Полный текст (979 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
النّيل، ضايق الأحباب فِي البرهة، واختطف لَهُم من الشط نزهة الْعين، وَعين النزهة، ونجج بهَا والعيون تنظر، والغمر على الِاتِّبَاع يحظر، فَلم يقدر إِلَّا على الأسف [والتماح] الْأَثر المنتسف، وَالرُّجُوع بملء العيبة من الخيبة، وَوقر الجسرة من الْحَسْرَة. إِنَّمَا أَشْكُو إِلَى الله البث والحزن، ونستبطر من عبراتنا المزن، وبسيف الرجا نصول، إِذا شرعت لليأس النصول:
(مَا أقدر الله أَن يدني على شحط ... من دَاره الْحزن مِمَّن دَاره صول)
فَإِن كَانَ كظم الْفِرَاق رغيبا، لما نَوَيْت مغيبا، وجللت الْوَقْت الهنى تشغيبا، فَلَعَلَّ الْمُلْتَقى يكون قَرِيبا، وَحَدِيثه يرْوى صَحِيحا غَرِيبا، إيه، شقة النَّفس، كَيفَ حَال تِلْكَ الشَّمَائِل المزهرة الخمائل، والشيم الهامية الديم، هَل يمر ببالها من راعت بالبعد باله، وأخمدت بعاصف الْبَين ذباله، أَو ترثى لشون شَأْنهَا، سكب لَا يفتر، وشوق يبت حبال الصَّبْر ويبتر، وضنا تقصر عَن حلله الفاقعة صنعاء وتستر، وَالْأَمر أعظم، وَالله يستر، وَمَا الَّذِي يضيرك صين من لفح السمُوم نضيرك، بعد أَن أضرمت وأشعلت، وَأوقدت وَجعلت، وَفعلت فعلتك الَّتِي فعلت، أَن تترفق بذما، أَو ترد بنغبة مَاء إرماق ظما، وتتعاهد الْمعَاهد بِتَحِيَّة يشم عَلَيْهَا شذا أنفاسك، أَو تنظر إِلَيْنَا على الْبعد بمقلة حوراء من بَيَاض قرطاسك، وَسَوَاد أنفاسك، فَرُبمَا قنعت الْأَنْفس الْمحبَّة بخيال زور، وتعللت بنوال منزور، ورضيت لما لم تصد العنقاء بزرزور:
(يَا من ترحل والنسيم لأَجله ... يشتاق أَن هبت شذا رياها)
стр. 667
(تحيي النُّفُوس إِذا بعثت تَحِيَّة ... فَإِذا عزمت اقْرَأ وَمن أَحْيَاهَا)
وَلَئِن أَحييت بهَا فِيمَا سلف نفوسا تفديك، وَالله إِلَى الْخَيْر يهديك، فَنحْن نقُول معشر موديك، ثن وَلَا تجعلها بَيْضَة الديك. وعذرا فإنني لم اجتر على خطابك بالفقر الفقيرة، وأذللت لَدَى حجراتك بِرَفْع العقيرة، عَن نشاط بعث مرموسه، وَلَا اغتباط بالأدب تغرى بسياسته سوسه، وانبساط أوحى إِلَى على الفترة ناموسه، وَإِنَّمَا هُوَ اتِّفَاق جرته نفثه المصدور، وَهنا الجرب المجدور، وخارق لَا مُخَارق، فثم قِيَاس فَارق، أَو لحن غنى بِهِ بعد الْمَمَات مُخَارق، وَالَّذِي سَببه، وسوغ مِنْهُ الْمَكْرُوه وحببه، مَا اقْتَضَاهُ الصنو يحيي مد الله حَيَاته، وحرس من الْحَوَادِث ذَاته، من خطاب ارتشف بِهِ لهَذِهِ القريحة بلالتها، بعد أَن رضى علالتها، وَرشح إِلَى الصهر الْحَضْرَمِيّ سلالتها، فَلم يسع إِلَّا إسعافه بِمَا أعافه، فأمليت مجيبا مَالا يعد فِي يَوْم من الزَّمَان نجيبا، وأسمعت وجيبا، لما ساجلت بِهَذِهِ الترهات سحرًا عجيبا، حَتَّى ألف الْقَلَم الْعُرْيَان سبحه، وَجمع برذون الغزارة فَلم أطق كبحه، لم أفق