Полный текст (979 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
بالأندلس، عبد الله، الْغَنِيّ بِاللَّه، مُحَمَّد بن يُوسُف [بن اسماعيل بن فرج] ابْن نصر، بلغه الله من رِضَاهُ أقْصَى سؤله، وأعانه على جِهَاد عَدو الله وعدو رَسُوله.
أما بعد حمد الله الَّذِي جعل قلادة الْإِسْلَام على الدَّوَام، آمِنَة من الانخرام والانتشار مفصلة النظام بحرز المآثر الْعِظَام والْآثَار، معرف أَهلهَا فِي حزن البسيطة وسهلها، عوارف الصنع المثار، وإقالة العثار، القوى الْعَزِيز، الَّذِي لَا يغالب قدره بالاحتشاد والاستكثار، وَلَا يبْذل غيبه المحجوب، بعد مَا عين حكمه للْوُجُوب فِي خَزَائِن الاستبشار، حَتَّى تظهر خبيئة عنايته بأوليائه، المعترفين بآلائه بادية للأبصار، فِيمَا قرب وَبعد من الْأَعْصَار، وَرَحمته عِنْد الاستغاثة بِهِ والانتصار، فِي مُخْتَلف الأقطار والأمصار، الْوَلِيّ الَّذِي [لَا تكدر هبات] فَضله شُرُوط الِاعْتِصَام، وَلَا يشين خطب حَمده ضرائر الاقتصاد والاختصار. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، نخبة الأكوان [وسر الدهور والأزمان وَفَائِدَة] الأدوار، نور الله المتميز باختصاصه، واستصفائه واستخلاصه، قبل خلق الظلمَة والأنوار، وَرَحمته الوارفة الشاملة الهامية، الهاملة على الهضاب والوهاد، والنجاد والأغوار، أقرب عوالم الشَّهَادَة والخلق إِلَى حَضْرَة الْحق، على تعدد الرتب وتفاضل الأطوار. منقذ النَّاس من الْبَوَار، ومبوئهم من جوَار الله خير الْجوَار، نَبِي الرَّحْمَة وَالْجهَاد، والغوار، الْمَنْصُور على الْأَحْزَاب، عِنْدَمَا استداروا بمثوى نبوته على الأطم والأسوار دور السوار، الواعد عَن ربه بِظُهُور
стр. 282
دينه الْحق الْأَدْيَان، فمهما أوقدوا نَارا تكفل الله بإطفاء النَّار وإخماد الأوار. وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه حماة الذمار، ومقتحمي الغمار، وباذلى كرام الْأَمْوَال من دونه ونفائس الْأَعْمَار، القائمين فِي سما مِلَّته للاهتداء بسننهم والاقتدا بسننهم، مقَام النُّجُوم الهادية والأقمار، مَا صقلت مدارس النسيم سيوف الْأَنْهَار، وخجل الْورْد من تَبَسم البهار، وغازلت عُيُون [زهر المجرة عُيُون] الأزهار، وطرد أدهم اللَّيْل أَشهب النَّهَار، وَالدُّعَاء لتِلْك الْأَبْوَاب المتعددة الْحجاب [المعودة] باجتلاء غرر الْفتُوح، والمطالع المشيدة المصانع، على الْعِزّ الممنوح، والأواوين المؤيدة بالدواوين، بِالْمَلَائِكَةِ وَالروح، بإعلاء الْمظَاهر والصروح، وأناره الله بأهلة تِلْكَ السُّرُوج، ساحات تِلْكَ السُّرُوج، وَلَا زَالَت أَقْلَام بشائرها تَأتي على سُورَة الْفَتْح بأكمل الشُّرُوح. فَإنَّا كتبناه لمثابتكم السُّلْطَانِيَّة ذَات الْعِزّ الأحمى، وَالْملك الْأَشْرَف الأسمى، والصيت الْبعيد المرمى، كتب الله لَهَا من عنايته وَقد فعل أوفر مقاسم النعمى، وَجعل غيث نوالها الأهمى، وحظ جلالها من الله الْحَظ الأنمى، ودامت كواكب سعودها تمزق جلابيب الظلماء، وأخبار بأسها وجودهَا، وسعادة وجودهَا، [تهديها على الْبعد] ركائب الدأماء، وترفرف برياح ارتياحها أَجْنِحَة بَنَات المَاء. من منزلنا المحبور بسعادة سلطانكم الْمَنْصُور، وخزي عدوه المدحور، بِحَمْرَاء غرناطة، دَار ملك الْجِهَاد بِجَزِيرَة الأندلس، وَإِلَى الله عَنْهَا الدفاع، وأنار بمشكاة نوره، الَّذِي وعد بإتمامه، الْأَعْلَام مِنْهَا والإيفاع، وَوصل لَهَا بشرف مخاطبتكم الِارْتفَاع وَالِانْتِفَاع، حَتَّى تشفع بتهانيكم الأوتار، وَنور الإشفاع، وآلاء الله لدينا
стр. 283
[بِنِعْمَة دين الْإِسْلَام علينا] قد أخجلت اللِّسَان الشكُور، وَإِن استنفدت الرواح والبكور، والثقة بِاللَّه فِي هَذَا الثغر الْغَرِيب قد كثرت الْعدَد المنزور، وَالْحق الصَّالح قد كافح الزُّور، والتوطين على الشَّهَادَة قد شرح الصُّدُور، واقتطع فِي الْجنَّة الْمنَازل والدور، والمعرفة بمقام تِلْكَ الْأَبْوَاب الشَّرِيفَة، عقائد لَا تبدل، وأدواح علائها حمائم الْحَمد بهَا تتهدل، ومحافل ثنائها تتراكم فِي سمائها الألوة والمندل. وَالْحَال مَا علمْتُم بَحر زاخر الأمواج، وعدو وافر الأفواج، وجياد ضمرتها مصابرة الْهياج، وداء على الْأَيَّام متوقع الاهتياج، وَعدد إِلَى [الْإِمْدَاد والإصراخ] عَظِيم الِاحْتِيَاج، فالنفوس إِلَى الله تجْهر وتسلم، وَالصبيان فِي الْمكَاتب تدرب على مَوَاقِف الشَّهَادَة وَتعلم، والألسنة بِغَيْر شعار الْإِسْلَام لَا تنبس غَالِبا وَلَا تَتَكَلَّم، إِلَّا أَن عَادَة الْخَبِير اللَّطِيف، تخفيض الذعر المطيف، وَنصر النزر الضَّعِيف على عدد التَّضْعِيف، وَالْحَال تزجى بَين الْحَرْب وَالسّلم، والمكالمة، والكلم، وتأميل الْجَبْر، وارتقاب عَاقِبَة الصَّبْر، على حماة الدبر. وَإِلَى هَذَا فإننا اتَّصل بِنَا مَا رامت المروم من المكيدة الَّتِي كَانَ دفاع الله من دونهَا سدا، وَالْمَلَائِكَة الْكِرَام جندا، والعصمة سورا، وَالروح الْأمين مدَدا منصورا، وَأَنَّهَا استنفدت الوسع فِي احتشادها حَتَّى ضَاقَتْ اللجج عَن أعوادها، وَبَلغت المجهود فِي استنفارها، حَتَّى غص كَافِر الْبَحْر بكفارها، يَصِيح بهم التأليب، ويذمرهم الصَّلِيب، وسول لَهُم الشَّيْطَان كيادة ثغر الْإسْكَنْدَريَّة شجى صُدُورهمْ،
стр. 284
ومرمى آمال غدورهم، ومحوم قديمهم، ومتعلل غريمهم، ليهتموا ثغور الْإِسْلَام بصدمتها، ويقودوا جناب السواحل فِي رمتها، ويرفعوا عَن دينهم المعرة، ويتلقفوا فِي الْقُدس كرة الكرة، ويفصلوا مَا امْتَدَّ من ظلال الْإِسْلَام، ويشيموا سيوف التغلب على الشَّام، ويحولوا بَين الْمُسلمين، وَبَين محط أوزارهم، وحجهم ومزارهم، وَبَيت رَبهم، الَّذِي يقصدونه من كل فج عميق، ويركبون إِلَيْهِ نهج كل طَرِيق، وقبر نَبِيّهم الَّذِي يطفئون بزيارته من الشوق كل حريق، ويكحلون الجفون بمشاهدة آثاره عَن بكاء وشهيق، وشوق بذلك الحبيب خليق، ويقطعوا حَبل الْمُسلمين بِحَيْثُ لَا يَتَأَتَّى بُلُوغ فريق، وَلَا غَرَض تَشْرِيق، وَالله، من ورائهم مُحِيط، وبدمائهم مشيط، وبعباده بَصِير، ولدينه الْحق ولى ونصير " هُوَ الَّذِي أرسل رَسُوله بِالْهدى وَدين الْحق لِيظْهرهُ على الدّين كُله، وَلَو كره الْمُشْركُونَ ". فَمَا هُوَ إِلَّا أَن طما جرادهم، وخلص إِلَيْهَا مُرَادهم، وفاض عَلَيْهَا بحرهم، وَعظم [من المحلوك] أَمرهم، حَتَّى اشْترك الشّرك بعض أسوارها، ونال النهب بمستطرف ديارها، ظنت أَنَّهَا الوهية الَّتِي لَا ترفع، والمصيبة الَّتِي غَلَّتهَا لَا تنقع، واشتمل الباس، وذعر النَّاس، وَأرى الشدَّة من يتدارك بالفرج، وَأعَاد إِلَى السعَة من الْحَرج، وَأَنْشَأَ ريح النَّصْر عاطرة الأرج، وَنصر حزب الْإِسْلَام، من لَا غَالب لمن ينصره، وَحصر الْعَدو بخصره [من كَانَ الْعَدو يحصره] وَظهر الْحق على الْبَاطِل، والحالي بزينة الله على العاطل، فَخرج الْعَدو [الخاسر عَمَّا حازه] وَالسُّيُوف ترهقه حَيْثُ تلفيه، والسهام تثبته
стр. 285
وتنفيه، وغرماء كرة الْإِسْلَام تَقْتَضِي مِنْهُ دينهَا وتستوفيه، والخزي قد جلل سباله الصهب، وحناء الدما قد خضبت مشيخته الشهب، والغلب قد أخضع رقابه الغلب، فكم من غريق أردته دروعه [لما حشي بالروع روعه] وطعين نظمت بالسمهري ضلوعه، فغلبوا هُنَالك وانقلبوا صاغرين، وأحق الله الْحق بكلماته، وَقطع دابر الْكَافرين، و " كم من فِئَة قَليلَة غلبت فِئَة كَبِيرَة بِإِذن الله، وَالله مَعَ الصابرين ". فأى رَحْمَة منشورة ضفت على الْإِسْلَام ظلالها، وخطة نعْمَة اتَّسع نطاقها ورحب مجالها، ومجلى صَنِيعَة راق عُيُون الْمُؤمنِينَ جمَالهَا، واهتزت بهَا الأَرْض وربت، وبشكر الله ﷻ أعربت، واستبشرت [النُّفُوس] وَذهب الْبُؤْس، وضفى بمنة الله اللبوس، وَظَهَرت عناية الله بمقامكم، وإقالة عَثْرَة الْإِسْلَام فِي أيامكم، فَمَا كَانَ سُبْحَانَهُ لِيُضيع لكم خدمَة ... الْحَرَمَيْنِ، أَنَّهَا الْوَسِيلَة الْكُبْرَى، والذريعة إِلَى سَعَادَة الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى، وَهِي عُهْدَة الله الَّتِي يصونها من كل اهتضام، وقلادته الَّتِي مَا يَتْرُكهَا بِغَيْر نظام. وَكَانَ من لطائف هَذَا الْفَتْح الَّذِي أجزل الْبُشْرَى، وأوسع أَعْلَام الْإِسْلَام نشرا، وُرُوده بعد أَن شفيت الْعلَّة، ونصرت الْملَّة، وَبعد أَن جَفا الدَّهْر وتجافا وعادا، ثمَّ صافا، وهجر ووافى، وأمرض ثمَّ عافا، فَلَو ورد مقدمه ثمَّ تاليه، ونقده مُتَأَخّر عَن كاليه، أَو كَانَت أواخره بَعيدا مَا بَينهَا وَبَين أواليه، لأوجست الظنون وَسَاءَتْ، وَبَلغت الهموم من النُّفُوس مَا شَاءَت، فَإِن الْإِسْلَام كالجسد يتداعى كُله لتألم بعضه، ويتساهم إخوانه فِي بَسطه وَقَبضه، وسماؤه مرتبطة بأرضه، ونفله مُتَعَلق بفرضه، فَالْحَمْد لله الَّذِي خفف الأثقال، وزار وأقال، وسوغ فِي الشُّكْر الْمقَال، وَجمع بَين الْقُلُوب وإنالة الْمَطْلُوب. وَإِن وجد الْعَدو طعم الْإِسْلَام مرا لما ذاقه، وَعوده صلبا فَمَا أطاقه، وَرفع عَن
