← Баляга

Баляга · id 6951

معاهد التنصيص على شواهد التلخيص

أبو الفتح العباسي

Полный текст (694 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَهُوَ من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا أَبَا الْغَيْث مُوسَى بن إِبْرَاهِيم وَيعْتَذر إِلَيْهِ وأولها (شهدتُ لقد أقْوتْ مَعالمكم بَعدِي ... ومَحْت كَمَا مَحتْ وشائعُ مِنْ بُرد) (وأنجدتُمُ من بعد إتهام داركم ... فيا دمع أنجدني على سَاكِني نجدِ) (لعمري لقد أخلقتمُ جِدّةَ البكا ... بكاءَ وجَدَّدتم عليّ بِلَى الْوجدِ) إِلَى أَن قَالَ فِي مديحها (أَتانِي مَعَ الركْبَان ظن ظننته ... نَكسْتُ لهُ رَأْسِي حَياءَ من المجدِ) (لَقد نكب الْغدرُ الْوَفَاء بساحتي ... إِذا وَسرحتُ الذَمَّ فِي مَسرح الحْمدِ) (وَهتَّكْتُ بالقولِ الخَنا حُرمةَ العلَا ... وأسْلكت حُرَّ الشِّعر فِي مسلكِ الْبعد) (نسيت إِذا كم من يَد لَك شاكلت ... يدَ الْقرب أعدت مستهاما على الْبعد) (وَمنْ زَمنٍ ألْبستنيهِ كأنهُ ... إِذا ذُكرتْ أيَّامه زمنُ الوردِ) (وَإنكَ أحكمتَ الَّذِي بينَ فِكرتِي ... وبَينَ القوافِي منْ ذِمامِ ومنْ عَهْدِ) (وأصْلتَّ شِعرِي فَاعتلى رَونقَ الضُّحى ... ولولاكَ لم يَظهرْ زَماناً من الغِمدِ) (وَكيفَ وَمَا أخْللتُ بَعدَك بالحِجا ... وَأنتَ فَلم تُخلِلْ بِمكرمةٍ بعدِي) (أسَرْبِلُ هُجرَ القولِ مَنْ لوْ هَجوتهُ ... إِذاً لهجانِي عنهُ مَعروفهُ عِندِي)

стр. 37

وَبعده الْبَيْت وَبعده (ولوْ لم يَزعنِي عنَكَ غَيركَ وَازعٌ ... لأعديتنِي بالحِلم إنَّ العُلا تُعدِي) وَمعنى الْبَيْت هُوَ كريم إِذا مدحته وَافقنِي النَّاس على مدحه فيمدحونه لإسداء إحسانه إِلَيْهِم كإشسدائه إِلَيّ وَلَا أمدحه بِشَيْء إِلَّا صدقني النَّاس فِيهِ أَو أَن النَّاس وافقوني على وجود مَا يُوجب الْمَدْح للْإنْسَان من صِفَات الْكَمَال فِيهِ وَإِذا لمته لَا يوافقني أحد على لومه لعدم وجود الْمُقْتَضِي لَهُ فِيهِ وَفِي مَعْنَاهُ قَول الآخر (وَإذَا شكوتك لم أجد لي مُسعداً ... وَرُمِيتُ فِيمَا قُلتُ بالبهتان) // الْكَامِل // وَقد نَاقض هَذَا الْمَعْنى ابْن أبي طَاهِر بقوله (يَشركُنيِ الْعَالم فِي ذَمِّهِ ... لَكننِي أمدحُهُ وحدي) // السَّرِيع // وطاهر العتابي الْمَعْرُوف بالمعتمد الْبَغْدَادِيّ بقوله (مَدحتهمُ وَحدِي فلمَّا هَجوتهمْ ... هَجوتهمُ والنَّاسُ كلهم معي) // الطَّوِيل // وَالشَّاهِد فِيهِ التنافر أَيْضا لما فِي قَوْله أمدحه من الثّقل لقرب مخرج الْحَاء من مخرج الْهَاء لِأَن المخارج كلما قربت كَانَت الْأَلْفَاظ مكدودة قلقة غير مُسْتَقِرَّة فِي أماكنها وَإِذا بَعدت كَانَت بعكس الأول وَلِهَذَا لم يُوجد فِي كَلَام الْعَرَب الْعين مَعَ الْغَيْن وَلَا مَعَ الْحَاء وَلَا مَعَ الْخَاء وَلَا الطَّاء مَعَ التَّاء حذرا مِمَّا مر وَأَيْضًا فِيهِ ثقل من جِهَة التّكْرَار فِي أمدحه ولمته وَمن قَبِيح التّكْرَار قَول الشَّاعِر (وأزورَّ مَنْ كَانَ لهُ زَائِرًا ... وعاف عافي العُرْفِ عرْفانهُ) // السَّرِيع //

стр. 38

وَأَبُو تَمام اسْمه حبيب بن أَوْس بن الْحَرْث بن قيس بن الْأَشَج بن يحيى ابْن مَرْوَان يَنْتَهِي إِلَى طَيء قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْحسن بن بشر الْآمِدِيّ وَالَّذِي عِنْد أَكثر النَّاس فِي نسب أبي تَمام أَن أَبَاهُ كَانَ نَصْرَانِيّا من أهل جاسم قَرْيَة من قرى الجيدور من أَعمال دمشق يُقَال لَهُ تدوس الْعَطَّار فجعلوه أَوْسًا وَولد أَبُو تَمام بالقرية الْمَذْكُورَة سنة تسعين وَقيل سنة ثَمَان وَثَمَانِينَ وَمِائَة وَقيل سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وَنَشَأ بِمصْر وَقيل إِنَّه كَانَ يسْقِي المَاء بالجرة فِي جَامع مصر وَقيل كَانَ يخْدم حائكاً وَيعْمل عِنْده ثمَّ اشْتغل وتنقل إِلَى أَن صَار وَاحِد عصره فِي ديباجة لَفظه وفصاحة شعره وَحسن أسلوبه وَكَانَ لَهُ من المحفوظات مَا لَا يلْحقهُ فِيهِ غَيره حَتَّى قيل إِنَّه كَانَ يحفظ أَرْبَعَة عشر ألف أرجوزة للْعَرَب غير المقاطيع والقصائد وَله كتاب الحماسة الَّذِي دلّ على غزارة فَضله وإتقان مَعْرفَته وَحسن اخْتِيَاره وَله مَجْمُوع آخر سَمَّاهُ فحول الشُّعَرَاء جمع فِيهِ طَائِفَة كَثِيرَة من شعراء الْجَاهِلِيَّة والمخضرمين والإسلاميين وَله كتاب الاختيارات من شعر الشُّعَرَاء ومدح الْخُلَفَاء وَأخذ جوائزهم وَكَانَ فِي لِسَانه حبسة وَفِي ذَلِك يَقُول ابْن المعذل أَو أَبُو العميثل

стр. 39

(يَا نبيَّ الله فِي الشِّعرِ ويَا عِيسَى ابْن مريَمْ ... ) (أنْتَ من أشعرِ خلْقِ الله مَا لم تَتَكَلَّم ... ) // من مجزوء الرمل // وَهَذَا نوع من البديع يُسمى الهجاء فِي معرض الْمَدْح وَمن مليح مَا جَاءَ فِيهِ قَول ابْن سناء الْملك فِي قواد (لي صاحبٌ أفْديه من صاحبٍ ... حُلْو التّأتِّي حسنِ الاحتيَالِ) (لَو شاءَ منْ رقةِ ألفاظهِ ... ألَّفَ مَا بَين الهدَى والضلالِ) (يكْفيكَ منهُ أنَّه ربُما ... قادَ إِلَى المهجورِ طيْفَ الخيال) // السَّرِيع // وَمِنْه قَول ابْن أبي الإصبع يهجو فَقِيها ذَا ابْنة (ابنُ فُلَانِ أكرمُ النَّاس لَا ... يَمنعُ ذَا الحاجةِ منْ فلْسهِ) (وَهوَ فقيهٌٌ ذُو اجتهادٍ وقدْ ... نَصَّ على التَّقليدِ فِي دَرسهِ) (يستحسنُ البحْثَ على وَجههِ ... ويوجبُ الفِعلَ على نَفسه) // السَّرِيع // ووفد أَبُو تَمام إِلَى الْبَصْرَة وَبهَا عبد الصَّمد بن المعذل الشَّاعِر فَلَمَّا سمع بوصوله وَكَانَ فِي جمَاعَة من أَتْبَاعه وغلمانه خَافَ من قدومه أَن يمِيل النَّاس إِلَيْهِ ويعرضوا عَنهُ فَكتب إِلَيْهِ قبل دُخُوله الْبَلَد (أَنْت بَين اثْنَتَيْنِ تبرز للنَّاس ... وتلقاهُم بوجهٍ مُذالِ) (لَستَ تنفكُّ راجياً لوصَالِ ... منْ حَبيبٍ أَو رَاغِبًا فِي نَوال) (أيُّ ماءٍ يَبْقَى لوَجهكَ هذَا ... بَعدَ ذلِّ الهوَى وذل السُّؤَال) // الْخَفِيف // فَلَمَّا وقف على الأبيات أعرض عَن مقْصده وَرجع وَقَالَ قد شغل هَذَا مَا يَلِيهِ فَلَا حَاجَة لنا فِيهِ وَقد تبعه الْأَمِير مجير الدّين بن تَمِيم بقوله

стр. 40

(أَنْت بَين اثْنَتَيْنِ يَا نجل يَعْقُوب ... وكِلتاهمَا مَقرُّ السِّيادهْ) (لَستَ تنفكُّ رَاكِبًا أيْرَ عَبدٍ ... مُسبطِرّاً أَو حَامِلا خُفَّ غادهْ) (أيُّ ماءٍ لحرِّ وَجهَكَ يَبقى ... بَينَ ذلِّ البغَا وذل القيادة) // الْخَفِيف // وَلما أنْشد أَبُو تَمام أَبَا دلف الْعجلِيّ قصيدته البائية الَّتِي أَولهَا (على مثلهَا من أَربع وملاعب ... أُذِيلتْ مَصونْاتُ الدُّموع السواكب) // الطَّوِيل // استحسنها وَأَعْطَاهُ خمسين ألف دِرْهَم وَقَالَ وَالله إِنَّهَا لدوّنَ شعرك ثمَّ قَالَ وَالله مَا مثل هَذَا القَوْل فِي الْحسن إِلَّا مَا رثيت بِهِ مُحَمَّد بن حميد الطوسي فَقَالَ أَبُو تَمام وَأي ذَلِك أَرَادَ الْأَمِير قَالَ قصيدتك الرائية الَّتِي أَولهَا (كَذَا فليجل الْخطب وليفدح الْأَمر ... وَلَيْسَ لعين لم يفض مَاؤُهَا عذر) // الطَّوِيل // وددت وَالله أَنَّهَا لَك فيَّ فَقَالَ بل أفدي الْأَمِير بنفسي وَأَهلي وأكون الْمُقدم قبله فَقَالَ إِنَّه لم يمت من رثي بِهَذَا الشّعْر وَحدث الرياشي قَالَ كَانَ خَالِد الْكَاتِب مغرماً بالغلمان المرد ينْفق عَلَيْهِم كل مَا يُفِيد فهوى غُلَاما يُقَال لَهُ عبد الله وَكَانَ أَبُو تَمام الطَّائِي يهواه أَيْضا فَقَالَ فِيهِ خَالِد (قَضيبُ بَان جنَاهُ وَرْدُ ... يحملهُ وَجْنةٌ وَخَدُّ) (أثْنِ طرْفِي إلَيهِ إِلَاّ ... مَاتَ عَزَاءٌ وَعاشَ وَجْدُ) (مُلِّكَ طوْعَ النفوسِ حَتَّى ... عَلمه الزَّهوَ حِين يَبْدو) (فَاجْتمع الصدُّ فِيه حَتَّى ... لَيْسَ لخلقٍ سواهُ صد) // من مخلع الْبَسِيط // وَبلغ أَبَا تَمام ذَلِك فَقَالَ فِيهِ أبياتاً مِنْهَا قَوْله