من غمرة غلوه، وموقف متلوه، إِلَّا وَقد تحيز إِلَى فِئَتك مفترا بل مغترا، واستقبلها ضَاحِكا مفترا، وهش لَهَا برا، وَإِن كَانَ لَونه من الوجل مصفراً. وَلَيْسَ بِأول من هجر فِي التمَاس الْوَصْل مِمَّن هجر أَو بعث التَّمْر إِلَى هجر، وَأي نسب بينى الْيَوْم وَبَين زخرف الْكَلَام، وإحالة جِيَاد الأقلام، فِي محاورة الْأَعْلَام، بعد أَن جال الجريض وَدون القريض، وشغل الْمَرِيض عَن التَّعْرِيض، وَاسْتولى الكسل، ونصلت الشعرات الْبيض كَأَنَّهَا الأسل، تروع برقط الْحَيَّات سرب الْحَيَاة، وتطرق ندوات الْغرَر والشيات عِنْد البيات، والشيب الْمَوْت العاجل. وَإِذا أَبيض زرع صبحته المناجل، وَالْمُعْتَبر الآجل، وَإِذا اشْتغل الشَّيْخ بِغَيْر معاده، حكم فِي الظَّاهِر بإبعاده، وأسره فِي ملكه عَاده، فاغض أبقاك الله، واسمح لمن قصر عَن المطمح، وبالعين الكليلة فالمح، واغتنم لِبَاس ثوب الثَّوَاب، واشف بعض الجوى بِالْجَوَابِ، تولاك الله فِيمَا استضفت
стр. 668
وملكت، وَلَا بَعدت، وَلَا هَلَكت، وَكَانَ لَك أَيَّة سلكت، ووسمك من السَّعَادَة بأوضح السمات، وأتاح لقاك من قبل الْمَمَات، وَالسَّلَام الْكَرِيم يعْتَمد خلال وَلَدي، وَسَاكن خلدي، بل أخي وَإِن اتَّقَيْت عَتبه وسيدي، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته [من محبَّة المشتاق إِلَيْهِ مُحَمَّد بن عبد الله بن الْخَطِيب، فِي الرَّابِع عشر من ربيع الثَّانِي، من عَام سبعين وَسَبْعمائة] .
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ الْفَقِيه أَبَا زَكَرِيَّا ابْن خلدون، لما ولى الْكِتَابَة عَن السُّلْطَان أبي حمو مُوسَى بن زيان، واقترن بذلك نصر وصنع غبطته بِهِ [وقصدت بذلك تنفيقه] وَأَنَّهَا ضد لَدَيْهِ
نخص الحبيب الَّذِي هُوَ فِي الِاسْتِظْهَار بِهِ أَخ، وَفِي الشَّفَقَة عَلَيْهِ ولد، وَالْوَلِيّ الَّذِي مَا بعد قرب مثله أمل، وَلَا على بعده جلد، والفاضل الَّذِي لَا يُخَالف فِي فَضله سَاكن وَلَا بلد، أبقاه الله، وفاز فوزه، وعصمته، لَهَا من توفيق الله عمد، ومورد سعادته المسوغ لعادته غمر لَا ثَمد، ومدى إمداده من خَزَائِن إلهام الله وسداده لَيْسَ لَهُ أمد، وَحمى فَرح قلبه بمواهب ربه لَا يطرقه كمد، تَحِيَّة محلّة من صميم قلبه بمحله المنشئ رواق الشَّفَقَة مَرْفُوعا بعمد الْمحبَّة والمقة، فَوق ظعنه وحله، موثرة ومجلة، المعتنى بدق أمره وجله. فلَان
стр. 669
من الحضرة الجهادية غرناطة، صان الله خلالها، وَوقى هجير هجر الغيوم ظلالها، وَعمر بأسود الله أغيالها، كَمَا أغرى من كفر بِاللَّه حيالها، وَلَا زايد إِلَّا منن الله تصوب، وَقُوَّة يسْتَردّ بهَا الْمَغْصُوب، وتخفض الصَّلِيب الْمَنْصُوب. وَالْحَمْد لله الَّذِي بِحَمْدِهِ ينَال الْمَطْلُوب، وبذكره تطمئِن الْقُلُوب. ومودتكم الْمَوَدَّة الَّتِي غذتها ثدي الخلوص بلبانها، واحلتها حلائل الْمُحَافظَة بَين أعينها وأجفانها، ومهدت موَات إخوتها الْكُبْرَى أساس بنيانها، واستحقت مِيرَاثهَا مَعَ اسْتِصْحَاب حَال الْحَيَاة [إِن شَاءَ الله] واتصال زمانها، واقتضاء عهود الْأَيَّام بيمنها وأمانها وَالله در الْقَائِل:
(فَإِن لم يكنها أَو تكنه فَإِنَّهُ ... أَخُوهَا غذته أمه بلبانها)
وضل الله ذَلِك من أَجله وَفِي ذَاته، وَجعله وَسِيلَة إِلَى مرضاته، وقربة تَنْفَع عِنْد اعْتِبَار مَا روعي من سنَن الْجَبَّار ومفترضاته. وَقد وصل كتابكُمْ الَّذِي فاتح بالريحان وَالروح، وَحل من مرسوم الحيا مَحل الْبَسْمَلَة من اللَّوْح، وَأذن لنوافح السفا بالفوح، يشْهد عدله بِأَن الْبَيَان يَا آل خلدون سكن مثواكم دَار خُلُود وقدح زندا غير صلود، واستأثر من محابركم السيالة، وقضب رماحكم الميادة الميالة، بأب منجب وَأم ولود، يقضو شافيه غير المشنو، ونصيله غير الجرب وَلَا المهنو من الْخطاب السلطاني سفينة ستوح إِن لم نقل سفينة نوح. ماشيت من آمال أَزوَاج وزمر من الْفضل أَفْوَاج، وأمواج كرم يطفو فَوق أمواج وفنون بشائر وأهطاع قبائل وعشائر، وَضرب للمسرات أعيا السامر. فَللَّه من قلم رَاعى نسب الْغنى فوصل الرَّحِم، وأنجد الوشيج الملتحم، وسَاق بعصاه من الْبَيَان
стр. 670
الذود المزدحم، وأخاف من شَذَّ عَن الطَّاعَة مَعَ الِاسْتِطَاعَة، فَقَالَ: ﴿" لَا عَاصِم الْيَوْم من أَمر الله إِلَّا من من رحم "﴾ ، وَلَو لم يُوجب الْحق برقه ورعده ووعيده ووعده لأوجبه بمنه وسعده، فَلَقَد ظَهرت مخائل نجحه [علاوة على] نصحه، ووضحت محَاسِن صبحه فِي وَحْشَة الْموقف الصعب وقبحه، وصل الله عوائد منحه وَجعله إقليدا كلما اسْتقْبل بَاب أمل وَكله الله بفتحه. أما مَا قَرَّرَهُ ولاؤكم من حب زكا عَن حَبَّة الْقلب حبه، وأنبته النَّبَات الْحسن ربه، وساعده من الْغَمَام سكبه، وَمن النسيم اللدن مهبه، فرسم ثَبت عِنْد الْمولى نَظِيره، من غير معَارض يضيره، وَرُبمَا أربى بتذييل مزِيد، وَشَهَادَة ثَابت وَيزِيد. وَلم لَا يكون ذَلِك، وللقلب على الْقلب شَاهد، وَكَونهَا أجنادا مجندة لَا يحْتَاج تَقْرِيره إِلَى شَاهد أَو جهد جَاهد، ومودة الْأُخوة سَبِيلهَا لاحب، ودليلها للدعوى الصادقة مصاحب، إِلَى مَا سبق من فضل ولقا، ومصاقبة سقا، واعتقاد لَا يراع سربه بذيب الانتقاد، واجتلاء شهَاب وقاد، لَا يحوج إِلَى إيقاد، إِنَّمَا عَاق عَن مُوَاصلَة ذَلِك نوى شط مِنْهُ الشطن، وتشذيب لم يتَعَيَّن مَعَه الوطن، فَلَمَّا تعين تعين، وَكَاد الصُّبْح أَن يتَبَيَّن، عَاد الوميض ديجورا، والمواد بحرا مسحورا إِلَى أَن أعلق الله مِنْكُم الْيَد بِالسَّبَبِ الوثيق، وأحلكم بمنجى نبق لَا يخَاف من منجنيق، وَجعل يراعكم لسعادة مُوسَى معْجزَة تأتى على الْخَبَر لقيان - فتخر لثعبانها سحرة الْبَيَان.