стр. 286
طَرِيق بَيت الله مَا عاقه، وقاد إِلَيْكُم فِي بُيُوتكُمْ فضل الْجِهَاد وَسَاقه، ورد الْمَكْر السيء على الْعَدو وأحاقه. فَمَا كَانَت هَذِه المكيدة، إِلَّا داهية للكفر طارقة. ونكبة لعضب التَّثْلِيث غارقة، ومعجزة من آثَار النَّبِي الشريف لهَذَا الدّين المنيف خارقة، استأصلت الْعَدو وَالْمَال، وَقطعت لِلْعَدو الآمال، وأوهنت الْيَمين وَالشمَال. فبادرنا عِنْد تعرف الْخَبَر المختال من أَثوَاب المسرة فِي أبهى الحبر، الْمهْدي أعظم العبر، إِلَى تهنئتكم، تطير بهَا أَجْنِحَة الارتياح، مبارية للرياح، وتستفزنا دواعي الأفراح، بِحَسب الود الصراح، وَكَيف [لَا يسر الْيَسَار بِيَمِينِهِ] ، وَالْوَجْه بجبينه، وَالْمُسلم بِدِينِهِ. وخاطبناكم مهنئين، وَلَوْلَا الْعَوَائِق الَّتِي لَا تَبْرَح، والموانع الَّتِي وضحت حَتَّى لَا تشرح، ومكابدة هَذَا الْعَدو الَّذِي يأسو الدَّهْر بِهِ ويجرح، لم نجتز بإعلام الْقَلَم من إِعْمَال الْقدَم، حَتَّى نتشرف بالورود على تِلْكَ المثابة الشَّرِيفَة، ونمتاز بزيارة الْأَبْوَاب المنيفة، فَيَقْضِي الْفَرْض تَحت رعيها، وبركة سعيها، لاكن الْمَرْء جنيب أمله، وَنِيَّة الْمُؤمن أبلغ من عمله. فهنيئا بِمَا منحكم الله من ظفر شهِدت برضى الله مراسمه، وافترت عَن ثغور الْعِنَايَة الربانية مباسمه، وتوفرت لديكم مواهبه ومقاسمه، ويهنى الْبَيْت الْمُقَدّس، مَكَان فضل الله وَمِنْه، وسلامة مجنه، وَالْإِسْلَام عصمَة ثغره المؤشر، وطهارة كِتَابه المنشر، وجمال عنوانه، وقفل صنوانه، وَبَاب إيوانه، بمرفإ الْفسْطَاط، ومركز لِوَاء الرِّبَاط، وَمحل رحال الِاغْتِبَاط، ومتخير الْإسْكَنْدَريَّة عَن الْبناء والاختطاط. وَمِمَّا زادنا بجحا بِهَذَا الْفَتْح وسرورا زايدا بِهَذَا الْمنح، مَا تحققنا أَنه يثير من شَفَقَة الْمُسلمين لهَذَا الْقطر الَّذِي لَا يزَال يطرقه مَا طرق الْإسْكَنْدَريَّة على مر الْأَيَّام، ويجلب عَلَيْهِ برا وبحرا عَبدة الْأَصْنَام، بِحَيْثُ الْبر مَوْصُول، وَالْكفْر بِكَثْرَة الْعدَد يصول، ونيران الْجوَار مترامية للعيان، والفراسخ القليلة
стр. 287
متوسطة بَين مُخْتَلف النَّحْل والأديان، وَالْعدَد لَا ينْسب، والصريخ إِلَّا من عِنْد الله لَا يحْسب، فتنجدنا بِالدُّعَاءِ أَلْسِنَة فضلائه وتسهمنا خواطر صالحيه وأوليائه، وَالله لَا يقطع عَن الْجَمِيع عوائد آلائه، ويعرفنا بركَة خَاتم أنبيائه، وينصرنا فِي أرضه بملائكة سمائه، وَقد كَانَ اتَّصل بِنَا فِي هَذِه الْأَيَّام الفارطة الذخر الَّذِي مَلأ الْيَد استكثارا، وَالْجَلد اسْتِعْدَادًا واستظهارا، والهمم فخارا، وأضاء الْقطر أنوارا، جوابكم الْكَرِيم، يشيم من نفحاته شذى الْأَخْضَر والجليل، ويلتمس من خلال حَافَّاته بَرَكَات الْخَلِيل، وَيقرب الْوُجُوه بِهِ آثَار الْمعَاهد، ويلتمح من ثنايا بوارقه بوارق الْفَوَائِد، فَأكْرم بِهِ من وَافد مخطوب، وزائر مرقوب، صدعنا بِهِ فِي حفل الْجِهَاد انتحاء وافتخارا، ثمَّ صناه فِي كرائم الخزائن اقتناء للخلف وادخارا، وَجَعَلنَا قراه [شكر الْعباد روضا معطارا] ، وثنا يبْقى فِي الْخَافِقين مطارا، وَدُعَاء يعلى الله بِهِ لمقامكم السنى فِي أوليائه مِقْدَارًا، ويجهز بِهِ لملككم كَمَا فعل أنصارا، ويثيبكم بِالْجنَّةِ الَّتِي لَا يرضى السُّعَدَاء بغَيْرهَا قرارا. وَالله يَجْعَل لأفلاك الهنا على مُخَاطبَة مقامكم الرفيع [الْعلَا] مدارا، وَيُقِيم الشُّكْر ألزم الْوَظَائِف بحقكم ابتدارا، وَالثنَاء أولى مَا تحلى بِهِ مجدكم شعارا، ويبقيكم لِلْإِسْلَامِ ركنا شَدِيدا وظلا مديدا، وسماء مدرارا، مَا استأنفت البدور إبدارا، وعاقب اللَّيْل نَهَارا. وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
стр. 288
وَصدر عني أَيْضا لما استولى السُّلْطَان أَبُو زيان ابْن الْأَمِير أبي عبد الرَّحْمَن ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن على مَدِينَة مراكش، وَقد كَانَ اقْترن بوظيفها عَامر بن مُحَمَّد الهنتاتي، مَا نَصه
الْمقَام الَّذِي سعده متاح، وَعطفه بالصنع الْجَمِيل مرتاح وجبينه بالبشر ملتاح، وإقليد سَيْفه للمقفلات فتاح، ولأزهار أَعْلَامه فِي بطاح الجلاد والبطاح بالنصر افْتِتَاح. مقَام مَحل أخينا الطالع صبع سعده بسعادة الْعَصْر، المثمر نصله بجنى النَّصْر، الْبَريَّة من الْإِحَاطَة بصنع الله لَهُ أَدَاة الْحصْر. السُّلْطَان الكذا [ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا] أبقاه الله وأعلام مجده عالية ولبات أَحْوَاله بالسعد حَالية، وألطاف الله لَدَيْهِ مُتَوَالِيَة، وأنوار توفيقه للخطوب جالية، وأعين الْعِصْمَة لَهُ كالية، وعزائمه تشقى بهَا الْأُمَم المناصبة، وتشفى الْأُمَم الموالية. مُعظم مجده المسرور بِظُهُور سعده، المؤمل من الله على يَدَيْهِ إنجاز وعده [الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر، أيده الله وَنَصره] [يسلم عَلَيْكُم سَلاما لائقا بمثابتكم السامية] وفضائلكم الهامية النامية، بل المنسحبة الهامية وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
стр. 289
أما بعد حمد الله الْعلي الْكَبِير، الْوَلِيّ النصير، مخول الْفتُوح، ومعود المنوح، وميسر العسير، الَّذِي وعد الْمُتَّقِينَ بِحسن العقبى فِي الْكتاب الْمُنِير، وَقرن النجح بِحسن التَّدْبِير. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، البشير النذير، المرتقى بمقامه الْأَثِير، فَوق الْفلك الْأَثِير، بدر الرُّسُل الْمُنِير، وكهف الْأمة المجير، وَسبب نجاتنا من سوء الْمصير، الَّذِي بجاهه نقرع أَبْوَاب [التَّيْسِير ونجتلي وُجُوه] التباشير، وَفِي مرضاته نعمل شبا اللدن الطَّوِيل، وظبا العضب الطرير. وَالرِّضَا عَمَّن لَهُ من الصحب والآل والعشير، ملبسى كسْرَى أَثوَاب المهيض الكسير، [ومنزلي قَيْصر عَن ذرْوَة السرير] وورثة الْحق وقادة الجماهير، وكواكب الْهِدَايَة المستنير. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم كتب الله لكم سَعَادَة مصاحبة فِي الْمقَام والمسير، وعناية مُقَارنَة لإشارة النصيح المشير، وَلَا زَالَ سعدكم يغلب أَعْيَان الأقطار الشاردة، والعمالات المعاندة فعل الإكسير، وَيرد حظوظها إِلَى محط ملككم المستدير. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَلَا زَائِد بِفضل الله اللَّطِيف الْخَبِير، إِلَّا التَّمَتُّع من الْهُدْنَة المكيفة ببركتكم فِي الْمحل الوثير، وَالِاعْتِرَاف لله بِالْخَيرِ الْكثير، وَالسُّرُور لِلْإِسْلَامِ على يدكم، بِجمع الشتيت ونظم النثير، وَالْحَمْد لله كَمَا هُوَ أَهله، فَلَا فضل إِلَّا فَضله، وَعِنْدنَا اعْتِدَاد كريم لَا يزَال يرهب فِي سَبِيل الله حَده، ونرتقب فِي الظُّهُور على أَعدَاء الله وعده، ونصابر الظمأ حَتَّى نرد ورده، ونشفى عليل النُّفُوس عِنْده، وَالله
стр. 290
يبلغ فِي الْإِسْلَام قَصده، ويكيف نَصره وعضده، ويثير من جعل مَعَه آلِهَة مُتعَدِّدَة بِمن عَبده وَحده، وَإِلَى هَذَا وصل الله سعدكم [وحرس مجدكم] . فإننا لما وصلنا كتابكُمْ الْكَرِيم سافرا عَن محيا الْفَتْح الَّذِي راق جمالا وفَاق كمالا، وَأَنْشَأَ للاسلام آمالا، [ورحب مجالا] ودعا بالأماني فَجَاءَت عجالا فتح مراكش لما فَاء الله طاعتها، كَمَا رفع بعد إيالتكم إضاعتها، وأسعد فيئتها، كَمَا أسْرع بعد إيالتكم لإجابة داعيكم جيئتها، وَإنَّهُ لِلْفَتْحِ الْأَغَر المجحل، والسعد الهني الْمُعَجل، دَار الْملك الْقَدِيم، والنصر الوسيم [والعز الجسيم] وطية الْحَادِي ومرتاد المسيم، حَيْثُ الجباية النامية، والشفاعات السامية، والسحب الهامية، وسيوف الْجِهَاد الدامية، وإثباج الْكَتَائِب المترامية، ومنبعث الْقُوَّة المطاقة، ومنشأ عزم الأرك والزلاقة، والحضرة الَّتِي إِلَيْهَا ينْسب بالمشرق وَالْمغْرب. هُنَاكُم الله ملكة نَوَاصِيهَا، واستيعاب قاصيها، وخولكم من فَضله ويمنه، غَايَة لَا يُدْرِكهَا القَوْل، وَلَا يحصيها. كتبنَا نهنئكم هناء من لَهُ فِي المنحة النَّصِيب الأوفر، والحظ الْأَكْبَر، ونسل الله لكم، توالي الصنع الَّذِي أنواره تبهر، ونقرر [مَا لدينا من الْحبّ] الَّذِي عضد خَبره الْمخبر، وأصحبنا نُودي خطابكم الْكَرِيم، الَّذِي لَا يجهل الْفضل ببعثه، وَلَا يُنكر على حَال التشوف الَّذِي صروحه تظهر، والارتقاب الَّذِي يسنيه الله لكم من فضل طلائعه تنْتَظر، وَهُوَ فلَان. ثمَّ رَأينَا أَن لَا بُد من مشافهة تصْحَب الْمُرَاجَعَة، تتميما لوظائف الْبر، وَإِقَامَة لرسوم الود الْكَرِيم العلن والسر، وَإِن كَانَت سَعَة
стр. 291
