
جريدة تفند أكثر أقوالهم، وتنعي على إسرافهم في أمرهم، وتسجل عليهم التقصير
في العمل المفيد عمارة بلادهم، بل التشمير للعمل على خراب أوطانهم، أو تسليمها
لأيدي الأغيار، من المهطعين للاستعمار، يوشك أن يلفظوها لفظ النوى، ويضربوا
بها عرض الحائط، لكنني وطنت النفس على الاقتناع بمؤازرة الكرام، ومعاضدة
الأخيار، نعم إن الكرام قليل، ورجاؤنا أن يكونوا آخذين في النمو لما تقتضيه حالة
العصر ويزعج الأمة إليه موقفها الحرج، وبالله المستعان وعليه التكلان، ﴿وَمَن
يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ (الطلاق: ٣) .
_________стр. 9
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) اصطلاحات كُتَّاب العصر
من القضايا المُسلَّمة أنه لا مشاحة في الاصطلاح، ولا مندوحة عن مراعاة ما
يتواطؤ عليه الجمهور، ومجاراة الناس على ما يصطلحون عليه في كل زمان
ومكان. وقد انطلقت ألسنة أهل هذا العصر، وجرت أقلامهم بألفاظ يريدون بها من
المعاني غير ما تدل عليه في أصل اللغة أو في عرف العصور السالفة، ولهم ألفاظ
أخرى جاءتهم من الفنون الحادثة والاكتشافات الجديدة، والكثير منها مما لم تستعمله
العرب، فرأينا أن نشرح في صحيفتنا هذه الألفاظ حيناً بعد حين؛ لأن الكثير من
القراء غير عارفين بها على الوجه الذي نستعمله، وبالمعنى الذي يفهمه العارفون،
وقد مر منها في فاتحة هذا العدد لفظ الطبيعة، والطبيعي، والنواميس الطبيعية ,
وقوى الطبيعة، والكفر.
أما لفظ (الطبيعة) : فقد كان فيما مضى مما لا يكاد يستعمله إلا الأطباء
والصوفية والفلاسفة، وأكثر من كان يستعمله الأطباء، ويطلق لفظ الطبيعة عندهم
على عدة معان: على الهيئة التركيبية، وعلى المزاج الخاص بالبدن، وعلى القوة
المدبرة، وعلى حركة النفس، وربما أطلقت (الطبيعة) على النفس الناطقة باعتبار
تدبيرها للبدن. والطبائع الأربع في عرف الأطباء والطبيعيين: الحرارة والبرودة
والرطوبة واليبوسة، وكان يطلق لقب الطبيعي على فرقة تعبد الطبائع الأربع،
وعلى من ينسب كل شيء للطبيعة، كما يطلق على صاحب العلم الطبيعي. وقد
عرف السيد الجرجاني (قدس سره) (الطبيعة) : بالقوة السارية في الأجسام، بها
يصل الجسم إلى كماله الطبيعي، وكان الصوفية يستعملونه في غير هذا المعنى
أيضًا، وليس بين يدي الآن شيء من كتبهم أراجعه في ذلك.
وأما لفظ (الطبيعة) اليوم فهو كثير الدوران على ألسنة جميع الكُتّاب في
الفنون العلمية والأدبية حتى الشعراء والمترسلين، ويجرونه على معناه اللغوي وهو:
المخلوقات أو الحالة التي هي عليها.
وبيان ذلك أن (الطبيعة) في اللغة بمعنى: الخلقة والخليقة والفطرة، فخلق
الله الأشياء وفطرها وطبعها بمعنى واحد، وإذا قلنا: إن هذا الشيء تقتضيه طبيعة
الاجتماع الإنساني، فهو كما إذا قلنا: تقتضيه فطرة الله التي فطر الناس عليها بلا
فرق، وحاصل القول: أن لفظ (الطبيعة) حيث أطلق فالمراد به الحالة التي طبع
الله الموجودات عليها أي خلقهم، وتطلق على الموجودات أنفسها، فيقال: تأمل
محاسن الطبيعة أي المخلوقات.
وأما (الطبيعي) فهو: المنسوب للطبيعة، كالخلقي نسبة للخلقة، ويستعمل
في مقابلة الصناعي، فيراد به ما لا صنع للبشر فيه أي في هيئته التركيبية،
كالأشجار والبحار، ويطلق على العالم بالفنون الطبيعية، وإن كان متديناً، ولا
يطلق على الملحد من حيث إنه ملحد، وإن نسب الأشياء للطبيعة واعتقد أنها مُوجِدَة
لها ومؤثرة فيها من دون الله تعالى، بل يطلقون على من هذا شأنه لفظ: (الكافر)
و (الدهري) و (المادي) (لأنه ينكر ما وراء المادة، فلا يعتقد بالإله ولا بالعالم
الآخر) وفي بلاد الهند يطلقون عليه لقب: (نيشري) ، وأكثر عامة بلادنا لا
يفهمون من لفظ الطبيعي إذا أطلق على إنسان إلا هذا المعنى الأخير، وهو الذي
حملنا على هذا البيان لئلا يحملوا كلامنا على ما يفهمون.
ويدور هذا اللفظ على الألسنة كثيراً في المحاورات المتعلقة بسائر الشؤون،
ويراد به مجرد التأكيد والتحقيق أو أن هذا الشيء ظاهر بالبداهة، تراهم عند سماع
شيء من المسلمات يقولون: هذا طبيعي، يعنون أنه بديهي أو محقق لا نزاع فيه،
وأما العلماء والكتاب فيعنون بقولهم: (هذا شيء طبيعي) : أن له سببًا طبيعيًّا يعلل
به.
وأما (النواميس الطبيعية) : فالمراد من الناموس: الطريقة الثابتة المطردة
التي يحكم الله تعالى بها على الكون، وهو محرف عن لفظ: (نومس) اليوناني،
ومعناه: الشريعة، وكثيرًا ما يدور على ألسنة الطبيعيين (شريعة الطبيعة)
و (الشرائع الطبيعية) ، ويستعمله كتاب العربية في المقالات الأدبية والسياسية،
مجاراة لهم وعملاً باصطلاحهم، وكان الأولى أن يترجم لفظ: (نومس) بالسنة،
فيقال: (سنة الطبيعة) و (السنن الطبيعية) ، وبعض الكتاب يستعمل هذا الحرف
وستراه كثيرًا في هذه الجريدة، وقد نعتاض عنه أحيانًا بقولنا: (سنة الكون)
و (السنن الإلهية) و (سنة الله في خلقه) .
وأما القوى الطبيعية فهي عبارة عما تسند إليه الآثار الطارئة على الأجسام من
حركة أو سكون، ومنها ما هو حقيقي كالقوة البخارية والكهربائية، وما هو فرض
كالجاذبية، فإن تعليل سقوط نحو الحجر من الهواء على الأرض بأنه سقط بقوة
الجاذبية التي في مركز الأرض يوهم أن هناك شيئًا موجودًا له هذا الفعل وأنهم
اطلعوا عليه وسموه بهذا الاسم، وليس كذلك، بل إن هذه القوة مفروضة، والتسمية
اصطلاحية، ولما كان الفعل الذي نُسِبَ إليها يَصْدُر عنها باطراد صح إطلاق لفظ
(الناموس) عليها فقالوا: (ناموس جاذبية الثقل) ، ومثل هذا كثير، وقد أطلنا في
البيان حتى كدنا نخرج عن المقصود.
وأما لفظ (الكفر) : فيطلق في عرف الكتاب اليوم على الملاحدة كما ألمعنا
إليه في عرض كلامنا آنفًا، فمهما أطلقنا لقب (الكافر) أو اسم الكفر في كلامنا
فنريد به ما ذكرنا، ولا نطلقه على المخالفين لنا في الدين من أصحاب الملل
الأخرى؛ لأنهم ليسوا كفارًا بهذا المعنى، بل نقول بعدم جواز إطلاقه عليهم شرعًا؛
لأنه صار في هذه الأيام من أقبح الشتائم وأجرح سهام الامتهان، وذلك مما تحظره
علينا الشريعة باتفاق علماء الإسلام، ولا يصدنك عن قبول هذا القول إطلاق ما ذكر
في العصر الأول للملة على كل مخالف؛ فإنه لم يكن في زمن التشريع يرمى به لهذا
الغرض، بل كان من ألطف الألفاظ التي تدل على المخالف من غير ملاحظة غميزة
ولا إزراء، فضلاً عن إرادة الشتم والإيذاء المخالفة لمقاصد الدين وآدابه.
ذلك أن معنى (الكفر) في أصل اللغة: الستر والتغطية، وكانوا يسمون الليل
كافرًا؛ لأنه يغطي بظلامه الأشياء، وأطلقوا لفظ (الكافر) على طلع النخل،
وأكمام النور (الزهر) لما ذكر، وعلى البحر؛ لأن الشمس تغيب فيه بحسب
الظاهر، وعلى ثوب كانوا يلبسونه فوق الدرع يقولون له: (كافر الدروع) ، وقد
سمى القرآن العظيم الزراع كفارًا، كما هو المشهور في تفسير قوله تعالى ﴿كَمَثَلِ
غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ (الحديد: ٢٠) وأمثال هذا في اللغة كثيرة، ويظهر
منها أن حقيقة الكفر تغطية المحسوس بالمحسوس، ثم أطلق على من لم يذعن للدين
ومن لم يشكر النعمة تجوزًا، وكل ما نقل من العبارات المستعملة من هذه المادة
يومئ إلى ما ذكرنا (راجع الأساس وغيره) .
وحيث قد اختلفت الحال وتغير الاستعمال فلا ينبغي إطلاق اسم الكفر على
صاحب دين يؤمن بالله (ولا نغير كتب الفقه أو نعترض عليها) .
ورُبَّ متحمس يرميني بالافتئات على الفقهاء أو مصانعة النصارى أو الميل
مع ريح السياسة عن جادة الشرع، فأقول: على رسلك أيها المتحمس؛ فإن أذية
الأجنبي المعاهد على ترك الحرب محرمة، فما بالك بالوطني (أي من المخالفين لنا
في الدين) ، وإن كان لا يقنعك إلا النص الصريح من كتب الفقه على هذه المسألة
بخصوصها فإليك هذين النصين؛ أحدهما عام، والآخر خاص بلفظ الكفر.
جاء في (معين الأحكام) ما نصه: (إذا شتم الذمي يعزر؛ لأنه ارتكب
معصية، وفيه نقلاً عن الغنية ولو قال للذمي: يا كافر يأثم إن شق عليه) اهـ.
ولعل وجدانك لا يسمح لك بأن تقول الآن: إنه لا يشق عليه، وهو سب
صريح، وإذا ثبت أنه لا يجوز نداؤه بهذا اللقب في وجهه؛ لأنه يستاء منه فلا شك
أن إطلاقه عليه في غيبته غير جائز أيضًا؛ لأن غيبته محرمة، فينتج أن ذلك إثم
في كل حال، وسنفرد لهذه المباحث مقالات في الأعداد التالية إن شاء الله تعالى.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________стр. 10
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(٢٤٢١) الصادر يوم الأحد الماضي
برسالة وردت عليها من محرر جريدة (وكيل) في بنجاب من العمالات الهندية،
ونشرتها تحت هذا العنوان.
فرأينا أن نلخص منها ما يلي:
قال الفاضل الهندي: (ربما لا يخفاكم أن شركة إنكليزية تبذل جهدها وتعمل
بكل همة سعيًا للحصول على امتياز من الباب العالي بإنشاء خط حديدي من
بورسعيد إلى البصرة أو الكويت عن طريق الجوف) .
وفي شهر ديسمبر أشار كاتب في جريدة (وكيل) إلى مشروع جليل وهو أن تشكل لجنة تحت حماية جلالة مولانا السلطان الأعظم لفتح اكتتاب من المسلمين في جميع العالم لدفع غرامة الحرب الأخيرة إلى روسيا دفعة واحدة، فتخلص بذلك
الدولة العلية من تداخلها في أحوالها، أما أنا فلم أوافق على هذا الرأي؛ لأنه لا يمكن
لروسيا أن تطلب أكثر من ٣٢٠٠٠٠ جنيه في السنة لمدة مائة عام، ولو فرضنا
أن اللجنة المذكورة تنجح في عملها وتجمع المبالغ اللازمة لدفع الغرامة الروسية مرة
واحدة للزمنا أن ندفع لها مبلغًا إيراده السنوي ١٢٠٠٠٠ جنيه دائمًا، مع أنه لا يمكن
لروسيا أن تطلب سوى المبلغ المذكور قبل لمدة مائة سنة.
ولكنني بينما كنت أناقش ذلك الكاتب في اقتراحه إذ لاح لي مشروع، وقد
كلفت به. ذلك أن تؤلف لجنة عالية تحت رعاية ومراقبة جلالة الخليفة الأعظم
لإنشاء سكة حديدية من البصرة، ومنها عن طريق الموصل إلى حلب فالإسكندرونة
ثم ينشأ خط من حلب إلى الشام فالحجاز فاليمن.
وحيث إن نفوذ جلالة الخليفة المعنوي يزداد انتشارًا شيئًا فشيئًا في جميع
أرجاء العالم الإسلامي، فلا شك أن كل مسلم عاقل ينضم إلى هذا المشروع ويساعد
في نجاحه، وفضلاً عن استعمال اللجنة لهذا النفوذ بقدر ما يصل إليه صوتها فإنه
يلزمها أن تعلن وترسل مندوبين لها إلى جميع الجهات التي يقطنها مسلمون كمصر
ومراكش وتونس والجزائر وسكوتو والهند وإيران والصين وتركستان وسومتره
وجاوه وغيرها.
فإذا نجحنا في عمل مهم كهذا كان أفضل واسطة لاتحاد جميع مسلمي العالم
البشري المنتشرين في الأرض، بل كان واسطة لجمع مبالغ كثيرة لعمل مفيد.
وإن ألوفًا من شبابنا - الذين هم الآن بلا شغل وعمل - يتمكنون بهذا المشروع من
الاشتغال بمعاشهم بافتتاح ممالك فسيحة للتجارة والزراعة والاستعمار. وتكون
مواصلاتنا مع الحجاز تامة وبغاية السهولة، فضلاً عن المنافع السياسية والحربية
والتجارية التي تحصل للباب العالي من تنفيذ هذا المشروع الجليل.
ولقد سردت أبواب هذه الفوائد المهمة في مقالة نشرتها في جريدة (وكيل)
بتاريخ ٢٧ ديسمبر سنة ١٨٩٧ ص ٥٤ وأشرت على المقالة بالحبر الأحمر في
جميع النسخ التي أرسلت إلى الجرائد المصرية والتركية، مؤملاً أن تفصح هاته
الجرائد عن أفكارها في هذا الشأن، وأنها إن استحسنت اقتراحي عضدتني فيه بما
تستطيعه، وطلبت أيضاً من قنصل الدولة العلية تعضيدي فيه.
ولكني أتأسف من أن ما كتبته ذهب كالنقش على الماء، فلم يلتفت إليه أحد. أليس من العار على المصريين والعثمانيين وسائر المسلمين أن يروا الأمم الأخرى تسعى في الحصول على امتيازات في أرجاء آسيا وأفريقيا، بل في تركيا نفسها،ونحن معاشر المسلمين في الأرض ننظر إليها نظر المتفرج بدون عمل ولا حركة،
كأنه لا يهمنا قط أن نكون في غبطة عيش ونعيم، وكأنه لا يهمنا أن تكون أمتنا
سعيدة بتدبير أحوال ممالكها الفسيحة وترقيتها.
وفي ٢١ فبراير كتبت مقالة في هذا الشأن ونشرتها في (الوكيل) اهـ، ثم
ذكر أنه دائب على تشويق أهل وطنه إلى هذا العمل العظيم، ورغب إلى صاحب
(المؤيد) أن يشوق المسلمين إلى ذلك في جريدته الشهيرة، وقد أجاب المؤيد دعاءه
ولبى نداءه، فذيل الرسالة بنبذة تنشيط ملخصها: أن ما يقترحه الكاتب أعظم
مشروع ينعش الحياة ويجدد السعادة للدولة، بل للملة الإسلامية.
وإن المسلمين إذا لم يبادروا لمثل هذا العمل فلا يبعد أن يأتي يوم يعجزون فيه
عن الإتيان بأي عمل.
فحبَّذا لو أن جلالة مولانا الخليفة الأعظم الذي اشتهر في العالم كله بحب جمع
شتات الإسلام حول عرشه استلم زمام هذا العمل العظيم بنفسه وأنفذه، ليكون الفاتح
والمجدد لعصر حضارة الإسلام على ما تقتضي ظروف الأيام اهـ.
(المنار)
لخصنا هذه المقالة لأمور منها بيان تعلق المسلمين بمولانا أمير المؤمنين -
أيده الله تعالى - في أقطار الهند، وآمالهم العظيمة في أن تقدم الأمة كلها منوط
بحكمته المشهورة ومساعيه المشكورة وخضوعهم لسلطته الروحية وسيادته الدينية.
ومنها: أن المشروع من الأعمال التي لا تقوم إلا بالشركات المالية، والحث
على الشركات المالية لأي عمل كان هو من أفضل الأعمال التي أنشئت الجريدة
لأجلها.
وأما هذا المشروع بخصوصه فلا ننكر عظيم فائدته لكننا نفوض النظر فيه
لحكمة سيدنا ومولانا السلطان الأعظم (أيده الله تعالى) ، ولوزرائه الصادقين، فإن
لهم من المعرفة بمنافع الأمة ووسائل تقدمها ما ليس لنا، ورأينا أن سبب التقدم الذي
يجمع كل الأسباب وترجع إليه جميع الوسائل هو تعميم التربية والتعليم في جميع
عناصر الأمة على طريقة واحدة، ولا يمكن الوصول إلى هذه الغاية إلا بشركات
مالية تنشئ المدارس الوطنية وتختار لها المعلمين المهذبين وسنواظب على الحث
على هذا المشروع ونبين مزاياه فيما يأتي من الأعداد.
وإننا نفتخر بما لمولانا أمير المؤمنين من العناية بأمر المكاتب والمدارس حتى
أنه أنشأ من جيبه الخاص الكثير منها.
ولا ننكر ما لسمو عزيز مصر (عباس الثاني) من الاهتمام بأمر العلم،
والأزهر الشريف شاهد عدل، ورجاؤنا بأغنياء المصريين وسائر العثمانيين الاقتداء
بسلطانهم الأعظم وخديويهم المعظم في هذا الأمر الذي هو كل أمر والله الموفق.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________стр. 11
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) مجمل الأحوال السياسية
لم نَرَ عامًا كثرت مشاكله السياسية كهذا العام. فإنا نرى خلل الرماد وميض
نار ويوشك أن يكون لها ضرام، في الشرق والغرب، في العالم القديم
والعالم الجديد.
ففي مياه الصين تتجمع الأساطيل الأوربية، وتتكاثف تكاثف الغيوم قبل نزول الصواعق. وفي إفريقيا تزحف الجنود وتتسابق الحملات إلى أعالي النيل، تسابق
خيل الطراد، وفي الهند قد سُقِيَتْ الأرض بدم الإنسان وسمدتها فضلات النسور
والعقبان من جثث القتلى، فأخرجت في هذا الربيع نبتًا خصيبًا، وفي كوبا وراء
الأوقيانوس العظيم قد صارت الحرب بين الأسبان والأميركان قاب قوسين أو أدنى،
وفي كريت لا يزال السيف مصلتًا والإخوة العثمانيون يفني بعضهم بعضًا، وفي
النمسا استفحل الخلاف بين العناصر المختلفة، فصار البعض يتوقعون انتشار عقد
الوفاق وسقوط تلك المملكة العظيمة، وفي إيطاليا وفينسيا ساد الجوع إثر غلاء
الخبز وقلة الأعمال، فثار الشعب ينهب الأفران مقتحمًا حراب البوليس، وهجمت
النساء صارخات طالبات لهن ولأولادهن خبزاً، أما في فرنسا فقد مرت الزوبعة
السياسية مرور الزوابع الطبيعية على أعشاب الأرض تعبث بها ولا تجر ضرراً.
ويطول بنا المقال إن رمنا تفصيل تلك الحوادث السياسية الخطيرة. على أنه
لا بد من الإلماع إليها إلماعًا، يطلع قراء المنار على إجمال تفاصيلها الماضية،
ويكون توطئة للحوادث الآتية.
***
المسألة الصينية
قتل بعض أشقياء الصينيين بعض مراسلي الكاثوليك الألمان في البلاد
الصينية، فاتخذت ذلك ألمانيا وسيلة إلى احتلال ثغر من أهم الثغور الصينية يدعى
كياوتشو، أنفذت إليه أسطولها في الشرق الأقصى فاحتله بلا حرب ولا نزاع؛ لأن
الحامية الصينية غادرته حين علمت بقصد الجنود الألمانية. ثم احتل الأسطول
الروسي بورت آرثر مقابل احتلال الألمان لكياوتشو، فأرغت اليابان وأزبدت،
وقامت إنكلترا وقعدت، وأنفذت الدول بوارجها إلى مياه الصين تباعًا، حتى حسب
الناس أن الحرب صارت أقرب من حبل الوريد وظنوا أنه قد حان تقسيم تلك
المملكة الواسعة.
ثم بان أن الدول لا تنوي التقسيم، لما يحول دون ذلك من الموانع السياسية،
وطلبت الصين قرضًا، فتنازع روسيا وإنكلترا عقد هذا القرض، واشترطت إنكلترا
على الصين شروطًا أهمها: فتح تاليان وان، فأثار ذلك تأثر روسيا، وآذنت الصين
بأنها إن هي فتحت (تاليان وان) أساءت الروسية معاملتها، فتنازع الصين عاملان
قويان، فباتت لا تعلم أيهما تعمل، حتى جاء يوم قيل فيه: إن إنكلترا أرجأت
البحث في فتح (تاليان وان) إلى فرصة أخرى. وقد وافت الرسائل البرقية في
الأسبوع الماضي تقول: إن الصين إجابة لطلب اليابان سألت روسيا عما إذا كان
ينسحب أسطولها من بورت آرثر في فصل الربيع، فأجابت روسيا: إن في
احتلالها بورت آرثر مصلحة للصين وكوريا معًا. ثم جاء أن روسيا تلح على
الصين بأن تؤجر هاربورت آرثر وتاليان وان إلى ٩٩ سنة، كما أجرت ألمانيا ثغر
كياوتشو وأنظرتها خمسة أيام، فإذا انقضت ولم تجبها الصين إلى طلبها عملت
روسيا في الصين عملاً عسكريًّا. فقامت التيمس بعد هذا الإنذار تقول: إن إنكلترا
منذ حرب القريم لم تكن يومًا أفرغ صبرًا مما هي الآن، وخطب ناظر البحرية في
مجلس العموم عند عرضه ميزانية البحرية فقال: إن الأسطول في غاية الاستعداد
فإن بقيت السلم كانت سلمًا شريفة، وإن نشبت الحرب (لا قدر الله) خرج
الأسطول ظافراً. أما ناظر الخارجية الإنكليزية فقد صرح أنه لا يرى دليلاً على ما
قيل من أن روسيا قدمت للصين إنذارًا. والله أعلم بمصير المسألة الصينية.
***
المسائل الإفريقية
قلنا: (المسائل الإفريقية) لا المسألة؛ لأن المشاكل في إفريقيا متعددة. أولها
حملة مصر على الدراويش. ثم الحملة الفرنساوية في النيل الأعلى. ثم ثورة أوغندا
ثم مسألة النيجر بين الفرنساويين والإنكليز. ثم مسألة الترنسفال بين البوير
والإنكليز أيضًا.
أما الحملة المصرية، فسنفرد للبحث في أمورها مقالات خصوصية، وأما
الحملة الفرنسية السائرة في مجاهل إفريقيا بقيادة الضابط الباسل مرشان، فلا يعلم
أحد الغرض الذي ترمي إليه حتى الآن. والمشهور أنها زاحفة لاحتلال الأراضي
التي وراء بحر الغزال في أعلى النيل، وبما أن تلك الأراضي هي غرض إنكلترا
أيضاً فالمنتظر أن تقوم قائمة الخلاف والنزاع بين الدولتين بشأن تلك الأصقاع في
وقت قريب. وقد أنفذت إنكلترا من جهة أوغندا إلى أعالي النيل من شهور عديدة
حملة إنكليزية بقيادة الماجور مكدونالد، غير أن تلك الحملة ما قطعت مسافة قصيرة
حتى ثار رجالها وهم من السودانيين على القائد مكدونالد، فتحصنوا في حصن هناك،
فحاصرهم الماجور قمعًا لثورتهم وإرغامًا لأنوفهم، ولطلب المدد تشديدًا للحصار،
غير أن السودانيين رأوا من المحاصرين غفلة، ففروا من الحصن ونجوا بأنفسهم،
فرجع مكدونالد أدراجه، ولم يزل مرشان يغذ السير إلى غرضه بخطى واسعة.
وأشيع يومئذ أن حملة مرشان قد ذبحت عن آخرها، غير أنه ظهر بعد ذلك أن هذا
الخبر كان مكذوبًا. هذا ويرى البعض أن احتلال فرنسا أعالي النيل سيكون بداية
فتح المسألة المصرية.
وأما الخلاف الذي بين فرنسا وإنكلترا بشأن النيجر فهو ناشِئ عن طمع كل
من الدولتين في تلك الأراضي واختلافهما على تحديد أملاكهما فيها. ويقول
الفرنسيون: إن شركة النيجر منشأ ذلك الخلاف كله، وقد عقدت في باريس من عهد
قريب لجنة من الإنكليز والفرنسيين للبحث في دعاوى الطرفين وحل تلك المشاكل
بالطريقة الودية. وقد أضيف في الأسبوع الماضي مشكلة جديدة إلى تلك المشاكل
القديمة، فإن حملة الفرنسيين اجتازت نهر النيجر وحاولت الزحف على أرض تقول
إنكلترا: إنها تحت حمايتها، وقد أمدت إنكلترا سلطان تلك الأرض بجند يساعده
على إرجاع الفرنساويين على أعقابهم، ولم يرد بعد ذلك نبأ جديد.
وأما الخلاف بشأن الترنسفال فمَنْشَؤُهُ طموح إنكلترا إلى تقييد تلك الجمهورية
الصغيرة بقيود سيطرتها، وقد نظم دكتور إنكليزي يدعى جمسن حملة هجم بها على
تلك الجمهورية على حين غفلة، فالتقتها سيوف البوير ونالت منها ما نالته سيوف
الأحباش في موقعة عدوه من الطليان، ولا يزال مستر شامبرلين وزير المستعمرات
الإنكليزية يؤكد لتلك الجمهورية، حتى الآن أنها تحت الحماية الإنكليزية. ولعمر
الحق إن إمبراطورية الأحباش وجمهورية الترنسفال قد أظهرتا بأسلوب عجيب
مقدرة الشرقيين على الدفاع عن حريتهم واستقتالهم في سبيل ذلك الدفاع
الشريف.
وسنتكلم فيما يلي من الأعداد على بقية المشاكل السياسية.