стр. 41

(شعرُك هَذَا كُله مُفْرِطٌ ... فِي بَردِهِ يَا خالدُ البارِدُ) // السَّرِيع // فعلقها الصّبيان وَلم يزَالُوا يصيحون بِهِ يَا خَالِد يَا بَارِد حَتَّى وسوس وَقد هجا أَبَا تَمام فِي هَذِه الْقِصَّة فَقَالَ فِيهِ (يَا معشر المرْدِ إِنِّي ناصحٌ لَكُم ... والمرءُ فِي القَوْل بَين الصدْق وَالْكذب) (لَا ينكحنَّ حبيباً مِنْكُم أحدٌ ... فدَاء وَجْعائِهِ أعدى من الجَرَبِ) (لَا تأمَنوا أَن تحولوا بعدَ ثالثةٍ ... فتركبوا عمُداً لَيستْ من الخَشبِ) // الْبَسِيط // وَلما قصد أَبُو تَمام عبد الله بن طَاهِر بخراسان وامتدحه بالقصيدة الَّتِي أَولهَا (أهُنَّ عوادي يُوسُف وصواحبه ... ) // الطَّوِيل // أنكر عَلَيْهِ أَبُو العميثل وَقَالَ لَهُ لم لَا تَقول مَا يفهم فَقَالَ لَهُ لم لَا تفهم مَا يُقَال فَاسْتحْسن مِنْهُ هَذَا الْجَواب على البديهة وَذكر الصولي أَنه امتدح أَحْمد بن المعتصم أَو ابْن الْمَأْمُون بقصيدة سينية فَلَمَّا انْتهى إِلَى قَوْله فِيهَا (إقدام عمر وَفِي سماحةِ حاتمٍ ... فِي حِلم أحنْفَ فِي ذكاء إِيَاس) // الْكَامِل // قَالَ لَهُ الْكِنْدِيّ الفيلسوف وَكَانَ حَاضرا الْأَمِير فَوق مَا وصفت فَأَطْرَقَ قَلِيلا ثمَّ رفع رَأسه وَأنْشد (لَا تنُكروا ضربي لَهُ مَنْ دونه ... مَثلا شَروداً فِي الندى وَالباسِ) (فاللُه قد ضَرب الأقَلَّ لنوره ... مثلا مِنَ الْمِشكاةِ والنِّبراسِ) فعجبوا من سرعَة فطنته وَمَا ذكر من أَنه أنْشد القصيدة للخليفة وَأَن الْوَزير قَالَ أَي شَيْء طلبه فأعطه فَإِنَّهُ لَا يعِيش أَكثر من أَرْبَعِينَ يَوْمًا لِأَنَّهُ قد ظهر فِي عَيْنَيْهِ الدَّم من

стр. 42

١ - ٢ ٣ ٤ ٥ ٦ ٧ ٨ ٩ ١٠ ١١ ١٢ ١٣ رَأى أسَدَ العَرينِ فَهالهُ ... حتىَّ إِذا وَلىَّ تولىَّ يَنهقُ)

стр. 43

(هَيْهاتَ غالك أَن تَنالَ مآثِرِي ... إِسْتٌ بهَا سَعةٌ وَباعٌ ضَيِّقُ) (قُلْ مَا بدا لَكَ يَا ابْنَ برما فالصَّدَى ... بمهذب العقيان لَا يَتعلَّقُ) (أنعشتَ حتىَّ عبْتَهُمْ قُلْ لي متىَ ... فَرْزنْتَ سُرْعة مَا أرى يَا بَيْدق) (إياكَ يَعنِي الْقائِلوُنَ بِقولهمْ ... إِنَّ الشَّقِي بِكلِّ حَبْلٍ يخنْقُ) (فلتعْلمنَّ حَريمَ مَنْ وَإهَابَ مَنْ ... وَقَديمَ مَنْ وَحَدِيثَ مَنْ يَتَمزَّقُ) // الْكَامِل // وَقَوله من قصيدة أُخْرَى (أَعوامُ وَصل كادَ يُنسِي طيبَهَا ... ذِكرُ النَّوَى فَكَأَنَّهَا أيامُ) (ثُمَّ انبَرَتْ أيامُ هَجرٍ أردفَتْ ... نَحوي أسىً فَكَأَنَّهَا أَعوامُ) (ثمَّ انقضتْ تِلكَ السِّنونَ وَأهلهُا ... فَكَأَنَّهَا وَكَأَنَّهُم احلام) // الْكَامِل // وَقد اختصر معنى هَذِه الأبيات المتنبي فِي قَوْله (قصُرَتْ مدةُ اللَّيَالِي المواضي ... فأطَالتْ بهَا اللَّيَالِي الْبَوَاقِي) // الْخَفِيف // وَلابْن الفارض ﵀ هَذَا الْمَعْنى بِعَيْنِه مَعَ الِاخْتِصَار المعجز وَهُوَ (أعوامُ إقباله كَالْيَوْمِ فِي قِصَر ... ويومُ إعراضِه فِي الطول كالحجج) // الْبَسِيط // وديوان نظمه مَشْهُور وَقد نثرت من لآلئه فِي أثْنَاء هَذَا الْمُؤلف مَا فِيهِ غنى إِن شَاءَ الله تَعَالَى ٧ - (وَمَا مثله فِي النَّاسِ إِلَاّ مُملَّكاً ... أُبُو أُمَّهِ حَيٌّ أَبُوهُ يُقارِبُهْ) الْبَيْت للفرزدق من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا إِبْرَاهِيم بن هِشَام بن إِسْمَاعِيل المَخْزُومِي خَال هِشَام بن عبد الْملك بن مَرْوَان وَالشَّاهِد فِيهِ التعقيد وَهُوَ أَن لَا يكون الْكَلَام ظَاهر الدّلَالَة على المُرَاد

стр. 44

إِمَّا لخلل فِي نظم الْكَلَام فَلَا يتَوَصَّل مِنْهُ إِلَى مَعْنَاهُ أَو لانتقال الذِّهْن من الْمَعْنى الأول إِلَى الْمَعْنى الثَّانِي الَّذِي هُوَ لَازمه وَالْمرَاد بِهِ ظَاهرا وَالْأول هُوَ الشَّاهِد فِي الْبَيْت وَالْمعْنَى فِيهِ وَمَا مثله يَعْنِي الممدوح فِي النَّاس حيٌّ يُقَارِبه أَي أحد يُشبههُ فِي الْفَضَائِل إِلَّا مملكاً يَعْنِي هشاماً أَبُو أمه أَي أَبُو أم هِشَام أَبوهُ أَي أَبُو الممدوح فَالضَّمِير فِي أمه للمملك وَفِي أَبوهُ للممدوح ففصل بَين أَبُو أمه وَهُوَ مُبْتَدأ وَأَبوهُ وَهُوَ خَبره بأجنبي وَهُوَ حيٌّ وَكَذَا فصل بَين حَيّ ويقاربه وَهُوَ نَعته بأجنبي وَهُوَ أَبوهُ وَقدم المستثني على الْمُسْتَثْنى مِنْهُ فَهُوَ كَمَا ترَاهُ فِي غَايَة التعقيد وَكَانَ من حق النَّاظِم أَن يَقُول وَمَا مثله فِي النَّاس أحد يُقَارِبه إِلَّا مملك أَبُو أمه أَبوهُ وَمن التعقيد قَول الفرزدق أَيْضا (إِلى مَلكِ مَا أمه من محَارب ... أبُوه وَلا كانَتْ كُلَيْب تصاهره) // الطَّوِيل // أَي إِلَى ملك أَبوهُ مَا أمه من محَارب أَي مَا أمه مِنْهُم وَمثله قَول الشَّاعِر (فَمَا من فَتى كُنا مِن النَّاسِ وَاحداً ... بهِ نَبتغي مِنْهُم عديلا نبادله) // الطَّوِيل // أَي فَمَا من فَتى من النَّاس كُنَّا نبتغي وَاحِدًا مِنْهُم عديلا نبادله بِهِ وَقَول الآخر (وَمَا كنت أخْشَى الدَّهرَ إحلاس مُسلماً ... من النَّاس دينا جَاءهُ وَهُوَ مُسلم) // الطَّوِيل // أَي وَمَا كنت أخْشَى الدَّهْر إحلاس مُسلم مُسلما من النَّاس دينا جَاءَهُ وَهُوَ أَي جاآه مَعًا

стр. 45

وَمثله قَول أبي تَمام (كاثْنينِ فِي كَبدِ السماءِ وَلم يَكنْ ... كاثْنينِ ثانٍ إِذْ همَا فِي الغَارِ) // الْكَامِل // والفرزدق ﵀ اسْمه همام بن غَالب بن صعصعة التَّمِيمِي أَبُو فراس صَاحب جرير وَكَانَ أَبوهُ غالبٌ من جلة قومه وَمن سراتهم وكنيته أَبُو الأخطل لولد كَانَ لَهُ اسْمه الأخطل وَهُوَ شَاعِر أَيْضا وَوهم بَعضهم فِيهِ فَظَنهُ الأخطل التغلبي النَّصْرَانِي وَجعله أَخا للفرزدق وَهَذَا من أعجب الْعجب إِذْ الفرزدق مُسلم وَأَبوهُ وجده صعصعة صَحَابِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فَكيف يتَصَوَّر أَن يكون الأخطل النَّصْرَانِي أَخا لَهُ وصعصعة ﵁ لَهُ صُحْبَة لكنه لم يُهَاجر وَهُوَ الَّذِي أَحْيَا الوئيدة وَبِه افتخر الفرزدق فِي قَوْله (وجَدِّي الَّذِي مَنعَ الوَائدات ... فأحيا الوئيدَ فَلم توأد) // المتقارب // قيل إِنَّه ﵁ أَحْيَا ألف موءودة وَحمل على ألف فرس وَأم الفرزدق ليلى بنت حَابِس أُخْت الْأَقْرَع بن حَابِس ﵁ روى الفرزدق ﵀ عَن عَليّ بن أبي طَالب وَأبي هُرَيْرَة وَالْحُسَيْن

стр. 46

وَابْن عمر وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ ووفد على الْوَلِيد وَسليمَان ابْني عبد الْملك ومدحهما قَالَ ابْن النجار وَلم أر لَهُ وفادة على عبد الْملك بن مَرْوَان وَقَالَ الْكَلْبِيّ ﵁ وَفد على مُعَاوِيَة وَلم يَصح روى مُعَاوِيَة بن عبد الْكَرِيم عَن أَبِيه قَالَ دخلت على الفرزدق فَتحَرك فَإِذا فِي رجلَيْهِ قيد قلت مَا هَذَا يَا أَبَا فراس قَالَ حَلَفت أَن لَا أخرجه من رجْلي حَتَّى أحفظ الْقُرْآن وَكَانَ كثير التَّعْظِيم لقبر أَبِيه فَمَا جَاءَهُ أحد واستجار بِهِ إِلَّا قَامَ مَعَه وساعده على بُلُوغ عرضه وَقد اخْتلفت أهل الْمعرفَة بالشعر فِيهِ وَفِي جرير فِي المفاضلة بَينهمَا وَالْأَكْثَرُونَ على أَن جَرِيرًا أشعر مِنْهُ وَقد أنصف الْأَصْفَهَانِي فَقَالَ أما من كَانَ يمِيل إِلَى جودة الشّعْر وفخامته وَشدَّة أسره فَيقدم الفرزدق وَأما من كَانَ يمِيل إِلَى أشعار المطبوعين وإِلى الْكَلَام السَّمْح الْغَزل فَيقدم جَرِيرًا وَكَانَ جرير قد هجا الفرزدق بقصيدة مِنْهَا (وكنتُ إذَا نَزَلت بدار قوم ... رحَلْتَ بخَزْيةٍ وتَركتَ عارا) // الوافر // فاتفق أَن الفرزدق بعد ذَلِك نزل بِامْرَأَة من أهل الْمَدِينَة وَجرى لَهُ مَعهَا قصَّة يطول شرحها وَمُلَخَّص الْأَمر أَنه راودها عَن نَفسهَا بعد أَن كَانَت أضافته وأحسنت إِلَيْهِ فامتنعت عَلَيْهِ وَبلغ الْخَبَر عمر بن عبد الْعَزِيز ﵀ وَهُوَ يَوْمئِذٍ وَالِي الْمَدِينَة المنورة فَأمر بِإِخْرَاجِهِ مِنْهَا فأركب على نَاقَة لينفى فَقَالَ قَاتل الله ابْن المراغة يَعْنِي جَرِيرًا كَأَنَّهُ شَاهد هَذَا الْحَال حِين قَالَ وَذكر الْبَيْت السَّابِق وَمن شعره لما كَانَ فِي الْمَدِينَة المنورة (هُمَا دلَّتاني مِنْ ثَمَانِينَ قامةً ... كَمَا انْقَضَّ بازٍ أَقتم الرَّيش كاسرُه) (فَلَمَّا استَوتِ رِجلايَ فِي الأَرْض قَالَتَا ... أحَيٌّ يُرجَّى أم قتيلٌ نحاذره) (فَقُلتُ ارْفَعُوا الأسبْابَ لَا يَشعُروا بِنَا ... وأَقْبلتُ فِي أعجاز ليلٍ أبادرُه)