الِاجْتِهَاد، مقصرة عَن ثَمَرَة الوداد، ومدارك اليراع والمداد، عاجزة عَن بُلُوغ هَذِه الآماد، وَإِنَّمَا يشفع فِيهِ شَافِع الْقبُول الْمُعْتَاد، ومسامحة الْمجد الرفيع الْعِمَاد، واخترنا لذَلِك من الفضلا الحسبا، أولى الصّلاح والزكا، القائدين الحاجين فلَانا وَفُلَانًا، [وصل الله عزتهما، وَكتب سلامتهما] وأملنا تَعْجِيل قبولهما، وَقد شَاهدا مَا يسر السَّامع، ويحسب المطامع من كَمَال هبة، وَتَمام آمال عَن السعد المقتبل معرفَة، وَكَمَال مقاصدكم، ضافية أثوابه، متعوذة بتغمد التَّقْصِير أثوابه، وَالله يصل لكم عزا عالية هضابه، مطنبة فَوق النُّجُوم قبابه، وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
стр. 292
وَلما وصل كتاب سُلْطَان الْمغرب على هَذَا الْعَهْد أَمِير الْمُسلمين أبي فَارس عبد الْعَزِيز، ابْن السُّلْطَان أبي الْحسن، يعرف باستيلائه على الْخلَافَة بالمغرب، صدر عني فِي ذَلِك
الْمقَام الَّذِي خصت عبوديته لِلْإِسْلَامِ الْعَزِيز بِالْإِضَافَة، عَلامَة على انسدال الْأمان وارتفاع المخافة، وَاخْتَارَهُ الْملك السعيد، وَقد أينع الْقَمَر الْجَدِيد، لرفع الْخلاف بِنصب الْخلَافَة، وشمخ مِنْهُ الْقَبِيل المريني، بمآزر الإباية والإنافة، وأورثته الفراسة العمرية حق أَبِيه بِالنّسَبِ الصَّرِيح لَا بالقافة، مقَام مَحل أخينا الَّذِي استبشرنا بوصل سَببه وَسبب وَصله، واغتبطنا مِنْهُ بالفرع الْكَرِيم الْقَرِيب من أَصله، وتفرسنا فراسة الْمُؤمن، أَن نصر الْإِسْلَام فِي نصله، واستظهرنا مِنْهُ بِسيف الْجِهَاد الَّذِي اشْتَمَل حَده على فَصله ورجونا أَن يجنى الْإِسْلَام بِهَذِهِ الْبِلَاد ثَمَرَات فَضله وخصله، السُّلْطَان الكذا [ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن مَحل والدنا الَّذِي نعظمه ونجله ونوجب لَهُ الْحق الَّذِي هُوَ أَهله، ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان] أبقاه الله، وعنايته تقية من المكاره وتحميه، وترقيه إِلَى مراقي سلفه الْكَرِيم وتسميه، وحمائم الْبركَة تزكّى فَرعه الباسق وتنميه، ولازال سهم سعادته يُصِيب شاكلة الرمى إِذا يرميه، وشديد عزمه يسمه التَّوْفِيق ويسميه، مُعظم منصبه المسرور بِهِ، الْعَارِف بأصالة حَسبه [الدَّاعِي إِلَى الله
стр. 293
بتتميم أمله من فَضله] وتكميل أربه، [الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج بن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد ابْن نصر] سَلام كريم طيب بر عميم، كَمَا سفر وَجه الصَّباح الوسيم، وَأهْدى الرَّوْض شذاه مَعَ رَسُول النسيم، يخص سلطانكم الْأَعْلَى [وأخوتكم الفضلى] وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله ملك الْمُلُوك ومولاها، ومقدر آجالها وأعمالها وأوصافها وحلاها، ليبلوها قيمًا ولاها، يُؤْتى الْملك من يَشَاء، وَينْزع مِمَّن يَشَاء، بطَائفَة ابتلاها، وَطَائِفَة تولاها، جَاعل منصب الْخلَافَة أسمى مطامح الْإِنْسَان من بعد النُّبُوَّة الرفيعة الشان وأعلاها، وأحقها بِوُجُوه التجلة وأولاها، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، مطلع أنوار الْهدى الَّتِي جلاها، وسر عنايته فِي أُخْرَى النشآت وأولاها، النَّبِي الْكَرِيم الَّذِي فَازَ من قداح الِاخْتِصَاص والاصطفاء بمعلاها. وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه، وعترته وَحزبه، الَّذين خلفوه فِي أمته، بالسنن الَّتِي تَركهَا لهدايتهم وخلاها، فسدوا مسده بضرورة الْخلَافَة، حَتَّى كفيت الْملَّة الَّتِي جلاها، وضفت على من استرعاه الله ملاها، فانتظمت الدولة معمور الأَرْض وفلاها، وجاس التَّوْحِيد مفارق الهضاب الشم وفلاها، والدعا لمقام أخوتكم حرس الله جَوَانِب علاها، وصل لَدَيْهَا [أَسبَاب الْفضل الَّذِي أولاها] وأولاها بالسعادة الَّتِي يروق مجتلاها، والصنايع الَّتِي لَا تنقضى، إِلَّا ردفها أكبر مِنْهَا وتلاها، فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم كتب الله لكم نعْمَة لحظها الْقدر والخط
стр. 294
المبتدر وأملاها، وَعزة تفترع ثنايا الشُّهْرَة ابْن جلاها. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله بِعَين عنايته وكلأها، وَعرفهَا عوارف لطفه الَّتِي مَا ودعها مَعهَا وَلَا قلاها، وَلَا زَائِد بِفضل الله الأنعم تفياها الْإِسْلَام ببركتكم، وتملاها، وهدنة تقلد الْوَقْت الَّذِي لَا يشوبه المقت شذورها وتملاها. وَإِلَى هَذَا وصل الله لكم سَعْدا يُنَاسب عمركم فِي الْجدّة، ويتكفل لكم بانفساح الْمدَّة، وَجعل ملككم السعيد كملك سلفكم الْكَرِيم، ملْجأ الْإِسْلَام فِي الشدَّة، وملاذ الْأَنَام فِي الأزمات، يمدون إِلَيْهِ الاكف المستمدة شَادَّة أعداد جيوشه المنصورة وكتائبه الموفورة عَن الْعدة، حَتَّى يمضى سيوفه فِي رِقَاب الْكَفَرَة بِاللَّه كمضاء سيوف خلفاء رَسُول الله [ ﷺ ] فِي أصل الرِّدَّة، وتنفذ لفتوحه المنتثرة فِي الْآفَاق صفحات الطروس، وينابيع الأمدة. فإننا اتَّصل بِنَا وَأهلا بِهِ من بريد بشرى، ووافد نعْمَة كبرى [لَا يصغر إِلَيْهِ] مسراه من مسرى، فَمَا أفضل وَأسرى، وَأعرف بمواقع السرُور لدينا وأدرى، كتابكُمْ الَّذِي عظم قدرا، وطلع فِي مراقب البشاير بَدْرًا، وَأقر للدّين الحنيف عينا، وَشرح صَدرا، متحفا بالنبإ الَّذِي جدد ملابس الآمال ضافية الأذيال، وأطلع وُجُوه الْجمال والإجمال فِي آفَاق الْكَمَال، وحلى سور القضايا العاطلة من بعد الإهمال، بأسورة نجح الْأَحْوَال، واشتمل على أشتات البركات كل الاشتمال، بِمَا كَانَ من تصير ملك أبيكم إِلَى يديكم الْمُسْتَحقَّة لنصابه، الهنأة
стр. 295
برد اغتصابه، وشفا أوصابه، وأنكم حللتم ذروته المنيفة المنيعة، ونزعتم هضبته السامية الرفيعة، ونفيأتم أفياءه الخصيبة المريعة، وتقلدتم بيعَته المتبجحة فِي تَرْجِيح ميزَان الشَّرِيعَة، فدارت هَالة الْقَبِيل الْجَلِيل مِنْكُم على حَالي ظلمه وكربه كشعبي غمه، وبشرى فضل من الله ونعمة، ومظنة وفلق أمة، وقائد الزَّمن الحرون بزمه، وقعدتم مَحل والدكم، كَبِير الْمُلُوك الْكِبَار، وندرة مَعْدن الْحسب النضار، وَولى الشُّهْرَة الجامحة فِي الأقطار والأمصار، ومخلد الْآثَار، ومحتقر الْأَهْوَال فِي سَبِيل الله وراكب الأخطار، الَّذِي راعت الْكفْر عَزَائِمه الْمَاضِيَة القنا والشفار، وأساطيله الواطية صَخْر خدود الْبحار، وَصَبره واحتسابه تأسيا بِالنَّبِيِّ الْمُخْتَار، فِي مواهب التمحيص وَالِاخْتِيَار، وهمته المغراة بِطَلَب بالثار، واستقالة العثار. فَلَو أمهله الدَّهْر، لشفى أهل الْجنَّة من أهل النَّار، ولجاست جياده خلال الْبيُوت المشركة بِاللَّه والديار، فِي إِعْمَال تِلْكَ الْآفَاق والأقطار، وَقسمت أهل الصَّلِيب بَين حط الحتوف، وَطعم السيوف ورق الأسار، وركز راية الْإِسْلَام بدويه الصفر، وشفاف قلب الْكفْر، تخفق عذباتها بويح الْعِزَّة بِاللَّه والاقتدار. وَعَسَى أَن يكون دين هَذَا الأمل لوَلَده مذخورا، ولوليه مجموعا موفورا، فخزائنه سُبْحَانَهُ لَا تحصى وفورا، وحجب غيبه كم تَضَمَّنت صنعا مَسْتُورا، ونصرا تتلألأ صفحاته سُرُورًا، وَعزا عَاد من بعد الطي منشورا، وَبعد الِافْتِرَاق محشودا محشورا. فَسُرِرْنَا يعلم الله لكم بِهَذَا الصنع الْكَرِيم، والمنح الجسيم، سرُور من يعرف الْحق لأَهله، ويقر عينا باستقرار
стр. 296
الْأَمر فِي مَحَله، وينوب فِي رعى الذمام عَن سلفه، من قبله، وَيذْهب من الود الْكَرِيم والخلوص الْقَدِيم، على أوضح سبله، ويرتاد لِلْإِسْلَامِ فِي الأدلات الَّتِي يسببها الِاخْتِيَار اجْتِمَاع شَمله، وَيقرب الآمال بَين من اتّفق رَأْي أولى العقد والحل على فَضله، فالإسلام حَيْثُ تعيّنت إيالته الشَّرِيفَة، وملكته المنيفة، نسب يجمع، وذمام يشفع، ووسيلة لَا تدفع. ومتاب ينفع، ولوا رَسُول الله ﷺ فِي الْمجمع، والجوار إِذْ كَانَ خلوا من مُوجبَات الشُّكْر والبواعث على مقارضات الْبر، قد ورد فِيهِ من الْأَحَادِيث الغر، والوصايا المنتظمة انتظام الدّرّ. فَكيف إِذا كرمت المساعي، وتوفرت على المساهمة الدَّوَاعِي. فكتبنا نهنى الْملك مِنْكُم بعروس محلاه، والقبيل بِابْن سُلْطَانه الْكَبِير ومولاه، وَالدّين بإعمال الِاخْتِيَار فِيمَن تولاه، وَقُلْنَا رضى وَورث من آل يَعْقُوب، ونير رضى أسْرع فِي غيم هَذِه الفترة الثقوب [ومنهل سعد] ينْتَظر بِفضل الله وعد نَصره المرقوب. الْآن عدل الزَّمَان، وانسدل الْأمان، ووفا الضَّمَان، هَذِه نشيدة النصح الَّتِي أضلها فِيمَا سلف، ومجدد العهود الَّتِي يشبه الأَصْل ويحي السّلف، ومركز الْوِفَاق الَّذِي يرجع إِلَيْهِ من اخْتلف. وَإِن أَبْطَأت البادرة بِهَذَا الْعَمَل الْوَاجِب، فَرب مُتَأَخّر حَقه التَّقَدُّم، ومتلوم مَخْصُوص بالتكريم، والزارع يراقب الْفَصْل، والخطيب يطبق الْفَصْل، والمراجعة فرع عَن الْخطاب، وَالْفرع لَا يتَقَدَّم الأَصْل، وَفِي كل حَال فَإِنَّهَا فِيمَا يسركم السرُور الوثيق الْبَنَّا، والاستبشار
стр. 297