(أيحيى سقى حَيْثُ الحت الجنا ... فَنعم الشعاب وَنعم الوكول ... )
(وَحيا يراعك من آيَة فقد ... حرك الْقَوْم بعد السّكُون)
(دَعَوْت لخدمة مُوسَى عَصَاهُ ... فَجَاءَت تلقف مَا يأفكون)
(فأذعن من يَدعِي السحر رغما ... وَأسلم من أجلهَا الْمُشْركُونَ)
(وساعدك الشُّعُور فِيمَا أردْت ... فَكَانَ كَمَا يَنْبَغِي أَن يكون)
стр. 671
وَأَنْتُم أولى الأصدقاء بصلَة السَّبَب، ورعى الْوَسَائِل والقرب، أبقاكم الله، وأيدي الْغِبْطَة بكم مَالِيَّة، وأحوال تِلْكَ الْجِهَات بدرركم حَالية، وديم المسرات من إنعامكم المبرات، على مَعْهُود المبرات مُتَوَالِيَة. وأماما تشوفتم إِلَيْهِ من حَال وَلِيكُم فأمل متقلص الظل، وارتقاب لهجوم جَيش الْأَجَل المطل، ومقام على مساورة الصل، وَعمل يكذب الدَّعْوَى، وطمأنينة تنْتَظر الْغَارة الشعوا، وَيَد بالمذخور تفتح، وَأُخْرَى تجهد وتمنح، وَمرض يزور فيثقل، وَضعف عَن الْوَاجِب يعقل. إِلَّا أَن اللطائف تستروح، وَالْقلب من بَاب الرجا لَا يبرح، وَرُبمَا ظفر البائس، وَلم تطرد المقابس، تداركنا الله بعفوه، وأوردنا من منهل الرِّضَا وَالْقَبُول على صَفوه، وَأذن لهَذَا الْخرق فِي رفوه. وَأما مَا طلبتم من انتساخ ديوَان، وإعمال بنان، فِي الإتحاف بِبَيَان، فَتلك عهود لدي مهجورة، ومعاهدة لَا متعهدة وَلَا مزورة، شغل عَن ذَلِك، خوض يَعْلُو لجبه، وحوض يفضى من لغط الماتح عجبه، وهول جِهَاد تساوى جمادياه ورجبه، فلولا التمَاس أجر، وتعلل بِرِبْح تجر، لَقلت أَهلا بِذَات النحيين، فَلَهُنَّ شكت وبذلت المصون بِسَبَب مَا أَمْسَكت، فَلَقَد ضحِكت فِي الْبَاطِن ضعف مَا بَكت. ونستغفر الله من سوء انتحال، وإيثار المزاح بِكُل حَال، وَمَا الَّذِي ينْتَظر مثلي مِمَّن عرف المآخذ والمتارك، وجرب لما بلَى الْمُبَارك، وَخبر مساءة الدُّنْيَا الفارك. هَذَا أَيهَا الحبيب مَا وَسعه الْوَقْت الضّيق، وَقد ذهب الشَّبَاب الرِّيق، فليسمح فِيهِ مَعْهُود كمالك، جعل الله مطاوعة آمالك مطاوعة يَمِينك لشمالك، ووطأ لَك موطأ الْعِزّ بِبَاب كل مَالك، وَقرن النجح بأعمالك. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ صَاحب الْعَلامَة بالمغرب أَبَا الْقَاسِم بن رضوَان بِمَا يظْهر من الْغَرَض
(قد كنت أجهد فِي التمَاس صَنِيعَة ... نفسا شهَاب ذكايها وقاد)
стр. 672
(وَأَقُول لَو كَانَ الْمُخَاطب غَيْركُمْ ... عِنْد الشدائد تذْهب الأحقاد)