стр. 47

(أحَاذر بوَّابَيْنِ قد وكِّلَا بِنا ... وأسْوَدَ مِن ساجِ تَصر مسامره) // الطَّوِيل // فَقَالَ جرير لما بلغه ذَلِك (لقَد وَلدَتْ أمُّ الفرزدق فاجِراً ... فجاءَتْ بوَزْوَازٍ قصير القوادمِ) (يُوصِّلُ حِبْلَيِهِ إِذا جَنَّ ليلُهُ ... ليرْقى إِلَى جارَاته بِالسلَالمِ) (تدلَّيتَ تَزْنِي مِن ثمانينَ قامةً ... وقصَّرْت عَن باعِ العُلا وَالمكارمِ) (هُو الرِّجس ُيا أهلَ الْمَدِينَة فاحذرُوا ... مدَاخِل رِجْس بالخبيثات عالمِ) (لقدْ كانَ إِخراجُ الفَرْزدق عنكمُ ... طَهُوراً لما بَين الْمصلى وواقم) // الطَّوِيل // فَأجَاب الفرزدق عَنْهَا بقصيدة طَوِيلَة مِنْهَا (وَإِنَّ حَرَامًا أَن أسبَّ مقاعساً ... بآبائيَ الشُّم الكِرام الخَضارمِ) (وَلكنَّ نصفا لَو سببْتُ وسبَّني ... بنُو عبدِ شمسٍ من منافٍ وَهاشمِ) (أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئنِي بِمِثْلِهمْ ... وأعتدُّ أَن أهجو كليبا بدارم) // الطَّوِيل // وَلما سمع أهل الْمَدِينَة أَبْيَات الفرزدق الأول جاؤا إِلَى مَرْوَان بن الحكم وَهُوَ وَالِي الْمَدِينَة من قبل مُعَاوِيَة فَقَالُوا مَا يصلح هَذَا الشّعْر بَين أَزوَاج رَسُول الله ﷺ وَقد أوجب على نَفسه الْحَد فَقَالَ مَرْوَان لست أحده وَلَكِن أكتب إِلَى من يجده وَأمره بِأَن يخرج من الْمَدِينَة وأجله ثَلَاثَة أَيَّام لذَلِك فَقَالَ الفرزدق (توعدَّنِي وأجَّلني ثَلَاثًا ... كَمَا وُعِدَتْ لمُهلكِهَا ثَمُود) // الوافر //

стр. 48

ثمَّ كتب مَرْوَان إِلَى عَامله كتابا يَأْمُرهُ أَن يحده ويسجنه وأوهمه أَنه كتب لَهُ بجائزة ثمَّ نَدم مَرْوَان على مَا فعل فَوجه سفيراً وَقَالَ للفرزدق إِنِّي قد قلت شعرًا فاسمعه (قُلْ للفرزدق والسَّفَاهةُ كاسْمهَا ... إِن كُنتَ تَاركَ مَا أمرْتك فاجلس) (وَدَعِ المدينةَ إنهَّا مَرهوبة ... واقصدْ لِمكَّةَ أوْ لبيتِ الْمُقَدّس) (وَإِن اجْتنبت من الأمورِ عَظيمةً ... فَخذنْ لِنفسك بالعظيم الأكيس) // الْكَامِل // فَلَمَّا وقف الفرزدق عَلَيْهَا فطن لما أَرَادَ مَرْوَان فَرمى الصَّحِيفَة وَقَالَ (يَا مَرْوُ إنَّ مَطيَتيِ مَحبوسَةٌ ... تَرجوُ الحِباءَ وَرَبُّها لم يَيأسِ) (وَحبوتنِي بِصحيفةٍ مَخْتُومةٍ ... يُخشى عليّ بهَا حِباءُ النُّقْرِسِ) (ألقِِ الصَّحيفةَ يَا فَرزدقُ لَا تكنْ ... نكدَاءَ مِثلَ صَحيفةِ المُتلمَسِ) وأتى سعيد بن الْعَاصِ الْأمَوِي وَعِنْده الْحسن وَالْحُسَيْن وَعبد الله تَعَالَى بن جَعْفَر ﵃ فَأخْبرهُم الْخَبَر فَأمر لَهُ كل وَاحِد بِمِائَة دِينَار وراحلة وَتوجه إِلَى الْبَصْرَة فَقيل لمروان أَخْطَأت فِيمَا فعلت فَإنَّك عرضت عرضك

стр. 49

لشاعر مُضر فَوجه إِلَيْهِ رَسُولا وَمَعَهُ مائَة دِينَار وأرحله خوفًا من هجائه وَنزل يَوْمًا فِي بني منقر والحي خلوف فَجَاءَت أَفْعَى فَدخلت مَعَ جَارِيَة فراشها فصاحت فاحتال الفرزدق فِيهَا حَتَّى انسابت ثمَّ ضم الْجَارِيَة إِلَيْهِ فزبرته ونحته عَنْهَا فَقَالَ (وأهْوَنُ عَيْبٍِ المِنْقَريَّةِ أنَّها ... شَدِيدٌ ببَطنِ الحنظليّ لُصُوقها) (رَأَتْ مِنقراً سُودًا قِصاراً وأبْصرَت ... فَتَى دارميّاً كالهلال يَروقُها) (وَمَا أَنا هجْتُ المِنقريةَ للصِّبا ... وَلكنهَا اسْتَعصتْ عَليّ عروقها) // الطَّوِيل // فَمَا هجاها استعدت عَلَيْهِ زياداً فهرب إِلَى مَكَّة المشرفة فأظهر زِيَاد أَنه لَو أَتَاهُ لحباه فَقَالَ الفرزدق (دَعانِي زِيادٌ لِلعطاء وَلم أكن ... لأقربَهُ مَا سَاق ذُو حَسبٍ وَقرَا) (وَعندَ زِيادٍ لَو يُريدُ عَطاءهمْ ... رِجالٌ كَثيرٌ قَدْ يَرَى بِهمُ فَقْرَا) (وإِنِّي لأخشى أنْ يَكون عطَاؤه ... إِذا هَمَّ سُوداً أَو مُحدرجةً سُمْراً) // الطَّوِيل // قَالَ ابْن قُتَيْبَة سُودًا يَعْنِي السِّيَاط والمحدرجة الْقُيُود وَهَذِه الْجَارِيَة يُقَال لَهَا ظمياء وَهِي عمَّة اللعين الشَّاعِر الْمنْقري وَدخل الفرزدق مَعَ فتيَان من آل الْمُهلب فِي بركَة يتبردون فِيهَا وَمَعَهُمْ ابْن أبي عَلْقَمَة الماجن فَجعل يتفلت إِلَى الفرزدق وَيَقُول دَعونِي أنكحه فَلَا يهجونا أبدا وَكَانَ الفرزدق من أجبن النَّاس فَجعل يستغيث وَيَقُول لَا يمس جلده جلدي فَيبلغ ذَلِك جَرِيرًا فَيُوجب عَليّ أَنه قد كَانَ مِنْهُ إِلَيّ الَّذِي يَقُول فَلم يزل يناشدهم حَتَّى كفوه عَنهُ وَركب يَوْمًا بغلته وَمر بنسوة فَلَمَّا حاذاهن لم تتمالك البغلة ضراطاً فضحكن مِنْهُ فَالْتَفت إلَيْهِنَّ وَقَالَ لَا تضحكن فَمَا حَملتنِي أُنْثَى إِلَّا ضرطت فَقَالَ إِحْدَاهُنَّ مَا حملك أَكثر من أمك فأراها قد قاست مِنْك ضراطاً عَظِيما فحرك بغلته وهرب

стр. 50

وَيُقَال إِنَّه مر وَهُوَ سَكرَان على كلاب مجتمعة فَسلم عَلَيْهِم فَلَمَّا لم يسمع الْجَواب أنشأ يَقُول (فَمَا ردّ السَّلامَ شيوخُ قَومٍ ... مَررتُ بهم على سِكَك البريدِ) (ولَا سيمَا الذِي كانتْ عَليهِ ... قطيفة أرجُوَانٍ فِي الْقعُود) // الوافر // وَقَالَ مَا أعياني جوابٌ قطّ إِلَّا جَوَاب دهقان مرّة قَالَ لي أَنْت الفرزدق الشَّاعِر قلت نعم قَالَ إِن هجوتني تخرب ضيعتي قلت لَا قَالَ فتموت عيشونة ابْنَتي قلت لَا قَالَ فرجلي إِلَى عنقِي فِي حر أمك فَقلت وَيحك لم تركت رَأسك قَالَ حَتَّى أنظر أَي شَيْء تصنع يَا ابْن الزَّانِيَة وَكَانَ الفرزدق يَقُول خير السّرقَة مَا لَا يقطع فِيهِ يَعْنِي بذلك سَرقَة الشّعْر وَقَالَ قد علم النَّاس أَنِّي أفحل الشُّعَرَاء وَرُبمَا أَتَت عَليّ السَّاعَة وَقلع ضرس من أضراسي أَهْون عَليّ من قَول بَيت وَمن جيد شعره قَوْله (قَالَت وَكَيف يميلُ مِثلكَ لِلصِّبا ... وعَليكَ مِنْ سِمةِ الحَليم وقارُ) (والشَّيبُ يَنهضُ فِي الشَّبابِ كأنهُ ... لَيلٌ يَصيحُ بجانبيهِ نَهَار) // الْكَامِل // وَقيل للعين الْمنْقري اقْضِ بَين جرير والفرزدق فَقَالَ (سأقضي بَين كلب بَني كليْبٍ ... وبينَ القَينِ قَينِ بني عِقال) (فإنَّ الكلبَ مَطعمُهُ خَبيثٌ ... وإنَّ القَينَ يَعملُ فِي سِفال) (فَمَا بُقْيَا عَليَّ تركْتماني ... ولكنْ خِفتُما صرد النِّبال) // الوافر // وَقَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء حضرت الفرزدق وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ فَمَا رَأَيْت أحسن ثِقَة مِنْهُ بِاللَّه تَعَالَى توفّي سنة عشر وَمِائَة وَقيل سنة اثْنَتَيْ عشرَة وَقيل سنة أَربع عشرَة ورثاه جرير بِأَبْيَات مِنْهَا قَوْله