الْمَرْفُوع على أَعْلَام الاعتنا، فَإِذا جللكم المحبوب أصدرنا مُخَاطبَة الهنا، وَإِذا لحقتكم الْوِقَايَة، قابلنا نعْمَة الله بالشكر والثنا، فثقوا بودنا على توالي الأنا، هُنَاكُم الله بِمَا جلبه الْحَظ من ملك مقتبل الشَّبَاب، وَعز مفتح الْأَبْوَاب، وَجعله لكم ذَرِيعَة إِلَى الْفَخر وَالْأَجْر وَالثَّوَاب، وألبسكم ملابس السَّلامَة الضافية الأثواب، وسلك بكم مَسْلَك الاسْتقَامَة العائدة بالزلفى وَحسن المآب، وَقد وجهنا من يَنُوب عَنَّا فِي تَقْرِير هَذَا الهنا أحسن المناب، ويوفى مَا يرضاه من بر ذَلِك الجناب، ويستدرك [بِاللِّسَانِ مَا أغفله عبارَة الْكتاب، وَهُوَ قَاضِي الْجَمَاعَة وخطيب حمراينا الْعلية، الْفَقِيه القَاضِي الْخَطِيب الْفَاضِل الحسيب الخطى الْخَاصَّة، أَبُو الْحسن ابْن الْحسن وصل الله] لَهُ أَسبَاب الْكَرَامَة وعرفه عوارف الْيمن والسلامة، وَصَحبه بعنايته فِي الرحيل وَالْإِقَامَة، وَلكم الْفضل فِي الْقبُول عِنْد القفول عَلَيْكُم [وَالِاعْتِبَار لما يلقيه بَين يديكم] والإصغا لما أمرنَا بِهِ من شرح ضَرُورَة، وَعذر يُبْدِي وَجه الْحق فِي أحسن صُورَة، وخلوص حظوظه غير منزورة، ومقاصد جد مشكورة. ونسل الْعَزِيز سُبْحَانَهُ، أَن يصل عزة عَبده، وينجز لَهُ فِي النَّصْر صَادِق وعده، ويتكفل لَهُ وَلمن كفل أمره ببلوغ أمله فِي نصر الْإِسْلَام وعضده. وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَرجعت حَضْرَة مراكش إِلَى طَاعَته فصدر عني فِي غَرَض هنائه:
الْمقَام الَّذِي ذخر لَهُ الْفَتْح الهنى، وجنى الْمنح السنى، وتهدلت فَوْقه الآمال يتساقط مِنْهَا الصنع الجنى، وَيسر لَهُ المآرب القاصية الْجواد الْغَنِيّ،
стр. 298
وأعرب بِحكم عوامله الْمَبْنِيّ، فَإِذا أشارت السُّعُود بجملها فَهُوَ الْمَعْنى، وَإِذا أهابت النُّفُوس بأمانيها كفلت بِهِ الْأَمَانِي، مقَام مَحل أخينا السعيد النصبة، الرفيع الهضبة، مَالك الظَّوَاهِر بالرهبة، والقلوب بالمحبة، ذِي الثنا الطّيب الْهِبَة، والرأي الحميد المغبة. السُّلْطَان الكذا [أبي فَارس عبد الْعَزِيز ابْن مَحل والدنا الَّذِي نعظمه ونجله، نوجب لَهُ الْحق الَّذِي هُوَ أَهله، السُّلْطَان الكذا أبي سعيد ابْن السُّلْطَان الكذا أبي يُوسُف بن عبد الْحق] أبقاه الله فاتح مَا استغلق، ومجدد مَا أخلق، يُقيد شوارد الآمال، كلما أرسل أَعِنَّة الغارات وَأطلق، وَيُسْتَنْزَلُ النازى وَلَو تمسك بالعنان وَتعلق، فضلا عَن أَن يعد لامتناعه الأبلق، أَو يركب ظهر السهْم إِذا أحلق، مجل شَأْنه الْجَلِيل إِذا ذكر الشان، وَمُوجب حَقه إِذا تعيّنت من فروضه الْأَركان المصرورة، بِمَا يسنيه الله لَهُ من فتح يبتسم لَهُ الزَّمَان، وينسدل على الْبِلَاد المؤمنة الْأمان، الدَّاعِي إِلَى الله بِبَقَائِهِ فِي عزة يسر بهَا الْإِيمَان، وسعادة تنتظم عقودها كَمَا انتظم الجمان. أَمِير الْمُسلمين الْغَنِيّ بِاللَّه عبد الله مُحَمَّد ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن مَوْلَانَا أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر. سَلام كريم. كَمَا حسر الْبَدْر لثام السَّحَاب عَن محياه، وَأهْدى النسيم الَّذِي عِنْد الهبوب طيب رياه، يخص مقَام أخوتكم السامية علياه، وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله الْوَاهِب المانح، النَّاصِر الفاتح، ميسر المناجح، ومكيف الْخَوَاتِم الْحَسَنَة والفواتح، جَاعل التَّوَكُّل عَلَيْهِ وتفويض الْأُمُور إِلَيْهِ مدنيا
стр. 299
للنازح، وَقَائِدًا إِلَى المسلك الْوَاضِح، ومجازي النيات الْخَالِصَة لوجهه بالصنائع الرائفة الملامح، والمواهب الرواجح، مِمَّن عَامله بالتجر الرابح، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، مطلع صبح الْهدى اللايح، وظل الله الظليل على الغادي والرايح، نَبِي الرَّحْمَة الهامية، فَوق الْحزن والبطايح. وشفيع الْأمة يَوْم خوف الفضايح، الرَّسُول الرؤوف الرَّحِيم الْكَرِيم النصايح، الجم اللطايف الصرايح، الَّذِي باتباعه نظفر بالسعى الناجح، وندرأ فِي نحر الْعَدو المكافح، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه حماة المسالح، أولى الرعى للْمصَالح، الَّذين نصروه فِي حَيَاته يبيض الصفايح، وخلفوه بِنَقْل الصحايح، فَكَانُوا أَحَق بقلائد المدايح، وَأولى بالثناء الْعطر النوافح، وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى بالنصر الَّذِي تركب أنباؤه ظُهُور الرِّيَاح اللوافح، والصنع الَّذِي يضيء بِنور الاستبصار، فِي عناية الْوَاحِد القهار احناء الجوانح. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سَعْدا يسهل الصعاب ويدنيها، وَعزا يشيد معالم الْفَخر ويبنيها، ونصرا يظْهر أفنان الْفتُوح ويجنيها، حَتَّى تسر بمأمون نصركم الدُّنْيَا وبنيها، وتتصل الْملَّة الحنيفية بأمانيها. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، والآمال متيسرة، والصنائع لمجمل الرجا فِي الله مفسرة، والأنباء مبشرة، والثغور ضاحكة مستبشرة، وقضايا السَّعَادَة منتشرة، وَالْإِسْلَام تبدو مخايل اجْتِمَاع شَمله، وَسُكُون الثايرة بَين أَهله، وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله قد وضح بعد انسداد سبله، وَالْحَمْد لله حمدا، نستزيد بِهِ من فَضله، وَالله الْمُسْتَعَان على الْأَمر كُله. وَقد وصلنا كتابكُمْ الْكَرِيم الَّذِي وَفد فَأفَاد، وجاد غمامه وأجاد، [وَبشر الْبِلَاد والعباد، والنفوس الَّتِي أخلصت لله الْجِهَاد] . وخاضوا فِي سَبيله الخطوب الشداد بِمَا كَانَ من الْفَتْح الَّذِي رفع الله بغره الْعِمَاد، وفسح فِي
стр. 300
السرُور بِهِ الآماد، وَكفى النضال والجلاد، فتح مراكش، الَّذِي هيأته السَّعَادَة، وأخلصته المنحة الْمُعَادَة، ويسرته الْمَشِيئَة السابغة، ويمن الْإِرَادَة، على مَا قررتم من التَّيْسِير، ويمن الْمسير، واجتلا وُجُوه التباشير، وخدمة الْجبَال المتعاصية، وَطَاعَة النُّجُوم القاصية، وإلقاء المنتزين بالناصية. فالأفواج تدخل فِي دين الله، بالجنوح إِلَى الْجَمَاعَة والشهقات الشم تهرع بِالطَّاعَةِ، والمنابر تَنْطَلِق بالأوامر المطاعة، وَأَن من كَانَ بهَا بَادر النجَاة بِجمع قَلِيل، وحد فليل، وأنكم أتبعتم أَثَره بِمن تثقون بغنائه، وتجنون ثَمَر إدنائه، حَتَّى تستأصلون معضل دائه. فقابلنا مَا يسر الله لكم من الْفَتْح الجسيم، والصنع الوسيم، بِمَا يجب من ابتهاج واستبشار وَالسُّرُور الْمشرق الْأَنْوَار، وَسَأَلنَا الله علو الْمِقْدَار، وتمهيد الأقطار، وساهمنا كم فِي المنحة الْكَرِيمَة الْآثَار، والموهبة الَّتِي هِيَ علم فِي الْمَوَاهِب الْكِبَار، وَقُلْنَا عَاد فلك الْجِهَاد إِلَى الْمدَار، وسح هِلَال الْملك المريني بالإبدار، وارتفع عَن الْإِسْلَام مَا طرق صَفوه من الأكدار، وَارْتَفَعت بارتفاع الْمَوَانِع مقررة الْأَعْذَار، وَسَأَلنَا الله أَن يتم على الْإِسْلَام النِّعْمَة، بِجمع كلمتهم الَّتِي فرقها الشَّيْطَان، وَذَهَاب فتقتهم الَّتِي رجعت بهَا الأوطار، وجلت الْقطَّان، وطالما ضَاقَتْ الصُّدُور بِمَا شغل الْأمة عَن مهمها الأكيد، ونهجها السديد، وَنصر دينهَا مَعَ الِاعْتِرَاف بِكَلِمَة التَّوْحِيد، وَعصى الْكفْر قد انشقت، وَكلمَة الْعَذَاب قد حقت، والفتن فيهم مَا رعت وَلَا أبقت. فَلَو اجْتمع عز الْإِسْلَام لعادت الْفتُوح الأول، وَبلغ من رد مَا غصب الْكفْر الأمل، لَا كن هَذِه الفداءات الْمُبَارَكَة تدل على مَا وَرَاءَهَا
стр. 301
من فَائت يسْتَدرك، وحظوظ لله لَا تتْرك، وعزائم لجهاد عَدو الدّين تصرف، وعوائد تُعَاد كَمَا يعرف. وَلما أعطينا الهنا حَقه، وَإِن كَانَ جهدا لَا يَعْنِي بالمكتوم مكتوبه، وَلَا يُوفي إِلَّا من بعد التَّرَخُّص وُجُوبه، فاستيفاء مَا تجنيه البواطن من الود، وتضمره من حسن الْقَصْد، بَحر عَظِيم الْمَدّ، إِنَّمَا يُعلمهُ الله الَّذِي يطلع على الْخَفي من قلب الصّديق الحفي [عل مَاله فِي قلب صديقه من الود الوفير] صرفنَا أَعِنَّة الثنا لما كَانَ من مبادرتكم إِلَيْهَا بِهَذِهِ الطرفة الْوَارِدَة، والمنحة الوافدة، فَمثل هَذِه الْعِنَايَة شَاهد بالخلوص مَقْبُول، وَدَلِيل على أتم وُجُوه الصِّحَّة مَحْمُول، فَالله يشْكر عَنَّا ودكم المستولي على ميدان الْكَمَال، المتحف من نصركم ببلوغ الآمال. وَلم نقنع فِي غَرَض الهنا، وَالشُّكْر والثنا على هَذَا الْمَقْصد الْبر، بِجَوَاب يَنُوب عَن لِسَان، ويجتهد فِي توفيه مَا جلبتم من وُجُوه الْبر وَالْإِحْسَان حَتَّى عينا من يتَوَلَّى ذَلِك بِمَا يجب من تَقْرِير، وَشرح وَتَفْسِير. وَهُوَ فلَان، ومجدكم، يصل عوائد الْقبُول، ويبلغ من الإصغاء لذَلِك أمضى المأمول، على عوائد الْفضل المبذول. وَالله ، يعرفكم عوارف الْيمن وَالْقَبُول،، والعز الْمَوْصُول، وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. وَكتب فِي كَذَا من التَّارِيخ، عرف الله بركته.