سَيِّدي، أبقاكم الله علم فضل وإنصاف، ومجموع كَمَال أَوْصَاف، كَلَام النيات قصير، وَالله لحسنات الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال بَصِير، وَإِلَيْهِ بعد هَذَا الْحفاظ كُله رجعى منا ومصير، وَلَيْسَ لنا إِلَّا هُوَ مولى ونصير، وَهَذَا الرجل سَيِّدي الْخَطِيب أَبُو عبد الله بن مَرْزُوق، جبره الله، بالْأَمْس كُنَّا نقف بِبَابِهِ، ونتمسك بأسبابه، ونتوسل إِلَى الدُّنْيَا بِهِ، فَإِن كُنَّا قد عرفنَا خيرا وَجَبت الْمُشَاركَة، أَو كفافا تعيّنت المتاركة، أَو شرا [اهتبلت غرَّة] الْهوى الْأَنْفس الْمُبَارَكَة، واتصفت بِصفة، من يعْصى فيسمح، وَيسْأل فيمنح، وَيعود على الْقَبِيح بالستر الْجَمِيل، ويحسب يَد التأميل، وَمَعَ هَذَا فَلم ندر إِلَّا خيرا كرم مِنْهُ المورد والمصرف، وَمن عرف حجَّة على من لم يعرف، وَأَنْتُم فِي الْوَقْت سراج علم لَا يخبو سناه، ومجموع تخلق عرفنَا مِنْهُ مَا عَرفْنَاهُ، وَهَذِه هِيَ الشُّهْرَة الَّتِي تغتنم إِذا سفرت، والْمنَّة الَّتِي تجبر عَلَيْهَا دَابَّة النَّفس إِذا نفرت، حَتَّى لَا يجد بعون الله عارضا يعوقها عَن الْخَيْر وَالْأَجْر فِي اسْتِيفَاء كتاب الشَّفَاعَة، وتحري الْمَقَاصِد النفاعة، وتنفيق البضاعة قد ضمنه من وعد بِقِيَام السَّاعَة، وَالْجَزَاء على الطَّاعَة، فَكيف وَالله يرى عَمَلكُمْ وعملي، والمتروك حقير، والوجود إِلَى رَحْمَة من رحمات الله فَقير وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا كتبت إِلَى الشَّيْخ الْخَطِيب أَبى عبد الله بن مَرْزُوق جَوَابا عَن كِتَابه وَقد اسْتَقر خطيب السُّلْطَان بتونس حرسها الله، وأعزه
(وَلما أَن نأت مِنْكُم دياري ... وَحَال الْبعد بَيْنكُم وبيني)
(بعثت لكم سوادا فِي بَيَاض ... لأنظركم بِشَيْء مثل عَيْني)
стр. 673
بِمَ أفاتحك يَا سَيِّدي، وَأجل عددي سَلاما. فَلَا أحذر ملاما، أَو انتخب لَك كلَاما، فَلَا أجد لتبعة التَّقْصِير فِي حَقك الْكَبِير إيلاما. وان قلت تَحِيَّة كسْرَى فِي السنا وَتبع، فكلمة فِي مربع العجنة تربع، وَلها المصيف فِيهِ والمربع، وَالْحَمِيم والمنبع، فتروى مَتى شَاءَت وتشبع، وَإِن قلت إِذا الْعَارِض خطر، وهمي أَو قطر، سَلام الله يَا مطر، فَهُوَ فِي الشَّرِيعَة بطر، ومركبه خطر، وَلَا يرْعَى بِهِ وَطن، وَلَا يقتضى بِهِ وطر، وَإِنَّمَا الْعرف الأوشج، وَلَا يَسْتَوِي البان والبنفسج، والعوسج والعرفج.