***
الحبشة
بنى السيف في القرن التاسع عشر إمبراطوريتين عظيمتين؛ الأولى:
الإمبراطورية الألمانية، والثانية: الإمبراطورية الحبشية.
فإن تسليم سيدان وباريز ألبس غليوم الأول تاج الإمبراطورية الألمانية،
وانتصار الأحباش على الطليان في موقعة عدوه أنال منليك رئاسة الحبشة وجعله
إمبراطورًا على ملوكها المتحدة.
والحبشة أمة شرقية، قد أيقظها دوي مدافع الطليان من سباتها العميق، فهبت
إلى دخول التمدن من أبوابه، ولا يبعد أن نراها بعد خمسين سنة تضاهي شقيقتها
اليابان الشرقية قوة ومنعة وعزًّا. وإذا بلغت الحبشة مبلغ اليابان كان ذلك دليلاً ثانيًا
على استعداد الشرقيين للتقدم العصري والارتقاء، وعلى قابليتهم للانتظام ومقدرتهم
على الثبات خلافًا لما يشيعه عنهم الأخصام.
وليس غرضنا الآن تبيان ما بلغته الحبشة وما ستبلغه من التقدم إن استمرت
على سيرها الحثيث.
وانما غرضنا ذكر حديث جرى في بورسعيد بين أحد مكاتبي الجرائد
الأوروبية والمسيو أتوجوزف سكرتير منليك الخاص، فإن في ذلك الحديث بعض
اللذة والفائدة، وهو بصور السؤال والجواب.
س: هل تحب مصر؟
ج: لا أحبها لأنها بلاد قوم لا يحبوننا، فهم يزعمون أن الحبشي ملك يدهم،
لذلك يسمونه " عبدا "
س: وما رأيك في الإنكليز؟
ج: لا نخشى لهم بأساً وحسبهم الآن الدراويش خصمًا. وإنا لا نحذر غير
الفرنساويين، ولو أنا انكسرنا في حربنا مع الطليان لبتنا طعمة للفرنساويين.
س: وما صنعتم بأسرى الطليان؟
ج: لقد عاملنا الجميع بكل رفق وتؤدة؛ لأن قوانين الحبشة تنهى عن مضايقة
الأسرى أو تعذيبهم، وقد أطلقنا سراحهم جميعهم، فرحل البعض بسلام إلى بلادهم،
وعلق البعض نساءنا فاستحبوا الإقامة عندنا. وقبل أن يطلق الطليان أسرانا سمعنا
أنهم أساءوا معاملتهم، فلم يحملنا ذلك على مقابلة الإساءة بالإساءة؛ لأنا نعتبر
الأسير مقدسًا، لا يجب أن يمس بسوء.
س: ما قولك فيما شاع من أن إنكلترا ستمنحكم زيلع على أن تلتزموا الحياد
في الحرب التي بين مصر والدراويش؟
ج: لا أعلم في ذلك شيئًا؛ لأني أجهل حوادث بلادي منذ سبعة أشهر، علمًا
أني لا أرى أفضل من الحياد في مثل هذا الظرف، فإن المتحاربين مسلمون، ولا
أرى ما يوجب علينا اختراط الحسام دفاعًا عن المسلمين.
س: وهل تحمل لجلالة الإمبراطور كثيرًا من الهدايا؟
ج: لقد بعث معي جلالة السلطان فرسين من الخيل الجياد، ونيشانًا باهرًا،
وبعث جلالة القيصر كلبي صيد وسيفًا ثمينًا وغير ذلك من الهدايا.
س: هل لك أن تتفضل عليّ بوصف هيئة الحكومة في بلادكم؟
ج: لا عندنا مجالس شورى ولا دستور ولا نواب، فإن جلالة الإمبراطور هو
الحاكم الأعلى وله مجلسان: عقلاء الشيوخ يستدعيهم عند الاقتضاء، وهناك محكمة
فيها قاض واحد لا يحكم في قضية إلا عند شهادة رجلين، أما القاتل فجزاؤه القتل،
وإن شاء الإمبراطور أن يعفو عن القاتل كان لعائلة المقتول أن تعترض على ذلك العفو
ولعائلة المقتول أن تنفذ بيدها حكم الإعدام.
س: وهل الملكة نبيهة متهذبة؟
ج: اسم جلالتها تايتيس أعني الشمس وهي نبيهة وشديدة الاهتمام بالآداب
العمومية.
س: بما أنك ذكرت لي معنى اسم الملكة فأرجو أن تذكر لي ما معنى اسم
(منليك) ؟
ج: إن تاريخ هذه الكلمة قديم، فقد جاء في التقاليد القديمة أن ملكة سبأ سمعت
بحكمة سليمان الحكيم، فوفدت عليه. ثم وضعت منه غلامًا فراعها ذلك فصاحت:
(ماذا يقول سليمان) . فقولها: (ماذا يقول) ترجمته في اللغة الحبشية (منليك) ،
ولذلك سمي به ابن ملكة سبأ.
س: ما عدد سكان الحبشة؟
ج: عددهم خمسة ملايين من الأحباش المسيحيين ومليونان ونصف من
المسلمين، واثنا عشر مليونًا من الوثنيين.
س: وهل يعيش هؤلاء كلهم براحة وسلام؟
ج: يعيشون بالراحة الممكنة على أن الأرض مخصبة والهواء معتدل والحرية
مطلقة للجميع. أما الآداب العمومية فنقية؛ لأن الاهتمام بها عظيم. وفي المدن
الكبرى مدارس للفرير تربي الأولاد أحسن تربية.
س: نسيت أن أسألك عن نظام البوليس؟
ج: لا بوليس في الحبشة. فإن كلاًّ منا يحترم ملك الغير وحقوقه، وعنواننا
كلنا: (أغلق شفتيك وافتح بابك) - يريد: قلة الكلام وكثرة الضيافة. انتهى
على أن تلك الأمة الخارجة من غياهب الهمجية خروج الزهور من أكمامها، لا
تزال في ظلمة التعصب الديني والجهل الوخيم، لذلك لا تُحْسِن معاملة المسلمين من
رعاياها، على أنها ستعلم خطأها حين يسقط عن عينيها برقع الجهل والغباوة وما
سبب التعصب الذميم إلا الجهل الوخيم. اهـ من ترجمة بعض الكتاب.
هذا ما اخترناه من العدد الأول وما بعده إلا (الأخبار المحلية) وبرقيات
الأسبوع.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________стр. 12
٢٩ شوال - ١٣١٥ه ـ
فبراير - ١٨٩٨م
стр. 13
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) نشرت في فاتحة العدد الثاني الذي صدر في يوم الثلاثاء ٢٩ شوال سنة ١٣١٥هـ.стр. 14
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) راجع ص ٤٥٥ من المجلد ٤ و٢٩٧ من ٦ و٧٦٨ من ٧ و٨٦٥ من ٩.(٢) لم ننشر الأخبار التلغرافية في هذه الطبعة لعدم الحاجة إليها.стр. 15
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) اليهود في فرنسا وفي مصر
قبل أن يلبَس بونابرت تاج الإمبراطورية كانت حجته القوية لدى الشعب
الفرنساوي: دفاعه عن الحرية العمومية، وخدمة المبادئ الجمهورية. غير أنه بعد
ارتقائه العرش الإمبراطوري لم يألُ جهدًا في محو تلك الحرية، ودوس تلك المبادئ
الدستورية.
وهذا شأن الإنسان في كل آن، يطلب الحرية مرءوسًا، ويكرهها رئيسًا،
يستنجد العدالة مظلومًا، وينبذها ظالمًا، إلا مَن وفقه الله وقليل ما هم.
لقد شاعت أنباء المشاكل السياسية الداخلية التي قامت في فرنسا إثر
مسألة دريفوس، وقضية زولا، وما قاساه اليهود فيها من الإهانة والاضطهاد
وسوء المعاملة، ولا يحسب القراء أن هذا الاضطهاد قد نشأ عن تعصب ديني في
الأمة الفرنسوية، وكيف وهي أقرب إلى وهن العقيدة منها إلى التعصب الذي مثاره
الغلوّ في الدين. أما مصدر هذا الاضطهاد: فالتعصب الجنسي والحسد الذميم،
أثارهما في صدور الأمة فئة من أرباب الجرائد المعادين لليهود الطامعين بما في
أيديهم من خزائن الأموال.
على أن تلك الحوادث القبيحة لو جرى مثلها بين الشرقيين لطبق السماءَ
صراخُ تلك الجرائد، وسلقت الشرقيين وآدابهم بألسنة حداد، وأقلام أنفذ من السهام.
بل لو كانت تلك الجرائد في بلاد تكون فيها ضعيفة الجانب ضعف اليهود
في فرنسا - لكانت أسرع الناس طلبًا للحرية المطلقة، والعدالة العامة للبشر
على اختلاف أجناسهم , وهذا معنى قولنا: يستنجد الإنسان بالعدالة مظلومًا وينبذها
ظالمًا.
ومن الغريب أن داء الجرائد الإفرنسية قد سرى إلى بعض الجرائد المصرية.
فقامت تُصْلِي اليهود نارًا حامية، وتأخذ عليهم في مهارتهم في الكسب، وتفننهم
في أساليب الربح، أما نحن فرأينا أن الحرية العمومية ليست مختصة بفريق دون
فريق. فإن التمدن الصحيح، والعدالة الحقيقة يفرضان المساواة المطلقة بين جميع
بني الإنسان في المنافع العمومية. والعمل والكسب بالطرق الشرعية فضيلة من
الفضائل الاجتماعية وللإنسان أن يعمل ويربح بالطرق المشروعة ما استطاع إلى ذلك
سبيلاً، ومن يعترضه في ذلك فقد اعترض مبدأ الحرية العمومية.
ولذلك لا ترى عاقلاً من عقلاء الأمة الإفرنسية راضيًا عما نال اليهود في
فرنسا من الاضطهاد قديمًا وحديثًا. وقد سمى ذلك بعض كبار فلاسفتهم مرضًا من
الأمراض العارضة، وأمل ذهابه بتقدم المدنية والآداب العمومية.
فالمأمول أن لا يُدْخِل الكُتّاب في هيئتنا الشرقية عاملاً جديدًا للنزاع والشقاق،
فحسبنا ما لدينا من تلك العوامل القبيحة، وإنا الآن أحوج إلى عوامل الاتفاق منا إلى
عوامل الشقاق.
وعسى أن يستفيد إخواننا الشرقيون - لا سيما المسلمون منهم - بما نقصّ
عليهم من أحوال الأمم ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ﴾ (غافر: ١٣) .
اهـ ما اخترناه من العدد الثاني.
_________стр. 16
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) التربية والتعليم
ذكرنا في العدد السابق من جريدتنا مقالة مضمونها: أن مَن ينظر في تاريخ
الأمم ويكتنه شؤونها يتجلى له أن القوة والمنعة والغنى وبسطة الملك وسائر موارد
السعادة مناطها تعميم التربية والتعليم على الوجه الذي ينبغي.
وهذا الأمر وإن كان بديهيًّا عند العارفين بالتاريخ؛ لأن الوجود الإنساني كله
شاهد به ودليل عليه، فالسواد الأعظم من أمتنا غافل عنه لا يرجع إليه طرفًا، ولا
يصيخ له سمعًا، والمتنبهون أفراد قلائل يرددون الصيحات والنبآت، ولا ملبي ولا
مجيب ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ١٧١) .
وإن تعجب فعجب قول من سمع الصيحة منهم: إن هذا لا ينفع ولا يفيد.
ويحتجون بحجج داحضة، ذكرنا في المحاورة السابقة منها: حجة الجبر وسلب
الاختيار، وأتينا على تزييفها بما يقطع ألسنة المثرثرين بها بقدر ما يحتمله المقام،
وبقي لهم حجج أخرى واهية، تنبئ عن قلة الاختبار. وإننا قبل بسط الكلام على
التربية والتعليم نورد ما يثرثر به الكثير من الناس في الاحتجاج على عدم الفائدة
منهما، ونبين فساده؛ ليكون ذلك أدعى إلى تأمله والنظر إليه بعين الاعتبار، ومن
الغريب أن ما ادعيناه في المقالة السابقة [*] من أن سعادة الأمة في التربية
والتعليم مبني على المشاهدة والاختبار التام، وكذلك شبه هؤلاء على عدم فائدتها
تستند على اختبار ومشاهدة، لَكِنْ ناقصين غير تامين، وإنني مورده عليك
فاستمع لما يتلى.
احتجاجهم على عدم فائدة التعليم في إصلاح الأمة:
قالوا: إنا رأينا كثيرًا ممن درج في حجر المكاتب، ثم عرج منها إلى حجرات
المدارس العالية، فتلقى العلوم والفنون، وظهرت عليه أمارات النجابة، حتى صار
قبلة آمال الوطن، ومنتهى رجاء أهله، ثم لما ألقيت إليه مقاليد الأمر فيه كان كلاً
على كاهله، وقذى في عينه، بل كان جائحة متلفة لثماره، وصاعقة منقضة على
دياره، لا يسعى إلا لمنفعة شخصه، وتنمية ماله وإن تلفت في سبيله مصالح
العالمين.
ومنهم من كان عونًا للأجنبي، وعتادًا على امتلاك بلاده، يمهد له الصعاب،
ويزيل من أمامه العواثير والعقاب، ويسهل احتمال سلطته على النفوس، بل منهم
من باع للأجنبي بلاده بثمن بخس (وكل ثمن تُباع به الأوطان فهو بخس) ، أو
وعد بأن ينيط به بعض الوظائف، أو يكون مقربًا من جنابه الرفيع. فما أغنت
التربية عن أمثال هؤلاء، وماذا أفادهم التعليم، أما والله لو لم يتعلموا لما تسنى لهم
اقتراف هذه المنكرات، ولما فطنوا لأساليبها واهتدوا إلى طرقها، ولكانت مضراتهم
محصورة في دائرة ضيقة مخصوصة بنفر قليل.
هذا بالنسبة للذين تعلموا العلوم السياسية والحقوقية، وأما الذين تعلموا العلوم
الشرعية الإسلامية، فإننا نرى الكثير منهم أيضًا قد اتخذها فخًّا لصيد الدنيا. يحتال
ويعلم الناس الحيل لهضم حقوق الله وحقوق العباد، وإذا تبوأ منصبًا (كقضاء
أو إفتاء) ، أو صار محاميًا، لا يأتي أن يجعل الحق باطلاً والباطل حقًّا، ليشتري
به ثمنًا قليلاً، فويل لهم مما كسبت أيديهم، وياليتهم لم يكونوا من المتعلمين.
والجواب عن هذا واضح: وهو أن هؤلاء وإن تلقنوا بعض الفنون إلا أنهم لم
يتربوا تربية صحيحة، يغارون بها على دينهم ووطنهم، والعلم من حيث إنه إدراك
لصور المعلومات لا تقتضي العمل، ولئن اقتضى العمل فهو لا يستلزم أن يكون في
وجوه الخير والمنفعة لبلاد العامل إلا إذا تربى على ذلك. ثم ما يدريك أن المعلمين
لهؤلاء الخائنين والمربين لهم في المدارس كانوا من الأجانب أو ممن اصطنعهم
الأجانب فصبغوهم بصبغتهم، وجذبوا أعنة قلوبهم فقادوها إلى محبتهم، وعلموهم
كيف يعملون لمنفعتهم، أو غرسوا في نفوسهم اعتقاد عظمتهم وقدرتهم، وأنه لا
يتعاصى عليهم أمر، ولا يعز عليهم مطلب، فذللوهم بذلك واستعملوهم كما تستعمل
السوائم من الأنعام، أو أقنعوهم بأن السعادة لا تنال إلا بأيديهم، وأن الإصلاح لا
يأتي إلا على أيديهم، وأن قطرًا لم يحتلوه محروم من المدنية ورفاهة العيش، لا
ترى فيه القصور المشيدة، والسرر المنضدة، والطرق الفسيحة، ولا تنشأ فيه
الحانات والمواخير (أي مواضع الريبة، وليس هذا من التهكم؛ فإن السكر والفحش
من لوازم التمدن الحديث) ، إلى غير ذلك من المحسنات فعملوا ما عملوا بناءً على
هذا الاقتناع، فهم مجتهدون بأنهم ينفعون أمتهم من حيث ينتفعون بأنفسهم، وفي كل
صورة من هذه الصور ترى أن التربية والتعليم أفادا المعلم والمربي، فاجتنى بهما
ثمرات المنافع من خصمه ومناصبه، فكيف يكون أثرهما من مجانسه ومناسبه،
لعَمْرك إنه لعظيم.
احتجاجهم على عدم الفائدة من التربية:
قالوا: نرى كثيرًا من الولدان يهمل أمر تربيتهم الوالدان، فلا ينتهرونهم،
ولا يضربونهم، ومع ذلك ترى عندهم الدعة ولين الجانب والدماثة والصدق والوفاء
والأمانة، إلى غير ذلك من محاسن الأخلاق والأعمال، وبعكس ذلك نرى بعض
الناس يعامله والده بالشدة والغلظة، ولا يضحك في وجهه، ولا ينبسط له، وإذا
عمل عملاً قبيحًا صب عليه سوط عذاب، أو كما يقول بعض العامة في بلاد الشام:
(لعب العصا بجلدو) ، ومع ذلك تراه كذوبًا مرائيًا شرسًا أحمقَ خائنًا ماكرًا فاحشًا
متفحشًا سبابًا لعانًا، وبالجملة: منغمسًا في الرذائل، ملطخًا بحمأة المقاذر،
مسترسلاً في الفجور، ولولا الاعتناء بتربيته لما بلغ هذا المدى، ولا انتهى في
الفساد إلى هذه الغاية.
والنتيجة من هذه المشاهدات: أن الأخلاق مواهب وحظوظ،
وليست بالتربية. وأن التربية ربما عادت على صاحبها بالخذلان، وكانت كالدواء
لم يصادف محله فأودى بمتناوله وأورده مورد الهلكة.
فموسى الذي رباه فرعون مُرْسَل ... وموسى الذي رباه جبريل كافر
والجواب عن هذا في غاية الظهور وإليك البيان: إن معاملة الوليد باللين
والرفق وأخذه بالرأفة والحلم، وعدم إهانته بالسب والشتم، كل ذلك من أفضل
أساليب التربية وأنجعها وأنجحها، إذا لم ينتهِ إلى حد الإهمال وإرسال الحبل
على الغارب، وإن الشدة والقسوة والإهانة بنبز الألقاب، وضروب الإيلام
مفسدة للأخلاق، ومدعاة للشرور والفجور، وإن أمهات الرذائل كالكذب
والخيانة والمكر والاحتيال والمداهنة لا تتولد إلا من الظلم والضغط على
الحرية الشخصية، كما سنوضحه فيما بعد.
فهذه الحجة دليل على نفع التربية وفائدتها، لا على ضررها، على أن
زمام التربية ليس بأيدي الوالدين والمعلمين دائمًا، بل ربما كان بأيدي
الخلطاء والمعاشرين أكثر مما هو بأيديهم. وهناك أمر آخر حقيق بالاعتبار، وهو
ناموس الوراثة، وكل ذلك سنفصله تفصيلاً.
وأما قولهم: فموسى الذي رباه فرعون ... إلخ، البيت المار فهو من حجج
الشعراء التي لا يتبعهم عليها إلا كل غوي مبين. ويعنون بموسى الذي رباه جبريل
السامري الذي اتخذ العجل لبني إسرائيل، ودعواهم تربية جبريل له باطلة وأفيكة،
انتحلها هذا الشاعر الغوي الذي جعلوه قدوة لهم ولعمري إن فيها غميزة بمقام روح
القدس وأمين الوحي ﵇. والحق أن جبريل إنما ربى موسى الرسول؛ لأنه
هو الروح الذي يؤيد الله تعالى به الرسل والأنبياء، لا الغواة الأشقياء (نعوذ بالله
من غلبة الجهل) .
ويا ليت شعري هل يقولون بأن تربية فرعون لموسى كان لها دخل في ارتقائه
إلى مقام الرسالة، لا وإنما يحتجون بذلك على عدم وجود فائدة للتربية بالكلية،
وجَهِلَ هؤلاء الحمقى أن الذين اجتنوا فوائد التربية من أهل أوربا وثبتت لديهم
بالاختبار والمشاهدة، اللذين هما أقوى الأدلة والبراهين، قد جعل بعض ملاحدتهم
كلام الشاعر شبهة على الطعن بنبوة موسى ﵊، وزعموا أن
نشوءه في بيت الملك، وتربيته في حِضْن السياسة والشريعة المصرية قد نبها فكرته
للقيام بتلك الدعوة التي حرر بها أمته، وأن ما جاء به من الشريعة مقتبس من
شريعة المصريين، مع تنقيح وتحوير يناسب حال شعب إسرائيل (نعوذ بالله من
هذا الضلال البعيد) ، وليس المقام هنا مقام رد شبه الملاحدة، ولكن لا بد من كلمة
تحول دون تمكن الشبهة من فكر الجاهل، وهي إذا جاز أن يأخذ موسى (عليه
السلام) شريعته من شريعة المصريين، فهل يجوز أن يكون ما جاء به من
المعجزات التي أدهشتهم وأبطلت السحر الذي كانوا يخدعون به الناس مأخوذًا من
المصريين، كلا بل سول لهم الكفر ما يأفكون.
ثم إن التربية والتعليم متلازمان بمعنى: أن الثاني لازم للأول، لا يتم إلا به
بل هو جزء منه؛ لأن التربية على ثلاثة ضروب: تربية الجسم، وتربية النفس،
وتربية العقل، وهذا الأخير هو عين التعليم، ثم كل منها يحتاج للعلم والتعليم،
ولكننا نفرد للتعليم مقالات مخصوصة نبين فيها وظائف المعلم والمتعلم، وكيفية
التعليم، ويدخل في هذا البحثُ في المصنفات وأساليبها، ونبدأ بالكلام على القسم
المهم من التربية، وهو: تربية النفس، المعبر عنه بتهذيب الأخلاق، وموعدنا
الأعداد الآتية، إن شاء الله تعالى.
_________
(*) نشرت في فاتحة العدد ٣ الذي صدر في ٧ ذي القعدة سنة ١٣١٥ - ١ مارث سنة ١٨٩٨.стр. 17
٧ ذو القعدة - ١٣١٥ه ـ
١ مارس - ١٨٩٨م
стр. 18
الكاتب: محمد عبده
الحواشي
(١) التمدن
لبعض فضلاء المصريين [*]
ما وصلت إليه الأمة إلا وحط عن كاهلها جميع الأتعاب والبلايا والاضطهادات
والرزايا. ولا رقي إليه شعب إلا وأمن غائلة الإعنات والاعتساف. وتحصنت
أعماله من جائحة السلب والاعتداء. فصاحبه هو الساكن في منازل الرغد والهناء،
واللابس حلة الإسعاد، نقول ولا مغالاة في الحق: إنه الضامن لتوطيد أركان
العمران، والكفيل بتشييد دعائم الاجتماع، كيف لا وهو الحقيقة الجامعة لكل فرد
من أفراد الكمالات، من غير فرق بين أن يكون أدبيًّا أو ماديًّا، حسيًّا أو معنويًّا،
فالتفنن في الصنايع فصل من فصوله، والتسابق في ميادين العلوم باب من أبوابه،
والتجافي عن مواضع النقيصة جزء من أجزائه، والتجميل بالأخلاق الفاضلة نبذ من
جواهره، فإذًا لا بدع إذا قلنا: إن صاحبه هو السعيد والواطئ بنعله غرف النعيم،
جد في طلبه من أدرك نتيجته من الأمم، فجنى ثمره اليانع، نراه يتقلب على بساط
العز، ويتدرج في معارج الإجلال والجمال، عمرت دياره بعد أن كانت قاعًا
صفصفًا بالأبنية العالية، وتزينت بالأسواق الفسيحة والصنائع العديدة، وصارت
محط رجال السياسة، ومطمح أنظار النبلاء، ضاق بسيطها عن القيام بنفقاته
الواسعة فطار على جناح العلم يستطلع بقاعًا خربتها الجهالة، وثلمتها يد البغي،
ليكون فيها هو الوارث بعد بنيها، يستخرج منها الكنوز بحكمته، ويفجر منها
الينابيع بقدرته، ليجني وأهلها الغارسون، ويقضي وهم المطيعون. تسمع أهل تلك
الديار صدى صوته في العشي والإبكار، والغدو والآصال، ولكن يغالطون الحس
ويكابرون بإنكار البداهة، ويسلون أنفسهم بأن هذا الأجنبي لا سطوة له ولا حكم،
وإنما هو غريب، دعته الحاجة للتجول في البلاد لطلب الرزق، ثم تحثهم
خواطرهم بأننا أرفع شأنًا من أولئك الغرباء، وأسبق منهم يدًا في المدنية، ولئن
تأخرنا عنهم حينًا من الزمن لكنا لحقنا بهم في انتظام الهيئة، وحسن السلوك، وهذه
قصورنا المشيدة، وثيابنا الملونة، وقدودنا المجملة، وأطعمتنا المتنوعة تشهد بأننا
قوم غمسنا في الترف، وحظينا بالثروة، ونهجنا الصراط المستقيم.
يحسبون تلك الأوهام حقائق تجعلهم من ذوي النعمة واليسار، والعزة والكمال
اعتمادًا على كونها سنة الأمم المثرية، والشعوب المتنورة. وايم الله إنها بالنسبة
لأولئك البسطاء لداعية الفقر المدقع، ومجلبة الشر، وإن هذه الصور الظاهرية التي
يظنونها تمدنًا كسحابة حُشِيَتْ بالصواعق، يتوهم الغافل من بريقها ولمعانها أنها
تأتي بوابل ينعش البقل ويحيي الموات، ولكن إذا حل الأجل أمطرت ما يذهب
بالحياة ويبدد الأجسام، وذلك لأن الأمم المتمدنة وإن أنفقت الأموال الكثيرة في تشييد
القصور وتزيين الملابس وتحسين الأثاث إلى غير ذلك من المصارف، فإنما يَكُون
على نسبة مخصوصة من إيراداتهم الحائزين لها بالكد والتعب في إبراز المصنوعات
الجميلة، والمخترعات الجمة التي تكسب صاحبها في قليل من الزمن ثروة واسعة،
وقدرًا رفيعًا. ولا يجيزون الإنفاق من رأس المال إلا إذا مست ضرورة لا محيص
عنها، ومع ذلك فنفقاتهم هذه لا تتجاوز حد اللزوم ولا تخرج عن دائرة احتياجاتهم،
فكلها مؤسسة على قاعدة جلب المصلحة ورفع الحاجة.