стр. 302
(وَمن التهاني فِي الإبلال من الْمَرَض مَا صدر عني مهنئا أَمِير الْمُسلمين أَبَا عنان رَحْمَة الله عَلَيْهِ)
الْمقَام الَّذِي شفاؤه لِلْإِسْلَامِ شفا، وبرؤه نعْمَة عميمة مَا بموقعها خفا، وشيمه فضل وَعدل ووفا. فللقلوب بِهِ ابتهاج، وللصدور انْشِرَاح، وللعيون إغفا، مقَام مَحل أخينا الَّذِي نقدر قدره، ونسل الله أَن يحفظ من بادرة السرَار بدره، ونرتقب تأييده على الْعَدو وَنَصره، ونروم الْإِحَاطَة بِمَا بلونا من أَجنَاس فَضله، فَلَا نطيق حصره. السُّلْطَان الكذا [أبي، عنان ابْن السُّلْطَان الكذا أبي الْحسن ابْن السُّلْطَان الكذا أبي سعيد بن السُّلْطَان الكذا أبي يُوسُف بن عبد الْحق] أبقاه الله مفداة ذَاته الطاهرة بالنفوس، محوطة البدور والشموس، مُبْعدًا عَن جلالها لِبَاس البوس، متهللا باتصال عَافِيَتهَا وَجه الزَّمَان العبوس، مَحْمُولا مهرق السرُور برامتها فَوق الرؤوس، مُعظم مقامكم الأسمى، وَمحل أخوتكم الْعُظْمَى [الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر، أيد الله أمره] سَلام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله، كاشف ظلمَة الغما بِنور صباح النعماء وَمذهب وَحْشَة اللأواء بأنس رَحمته المنشورة اللِّوَاء، الْحَكِيم الَّذِي لَا يفْتَقر فِي إِزَالَة
стр. 303
الأدواء، إِلَى وَاسِطَة الدَّوَاء وَلَا يفر مَعَ اسْمه الْكَرِيم فِي الْأَسْمَاء شَيْء لَا فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء، متدارك نفوس الْمُسلمين بِمَا وهبهم من الشِّفَاء بعد الإشفاء، فالموارد بعد الكدر ظَاهِرَة الصَّفَا، وأنوار الاستبشار ظَاهِرَة بعد الاختفاء. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله خيرة الرُّسُل وَخَاتم الْأَنْبِيَاء، الَّذِي بجاهه نسحب ملابس الاعتناء، ونرد موارد الآلاء، ونستظهر على الْأَعْدَاء، ونستشفي عِنْد إِلْمَام الدَّاء، ونتوسل إِلَى الله فِي الْإِعَادَة من الْأُمُور والإبداء، ونرفع الندا مهما رَاعنا رايع فنتعرف مِنْهُ إِجَابَة الدُّعَاء. وَالرِّضَا عَمَّن لَهُ من الصَّحَابَة والقرابة وَالْخُلَفَاء، الْمُوفينَ بعهده حق الْوَفَاء، الْأَشِدَّاء على الْكفَّار، الرُّحَمَاء الَّذين خلفوه فِي أمته على إِيضَاح الْحق، وحياطة الْخلق، وقمع الْأَعْدَاء، وَرفع منار أوامره المتبعة على أوثق الْبناء، فَكَانُوا من بعده كَالنُّجُومِ فِي الظلماء. وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَعْلَى بالنصر الْكَرِيم الأنباء، والصنع الوسيم الرواء، والتأييد المتكفل بتمهيد الأرجاء. وَلَا زَالَ نصله شهير المضا فِي كف الفضا، وسعده مشرق الضيا فِي أفق العلياء، وعزه ضافي الردا وَشَاهد عناية الله بِهِ معمل الْأَدَاء، ومنار علمه قبْلَة الأولى الاقتدا. فَإنَّا كتبناه كتب الله لكم دوَام الْعَافِيَة المديدة الأفياء، وعرفكم عوارف السَّعَادَة مَعَ اتِّصَال الأناء. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله وَلَيْسَ بِفضل الله إِلَّا مسرات براحتكم نعاطى راحها، ونذيع أفراحها، ونسيغ قراحها، ونحفل فِي مسارح حمد الله وشكره مغداها ومراحها. وَقد وصلنا كتابكُمْ الَّذِي أهْدى أَسْنَى التحف وأعلاها، وأسدى أجمل الْمنح وأولاها، وأزال الغما وجلاها، وأطلع أنوار الْبشر يروق مجتلاها، وَجمع بَين الفواضل العميمة
стр. 304
يعضد أولاها أخراها، عَرَفْتُمْ فِيهِ بِمَا قد ألم بذاتكم الطاهرة من الْأَلَم، الَّذِي قد ألمت لَهُ الْقُلُوب، وثوت فِي النُّفُوس الْمسلمَة الكروب، ثمَّ مَا تدارك من الإبلال والاستقلال، ببرء ذَلِك الْجلَال، واستيلاء جيوش الرَّاحَة [على عَدو ذَلِك الاعتلال] فلولا أَن خبر الْمَرَض بلغنَا مَقْرُونا بِخَبَر الرَّاحَة، وَأمن تِلْكَ الساحة، لعظمت الأدجال وضاق المجال [واشهب الصَّبْر الكرب العجال] لاكن الشرفة الظلمَة كَانَت مردفة بالصباح، والشبهة مقترنة بِالْحَقِّ الصراح، والمسرات مَوْصُولَة بالأتراح. فحمدنا الله على راحتكم الَّتِي هِيَ رَاحَة الْبِلَاد والعباد، وَفِي ضمنهَا النعم الواكفة العهاد، فاستقامة الْفسْطَاط، استقامة الْعِمَاد، وبصلاح الْأَرْوَاح، صَلَاح الأجساد. وَالْحَمْد لله الَّذِي أقَال وَفك العقال، وكفا الكرب الثقال، ووفى الْأجر، وَهُوَ لَا يظلم مِثْقَال، وجدد لسيفه الْمَاضِي الصقال، وَجمع لكم بَين الأجور الوافية، من الصَّبْر على الْأَلَم، وَالشُّكْر على الْعَافِيَة. وَعلمنَا فِي إعلامكم أيانا بِهَذِهِ النِّعْمَة، فكأننا من إِيثَار أخوتكم، فزادت المسرة أضعافا، وَثبتت قواعدها ثبوتا لَا يحْتَمل خلافًا، وَوَجَب الشُّكْر اعتقادا واعترافا، فَلَا تسلوا عَمَّا عندنَا من الابتهاج والاستبشار، وَالسُّرُور الْمشرق الْأَنْوَار، وَكَيف لَا تسر بِنِعْمَة الله قبلكُمْ هَذِه الْجِهَات الَّتِى مَا عدمت مِنْكُم، وَلَا من سلفكم عناية، وَلَا فقدت حالى الشدَّة والرخاء رِعَايَة، فَكلما أفلت آيَة، طلعت آيَة، وَكلما تعرفت رَأيا، اسْتقْبلت راية، وَالله تَعَالَى، يحفظ من عزائمكم الْعدة الَّتِي بهَا نتقي عَدو الْعَدو، ونخطب أملهَا المرجو، ونعمر بتأميلها الرواح والغدو. وَنحن نهنئكم، وَإِن كُنَّا أَحَق بالهنا، ونبدي من التَّشَيُّع مَا يَلِيق بكريم الإخا،
стр. 305
ونجهد فِي إجزال الشُّكْر وإجمال الثنا. وَالله يطلعنا من مقامكم على كل بهج من الأنباء، ويحرس مالكم من أصيل الْعَلَاء، ويدافع عَن ذاتكم الْكَرِيمَة، بمعهود اللطف، وموصول الاعتناء. وَالسَّلَام الْكَرِيم يخصكم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَصد رعني أَيْضا فِي غَرَض الهنا بشفاء من مرض لسلطان الْمغرب
الْمقَام الَّذِي شفى الْمجد وَالْكَرم بشفائه، وَعَاد جفن الْملَّة بأنبا عصمته المستقيلة إِلَى إغفائه، ويلقى السرُور ضيف الْبشَارَة المختالة من خبر رَاحَته فِي أجمل الشارة باحتفائه واعتفائه، وَثَبت للدّين الحنيف مَا فرج بِهِ من التَّعْرِيف دَلِيل السعد المنيف، وَقد تطرق الْقيَاس الْجَلِيّ إِلَى انتفائه، فَعَاد مورد الْيمن إِلَى صفائه، وتبرأ الدَّهْر من ذَنبه [وَعَاد إِلَى وفائه] . مقَام مَحل أخينا الَّذِي أَسبَاب هَذِه الْبِلَاد الغريبة بأسبابه معقودة، وآمال الْإِسْلَام بِوُجُودِهِ مَوْجُودَة، وأبواب المخاوف بتأميل بَابه الْعلي مسدودة [وأيدي من بهَا من الْأُمَم على مجدها الرَّاعِي الذمم مشدودة] فأقطارها بقطر الْإِعْلَام بعافيته مجودة، وأكف ناسها على اخْتِلَاف أجناسها بالشكر ممدودة، [أبقاه الله يتلَقَّى زِيَارَة الله بالكنف الرحب وَالْعقد السَّلِيم، ويعجل بريد الضراعة والاستقالة، مهما أحس بتغيير الْحَالة، طَارِقًا بَاب السَّمِيع الْعَلِيم، ونقتني من الْأجر الموفور، وَالثَّوَاب المذخور، بضائع إِنَّمَا يخص الله بهَا [من عباده] خَزَائِن الأواه الْحَلِيم، وَجعل الْعِصْمَة مصاحبة لذاته الطاهرة، [فِي الْأَحْوَال الْبَاطِنَة وَالظَّاهِرَة] يطالع مِنْهَا زَاد الْمُسَافِر،
стр. 306
وتحفه القادم [وَزَاد الْمُقِيم] وشكر مَا يصله بعناية تَعْرِيفه من سَبَب الْوَلِيّ الْحَمِيم [من الْوَلِيّ الْحَمِيم] مُعظم قدره الَّذِي تَعْظِيمه مفترض، ومقيم بره الَّذِي لَا يقدم على تتميمه غَرَض، الَّذِي أقْصَى مَذَاهِب المساهمة لمجده مهما ألم بجوهر مقَامه الأبوي عرض، أَو شَاب مورد صِحَّته مرض، فلَان وَمِنْه: وَإِلَى هَذَا حرس الله ذاتكم الطاهرة من طرق النوائب، وصان مواردكم المؤملة من شبوب الشوائب، وكنفكم بجناح عصمته فِي الشَّاهِد وَالْغَائِب. فإننا فِي هَذِه الْأَيَّام، طرق بعض سواحلنا شاني مشنو الْخَبَر، وحث جنَاح الشراع مِنْهُ مارج مَكْرُوه الْعين والأثر، جمجم بِكَلَام ملفق، ونبإ غير مُحَقّق، عللنا النُّفُوس بتمحيله وتكذيبه، [وَلم نعن] بتقرير هدهده فضلا عَن تعذيبه، وغمضنا عِنْده الأجفان، طَمَعا فِي أَن يكون حلما، وتغافلنا عَن استفسار كَلَام يجر كلما، فَلم تقر الْجَوَارِح على هَذِه الصدمة المتعرفة، وَلَا سكن اضْطِرَاب النَّفس فِي مثل هَذِه الْأُمُور المصرفة، فزند القلق فِي مثلهَا أورى، واضطراب البال بِمِثْلِهَا أَحْرَى، والشفيق كَمَا قيل بِسوء الظَّن مغرى، فعجلنا إِلَى جبل الْفَتْح، من يجلب مِنْهُ نفسا بِنَفس من بَث، وعينا لَهُ المراحل تَحت الْحَث، فَلم يكن يهب نسيمه، وَيقْضى إِلَى الْمَطْلُوب سيره وتقسيمه، حَتَّى طلع علينا من كتابكُمْ صبح جلي الظلمَة المعتركة، وَعلم عرف النكرَة، وَحكم حزم الظنون المذهلة المسكرة، عرفتمونا فِيهِ بالألم الَّذِي ألم، واتصال الْعَافِيَة الَّتِي خص صنعها وَعم، وشرحتم مَا أوجب