стр. 51

(فَلَا وَلدتْ بعَدَ الفَرزدقِ حامِلٌ ... وَلا ذاتُ بَعلٍ من نِفَاس تعلت) (هُوَ الوَافدُ الميمونُ والراتِقُ الثَّأَي ... إِذا النَّعلُ يَوْمًا بالعشيرةِ زلَّتِ) // الطَّوِيل // ورثاه أَيْضا بِغَيْر ذَلِك وَقَالَ ابْنه لبطة: رَأَيْت أبي فِي الْمَنَام فَقلت مَا فعل الله بك قَالَ نفعتني الْكَلِمَة الَّتِي نازعت فِيهَا الْحسن عِنْد الْقَبْر وَذَلِكَ أَن الْحسن الْبَصْرِيّ لما وقف على قبر النوار زَوْجَة الفرزدق والفرزدق وَاقِف مَعَه وَالنَّاس ينظرُونَ فَقَالَ الْحسن مَا للنَّاس فَقَالَ الفرزدق ينظرُونَ خير النَّاس وَشر النَّاس فَقَالَ إِنِّي لست بخيرهم وَلست بشرهم وَلَكِن مَا أَعدَدْت لهَذَا المضطجع فَقَالَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مُنْذُ سبعين سنة ورؤي فِي النّوم فَقيل لَهُ مَا فعل الله بك قَالَ غفر لي بإخلاصي يَوْم الْحسن وَقَالَ لَوْلَا شيبتك لعذبتك بالنَّار وقصته فِي تزَوجه بالنوار ابْنة عَمه شهيرةٌ ورزق مِنْهَا أَوْلَادًا وهم لبطه وسبطة وكلطة وَلَيْسَ لوَاحِد مِنْهُم عقب ٨ (سَأطلُبُ بعد الدَّار عَنْكُم لتقربوا ... وتسكب عَيْنَايَ الدُّمُوع لتجمدا) // الطَّوِيل // الْبَيْت للْعَبَّاس بن الْأَحْنَف من أبياتٍ من الطَّوِيل وَالشَّاهِد فِيهِ السَّبَب الثَّانِي الْحَاصِل بِهِ التعقيد وَهُوَ الِانْتِقَال فَإِن معنى الْبَيْت أطلب وَأُرِيد الْبعد عَنْكُم أَيهَا الْأَحِبَّة لتقربوا إِذْ من عَادَة الزَّمَان الْإِتْيَان بضد المُرَاد فَإِذا أُرِيد الْبعد يَأْتِي الزَّمَان بِالْقربِ وَأُرِيد وأطلب الْحزن الَّذِي هُوَ لَازم الْبكاء ليحصل السرُور بِمَا هُوَ من عَادَة الزَّمَان فَأَرَادَ

стр. 52

أَن يكني عَمَّا يُوجِبهُ دوَام التلاقي من السرُور بالجمود لظَنّه أَن الجمود هُوَ خلو الْعين من الْبكاء مُطلقًا من غير اعْتِبَار شَيْء آخر وَأَخْطَأ فِي مُرَاده إِذْ الجمود هُوَ خلو الْعين من الْبكاء حَالَة إِرَادَة الْبكاء مِنْهَا كَقَوْل أبي عَطاء يرثي ابْن هُبَيْرَة (أَلَا إنَّ عَيْناً لم تَجُدْ يَومَ وَاسِطٍ ... عَلَيْكَ بِجَارِي دمعها لجمود) // الطَّوِيل // وَقَول كثير عزة (وَلم أدْرِ أنَّ العَيْنَ قَبْلَ فِرَاقِهَا ... غَدَاة الشبا مِنْ لاّعِجِ الوَجْدِ تَجْمُدُ) // الطَّوِيل // فَلَا يكون الجمود كِنَايَة عَن السرُور بل عَن الْبُخْل فَيكون الِانْتِقَال من جمود الْعين إِلَى بخلها بالدموع لَا إِلَى مَا قَصده من السرُور وَلَو كَانَ فِي الجمود صلاحيةٌ لِأَن يُرَاد بِهِ عدم الْبكاء حَال المسرة لجَاز أَن يُقَال فِي الدُّعَاء لَا زَالَت عَيْنك جامدة كَمَا يُقَال لَا أبكى الله عَيْنك وَهَذَا غير مَشْكُوك فِي بُطْلَانه وَعَلِيهِ قَول أهل اللُّغَة سنةٌ جماد أَي لَا مطر فِيهَا وناقة جماد أَي لَا لبن فِيهَا وَقد فسر الْمبرد فِي الْكَامِل هَذَا الْبَيْت بِغَيْر هَذَا فَقَالَ هَذَا رجل فَقير يبعد عَن أهل ويسافر ليحصل مَا يُوجب لَهُم الْقرب وتسكب عَيناهُ الدُّمُوع فِي بعده عَنْهُم لتجمدا عِنْد وُصُوله إِلَيْهِم وَأنْشد (تقَولُ سُلَيْمى لَو أقمتَ بِأرضنا ... وَلم تَدْرِ أَنِّي للِمُقَامِ أَطُوف) // الطَّوِيل // وَمِنْه قَول الرّبيع بن خَيْثَم وَقد صلى طول ليلته حَتَّى أصبح وَقَالَ لَهُ رجل أَتعبت نَفسك فَقَالَ راحتها أطلب وَمثله قَول روح بن حَاتِم بن قبيصَة ابْن الْمُهلب وَنظر إِلَيْهِ رجل وَاقِفًا بِبَاب الْمَنْصُور فِي الشَّمْس فَقَالَ لَهُ الرجل قد طَال وقوفك فِي الشَّمْس فَقَالَ روح ليطول قعودي فِي الظل وَقَالَ الزّجاج فِي أَمَالِيهِ أخبرنَا أَبُو الْحسن الْأَخْفَش قَالَ كنت يَوْمًا يحضرة

стр. 53

ثَعْلَب فأسرعت الْقيام قبل انْقِضَاء الْمجْلس فَقَالَ لي إِلَى أَيْن مَا أَرَاك تصبر عَن مجْلِس الْخُلْدِيِّ يَعْنِي الْمبرد فَقلت لَهُ لي حَاجَة فَقَالَ لي إِنِّي أرَاهُ يقدم البحتري على أبي تَمام فَإِذا أَتَيْته فَقل لَهُ مَا معنى قَول أبي تَمام (أآلِفةَ النَّحيبْ كم افْتراقٍ ... أظلَّ فكانَ دَاعِيَة اجْتِمَاع) // الوافر // قَالَ أَبُو الْحسن فَلَمَّا صرت إِلَى أبي الْعَبَّاس الْمبرد سَأَلته عَنهُ فَقَالَ معنى هَذَا أَن المتحابين والمتعاشقين قد يتصارمان ويتهاجران دلالاً لَا عزماً على القطيعة فَإِذا حَان الرحيل وأحسا بالفراق تراجعا إِلَى الوداد وتلاقيا خوف الْفِرَاق وَأَن يطول الْعَهْد بالالتقاء بعده فَيكون الْفِرَاق حِينَئِذٍ سَببا للاجتماع كَمَا قَالَ الآخر (مُتِّعا بالفِراقِ يَومَ الفراقِ ... مُستجيرَيْنِ بالبُكا والعناقِ) (وأَظَلَّ الفِراقُ فَالْتَقَيَا فِيهِ ... فِراقٌ أتاهُمَا باتَّفاقِ) (كَيفَ أَدْعُو على الفراقِ بحَتْفٍ ... وَغدَاةً الفِراق كَانَ التلاقي) // الْخَفِيف // قَالَ فَلَمَّا عدت إِلَى مجْلِس ثَعْلَب سَأَلَني عَنهُ فَأَعَدْت عَلَيْهِ الْجَواب والأبيات فَقَالَ مَا أَشد تمويهه مَا صنع شَيْئا إِنَّمَا معنى الْبَيْت أَن الْإِنْسَان قد يُفَارق محبوبه رَجَاء أَن يغنم فِي سَفَره فَيَعُود إِلَى محبوبه مستغنياً عَن التَّصَرُّف فَيطول اجتماعه مَعَه أَلا ترَاهُ يَقُول فِي الْبَيْت الثَّانِي (ولَيستْ فَرحةُ الأوْباتِ إلَاّ ... لِمَوقوفٍ عَلى تَرح الوَدَاعِ) وَهَذَا نَظِير قَول الآخر بل مِنْهُ أَخذ أَبُو تَمام (سَأْطلبُ بُعدَ الدَّار عَنْكُم لتقربوا ... وتسكب عَيْنَايَ الدُّمُوع لِتجمُدَا) هَذَا ذَاك بِعَيْنِه وَذكرت بِمَا تقدم آنِفا من أَن عَادَة الزَّمَان الْإِتْيَان بضد المُرَاد أَي وَإِن كَانَ على وفْق الْإِرَادَة الإلهية قَول الباخرزي (ولَطالمَا اخترتُ الفراقَ مُغالِطاً ... واحتْلتُ فِي اسثمار غَرسِ ودادي)

стр. 54

(ورَغِبتُ عَن ذِكِر الوصَالِ لِأَنَّهَا ... تُبنَى الأمُورُ على خِلافِ مرادي) // الْكَامِل // وَالْعَبَّاس بن الْأَحْنَف هُوَ خَال إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الصولي وَهُوَ حَنَفِيّ يمامي وَكَانَ رَقِيق الْحَاشِيَة لطيف الطباع وَله مَعَ الرشيد أَخْبَار قَالَ بشار مَا زَالَ غُلَام من بني حنيفَة يدْخل نَفسه فِينَا ويخرجها حَتَّى قَالَ (أبْكِي الذينَ أذاقوني مودَّتَهمُ ... حَتَّى إِذا أيْقظونِي لِلهوى رقدُوا) (وَاستنهضوني فَلَمَّا قُمتُ مُنتصباً ... بثقل مَا حمَّلوني مِنهمُ قعدُوا) (لأخْرجنَّ من الدُّنيا وحبُّهم ... بَين الجَوانح لم يَشعرْ بِهِ أحد) // الْبَسِيط // وَكَانَ فِي الْعَبَّاس آلَات الظّرْف كَانَ جميل المنظر نظيف الثَّوْب فاره الْمركب حسن الْأَلْفَاظ كثير النَّوَادِر شَدِيد الِاحْتِمَال طَوِيل المساعدة طلبه يحيى بن خَالِد الْبَرْمَكِي يَوْمًا فَقَالَ إِن مَارِيَة هِيَ الْغَالِبَة على أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإنَّهُ جرى بَينهمَا عتب فَهِيَ بعزة دَالَّة المعشوق تأبى أَن تعتذر وَهُوَ بعز الْخلَافَة وَشرف الْملك وَالْبَيْت يَأْبَى ذَلِك وَقد رمت الْأَمر من قبلهمَا فأعياني وَهُوَ أَحْرَى أَن تستفزه الصبابة فَقل شعرًا تسهل بِهِ عَلَيْهِ هَذِه الْقَضِيَّة وَأَعْطَاهُ دَوَاة وقرطاساً فَطَلَبه الرشيد فَتوجه إِلَيْهِ ونظم الْعَبَّاس قَوْله (العاشقانِ كِلاهما مُتغضِّبُ ... وكِلاهما مُتوجِّدٌ مُتجنِّبُ)