تدخل منزل الرجل منهم ترى غرفه ومخادعه مشغولات بأمتعته وبضائعه
ونقوده، وليس فيه قدر شبر عُمِّرَ لغير حاجة، حتى حديقته، ولا يشتري ثوبًا له أو
لزوجته وأولاده إلا بقدر العوز، وحلي آل بيته ثلاثة أرباعه من النحاس مهما كثرت
ثروته، وليس في إصطبله سوى عربة أو حمار للركوب، لا يجمع بينهما إلا نادرًا،
وفرشه وغطاه لا يخرج عن نوعي القطن والصوف كثيابه. أما أهل تلك الديار
الذين يزعمون أنهم قوم متمدنون (وهم في ذلك مخطئون) ، فقد ركبوا الشطط
وحملوا أنفسهم ما لا يطيقون من النفقات الباهظة، يصرف الواحد منهم آلافًا من
النقود في سبيل تعمير أرض فسيحة، وربما كفاه ما لا يبلغ العشر من مساحتها،
ويفرشها من أعلى أنواع الفرش، ويزينها بأبهج أصناف الزينة، فتبقى غرف
المنزل بلا ساكن، يعلو التراب على ما فيها من الأثاث والفرش المغشاة بالفضة
والذهب حتى يبيدها، وربما لا يستعملها مرة في العام. يتختم في إصبعه بما تجاوز
قيمته عقد الألوف من الفرنكات، ولدى زوجته من الألماس والجواهر ما يكفي ربحه
لنفقات بيته أو يزيد، لو استعمل ثمنه في شيء يتجر به (إذا كان ممن يفقهون)
إلى غير ذلك من المصارف التي يضيق بنا المقام عن تفصيلها، وما حمله عليها
سوى الطيش والانهماك في الشهوات والسفه المفرط الذي بلغ مرتبة الجنون. فإن
رجعنا إلى سيرهم في طرق جلب المنافع، وتخفيف أتعاب المعيشة، وتحسين
وسائل الاكتساب، رأيناهم واقفين على نقطة واحدة من آلاف من السنين. فإيراداتهم
الآن واقفة عند الحد الذي كانت عليه قبل أن كانوا يسكنون المنازل المصنوعة من
اللبن الأخضر، المفروشة بقصب (الحَلْفاء) ، المعرشة بقضبان شجر (الجميز)
وجذوع النخل، مكتفين من الثياب بما يستر البشرة، ومن الطعام بما يذهب النهمة
فمزروعاتهم الآن هي على ما كانت عليه في تلك الأيام، لم تغير أشكالها، ولم
تتبدل أصنافها، نعم قد زادت حاصلاتها نظرًا للتسهيلات التي أجريت في طرق
الري (هذا في بلاد الكاتب) ولكن هذا النمو لا ويعادل في الحقيقة الضعف الذي يلم
بتجارة أبناء البلاد، فقد كان يوجد قبل ورود الغريب إليهم في القرية الصغيرة
أشخاص عديدون يتجرون في جميع أصناف المزروعات وغيرها من الأقمشة
والمأكولات، يربحون من ذلك مالاً عظيمًا. أما بعد ذلك فلا ترى بَنِيهِمْ إلا يتضورن
جوعًا، ويئنون تحت أحمال المشقات، لبوار التجارة وكسادها واختصاصها بيد
النزيل. ويتبع ذلك سقوط صنعة النجارة والحدادة والحياكة، وغيرها من أصناف
الحرف اللاتي نسختها متحدثات الأمم المتمدنين. وربما ينتهي بهم الأمر لو استمروا
على الجهالة والسفه إلى خلو أيديهم من الزراعة أيضًا؛ لوجود من يحسنها سواهم.
ولا عجب بعد هذا إذا رأينا هؤلاء السفهاء واقعين في وهدة الفاقة والاضمحلال،
يئنون تحت أثقال الديون التي تستغرق جميع ما في حوزتهم من الأملاك، وهذا
يجعلهم حقراء أذلاء في قبضة الدائن الذي يكونون رهنوه أملاكهم، يتصرف فيهم
بما يريد فيلاقون منه شمماً لا تقدر على تحمله النفوس، ولا تستطيعه الطباع،
وربما كان الدائن من سفلة قومه، والمدين من أعيان بلاده، ولا تغني عنه يومئذ
قصوره العالية ولا ثيابه المزركشة ولا أثاثاته الخَزِّية والحريرية، وهذا فضلاً عما
يعتريه من البلبال، وكثرة الوساوس والأفكار، يبيت ليله يتقلب على الفراش ولا
تقلبه على جمر الغضا، يقدر محصولات زراعته قبل بذرها وينسبها لمقدار
المطلوب في إبان الحصاد، فإذا وجدها على قدره حصل له نوع من الاطمئنان
ذاهلاً عما عساه يحدث من الغرق أو الشرق أو الأندية المتساقطة من الجو، حتى إذا
حل الأجل ولم يجد لديه ما يفي بالمطلوب لإصابة الزرع بأحد الأسباب التي ذكرناها
ضرب كفًّا على كف، واسود وجهه، وساءت حالته، وتسول الناس ليكفلوه عند
عميله (دائنه) إذا لم يف ما عنده بالرهن، فلا يجد مجيبًا ولا نصيرًا. لعمر الحق
إن المفترش للحصا، المتوسد لحجر الصخر، المستكن في منازل الحيوانات،
المتكفف في معيشته، خير من هؤلاء الناس الذين لا يقر لهم قرار، ولا يهدأ لهم
بال (ومما يسوؤنا أن نراهم أكثر من الكثير في بلادنا) ، أهذا ما حسبوه تمدنًا
وزعموه نعيمًا مقيمًا. كلا، بل هو الشقاء الأبدي الجالب للفقر المدقع والعذاب الأليم.
هذه مشاربهم في أحوالهم المعاشية، تحزن المحب، وتفرح قلب العدو،
ولعلمنا بأن تلك الحالة لا يرضاها الشرع ولا القانون جئنا بهذه النصيحة، آملين أن
تنفع الذكرى، فينهج هؤلاء صراطًا مستقيمًا، وما ذلك على الله بعزيز.
_________
(*) هذا في الأصل وهي من مقالات الأستاذ الإمام في الوقائع المصرية.стр. 19
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) اصطلاحات كُتَّاب العصر
التعصب
مادة (عصب) تدل في أصل اللغة على الليّ والشد، يقال: عصب الشيء،
إذا لواه وشده، وعصب الشجرة: ضم ما تفرق من أغصانها، وهو مأخوذ من الشد
بالعصابة، فمعنى عصب وتعصب في الحقيقة: شد العصابة، ومنه العصبة لقوم
الرجل وقرابته، وكان جمع عاصب (اسم فاعل) ككَمَلَة جمع كامل، والعصبية
نسبة للعصبة، والتعصب: ميل أفراد العصبة بعضهم إلى بعض وتشددهم في
المدافعة عمن يتصل بهم بجامعة العصبية التي كان مناطها عند العرب القرابة
والعشيرة.
ولم يكن يطلق اسم التعصب على التشدد في الدين والغلو فيه، بل كانت
العرب تسمي هذا تحمسًا، وكُتاب العصر اشتهر بينهم إطلاق اسم التعصب على
الإفراط في التشدد في الدين إلى درجة يؤذي بها المتعصب مخالفه فيه، وأجدر بهم
أن يسموه: تحمسًا، لولا أن الناقلين له عن لغات الإفرنج إلى العربية لم يتنبهوا
للفظ التحمس. ويطلقون التعصب أيضًا على الميل للجنس والإفراط في الحماية له
والمحافظة على شرفه، واتساع سلطانه، وإن غمط حقوق سائر الأجناس، وهضم
جانبهم، ويخصون هذا الضرب من التعصب بالمدح والإطراء، والأول بالغميزة
والهجاء، ولا يخفى أن الأوروبيين سرى بينهم رأي نابليون في أن مناط الجنسية
هو اللغة، فكانت هذه الاصطلاحات وبالاً علينا نحن العثمانيين، فإذا كانت سعادة
الأمة في وحدتها، والوحدة لا بد لها من جامعة تلتف عليها عناصرها وترتبط بها
هاماتها ولَهازِمها فما هي الجامعة العامة والرابطة القوية لهذه الأمة المختلفة في
الأديان واللغات؟ ، والجواب: إن سعادتنا تتوقف على رفض مذهب الأوربيين في
الجنسية واتفاقنا على أن يكون مناط جنيستنا هو العثمانية، ولا أظن أحدًا من
العناصر المستظلة بظل الدولة العلية العثمانية يرفض هذا ويرتضِي اصطلاح أوروبا
في الجنسية، وإننا لبيان هذه المهمات ننشئ مقالة في التعصب والجامعة العثمانية
في عدد تالٍ (إن شاء الله) .
((يتبع بمقال تالٍ))
_________стр. 20
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) الطبيب الدجال
كلنا في الهوى سوا
لدينا قصة نقصها على إخواننا الغربيين الذين يستوقفهم عند أرصفة الأزبكية
اجتماع بعض الجهلاء على أحد الدجالين أو العرافين فيقفون ساخرين منهم
مستهزئين بالأمم الشرقية كلها، حاسبين أنها على شاكلة أولئك الجهلاء.
ذلك أن رجلاً دجالاً سيق إلى المحاكمة في إحدى عواصم أوروبا لإقدامه على
التطبيب بلا رخصة من الحكومة. ولما وقف أمام المحكمة سأله القاضي بصرامة:
ما حملك أيها الرجل على مخالفة القانون؛ أما علمت أن العقاب مفروض على كل
طبيب لا يكون في يده شهادة قانونية؟
فلم يحر الدجال جوابًا، ولكنه مد يده إلى جيبه وأخرج منها ورقة كبيرة ثم قال:
إليك شهادتي القانونية أيها القاضي، فإنني ممن أتموا دروسهم الطبية في كلية
باريس، وقد نلت منها لقب دكتور في الطب كما ترى في هذه الشهادة. ولما أن
أنهيت دروسي خيل لي أنى بلغت أوج السعادة. فاستأجرت منزلاً ونقشت على
نحاسة وضعتها على بابه هاته الكلمة: (دكتور في الطب) ، ثم لبثت أنتظر وفود
الناس علي للمعالجة، فمرت الأسابيع والشهور ولم يأتني أحد مستشفيًا. فصرت إلى
الفقر المدقع وعلمت أن تمسكي بتلك الشهادة لا يغني عني فتيلاً. فألقيت بها إلى
جانب، وكسرت الأمَارة النحاسية، وتحولت إلى منزل صغير، وتظاهرت بمظهر
الأطباء الدجاجلة، فتقاطر عليَّ الناس للاستشفاء من كل الجهات، ووفد عليَّ ذوو
العلل فعالجتهم وربحت أموالاً عظيمة. ومازلت على ذلك حتى ألقى الشرطي القبض
عليَّ ظنًا منه أنني من الدجالين. وقد علمتم أن الذي ألجأني إلى إخفاء شهادتي ولقبي
رغبتي في اكتساب ثقة الشعب، فأطلب الآن إلى المحكمة أن تحكم ببراءتي.
فأَدْهَشَ السامعين هذا الحديثُ وبرأت المحكمة الرجل بالحال!
قالت الجريدة - التي نقلنا عنها هذه القصة -: إن هذه الحادثة عار على العلم
وعلى الشعب. قلنا: عار على العلم؛ لأنه قد عجز إلى الآن عن تنوير أذهان
العامة واكتساب ثقتهم. وعار على الشعب؛ لأنها تدل على جهله وإيثاره أوهام
الدجاجلة على الحقائق العلمية الثابتة. وإلا فما معنى إعراض الشعب عن ذلك
الرجل دكتورًا، وإقبالهم عليه دجالاً؟ ! هذا، ولا يبعد أن يفقد الرجل ثقة الشعب
فيه حين يظهر لهم أنه من الأطباء القانونيين، وإذا وقع ذلك كان منتهى الجهل
والغباوة.
ونتيجة ما تقدم أنه لا يصح إطلاق القول في ذم شعب أو مدحه استنادًا على
اختبار بعض أفراده. وإن لنا أن نعير الغربيين بأولئك الأغمار الذين لا يثقون إلا
بالدجاجلة، إذا عُيِّرْنَا بالأغمار الذين يجتمعون في أرصفة الأزبكية لضرب الرمل
واستنطاق الحصى، فلا يسخرن أحد من بسطائنا وجهلائنا، فإن لهم في الأمم
الأوروبية أقتالاً وأمثالاً من البسطاء (وكلنا في الهوى سوا) . اهـ ما اخترناه من
الجزء الثالث.
_________стр. 21
ذو القعدة - ١٣١٥ه ـ
مارس - ١٨٩٨م
стр. 22
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) تبصرة وذكرى لقوم يعقلون
في بيان أن سعادة الأمة في التهذيب
تلك آيات من الحكمة، تتلى على مجتمع هذه الأمة، تنبه فكر الناسي، وتبعث
همة الآسي، وشذرات من معدن العلم السماوي، تُهْدَى إلى معمل الفكر الإنساني،
ليصوغ منها عقودًا، ويضرب منها نقودًا، تتحلى بها أجياد العقائل العواطل،
وتعامل بها أكف المُثْرِي والعائل، لعلهم يفلحون.
إذا تأملت في تاريخ هذا الإنسان رأيت أبناءه قد وقع منهم الاختلاف في كل
شيء ﴿وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ (هود: ١١٨-١١٩) اختلفوا
في العقائد والمذاهب، والعادات والمشارب، وجرى هذا الخلاف منهم في مدركات
الحس، كما سرى في مدارك العقل، ألا ترى أن بعضهم لا يستطيب أكل اللحوم
ذوقًا، كما أن بعضهم يستقبحها عقلاً، أما سمعت أن منهم مَن أنكر مظاهر الوجود
وحقائق الأشياء زعمًا أنها خيالات وأوهام تتراءى للحواس ولا تحقُّق لها في نفسها.
ومن رام حصر مواد الاختلاف والافتراق بين الأمم والشعوب. وبين الآحاد
والأشخاص فقد رام عبثًا وحاول شططًا، وفيما أشرنا إليه من النموذج بلاغ لقوم
يفقهون.
إن أصالة الخلاف والمنابذة وتمكُّنهما من نفوس أفراد هذا النوع قد جعلته من
الخواص اللازمة أو الفصول المقومة لذاته والمقسمة لجنسه، بحيث يصح أن يعرف
الإنسان بأنه (حيوان مخالف) ، أفلا يجدر بنا أن نعجب بعد هذا إذا رأينا جميع
الناس أو أمة منهم قد اتفقوا على شيء، وأجمعوا على شأن؟ ألا يجب علينا أن
نغتنم ذلك الشيء فنتخذه ذريعة لجمع كلمتهم واتفاق وجهتهم، الذي لا قوام لحياتهم
على الوجه الذي ينبغي إلا به؟ بلى ولكن أَنَّى لنا الظفر بهذه الرغيبة المفقودة،
والاهتداء لهاته الضالة المنشودة، وكيف لنا أن نطمع بما يكاد يخرج به الإنسان عن
كونه الخاص به فلا يكون إنسانًا؟ ولعل قائلاً يقول: إنا لا نرتاب في أن الاختلاف
المطلق لا ينفك عن البشر، لكن ذلك لا ينافي الاتفاق على بعض الشؤون، فهل
تعلم لنا شيئًا لا تخالف فيه ولا تنازع، وهو مما يقصد بالعمل ويتوصل إليه بالسعي،
لنجعله معقدًا للارتباط، إذا أخذنا في الدعوة إلى الاجتماع على أصول العلم
الصحيح؟
والجواب: نعم، إن هؤلاء الناس مهما تباينوا في الوسائل واختلفوا في
المقاصد فهم متفقون على شيء واحد يصح أن يكون علة غائية لكل حركة وسكون
يصدران منهم، ألا وهو: التخلص من البؤس والشقاء والظفر بهناء العيش ونعمة
البال عاجلاً أو آجلاً، وإن شئت قلت: هو دفع المؤلم واجتلاب الملائم إما لنفس
العامل فقط، وإما له ولمن يشاركه في المنزل أو الوطنية أو الجنسية. وما نشاهده
من سعي الكثير منهم إلى ما يبلسهم للهلكة، ويتجافى بهم عن مضاجع الراحة والهناء
فإنما هو لإِخطاء النهج وضلال الطريق القصد.
يظهر هذا في سيرة المحكوم والحاكم، والجاهل والعالم، والتاجر والصانع،
والحارس والزارع، والمنفق والممسك، والحليم والسفيه، والشجاع والجبان،
والعفيف والشره، كل يسعى لما يرى أن فيه راحته ونعيمه. لكن ربما خفي على
البعض في نحو الجاني والمنتحر، ويظن أن الجاني على غيره بما يعود على ذاته
بالضرر أو التلف، والمتعمد إزهاق روحه بيده لا يقصدان بعملهما ما ذكر، والحق
أن عملهما هذا ليس إلا تخلصًا من بلاء؟ أو توصلاً إلى نعماء؟ بحسب ما وصل
إليه الاجتهاد. فالإنسان حريص كل الحرص على تحصيل العيشة الراضية والحياة
الطيبة، وكل سعي أفراده إنما هو في هذه السبيل. وكما يطرد هذا في سعي طالبي
الحياة الدنيا يطرد أيضًا في سعي مريدي الآخرة، فالصائم والقائم، والزاهد والعابد،
إنما يقصدون السعادة الأبدية ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا
دَانِيَةٌ﴾ (الحاقة: ٢١-٢٣) ، ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (التوبة: ٧٢) .
فقد تبين أن الناس متفقون مبدأ وغاية (في الجملة) ، وإنما وقع الاختلاف
بينهم في الأفكار والأعمال (غالبًا) من الخطأ في تصور الغاية بتصور ما ليس
بسعادة سعادة الذي يتبعه الخطأ في اختيار المبدأ الذي يستند اليه العمل - كأن يتصور
أن سعادته في تحصيل الثروة بأية وسيلة ومن أي طريق، ويختار المبدأ لاكتساب
المال السرقة وأمثالها. وقد يكون تصور الغاية صحيحًا ويقع الخطأ في اختيار المبدأ
فيختل العمل المترتب عليه: كأن يتصور أن السعادة في كسب المال من الطرق
الشريفة في الوجوه المشروعة، ويرى أن المبدأ لذلك صناعة الكيمياء (الكاذبة)
بتحويل المعادن إلى ذهب، كما يجوز أن يعرقل العمل مع صحة المبدأ والغاية لعدم
السلوك إليه من طريقه والدخول عليه من بابه: كأن يختار التجارة مبدأً للكسب
ويتهجم على العمل بغير علم بأساليبها ولا اختبار أو لعدم توفر دواعي النجاح من
الخارج، أي من الأمور التي لا تنالها يد الكاسب - كأن يختار التجارة أو الزراعة،
ويأتي بجميع أسبابها مستوفياً شروطها فتنزل بالزرع جائحة أو تذهب بالتجارة
الأنواء ويحطم السفين اعتلاج الأمواج.
فعلينا أن نبحث في الطريق الموصل إلى صحة الغاية ومبادئها وانتظام أمر
العمل، بحيث ينطبق على المبدأ ويؤدي إلى الغاية من غير خطأ ولا ضلال،
وبالنتيجة في انتظام أمر المعاش والمعاد بما تصل إليه يد الإمكان، ويدخل في
اختيار الإنسان. وهو أشرف الأبحاث وأفضلها، لا ينطق لسان ولا يجري يراع
بأفضل من الكلام فيه. ولا غرو فإن البحث فيما يوصل الإنسان إلى الراحة والهناء
في الدنيا والمثوبة الحسنة في العقبى لَهُوَ أَجَلّ ما يتحدث فيه المتحدثون، ويتنافس
فيه المتنافسون، فألقِ إليه السمع وأنت شهيد.
أنت تعلم أن قوام الدنيا والدين بالعمل. والعمل لا يكون إلا عن علم، فالأحرى
أن نقول بالعلم والعمل (وكلكم حارث - كاسب وعامل - وكلكم همَّام) ، يهم بالأمر
فيعمله - لكن الهم مختلف والكسب مختلف ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ
الآخِرَةَ﴾ (آل عمران: ١٥٢) ، ثم كل من القسمين طبقات، فمنهم السائد
والمسود والقوي والضعيف والغني والفقير إلى غير ذلك من الطبقات المتقابلة. ولا
سبيل إلى المساواة بين الناس بجعلهم في رتبة واحدة، كما ينزع إليه بعض الملاحدة
في هذا العصر؛ لأن مُبْدِع العالَم (تعالى) فضَّل بعضهم على بعض في الرزق
وغيره، كما اقتضته حكمته في طبيعة الكون، وجرت به سُنته ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ
تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب: ٦٢) ، وإنما السبيل الذي نقصده والطريق الذي توخينا
البحث عنه: هو الذي إذا سلكه العالم الإنساني على اختلاف الطبقات وتنوع
المراتب، فاز بالعيشة الراضية والحياة الطيبة ألا وهو: تهذيب الأخلاق، وكماله لا
يكون إلا بالاستناد إلى الدين المبين.
التهذيب روح للوجود الطبيعي والمدني والسياسي، تنال به هذه الوجودات
سعادة الحياة وحياة السعادة، شهد بذلك التاريخ الصحيح وصدقه العقل السليم. لا
راحة لفرد من الأشخاص في نفسه إلا بتهذيب أخلاقه في نفسه، ولا في منزله إلا
بتهذيب أهل المنزل، وعلى هذا النحو أهل المدينة والمملكة العظيمة. فكما أن
التهذيب الشخصي هو مدار انتظام معيشة الشخص الواحد، كذلك التهذيب العمومي
هو مدار انتظام معيشة الأمة كلها إذ ليس المهذب إلا من يقوم بحقوق نفسه وحقوق
غيره على صراط العدل المستقيم.
وإذا كان انتظام أمر الحياة معلولاً لتهذيب الأخلاق، فبالضرورة يكون
وجوده بوجود علته وعدمه لعدمها، إذ لا معنى لكونه معلولاً إلا هذا، ومن هنا نفهم
السر في اختلال معيشة الأفراد وانتظامها وانفصام عرى الاتحاد بين الجماعات
والتئامها وصعود بعض الأمم أعلى درج الارتقاء، وهبوط بعضها إلى أسفل درك الانحطاط ووقوف البعض بين بين، تتنازعه عوامل العلتين، حتى يأتي أمر الله
واعتَبِرْ ذلك في سير الإنسان من يوم علم تاريخه إلى الآن تلقه صحيحًا
مطرداً.
ربما خفي على البعض الارتباط بين الأخلاق والأعمال، فلم يسلم بأن
حسنها لحسنها، وقبحها لقبحها، مع تسليمه بأن سعادة الدارين إنما هي بالأعمال،
وهذا الخفاء لا يكون إلا عن الجهل بمعنى لفظ الأخلاق وما هو المراد منه، فإذا فهم
ما هو المعنى منه انجلى له ذلك الارتباط كالشمس ليس دونها سحاب.
الأخلاق جمع خُلُق (بالضم) ، وهو صفة النفس، كما أن الخَلْق (بالفتح)
صفة الجسد، وقد عرفه علماء التهذيب بأنه: هيئة راسخة في النفس تصدر عنها
الأفعال بسهولة من غير حاجة إلى روية ولا تفكر. وبيان ذلك أن مما يناجي الإنسان
به وجدانه، ويوحي إليه إحساسه أنه لا يصدر عنه عمل اختياري، فعلاً كان أو
تركًا، إلا عن داعية من النفس، وإن جميع جوارحه مسخرة لخدمة سلطان الروح،
وإن إرادة هذا السلطان التي لا ترد مهما جاءت بالجزم إنما ينفذها إلى الجوارح بريد
الفكر والخيال. وإذا دقق النظر رأى أن جميع إرادات السلطنة الروحية تصدر عن
داعيتين:
الأولى: انفعال وتأثر - كالجوع يدعو إلى الأكل - ومحلها الطبع.
والثانية: إدراك وتصور - كتصور خطر المرض يدعو إلى تناول الدواء -
ومستندها العقل.
وهاتان الداعيتان آلتان لتحريك الأعضاء للعمل والآلة لا تتحرك بنفسها، واليد
المحركة لهاتين الآلتين: خلق حسن أو خلق سيئ، إذ لا تخلو الداعية للعمل من
مصاحبة أحد أمرين:
إما الجور بتفريط أو إفراط؛ كالأكل زيادة عن الشبع شرهًا وجشعًا أو ترك
الشبع وما يناسب المزاج من الطعام حرصًا وبخلاً، وكالامتناع عن شرب الدواء
عند الاحتياج استبشاعًا لطعمه، أو تناوله مع الاستغناء عنه وسوسة ووهمًا.
وإما العدل، بإمضاء ما فيه المصلحة مع التجافي عن طرفي الإفراط والتفريط
والجور والعدل جنسان لأنواع الأخلاق الفاضلة والذميمة، فإذا أصيب ملك
الروح برزيئة الجور فأمر بما لا ينبغي ونهى عما ينبغي، ورعية الجوارح لا
مندوحة لها عن طاعته، لا تلبث مملكة البدن أن يسرع إليها الفساد ويحل بها
الدمار. وهذا واضح في مملكة البدن، كما هو واضح في المملكة الظاهرية، بل
هو في مملكة البدن أشد وضوحًا وظهورًا. وأما إذا تحلى بفضيلة العدل فيستقيم -
ولا ريب - نظام المملكة، وتبلغ من الانتظام غاية الكمال.
من فهم ما قلناه من أن جميع الأعمال إنما تصدر بإرادة الروح عن داعيتين،
وأن الروح في ذلك لا تخلو عن العدل أو الجور، وعلم مع ذلك أن العدل هو غاية
تهذيب الأخلاق، بل هو المحور الذي تدور عليه سيارات الفضائل، وأن الجور
ضده، فهم وجه الارتباط بين الأخلاق والأعمال، وأذعن لتفاوتها بحسبها ضعة
وخسة ورفعة وشممًا، وإذا لاحظ بعد هذا ما قلناه أولاً من أن الحصول على رغائب
الدنيا والآخرة موقوف على العمل لا على الأماني والتشهي، انكشف له مقدار تأثير
الأخلاق في المجتمع الإنساني صلاحًا وفسادًا.
كيف لا يكون الخلق المهذب أفضل الفضائل وغاية الكمال، وهو ثمرة الأديان
السماوية والشرائع الإلهية، بدليل قوله ﷺ : (إنما بُعثت لأتمم
مكارم الأخلاق) ، وقد علمت أنه ثمرة العقل السليم أيضًا. نعم، أكثر آيات القرآن
الكريم جاءت في الحث على مكارم الأخلاق (كالعدل، والقسط في الأمور كلها،
والبر والإحسان لجميع الناس، والصبر، والحلم، والحياء، والرفق، والرحمة،
والوفاء، والصدق، والتواضع، والعفو، والأمانة، وأمثالها) ، وينهَى ويحذر من
سفسافها (كالجور، والجزع، والغلظة، والبخل، والجبن، والكبر، والرياء،
والكذب، والنفاق، والخيانة، والوقاحة، والسفه وأشباهها) ، وفي حكاية أحوال
المهذبين مع الثناء عليهم للاقتداء بهم، وحكاية أحوال فاسدي الأخلاق في معرض
الذم والتقريع للاعتبار والتنفير، كما في قصص الأنبياء ﵈ مع أممهم.
وحسبك مع هذا قول عائشة ﵂ في قوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ
عَظِيمٍ﴾ (القلم: ٤) : كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خلقه القرآن.
وقد ورد في ذلك من الأحاديث النبوية ما لا يكاد يحصى، فدونك حاصل بعضها.