(سَلام وَتَسْلِيم وروح وَرَحْمَة ... عَلَيْك وممدود من الظل سَجْسَج)
وَمَا كَانَ فضلك ليمنعني الْكفْر أَن أشكره، وَلَا ينسيني الشَّيْطَان أَن أذكرهُ، فأتخذ فِي الْبَحْر سَببا، أَو أسلك غير الوفا مذهبا - تأبى ذَلِك والْمنَّة لَك طباع، لَهَا فِي مجَال الرعى بَاعَ، وَتَحْقِيق وإشباع، وسوائم من الْإِنْصَاف، ترعى فِي رياض الِاعْتِرَاف. فَلَا يطرقها ارتياع. وَلَا تخيفها أَسْبَاع، وَكَيف تجحد تِلْكَ الْحُقُوق، وَهِي شمس ظهيرة، وآذان عقيرة جهيرة، فَوق مئذنة شهيرة، أدَّت الأكتاد لَهَا ديونا تستغرق الذمم، وتسترق حَتَّى الرمم، فَإِن قضيت فِي الْحَيَاة، فَهِيَ الخطة الَّتِي ترتضيها، وَلَا تقنع من عَامل الدَّهْر المساعد، إِلَّا أَن ينفذ مراسيها ويمضيها. فَإِن قطع الْأَجَل، فالغني الحميد من خزانه الَّتِي لَا تبيد يَقْضِيهَا، ويرضى من يقتضيها، وَحيا الله أَيهَا الْعلم السامى الْجلَال، زَمنا بمعرفتك المبرة على الآمال بر وأتحف، وَإِن أَسَاءَ بِفِرَاقِك وأجحف، وأظفر بالبتيمة المذخورة للشدائد والمزاين، ثمَّ أوحش مِنْهَا لصونه هَذِه الخزائن،
стр. 674
فآب حنين الأمل بخفيه، وَأصْبح الْمغرب غَرِيبا يقلب كفيه. نَسْتَغْفِر الله من هَذِه الغفلات، ونستهديه دَلِيلا فِي مثل هَذِه الفلوات. وأى ذَنْب فِي الْفِرَاق للزمن أَو [الْغُرَاب الدمن] أَو للرواحل المدلجة مَا بَين الشَّام إِلَى الْيمن، وَمَا مِنْهَا إِلَّا عبد مقهور، وَفِي رقة الْقدر مبهور، عقد وَالْحَمْد لله مَشْهُور، وَحجَّة لَهَا على النَّفس اللوامة ظُهُور، جعلنَا الله مِمَّن ذكر الْمُسَبّب فِي الْأَسْبَاب، وتذكره، وَمَا يتَذَكَّر إِلَّا أولو الْأَلْبَاب، قبل غلق الرَّهْن وسد الْبَاب. وَبِالْجُمْلَةِ فالفراق ذاتي ووعده ماتي، فَإِن يكن، فَكَانَ قد، مَا أقرب الْيَوْم من الْغَد، والمرء فِي الْوُجُوب غَرِيب، وكل آتٍ قريب، وَمَا من مقَام إِلَّا لزيال من غير احتيال، والأعمال مراحل وَالْأَيَّام أَمْيَال.
(نصيبك فِي حياتك من حبيب ... نصيبك فِي مَنَامك من خيال)
جعل الله الْأَدَب مَعَ الْحق شَأْننَا، وَأبْعد عَنَّا الْفرق الَّذِي شاننا. وَأَنِّي لأسر لسيدي بِأَن رعى الله [فِيهِ صَلَاح] سلفه، وتداركه بالتلافي فِي تلفه، وخلص بدر سعادته من كلفه، وأجله من الْأَمْن فِي كنفه، وعَلى قدر مَا تصاب الْعليا، وَأَشد النَّاس بلَاء الأنبيا، ثمَّ الأوليا، هَذَا وَالْخَيْر وَالشَّر فِي هَذِه الدَّار المؤسسة على الأكدار، ظلان مضمحلان، فَإِذا ارْتَفع مَا ضرّ أَو مَا نفع، وَفَارق الْمَكَان، فَكَأَنَّهُ مَا كَانَ. وَمن كَلِمَات الْمَمْلُوك الْبعيد عَن السلوك، إِلَى أَن يَشَاء ملك الْمُلُوك:
(خُذ من زَمَانك مَا تيَسّر ... واترك بجهدك مَا تعسر)
(ولرب مُجمل حَالَة ترْضى ... بِهِ مَا لم يُفَسر)
стр. 675
(والدهر لَيْسَ بدائم لَا بُد ... أَن سيسوء إِن سر)
(واكتم حَدِيثك جاهدا ... شمت الْمُحدث أم تحسر)
(وَالنَّاس آنِية الزّجاج ... إِذا عثرت بِهِ تكسر)
(لَا تعدم التَّقْوَى فَمن عدم ... التَّقْوَى فِي النَّاس أعْسر)
(وَإِذا امْرُؤ خسر الْإِلَه ... فَلَيْسَ خلق مِنْهُ أخسر)
وَإِن لله فِي رعيك لسرا، ولطفا مستمرا، إِذْ أَلْقَاك اليم إِلَى السَّاحِل، فَأخذ بِيَدِك من ورطة الواحل، وحرك مِنْك عَزِيمَة الراحل إِلَى الْملك الحلاحل، فأدالك من إبراهيميك سميا وعرفك بعد وسميا، ونقلك من عناية إِلَى عناية، وَهُوَ الَّذِي يَقُول، وَقَوله الْحق: ﴿مَا ننسخ من آيَة﴾ ، الْآيَة.