стр. 55

(صَدَّتْ مُغاضِبةً وصَدّ مُغاضِباً ... وكِلاهما مِمَّا يُعالج مُتعَبُ) (رَاجعْ أحبتَّكَ الذينَ هجرتهمْ ... إنّ المُتيَّم قَلما يتجنَّبُ) (إنْ التجنُّبَ إنْ تَطاولَ مِنكما ... دبّ السُّلُوُّلهُ فَعزَّ الْمطلب) // الْكَامِل // ثمَّ قَالَ لأحد الرُّسُل أبلغ الْوَزير إِنِّي قد قلت أَرْبَعَة أَبْيَات فَإِن كَانَ فِيهَا مقنع وجهت بهَا إِلَيْهِ فَعَاد الرَّسُول وَقَالَ هَاتِهَا فَفِي أقل مِنْهَا مقنع فَكتب الأبيات وَكتب تحتهَا أَيْضا (لَا بدَّ لِلعاشقِ مِنْ وَقفةٍ ... تَكونُ بَين الوَصلِ وَالصَّرْمِ) (حَتَّى إذَا الهجرُ تَمادى بهِ ... رَاجعَ مَنْ يَهوَى على رغم) // السَّرِيع // فَدفع يحيى الرقعة إِلَى الرشيد فَقَالَ وَالله مَا رَأَيْت شعرًا أشبه بِمَا نَحن فِيهِ من هَذَا الشّعْر وَالله لكَأَنِّي قصدت بِهَذَا فَقَالَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَأَنت الْمَقْصُود بِهِ فَقَالَ الرشيد يَا غُلَام هَات نَعْلي فإنني وَالله أرَاجعهَا على رغم فَنَهَضَ وأذهله السرُور أَن يَأْمر للْعَبَّاس بِشَيْء ثمَّ إِن مَارِيَة لما علمت بمجيء الرشيد إِلَيْهَا تَلَقَّتْهُ وَقَالَت كَيفَ ذَلِك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَأَعْطَاهَا الشّعْر وَقَالَ هَذَا الَّذِي جَاءَ بِي إِلَيْك قَالَت فَمن قَالَه قَالَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف قَالَت فَبِمَ كوفئ قَالَ مَا فعلت بعد شَيْئا فَقَالَت وَالله لَا أَجْلِس حَتَّى يكافأ فَأمر لَهُ بِمَال كثير وَأمرت هِيَ لَهُ بِدُونِ ذَلِك وَأمر لَهُ يحيى بِدُونِ مَا أمرت بِهِ وَحمل على برذون ثمَّ قَالَ لَهُ الْوَزير من تَمام النِّعْمَة عنْدك أَن لَا تخرج من الدَّار حَتَّى نؤثل لَك بِهَذَا المَال ضَيْعَة فَاشْترى لَهُ ضيَاعًا بجملة من ذَلِك المَال وَدفع إِلَيْهِ بَقِيَّته وَحدث أَبُو بكر الصولي عَن أبي زَكَرِيَّا الْبَصْرِيّ قَالَ حَدثنِي رجل من قُرَيْش قَالَ خرجت حَاجا مَعَ رفْقَة لي فعرجنا عَن الطَّرِيق لنصلى فجاءنا غُلَام

стр. 56

فَقَالَ لنا هَل فِيكُم أحد من أهل الْبَصْرَة فَقُلْنَا كلنا من أهل الْبَصْرَة فَقَالَ إِن مولَايَ من أَهلهَا ويدعوكم إِلَيْهِ فقمنا إِلَيْهِ فَإِذا هُوَ نَازل على عين مَاء فَجَلَسْنَا حوله فأحس بِنَا فَرفع طرفه وَهُوَ لَا يكَاد يرفعهُ ضعفا وَأَنْشَأَ يَقُول (يَا بَعيدَ الدَّارِ عَنْ وَطنهْ ... مُفرداً يَبكي على شَجنهْ) (كلمَّا جَدَّ الرَّحيلُ بِهِ ... زادتِ الأسْقَام فِي بدنه) // الرمل // ثمَّ أُغمي عَلَيْهِ طَويلا وَنحن جُلُوس حوله إِذْ أقبل طَائِر فَوَقع على أعالي شَجَرَة كَانَ تحتهَا وَجعل يغرد فَفتح عَيْنَيْهِ وَجعل يسمع تغريد الطَّائِر ثمَّ أنشأ يَقُول (ولَقدْ زَادَ الفُؤادَ شَجًى ... طائرٌ يَبكي على فَنَنِهْ) (شَفَّهُ مَا شَفّنِي فَبكى ... كُلنا يَبكي على سَكنهْ) ثمَّ تنفس نفسا فاضت مَعَه نَفسه فَلم نَبْرَح عِنْده حَتَّى غسلناه وكفناه وتولينا الصَّلَاة عَلَيْهِ فَلَمَّا فَرغْنَا من دَفنه سَأَلنَا الْغُلَام عَنهُ فَقَالَ هَذَا الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف وَكَانَت وَفَاته سنة ثَلَاث وَتِسْعين وَمِائَة وَقيل سنة اثْنَتَيْنِ وَمَا ذكر من أَنه مَاتَ هُوَ وَالْكسَائِيّ وَإِبْرَاهِيم الْموصِلِي وهشيمة الخمارة فِي يَوْم وَاحِد وَأَن الرشيد أَمر الْمَأْمُون أَن يُصَلِّي عَلَيْهِم وَأَنه قدم الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف ﵀ لقَوْله (وسَعَى بهَا قَومٌ وَقَالُوا إنَّها ... لَهيَ الَّتِي تَشقىَ بِها وتُكابِدُ) (فَجَحدتُهمْ ليكونَ غَيركَ ظَنُّهم ... إِنِّي لَيُعجبني المحِبُّ الجاحِدُ) // الْكَامِل //

стр. 57

فَفِيهِ نظر لِأَن الْكسَائي مَاتَ سنة تسع وَثَمَانِينَ وَمِائَة على خلاف فِيهِ وَمَا كَانَ الْمَأْمُون مِمَّن يقدم الْعَبَّاس على مثل الْكسَائي وَأَيْضًا فقد روى الصولي أَنه رأى الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف بعد موت الرشيد بمنزله بِبَاب الشَّام وَالله أعلم أَي ذَلِك كَانَ وَمن شعره (وحَدَّثْنَي يَا سَعْدُ عَنْهُم فزدني ... جنونا فودني مِنْ حدَيثكَ يَا سَعْدُ) (هَواها هَوىً لم يَعرِفِ القَلبُ غَيره ... فَليسَ لَهُ قَبلٌ ولَيسَ لَهُ بعد) // الطَّوِيل // وَمِنْه أَيْضا (إِذا أَنْت لم تَعطفْكَ إِلَّا شفَاعةٌ ... فَلَا خير فِي وُدٍّ يَكونُ بِشافعِ) (وأقسِمُ مَا تَركى عِتابَكَ عَنْ قِلًى ... وَلكنْ لِعلمي أَنه غيرُ نافعِ) (وإنِّيَ إِن لم ألزَمِ الصَّبرَ طَائعاً ... فَلَا بدَّ مِنه مُكرهاً غير طائع) // الطَّوِيل // وَمن رَقِيق شعره قَوْله من جملَة قصيدة (يَا أَيهَا الرِّجلُ المعذِّب نَفسهُ ... أقْصر فَإِن شِفاءكَ الإِقصارُ) (نزف البكاءُ دُموع عَينكَ فَاسْتَعِرْ ... عَيناً يُعينكَ دَمعُها المِدرارُ) (من ذَا يُعيركَ عَينه تبْكي بهَا ... أَرَأَيْت عَيناً للبكاء تعار) // الْكَامِل // وشعره كُله جيد وجميعه فِي الْغَزل لَا يكَاد يُوجد فِيهِ مديح رَحمَه الله تَعَالَى

стр. 58

٩ - (سبوح لَهَا مِنْهَا عَليْهَا شَوَاهِدُ ... ) قَائِله أَبُو الطّيب المتنبي من قصيدة من الطَّوِيل يمدح بهَا سيف الدولة ابْن حمدَان أَولهَا (عَواذلُ ذَات الخالِ فيَّ حواسِدُ ... وإنَّ ضَجيعَ الخودِ منِّي لَماجدُ) (يَرُدُّ يدا عنْ ثوبها وهُو قادرٌ ... ويَعصي الهوَى فِي طَيفها وهُو رَاقدُ) (مَتى يَشتفي من لاعج الشَّوق فِي الحشا ... مُحبٌّ لَهَا فِي قُرْبهِ مُتباعدُ) (إِذا كُنت تخشى العارَ فِي كلِّ خلْوَة ... فَلم تتصباك الحِسانُ الخرائدُ) (أَلحَّ عَليَّ السُّقُم حَتَّى ألفتُهُ ... ومَلَّ طَبيبي جَانِبي والعوائدُ) (أهُمَّ بِشيءِ والليالي كَأَنَّهَا ... تُطاردني عَن كَونهِ وأطَاردُ) (وحِيدٌ منَ الخِلَاّنِ فِي كل بَلدَة ... إِذا عَظُمَ المطْلوبُ قَلَّ المسَاعدُ) (وتُسعدُني فِي غَمرة بَعْدَ غَمرة ... سَبوح لَهَا مِنْهَا عَلَيْهَا شَوَاهِد) // الطَّوِيل // وَمِنْهَا قَوْله فِي المديح (خَليليِّ إِنِّي لَا أرى غير شاعرٍ ... فَكم منهمُ الدَّعْوَى ومني القصائد) (فَلَا تَعَجبا إِن السيوف كَثِيرَة ... وَلَكِن سيف الدولة الْيَوْم واحِدُ) وَهِي طَوِيلَة والسبوح الْفرس الْحسن الجري يُقَال فرسٌ سابح وسبوح وخيل سوابح

стр. 59

لسبحها بِيَدَيْهَا فِي مسيرها وسبوح اسْم فرس لِرَبِيعَة بن جشم وَهُوَ مَرْفُوع على أَنه فَاعل تسعدني وَالْمعْنَى وتعينني على توارد الغمرات فِي الحروب فرس سبوح يشْهد بكرمها خِصَال هِيَ لَهَا مِنْهَا أَدِلَّة عَلَيْهَا وَالشَّاهِد فِيهِ كَثْرَة التّكْرَار وتتابع الإضافات وَهِي قَوْله لَهَا مِنْهَا عَلَيْهَا وَالله تَعَالَى أعلم ١٠ - (حَمَامَةَ جَرْعَا حَوْمَةِ الجَنْدَلِ اسْجَعي ... ) قَائِله ابْن بابك الشَّاعِر الْمَشْهُور من قصيدة من الطَّوِيل وَتَمَامه (فَأنْتِ بِمَرأى من سُعادَ ومَسمع ... ) والجرعاء هِيَ الرملة الطّيبَة المنبت لَا وعوثة فِيهَا أَو الأَرْض ذَات الحزونة تشاكل الرمل أَو الدعص لَا ينْبت أَو الْكَثِيب جانبٌ مِنْهُ حِجَارَة وجانب رمل وحومة الْقِتَال معظمه وَكَذَلِكَ من المَاء والرمل وَغَيره والجندل الْحِجَارَة والسجع هدير الْحمام وَنَحْوه وَالْمعْنَى يَا حمامة جرعاء هَذَا الْموضع اسجعي وترنمي طريا فَأَنت بمرأى من الحبيبة ومسمع فجدير لَك أَن تطربي إِذْ لَا مَانع لَك مِنْهُ وَالشَّاهِد فِيهِ تتَابع الإضافات فَإِنَّهُ أضَاف حمامة إِلَى جرعا وحومة إِلَى الجندل وَهُوَ من عُيُوب الْكَلَام قَالَ الْقزْوِينِي وَفِيه نظر لِأَن ذَلِك إِن أفْضى بِاللَّفْظِ إِلَى الثّقل على اللِّسَان فقد حصل الِاحْتِرَاز عَنهُ بِمَا تقدم أَي بقوله من تنافر الْكَلِمَات مَعَ فصاحتها وَإِلَّا فَلَا يخل بالفصاحة كَيفَ وَقد جَاءَ فِي التَّنْزِيل ﴿مثل دَاب قوم نوح﴾ وَقد