وهو (إن أفضل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا) . و (إن الخلق الحسن خير ما منح الله تعالى به العبد) . و (إن أحب الناس إلى النبي وأقربهم منه مجلساً أحاسنهم
أخلاقًا) . و (إن حسن الخلق ذهب بخير الدنيا والآخرة) (انظروا وتأملوا) ، و (إنه
يذيب الخطايا كما تذيب الشمس الجليد) . و (إن العبد ينال بحسن خلقه
الدرجات العلى مع ضعفه في العبادة) . و (إن سوء الخلق يقذفه في أسفل درك
جهنم) . و (إنه يفسد العمل كما يفسد الخل العسل) . و (إن الله تعالى قوَّى الإيمان
بحسن الخلق، وقوَّى الكفر بسوء الخلق) . وأبلغ من ذلك ما روي أن سائلاً جاء
النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من بين يديه وسأله: ما هو الدين؟ فقال: (حسن
الخلق) ، ثم جاءه عن شماله، ثم من وراء ظهره وسأله هذا السؤال، وأجابه بهذا
الجواب. ويقرب منه ما روي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما - أنه قال:
لكل بنيان أساس وأساس الإسلام: حسن الخلق.
فإذا تبين أن خلق الإنسان هو دعامة سعادته وعمادها، وعليه مدار صلاح
أموره الدينية والدنيوية وفسادها، فيجب على كل فرد من أفراد الأمة أن يوجه قواه
العقلية والمالية للحصول على هذه المنقبة الكبرى والسعادة العظمى، وعلى العلماء
أن ينبهوا الأغنياء، ويعقدوا معهم الجمعيات للقيام بهذا العمل الجليل، ولا عذر في
التهاون والوَنَى تلقاء هذا المقصد الشريف، إلا لمن تخبطه شيطان الجهل، فأمسى
لا يميز الكمال من النقص، ولا يزيّل بين السعادة والشقاء، وكفاه عذره ذنبًا. وأما
من كان صحيح الفكر، وتلا أو تلي عليه ما ذكرناه، ثم لم يعره أذنًا صاغية، ولا
نفساً واعية، رغبة في جمع الحطام، والتلذذ بالشراب والطعام، واشتغالاً بمفاخرة
الأقران، وقهر الأخصام، فلتهنأ له الحياة الحيوانية في ﴿ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لاَ
ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ (المرسلات: ٣٠-٣١) . والسلام على الإنسانية
وذويها، والفضيلة ومحبيها، في كل زمان ومكان.
_________стр. 23
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) سؤال وجواب
كتب إلينا غير واحد يسألنا عما جاء في مقالة: (القول الفصل) المدرجة في
العدد الثاني من جريدتنا، من تخطئة الذين يستعينون بالأموات من العلماء والصلحاء
على قضاء المصالح واجتناء المنافع، وقولنا في هذا البحث: (ويستنهضون هممهم
بالصياح والصراخ، وتقديم هدايا الفواتح) هل يتضمن هذا القول إنكار كرامات
الأولياء أو يلحق بهم شيئًا من الغضاضة، هل فيه إنكار لقراءة الفاتحة أو غيرها من
القرآن للأموات؟
والجواب:
معاذ الله أن نرمي بكلامنا إلى غمط حقوق أولياء الله تعالى أو ننكر ما أكرمهم
الله تعالى به من فضله. وليس كلامنا ذلك في هذا الموضوع، وإنما هو بحث في
الأسباب التي بها أناط الله تعالى أمور الكون، ولا شك أن الاستعانة بالأموات على
قضاء الحوائج ليس من الأسباب التي سنها الله تعالى لذلك، ولم يقل أحد من أئمة
الدين ولا من العقلاء بسببيته، أما نبذ العقل له فظاهر، وأما رفض الشرع له فيدل
عليه الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح، وأكتفي الآن من الكتاب العزيز بقوله
تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة: ٥) ، فهو نص صريح في أنه لا يستعان إلا
بالله تعالى، ومن السنة بخبر (إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله) ،
وأما سيرة السلف الصالح فلم يُنْقَل عن الصحابة والتابعين أنهم كانوا يأتون قبر
النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويقبلون عتبة الحجرة ويقولون: يا رسول الله أهلك
فلانًا عدوي، وانتقم من فلان ظالمي، وأهلك الدود من زرعي، واشف داء
قريبي، وقرب وصال حبيبي، كما نراه ونسمعه من جهة العوام عند قبر السيد
البدوي وقبر الإمام الحسين (رضي الله تعالى عنهما) ، بل إن المطالب التي تصدر
من هؤلاء تتجاوز هذا الحد، فإنهم يطلبون من الأولياء المستحيلات العقلية،
والمنكرات الشرعية التي لا يجوز أن تطلب من الله تعالى. وقد أدى بهم الإهمال
وعدم اشتداد العلماء بالإنكار إلى مروق بعضهم من الدين، كما يمرق السهم من
الرمية. وكل ذلك معلوم عند السائلين. وأما قولنا: (ويستنهضون هممهم ... إلخ)
فهو تمثيل لحالتهم التي يحاكون بها معاملتهم للحكام الظلمة بتقديم الهدايا والرّشى أمام
أعراضهم، وقد فاتنا أن نقول: ويرشونهم بالشموع والدراهم ونحوها.
وأما مسألة قراءة الفاتحة ونحوها للأموات، فليست مما نحن فيه، وخلاف
العلماء في انتفاع الأموات بالقراءة مشهور، وأكثرهم يقول بعدمه؛ لقوله تعالى:
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾ (النجم: ٣٩) ، وبعضهم يقول بإثباته؛ لأدلة
قامت لهم، ولا مجال هنا للجولان في هذه المسألة، ثم لا شك أن الأولياء والصلحاء
لا يرضون بهذه المنكرات التي يأتيها المعتقدون بهم من غير علم ولا بصيرة، سواء
كانوا أحياءً أو أمواتًا، ومن انتصر للشريعة فعرف المعروف وأنكر المنكر فهو
المحبوب المرضي عندهم، وسكوت الكثير من المتسمين بسمة العلم والصلاح عن
الإنكار لزعمهم أنه أدب مع الأولياء، لا ينهض حجة على أن المنكر صار معروفًا،
فإن إمامنا السنة والقرآن، لا صاحب الأردان الواسعة والطيلسان، وإن لنا لعودة
إلى هذه المباحث نفصل فيها ما أجملنا، ونسهب بما أوجزنا، ولعل الموعد يكون
قريبًا. اهـ ما اخترناه من العدد الرابع.
_________стр. 24
٢١ ذو القعدة - ١٣١٥ه ـ
٣٠ مارس - ١٨٩٨م
стр. 25
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) الموالد أو المعارض [*]
(بمصر كثير من المضحكا ... ت ولكنه ضحك كالبكا)
نعم، إنها أمور تضحك منها السفهاء، وتبكي من عواقبها الألباء، أمور
ينظرها الضاحك كما ينظر الصور والتماثيل، ويبصرها الباكي كما يبصر
الصواعق والبراكين، أمور تقام لها المعارض في كل صقع، وتحشر إليها الخلائق
من كل فج، فيحضرها العالم والجاهل، والأمير والصعلوك، والغني والفقير،
والناسك والفاتك، والواهب والسالب، وإن شئت قلت: يحضرها جميع الأصناف
من جميع الطبقات، وتعرض منهم وفيهم وعليهم المضحكات المبكيات، معارض
تقفل لأجلها بعض مدارس العلم. وتعطل لبعضها مجالس الحكم، وتبطل الزراعة،
ويكون حيث تقام أعظم المساجد سوقًا ومرقصًا (بالو) ، وملعبًا وملهى وقهوة وفندقًا
(لوكاندة) ، ومستشفى (اسبتالية لكنها روحية) ، وصيدلية (أجزاخانة) ،
وماخورًا (موضع الريبة) ، كل ذلك في وقت واحد، معارض قد اشتبهت على
العامة حقيقتها فلا يعلمون هل هي دينية أو دنيوية، نافعة أو ضارة.
لا شك أن كل مصري يعرف من هذه الأوصاف ما هو المعرض الذي يقام في
بلاده، وإن كان يسميه مولدًا لا معرضًا.
وأما من لم يكن مصريًا ولا شاهد هذه المعارض في ديار مصر، فإن العجب
يأخذ منه مأخذه عندما يقرأ فاتحة هذه المقالة، وربما خيل له أنها كلام سري أو
ضرب من الألغاز؛ لأنه يرى الأوصاف لا تنطبق على ما سمع أو رأى من
المعارض في البلاد المتمدنة التي يسمع أن مصر ضمت معها في كل سهم، وأخذت
من أنواع تمدنها أوفر نصيب.
لا تغتر أيها السامع عن تمدن مصر وتقدمها بما ينقله إليك أهل السذاجة أو
تموه به عليك الجرائد، فليس في مصر من التمدن والتقدم إلا بعض قصور
وحوانيت كلها أو جلها للأجانب، وبعض طرق فسيحة لم تنشأ إلا لجولان مركباتهم،
وتِرْكَاض خيولهم ودراجاتهم، وذلك في العاصمة وبعض البلاد الكبيرة (البنادر)
فقط. وتوجد أيضًا الطرق الحديدية وأسلاك التلغراف والتليفون، إلا أنها ليست من
صنع أبناء البلاد، وإنما هي من صنع الأجانب الذين يجتنون معظم ثمراتها، وهي
التي ملكتهم زمام التجارة والمراباة في القطر، فاستنزوفوا ثروة أهله، وامتصوا
دماءهم، ثم تخطوا ذلك إلى امتلاك رقبة أراضيهم الواسعة واتخذوهم فيها أجراء
ومزارعين.
لو أن أحدًا طار في منطاد (بالون) ونزل في الأزبكية وطاف فيما يقرب منها
لقال: إن هذه المدينة هي أخت باريس، أو بنتها، وإذا سار إلى القرافة ورأى
القصور المشيدة على القبور يذهب به الوهم إلى أن مصر قد عادت لها مدنيتها
القديمة، وعما قليل يبني أمراؤها أهرامًا كأهرام الجيزة ويتخذونها قبورًا لهم، ولكنه
إذا جال في أنحاء القطر وأرجائه ورأى بيوت السواد الأعظم من الشعب تحاكي
زرائب الغنم، ومعاطن الإبل في سائر البلاد التي تفتخر بمصر ويفتخر عليها بعض
أهل مصر (كسوريا ولبنان) ، بل هي أقل وأحقر، وإذا خالط مع ذلك هؤلاء
المساكين ورأى حالة معيشتهم في مأكلهم وملبسهم حكم حكمًا جازمًا (وربما لم يكن
بعيدًا من الصواب) بأن الشعب المصري هو أنكد الشعوب عيشًا وأشدهم بؤسًا
وأكثرهم غباوةً وجهلاً، فقد عمل بعض عقلاء المصريين حسابًا للفلاح المصري
فوجده ينفق في مدار سنته كلها على أكله ولبوسه: سبعين قرشًا أميريًّا.
ولا تحكم على القطر بمثل هذا العاقل، وهذا العالم، وذلك المثري، فإنما
كلامنا في الشعب لا في الأفراد، وسننشِئ مقالة مخصوصة في (تمدن مصر) في
عدد آخر، ونكتفي الآن ببيان مجمل عن المجتمعات الكبيرة التي تقام في مصر
ويسمونها (الموالد) ، فإن مجتمعات كل أمة هي مثال تمدنها وآدابها وعلمها وعملها،
وإنني أذكر ذلك بعبارة انتقادية لعله يبعث على تلافي الخلل ومداواة العلل وأبدأ
بالكلام عنها من الجهة الدينية فأقول:
الموالد
إن مصر تلقب بأم العجائب، وما أجدرها بهذا اللقب وأحقها بهذا الاسم، وما
أكثر وجوه التفسير والتأويل فيه. وأعجب أولاد هذه الأم شكلاً، وأغربهم وصفًا
وفعلاً، هو ما يسمونه: (الموالد) ، اسم يرمي إلى مسمى لم يلاحظ في الأصل
مدلوله اليوم، ولم يعرف واضعه إلى أي حد ينتهي.
ويظن اللغوي لأول وهلة أن إطلاق المولد على هذا الاجتماع
الخاص المعروف ليس له مجاز إلى اللغة، ولا يمس حقيقتها. لكنه لا يلبث ريثما
يرجع الطرف إلى المجتمع في مسجد السيد البدوي (رضي الله تعالى عنه) في
مثل الأسبوع الفائت إلا وينجلي له وجه للتسمية وجيه. ذلك أنه يرى المجتمع تتولد
فيه البدع والمنكرات والسفه والجهالة، وكل فعل مذموم مشؤوم.
تدخل المسجد فترى سوادًا عظيمًا وتسمع جلبة وضوضاء. ترى أناسًا قد
وضعوا في أعناقهم السلاسل والأغلال، بعضهم عار وبعضهم يلبس الأخلاق
والأسمال، وقد تجسدت عليهم الأدران والأقذار، ولبدوا شعورهم المضفورة حتى لا
ينفذها الماء، والحشرات ترتع في أجسادهم، تطوف في أطواء مرقعاتهم وأهداب
قبعاتهم، وقد قاموا إلى ما يسمونه الذكر ﴿كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ
المَسِّ﴾ (البقرة: ٢٧٥) وما كان ذكرهم إلا همهمة ودمدمة، وحمحمة وجمجمة،
تشوبها صيحات ونَبْآت، وتخالطها شهقات وزفرات، ويعلوها مُكاء (صفير)
وتصدية (تصفيق) ، ويتخللها أوامر ونواه ودعاو طويلة عريضة، وتهذار وهذيان
(كلام لا يعقل ولا يفهم كالذي يصدر من المريض) ، ويعقبها نوبات صرع وإغماء،
يشترك في ذلك كله النساء والرجال، والشيوخ والأطفال، هذا هو حزب
(الأولياء) الذاكرين، وثَمَّ أحزاب أخر فرقوا دينهم وكانوا شيعا. فمنهم
المتصدرون للرقي والتمائم، وشفاء الأمراض والأدواء، ومنهم العرافون
المتصدون لبيان ما غاب علمه عن الناس من مصالحهم الدنيوية، المبشرون
البائسين بزوال بؤسهم والانتصار على أعدائهم، وسائر أرباب الحاجات بقضاء
حوائجهم إذا هم رضخوا لهم بشيء من الفلوس. ولهم أعمال دون ذلك هم لها
عاملون.
ثم ارجع الطرف إلى مقصورة السيد - قدس الله تعالى سره - عن الرضا بهذه
البدع والمنكرات، فإنك ترى أن قبره كعبة ثانية، تطوف بها الناس كما تطوف
بالكعبة، ويزيدون على ذلك الدعاء وطلب الحوائج من السيد نفسه معتقدين أنه هو
الذي يفعل ذلك بنفسه، لما تلقوه من القصص والحكايات في ذلك، التي منها: أن
رجلاً أضل جاموسة له أو سرقت منه، فجاء إلى قبر السيد وطلبها منه، فلم يجئه
بها، فأغلظ عليه في القول وأهانه بالكلام وهدده بانتقام الحكومة منه، فلم يلبث بعد
ذلك إلا قليلاً حتى رأى القبر يضطرب، وسمع خوار الجاموسة من تحت الستار
الذي على القبر، ثم خرجت الجاموسة من القبر وتمثلت بين يديه، فأخذها من
المسجد وانصرف. فمثل هذه الأساطير التي ترويها الآباء للأبناء، ويقرهم عليها
شيوخ العلم والإرشاد هي التي قادتهم بسلاسل التقليد إلى الاعتقاد بأن السيد يفعل ما
يشاء، ويحكم ما يريد، وتفضيله على الأنبياء، بل نقل عن اثنين من الجهلة كانا
يتساءلان عن المفاضلة بين السيد والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فقال أحدهما
للآخر: (اسكت يا واد دا السيد أفضل من ربنا) ! ! ! (تعالى الله عن ذلك علوًا
كبيرًا) ، وهذه الحكايات سارت بها الركبان، وعرفها أهل الشرق والغرب، كل
هذا والعلماء ساكتون حذرًا من الوقوع في إنكار الكرامات، والاعتراض على
الأولياء الذي يخشى معه أن يتصرفوا بهم ويوقعوهم في الرجز الأليم.
ثم إن للوليات من هؤلاء أعمالاً غير التي أشرنا إليها، ذلك أنهن يفضن
الخيرات والبركات على الناس بواسطة المصافحة والتقبيل والعناق، ويقذعن عند
ذلك بألفاظ من الفحش لا يليق أن تحكى فضلاً عن أن تسطر في الأوراق.
رأى كاتب هذه الكلمات بعينه ولية منهن صبيحة الوجه، وفي معصمها أَسْوِرَة،
وفي أصابعها خواتيم، وفي عنقها عقود، وقد جمع رأسها إلى رأسَيْ رجلين
والتفَّت الأيدي على الأعناق، فكان عناقا مثلثاً ... ورأى منهن فتاة مدت يدها
لمصافحته فأعرض عنها، فوثبت عليه كالثعبان وقبَّلته في وجهه قبلات متتابعة.
وفعلت ذلك مع غيره أيضًا. كل هذا يجري في بيت الله على مرأى من العلماء
ومسمع، وهم له مقرون، وبه راضون، يحذرون أن يغضب عليهم السيد إذا
غضبوا لله وانتصروا لدينه وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر.
إن سكوت العلماء بل مشايعتهم لعاملي هذه الأعمال بترك دروس العلم وتخلية
المسجد لهم، وغشيانهم مجالسهم من غير نهي ولا إنكار وتهنئتهم بهذا الموسم
الشريف والدعاء لهم بالحياة لمثله أعوامًا وأحوالاً - كل ذلك وأمثاله أوقع في أذهان
العامة أن هذه الأعمال من مهمات الدين التي تضاعف بها الحسنات وتمحى معها
السيئات، فلقد أنكرت بعض المحرمات التي رأيتها على عصابة ممن في المسجد
فأجابني بعضهم قائلاً: (أبو فراج ساحتو واسعة) فسألته الإفصاح عن هذه العبارة
وبيان معناها فقال: (يعني ما علهشي هم العلماء قالوا: إن لمس المره في أيام
المولد ما ينقضشي الوضوء) ولعمري إنه جدير بأن يقول هذا، فإن لديه كل حجة
لو عرضها على منبر جامع السيد أمام الآلاف المحشورة فيه من شيوخ العلم
والطريق وغيرهم لظلت أعناقهم لها خاضعين. ولم ينبس أحد ببنت شفة في تكذيب
روايتها أو بيان أنها لا تفيد المطلوب على تقدير ثبوتها، وما هي إلا حكاية من
الحكايات التي تروى عن كرامات السيد وتؤخذ مسلمة، سواء كان راويها عدلاً أم
فاسقًا عاقلاً أم مجنونًا. وهذه من المزايا التي يميز الجماهير بها ما يؤثر عن
الأولياء من العجائب والخوارق على ما يؤثر عن الرسول ﷺ من
الحكم والأحكام. وتلك الحكايات كثيرة، وكلها ترجع إلى شيء واحد، وهو أن من
يعترض على منكر يحصل في مولد السيد فلا بد أن ينكب بنكبة أو يصاب بمصيبة،
وقد غلا بعضهم غلوًا كبيرًا حيث زعم أن في ذلك خطراً على العقيدة، وأن
المعترض لا يكاد يموت على الإيمان، وجهل القائلون بهذا والمصدقون به أن هذا
الخطر من الاعتراض لا يحيق إلا بهم؛ لأنهم هم الذين نقصوا السيد حيث جعلوه
زعيم الفاسقين، وقواد الفاجرين، ورئيس العاملين على هدم الدين. (نعوذ بالله من
هذا الجهل الفاضح) ، أما والله لقد طاشت سهامهم، وامتلخت أحلامهم (انتزعت
عقولهم) ، وضل رشادهم، وعظم فسادهم، فإذا حدثتهم بما ينابذ الشرع والعقل
قبلوه، وإذا جئتهم بما يؤيدهما رفضوه ولم يتقبلوه.
وأهون ما يحكون عمن اعترض على ما يحصل في مسجد السيد أيام مولده ثم
رجع إلى الإقرار، وانضوى إلى أهل الرضى والتسليم: أن رجلاً من المغرب جاء
لزيارة السيد في أيام المولد، فشاهد من المنكرات ما ضاق له صدره، وعظم عليه
أمره، فترك الزيارة، وخرج مغاضبًا ومنكرًا ولاية السيد، إذ لم يتصرف بهؤلاء
العصاة الذين ينتهكون حرمة حماه، ويأتون المحرمات في مشهده ومغناه، فلما انتهى
إلى البحر بالت بغلته في الماء فتأثر ذلك (أي خرج إثره) رجل خرج من الماء
وقال للمغربي: يا رجل قد نجست الماء، فأجابه، وهل ينجس البحر، فقال له:
وهل السيد إلا بحر، فكيف يعكره أو ينجسه ما رأيت؟ فرجع المغربي يحدث بما
رأى، وقد أيقن أن الذي خرج من الماء وكلمه بهذا القول الهراء هو السيد البدوي.
وأنا أروي لهم رواية صحيحة المتن والسند، فهل يقبلها منهم أحد، أم
يرفضونها، لأنها أليق بمحاسن الدين، وفيها تعظيم صحيح للأولياء والصالحين،
وهي: كان بعض طلبة العلم العقلاء يحضر العلم في الجامع الأحمدي في طنطا من
نحو ٣٠ سنة، ولما كانت أيام المولد أراد أن يصلي مع بعض أشياخه في جامع
السيد، فقام الشيخ وتوضأ من ميضأة الجامع وهي متغيرة اللون والطعم والريح من
النجاسة، فأبى أن يأتم به تلميذه وكان جاء المسجد متوضئًا، بل صرح له بالإنكار
وبأن صلاته مع النجاسة والوضوء بالماء النجس غير جائزة، فأتم الشيخ به، ولما
فرغا من الصلاة قال له الشيخ: لا بد أن تصاب بنكبة لاعتراضك وأنا لولا أن نفسي
تعاف الشرب من ماء مجاري كنف جامع السيد لشربت منها، فقال له التلميذ: إذا
كان السيد وليًا لله، بل إذا كان مسلمًا حقيقيًّا (وهو كذلك) فإنه يغار على الدين،
ويكون ما قلته أنا هو المرضي عنده، وإذا كان غير ذلك فلا أبالي برضاه وسخطه،
وهذا إذا فرضنا أنه رقيب ومهيمن على الأعمال، يرضى لحسنها ويسخط لقبيحها،
وإنني أخاف عليك أيها الأستاذ أن تصاب ببلاء لاستهانتك بمراعاة الشريعة وإقدامك
على مخالفتها، وأقول هذا مع الأسف لاحتياج مثلي إلى إرشاد مثلك، وتفارقا وفي
اليوم التالي حاول التلميذ العاقل الاجتماع بشيخه حيث كان يلقاه في المسجد، فلم
يجده وبعد السؤال علم أنه مريض في إحدى الخيام، فذهب لعيادته فألفاه مثقلاً بالدثر
الغليظة، وهو يرتعد من الحمى مع لفح الهجير واتقاد السعير حيث كان ذلك في
المولد الكبير (في أغسطس) ، وأخبره أنه منذ فارقه بعد الصلاة جاء ذلك المكان
فعاجلته الحمى فيه، فقال له التلميذ: وها أنا ذا صحيح مُعافًى، فمن الذي عوقب
على الاعتراض والإنكار؟ ثم نقله من خيمته واعتنى بخدمته.
فيا معاشر الناس إن كنتم تعتقدون أن الأمراض والمصائب تأتي من ارتكاب
الخطايا واقتراف المعاصي، فالمعاصي والخطايا هي ما ترونه وتأتونه في مسجد
السيد، وإن كنتم تعتقدون أن الله تعالى يعاقبكم في الدنيا والآخرة على إنكار المنكر
والأمر بالمعروف والعمل به، إذا حصل ذلك في جوار السيد فقد نبذتم دين الله تعالى
وراء ظهوركم، كما أنكم تنكبتم طريق العقل، وأساطيركم التي تسمونها كرامات
وتعدونها من الآيات البينات أيضًا ليس فيها على ما تدعون برهان مبين، ولا تقوى
على سلطان العقل والدين المبين، لا سيما وهي معارضة بحكايات أصح منها رواية
وأقوى دراية عن الذين أنكروا هذه المنكرات وأثّموا فاعلي هذه السيئات، ولم
يصابوا على ما عملوا بسوء، ولا صب عليهم العذاب، ومنهم من كشف عنه السوء
واكتنفته النعمة، بل منهم من ابتلي إثر التهاون بحقوق الشريعة الشريفة وترك
الإنكار على من أخل بها بالمرض، كما سمعت في الحكاية الواقعة التي قصصتها
آنفًا فاعتبروا يا أولي الأبصار.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
(*) نُشرت في فاتحة العدد السادس الذي صدر في ٢٨ ذي القعدة سنة ١٣١٥ - ٩ أبريل سنة١٨٩٩.стр. 26
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) اضطهاد المشركين لهم وإخراجهم من ديارهم (مكة) بغير حق إلا
أنهم يعبدون الله تعالى دون الأصنام.(٢) وكون المدافعة تحفظ الأديان السماوية، وتمنع من هدم البيع (معابد
النصارى) ، والصلوات (معابد اليهود) ، والمساجد (معابد المسلمين) .(٣) وقيام المسلمين إذا مكنوا في الأرض بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتعليم
الناس عمل المعروف وترك المنكر. وليس في ذلك العدد وراء ما ذكرنا إلا
أخبار مجملة عن الهند وكوبا واليهود في فرنسا والسودان وبعض أخبار تلغرافية
نشرتها جرائد الآستانة العلية وجرائد سورية فضلاً عن جرائد مصر التي لم تمنع
من بلاد الدولة العلية. فليس بعد هذا إلا احتمال أن يكون الأمر صادرًا بجمع جريدة
غير جريدة المنار، وذكر اسم المنار غلطًا، أو أن بعض السعاة المَحَّالين أراد أن
يبيض وجهه بسواد الكذب فكتب للحكومة السنية أن في العدد الثاني من المنار ما لا
ينبغي نشره، وهو في هذا إما متوقع جائزة على عمل ضار في صورة نافع، وإما
عدو للدولة والأمة، يريد أن يعرقل عمل من يخدمها بصدق ومشرب صحيح يرجى
نفعه، وكان بعض العقلاء في بلاد الشام فطن إلى أن مثل هذا العمل الشريف لابد أن
يعرض له عثرات، وتقام في طريقه عقبات، فقد جاءنا في البريد الأخير كتاب من
بعض فضلاء الأمراء في تلك البلاد يقول فيه ما نصه بالحرف:
(اطلعت على العدد الأول والثاني من جريدتكم الغراء فوجدتها وايم الله من
أحسن الجرائد لهجة، وأنبلها مقصدًا، وأسماها غاية وأصدقها حديثًا، وأفصحها
لسانًا، وأكثرها بيانًا، وظهر لي أن وراءها رأيًا صائبًا، وفكرًا ثاقبًا، وعلمًا واسعًا،
وحكمة بالغة، ونظرًا دقيقا، وقد راق في عيني إفصاحها عن مواضع الداء،
ومواطن الخلل بما ليس معه زيادة لمستزيد، أو انتقاد لمنتقد أو استفهام لمُسْتَفْهِم،
مما جعلنا نوطد الآمال على انتفاع الأمة بها انتفاعًا عظيمًا، واهتدائها بهديها نهجًا
قويمًا وصراطاً مستقيمًا، سائلين المولى لكم التوفيق والثبات في هذا الطريق وأن
يقيها شر الحاسد وكيد المفسدين الذين يرمونها بالترهات ويقيمون في سبيلها
العقبات) . اهـ.