стр. 307
الألقية الَّتِي صدقت الآمال بتكذيبها، وسهلت الْعبارَة بِحَذْف وحشيها وغريبها، وقررتم اسْتِقْرَار الْعَافِيَة فِي مهادها، وَرُجُوع الْحَال الصَّحِيحَة إِلَى معتادها، واستبشار قبَّة الْإِسْلَام باستقامة عمادها، وَذَهَاب جِيَاد السرُور فِي أقطار الْمَعْمُور إِلَى غاياتها وآمادها. فقدمنا أَولا شكر الله الَّذِي تعزى لِسَان الْفرج بتقديمه، ونظرنا إِلَى وَجه الْإِسْلَام، وَقد عَادَتْ نظرة أديمه، وبهرتنا فواضل مقامكم الَّذِي اتَّصل فضل حَدِيثه بقديمه. فَلَقَد كَانَ كتاب مقامكم إِلَيْنَا أَمر من توقع الشفا لديكم، وَأنس من عوايد الصنع الَّذِي ورد عَلَيْكُم، فَنحْن نسهب فِي الثَّنَاء ونطيل، ونتحكم على الْأَيَّام ونستطيل [ونطرح بِظُهُور الْحق مَا دلسته الأباطيل] ونهنئكم بمراجعة عقيلة الصِّحَّة الَّتِي لَا ينبو بهَا من بعد إِن شَاءَ الله بَيت، وَلَا يتَطَرَّق إِلَيْهَا [كَيْت وَلَا كَيْت] وَلَا يعْمل بِسَبَبِهَا بعل وَلَا لَيْت، فلتهن راحتكم مجَالِس الْعلم وخلوات الْعَمَل، لَا بل الْإِسْلَام بِمَا حمل، فَإِنَّمَا عصمتكم على الدّين الحنيف وَأَهله رواق، وظل خفاق، ومكارمكم فِي أسواقها للدّين وَالدُّنْيَا نفاق، فَإِذا تألمتم كَانَ بِالدّينِ الحنيف وَأَهله إشفاق، وَإِذا عوفيتم، كَانَ للأمن اتساق، وللسعد إشراق. ثمَّ أتبعتم رَحل الْمرة بالحقيبة، وَجِهَاد الشَّيْطَان التاعق بالتعقيبة [جَارِيا على فضل من فضل الضريبة ويمن النقيبة] فسرحتم مَا عنْدكُمْ من الْعَزْم الَّذِي جعلتم هَذِه الحركات المباركات مُقَدمَات قِيَاسه، وأنواعا لأجناسه، وأنكم تباشرون إعداد الْمُنْشَآت وتستظهرون على قطع مَسَافَة الْبَحْر لجيادها الْكِرَام الشيات، وعملكم على مَا فِيهِ رضى الله، قَضِيَّة لَا تحْتَمل النقيض،
стр. 308
وتصريح لَا يقبل التَّعْرِيض. إِنَّمَا هُوَ جد خلص لله قَصده، وعزم أرهف فِي سَبِيل الله حَده، وكريم يقفو مَا سنه أَبوهُ وجده، فاستكثروا من الْخَيْر الَّذِي أَنْتُم بسبيله، واستعدوا على الْبَحْر الْقَاطِع بَيْننَا وَبَيْنكُم بتوفر عدد أساطيله، فَقبل الرَّمْي تراش السِّهَام، وَقبل اللِّقَاء يكْتب الْجَيْش اللهام، وعقل التجربة قد بَين مَا أشكل، وَفِي معرض الاستعداد قيدها وتوكل، وَمن قبلكُمْ تلتمس العوارف، ونقتبس المعارف، ونتوسد الظل الوارف، وبنظركم السديد تحمد الْمَوَارِد والمصارف [بِفضل الله. ومماأطرف بِهِ كتابكُمْ الَّذِي أطْعم وسْقا، وَأورد المسرات نسقا، وجلا من [الظُّلم المتظاهر] غسقا، خبر مأ آل إِلَيْهِ حَال مَدِينَة إطرابلس الَّتِي أوقعت بالقلوب وقيعتها الشنيعة، وفرعت بملكة الْكفْر هضبتها المنيعة، وَمَا ذخر الله فِيهَا لملككم من حسن الصنيعة، وأنكم لبيتم على الْبعد نداءها، وشفيتم داءها، وعاجلتم من يَد الْكفَّار فداءها، وَذَلِكَ عنوان قبُول الله على مقامكم وإقباله، ومنقبة حباها الله الجلاله، فَمن طمح إِلَى مَا طمحتم إِلَيْهِ نظر لمناله، وَمن شراها بِالثّمن الخطير، وَالله مَا جَار على مَاله، فياله من فَخر جلّ قدره عَن الثّمن، وَذكر تخَلّل بَغْدَاد الْعرَاق وصنعا الْيمن، وصفقة رابحة إِن لم يعقدها مثلكُمْ، وَإِلَّا فَمن لمثل ذَلِك تطمح الهمم، وَفِي مثله تتنافس الْأُمَم، وَالله يذخر المَال، وَعَلِيهِ تحوم الآمال، لِدَة الْإسْكَنْدَريَّة، وَأم من أُمَّهَات المدن البحرية، أَرَادَ الله أَن يبْقى التَّوْحِيد بهَا بسببكم، وَأَن يَجْعَلهَا بِالْملكِ الصَّرِيح من مكتسبكم، فاهنوا بِهَذِهِ الصَّنَائِع الَّتِي يلْبِسكُمْ الله أطواقها، وَيفتح بسعدكم أغلاقها، مَا ذَلِك إِلَّا لنِيَّة اطلع عَلَيْهَا من ضميركم، فسدد إِلَى [الْغَرَض
стр. 309
الْكَرِيم] سِهَام تدبيركم، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يزيدكم من مواهبه، ويحملكم من الْبر على أوضح مذاهبه. وأننا لما استجلينا من كتابكُمْ غرَّة السَّعَادَة المشرقة، وشكرنا مِنْكُم موقع الغمامة المغرقة [أمرنَا برفد] المنشور، فصدع بِهِ فِي الحفل الْمَشْهُود [وبلغنا من الإشادة بِهِ أقْصَى الشُّهُود] ورحبنا بوافده الْمَرْدُود، وأرغمنا أنوف أَعدَاء الله وأعدائنا بلوائه الْمَعْقُود، حَتَّى يَبْدُو للقريب والبعيد تشيعنا لمقامكم الْمَحْمُود، واستظلالنا بظلكم الْمَمْدُود، وَنحن نجمع فِي مراجعتنا بَين الشُّكْر والثنا، ومضاعفة الهنا، ونسل الله تَعَالَى أَن يُطِيل بقاءكم فِي الْملك الوثيق الْبناء، ويعرفكم من لَدَيْهِ عوارف الاعتناء [وَهُوَ سُبْحَانَهُ يديم سعدكم ويحرس مجدكم] . وَالسَّلَام.
стр. 310
كتب التعازي فِي الْحَوَادِث والنائبات
وَصدر عني فِي مُخَاطبَة السُّلْطَان أبي عنان فِي غَرَض العزا والهناء
الْمقَام الَّذِي صبره فِي النوائب جميل. وشكره على الْمَوَاهِب بالمزيد كَفِيل، وفضله لَا يلتبس مِنْهُ سَبِيل [وَحكم فخره لَا يتطرقه تَعْلِيل] ، ومحكم مجده لَا يتَنَاوَلهُ تَأْوِيل، مقَام مَحل أخينا الَّذِي استولى على غايات الْكَمَال مجده، وَرفع راية الْعِنَايَة الإلهية سعده، واشتهر فِي مقَام الصَّبْر صبره، وَفِي مقَام الشُّكْر، شكره وحمده، [وطوق الْأَعْنَاق بذله ورفده] وشف نور قلبه بإلهام من ربه، فأخلص ضَمِيره لمن يوده، السُّلْطَان الكذا [أبي عنان] ابْن السُّلْطَان الكذا ابْن السُّلْطَان الكذا. أبقاه الله مشكور المساعي والخلال، جليل الْخطر خطير الْجلَال، كَامِل الذَّات ذاتي الْكَمَال، جَارِيا على مهيع السّنة فِي جَمِيع الْأَحْوَال، مُعظم سُلْطَانه الَّذِي تَعْظِيمه فرض محتوم، وموقر ملكه الَّذِي لَهُ فِي الْملك حق مَعْلُوم، الْمثنى على مكارمه الَّتِي تطابق مِنْهَا مَنْقُول وَمَفْهُوم، ومساهمه فِيمَا سَاءَ وسر حكمهَا فِي صَحَائِف الصدْق مرسوم. الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن فرج بن نصر. سَلام كريم، طيب بر عميم، يخص مقامكم الأعلي، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
стр. 311
أما بعد حمد الله الَّذِي بِيَدِهِ الْأَمر كُله، وَلَيْسَ فِي الْوُجُود إِلَّا فعله، وَالتَّسْلِيم لأحكامه، وَالشُّكْر على إنعامه، أولى مَا اكْتسب بِهِ رِضَاهُ واستزيد بِهِ فَضله، وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله [الْمُصْطَفى الْكَرِيم] ، الَّذِي ختم بِهِ رسله، وَنبيه الْعَظِيم قدره، الْكَرِيم مَحَله، ملْجأ الْأمة يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله، وَالرِّضَا عَن آله وَأَهله وَأَصْحَابه، فسيا حبذا أَصْحَابه الْكِرَام وَأَصله، الَّذين كَانُوا فِي آفَاق دينه الحنيف شهبا أَضَاءَت بهم سبله، وَالدُّعَاء لمقامكم الْأَسْنَى أبقاه الله مَعْرُوفا صبره وشكره وعدله، مجموعا فِي مَوَاقِف الْفِرَاق شَمله، بالنصر الَّذِي يمْضِي فِي مَوَاقِف السعد نصله، والعز الَّذِي تميز فئته الْغَالِبَة فَضله. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم بقا يتَّصل باتصال الزَّمَان حبله، وَعزا جوزاء نطاق السما نطاقه، وبدرها تاجه، وثرياها تعله. . من حَمْرَاء غرناطة، حرسها الله، وَلَا زايد بِفضل الله سُبْحَانَهُ، ثمَّ بِمَا عندنَا من الِاعْتِدَاد بمقامكم، أَعلَى الله سُلْطَانه، ومهد باتصال السعد والعافية أوطانه، إِلَّا الاستبشار الَّتِي أشرقت فِي سما الْغَيْم كواكبه، ووضحت بعد الالتباس مذاهبه، وَأَنْتُم عدَّة الْإِسْلَام إِذا ارْتَاحَ جَانِبه، وردءه الَّذِي يحذرهُ من يحاربه. أبقاكم الله يزين بحمدكم كتبه، وبنصركم كتائبه، وتستعذب بوجودكم موارده [ومشاربه] . وَعِنْدنَا من التَّشَيُّع لجلالكم الأسمى، جمل لاتوفيها الْعبارَة وَإِن اِنْفَسَحَ مداها، وَلَا تدركها البلاغة وَإِن طَال مداها، نغتبط بعصمة ذاتكم الَّتِي لَو خير الْإِسْلَام [فِي الْمَوَاهِب] مَا تعداها، ونستنصر بعزمكم كلما غلبت على هَذِه الثغور
стр. 312