стр. 60

قَالَ ﷺ الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم ابْن الْكَرِيم يُوسُف بن يَعْقُوب بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم قيل لَا نسلم وجود تتَابع الإضافات فِي الحَدِيث الشريف إِذْ لَفْظَة الابْن صفة لما قبلهَا وَلَيْسَ مَا قبلهَا مُضَافا إِلَيْهَا وَعَن الصاحب بن عباد إياك والإضافات المتداخلة فَإِنَّهَا لَا تحسن وَذكر الشَّيْخ عبد القاهر أَنَّهَا تسْتَعْمل فِي الهجاء كَقَوْل الْقَائِل (يَا عَليّ بن حَمْزَة بن عُمارهْ ... أنتَ وَالله ثَلجةٌ فِي خِيَاره) // الْخَفِيف // قَالَ وَلَا شكّ فِي ثقل ذَلِك لكنه إِذا سلم من الاستكراه ملح وظرف وَمِمَّا حسن فِيهِ قَول ابْن المعتز (وظَلَّتْ تُديرُ الراحَ أَيدي جآذرٍ ... عِتاقِ دَنانيرِ الوجُوهِ مِلاحِ) // الطَّوِيل // (وَقَول الخالدي (ويَعرفُ الشِّعرَ مِثلَ مَعْرِفتي ... وهْوَ على أَن يزِيد مُجْتَهد) (وصَيرفِيُّ القَريضِ وزَّانُ دِينَار ... المعاتي الدِّقاق مُنتقدُ) // المنسرح // وَهَذَانِ البيتان لسَعِيد بن هِشَام الخالدي الشَّاعِر الْمَشْهُور من قصيدة يصف فِيهَا غُلَاما لَهُ وَهِي بديعة فَأَحْبَبْت ذكرهَا وَهِي (مَا هُوَ عَبدٌ لكنَّهُ ولدُ ... خولنيه المهين الصَّمدُ) (وَشدَّ أزرِي بحُسن خِدمتهِ ... فَهْو يَدِي والذراعُ وَالعضُدُ) (صَغيرُ سِنٍّ كَبيرُ مَنفعةٍ ... تَمازجَ الضعفُ فِيه وَالجلَدُ) (فِي سنِّ بَدِر الدُّجا وَصوُرَتِه ... فَمثلهُ يَصطفَى وَيُعتَقدُ)

стр. 61

(مُعشَّقُ الطْرفِ كُحله كَحَلٌ ... مُعَطّلُ الْجيدِ حَلْيهُ الجَيَدُ) (وَوردُ خَدَّيْهِ والشقائِقُ وَالتفاحُ ... والجُلّنارُ مُنتضدُ) (رِياضُ حُسنٍ زَواهرٌ أبدا ... فِيهنَّ مَاءُ النَّعيم مُطّردُ) (وَغصنُ بَانٍ إِذا بَدا وَإِذا ... شَدَا فَقُمْرِيُّ بَانةٍ غَرِدُ) (مُبارك الوجِهِ مُذْ حَظيتُ بهِ ... بَالي رَخيٌّ وَعيشتي رَغدُ) (أُنْسى وَلهوِي وَكلُّ مَأرَبَتي ... مجتمعٌ فِيه لِي وَمُنفرِدُ) (مُسامرِي إِنْ دَجَا الظَّلامُ فَلي ... مِنهُ حَدِيثٌ كَأنهُ الشَّهدُ) (ظريفُ مَزْحٍ مَليحُ نَادرَةٍ ... جَوْهرُ حسنٍ شَرارهُ يَقدُ) (خازنُ مَا فِي دارِي وَحَافظهُ ... فَليسَ شيءٌ لَديُّ مُفتقَدُ) (وَمنفقٌ مُشفقٌ إِذا أنَا أَسْرفتُ ... وَبذَرْتُ فهْو مُقتصدُ) (يَصون كُتبي فكلُّها حَسنٌ ... يَطوي ثِيَابِي فَكلُّها جَدُد) (وَأبصرُ النَّاس بالطبيخ فكالمسك ... القلايا والعنبر الثردُ) (وْهو يُديرُ المدامَ إنْ جُليتْ ... عَروسُ دَنً نقابها الزَّبد) (يَمنح كأسي يدا أناملهُا ... تَنْحلُّ منْ لِينها وتنعقدُ) (ثَقَّفهُ كَيسهُ فَلَا عِوجٌ ... فِي بعض أخلاقهُ وَلَا أود) وَبعده البيتان وبعدهما أَيْضا (وَكاتبٌ تُوجدُ البلاغةُ فِي ... ألفاظهِ والصوابَ وَالرشَدُ) (وَواجدٌ بِي من المحبةِ وَالرأفةِ ... أضعافَ مَا بِهِ أجدُ) (إِذا تَبسَّمتُ فَهوَ مُبتهجٌ ... وَإِن تَنمردتُ فَهوَ مُرتعدُ)

стр. 62

(ذَا بَعضُ أوْصافهِ وَقدْ بَقيتْ ... لهُ صِفاتٌ لمْ يحوها أحدُ) وَقد عارضها الشهَاب مَحْمُود بقصيدة يذم فِيهَا غُلَاما لَهُ وَهِي (مَا هُوَ عبد علا ولَا ولدُ ... إلَاّ عناءٌ تَضنى بِهِ الكبِدُ) (وَفرط سقمٍ أَعْيا الأساةَ فلَا ... جِلْدٌ عليهِ يَبقى وَلَا جَلَدُ) (أقبحُ مَا فِيهِ كلُّه وَلقدْ ... تَساوتِ الروحُ مِنْهُ والجسدُ) (أشبهُ شيءٍ بالقردِ فهوَ لهُ ... إنْ كَانَ لِلقرد فِي الْورى ولدُ) (ذُو مُقلةٍ حشوُ جَفنها عَمَصٌٌ ... تَسيلُ دَمعاً وَما بهَا رَمدُ) (وَوجنةٍ مِثل صبغةِ الوَرْسِ ... لكنْ ذاكَ صافٍ وَلونها كمِدُ) (كَأَنَّمَا الخدُّ فِي نَظافتهِ ... قدْ أكِلَتْ فَوق صَحنهِ غُدَدُ) (يقطر سُمّاً فَضحكهُ أبدا ... شرّ بُكاءٍ وَبِشرهُ حَرَدُ) (يجمعُ كَفّيهِ مِنْ مَهانتهِ كَأَنَّهُ فِي الهّجيرِ مُرتعدُ) (يُطرِق لَا مِنْ حَيا وَلا خَجلٍ ... كأنّهُ لِلترابِ مُنتقدُ) (ألَكنُ إِلَاّ فِي الشتمِ يَنبحُ كالْكلبِ ... وَلوْ أنَّ خَصمهُ الأَسدُ) (يَشتمني الناسُ حِينَّ يَشتمهمْ ... إذْ لَيْسَ يرضى بشمته أحدُ) (كَسلانُ إلَاّ فِي الأ كل فَهُوَ إِذا ... مَا حضر الأ كل جَمَرةٌ تَقِدُ) (كَالنارِ يَوْمَ الرِّياحِ فِي الْحطب اليابسِ ... تأتِي على الَّذِي تجدُ) (يَرفُلُ فِي حُلةٍ منبته ... من قمله رقم طرزها طرد) (أجملُ أوْصافهِ النميمةُ وَالْكذب ... وَنقل الْحديثِ وَالحَسدُ) (كُلُّ عُيوب الورَى بِهِ اجْتَمعتْ ... وَهو بأضعافِ ذَاكَ مُنفردُ) (إِنْ قُلتُ لَمْ يَدرِ مَا أقولُ وَإنْ ... قالَ كِلَانَا فِي الْفَهم مُتحد) (كأنّ مَا لي إِذا تَسلّمَهُ ... مَاءٌ قَرَاحٌ وَكَفُّهُ سرد)

стр. 63

(حَملتهُ لِي دُوَيَّة حَسنتْ ... كُنتُ عَليها فِي الظَّرفِ أعْتمدُ) (كَمثلِ زَهرِ الرِّياضِ مَا وَجدَتْ ... عَيني لهَا مُشبهاً وَلا تجدُ) (فمرَّ يَوْماً بهَا عَلى رَجُلٍ ... لَديهِ عِلمُ اللُّصوصِ يَستندُ) (أوْدَعها عنِدهُ فَفرَ بهَا ... وَما حَواهُ مِنْ بَعدها الْبلدُ) (فَجاء يَبكي فَظَلْتُ أضحكُ مِنْ ... فِعلي وَقلبي بِالغيظِ يَتْقدُ) (وَقالَ لِي لَا تَخفْ فحليتهُ ... مَسهورةُ الشكل حِينَ يُفتقدُ) (عَليه ثَوبٌ وَعمةٌ ولهُ ... ذَقنٌ وَوجهٌ وَساعدٌ ويدُ) (وَقائلٍ بعهُ قُلتُ خُذهُ وَلَا ... وَزنٌ تُجازِي بِهِ وَلَا عددُ) (فَفي الذِي قَدْ أضاعهُ عِوضٌ ... وَهُوَ على أَن يزِيد مُجْتَهد) // المنسرح // وَمثله قَول رَاشد الْكَاتِب فِي غُلَام لَهُ قد بَاعه وَكَانَ اسْمه نفيساً فَسَماهُ خسيسا (بعْنا خَسيسْاً فَلم يحزن لَهُ أحد ... وَغابَ عَنا فَغابَ الهمُّ والنكدُ) (أهْونْ بهِ خَارِجا منْ بَين أظْهرنا ... لم نَفتقده وكلبُ الدَّارِ يُفتقدُ) (قَدْ عَرِّيتْ مِنْ صُنوفِ الخَير خِلقتهُ ... فَلَا رُواءٌ ولَا عَقلٌ ولَا جلدُ) (يَدعُو الفحولَ إِلى مَا تَحتَ مِئزره ... دُعاء منْ فِي استه النيرانُ تتقد) // الْبَسِيط // وَقَالَ فِيهِ أَيْضا (عَرضنا خَسيساً فاحتمى كلُّ تاجرٍ ... شِراهُ وأعْيا بَيْعهُ كلَّ دَلالِ) (وَمَا باتَ فِي قَومٍ يَحبُّونَ قُربهُ ... فأصبحَ إلَاّ وَالمحبُّ لهُ قالي) (فَمَا فِي يديهِ خِدمةٌ يُشتهى لهَا ... ولَا عِندهُ مَعنىً يُرادُ على حالِ) (بَلى لَيس يَخلو من مَعايبِ أهلهِ ... وَإنْ أَصبْحوا فِي ذِروةِ الشَّرفِ العالي)

стр. 64

(إِذا لم يجدْ فيهمْ مقَالا رَماهمُ ... بِبعض عيوبِ النَّاسِ فِي الزَّمنِ الْخَالِي) (وَيحتالُ فِي اسْتخراجِ مَا فِي بُيوتهمْ ... بِما قَصرتْ عَنهُ يَدا كلِّ مُحتال) (وَإِن حملوه سر أَمرٍ أذاعَهُ ... وكادَهُمُ فِيهِ كِيادةَ مغُتالِ) (ويَعبثُ بالجيرانِ حَتَّى يُملَّهمْ ... وَيُبرِمُ أهلَ الدَّار بالقِيلِ والقَالِ) (يُريهمْ صُروفَ الدَّهرِ مِن حَمقاته ... أعاجيِبَ لم تَخْطر بوَهِم وَلَا بَال) (أَقولُ وَقدْ مَروا بِهِ يَعرضونهُ ... إِلَى النَّار فاذهبْ لَا رَجَعْتَ وَلَا مَالِي) // الطَّوِيل // وَقَالَ الْعَلامَة ابْن الوردي ﵀ يهجو عبدا لَهُ اسْمه بهادر (بَهادرُ عَبدٌ لَا بَهاءٌ وَلَا دُرُّ ... فَما أَنا حرٌ يومَ قوَلي لَهُ حر) // الطَّوِيل // وَأما ابْن بابك فَهُوَ عبد الصَّمد بن مَنْصُور بن الْحسن بن بابك الشَّاعِر الْمَشْهُور أحد الشُّعَرَاء المجيدين المكثرين وَهُوَ بغدادي وَله ديوَان كَبِير وأسلوب رائق فِي نظم الشّعْر طَاف الْبِلَاد ومدح الأكابر كعضد الدولة والصاحب بن عباد وَغَيرهمَا وأجزلوا لَهُ الجوائز وَذكر صَاحب الْيَتِيمَة أَنه كَانَ يشتو فِي حَضْرَة الصاحب بن عباد ويصيف فِي وَطنه وَقد ذكر ذَلِك فِي بعض قصائده قَالَ وقرأت للصاحب فصلا فِي ذكره فاستملحته وَهُوَ أما ابْن بابك وَكَثْرَة غشيانه بابك فَإِنَّمَا تغشي منَازِل الْكِرَام والمنهل العذب كثير الزحام وَمن شعره فِي وصف الْخمر من قصيدة