وعندنا من قبيل هذه الشهادة في المنار شهادات كثيرة. فإذا كانت الخطة التي
ذكرناها وذكرنا نموذج شهادة العقلاء والفضلاء لها خطة ضرر وعداء، فما هي
الخطة النافعة التي يجب انتهاجها في خدمة الدولة والأمة؟ ليفدنا عنها الطاعنون،
ونحن لهم شاكرون، وإلا فليمعنوا في التبصر والانتقاد قبل رفعه إلى أولياء الأمور،
لئلا يقعوا في إيذاء الأبرياء، والإساءة إلى المحسنين. ونحن نقول: لا بأس
بالمراقبة على الجرائد التي تشوش الأفكار، وتنشر ما لا يليق بحالة الأمة نشره،
لكن نرجو من أولياء الأمور أن ينيطوا بهذا الأمر جماعة من أهل الفضل والصدق
والاستقامة، ليعطوا كل شيء حقه وبالله التوفيق.
_________
(*) هذا ما كنا نعتقد؛ إذ كنا قريبي العهد بتلك البلاد التي لا يقرأ فيها أحد في الجرائد ولا يسمع من الناس عن السلطان غير هذا.стр. 27
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) الشرقين الأدنى والأقصى
إن زل بالجمل منسم، فهوى إلى الأرض صار نهوضه متعسرًا لضعف
قوائمه، وقد ينكسر له في سقوطه عضو، فلا يبقى لدائه دواء غير سكين الجزار،
وهذا الذي جرى للصين من حين أن زلت بها قدمها في حربها مع اليابان. وقد
سقطت قبلها بروسيا تحت ضربات نابليون وفرنسا تحت سيوف الألمان، إلا أنهما
نهضتا نهوض الجياد من عثراتها، لما في جسم الأمتين من الحياة الأدبية، أما
الصين فهيهات أن يتسنى لها النهوض لخلوها من تلك الحياة.
ما عمرت الصين هذا العمر الطويل إلا بانغلاق أبوابها دون أوروبا، واجتنابها
مخالطة الأوربيين، حتى قد كان في شرائعها أن الصيني الذي يخرج منها لا يعود
إليها، على أن هذا الانغلاق الذي كان سبب حياتها فيما مضى يكاد يكون سبب موتها
في هذا الزمان، فإن السبب الكلي في هجوم أوروبا عليها هو فتحها للتجارة
والصناعة الأوروبية. فلو أن الصين انفتحت من تلقاء نفسها، واقتبست فضائل
التمدن الحديث، نابذة رذائله، وسارت سيرة الدول المتمدنة في طريق العمران،
لكفت نفسها شر الوقوع في أيدي الأمم الأوروبية، ولكانت بما فيها من مئات
الملايين من السكان مرهوبة الجانب عزيزة المكان.
ويجدر بسائر الأمم الشرقية أن ترى العبرة في غيرها فتعتبر. فإن الغرب
زاحف بقوة وشدة على الشرق، فإن لم يجاره الشرق ويقابله بعزم وطيد، وبأس
شديد، صار لقمة في فيه، وباتت خيراته مطمعًا لبنيه.
وأول أمة شرقية أدركت هذه الحكمة الدولة العلية والأمة اليابانية. أما اليابان
فمذ بان لها خطر الوقوع في يد الغرب تهافتت على اقتباس تمدنه لمدافعته بسلاحه
فما مضى عليها زهاء ٥٠ أو ٦٠ عامًا حتى اقتعدت في المجد مقعدًا قصيًّا وأصابت
وسادًا مثنيًا. وأصبحت وهي لا تخشى للغربيين بأساً ولا ترهب لهم بطشًا.
وأما الدولة العلية - أيدها الله -، فقد أخذت تنحو هذا النحو، واندفعت إلى
اقتباس فضائل التمدن العصري، رغبة في الوصول إلى وسائل القوة والسعادة،
فأنشأت دور الفنون والعلوم والمكاتب في كل جهات المملكة، والمستشفيات،
وملاجئ العجزة، وانصرفت إلى الاهتمام بالزراعة والصناعة، ولا تزال تسعى في
تلك الحلبة سعيًا حميدًا.
وقد تجرأ بعض الكتاب على تشبيه الشرق الأقصى بالشرق الأدنى وهو تشبيه
يدفعه عقلاء الغربيين أنفسهم ووجه الشبه عندهم أن في الشرقين خللاً واحدًا والدول
راغبات في التهامهما رغبة واحدة.
نقول: أما رغبة الدول فمما لا يجب البحث فيها، وهن قد يرغبن في تناول
النجم إذا استطعن إليه سبيلاً، وأما الوجه الثاني: فمما يقتضي دقة النظر وإمعان
الفكر.
الصين أمة قديمة مغلقة، لا يعلم عنها ما هو كاف للحكم عليها، فقد يكون في
باطن تلك الولايات الشاسعة المغلقة قوة وبأس وحياة، وقد يكون فيها عفن وظلمة
وانحطاط شنيع، غير أنه قياسًا على بلدانها المفتوحة، لا نظن بلدانها المغلقة أصلح
حالاً وأنعم بالاً، وبيانًا لحال البلدان المفتوحة حسبنا أن نقول: إن ألمانيا احتلت
كياوتشو بلا حرب ولا نزاع، ولما نزلت الجنود الألمانية إلى المدينة أخلتها الجنود
الصينية على الفور، خارجة منها بخوف وهلع، خروج الغنم من صيرها، فأين
هؤلاء من أبطال ملونا ودوموكو. أين تلك الشعوب الجاهلة البليدة من هذه الأمم
المتعددة الصاعدة في مراقي التمدن في الشرق الأدنى تحت أكناف الدولة العثمانية.
زر بيروت وأزمير والآستانة، ألا ترى نفسك في بلاد متمدنة. إن أمم الشرق
الأدنى خارجة من ظلمة الماضي خروج الزهور من أكمامها وما يشبهها بالشرق
الأقصى إلا كل من يريد أن يتمحل عذراً لأطماعه فيها.
والخلاصة: أن الشرق الأقصى لا يشبه الشرق الأدنى، كما ذهب إليه بعض
كتاب الغرب ونقله عنهم بعض كتابنا. ونحسب إهانة للأمة التركية والمصرية
والسورية والعربية تشبيههم بالأمة الصينية. وكفى فارقًا بين الأدنى والأقصى كون
الأول مستيقظًا عاملاً على اقتباس التمدن الحديث، مجاراة لمقتضيات العصر وعنده
من القوة ما يقاوم به أخصامه، والثاني نائمًا ببلادة وكسل فوق فوهة الهاوية.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... (ف)
_________стр. 28
٢٨ ذو القعدة - ١٣١٥ه ـ
٩ إبريل - ١٨٩٨م
стр. 29
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(٢) ترك صلاة الجماعة الراتبة التي يحضرها أهلها المواظبون عليها في
ذلك المسجد، نعم، إن تلك الجمعيات يتخللها بعض صلوات تقام بين عزف
العازفين وصراخ الصارخين ومدافعة المارين، إلى غير ذلك مما يخرجها عن
صورتها الشرعية الكاملة.(٣) التشويش على المصلين بدق الطبول والدفوف، والنفخ بالشبابات
والمزامير، وصراخ المستصرخين بالسيد (قدس سره العزيز) ، وصياح المنادين
له، وجلبة الذاكرين، وضوضاء الوفود والجموع الذين يموج بعضهم في بعض
ومرور الجم الغفير بين يدي المصلي، حتى لا يدري ماذا يعمل.(٤) الصلاة إلى قبر السيد (رضي الله تعالى عنه) الذي يلجئ إليه
الازدحام مع الجهل، نعم إن هذه البدعة السيئة لا تختص بأيام الموالد، ولكنها تزيد
فيها، وإزالتها من أهم مهمات الدين، فقد فارق رسول الله ﷺ
الدنيا، وهو يحذر منها، ويبين أن الله تعالى لعن الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد
من الأمم السالفة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة.(٥) الطواف بقبر السيد (رحمه الله تعالى) كما يطاف بالكعبة سواء
بسواء. وتمثيل هيئة أي عبادة مشروعة منهي عنه كما هو معروف في الفقه،
والزيارة لا تتوقف على هذا الطواف.(٦) تقبيل أعتاب المقصورة التي فيها قبر السيد (سقى الله لحده) ، ولمس
قفصه والتمسح به وتقبيله " وكل ذلك بدع منكرة إنما يفعلها الجهال "، كما قال
السبكي وغيره من الأعلام.(٧) طلب الحوائج والمصالح من السيد (تغمده الله تعالى برحمته) ينادونه
بصريح القول: يا سيد اشفِ مريضي، يا أبا فراج فرج كربتي، يا شيخ العرب
تصرف بعدوي، إلى غير ذلك من المهمات التي تعرض للناس، ومنها ما لا ينبغي
ذكره، ومن عجيب أمر هؤلاء الجهلاء أنهم يستنهضون همة السيد ويتقربون إليه
لقضاء مصالحهم بالدراهم، فقد وضع بجانب القبر صندوق كبير مخروق سطحه
خرقًا مستطيلاً بحيث يلقى منه كل نوع من النقود المتداولة، وبنذور أخرى تحار
العقول في فهمها وفي سفاهة من ينذرها ويتقرب بها. منها: أن المرأة تنذر أن
تلبس لبوس الرجال وتركب فرسًا وتطوف بالأسواق والشوارع الغاصة بالناس في
يوم المولد، وكذلك يفعلن. ترى كثيرات متسرولات بالسراويل الرسمي (البنطلون) ،
ومرتديات بالكساء المعروف (بالبالكو) ، ومتلفعات فوق (الطربوش) بمنديل
من النوع الذي يسمى (الشال) ، وراكبات على الخيول بين الجموع والوفود،
ومنهن من تنذر الوقوف مع الذاكرين في الحلقات، وغير ذلك مما يُستحيا من ذكره.
ومن سفهاء المعتقدين من يتغوث ويستنصر بالسيد مدلاًّ عليه بألفاظ البذاء والهجر
والتهديد والوعيد، لاسيما إذا طلب منه حاجته بلطف ورفق، ولم تقض عن قريب.
ولا سبيل إلى حصر وسائلهم الجهلية ومقاصدهم الجاهلية، كما لا سبيل إلى تعميم
الحكم على نذورهم المالية بالفساد. لعدم إمكان استقراء جميع الأفراد. ولكن كلامنا
في المنكرات الظاهرة للعيان. التي لا ينكرها ولا العميان.(٨) تقذير المسجد وتنجيسه، لا سيما من الأطفال الصغار الذين يكون
المسجد ملعبهم ومبيتهم، وقد نص بعض الفقهاء على أن تنجيس المسجد ردة ومروق
من الدين، ولعله محمول على ما إذا قصد به الإهانة، ومهما كان من أمر الحكم
بالكفر والمروق. فلا خلاف في العصيان والفسوق، يشترك فيه أولياء الولدان
وأولياء الشيطان الذين يغشون مجالسهم في العشي والإبكار، ويستبدلون الإقرار
بالإنكار.(٩) تمكين الأحداث والمعتوهين من تبوء المسجد والتمكن منه، وقد جاء
في الحديث الصحيح: (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم) .(١٠) اختلاط النساء بالرجال في كل نوع من أنواع الاجتماع، حتى في
النوم وما يسمونه: (الذكر) . تبصر النساء في الليل مضطجعات على جنوبهن،
ومستلقيات على ظهورهن يتخللهن كثير من الرجال (اللهم إنهن مستترات) ،
وتتخطاهن جموع الوفود الذين يردون المسجد ذهابًا وإيابًا. وتراهن في الذكر
قائمات قاعدات. وإن شئت قلت: متثنيات أو راقصات. ومنهن من يأخذها
اضطراب وارتجاف وانتفاض وقشعريرة، كما يحدث للمحموم والمصروع.
رأيت (شيخة) منهن تضطرب جميع أعضائها وتتخبط تخبط من أخذته
نوبة عصبية، وقد أمسك بها ثلاث كيلا تقع على الأرض، وأحدق بها الناس
والممسكات بها مزدهيات معجبات، قريرات العين بإقبال الناس على هذه الأسرار
والكرامات، وربما كانت المرأة مصابة بالهستيريا وجاءتها النوبة في المسجد،
وربما كان كل ذلك تعملاًّ وتصنعًا. (وأما كرامة الله لأوليائه فهي أجلّ من هذا
الهزء والجنون الذي لا ينخدع به إلا الجاهلون) .(١١) العزف والتطريب في الذكر بضرب الدفوف والطبول، والنفخ في
الشبابات والمزامير، وقرع الصنوج وغيرها، إلى ما يلتحق بذلك من الأغاني
الغرامية.(١٢) إحياء ما أماته دين الإسلام من المكاء والتصدية الذي كان في عهد
الجاهلية قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ
بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (الأنفال: ٣٥) ، تراهم يصفقون في الذكر وينفخون
ويصفرون.(١٣) العرافة والتكهن (الإخبار عن شؤون الإنسان الخفية الماضية
والمستقبلة) ، يتصدى لذلك أفراد من الشيوخ والشيخات فيلقون بكلامهم الفتن بين
الناس والعداواة والبغضاء بين الأقارب والأصدقاء، لما يأتون به من العبارات
المجملة والكلمات المبهمة، التي تذهب النفس بتأويلها كل مذهب، ويسهل على
معتقدها حملها على شؤونه وأحواله في كل زمان ومكان. ذلك أنهم يقولون للمستنبئ:
إن لك عدوا من أهلك طويل القامة، وفي بدنه علامة، يهيئ لك المهالك، ويوعر
أمامك المسالك، إن الذي سرق متاعك رجل أسمر اللون، واسع العينين، نحيل
القوام، قليل الكلام، سوف تقبل عليك السعادة، ويصدها عنك جماعة يظهرون
ودك، ولا يحفظون عهدك، تصدقهم وهم كاذبون، وتأمنهم وهم خائنون. وأمثال
هذه الجمل التي تثير رواكد الأوهام وتبعث على سوء الظن بالأبرياء، وتوقظ عين
الفتنة بين الأهلين والجيران وتمثل الأصدقاء الأبرار، بصور الأعداء الأشرار، ولا
تسل عن عاقبة الجاهلين.(١٤) الدجل والتمويه بادعاء الولاية الذي قال فيه بعض العارفين: إنه
يورث سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى، ويتبع هذا المنكر منكرات منها:(١٥) التعويذ والتنجيس (تعليق خرق أو عظام نجسة للوقاية من الجن)
يخدع الناس هؤلاء المعوذون المنجسون بتمائم وتعاويذ وتناجيس يوهمونهم أنها
تجعل العاقر ولودًا، والعقيم منتجاً، وتقي من الجن والشياطين، وتحفظ من كيد
العادين والظالمين، وتمنع الحرث والنسل من الجوائح السماوية، والهوام الأرضية.
وتجذب قلب المعشوق إلى العاشق، وتنفر به عن صحبة العذول المماذق، وتشفي
من الأمراض المزمنة، والأدواء المستحكمة إلخ إلخ، ومنها.(١٦) تشويه الخلقة ولباس الشهرة، وقد ألممنا بشرحه في مقالة العدد
السابق ومنها.(١٧) أكل أموال الناس بالباطل، فإنهم إنما يأكلون بدينهم، وقد فصل
الإمام الغزالي القول في حظر هذا الأمر أحسن تفصيل.(١٨) مَسَن الرجال، وفُتوك النساء (أي مجونهما) ، وما هو إلا مداعبة
وملاعبة. وهجر وبذاء يتحاماه المتدين ويأباه كل مهذب، وقد أشرنا إلى شيء من
ذلك في العدد السابق.(١٩) البيع في المسجد: يباع فيه الأكل واللبوس من نسيج وأكسية والكتب
والسبح والأمشاط والأعطار وأنواع من الأدوية وغير ذلك. ويرون أن ما يشترى
من المسجد له فضيلة وبركة. وبعض العلماء لا يحرم البيع في المسجد إذا وقع
عرضًا ونادرًا، ولم يشغل المصلين ولم يضيق المسجد ولم يكن فيه امتهان له بجعله
كالحانوت. وأظن أنه لا يبيحه أحد بالصورة التي تحصل الآن في الجامع الأحمدي.(٢٠) الإنفاق من مال الوقف على إضاءة المسجد الليل كله لأجل هذه
الأعمال الممزوج حلالها بحرامها، والغالب قبحها على حسنها. وربما كانت هذه
النفقات من النذور أو بعضها من الوقف وبعضها من النذر، ومهما كانت هذه
الأعمال محظورة وواجبة المنع فالوقوف والنذر عليها غير صحيحين.
هذا ما تذكرناه الآن مما علق بذهننا من منكرات الموالد وهو أشدها نكرًا،
ومن هذه المنكرات: ما يحصل في غير أيام الموالد، لكنه يزيد فيها. ونحن إنما
ننكر الأفعال المخالفة لهدي الدين، لا الموالد نفسها؛ لأن المولد عبارة عن اجتماع
الناس من أرجاء القطر وأنحائه في بقعة واحدة لأعمال مخصوصة. والاجتماع له
فوائد مادية وأدبية لا تنكر، بل ليست المدنية إلا الاجتماع للتعارف والتآلف والتعاون
على الأعمال النافعة للأمة. وبحثنا في المنكرات بمناسبة الموالد إنما هو لكثرتها
فيها. ونمسك الآن عن الخوض في فوائد هذه المجتمعات التجارية والأدبية، حتى
نقف عليها بالاختبار في المولد الكبير، إن أمهلنا الزمان، ونطلب الآن من علماء
الشريعة وأنصار الدين أن يوجهوا أنظارهم الشريفة لإبطال هذه البدع والمنكرات،
وينتصروا للدين الذي ائتمنوا عليه، فإنهم هم المسؤلون عن ذلك عند الله تعالى،
ولا يغني عنهم التأفف في بيوتهم، والحوقلة والاسترجاع في زوايا خلواتهم،
والتبرؤ من الحول والقوة إذا طلب منهم السعي والعمل فإن لهم بالله قوة على تلافي
ذلك كله، فقد أعطاهم سلطة روحية على شعب عظيم، هو أشد الشعوب خضوعًا
وانقيادًا إلى رؤسائه، وبذلك كان أعظم الشعوب قابلية للتربية والتهذيب.
إن سكوت العلماء في مصر على هذه الطامات الكبر، مع بروزها بالصبغة
الدينية لمما يوقع في الدهشة والعجب. يقرون في دروسهم أنه يكره المواظبة على
بعض السنن والمستحبات لئلا تتوهم العامة أنها واجبة، (ولو اعتقدوها واجبة ما
زادتهم إلا إيمانًا) ، ولا يبالون باعتقاد العامة أن تلك البدع والمنكرات من الدين،
مع أن في استحلال بعضها ردة ومروقًا منه. إذا هان على بعض المتسمين بسمة
العلماء الذين لم يرسخ علم الدين في قلوبهم، ولم يملك القرآن أعنَّة نفوسهم أن
يتهاون في شؤون هذه المنكرات بحيث يغشى مجالسها ويهنئ المقترفين لها (وهم
الذين نددنا بهم في المقالة السابقة) ، فلا نرتاب في أن الراسخين في العلم يتململون
من اجتراح الأمة لهذه السيئات، كما يتململ السليم، ويودون أن تقلع عنها. لكنهم
يظنون أن هذه العادات رسخت بكرور السنين، فلا ينجع في الآتين بها وعظ واعظ،
ولا تنبيه منبه. وهذا هو السبب في سكوتهم وسكونهم، لا الرضا والتسليم، أو
الخوف من تصرف السيد (قدس الله روحه) فيهم إذا انتصروا للدين، وتواصوا
بالحق، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر. بخلاف الذين يشاركون العامة في
أوهامها، ويشايعونها على أفعالها، وهم الذين أطلقنا القول في العدد الماضي
بالانتقاد عليهم.
والذي نستلفت [١] إليه أنظار هذا الفريق من العلماء الذين وصفهم الله تعالى
بخشيته أن يسلكوا في إبطال هذه البدع والمنكرات طريقين اثنين؛ أحدهما: قريب،
والآخر: بعيد، ولابد منهما كليهما. فأما الطريق القريب: فهو أن تؤلف لجنة
برئاسة الأستاذ الأكبر مفتي الإسلام وشيخ الجامع الأزهر ويدعى إليها الأستاذ الكبير
شيخ الجامع الأحمدي، وتقر على ما يظهر لها بعد المذاكرة أنه أقرب الوسائل لمنع
كل ما يخالف الشرع، ويخل بالآداب الإسلامية في المسجد الأحمدي، ولو أدى ذلك
إلى إقفاله في أيام المولد، إلا في وقت الصلاة مع مراعاة الحكم الشرعي في ذلك،
وعندنا أن أنجح الذرائع لإبطال ما ذكر أن ينشر قبل المولد بأيام (إعلان) في
الجرائد يصرح فيه بمنع الناس من كل ما اعتادوا فعله في المسجد إلا الصلاة، وأن
شيخ الجامع يقيم على أبوابه خفراء يمنعون النساء والأطفال والباعة والمشعوذين
وأصحاب المعارف من الدخول إليه ومن كل عمل غير مشروع فيه. يفصلون ذلك
في الإعلان بحيث يفي بالغرض، ثم ينفذون ذلك فعلاً في أيام المولد. ولا شك أن
شيخ الجامع إذا طلب من الحكومة نفرًا من الأعوان والشرط لأجل هذا العمل
الشريف، فإن الحكومة تجيب طلبه، لاسيما إذا كان يطلب عن قرار لجنة العلماء،
أو كان الطلب من اللجنة نفسها. وأما طلب إبطال الموالد بالكلية، فربما لا تجيب
الحكومة طلب الشيخ أو العلماء فيه؛ لأنه ليس من الأمور الدينية المنوطة بهم
بخلاف ما يحصل في المسجد.
وأما الطريق البعيد: فهو طريق الوعظ والتعليم، وهو الإصلاح الحقيقي الذي
يجب الاجتهاد به من كل من له غيرة على الأمة والدين، وهذا الطريق يتشعب منه
ثلاثة شعاب وهي:(١) الخطابة.(٢) تدريس علم الأخلاق والآداب الدينية الصحيحة.(٣) التصوف أو الإرشاد المنوط بأهل الطريق. وكل شعب من هذه
الشعاب ركن عظيم لسعادة الأمة في الدين والدنيا. وقد أهمل الاعتناء بها في كل
البلاد الإسلامية فآل الامر بالمسلمين إلى ما نرى. وسنتكلم عليها في العدد الآتي
كلامًا موجزًا يتعلق بحالة الموالد. وندع الخوض فيها من سائر الوجوه للفرص
المناسبة وبالله التوفيق.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
(*) نُشرت في فاتحة العدد السادس الذي صدر في ٢٨ ذي القعدة سنة ١٣١٥ من ٩ أبريل سنة ١٨٩٩.(١) لم تُسمع هذه الصيغة وورد لفته عن رأيه (كضرب) صرفه.стр. 30
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) كان من مقتضى ناموس الارتقاء أن تبلغ اللغة العربية الشأو الأعلى من التقدم
بعد ظهور الإسلام، لكن هذه اللغة لم تخط مع تقدم الإسلام إلا بعض خطوات، حتى
اعتورتها العثرات، وانتابتها الصدمات، ولولا أن الله تعالى قيَّض لها قومًا من
الأخيار تداركوا الخرق قبل اتساعه لمحيت رسومها، وطمست حدودها، ولم يبق
منها إلا ما بقي من بعض لغات الأمم البائدة - كالكلدانيين والآشوريين -، ولكن
علماء المسلمين مع عنايتهم الكبرى في علوم اللغة، واشتغالهم بها عن علوم كثيرة
كانوا في حاجة إلى التوسع فيها لم يتنبهوا في أكثر عصورهم للطريقة المثلى في
التعليم التي تحفظ ملكتها في الألسنة، وتجري في ميدانها فرسان الأقلام، فخرجوا
بالعلوم العربية عن الغرض منها، وسلكوا في قواعدها ومسائلها مسلك العلوم
النظرية من: التعليل والتدقيق، حتى صار تحصيل ملكة هذه العلوم غير تحصيل
ملكة اللغة في القول والكتابة، ثم اعتاصت الكتب المؤلفة فيها على الأفهام؛ لدقتها
التي أشرنا إليها، والإيجاز المخل في متونها، والخلط في شروحها وحواشيها بين
الفنون وكثرة الآراء التي ليست من الفن في شيء. فآل الأمر إلى قلة الطالبين لها،
ثم إلى قلة من يحصل ملكة الفن من هؤلاء الطالبين، بل صار قصارى ما يصل إليه
الطالب أن يحصل ملكة الفهم في كتبها، وعند ذلك يسمونه عالمًا أو علاَّمة في
العربية (صاحب كرّاس) ، وإذا اتفق لأحد تحصيل ملكة الفن فإن ذلك لا يفيده في
تقويم لسانه بالكلام العربي الفصيح، ولا يقتدر معه على الكتابة العربية البليغة؛ لأن
ملكة هذه الفنون لابد في الحصول عليها من سلوك طريق آخر كما ألمعنا. ولقد تنبه
جماعة من عقلاء هذا العصر وفضلائه إلى إحياء اللغة التي يئس الجماهير من
إحيائها، وذلك بإصلاح كتب الفنون وطريقة التعليم (اللتين صارتا عقبة في طريق
العربية) ، وبالتنبيه على الطريقة التي تطبع ملكة اللغة في النفوس بحيث تقتدر
على الإتيان بالكلام العربي الصحيح من غير روية ولا تكلف. لكن الدهماء من
أبناء أهل هذا اللسان لم يلتفتوا إلى هذا الإصلاح، بل منهم من يستنكره ذهابًا مع
العادة أو ترفعًا واستنكافًا من الاستفادة. والساعون في إماتة هذه اللغة الشريفة
مجدون في سيرهم، ثابتون في جهادهم، يقيمون العقبات، ويوالون الصدمات،
والصدمة الجديدة التي أشرنا إليها في عنوان هذه المقالة هي: إحياء اللغة العامية
المصرية، بجعلها لغة كتابة، لكن أتدري بماذا تكتب؟ تكتب بحروف إفرنجية
اخترعت لها، والهمة مبذولة في نشر ذلك وتعليمه للمصريين.