الغريبة عَداهَا، وَإِلَى هَذَا أيدكم الله بنصر من عِنْده، وَوصل لملككم أَسبَاب سعده، فَإنَّا وصلنا كتابكُمْ المرفع، عرفتمونا فِيهِ بِمَا كَانَ من استبشار الله بِمحل والدنا السُّلْطَان الباهر العالي، الَّتِي اعْترفت بعظيم قدره أَلْسِنَة الْأَيَّام والليالي، والدكم تغمد الله لحده من الرَّحْمَة بغمام، وحشره فِي زمرة من يُخَاطب عِنْد بَاب الْجنَّة ادخلوها بِسَلام، فَلَو لم يكن لَهُ من المآثر الَّتِي يسْتَحق بهَا الْحَمد، ويسترق الْمجد، إِلَّا أَن كُنْتُم سلالته، وورثتم بِالْحَقِّ جلالته، لَكَانَ فخرا لَا يُنَازع فِي حَقه، وَلَا يضايق فِي طرقه، فَإنَّا لله تَسْلِيمًا لحكمه الحتم، وتفويضا إِلَى أمره الْجَزْم، سَبِيل مُبين، وَقصد يَدْعُو إِلَى الصَّبْر فِيهِ عقل وَدين. من ذَا الَّذِي سَالم الْأَيَّام فَسلم من غوائلها، وتمتع بطالعها، جعلنَا الله مِمَّن عمل عملا بَاقِيا، واسلف سعيا صاعدا [إِلَى مَحل الْقبُول] راقيا. وَنحن مهما اعْتبرنَا هَذَا الْحَادِث على انْفِرَاده، وَلم نَنْظُر إِلَى أضداده، بلغ منا الوجد إِلَى غَايَة مُرَاده. وَإِذا نَظرنَا إِلَى أَصْحَاب الدَّهْر، بعد تصعب قياده، وَلما أنعم الله بِهِ من ارْتِفَاع سمك الدّين واستقامة عماده، وَإِن الميدان سلم إِلَى جَوَاده، والغيل إِلَى اسد آساده، وَالْإِسْلَام ظفر بمراده، بِمَا كَانَ من خلوص الْأَمر إِلَيْكُم، وَحُصُول أزمته فِي يديكم، انقلبت الْحَسْرَة حبرَة، والكآبة نعيما ونضرة، وَعَاد الْغم مَسَرَّة. وَقُلْنَا هَذِه نعْمَة بِأَيّ لِسَان تشكر، وَبشَارَة مثلهَا يردد وَيذكر. الْآن صدقت الآمال فِي حَافظ الدّين وناصره، وَالْكَفِيل برعى أواصره، لقد آن للخيل أَن يظْهر عَلَيْهَا المراح، ولصدور المراكب أَن يشملها الانشراح، وللسيوف أَن تضحك مِنْهَا المباسم، لوأقلام الرماح، أَن تحيا بهَا للجياد المراسم. وَقد كُنَّا عِنْد استجلاء هَذَا الْخَبَر قمنا فِي طرفِي المساهمة بِالْحَقِّ الْوَاجِب، وسرنا من الْبر على السّنَن اللاحب، وعينا من يفد على مقامكم الْعلي الْجَانِب. وأبرمنا الْأَمر فِي ذَلِك إبرام الْحبّ الصافي المشارب، وذهبنا من عزائكم وهنائكم فِي أوضح الْمذَاهب. فَلَمَّا ورد الْآن كتابكُمْ أعدنا مَا أصدرنا
стр. 313
ابْتِدَاء، وأكدنا هَذَا الْقَصْد قيَاما بحقكم ووفاء، وَلم نأل لمجدكم الْعلي فِي التَّعْرِيف بِهِ حمدا وشكرا وثناء. فَنحْن نعرفكم وجلالكم فِي الخطوب أثبت قدما، وَأَعْلَى فِي الْفضل علما، من أَن يهدي إِلَى قصد سنى أَو يدل على عمل هنى، ونهنئكم بالسعد الَّذِي إِنَّمَا [فِي الْفضل علما] هُوَ فِي الْحَقِيقَة علينا عَائِد، ولعز الله [دينه] فِي أقطارنا شَاهد، هنانا الله وَإِيَّاكُم مَا خولكم من هدنة الأوطان، وخلوص السُّلْطَان، فَلَقَد اسْتَقَرَّتْ مقاليده مِنْكُم بيد الْوَلِيّ الكافل الْقَائِل الْفَاعِل الَّذِي أغمد [بالصفاح الصفح] ، وَاسْتحق أشتات الْحَمد والمدح، وشرحت دولته الفارسية إِيضَاح الْكَلَام حق الشَّرْح. وَلَو ذَهَبْنَا إِلَى تَقْرِير مَا لدينا من خلوص وضح وضوح الصُّبْح، وثنا كَمَا الرَّوْض فِي المرءى (؟) أَو النفح، لما وفى للسان بِبَعْضِه، وَلَا قَامَت البراعة عَنَّا بفرضه، فنكل علمه إِلَى الْعَالم بخفيات سمائه وأرضه، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يشْكر عَنَّا مقامكم، الَّذِي نتعرف مَعَ الْأَيَّام مزِيد أفضاله، ونستقبل وُجُوه إكماله بِمَا يَلِيق بِحَسبِهِ ومجده وكماله، ونسله أَن يسبغ عَلَيْكُم ملابس إقباله، ويعرفكم عوارف السعد فِي بكر الزَّمَان وآصاله. وأشرتم علينا أَن نعجل صرف من اسْتَقر بالمرية من خدام جنابكم وَارِث بَابَكُمْ، ليردوا على الْأمان المبذول، والوعد الفعول، وَالْعَفو المسدول، وَقد كُنَّا عَملنَا بِمُقْتَضى ذَلِك لأوّل إِشَارَة. وَالله يصل سعادتكم ويحرس مجادتكم. وَالسَّلَام عَلَيْكُم كثيرا أثيرا، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
стр. 314
(وأصحبت فِي معنى العزاء والهنا إِلَيْهِ فِي غَرَض الرسَالَة، كتابا نَصه بعد سطر)
افتتاحه:
الْمقَام الَّذِي رسخت مِنْهُ فِي مقَام الصَّبْر وَالشُّكْر قدم، فَلَا يغره وجود، وَلَا يذعره عدم، وصدقت مِنْهُ فِي طلب الْمجد عَزمَة لم يختلجها وَهن وَلَا نَدم، حَتَّى تصرفت بِحكم معاليه، أَيَّام دهره ولياليه، هَذِه ولدان، وَهَذِه خدم. مقَام مَحل أخينا، الَّذِي إِن جَاشَتْ النوائب وسعهَا صَدره، أَو عظمت الْمَوَاهِب، ترفع عَنْهَا قدره، أَو أظلمت الكروب، جلاها بدره، أَو تألبت الخطوب، هزمها صبره، أَو أظلت سحائب النعم، استدرها حَمده وشكره، أَو عرضت عُقُود [الْحَمد] فِي سوق الْمجد أغلاها فخره، أَو راقت جلل الصَّنَائِع، طرزها ذكره، أَو طبعت سيوف الباس، أغمدها صفحه وسلها قهره. السُّلْطَان الكذا أبي عنان ابْن السُّلْطَان الكذا أبي الْحسن ابْن السُّلْطَان الكذا أبي سعيد ابْن السُّلْطَان الكذا أبي يُوسُف يَعْقُوب بن عبد الْحق. أبقاه الله ضَاحِك السعد، كلما بَكت عين،، مَجْمُوع الشمل كلما أزف بَين، وارى الزند، إِذا اقْتضى للعز دين، محمى الذمار بانفساح الْأَعْمَار، كلما أغار على الْأَحْيَاء حِين، وَلَا زَالَ يُفِيد مِنْهُ شكر الله [نعما] ، مَا فِي وعدها لي وَلَا فِي قَوْلهَا مين، ويلبس مِنْهُ حللا، تقواه فِي عواتقها زين، مساهمة فِي كل خطب غم، أَو فضل من الله سُبْحَانَهُ عَم،
стр. 315
ومقاسمه فِي كل مَا ألم، ومهنيه بِالْملكِ الَّذِي خلص وَتمّ، الْأَمِير عبد الله يُوسُف ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر، سَلام كريم عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله الَّذِي جعل الصَّبْر فِي النوائب حصنا منيعا، وَالشُّكْر يَسْتَدْعِي الْمَزِيد من النعم سَرِيعا، فَمَتَى أعضلت للصبر دَعْوَة، كَانَ لَهَا الْأجر سميعا، وَمَتى رفعت من الشُّكْر رقْعَة، كَانَ [الْمَزِيد] عَلَيْهَا توقيعا. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله الَّذِي بوأنا من السَّعَادَة جنابا مريعا، وَبَين لنا حُدُود أوامره [ونواهيه] فطوبى لمن كَانَ مُطيعًا، وَعلمنَا مَكَارِم الْأَخْلَاق، صبرا فِي النوائب، وشكرا على الْمَوَاهِب [تَفْضِيلًا] وتنويعا، وَكَانَ لنا فِي الدُّنْيَا هاديا، ونجده فِي الْآخِرَة شَفِيعًا. وَالرِّضَا عَن آله وَصَحبه، الَّذين كَانُوا على العداة [قيظا] وعَلى العفاة [ربيعا] ، فحلوا من الِاقْتِدَاء بهم، فِيمَا سَاءَ وسر، وَأحلى وَأمر، مقَاما رفيعا [وخفض] عَلَيْهِم مضاضة فَقده، مثابرتهم على ضم شَمل الْمُسلمين من بعده، اقْتِدَاء بقوله سُبْحَانَهُ، " واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا ". وَالدُّعَاء لمقامكم الأسمى بالنصر الَّذِي تشكر مِنْهُ الْجِيَاد، وَالْبيض الْحداد صنيعا، وتشرح مِنْهُ ألسن الأقلام تهذيبا وتفريعا. وَالصَّبْر الَّذِي يَقُود زرافات الْأجر قطيعا فقطيعا، وَالشُّكْر الَّذِي يفجر من الْمَزِيد ينبوعا. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم كتب الله لكم من حظوة الْخَيْر أوفرها عددا، وأقطعكم من خطط السعد أبعدها أمدا وأتبعكم من كتايب الْعِزّ أطولها يدا، وألهمكم من
стр. 316
الصَّبْر لما تقدمونه فِي الْيَوْم فتجدونه غَدا. من حَمْرَاء غرناطة حرسها الله، وَعِنْدنَا من الِاعْتِدَاد بِاللَّه فِيكُم أَسبَاب وَثِيقَة، وأنساب صدق فِي بحبوحة الخلوص عريقة، وَمن الثَّنَاء عَلَيْكُم، حدائق روض لَا تحاكيها حديقة، وَمن المساهمة لكم فِي شَتَّى الْأَحْوَال، مَقَاصِد لَا تَلْتَبِس مِنْهَا طَريقَة، وَمن السرُور بِمَا سناه الله لكم نعم بشكر الله خَلِيقَة. وَإِلَى هَذَا أيدكم الله بنصره، وَحكم لمقامكم بشد أزره وإعلاء أمره، فإننا ورد علينا الْخَبَر الَّذِي قبض وَبسط، وجار وقسط، وبخس ووفى، وأمرض وشفا، وأضحى وظلل، وتجهم وتهلل، وَأمر وَأحلى، وأوحش وأسلى، وأساء ثمَّ أحسن، وَبشر بعد مَا أَحْزَن، خبر وَفَاة والدكم، مَحل والدنا، السُّلْطَان الْكَبِير الْقدر، الرفيع الْخطر، الَّذِي لَو لم يكن من مناقبه، إِلَّا أَن كَانَ لكم أَبَا، وَفِي أَن أنعم الله على الْملَّة الحنيفية سَببا، لكفاه شرفا لَا تَجِد الْأَشْرَاف بعده مذهبا، قدس الله طَاهِر تربه، وكريم لحده، كَمَا أَحْيَا بكم معالم مجده، فياله من سهم رمى أغراض الْقُلُوب فأثبتها، وطرق مجتمعات الآمال فشتتها، ونعى إِلَى الْمجد إِنْسَان عينه وَعين أنسانه، وَإِلَى الْملك هيولي أَرْكَانه، وَإِلَى الدّين تَرْجَمَة ديوانه، وَإِلَى الْفضل عميد إيوانه. حَادث نبه الْعُيُون من سنة غرورها، وَذكر النُّفُوس بمهم أمورها، وأشرق المحاجر بِمَاء دموعها، وأضرم الجوانح بِنور ولوعها، وَبَين أَن شراب الآمال سراب، وكل الَّذِي فَوق التُّرَاب تُرَاب. فَمن تَأمل الدُّنْيَا وطباعها، وَالْأَيَّام وأفراعها، والحوادث وقراعها، بدا لَهُ الْحق من المين، وَاسْتغْنى عَن الْأَثر بِالْعينِ، فشأنها أَلا تفتر عَن سهم تسدده إِلَى غَرَض، وَصِحَّة يعقبها مرض، وجوهر