стр. 65

(عُقارٌ عَليها منْ دَم الصَّبِّ نُقطةٌ ... ومنْ عَبراتِ المستهام فواقع) (معودة غضب الْعُقُول كَأَنَّمَا ... لَهَا عِند ألبابِ الرِّجال وَدائعُ) (تَحَيَّرَ دَمعُ المزنِ فِي كأسها كَمَا ... تحيرُ فِي وَردِ الخدودِ الْمدامعُ) // الطَّوِيل // وَله من أُخْرَى فِي وصف إضرام النَّار فِي بعض غِيَاض طَرِيقه إِلَى الصاحب (وَمقلةٍ فِي مَجرّ الشَّمْس مَسحبها ... أرْعيتها فِي شباب السُّدفة الشهُّبا) (حَتَّى أرَتني وعينُ الشَّمْس فاترةٌ ... وجهَ الصَّباح بذيل اللَّيْل منتقبا) (وَلَيْلَة بتُّ أَشْكُو الهمَّ أوَلها ... وَعدتُ آخرِهَا أستنجد الطَّربا) (فِي غَيضةٍ مِنْ غِياضِ الْحسن دَانيةٍ ... مَدَّ الظَّلامُ على أرْواقها طُنبا) (يُهدِي إِلَيْهَا مُجاج الخمرِ ساكِنُها ... وكلمَّا دبَّ فِيهَا أثمرت لهبا) (حَتى إِذا النَّار طاشتْ فِي ذَوائِبها ... عادَ الزُّمردُ مِن عيدانِها ذَهبا) (مَرقتُ مِنها وَثغرُ الصُّبح مُبتسم ... إِلَى أغرَّ يرَى المذْخورَ مَا وَهبا) // الْبَسِيط // وَله أَيْضا (أحببته أسودَ الْعَينَيْنِ والشعره ... فِي عَيْنَيْهِ عِدةٌ لِلوصل مُنتظَرَهْ) (لدنَ المقلَّد مَخطوف الحشا ثَملاً ... رَخصَ العظامِ أشمَّ الأنفِ وَالقَصَرَهْ) (لِلظبي لَفتتهُ والغصنِ قامتَهُ ... وَالرَّوضِ مَا بثَّه وَالرَّمل مَا سَتَرهْ) (تكادُ عَيني إِذا خاضتْ محاسنَهُ ... إليهِ تَشربهُ منْ رِقةِ الْبشرهْ) (حَتَّى إِذا قلت قد أمْلَلْتُها شَرهتْ ... شَوقاً إليهِ وَفِي عَينِ المحبِّ شَرهْ) // الْبَسِيط //

стр. 66

وَمِنْه (زَمرُ الغروبِ وأصواتُ النَّواعيرِ ... والشَّربُ فِي ظلّ أكواخِ المناظيرِ) (وَصرعة بينَ إِبريقٍ وباطية ... ونقرة بينَ مِزمارٍ وطَنبورِ) (أشهى إِلَيّ من البَيْدَاء أعسْفِهُا ... ومِنْ طُلوع الثَّنايا الشُّهبِ والقورِ) (يَا رُبَّ يَوْمٍ على القَاطُولِ جَاذْبني ... صُبح الزُّجاجةِ فيهِ فَضلَةُ النُّور) (صَدَعْتُ طُرتهُ والشَّمسُ قاصِدَة فِي يَلمق مِن ضَبابِ الدجْنِ مَزرُورِ) (كأنَّ مَا انْهَلّ مِنْ أهْدَاب مُزْنتهِ ... دَمعٌ تَساقَطَ مِن أجفانِ مَهجورِ) (فَمِنْ رشاشٍ عَلى الرِّيحانِ مُقتحمٍ ... ومِنْ رَذاذٍ على المنْثور منثور) // الْبَسِيط // وَمن شعره أَيْضا (وغدير مَاء أفغمت أطْرَافهُ ... كالدَّمع لما ضَاقَ عَنهُ مَجالُ) (قَمرُ الرياض إِذا الغُصُونُ تَعَدَّلت ... وإِذا الغُصونُ تهَدَّلت فهِلَالُ) // الْكَامِل // وَمِنْه وَهُوَ غَرِيب التَّشْبِيه (وافى الشِّتاءُ فَبزَّ النَّوْرُ بهجته ... فِعلَ المشيب بشَعر اللِّمَّةِ الرجِلِ) (وَرْدٌ تفتَّحَ ثُمَّ ارتَدَّ مُجتمِعاً ... كمَا تجمَّعَتِ الأَفْوَاه للقبل) // الْبَسِيط // وَقد أَخذه الْأَمِير مجير الدّين بن تَمِيم مَعَ بن زِيَادَة التَّضْمِين فَقَالَ (سِيقَتْ إلَيْكَ مِنَ الحَدَائق ورْدَة ... وأتتْكَ قبل أوانها تطفلا) (طَمعت بِلثمِكَ إذْ رأتك فَجمَّعت ... فَمَها إِلَيْك كطالب تقبيلا) // الْكَامِل // وَهَذَا التَّضْمِين من بَيت للمتنبي فِي وصف النَّاقة وَهُوَ (ويُغيرُني جذْبُ الزِّمام لقلبها ... فَمها إليكِ كطالب تقبيلا) // الْكَامِل // فنقله ابْن تَمِيم إِلَى وصف زر الْورْد فَأحْسن غَايَة الْإِحْسَان وَهُوَ من قَول مُسلم بن الْوَلِيد

стр. 67

(وَالعيسُ عَاطفةُ الرؤسِ كَأَنَّمَا ... يَطلبنَ سرّ محدثٍ فِي المجلسِ) // الْكَامِل // وَفِي مثل قَول ابْن تَمِيم قَول الخباز الْبَلَدِي دوبيت (ووردة تحكي بسبق الْورْد ... طَلِيعَة تسرعتْ من جنُد) (قَد ضمَها فِي الْغُصْن قرص الْبرد ... ضم فمٍ لقُبلةٍ من بُعْدِ) وَذكرت بِهَذَا مَا قَالَه صاعد اللّغَوِيّ صَاحب كتاب الفصوص يصف باكورة ورد حملت إِلَى أبي عَامر مُحَمَّد بن أبي عَامر الملقب بالمنصور (أتَتكَ أَبا عَامر وَردةٌ ... يُحاكِي لكَ الْمسك أنفاسها) (كعذراء أبصرهَا مبصر ... فغطت بأكمامها راسها) // المتقارب // فَاسْتحْسن الْمَنْصُور مَا جَاءَ بِهِ فحسده الْحُسَيْن بن العريف فَقَالَ هِيَ للْعَبَّاس ابْن الْأَحْنَف فناكره صاعد فَقَامَ ابْن العريف إِلَى منزله وَوضع أبياتاً وأثبتها فِي صفح دفتر وَقد نقض بعض أسطاره وأتى بهَا قبل افْتِرَاق الْمجْلس وَهِي (عَشوتُ إِلَى قَصرِ عَباسةٍ ... وَقدْ جَدْلَ النَّومُ حُراسَهَا) (فألْفيتها وَهيَ فِي خِدْرها ... وَقدْ صَدَعَ السكر أنَّاسها) (فَقالتْ أسارٍ على هَجَعة ... فَقلتُ بَلى فَرمتْ كاسها) (ومدَّت إِلَى وردةٍ كَفَّها ... يُحاكي لَك الْمسك أنفاسها) (كعذراء أبصرهَا مبصر ... فغطت بأكمامِها رَاسها) (وقالَتْ خَفِ الله لَا تَفضحنِّ ... فِي ابْنةِ عَمك عبَاسَها) (فَوليت عَنها على غفَلةٍ ... وَلَا خنُتُ ناسي وَلَا ناسها) // المتقارب // قَالَ فَخَجِلَ صاعد وَحلف فَلم يقبل مِنْهُ وافترق الْمجْلس على أَنه سَرَقهَا

стр. 68

وتمكنت فِي صاعد لِأَنَّهُ كَانَ يُوصف بِغَيْر الثِّقَة فِيمَا يَنْقُلهُ وَمن شعر أبن بابك يصف زِمَام النَّاقة وَهُوَ معنى جيد (ولَقدْ أتَيتُ إِليكَ تحملُ بزَّتي ... حَرفٌ يُسكَّنُ طَيشهَا الذأَلانُ) (يَنفِي الزَّفيرُ خُطامهَا فكأنهُ ... غَارٌ يُحاول نقبه ثعبان) // الْكَامِل // وَقد زَاد فِيهِ على المتنبي وَقد ذكر الْخَيل (نجاذبُ فِيهَا لِلصباحِ أعِنَّةً ... كأنَّ على الأعناقِ مِنْهَا أفاعيَا وَهُوَ من قَول ذِي الرمة // من الطَّوِيل // (رَجيعة أسْقَامٍ كَأنَّ زِمامَها ... شُجاعٌ على يُسرَي الذِّراعَيْنِ مطرق) // الطَّوِيل // على أَن ذَا الرمة لم يزدْ على التَّشْبِيه شَيْئا والمتنبي أَتَى بِهِ فِي عرض بَيته وَزَاد مقصداً آخر وَهُوَ أَن الْخَيل لَا تتْرك إِلَّا عنة تَسْتَقِر فِي أَيدي فرسانها لما فِيهَا من سُورَة المرح وَحسن الْبَقِيَّة بعد طول السرى فَكَأَنَّمَا الأعنة أفاع تلدغ أعناقها إِذا باشرتها فتجاذبها الفرسان الأعنة وَهِي تجاذبهم إِيَّاهَا وَهَذَا لم يَقْصِدهُ ذُو الرمة وَلَا يُؤْخَذ من بَيته وَمن شعر أبن بابك بَيت من قصيدة فِي غَايَة الرقة وَهُوَ (ومَرَّ بيَ النَّسيمُ فَرقَّ حتَّى ... كَأَنِّي قد شَكوتُ إليهِ مَا بِي) // الوافر // وَنقل بَعضهم أَن ابْن بابك لما وَفد على الصاحب بن عباد وأنشده مدائحه فِيهِ طعن عَلَيْهِ بعض الْحَاضِرين وَذكر أَنه منتحل وَأَنه ينشد قصائد قد قَالَهَا ابْن نباتة السَّعْدِيّ فَأَرَادَ الصاحب ابْن عباد أَن يمتحنه فاقترح عَلَيْهِ أَن يَقُول قصيدة يصف فِيهَا الْفِيل على وزن قَول عَمْرو بن معدي كرب (أَعدَدْت للحدثان سابغة ... وعداء علندي) // الْكَامِل // فَقَالَ (قَسماً لَقَدْ نَشر الحيا ... بمنَاكب العَلَميْنِ بُرْدا)

стр. 69

(وتَنفّستْ يمَنِيةٌ ... تَستضْحك الزّهر المنَدّى) (وجريحَة اللَّبّاتِ تَنْثُرُ ... مِنْ سَقيطِ الدَّمعِ عقدَا) (نازعتها حلب الشؤن ... وقلّما استَعَبرْتُ وجْدَا) (ومُسَاجِلٍ لِي قَدْ شَقَقْتُ ... لِدَائهِ فِي فيّ لَحْدَا) (لَا تَرْم بِي فَأَنا الَّذِي ... صيرت حُرّ الشِّعرِ عَبْدَا) (بشوارد شمس القياد ... يَزِدن عِنْدَ القُربِ بُعدَا) (ومُمَسّكِ البُرْديْنِ فِي ... شِبهِ النّقا شِيةً وقَدَّا) (وكأنما نَسَجَتْ عَلَيْهِ ... يَدُ الغمامَ الجَون جلْدَا) (وَإذا لَوَتْكَ صِفاته ... أعْطاك نَسَّ الرّوم نَقْدَا) (فكأنّ مِعصم غادة ... فِي مَا ضغيه إِذا تَصَدّى) (وَكأنّ عودا عَاطلاً ... فِي صَفحتيهِ إذَا تَبدَّى) (يَحدُو قَوائمَ أَرْبعاً ... يَتركنَ بالتلعاتِ وَهدَا) (جأبُ المطوق قد تفرد ... بالكراهةِ واسْتبدَّا) (فَإِذا تَجللَ هَضبةً ... فكأنّ ظِلّ اللَّيلِ مَدَّا) (وَإذا هَوَى فكانَّ رُكنا ... منْ عُمانٍ قدْ تردّى) (وَإذا اسْتقلَّ رَأيتَ فِي ... أعْطافهِ هَزلاً وَجِدَا) (مُتقرطاً أذنا تَعي ... زَجرَ العسوفِ إِذَا تَعدّى) (خَرقاء لَا يجد السرَار ... إِذا تَوَلَّجَهَا مَردّا) (أوطأته صرعى بسيفي ... وَاجتنيتُ وِصال سَعُدَي) (مَلك رَأى الإِحسانَ مِنْ ... عُدَدِ النَّوائبِ فَاستْعدّا) (كَافِي الكُفاةِ إِذا انثنتْ ... مُقلُ القنا الخطَّارِ رُمدَا)