لهفي على اللغة العربية المقدسة. ألم يكفها تحقيرًا وامتهانًا أن المصريين
ينشؤون الجرائد باللغة العامية؟ كان في الأمل أن كثرة الجرائد باللغة الصحيحة
تكون من أنجح وسائل إحيائها، فقامت جريدة (الحمارة) و (اللجام) و (الغزالة)
و (الشيطان) تعارض الإسلام، والمقتطف والهلال والمؤيد والأهرام والمنار، بل
سقطت مجلة البيان الفصيحة، ونهضت الحمارة باللجام (واخجلتاه) ، ألم يكفها هذا
حتى قام جماعة يسعون لتعميم تعليم اللغة العامية بحروف إفرنجية يقربون بها
المصريين إلى تناول لغاتهم من حيث يبتعدون عن لغة علومهم ودينهم التي فيها
عزهم وشرفهم.
ومما يضحك الثكلى ويبكي المسْتَيْئِس الذي جاءته البشرى: قول صاحب
الكراسة في بيان فوائد هذه الحروف: (والذين يرتئون استعمال هذه الحروف
الجديدة لكتابة اللغة المصرية العامة التي يتكلمها سكان مصر على اختلاف طبقاتهم
يحسبون أن نتيجة ذلك ستكون خيرًا عظيمًا على القطر المصري) . وقوله بعد
بيانها: ونتيجة ذلك كله جعل الأمة المصرية أمة متعلمة عزيزة الجانب متحدة الكلمة.
فليت شعري ما هي العلوم والآداب المودعة في هذه اللغة العامة التي ينتج حفظها
في الكتابة الإفرنجية هذه العزة والمنعة، ويمنحها هذا الاتحاد في الكلمة، ومع من
يكون هذا الاتحاد، هل هو مع سائر إخوان المصريين في اللغة من الحجازين
والسوريين والمغاربة والعراقيين أم مع غيرهم؟ ؟
مَن أعطى هذه الخلابة بعض حقها من النظر تجلى له أن أهل هذا الاختلاب
يعتقدون فينا الجنون والاختبال، وأننا فقدنا الإدراك والشعور بوجوه المنافع
والمضار، فلا نفرق بين الخير والشر، ولا نميز بين الإصلاح والإفساد؛ فإن
الغوائل التي أبرزها صاحب الكراسة في صورة الفوائد لا يمكن أن ينخدع بها عاقل
مهما كانت مموهة الظاهر، وهي أربع، أشير إليها هنا إجمالاً، ثم أفصل الكلام في
المناقشة عليها تفصيلاً في العدد التالي إن شاء الله تعالى، وهي:(١) تسهيل التجارة.(٢) تعميم التعليم.(٣) حفظ اللغة العربية (العامية) ، ولم يخجل مؤلف الكراسة عند ذكر
هذه الفائدة من بيان أن اللغة العربية الصحيحة آخذة في الاضمحلال بتعلم اللغة
الإنكليزية واللغة الفرنساوية، وأنه ينبغي الاعتياض عنها بلغة العامة.(٤) قلة نفقات الطبع وتوحيد اللسان بين الوطنيين والأجانب، وأن ذلك مما
يقوي الوطنية (انتهت الفوائد) .
وأنت ترى أنه ألحق بالفائدة الرابعة فائدة أخرى أهم منها، ولعله إنما عدهما
فائدة واحدة، وجعل توحيد اللسان وقوة الوطنية تابعًا لقلة نفقات الطبع مع عدم
المناسبة بينهما؛ لشدة ظهور الخلابة والخديعة في دعواه " قوة الوطنية بتوحيد
اللسان العامي بين الأوربي والمصري ". وأي شيء يكون أوضح من بطلان دعوى
من يدَّعي أن الشمس مظلمة، والطاعون الجارف نعمة، والعسل قوي المرارة،
والحنظل شديد الحلاوة.
وهَبْني قلت هذا الصبح ليل ... أيعمى العالمون عن الضياء
وإذا صح هذا التعليل فإننا نشكر لحضرة المخترع اعتقاده أنه ربما يوجد عند
البعض منا قليل من الفهم والتمييز يفطن به لخلابته هذه فأوردها في عرض القول
وأخريات الكلام.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________стр. 31
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) أن المضطهدين في جميع ممالك الأرض يرغبون الجلاء إلى بلاد
الدولة العلية ليكونوا في مأمن من الظلم والاضطهاد في ظل الحضرة السلطانية
الظليل. وما ذلك إلا لاعتقادهم أنه ليس في بلاد الدولة من الغلو في التعصب وإيذاء
المخالف ما في سائر الممالك التي يرغبون الجلاء عنها، كروسيا وبلغاريا، والتي
لا يودون الجلاء إليها كبقية ممالك أوروبا، ولا التفات لقول القائل: تحت حماية
أوروبا؛ لأننا نرى جميع اليهود في بلاد الدولة العلية سواء لا يرون فيها ثورة ولا
شغبًا، ولا يمنعون حرفة ولا كسبًا، ودانية عليهم ظلالها، ومساوية بينهم أحكامها،
نعم إن المرجح لاختيار اليهود فلسطين كونها بلادًا مقدسة وموضع آمال منتظرة.
ولكن الأمن والراحة شرط للاختيار.(٢) توجيه الأنظار وتحويل الأفكار إلى ما فيها من مطارحات الجرائد
ومداولات الساسة في أوروبا بشأن تعمير فقراء اليهود لبلاد فلسطين، وبث المعارف،
وتوسيع التجارة والصناعة في ربوعها، لعل أهل بلادنا تجيش في نفوسهم مراجل
الغيرة، فتندفع إلى طلب ما تتوقف عليه سعادة أوطانهم من علم وعمل، ولا شك
أنهم لا يعدمون عند الطلب رشادًا.(٣) إيقاظ قوم قد رُزئوا بالخمول، وكاد يعمهم الذهول، واستلفاتهم إلى
الروابط المحكمة بين اليهود مع تفرقهم في الممالك وتشتتهم في الأقطار، وكيف
يمدون سواعدهم لمساعدة إخوانهم، ومعاضدة قومهم من وراء البحار وشعوف
الجبال. ولم يصدهم تنائي الديار، عن المواصلة في الأفكار، والتعاون بالدرهم
والدينار، الذي يحقق به كل أمل، ويناط به كل عمل.
فيا أيها القانعون بالخمول أقنعوا رءوسكم (ارفعوها) ، وحدقوا أبصاركم
وانظروا ماذا تفعل الشعوب والأمم. أصيخوا لما تتحدث به العوالم عنكم، أترضون
أن يسجل في جرائد جميع الدول أن فقراء أضعف الشعوب الذين تلفظهم جميع
الحكومات من بلادها هم من العلم والمعرفة بأساليب العمران وطرقه بحيث يقدرون
على امتلاك بلادكم واستعمارها، وجعل أربابها أجراء وأغنيائها فقراء ... تفكروا
في هذه المسألة واجعلوها موضوع محاورتكم، لتتبينوا هل هي حقة أم باطلة،
صادقة أم كاذبة، ثم إذا تبين لكم أنكم مقصرون في حقوق أوطانكم وخدمة أمتكم
وملتكم، فانظروا وتأملوا وتفكروا وتذاكروا وتحاوروا وتناظروا في مثل هذا الأمر
فهو أخلق بالنظر من اختلاق المعايب، وانتحال المثالب، وإلصاقها بالبرآء،
وأَحْرَى بالمحاورة من التذقح والتجني على إخوانكم، فإن في الخير شغلاً عن الشر،
وفي الجد مندوحة عن الباطل ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَن يُنِيبُ﴾ (غافر: ١٣) .
_________стр. 32
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) رئيس الولايات المتحدة والحرب
يتشوف العالم الآن للوقوف على ما عساه يحدث بين الولايات المتحدة وأسبانيا والأنظار كلها شاخصة إلى مستر ماكنلي رئيس جمهورية الولايات المتحدة،
وكتاب السياسة يقولون: إن الحرب والسلم بين يديه، وربما يخطر في بال القارئ
أن حكومة تلك البلاد جمهورية، والحكم في البلاد الجمهورية للأمة، والرئيس ليس
إلا منفذًا لما يقرره نواب الأمة وشيوخها. ونحن ننقل من القانون الأميركي ما يتعلق
بسلطة الرئيس؛ ليعلم القراء أن ما يقوله الكتاب هو عين الصواب، فنقول: إن
شرائع جمهورية الولايات المتحدة تختلف عن شريعة الجمهورية الفرنساوية وغيرها
اختلافًا كثيرًا. ذلك أن السلطة في تلك الولايات موزعة على أصحابها توزيعًا لا يدع
للبعض حق المداخلة في شؤون البعض الآخر. وغني عن البيان أن السلطات في
هيئة كل حكومة ثلاث: (تشريعية - وتنفيذية - وقضائية) ، فكل واحدة من هذه
السلطات منفصلة في أميركا عن الآخرين انفصالاً تامًّا، ولا يد لها ألبتة في غير
شؤونها الذاتية. فرجال السلطة التشريعية يضعون القوانين، ورجال السلطة
التنفيذية ينفذونها، ورجال القضاء يراقبون سير السلطتين. فلا يجوز مثلاً للوزراء
المداخلة بالشؤون التشريعية، كتقديم مشروع قانون إلى مجلسي الأمة، أو البحث في
أمر من أمورهما، بل ليس لهم دخول ذينك المجلسين ألبتة. وكذلك لا يجوز لرئيس
الجمهورية أن يعرض مشروع قانون على المجالس أو المداخلة بشؤونها التشريعية،
فإنه مع الوزراء أصحاب السلطة التنفيذية ولا يد لهم في الأمور التشريعية.
وقد يظن البعض بناء على ما تقدم أن رئيس الجمهورية آلة بيد المجالس
النيابية، والحقيقة أن له من السلطة القانونية ما ليس لكثير غيره من رؤساء
الحكومات الجمهورية.
فهو إذا أراد وضع قانون لم يقدم به مشروعًا إلى المجالس من عند نفسه، بل
يوعز إلى أحد أنصاره السياسيين من أعضاء مجلس الأمة أو السنات فيقترح هذا
العضو على المجلس الاقتراح المطلوب، فيضعه المجلس موضع البحث والمناقشة،
وبذلك يتم ما أراده الرئيس.
فهو إذًا قادر على اقتراح وضع القوانين، إن لم يكن مباشرة فضمنًا، وهذا ما
جرى أمس في مشروع العشرة ملايين جنيه التي قررتها المجالس للدفاع عن الوطن،
فإن الرئيس أوعز إلى صديقه النائب مستر كنون أن يقترح ذلك على المجلس،
فتم ذلك على ما نقلته إلينا الرسائل البرقية.
أما وقد علمنا الآن أن للرئيس حيلة في وضع النظامات التي يرى
لزومها، بقي لنا أن نعلم مقدار ما للرئيس من السلطة وما يكون من أمره عند
خروج أحد المجلسين عن سواء السبيل بتقريره ما لا ينطبق على المصلحة العامة،
وسياسة الرئيس.
نقول: إن للرئيس - والحالة هذه - سلطة الاعتراض على المجلس فيما قرره
وإرجاع قراره إليه ليعيد النظر فيه مشفوعًا برسالة منه يظهر فيه وجه الخطأ ورأيه
في الوجهة التي يجب على المجلس قصدها، مراعاة للحق أو للصالح العام. وعلى
الرئيس حينئذ أن يطبع صورة ذلك القرار والرسالة التي بعث بها إلى المجلس
وينشرها في البلاد، لتطلع الأمة عليها، وتبدي رأيها فيها. وعند بحث المجلس في
هذا القرار المردود لا يكون تقرير رفضه أو قبوله إلا بأكثرية ثلثي الأعضاء، وبعد
قراءته ثلاث مرات في المجلس، فإن بقي المجلس مصرًّا على قراره كان للرئيس
إرسال ذلك القرار للمجلس الثاني بالصورة الأولى بعد نشره، ونشر آرائه فيه،
لتقف الأمة عليها وتكون الحكم فيها. وغني عن البيان أن المجلسين لا يستطيعان في
هذه الحال أن يحكما حكمًا لا يرضاه الرأي العام؛ لأن الشعب لهما بالمرصاد وهو
الحكم الأعلى في تلك البلاد المتمدنة.
ومن المعلوم أن إشهار الحرب مختص بالمجلسين لا برئيس الجمهورية. غير
أن للرئيس حق الاقتراح ضمنًا، وحق الاعتراض مباشرة كما ذكرنا، فإن أراد
المجلسان إعلان الحرب الآن كان له أن يقترح على أنصاره الأعضاء أن يقاوموا
مريدي الحرب أشد مقاومة. فإن غلبوا على رأيهم وتقرر إشهار الحرب، كان
للرئيس أن يرد ذلك القرار للمجلسين ليعيدا فيه النظر، ويقرره بأكثرية ثلثي
الأعضاء لا بأكثرية قليلة بعد أن ينشر سلامة آرائه في المسألة. ولا يعدم حينئذ من
عقلاء الأمة الأميركية من يرون رأيه الصحيح في إيثار السلم على الحرب، والتمدن
على البربرة، فيتكاتفون على الوقوف في وجه من يريدون إضرام نار الحرب
للتشفي والانتقام، أو للربح من وراء المضاربة والالتزام.
ففيما مر بك تفسير لما رواه روتر من عزم أسبانيا على استرجاع سفيرها من
الولايات المتحدة حين تصديق الرئيس مكنلي على قرار مجلس الأمة. ذلك أنها ترى
في تصديق الرئيس إعلانًا للحرب، وقطعًا للأمل في السلم، أما تقرير المجلس فلا
تعبأ به إذ للرئيس مكنلي أن يرده بالصورة الآنفة.
إذًا صدق مَن قال بأن السلم والحرب بين يدي مستر مكنلي رئيس الجمهورية،
فحبذا لو يحقق آمال محبي السلام في تغليب الحلم والعقل على الطيش والجهل وحب
الانتقام.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... (ف)
_________стр. 33
٥ ذو الحجة - ١٣١٥ه ـ
٢٦ إبريل - ١٨٩٨م
стр. 34
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) كيف السبيل ؟! [*]
قلنا: إن الطريقة المثلى لإبطال منكرات الموالد (وغيرها) إنما هي طريقة
الوعظ والتعليم، وقلنا: إن ذلك على ثلاثة ضروب: الخطابة - وقراءة علم
الأخلاق والآداب - وسلوك طريق التربية عملاً وتحققًا وهو المعبر عنه بالتصوف.
ولا شك أن هذه الثلاثة لو أعطيت حقها من العناية لنهضت الأمة نهضة
الأسود، فاستردت مفقودًا، وحفظت موجودًا، وبعثها الله مقامًا محمودًا، هذه
الثلاثة هي الأركان التي قام عليها بناء الإسلام، وحفظ مجده بمراعاتها إلى أجل
مسمى، وما انثلمت هذه الأركان في مكان إلا انثلم شرف الإسلام، وما تقوض
صرح عزة في قطر إلا بعد أن تقوضت هذه الأركان الثلاثة، يشهد بهذا تاريخ هذه
الأمة لمن نظر بعين التأمل والاعتبار. ولا نطلق للقلم العنان للجري في هذا
المضمار، كما يشاء، فقد وعدنا أن نخص القول فيما يتعلق بمنكرات الموالد،
ووفاء بالوعد نقول:
الركن الأول: الخطابة
يمكن للجنة العلماء التي تجتمع للمذاكرة في إبطال المنكرات أن تكلف أحد
أعضائها الفصحاء بإنشاء خطب تزجر عن هذه المنكرات زجرًا مفصلاً، لا يغادر
صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وتبني للناس حقيقة التوحيد، وأن الأولياء أحياءً
وأمواتًا ﴿لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً﴾ (الفرقان: ٣) ، بل توضح لهم أن القرآن صرح بأن النبي (بله الولي) بشر مثلنا
وإنما يتميز على سائر الناس بما منحه الله به من الوحي الذي يعمل به على الوجه
الأكمل، ويعلمه الناس، وأنه ليس عليه إلا البلاغ والتعليم، فلا يقدر على هداية
أحد من نفسه ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ (البقرة: ٢٧٢) ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (القصص: ٥٦) ، وإذا كانت الهداية التي جاء لأجلها
لا يقدر على إيصالها للناس، وإنما عليه بيان طريقها فقط، فهو لا يقدر على
إيصال المنافع الدنيوية إليهم بالطريق الأولى (أنتم أعلم بأمور دنياكم) ، إلا ما يكون
مما يتعاون به الناس بعضهم مع بعض، وتنبه على أن المعجزات والكرامات ليست
من الأسباب التي تناط بها مصالح المعاش، وتبنى عليها الأعمال الكونية، بل هي
من الأمور النادرة التي لا يبنى عليها حكم، وليست مما يحصل بقدرة من تصدر
على يديه وإرادته، كالأفعال الاختيارية التي يتمكن من فعلها متى شاء، بل لا
يجريها الله تعالى على أيدي أصفيائه إلا لحكمة بالغة، كإقامة الحجة على صدق
الأنبياء في دعواهم النبوة، وتشرح لهم أن الله تعالى تفضل على عباده فجعل لكل
شيء يحتاجه الإنسان في حياته أسبابًا تؤدي إليه، وهدى الناس إلى اتباع هذه
الأسباب، فجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة لعلهم يشكرونه باستعمالها فيما خلقت
له على الوجه الذي تجتنب فيه المضار، وتجتلب المنافع، وإذا هم شكروه
باستعمالها زادهم نعمًا بهدايتهم إلى ما لم يكونوا يعلمونه من أسباب السعادة بما علموه
وعملوا به منها: (من عمل بما علم ورَّثه الله علم ما لم يعلم) ، وإذا هم كفروا
النعمة بإهمال أسباب السعادة التي أنعم عليهم بها تكاسلاً، أو اعتمادًا على الخوارق
وإبطال سنة الله تعالى في الكون، فإن الله يعذبهم بالحرمان من السعادة، كما هو
منصوص في الكتاب السماوي ومشاهد في كتاب الكون الإنساني ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ
لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (إبراهيم: ٧) ، وكفى بكتاب
الله تعالى حجة، وبمشاهدة سنته في خلقه عبرة (ولكن أكثر الناس لا يعقلون) .
بمثل هذه المواضيع تنشأ الخطب ويوحى إلى الخطباء أن يخطبوا بها لا بمدح
الأيام والشهور، وذكر المواسم التي يعرفها الجمهور، بل والناس أجمعون. فإذا
أنشأت اللجنة خطبًا منبهة على الحق، منذرة بخطر الانحراف عنه في الدنيا وفي
الآخرة، وعهدت بها إلى خطباء القطر في جميع البلاد، فلا شك أن الخطباء تلبي
طلبها وتمتثل أمرها ويكون لذلك أثر ظاهر ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات: ٥٥) .
ثم إن الخطابة لا تنحصر بمنابر المساجد فينبغي للعلماء الأتقياء الذين يغشون
مجامع الناس في الموالد أن يخطبوا فيهم في كل مجتمع، ويحذروهم من اجتراح
السيئات واقتراف المنكرات، ويبينوا لهم ما نزل إليهم بعبارة واضحة، يسهل عليهم
فهمها، وإذا كانت عامية أو قريبة منها يكون حسنًا. أما وسر الحق لو انتهج أهل
العلم هذا المنهج مع العامة لما رأوا منهم إلا إقبالاً وقبولاً، فإنهم قوم لا يتمارون
بالنذر، ولا يستنكفون عن الخضوع للحق، لا سيما إذا جاء بعنوان الدين على لسان
العلماء والصالحين. إن الذي يستمسك بالباطل إذا توهمه دينا كيف يكون حاله إذا
سطع نور الحق في قلبه بالإرشاد والتعليم الصحيح، لا جرم أن استمساكه به يكون
عظيمًا. انظر تاريخ الشعب المصري وتأمل حالته اليوم. تراه في جميع الطوارئ
وأدواره خاضعًا لرؤسائه، لا يفتات عليهم، ولا يستبد دونهم بشيء. فجميع ما طرأ
على هذا الشعب وجميع ما هو فيه الآن إنما مبدؤه ومصدره الرؤساء سواء كان ذلك
في الأمور الدينية أو الشؤون الدنيوية. ربما أضر هذا الخُلُق (الخضوع والانقياد)
بالمتخلقين به في بعض الأطوار. لكنه يكون في طور الإصلاح والإرشاد أكثر
للخير إسراعًا وأشد في مضماره إيجافًا وإيضاعًا.
دخل كاتب هذه الكلمات إحدى الخيام في المولد فرأى شيخًا من البهاليل
المعتقدين، وقد التفت عليه النساء، وأحدق بهن الرجال، والبعيد من هؤلاء وهؤلاء
يجتهد في أن تصل أطراف بنانه إليه فتلمسه، وعند ذلك يرى نفسه سعيدًا، وقد
شبرق القوم من التجاذب ثيابه، يرجون بركة ذلك وثوابه، فسألت مَن في حاشية
المجتمع عن الشيخ فقيل لي: هو الشيخ عبد الغني أبو الغيط، وهو من الأولياء
الذين يفيضون البركات، ويكشفون الكربات، فأنشأت أبين لهم معنى الولي، وأنه إنما
يمتاز عن الدهماء بالعلم والعرفان، وتقوى الله تعالى في السر والإعلان ... إلخ. ثم
بينت لهم غلوهم في الأولياء، وغرورهم وانخداعهم بالدجل، أمزج الكلام في ذلك
بآيات قرآنية، وأحاديث نبوية، ومنثورات مما يؤثر عن الصالحين، فأقبل القوم علي
بعد إنكار قليل، وتركوا الولي والنساء، ثم أجلسوني وأحاطوا بي، وطفقوا يسألون
وأجيب. وألقيت عليهم في خلال ذلك ما يجب اعتقاده في الله تعالى، وأطلت بعض
الإطالة في بيان الوحدانية، ثم أفهمتهم معنى سلوك الطريق، وأن جماهير المنتسبين
للصوفية اليوم منحرفون عما كان عليه أسلافهم من الحق والاعتصام بالكتاب والسنة،
وأدخلوا في الطريق بدعًا وعادات لم يكن يعرفها الأولون. فسلموا بجميع ما قلته لهم
تسليمًا، ورغبوا إلى أن أسلكهم الطريق على وفق الكتاب والسنة، كما حكيت لهم عن
سلف الأمة، فاعتذرت لهم وفارقتهم وهم آسفون، وما كادوا يسمحون لي بمغادرتهم
حتى أظلنا الليل وشيعوني باحتفال حافل، وتقبيل أنامل.
هؤلاء هم المصريون، إن شئت قل في سوادهم الأعظم: إنه من شر الشعوب
حالة في الدنيا والدين، وإن شئت قلت: إنه خير الشعوب وأفضلها؛ لأن خير ما
يمتاز به الإنسان هو قوة قابليته للتربية والتعليم. وللشعب المصري من ذلك السهم
الأوفر والقدح المعلى، وإنما قصر بهم الأساتذة والمعلمون.
فيا هداة الأمة ويا وُرَّاث الرسل أدركوا هذا الشعب بالإرشاد والتعليم الصحيح
الذي يهديهم إلى مصالحهم الدينية والدنيوية. أدركوا قومكم من قبل أن يخرج أمرهم
من أيديكم، فإن آراء وتعاليم أخرى تدب إلى نفوسهم من حيث لا يشعرون. إن
الخرافات التي يتراءى للبعض أنها تعطيهم قوة وصلابة في الدين، حيث قد أخذت
بعنوان الدين، هي التي يخشى أن تكون العاملة على هدم الدين وتلاشيه، إذا تنبهوا
لفسادها، وحالة العصر تقضي أن سيتنبهون.
إن الحق لا يأتي من طريق الباطل، وإن الهدى لا يحتاج في حفظه إلى
الضلال. فأدركوا الأمة قبل أن تفقدوها، فأنتم عنها مسؤولون ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ
يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ١٠٤) .
الركن الثاني: قراءة علم الأخلاق والآداب الدينية
هذا العلم هو الذي يعرّف الإنسان حقيقة الدين، ومنه تستمد الخطابة والوعظ.
فإن من درس هذا العلم ومارس أحكامه وتوسع فيها يعطيه ذلك قوة على الوعظ
والإرشاد، وإذا حاول الوعظ وزاوله وثابر عليه حينًا من الدهر انطبعت في نفسه
ملكة صحيحة وصار خطيبًا حقيقيًّا (في هذا الموضوع) ، فنرجو من سادتنا علماء
الأزهر الشريف أن يعطوا هذا الفن حقه من الاعتناء، ليخرج الطلاب من هذا
الجامع متفقهين في الدين عارفين بحقيقته عاملين على إحيائه في بلادهم وأوطانهم
﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢) .
إلا أن قراءة أحياء العلوم خير من قراءة الكتب التي تميتها - كحاشية الصبان
ونحوها - من الكتب المملوءة بالآراء التي هي أمشاج وأخلاط من فنون شتى، بل
ليست بشيء من الفنون. وإن البحث عما يطبع ملكات الفضائل في النفس، أفضل
من التفرقة بين اسم الجنس وعلم الجنس، وإن معرفة أمراض الروح وعللها وكيفية
معالجتها والأدوية التي تعيد إليها صحتها هي أحرى بالعناية وأجدر بالتوسع
والتطويل من التوسع في معرفة علل الكلام، والتطويل بالقيل والقال، لا سيما على
الوجه المعروف الذي يفسد الأذهان، ولا يقوِّم اللسان، بل إن إشغال الوقت في
عرفان طريق التخلية عن الحسد والعجب والكبر، والترفع عن الكذب والخيانة
والوقاحة وسائر الرذائل التي تفسد أعمال الإنسان، وتهبط بذويها إلى أسفل درجات
الذل والهوان، هو أولى من إشغاله السنين الطوال بمعرفة دقائق أحكام المدبر
والمكاتب وأمهات الأولاد، ونوادر الفروع في الجنايات، والحدود والعقوبات وما
أشبه هاتا من المسائل الفقهية التي أهملها أهلها، فصارت آثارًا تاريخية. فما بالك
بالأبحاث العقيمة لذاتها، التي يهبها الإنسان عمره النفيس جزافًا بلا عوض،
كالبحث في الماهيات هل هي مجعولة أو غير مجعولة. وعن الجعل البسيط
والمركب، والهيولي والصورة، والوجود هل عين الموجود أو غيره، والجزء الذي
لا يتجزأ، وعن مناكحة الجن، وصحة الاقتداء بهم، ونجاستهم إذا تشكلوا بصورة
حيوان نجس أم لا، وعن الحيوان المتولد بين نوعين مختلفين، وغير ذلك
المستنبطات التي وصلوا بها إلى حد فرض المستحيلات العقلية والمادية (كما صرح
بعضهم) والتي بها عاب الإمام حجة الإسلام فقهاء عصره، وبيَّن أنهم أهملوا الفقه
في الدين (التهذيب) ، واشتغلوا عنه باستنباط مسائل تمضي الأعمار ولا يحتاج إلى
شيء منها. ولا أطيل في القول فإن كل من لاحظ أن العلم إنما يراد للعمل وأن
العمل ينتج السعادة يعلم علم اليقين أن علم تهذيب الأخلاق هو أحق بالعناية من سائر
العلوم، وأولى بالتقديم على ما سوى العقائد، بل قال بعض الأئمة (وأظنه إمام
الحرمين) : (إن الأخذ بتهذيب الأخلاق علمًا وعملًا هو أول ما ينبغي أن تتحلى به
نفس الإنسان) . وقد بينا في العدد الرابع: أنه سعادة الدنيا والآخرة في التهذيب،
وأيدنا ذلك بالآيات العقلية والنقلية، وقد صرح الفقهاء بأن هذا العلم من الفروض
العينية التي يجب على كل مكلف من ذكر وأنثى معرفتها، فكيف لا يكون أحرى
بالعناية من فنون اللغة ومعاملات الفقه الواجبة على سبيل الكفاية.