стр. 317
ترميه بِعرْض. وداء الْمَوْت قديم، وفريه لَا يبْقى عَلَيْهِ أَدِيم، وكاسه يشْربهَا مُوسر وعديم، دبت إِلَى كسْرَى الْفرس عقاربه، وَلم تَمنعهُ أساورته وَلَا مرازفه، وَقصر قَيْصر عَن مشاربه، وابتز سيف ابْن ذِي يزن من غمدانه، وَلم ترعه مضاربه، وَأرى تبعا فَلم يكن فِي اتِّبَاعه من يحاربه وَكم فِي الْإِسْلَام من مُلُوك أولى فَخر مَا بَين بني الْعَبَّاس وَآل صَخْر، فَأَيْنَ مَرْوَان ودواره وَأَبُو الْأَمْلَاك وبهاره، والوليد وأبناؤه، وَسليمَان وآلاؤه، وَعمر وثناؤه، وَيزِيد وظباؤه، وَهِشَام وآباؤه، والجعدي وآراؤه، وَأَيْنَ السفاح وحسامه، والمنصور واعتزامه، وَالْمهْدِي وإعظامه، وَالْهَادِي وإقدامه، والرشيد وأيامه، والأمين وندامه، والمأمون وَكَلَامه، والمعتصم وأسراجه وألجامه، وَغَيرهم مِمَّن طلع بالغرب شمسا، وَأصْبح فِي مرضاة الله وَأمسى عمر رمسا، وَفَارق إلفا وجنسا. لم تدافع عَنْهُم الْجنُود المجندة، وَلَا الصفاح المهندة، وَلَا الدروع المحكمة، وَلَا الثِّيَاب المعلمة، وَلَا الْجِيَاد الجرد المسومة، وَلَا الرماح المثقفة المقومة. كل نَدم على مَا قدم، وجد إِلَى مَا أعد، جعلنَا الله مِمَّن يسر لنَفسِهِ زادا، وَقدم بَين يَدَيْهِ رِبَاطًا شافعا لَدَيْهِ وجهادا، ووثر لنَفسِهِ بمناصحة الله وَالْمُسْلِمين فِي أَعلَى عليين مهادا، وطوق للْمُسلمين فضل وعدلا وأمدادا. غير أَن هَذِه الفاجىء الَّذِي فجع، وَمنع الْقُلُوب أَن تقر والعيون أَن تنجع، غمرته الْبُشْرَى، وغلبته المسرة الْكُبْرَى، وعوضته من بقائكم الْآيَة المحكمة الْأُخْرَى، فاضمحل من بعد الرسوخ، وَصَارَ دَلِيله فِي حكم الْمَنْسُوخ، بِمَا كَانَ من استخلاصكم الْملك الَّذِي أَنْتُم أَهله، واختياركم الْمجد الَّذِي أشرق بكم مَحَله، وَكَيف لسهم أَخطَأ ذاتكم الشَّرِيفَة أَن يُقَال فِيهِ
стр. 318
أصمى أَو أجهز، أَو لأمل بعد بقائكم تعذر أَو أعذر، إِنَّمَا الآمال ببقائكم المملا محوطة، وسعادة دين الْإِسْلَام بحياتكم الْمُتَّصِلَة مَشْرُوطَة، وَفِيكُمْ [لدين الله] الْخلف من ذَاهِب، مَا بَين عَابِر فِي سلفكم وناصر وواهب، فَلَقَد أَضَاءَت المراقي والمراقب، واطردت المفاخر والمناقب، وَحسنت بِفضل الله العواقب، وَظهر أَن لله تَعَالَى فِيكُم سر يُدْرِكهُ الملاحظ المراقب، إِذْ هيأكم لملك الْإِسْلَام تهيئة لم يتعقبها قطع، وأيدكم بالعزم الَّذِي لم يضق لكم بمصابرته ذرع، فكأنكم كُنْتُم على بَصِيرَة من أَمركُم ووعد، وَفِي خفارة عصمَة واقية وَسعد، حَتَّى حزتم عقيلة الْملك، وَقد رفعت عَلَيْهَا تيجان الصفاح الْبيض، يغشى الْعُيُون مِنْهَا لألاء الوميض، وَأوقدت حولهَا مشاعل الأسل، وأديرت أكواس الحتوف أحلى فِي لَهَوَات الشم الأنوف من الْعَسَل. وَضربت عَلَيْهَا للقتام قباب، وسدل عَلَيْهَا للعزة القعساء حجاب، فوفيتم مهرهَا، وتوليتم أمرهَا، فَسلمت الْخطاب، واستقامت للسعد الأقطاب، واستتب الْعَهْد لما فهم الْخطاب، وَقَامَ بِالْأَمر من اخْتَارَهُ الله لحمله، وَلم يخرج الْملك عَن مَحَله، وَلَا انْتقل عَن أَهله، فَأَي ترح يبْقى بعد هَذَا الْفَرح، وَأي كسل ينشأ بعد هَذَا المرح. إِن أفل الْبَدْر فقد تبلج الْفجْر، وَإِن غاض النّيل، فقد فاض الْبَحْر، وَإِن مَال فلك الْملك فقد عَاد إِلَى مَدَاره، وَإِن أذْنب الدَّهْر، فقد أحسن مَا شَاءَ فِي اعتذاره. إِنَّمَا كَانَ هَذَا الْخطب وَهنا أعقبه ضوء النَّهَار، وسطعت بعده اشعة البهار، وصمصامة أغمدت، وسل من بعْدهَا ذُو الفقار. وَلَا خَفَاء عِنْد ذِي قلب صَاف وفكر شفاف،
стр. 319
أَن هَذَا السعد الَّذِي ألبس الله ملككم أطواقه، وَمد عَلَيْكُم رواقه، إِنَّمَا هُوَ ثَمَرَة نِيَّة لله أخلصتموها [ونذور بإعانة هَذِه الجزيرة الغريبة خصصتموها] ، وعقيدة جِهَاد فِيمَا بَيْنكُم وَبَين الله أحكمتموها، وَأَسْبَاب نصر على طَاعَته وَطَاعَة رَسُوله أبرمتموها، فتهلل عارضها الصيب، وَرفعت إِلَى حَيْثُ يرفع الْعَمَل الصَّالح والكلم الطّيب، فَهِيَ لجياد حسناتكم وحسنات سلفكم ميدان، وجيد على الْأَيَّام بحليكم مزدان، ووسيلة بَيْنكُم وَبَين رب الْعباد. وَإِن كَانَ لملوك الشرق فَخر بِإِقَامَة الْحَج، فلكم بهَا فَخر إِقَامَة الْجِهَاد، وبحسب استزادتكم من النّظر الْجَمِيل لما تستزيدون من جميل نظره، وتستقبلون عوايد النَّصْر فِي حَاضر الزَّمَان ومنتظره، وأمل الْإِسْلَام قد تعلق بكم، بِالْملكِ الْجواد الْكَفّ. الْحمى الْأنف، الْحَلِيم العف، الْوَاحِد المعدول بِالْألف، إِلَى نهد الصَّفّ إِلَى الصَّفّ، وَمَا قد سلفكم من غرس جِهَاد، فلكم بِفضل الله جناه، وَمَا خلدوه فِي مسطورها من لفظ، فلكم إِن شَاءَ الله مَعْنَاهُ، وَقد سبقت من فضائلكم المتواترة، ماحق الثَّنَاء أَن يكون عَلَيْهِ وَقفا مُؤَبَّدًا، وَالدُّعَاء أَن يُوجب إِلَيْهِ مدَدا فمددا. فَإِنَّكُم بادرتم بَاب هَذَا الْقطر قبل سَده، ودعمتم حبلها العاصم قبل دكه وهده، وساجلتم بحره ببحر من جودكم، لَا يتعاقب الجزر مَعَ مده، وتداركتم أمره بالعزم الَّذِي لَا يَتَقَلَّص بممتده، وَلم تشغلكم الشواغل مَعَ تغاور بروقها، وَلَا الْحَرْب مَعَ نفاق سوقها، وتشميرها عَن سوقها، حَتَّى قُمْتُم لملة الْإِسْلَام فِي هَذِه الجزيرة بحقوقها، وَرمى الله الطاغية لما قصد مِنْهَا بَيت القصيد، وحتم باسطا ذِرَاعَيْهِ بالوصيد، بكتيبة من كتائب سعدكم ضمنت للمناصل أَن لَا تتعقب، ولغربان الأساطيل أَن لَا تنعب، وللجياد أَن تجم إِلَى مَا بعد، وللكتائب أَن
стр. 320
تريح إِلَى أَن ينجز بعد فراغكم الْوَعْد، فَمن لَهَا الْآن بكم، وَقد ألْقى الْملك إِلَى مقامكم الْعلي عَصا سيره، وَجرى بيمنه سانح طيره، وخلص إِلَيْهِ خلوصا لم يعول فِيهِ على غَيره [زادكم الله من مواهب فَضله العميم وخيره] . وأننا لما قَررنَا هَذَا الْخَبَر عَن حَقه، ورصدنا طالعه فِي أفقه، قابلنا الْوَاقِع بِالتَّسْلِيمِ، والمنحة الرادفة بالشكر الْعَظِيم، وأنسنا فِي غمام الْهُدْنَة ري هَذَا الإقليم، وَقُلْنَا اسْتَقر الْحق، ووضحت الطّرق، وَهدى الرايد وَصدق الْبَرْق، وتقررت الْقَاعِدَة وارتفع الْفرق، واستبشر بإبلال الغرب أَخُوهُ الشرق، وتأتت آمال أولى الْجِهَاد [إِلَى اقتحام] إِلَى شط الْمجَاز وَأولى الْحَج إِلَى مراقبة ركب الْحجاز، وآن للدنيا أَن تلبس الحلا العجيبة بعد الابتزاز. فَالْحَمْد لله الَّذِي زين بكم أفق الْملك، وَكَيف بسعدكم نظم ذَلِك السلك، وهنأ الله بإيالتكم الْعباد والبلاد [وَالْحج وَالْجهَاد] والمطهمة الْجِيَاد، وَصدق الظنون فِي مقامكم الَّذِي حَاز فِي المكارم الآماد. وبادرنا أيدكم الله من بركم إِلَى غرضين، وشرعنا علم الله، وَمن لدينا أَن نباشر بنفسنا هذَيْن القصدين، إِلَّا أننا عاقنا عَن ذَلِك مَا عقده الْعَدو الَّذِي بلينا بجواره، ومصابرة تياره فِي هَذَا الشَّهْر من الميعاد الَّذِي استدعى إِلَيْهِ الْخَلَائق من كل فج عميق، واستقدم إِلَى يَوْمه الْمَشْهُود وُجُوه كل فريق، حَتَّى غص بهم عرض كل طَرِيق، وَلَا يومن أَن يتَّفق رَأْيهمْ على كيد يحذر داؤه، ويخشى اعتداده، وَإِلَّا فَهَذَا الْغَرَض قد كُنَّا لَا نرى فِيهِ بإجراء الِاسْتِنَابَة، وَلَا نحظى غَيرنَا بزيارة تِلْكَ المثابة. فَليصل الْفضل جلالكم، وَيقبل الْعذر كمالكم، وَإِذا كَانَ الِاسْتِخْلَاف مِمَّا تحمله الْعِبَادَة، وَلَا يُنكره عِنْد الضرار الْعرف وَالْعَادَة، فأحرى الْأُخوة، والودادة، وَالْفضل والمجادة. فتجهزنا جهدنا، واصطفينا لباب
следующие страницы →