стр. 70

(تَكسوهُ نَشَر العرفِ كَفٌّ ... منْ جُفونِ الطَّلِّ أنْدَى) (لَا زْلتَ يَا أملَ العفاة لفارطِ الإِملاقِ وِردّا) (فَالقَ اللَّيالِي لابساً ... عَيشاً بَرودَ الظِّلِّ رغدا) // الْكَامِل // فاستحسنها الصاحب وَلَام الطاعن عَلَيْهِ على كذبه وادعائه أَنه انتحل شعر غَيره فَقَالَ يَا مَوْلَانَا هَذَا وَالله مَعَه سِتُّونَ فيلية كلهَا على هَذَا الْوَزْن لِابْنِ نباتة فَضَحِك مِنْهُ وَكَانَ الصاحب قد برز أمره لِابْنِ بابك وَغَيره من الشُّعَرَاء الَّذين بِحَضْرَتِهِ أَن يصفوا الْفِيل على هَذَا الْوَزْن فَمن قصيدة لأبي الْحسن الْجَوْهَرِي (يَزهو بِخُرْطومٍ كَمثلِ ... الصَّولجانِ يردّ رَدّا) (متمدد كالأفعوان ... تَمدُّهُ الرّمضاء مدَّا) (أَوْ كمِّ رَاقصةٍ تُشيرُ ... بهِ إِلَى الندْمانِ وَجدَا) (وكأنهُ بوق يحركه ... لينفح فيهِ جدّا) (يَسطو بِصارِمَتي لحيّ ... يحطمان الصخر هدّا) (أذُناهُ مِروحتانِ أسندتا ... إِلَى الفودينِ غمدا) (عَيناه غائرتانِ ضيقتا ... لجمع الضّوء عمدَا) وَمن قصيدة لأبي مُحَمَّد الخازن (وَكأنما خُرطومهُ ... رَاووُق خَمر مدّمدّا) (أوْ مثلُ كمٍّ مُسبلٍ ... أرْخته لِلّتوديع سُعدَى) (وَإِذا التوى فَكأنه الثعبانُ ... منْ جَبلٍ تَردَّى) (وَكأنما انْقلبتْ عَصا ... مُوسى غَداة بهَا تحدَّى) وَكَانَت وَفَاته فِي سنة عشر وَأَرْبَعمِائَة بِبَغْدَاد رَحمَه الله تَعَالَى شَوَاهِد الْفَنّ الأول وَهُوَ علم الْمعَانِي

стр. 71

١١ - (جَاءَ شَقِيق عارضا رُمْحَهُ ... إِنَّ بَنِي عمك فيهم رماح) الْبَيْت لحجل بن نَضْلَة من السَّرِيع وَبعده (هَلْ أحدْثَ الدّهرُ لنَا ذِلَّةً ... أَمْ هَلْ رَمتْ أُمُّ شَقيقٍ سلَاح) // السَّرِيع // شَقِيق هُنَا اسْم رجل وَالْمعْنَى جَاءَ هَذَا الرجل وَاضِعا رمحه عرضا مفتخراً بتصريف الرماح مدلاً بشجاعته دَالا ذَلِك على إعجاب شَدِيد مِنْهُ واعتقادٍ بِأَنَّهُ لَا يقوم إِلَيْهِ أحد من بني أَعْمَامه كَأَنَّهُمْ كلهم عزلٌ لَيْسَ مَعَ أحد مِنْهُم رمح فَقيل لَهُ تنكب وخل لَهُم طريقهم لِئَلَّا تتزاحم عَلَيْك رماحهم وتتراكم عَلَيْك أسنتها إِن بني عمك فيهم رماح كَثِيرَة وَالشَّاهِد فِيهِ تَنْزِيل غير الْمُنكر للشَّيْء منزلَة الْمُنكر لَهُ إِذا ظهر عَلَيْهِ شَيْء من أَمَارَات الْإِنْكَار وَقد تقدم مَعْنَاهُ وَمَا أحسن قَول ابْن جَابر الأندلسي مُشِيرا إِلَى شطر الْبَيْت الأول (سَامحَ بالوَصلِ عَلى بُخلهِ ... وقالَ لِي أنْتَ بِوصلِيَ حَقيقْ) (فَقلتُ مَا رَأيكَ فيِ نُزهةٍ ... مَا بَينَ كَاسَاتٍ وَروضٍ أَنِيقْ) (فَقالَ يَعني خَدَّه واللَّما ... هَذَا هُوَ الرَّوضُ وَهَذَا الرَّحيقْ) (فَبتُّ مِنْ دَمعي وَمِنْ خَدِّه ... مَا بينَ نُعمانَ وَبَين العقيق) (وَإِذ تَدللَّتُ عَلى حُبِّهِ ... فَقال مَا تَخشى أمَا تَستفيقْ) (قَدِّي وَخَدِّي خَفْهمَا يَا فَتى ... هَذَا هُوّ الرُّمُح وَهذا شَقيقْ) // السَّرِيع // وَقد ضمنه أَبُو جَعْفَر الأندلسي أَيْضا فَقَالَ (أَبدَتْ لنا الصُّدْغَ على خدِّها ... فأطْلَعَ الليلُ لنا صبحَهُ) (فخدها مَعْ قدِّها قَائِل ... هذَا شَقِيق عَارض رمحه) // السَّرِيع // وَقد ضمنه ابْن الوردي أَيْضا فَقَالَ (لما رأى الزَّهرُ الشقيقَ انثنى ... مُنهزماً لم يَستطعْ لَمْحَهُ)

стр. 72

(وَقَالَ مَنْ جَاءَ فقُلنا لهُ ... جاءَ شَقِيق عارضا رمحه) // السَّرِيع // وَأما حجل بن نَضْلَة فَهُوَ أحد بني عَمْرو بن عبد قيس بن معن بن أعصر ١٢ - (أشَابَ الصّغيرَ وأفْنَى الكَبيرَ ... كَرُّ الْغَداةِ ومَرُّ العَشِيّ) الْبَيْت للصلتان الْعَبْدي الحماسي من قصيدة من المتقارب وَنسب الْحَافِظ فِي كتاب الْحَيَوَان هَذِه الأبيات للصلتان السَّعْدِيّ وَقَالَ هُوَ غير الصلتان الْعَبْدي وَبعد الْبَيْت (إِذا لَيلةٌ أهرَمت يَوْمها ... أَتَى بعدَ ذلكَ يَوْم فَتى) (نرُوحُ ونغدو لحاجاتنا ... وحاجةُ مَنْ عَاشَ لَا تَنْقَضِي) (تموتُ معَ الْمرء حاجاتُهُ ... وتَبْقَى لَهُ حاجةٌ مَا بَقِي) (إِذا قُلتَ يَوْمًا لمنْ قدْ تَرَى ... أَرُوني السَّريَّ أرَوكَ الْغنى) (بُنيَّ بداخِبُّ نجْوَى الرِّجال ... فكنْ عنْدَ سرِّك خبَّ النجي) (فسرُّك مَا كَانَ عِنْد امرئٍ ... وسرُّ الثلاثةِ غيرُ الْخَفي)

стр. 73

(فَكُنْ كَابْن لَيلٍ على أسْودٍ ... إِذا مَا سَوادٌ بِلَيْلٍ خشِي) (فكلُّ سوادٍ وَإِن هِبْته ... من اللَّيْل يُخْشى كَمَا تختشي) (أرد مُحكم الشّعْر وَإِن قُلْته ... فإنّ الْكَلَام كثيرُ الروي) (كَمَا الصمت أدنى لبَعض اللَّسان ... وَبعض التكَلُّم أدنى لعي) // المتقارب // وَمعنى الْبَيْت أَن كرور الْأَيَّام ومرور اللَّيَالِي يَجْعَل الصَّغِير كَبِيرا والطفل شائباً وَالشَّيْخ فانياً وَالشَّاهِد فِيهِ حمل إِسْنَاد الافناء إِلَى كرور الْأَيَّام ومرور اللَّيَالِي على الْحَقِيقَة لكَون إِسْنَاده إِلَى مَا هُوَ لَهُ عِنْد الْمُتَكَلّم فِي الظَّاهِر والصلتان الْعَبْدي هُوَ قثم بن خبية بن عبد الْقَيْس وَهُوَ شَاعِر مَشْهُور قيل لَهُ اقْضِ بَين جرير والفرزدق فَقَالَ

стр. 74

(أَنا الصَّلتانُ الَّذْ بهِ قَدْ عَلمْتُمو ... مَتى مَا يُحكَّمْ فَهُوَ بالْحَقِّ صادعُ) (أَتَتني تَمِيم حِينَ هابتْ قُضاتُها ... وَإِنِّي لبِالفَصل المُبيِّن قاطعُ) (كَمَا أنفَذَ الأعْشى قَضيّة عامِر ... وَمَا لتميم فِي قَضائي رَواجعُ) (سَأقضي قَضاءَ بَينهُمْ غيْرَ جَائِر ... فَهلْ أنْتَ للْحكم المُبيِّن سامعُ) (قَضَاء امرىء لَا يتَّقي الشتمَ منْهمُ ... وليْسَ لَهُ فِي المدْح مِنْهُم منافعُ) (فَإن كُنتما حكَّمتُماني فأنصتَا ... وَلَا تَجزعا ولَيرضَ بالحقِّ قَانِع) (فَإِن يستويك بحْرُ الحَنظليين وَاحِدًا ... فَمَا تَستوي حيتانُهُ والضفادعُ) (وَمَا يَستوي صَدْرُ القناةِ وزُجُّهَا ... وَمَا يَستوي شُمُّ الذرى والأرجاع) (وَلَيْسَ الذبابي كالقُدَامي وَريشِهِ ... وَما تَستوي فِي الكفِّ مِنْك الأصابعُ) (أَلَا إِنما تحظى كليبٌ بِشعرها ... وَبالمجدِ تحظى دَارمٌ والأقارعُ)

стр. 75

(أرى الخطفى الفرزدقَ شعره ... وَلكنْ خيرا من كليبٍ مُجاشُعُ) (فَيا شَاعِرًا لَا شاعرَ اليومَ مِثلهُ ... جَريرٌ وَلكنْ فِي كليبٍ تواضعُ) (وَيرفعُ منْ شِعر الْفرزدقِ أَنه ... لَهُ باذخٌ لِذي الخسيسةِ رافعُ) (وَقدْ يُحمدُ السّيفُ الرَّديء بغمدِه ... وَتلقاهُ رَثَّا جَفنُهُ وهَوَ قَاطع) (يُناشدني النصرَ الفرزدقُ بَعدما ... أناختْ عَليهِ منْ جَريرٍ صَواقعُ) (فَقلتُ لَهُ إِنِّي ونَصرَكَ كالذِي ... يُثبِّتُ أنفًا كشمته الجوادع) // الطَّوِيل // وَفِي ذَلِك يَقُول جرير رَحمَه الله تَعَالَى (أَقولُ وَلم أملك سَوابقَ عَبرةٍ ... مَتى كانَ حكم الله فِي كَرب النَّخْلِ)
следующие страницы →