لم يغفل عن هذا مجلس إدارة الأزهر فقد حتم (أيده الله تعالى) في قانون
التدريس إقراء هذا الفن الجليل، ومن الأسف أن نرى الجماهير غير ملتفتة إليه،
وعسى أن يروا في الامتحان ما يحملهم عليه. ولنمسك عنان القلم، فقد جمح بنا
حتى خرجنا عن الشرط الملتزم.
الركن الثالث: التصوف أو سلوك الطريق
ليس من غرضنا الآن البحث في اشتقاق لفظ التصوف أو بيان تاريخه، ولا
شرح حدوده ورسومه، وإنما نقول: إن التصوف في الإسلام هو عبارة عن التخلق
بالأخلاق الفاضلة، وما تتبعه من أعمال البر والتقوى، وذلك هو الإسلام الحقيقي
الذي كان عليه سلف الأمة الصالح، ولما حدثت الفتن في المسلمين وطفق الناس
ينحرفون عن الدين، تميز المتمسكون بما كان عليه السلف الصالح بأخلاق وأعمال
صاروا بها فرقة مستقلة، ثم مازجت كتبهم تعاليم غريبة، وحدثت لهم اصطلاحات
خاصة، حتى عدهم بعض مؤرخي الإفرنج فرقة من الفرق التي انفرقت من الإسلام،
ثم طرأت عليهم أحوال، وصدمتهم من المخالفين أهوال، فرقت شملهم، ونثرت
عقد انتظامهم، حتى صار الصوفي كالعنقاء، إن كان موجودًا فتحت حجاب الخفاء
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ (مريم: ٥٩)
وجعلوا طريق القوم شارات وإشارات، وهم الذين يعرفهم القارئ بأنهم مصدر تلك
المنكرات، ومعهد هاتيك الموبقات (إلا من حفظه الله تعالى) ، والذي ينفسح لنا
مجال القول فيه الآن مما يتعلق بإصلاحهم: هو استلفات أنظار شيخ الشيوخ صاحب
السماحة السيد محمد توفيق البكري إلى منع الجهلة والدجالين من التصدي لإسلاك
الطريق، وإناطة ذلك برجال من أهل العلم والتقوى، يعرفون كيف يستأصلون
البدع، ويزيلون المنكرات، ولقد ذاكرنا سماحته في هذا الموضوع فأفادنا أن ذلك
من مطامح رغبته ومرامي همته، وعسى أن يكون العمل قريبًا.
((يتبع بمقال تالٍ))
_________
(*) نُشرت في فاتحة العدد السابع الذي صدر في ٥ ذي الحجة سنة ١٣١٥ هـ - ١٦ أبريل سنة ١٨٩٨.стр. 35
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(٢) ألمعنا في العدد السالف من جريدتنا إلى أن الساعين في محو اللغة العربية
الصحيحة من الوجود قد استنبطوا لهذه الغاية حروفًا لإحياء اللغة المصرية العامية،
حروفًا إفرنجية تقرب من يتعلمها من اللغات الإفرنجية، وتقصيه عن لغة كتابه
ودينه وأسلافه الذين يفتخر بهم، ويباهي بعلومهم وآدابهم، وتقطع النسبة بينه وبين
مشاركيه في الدين واللغة من أهل البلاد الحجازية المقدسة، وسائر البلاد العربية
التي تكتنف البلاد المصرية وترجو أن يلمع نور إحياء العربية من ربوع مصر
وأكنافها، فيستضيء به كل من ينطق بالضاد.
جاء في أول الكراسة التي ألفت في بيان فوائد هذا الاختراع أن الذي (استنبط
هذه الحروف (ولهلم سبتَّا) بك أمين الكتباخانة الخديوية، اللغوي الألماني المحقق،
الذي توفي سنة ١٨٨٣، وهو في الثلاثين من عمره. وقد استعد لذلك بدرس
حروف الهجاء وأساليبها في كل لغات الأرض، ولا سيما تغييرات حروف الهجاء
اللاتينية المستعملة الآن في أوروبا وأمريكا) .
وجاء فيها أيضًا ما نصه: (وألف سبتا بك كتابًا ألمانيًّا في صرف هذه اللغة
العربية المصرية ونحوها، وهو الكتاب العلمي الوحيد الذي وضع للغة من اللغات
العربية العامة. وجمع كتابًا أيضًا في الأمثال العامة، وقصصًا في اللغة العربية
المصرية، وترجمها إلى اللغة الفرنسوية. وكان عارفًا تمام المعرفة باللغة المستعملة
في كل القطر المصري، ومحبًا للمصريين، وغيورًا على مصلحتهم ومهتماً بخيرهم
ونجاحهم) . اهـ.
أما هذه المحبة والغيرة فإن آثارها تشبه آثار العداوة والبغضاء. متى وجد
غربي يسعى في خير الشرق للشرق؟ أما إنه لم يوجد إلا أناس تظاهروا بأعمال
مفيدة لأهل الشرق، فساعدهم عليها أهل الشرق، لكنهم لم ينالوا منها إلا الحرمان،
واجتنى ثمارها دونهم العاملون (تأمل ترعة السويس وغيرها)
إنهم ليختلبون عقولنا بالقول المموه الظاهر الذي ينخدع به المعتقدون
عظمتهم، والمشاهدون صدقهم في بلادهم، ولبني أوطانهم، ولكن أصحاب البصائر
يعرفونهم في لحن القول، ويتنسمون أغراضهم في مطاوي الكلام، بل يتهمونهم في
كل ما يدعون، وإن لم يظهر فيه وجه للخديعة، عملاً بالقاعدة العامة التي
عرفوها بالاختبار، وهي أن الغربي لا يعمل عملاً إلا لمنفعة وطنه وأمته. على
أن بعض دعاويهم الكاذبة لإصلاح الشرقيين هي من الظهور بحيث يراها العميان،
ولا تخفى على الصبيان (نعم إنها تخفى على الخشب المسندة) ، كالمسألة التي نحن
فيها الآن. أما حجج صاحب الكراسة الأربع، فهي داحضة عند من يبصر
ويسمع، وإنَّا نشرح ذلك بالتفصيل الذي يسمح به المقام على ما وعدنا في العدد
السالف، فنقول:
قال مبين فوائد الاختراع ومؤلف الكراسة (ولا ندري مَنْ هو ولا سبب إخفاء
اسمه، ولعله للإخلاص في هذه الخدمة) : إن نتيجة ذلك ستكون خيرًا على القطر
المصري:
أولاً: أن استعمال هذه الحروف يفيد تجاريًّا؛ لأنه إذا قدر التجار الأجانب
والعملاء الذين يرسلونهم إلى القطر المصري أن يتعلموا اللسان المستعمل هنا
بحروف سهلة التعلم، فكثيرون منهم يتعلمون هذا اللسان فيصير التاجر المصري
قادرًا على المعاملة معهم بلسانه من غير أن يتعلم اللغة الإنكليزية أو اللغة
الفرنسوية، فتسهل المعاملة التجارية والاجتماعية على كل طبقات الناس.
(المنار)
إن سهولة المعاملة التجارية على الأوربيين وتعميمها في القطر هي نكبة شديدة
على المصريين، بل جائحة تتلف عليهم ثمار أعمالهم، بل تنتزع منهم جميع ما
بأيديهم من مال وعقار، وجعلهم أجراء للسادات الذين يمتلكون بلادهم، بما لهم من
المهارة في الكسب والحذق في استعمار الأرض، ثم يعم بلادهم الفجور والخمور
التي تسلبهم ما ينقده لهم السادة المالكون من الأجور على أعمالهم اليومية، وتكون
فائدتهم أنهم خرجوا من كل شيء، وفقدوا كل شيء، وانقطع أملهم من كل شيء إلا
الحركة الدائمة في خدمة سادتهم العظام، كسائر الدواب والأنعام. والسعادة لمن يفوز
بدوام خدمتهم، فإنهم إذا تمكنوا في الأرض يستغنون بالآلات الصناعية عن العمال
والصناع إلا قليلاً منهم، ويضطر أهل البلاد الأصليون إلى المهاجرة والجلاء، إلا
من يلتصق بهم، ويتجنس بجنسيتهم، لغةً وديناً.
لا مبالغة في القول، فهذه طبيعة الوجود الإنساني، تنطق بكل لسان بأن العالم
يستخدم الجاهل، والقوي يستولي على الضعيف، ما وجد الأول للوصول إلى الآخر
سبيلاً، وليس بعد المشاهدة معاندة، ومع العيان لا يحتاج إلى برهان.
قال مختلق الفوائد: (ثانيًا) : إن لاستعمال هذه الحروف فائدة كبيرة في
التعليم؛ فإن عامة المصريين مثل عامة الشعوب الأخرى، لا يمكن تعليمهم ما لم
يتعلموا في المدارس اللغة التي يتكلمونها، ويتعلموها بواسطة حروف هجائية بسيطة
سهلة المأخذ ... إلخ.
(المنار)
إن الغرض من تعليم وتعلم القراءة والكتابة هو نشر العلوم والفنون، فأي علم
وضعت فيه المصنفات، وأي فن دونت فيه الدواوين باللغة العامية المصرية،
فيسهل تناوله من كثب، على من قرأ وكتب، يوجد في اللغة العربية الصحيحة
ألوف وألوف ألوف من كتب العلوم والفنون في اللغة وآدابها، وفي الدين من عقائد
وأخلاق وشريعة، وفي جميع الفنون القديمة والحديثة، فهل يكون صعود المصريين
في مراقي التعليم إلى قنة السعادة العليا بترك هذا كله، وتعلم اللغة العرفية في
المدارس بحروف إفرنجية؟ ! أظن أن الكتابة بالحروف الإفرنجية تكون عزاءً لهم
عما فقدوا، وعزًا وشرفًا فيما وجدوا؛ لأنها إفرنجية.
لعل الساعي بنشر هذا الاختراع يقول في تمويهه وخلابته: إن المصريين إذا
أقبلوا على تعلم هذا الخط، وعم أرجاء القطر، يتعلم الأجانب لغتهم، وإذا تعلموها
ومازجوا أهلها كمال الممازجة، يحملهم حب الإنسانية على تأليف كتب بها في جميع
الفنون، فيصبح القوم في جنة من المعارف عالية، قطوفها منهم دانية.
ويسهل علينا أن نقول في جوابه:
(أولاً) - إن هؤلاء الأجانب لا يحبون منفعة أحد من العالمين إلا أبناء
جنسهم. ومن يوجد منهم محبًا للإنسانية لا تتناول محبته أهل الشرق؛ لأنه يعتقد
خروجهم من نوع الإنسان.
(ثانيًا) - إذا سلمنا أنهم محبون لكل إنسان، ومخلصون بنشر المعارف في
كل مكان، فلا نسلم أنهم يقتدرون على إبراز علومهم في قوالب هذه اللغة السخيفة،
وإلباسها هذه الخلقان الضيقة، كيف وهم يزعمون أن اللغة العربية (سيدة اللغات)
لا تفي ببيان مخترعاتهم، وقاموسها المحيط لا يحيط ببعض مكتشفاتهم، وأنها هي
التي قصرت ببنيها عن التوسع في العلوم والفنون العصرية، كذب الخالبون إن اللغة
العربية ما قصرت، لكن قصرت الهمم، وإن الأمم لا ترتقي بلغاتها ولكن اللغات
ترتقي بالأمم، والوجود أعدل شاهد، لا ينكره إلا مكابر أو معاند.
(ثالثًا) - إذا فرضنا أنهم يقدرون على جعل هذه اللغة الفقيرة لغة علوم
وفنون، وأنهم بعد أن يتعلمها الشعب المصري بحروفهم يتعلمونها ويؤلفون فيها
الكتب المطلوبة - فهل يكون هذا إسراعًا في ارتقاء المصريين، مع أن الشروع به
لا يمكن إلا بعد عشرات من السنين؟ كلا، إن قوله: (إن المصريين لا يمكن
تعليمهم ما لم يتعلموا في المدارس لغتهم التي يتكلمون بها بحروف سهلة كهذه
الحروف) ، قول جاء على خلاف الحقيقة، والصواب: أنهم إذا اقتصروا على تعلم
لغتهم هذه يحرمون من كل علم، سواء كان تعلمها بحروف إفرنجية، أم بحروف
سماوية، وإذا تعلموها مع غيرها من اللغات التي يمكن تحصيل العلم بها، كلغة
أجدادهم، أو لغات الطامعين فيهم، فإنها تكون عائقًا لهم عن التعلم والتحصيل؛
لأنها تزاحم العلوم النافعة، وتأخذ زمنًا من وقتها، فإذا قيل: إنه لا يمكن تعلمها هي
(اللغة العامية) إلا بمثل هذه الحروف السهلة. قلنا: إن نهيق (الحمارة)
وصلصلة (اللجام) وتزيب (الغزالة) وبغومها (صوتها) يكذب هذا القول؛ فإن
لم يقنع قائله سلطت عليه (الشيطان) [*] ، فهو أولى بإقناعه من الحيوان.
نعم، يعسر تعلم العامية بالحروف العربية إذا كان مشروطًا معه عدم تعلم شيء
من العربية (كما هو المقصود) ، ولكن هذا ضرر على المصريين، لا نفع لهم،
فليكن متعذرًا لا متعسراً.
قال مبتدع الفوائد: (ثالثًا) إن استعمال هذه الحروف يحفظ اللغة العربية
(أي العامية) ، فإن كل تلميذ في المدارس العليا يتعلم الآن الإنكليزية أو الفرنسوية،
ولا تمضي مدة طويلة حتى يشيع تعليم اللغات الأجنبية في المدارس الابتدائية أيضًا،
في المدن والأرياف، فيضطر أغلب السكان إلى تعلم لسان أجنبي، فكم تبقى اللغة
العربية بعد ذلك، سواء كانت معربة أو غير معربة؟ كم بقي إلى الآن من اللغة
القبطية، وقد كانت اللغة العامة في هذا القطر؟ وكم تبقى عربية أهل الجزائر،
حيث صارت المدارس فرنسوية؟ فالطريق الوحيد لحفظ اللغة العربية - مما حل
باللغة القبطية - هو حفظ اللسان الحي من الضياع باستعمال حروف هجائية يُكتب
بها.
(المنار)
إن هذه النصيحة (لو كتبت - كما قال ألف ليلة وليلة - بالإبر، على آماق
البصر، لكانت عبرة لمن اعتبر) ، إذا كان أدهى الناس وأشدهم حذقا في الخلابة
والخديعة هو الذي يستطيع أن يبرز المضرة في صورة المنفعة، ويقيم من الخزي
والشقاء مثالا للفوز والسعادة، فلا جرم أن من ينخدع له يكون أحمق الناس وأرسخهم
قدمًا في البلادة والهمجية. لقد وضع صاحب هذه الكراسة أصلاً صحيحًا وبنى عليه
حكمًا باطلاً. الأصل الصحيح: هو أن اللغة العربية معرضة للتلاشي والإمحاء من
القطر المصري الذي يتبعه سائر الأقطار؛ لأن من سنة الله تعالى في الكون أن
الضعيف يقلد القوي، والمغلوب يحتذي مثال المتغلب عليه في سائر شؤونه، وبذلك
انتشرت اللغة العربية في بلاد الروم والفرس والبربر، وانتشرت اللغة الإنجليزية
في أميركا وأستراليا ...
كانت هذه السنة جارية مع عدم مجاراة المتغلبين لها ومساعدتها بقهر
المغلوبين وإجبارهم على تقليدهم، وانتحال عوائدهم ودينهم ولغتهم، أو بأخذهم
بالتربية والتعليم اللذين يفيدان ما لا يفيد الإلزام والإكراه، كما تعلم من تاريخ دولتي
الإسلام العظيمتين العربية والتركية. فكيف يكون سيرها إذا ساعدها المتغلب عن
عقل وحكمة، فسهل أمامها الطرق، ومهد لها العقبات؟ إن المعارضة كما تكون
في القواعد الفكرية والشرعية، تكون أيضًا في السنن والنواميس الطبيعية،
ويمكن للإنسان في هذه أن يقوي المرجوح، ويضعف الراجح، بما يهديه إليه
العلم، فيختلف الترجيح.
كانت اللغة العربية سائرة على سنن الطبيعة مع فتوحات الإسلام، فعارضها
ما أوقف سيرها في بلاد الفرس وغيرها، ثم أرجعها القهقرَى، ولو كان لها
أنصار عارفون بعلم طبيعة الكون لأمكنهم إزالة تلك العوارض، وجعلها لغة جميع من
أظله لواء الإسلام. إن الأمم الغربية هي التي أفادها العلم الطبيعي ما تقدر به على
محو كل لغة تبوأت أرض أهلها إذا لم يعارضها أهل تلك اللغة بما يدفع تيارها عن
علم وبصيرة. وما يقال في اللغة يأتي في الدين، وفي سائر الشؤون. هذا هو
الأصل الصحيح الذي جاء به صاحب الكراسة، وأشار إلى إثباته بشهادة التاريخ وقد
زدناه بيانًا وإيضاحًا.
وأما الفرع الباطل الذي بناه على هذا الأصل فهو: أنه يجب معارضة
الناموس الطبيعي الذي ذكره بنبذ اللغة العربية ظهريًّا، وتعلم العامية (التي سماها:
عربية) بحروف إفرنجية، أيها الأحمق، بل العاقل المستحمق لجميع المصريين،
إذا كانت لغة العلم والدين لا تقوى على صد هذا التيار المنحدر، ولا يمكنها البقاء
معه (كما زعمت) ، فأنى يمكن بقاء هذا الهذر والخطل والكلام المعسلط (الذي لا
نظام له) ، ألا إنك تعلم أن ما قلت: إنه يحفظ العربية، هو إجهاز سريع عليها،
ولكنك غوي مبين.
لا ريب أننا في أشد الحاجة إلى تغيير طريقة التعليم التي عليها أهل الأزهر
وسائر المدارس العربية، وإلى إعصار فيه نار تحرق الكتب المملوءة بالآراء
والخلافات والشكوك والظنون والخرص والتخمين والإيجاز المخل والتطويل الممل
وإلا فلا يمكن أن نخطو خطوة، أو ننهض من كبوة، والبحث في هذا من أهم ما
أنشئ له المنار ولكل قدر أجل، ولكل وقت عمل.
قال منتحل الفوائد: (رابعًا) : إن هذه الحروف تقل بها نفقات الطبع،
فيسهل تأليف كتب جديدة متقنة للتعليم، ويزول بها خليط الألسن المستعمل الآن في
القطر المصري؛ لأنها تسهل على الأجانب تعلم لسان السكان، فيصيرون
يستعملونه في مخاطبة الأهالي بدل لغتهم المتخلفة، ويسهل بها استعمال آلة الخط.
(المنار)
أما قلة نفقات الطبع، فلا شك فيها، بل إن الطبع ينعدم بالكلية إلا من الأجانب؛
لأن هذه اللغة لا يمكن أن تكون لغة علم، ولا هي لغة دين، فلا حاجة لكتب تطبع
فيها، إلا ما يتعلم به الخط المخترع، ويكفي له الكراسة التي ألفها وأمثالها من
الرسائل الصغيرة التي يمكن طبعها في المطابع الإفرنجية (وهي كثيرة في مصر) ،
وتنطمس رسوم المطابع العربية بتعميم هذا التعليم، ويستغنى عما طبع وعما كتب
بالحروف القديمة واللغة البائدة، ويكون ذلك من الاقتصاد وتقليل النفقات التي
تستفيدها البلاد المصرية! ! (نعوذ بالله من الوقاحة ومن غمط الحق واحتقار
الناس) .
أما قوله: (ويزول بها خليط الألسن ... إلخ) فهو مما لا ريب فيه أيضًا،
ومما يحسن التنبيه عليه: أن اللغة العامية التي لأجلها استنبط هذا الخط المخترع
(كما زعم) هي مما يزول قبل اللغة العربية الصحيحة؛ لأن هذه تتوكأ على الدين،
فلا تمحق بالكلية حتى لا يبقى له بقية (والعياذ بالله تعالى) ، كما هو شأن
اللغة اللاتينية في البلاد الأوربية. يزول هذا الخليط كما قال ولا يبقى إلا لغة أو ثنتان
من اللغات الأجنبية، وهذه هي العلة الغائية للاختراع، والاهتمام في نشره.
وقوله: (وتقوى الرابطة الوطنية بين كل طوائف السكان) يصدق بالوطنية
الأجنبية الطارئة، فإنها هي التي تبقى ويزول كل ما عداها، فمن أمكنه أن يلتصق
بها كان من أهلها، وينقرض باقي الأمة، كما انقرضت هنود أميركا، وبهذا الشرح
تفهم النتيجة التي استنتجها حق الفهم، كما يفهمها هو لا كما يريد أن يفهمها
المصريون وهي قوله: (ونتيجة ذلك جعل الأمة المصرية أمة متعلمة عزيزة
الجانب متحدة الكلمة) ، ولا يكون ذلك إلا بقطع كل علاقة ورابطة بينها وبين ما
يتصل بها من الأقطار، وتعميم لغة أجنبية فيها ليتمكن أهلها في الأرض، ويكونوا
هم الوارثين. عند ذلك تكون الأمة التي تتبوأ مصر عزيزة الجانب كما هي عزيزة
الجانب في سائر الأقطار والأمصار! ! !
إذا أُلْقِيَ ما شرحناه على المتحذلقين من المصريين، يُنغضون رءوسهم،
ويحدجون بأبصارهم ويقولون: (إكبار وتهويل، وصياح وعويل، وما هو إلا كلام
بكلام) .
أما العقلاء فيعلمون أنه كلام حق، وأن الإفرنج إذا قالوا فعلوا، وإذا عملوا
أدركوا، وأنهم ما دخلوا قرية، ولا خالطوا أمة، إلا أفسدوا كيانها، ﴿وَجَعَلُوا
أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (النمل: ٣٤) .
إن نفوس سكان الولايات المتحدة نيف وسبعون مليونًا، وليس فيهم هندي من
السكان الأصليين. لا أُبعد عليك في المثال، هذه بلادك التي تسكنها أيها الغافل،
انظر فيها إن كان لك بصر، واعقل إن كان لك لب، ثم ارجع إلي باللوم والتفنيد،
أو بالشكر والتحبيذ [**] .
_________
(*) الحمارة والجام والشيطان: أسماء جرائد كانت تصدر باللغة العامية، وقد فسرناها في هامش هذه الطبعة؛ لأن أكثرها نسي.
(**) إنني لم أقرأ هذه المقالة بعد كتابتها إلا عند إعادة طبعها الآن، أي بعد عشر سنين تقريبًا، ويظهر أنني كتبتها في حال انفعال شديد، وأنا أرى الآن أن الكلام في الأوربيين شديد، وفيه مبالغة، وأعترف بأن فيهم كثيرين يحبون الخير لذاته، وأن منهم مَن يحب الشرقيين ويود الخير لهم.стр. 36
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) رواية اليتيم
إن قراءة القصص المعروفة (بالروايات) من أنجح الذرائع في نشر الأفكار
الصحيحة بين جميع طبقات القرّاء، ومن أكبر وسائل التهذيب. ولها الشأن العظيم
في البلاد المتمدنة. وقد انتشرت الروايات بيننا باللغة العربية، ما بين منشأة
ومعرَّبة، لكن أكثرها غرامي، يشرح أحوال العشاق، ويبين طرقهم ومذاهبهم،
بحيث لا يكاد يلتفت القارئ لما عساه يوجد في الرواية من الفوائد التي وراء ذلك،
لا سيما إذا كان في سن الصبا، ولسنا الآن بصدد شرح فوائد الروايات وبيان
مساوئها ونسبة ما عندنا منها لما في البلاد المتمدنة، فنؤجل ذلك لفرصة أخرى،
ونكتفي الآن بأن نقول: إن أفضل موضوع تؤلف فيه الروايات هو ما ينبه الشبان -
عمومًا - وتلامذة المدارس - بوجه خاص - على حب بلادهم وأوطانهم، وجعل
غرضهم من حياتهم خدمة مِلَّتهم وأمتهم على الوجه الذي تقتضيه حالة العصر،
ويبين لهم أن ذلك لا يتم إلا بالتمسك بالأعمال والفضائل التي يوجبها الدين، ومعرفة
الفنون التي عليها مدار المدنية الصحيحة. وقد أهدانا الشاب المهذب أحمد حافظ
أفندي عوض الدمنهوري رواية من تأليفه سماها: (رواية اليتيم) أو: (ترجمة
حياة شاب مصري) ، تدخل في هذا الموضوع الشريف الذي ذكرناه، ويظهر من
كلامه أنها قصة واقعية لا مخترعة. ولا بُعْد في ذلك، فقد تصفحناها فلم نر فيها ما
يستبعد وقوعه، إلا ما كان من حال عشق الفتى (المترجم) لبنت جاره وصديق
والده، فإنه ذكر أنهما كانا يجتمعان في حديقة الدار منفردين يتشاكيان الغرام،
ويعرف باجتماعهما والدا الفتاة ويرضيان به، بل كان الفتى يجلس مع الفتاة ووالديها
على المائدة، مع أنه يصف أهل بيته وبيت الفتاة بالاعتصام بالدين والتمسك بالعوائد
الإسلامية. وأستبعد أن يكون التهاون في الحجاب سرى في هذه الطبقة (التي
وصفها في الرواية) من المصريين إلى ذلك الحد. إلا أن يقال: إن هذه الواقعة
نادرة، وإن إرخاء العِنان للفتيان من والديهما كان سببه ثقتهما بحسن تربيتهما، فقد
نشآ من سن الطفولية معًا كأخوين. ويغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.
ومما تفضُل به هذه الرواية كثيرًا من الروايات المتداولة أن ما يذكره فيها من
الغرام لا يخرج عن حدود الأدب والعفاف والنزاهة والشهامة. وأكثر وقائع الرواية
حوادث محزنة وفجائع مشجية، ينفطر لها القلب الرقيق، وتنهمل من تصورها
العبرات، ومن أحسن ما جاء فيها من التنبيهات المفيدة قوله في وصف حالة أبناء
المدارس الخارجية (الذين يقيمون خارج المدرسة) ما نصه: (وجدنا أغلبهم - إن
لم نقل جميعهم - فاسدي الأخلاق، وذلك من عدم انشغالهم بالدروس، بل بأشياء
أخرى، وخصوصًا الذين يأتون من البلاد خارج القاهرة فإنهم لعدم وجود من يقوم
بأمرهم لا يهنأ لهم عيش من جهة المطعم والملبس، وربما يسكنون في بيوت مُضرّة
بالصحة، وربما لا يذهبون إلى الحمامات إلا كل شهر أو شهرين أو ثلاثة، ثم لعدم
وجود من يراعي سيرهم تراهم يسيرون حسب أهوائهم، والشباب مطية الجهل،
يقود المرء إلى كل منكر وفاسد، هذا فضلاً عن أن التعليم في المدارس لعدم مزجه
بأصول الدين الذي هو أس الفضائل يجعل الشبان لا يعبأون بالآداب، ويرتكبون
المحرمات ولعمري إن مصر في احتياج إلى شبان يعرفون واجب بلادهم وأنفسهم
وإخوانهم؛ ليكونوا مجموعًا يدعى بالأمة المصرية، وهذا لا يكون إلا إذا مزج
التعليم بالآداب والفضائل) .
وقوله في الشبان الذين يرجى بتعلمهم رفعة الوطن، وإعلاء مناره (وذلك من
جملة وصية ونصيحة) : (ولا شك أنك اطلعت على كثير من تواريخ الأمم التي
ارتفع شأنها بعد انحطاطها، ورأيت أن الشبان هم الذين أقاموا عمادها وانتشلوها من
وهدة الدمار والانحطاط. فاعلم يا ولدي أن مصر في احتياج إلى أفراد يسعون
لصالحها، كما يسعون لصالح أنفسهم، مُتّحدين مرتبطين بالجامعة الوطنية، لا فرق
بين المسلم والمسيحي والإسرائيلي، ولا يعرف ذلك إلا المتعلمون، ما لهم وما عليهم،
وأنتم ذخيرة هذا الزمن، وكأني بمصر وهي تنتظركم انتظار المريض للطبيب؛
لتقوّم بكم ما اعوجّ من أمورها فكونوا معها لا عليها) .
وقوله في وصية أخرى: (إن تقدم بلادكم مرتبط بكم وأنتم زهرة مصر،
فانشروا رائحتها الذكية، يشمها القاصي والداني، ولا تتكاسلوا أو تتهاونوا في أمرها
استخفافًا بأنفسكم أو استصغارًا لقدركم. ولا أخالكم إلا تعرفون عن شبان أوروبا ما
أعرفه وزيادة، وليكن في علمكم أن تأخر بلادكم تُسألون عنه كما يُسأل أكبر الكبراء،
وأثرى الأغنياء، وأفقر الفقراء، والقوي والضعيف، فكونوا في أمتكم بمثابة
الخطباء المذكرين بمجد أجدادهم، حاثّين على اتباع الفضائل ونفي الرذائل، وبذلك
تقوى عصبيتكم، وتجدون من أهل بلادكم من ينشّطكم على أعمالكم، فأنتم أحوج
إلى التعاون والتضافر منه إلى الشقاق والتنافر، ولا تفرَّقوا فتذهَبَ ريحكم، ودونكم
تاريخ الأندلس وكيف تفرَّقوا شذَرَ مذَرَ، كأن القوم ما كانوا، حين انقسموا طوائفَ
طوائفَ ودبت فيهم روح حب الرئاسة، وتركوا الدين وراء ظهورهم، ففتك بهم
الغير بما تشق له المرائر، وتفتت الأكبدة، وانظروا إلى كتب الفرنساويين الابتدائية
كيف أنهم يكتبون أول جملة فيها: (الإلزاس واللورين أخذتها ألمانيا. يجب على
كل فرنساوي أن يردها إلى بلاده) . ومثل ذلك من العبارات الوطنية ليغرسوا في
قلوب الناشئين حب بلادهم، والسعي وراء الحصول على ما أخذ من حقوقهم.
وانظروا إلى الأمم التي نجحت في رفع شأنها، ولا تستبعدوا الطريق فمن جَدّ وَجَدَ،
ومن لَجَّ وَلَجَ، ومن سار على الدرب وصل) .
وقوله في الانتقاد على تلامذة المدارس وبيان مغامزهم: (لا يعرفون
للمنتديات العلمية فائدة، ولا يقبلون على الجمعيات الأدبية، ولا يعرفون إلا اليسير
عن جغرافية بلادهم، حتى يضعها الغريب أمام أعينهم، وهذا ما يجعلني أعتقد أن
السفر إلى الخارج بالنسبة للشبان المصريين لا يفيد الأمة، فالأَوْلى أنهم يتجولون في
بلادهم لا لكي ينظروا الآثارات فقط، بل لكي يعرفوا القرى وعوائد الفلاح المصري
في الوجهين القبلي والبحري، ليكونوا على بصيرة من أحوال أمتهم، ودرجتها في
الهيئة الاجتماعية، والعالم المتمدن، ليضعوا أمام أعينهم رفع شأنها بالطرق المفيدة
لها، وأنا أؤكد لك أن بعض الشبان الذين حازوا الشهادات العالية في المدارس لا
يعرفون كيف يُزرع القمح، ولا القطن، بل لا يعرفون محصولات بلادهم، ونحو
ذلك، مع أنك لو سألته عن محصولات مملكة أجنبية لذكرها لك، وعَدَّد لك شهرة
كل مدينة، وتِعداد أهلها، وإذا رأى فلاحًا مصريًّا هزأ به وظنه بهيمًا، مع أن ذلك
الفلاح العاري الصدر والرجلين هو عماد البلاد، ومنه تتكون معظم الأمة المصرية،
حتى إن بعض هؤلاء الشبان يظن أن الأمة المصرية هي الفئة التي تجلس على
القهاوي تدخن النرجيلة، وتلعب النرْد والشِّطْرَنج والورق وتقرأ الجرائد وتتكلم في
السياسة، لكن مع ذلك فأنا أبشر حضرتكم أن الوقت أخذ في التحول، وأن بعض
الشبان عرفوا واجب بلادهم وتولد عندهم حب العمل والنشاط، اقتداء بأميرهم،
والناس على دين ملوكهم) . اهـ.
فنحثّ الكتبة على إنشاء الروايات في هذا الموضوع المفيد، وعسى أن
يواصل مؤلفها الأديب الجري في هذا المضمار، مع مراعاة حسن السبك وسلامة
العبارة مع سلاستها التي هي فيها، فما أجدر المعنى الصحيح، بالأسلوب الفصيح،
ونرجو أن يقبل القراء على روايته فينشطوه على متابعة العمل، فبالعمل يحقق كل
أمل. اهـ من العدد السابع.
_________стр. 37
١٩ ذو الحجة - ١٣١٥ه ـ
١٠ مايو - ١٨٩٨م
стр. 38
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) الأدب الصحيح [*]
رغَّب إلينا غير واحد أن نكتب في جريدتنا بعض نبذه في الأدبيات، يعنون
بذلك ما عليه الجماهير من أن الأدب هو عبارة عن: الشعر والأمثال والنوادر
والأفاكيه، وإلا فإن معظم ما نشرناه في الجريدة هو من المباحث التي تنظر إلى
تهذيب النفوس وتحليتها بالفضائل، بعد تطهيرها من أدران الرذائل، وليس الأدب
الصحيح إلا هذا، فقد قال العلماء: إن الأدب ملكة تعصم من قامت به عما يَشينه.
ولا ريب أن أية رذيلة من الرذائل تَشين الإنسان إذا تلبّس بها واقترف ما تدعو إليه
من الأفعال المنكرة. فإن قيل: إن القوم يريدون بالأدب أدب اللسان وهذا التعريف
إنما هو لأدب النفس أَقُلْ: إن أدب النفس لا يكون كاملاً إلا بأدب اللسان، فالأول
يستلزم في كماله الثاني، وكان كلا القسمين متحققاً في فضلاء سلف الأمة من أهل
الصدر الأول.
ولما وضعت العلوم والفنون باتساع عمران الأمة، وانفرد بكل نوع منها طائفة
من الناس، اختص الباحثون بأدب النفس علمًا وتخلقًا باسم الصوفية، وسمي علمهم:
(التصوف) . وخص الباحثون بأدب اللسان باسم: (الأدباء) ، وسمي مجموع
فنونهم أو ثمرتها: (بعلم الأدب) على إطلاقه، ولقد كان لكل من الفريقين حظ من
أدب الفريق الآخر. لكن الأدبين كليهما معًا لم يكملا إلا لأفراد منهما. وإننا نقتدي
بالقوم في التسمية، ونبحث في الأدب بحثًا نبين به العلاقة بين أدب اللسان وأدب
النفس والجنان؛ لأن سعادة الأمة لا تتم إلا بهما كليهما فنقول:
كان الأدب عند أسلافنا عبارة عما يحترز به عن الخطأ في كلام العرب قولاً
وكتابة، وأصوله عندهم: اللغة والصرف والاشتقاق والنحو والمعاني والبيان
والعروض والقوافي وقَرْض الشعر والإنشاء والمحاضرات والتاريخ، وربما أطلقوا
الأدب على ثمرة هذه الفنون وهي: الإجادة في المنظوم والمنثور في كل موضوع،
ولابد في هذا من وقوف الأديب على كل فن من الفنون المتداولة في عصره. ومن
ثم قال الفيلسوف العربي ابن خلدون عند الكلام على علم الأدب في مقدمته: (هذا
العلم لا موضوع له، وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجادة في
فنَّيْ المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم) ، إلى أن قال: (ثم إنهم إذا
أرادوا حدَّ هذا الفن قالوا: الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها، والأخذ من كل
علم بطرف، يريدون من علوم اللسان أو العلوم الشرعية، من حيث متونها فقط،
وهي القرآن والحديث؛ إذ لا مدخل لغير ذلك من العلوم في كلام العرب إلا ما ذهب
إليه المتأخرون عند كَلَفهم بصناعة البديع من التورية في أشعارهم وترسّلهم
بالاصطلاحات العلمية، فاحتاج صاحب هذا الفن حينئذ إلى معرفة اصطلاحات
العلوم ليكون قائمًا على فهمها) . اهـ.
وأمَسّ الاصطلاحات العلمية بالأدب: اصطلاحات علم الأخلاق، بل هو
الجدير باسم علم الأدب دون غيره؛ لأن أدب اللسان ثمرة من ثمرات أدب النفس،
وقد لاحظ أدباء العرب هذا في أيام نهضتهم العلمية، لذلك ترى كتبهم الأدبية ملأى
بالكلام على الأخلاق والسجايا وأعمال ذويها من حيث هي ممدوحة أو مذمومة (وإن
كانوا أفردوا للأخلاق مصنفات يبحثون بها عنها من حيث هي قوى نفسية تنشأ عنها
الأعمال البدنية، وهو المسمى بالفلسفة الأدبية أو العملية أو علم تهذيب الأخلاق) .
فمن لا يقدر على الكلام الفصيح في التنفير عن الرذائل والترغيب في الفضائل وفي
سائر المواضيع المتعلقة بمنافع الأمم ومصالحها، قولاً وكتابة لا يكون أديباً.
ويستمد علم الأدب اليوم من ينابيع لم تكن مفجّرة في أرض أسلافنا من قبل،
ويحتاج في تحقيق نتيجته التي علمت إلى فنون كثيرة لم تكن في العصور الأولى أو
كانت لكن على غير هذه الحالة التي هي عليها اليوم، كالتاريخ الذي كان مجموع
قصص وأساطير لا تكاد تفيد غير التسلية والتفكّه، وهو اليوم علم من أفيد العلوم
التي عليها مدار العمران.
ذكر بعض المؤلفين في الأدب أن الكاتب والشاعر يحتاجان في كمال صناعتهما
(الأدب) إلى معرفة كل ما في العصر من الفنون والصنائع في الجملة؛ ليقتدروا
على مخاطبة كل صنف من الناس بما يناسب ذوقه، ويتصرفوا في كل موضوع بما
هو أمسّ بحالة أهله. نعم هذه سنة الذين خلوا من قبل، كانوا لا يمنحون لقب
الأديب إلا لمثل ابن العميد والصاحب بن عباد وأبي إسحاق الصابي وبديع الزمان
والحريري. فمَن ذا الذي يستحق هذا اللقب اليوم؟ ! لا جرم أن من يأخذ هذا
اللقب بحق لا بد أن يكون أعلم من هؤلاء وأكْتَب، وأشْعَر وأخْطَب، لأن هذا
العصر قد زخرت بحار فنونه، وكثر التشعب في أفانينه، ومع هذا فإنك ترى
الدهماء لا يتحامون إطلاق لقب الأديب على كل مَن يلفق كلمات موزونة، أو يأتي
بسجعات ولو كانت ملحونة، بل ابتذل هذا اللقب الشريف حتى صار يلفظ به إلى من لا لقب له من ألقاب الحكومة التي تشير إلى رتب الشرف المعلومة، وليس
مستلاًّ من سلالة الأمراء، أو من الصنف الذي يدعى ذووه بالعلماء، وقد سُجِّلَ
هذا مع أمثاله من (التشريفات) الكاذبة في جرائد التملق والنفاق، وصحف المَين
والاختلاق، حتى صار محب الصدق في حيرة، إن أرضى نفسه أسخط غيره،
وحتى صار يمقت هذا اللقب، من لديه رَسّ (طرف أو ذرو) من علم الأدب،
وأجدر به أن يتقذره وهو مبذول للعامة، والجرائد تحلي من لا أدب عنده بلقب عالم
أو علاّمة، مما لم يكن يطلق إلا على الراسخين في المعقول والمنقول كالشيرازي
والتفتازاني وأضرابهم. هذه حال أمتنا اليوم تركوا صدق أسلافهم للأوربيين واستبدلوا
الذي هو أدنى بالذي هو خير، ومن صَدَقهم النصح حَمَلوا كلامه على الإهانة ونبذوه
ظِهّريا (وقد يستفيد الظَّنة المُتنصّح) .
يحْسَب قوم أن إعطاء الألقاب الشريفة لغير أهلها ليس إلا من جزئيات الكذب
التي لا ينجم عنها ضرر، ولا يتأثرها خطر، وغفلوا عن كون منح ألقاب الفضل
والكمال لغير مستحقها، كمَنْح رتب الشرف والوسامات لغير الجدير بها، وإن كلا
الأمرين من أرزاء الأمم التي تودي بحياتها الأدبية والسياسية، وتقذفها في مهاوي
الجهل والضعف.
وليس هذا من موضوع كلامنا الآن، فلنغضّ عنه الطرف ولنرسل أشعة نظره
إلى رياض الآداب، لعله يجتني شيئًا من أرطابها وثمارها اليانعة وأزاهيرها البهيجة
العطرة، يهديها لقوم كان لهم من الآداب النفسية واللسانية جنتان، ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ
فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ (الرحمن: ٥٢) ، فطوّحت بهم الطوائح، واجتاحت ثمارهم
الجوائح، وصوّحت رياضهم البوارح، وبدلوا ﴿بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ
وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ (سبأ: ١٦) . يهديها لهم لعلها تبعث هممهم إلى إحياء
الموات، واسترجاع ما فات، واحتذاء مثال الأمم القوية، التي جعلت آدابها معارج
لمنافعها الصورية والمعنوية، فيعود للعربية بهاؤها، وللأمة مجدها وسناؤها، في
ظل مليكنا الأعظم، ونصير المعارف الأعصم، أيَّده الله تعالى، وزاده عظمة
وجلالاً.
لعمرك قد طفت المعاهد كلها، واستسقيت وابلها وطَلّها، فلم أر كلامًا في
الأدب حكيمًا، قد انتهج صاحبه صراطًا مستقيمًا، ونبه الناس على الطريقة المثلى،
وأرشدهم إلى المرتبة الفضلى، إلا ما جاء في (العروة الوثقى) التي لا انفصام
لتعاليمها تحت عنوان (نصيحة في الأدب) منسوبة لحضرة الفاضل مولوي عبد
الغفور شهباز بمدينة كلكتا. وإنَّا نوردها بنصها وهي:
(ليس الأدب كما يظن بعض الناس: مجموع قصص تتلى للفكاهة، أو
أساطير تنقل في المسامرات، أو منظوم من القريض يمتاز بحسن الاستعارة ورقة
التشبيه، مع مراعاة المحسنات اللفظية والمعنوية، من التورية والجناسات ونحوها
من فنون البديع، أو منشآت ورسائل تتضمن إطراء في المدح أو مغالاة في القدح،
فإن جميع هذا بمجرده لا يتصل بمعنى من معاني الأدب. وإنما الأدب في كل أمة
هو الفن الذي يقصد به تهذيب عاداتها وتلطيف إحساسها وتنبيهها إلى خيرها لتجتلبه،
وإلى ما يخشى من الشر فتجتنبه، فالأدباء في الحقيقة هم ساسة أخلاق الأمم، بل
هم أجنحتها، تطير بهم إلى ذروة فلاحها، فإنهم بما يعلمون من طرق التفهيم يمكنهم
أن يقربوا إلى العقول ما يبعد عن إدراكها، ويسهلوا على الأذهان ما يعسر عليها
النظر فيه، ويعبروا عن المعنى الواحد بالطرق المختلفة، فتستفيد منه العامة، ولا
تنكره الخاصة، فيأخذون على الظالم ظلمه ويعظونه بسوء عواقب الظلم، وينكرون
على الفاجر فجوره، ويحذرونه مَغَبّة الفجور، حتى يردّوا كلاعن غَيّه بما يروضون
من طبعه بدون أن يقولوا له: إنك ظالم أو فاجر. وإذا رأوا في أمتهم عوائد يأباها
سليم الذوق، أو وجدوا منها أخلاقًا وأعمالاً لا تنطبق على شريعة الفضل، وقوانين
الشرع، عمدوا إلى تغيير العوائد، وتطهير الأعراق، وأخذوا في ذلك سبلاً متنوعة
في إنشاءاتهم، تارة بالقصص والحكايات التي تمثل شناعة الرذيلة وبهاء الفضيلة
وما آل إليه أمر المتدنسين بالأولى وما ارتقَى إليه حال المتحلّين بالثانية، وتارة
بقريض الشعر، يخيلون فيه ما يحرك الهمم ويبعث الأفكار وينبه خواطر الكمال،
وإحساسات الشرف الصحيح، لا بما يوقظ الشهوة ويقوي الغرور ويخرج الأنفس
عن أطوارها، والأخذ به من وجهه، والدخول إليه من بابه هو الذي صعدت به
الهند الأولى إلى أوج المجد، وبلغ به العرب أقصَى غايات الرفعة، وهو الذي
وصل بالأمم الأوربية إلى ما وصلوا إليه مما لا يخفى على ذي بصيرة، وإنا لنأسف
على ما نراه من أدباء المسلمين وشعرائهم، فإنهم يقصرون منشآتهم وأشعارهم على
ما يكوّن عد الصفات، إما مذمومة أو محمودة، ونسبتها إلى شخص يريدون مدحه
أو ذمه، ويحصرون رواياتهم في حكايات مضحكة وقصص هزيلة وبعض تواريخ
ماضية، بدون أن يلاحظوا تأثير ما يكتبون وما ينقلون في أفكار الأمة وأطوارها،
ورجاؤنا فيهم أن يسلكوا مسالك أدباء الأمم المتقدمة أو المعاصرة لهم، حتى يكون
للأمة الإسلامية نصيب من فوائد ذكائهم وفطنتهم، وسعة بيانهم، وطلاقة ألسنتهم،
وأن يأخذوا في منشآتهم وأشعارهم طريقاً ينهضون فيه الهمم الخوامد، ويحركون
القلوب الجوامد، ويحيون مكارم الشيم، ويوردون الأمة موارد سابقيها من الأمم،
وإننا نرى بداية هذا المنهج الحميد في بلادنا ونسأل الله حسن ختامه) . اهـ.
ونحن أيضاً نقول: إن بعض أهل بلادنا قد انتهج هذا المنهج، كما أومأنا إلى
ذلك عند تشبيه حالتنا الأدبية الحاضرة ﴿بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ
وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ (سبأ: ١٦) فقد عنينا بالسدر القليل - الذي هو من الثمار
الطيبة -: بعض الأفاضل من ذوي الأدب الصحيح. وثمرات أدواحهم ظاهرة في
جنات الجرائد والمصنفات الحديثة النافعة، ومنها يُعلم أن الترقي في المنشور أكثر
منه في المنظوم، ويدخل في المنظوم فن الأغاني، وهو من مهذبات الأمم، ولم
يترق في بلادنا، بل هو في حالة ضارة غير نافعة؛ لأنه مقصور على العشق
والغرام. وسنتكلم على الشعر والشعراء في العدد الآتي إن شاء الله، وندع الكلام
على الأغاني لفرصة أخرى، والله الموفق.
_________
(*) فاتحة العدد الثامن الذي صدر في ١٩ ذي الحجة سنة ١٣١٥.стр. 39
الكاتب: محمد رشيد رضا
الحواشي
(١) سعي مشكور
تألفت لجنة للسعي في جمع إعانة لجرحى الجيش المصري وعائلات قتلاه،
وقد بعث لنا كاتب سر اللجنة الفاضل برَقِيم يذكر فيه تأليف اللجنة مصحوباً بمنشور
الدعوة إلى هذا العمل المبرور، فنشرناهما بحروفهما وهما:
حضرة الفاضل المحترم صاحب جريدة المنار:
في يوم الثلاثاء ٢٦ أبريل سنة ١٨٩٨ اجتمع بمنزل صاحب السعادة أحمد
سيوفي باشا بالعباسية حضرات أمين فكري باشا ناظر الدائرة السنية، ومحمد ماهر
باشا محافظ مصر، والأستاذ الشيخ محمد عبده القاضي بمحكمة الاستئناف،
ويوسف سليمان بك رئيس نيابة مصر والشيخ عبد الرحيم الدمرداش، وسيدي الحاج
محمد الحلو وكيل دولة المغرب الأقصى، وأحمد بك أرناود، وعبد الرحيم بك
حجازى من أعيان العاصمة والخواجه شمعون أربيب وأحمد فتحي زغلول بك
رئيس محكمة مصر، وشكلوا منهم لجنة للقيام بفتح اكتتاب عام لمساعدة جرحى
الجيش وعائلات قتلاه وأيتامهم في الوقائع الأخيرة تحت رعاية الجناب العالي
الخديوي، وانتخبوا حضرة الأستاذ الشيخ محمد عبده رئيساً، وسعادة أحمد سيوفي
باشا أمينًا للصندوق، وحضرة أحمد فتحي زغلول بك كاتب سر اللجنة، وقرروا
إرسال منشور لأهل الخير وأولي البر والإحسان.
وفي يوم الخميس تشرف وفد من اللجنة بمقابلة سمو الأمير المعظم، عرضوا
ما قرروه على مسامعه الشريفة، فلقوا من جنابه العالي كل رعاية وتلطف، فكان
أول المكتتبين، وجرى على ذلك أيضًا صاحب العطوفة مصطفَى فهمي باشا رئيس
مجلس النظار وحضرات النظار، واجتمعت اللجنة بعد ذلك بمنزل سعادة أمين
الصندوق بالغورية وبعد تحرير المنشور والإقرار عليه كلف كاتب السر بإرساله إلى
الجرائد.
فقيامًا بما تقرر أبعث لحضرتكم بصورة المنشور رجاء نشره في جريدتكم
لتعليم العلم به، واقبلوا مزيد تحياتي.
... ... ... ... ... ... ... ... كاتب سر اللجنة
٧ مايو سنة ١٨٩٨ ... ... ... ... ... ... أحمد فتحي زغلول ...
١٦ ذي الحجة سنة ١٣١٥
(المنشور)
قد عرف الكافة ما جاء به الجند المصري الذي سِيقَ على البلاد السودانية،
مما يخلّد له ولبلده المجد والفخار، ولم يَخْفَ على أحد ما أصاب تلك الجنود في
الأيام الأخيرة، من قَتْل بعض ضباطهم وأفراد عساكرهم، وجَرْح عدد كثير منهم وإن
كان ما أصابهم قليلاً في جانب الظفر الذي نالوه بمعونة الله وثباتهم وشجاعتهم.
ومن المعلوم أن من قتل منهم ترك أيتامًا وأهلاً فيهم الضعفاء وذَوُو البأساء،
ومن جرح قد يعجز عن الكسب لو شفي ويحتاج إلى ما يقيم أوده ولو إلى أجل،
ومكان هؤلاء الشجعان من أهالي البلاد هو مكان الأخ الكريم من أخيه، أو العضو
الشريف من البدن السليم، ولا يسمح أخٌ ذو مروءة أن يدع أخاه في مثل هذا
المصاب يذهب فريسة الحاجة، والبدن السليم لا بد أن يألم لما يصيب أعضاءه،
ولهذا كان لأنباء ذلك المصاب هزة في قلوب الكثير من أهل الإحساس الطاهر في
جميع الطبقات، وأفاض كثير من الجرائد في استنهاض الهمم لمساعدة أولئك الرجال
أو أهليهم، وكان لكل واحد من سكان القطر المصري أن يبتدئ بدعوة باقيهم إلى هذا
العمل المجيد، والبادئ في الخير الداعي إليه هو في الحقيقة خادم لمن يستنهضه،
فإنه إنما يفتح سبيلاً لظهور كرم السجية، وسطوع ضوء الحَمِيّة، وقد قام بعض
الأعيان من أهل العاصمة بتأليف لجنة للسعي في جمع إعانة لمساعدة أولئك الجرحى
وأهالي القتلى، وعرضوا ما أرادوا الشروع فيه على الجناب الخديوي الفخيم؛
ليكون العمل تحت رعايته، فتفضّل جنابه السامي بقبول ذلك على جاري سننه
الشريفة في تعضيد الأعمال الخيرية، فاجتمعوا في يوم الثلاثاء ٥ ذي الحجة سنة
١٣١٥ الموافق ٢٦ أبريل سنة ١٨٩٨ بمنزل صاحب السعادة أحمد سيوفي باشا،
وانتخبوا الداعي رئيسًا، وسعادة أحمد سيوفي باشا أمين صندوق للإعانة، وحضرة
أحمد فتحي زغلول بك كاتب سر اللجنة، ثم عرض الأمر على الجناب السامي فسُرَّ
به، وكان أول من شرّف العمل بالاكتتاب وتفضّل به، وكذلك اكتتب صاحب
العطوفة رئيس مجلس النظار وبقية حضرات النظار، ثم أخذت اللجنة تتابع أعمالها
في دعوة أهل الخير للاشتراك في مساعدة إخوانهم، وحيث إن حضراتكم من أهل
الفضل وذوي الهمة والمروءة رأيت أن أبعث إليكم بهذا رجاء أن يرى لهمتكم الأثر
الجليل في هذا العمل الجميل، مع العلم بأن من يتفضل بدفع شيء من المعونة
لإخوانه المصابين، فإنما يفعل ذلك لمحض الشفقة والمرحمة، وصدوراً عن الهمة
والمروءة، ومن المعلوم أنه لا ينقُص مال من صدقة، ولن تُخذل أمة كان التعاون
من سجاياها، فأرجو أن تساعدوا بما استطعتم، وأن تقبلوا المساعدة ممن يليكم
ويقرُب منكم، وما يجتمع لديكم تتفضلون بإرساله إلى سعادة أمين الصندوق أحمد
سيوفي باشا بمصر، ويرسل لكم الإيصال حسْب العادة، والله لا يضيع أجر
المحسنين.
رئيس اللجنة محمد عبده (اهـ من العدد الثامن) .
_________стр. 40
٢٦ ذو الحجة - ١٣١٥ه ـ
١٧ مايو - ١٨٩٨م
следующие страницы →