وَقد وصل كتاب سَيِّدي، يحمد، وَالْحَمْد لله العواقب، ويصف المراقي الَّتِي حلهَا والمراقب، وينشر المفاخر الحفصية والمناقب، وَيذكر مَا هيأه الله لَهُ، من إقبال ورخاء بَال، وخصيصي اشْتِمَال، ونشوز آمال، وَأَنه اغتبط وارتبط، وَألقى العصى بعد مَا خبط، وَمثل تِلْكَ الْخلَافَة الْعلية من تزن الذوات الْمَخْصُوصَة من الله، بشريف الأدوات، بميزان تمييزها، وتفرق شبه الْمَعَادِن وإبريزها، وَشبه الشَّيْء مثل مَعْرُوف، وَلَقَد أَخطَأ من قَالَ النَّاس ظروف، إِنَّمَا هم شجرات ريع فِي بقْعَة ماحلة، وإبل مائَة لَا تَجِد فِيهَا رَاحِلَة، وَمَا هُوَ إِلَّا اتِّفَاق، ونجح للْملك وإخفاق، وقلما كذب إِجْمَاع وإصفاق، والجليس الصَّالح لرب السياسة أمل مَطْلُوب، وحظ إِلَيْهِ مجلوب، إِن سُئِلَ أطرف، وَعمر الْوَقْت ببصاعة أشرف، وسرق الطباع، وَمد فِي الحسات الباع، وسلا فِي الخطوب، وأضحك فِي الْيَوْم القطوب، وَهدى إِلَى أقوم الطّرق، وأعان على نَوَائِب الْحق، وَزرع لَهُ الْمَوَدَّة فِي قُلُوب الْخلق، زَاد الله سَيِّدي لَدَيْهَا قربا أثيرا، وَجعل فِيهِ.
стр. 676
للْجَمِيع خيرا كثيرا، بفضله وَكَرمه، ولعلمي أبقاه الله، أَنه يقبل نصحي، وَلَا يرتاب فِي صدق صبحي، أغبطه بمثواه، وأنشده مَا حضر البديهة فِي مسرته هَذِه ونجواه:
(بمقام إِبْرَاهِيم عذ واصرف بِهِ ... نكرا تروق عَن بواعث تفتر)
(بجواره حرم الله وَأَن حمامة ... وَرْقَاء والأغصان عود الْمِنْبَر)
(فَلَقَد أمنت من الزَّمَان وريبه ... وَهُوَ المروع للمسيء وللبر)
وَإِن تشوف سيدى للْحَال فلعمر وليه لَو كَانَ الْمَطْلُوب دينا لوَجَبَ وُقُوع الاجتزاء والاغتباط بِمَا تحصل فِي هَذِه الجذور الْمَبِيعَة فِي حَانُوت الزُّور، من السِّهَام الوافرة الْأَجْزَاء. فالسلطان، رعاه الله، يُوجب مَا فَوق مزية التَّعْلِيم، وَالْولد، هدَاهُم الله، قد أخذُوا بِخَط قل أَن ينالوه بِغَيْر هَذَا الإقليم، والخاصة والعامة تعامل بِحَسب مَا بلته من نصح سليم، وَترك لما بِالْأَيْدِي وَتَسْلِيم، وتدبير عَاد على عدوه بِالْعَذَابِ الْأَلِيم، إِلَّا من أبدى السَّلامَة وَهُوَ من أبطال الْجَسَد بِحَال السَّلِيم، وَلَا يُنكر ذَلِك فِي الحَدِيث وَلَا فِي الْقَدِيم، لَكِن النَّفس منصرفة عَن هَذَا الْغَرَض، نافضة يَدهَا من الْعرض، قد فوتت الْحَاصِل، ووصلت فِي الله الْقَاطِع، وَقطعت الْوَاصِل، وصدقت لما نصح الفود الناصل، وتأهبت للقاء الْحمام الْوَاصِل:
(أنظر إِلَى الشيب قد نصلا ... وزاير الْأنس بعده انفصلا)
(ومطلبي وَالَّذِي كلفت بِهِ ... حاولت تَحْصِيله فَمَا حصلا)
(لَا أمل مسعف وَلَا عمل ... وَنحن فِي ذَا وَالْمَوْت قد وهلا)
وَالْوَقْت إِلَى الْإِمْدَاد مِنْكُم بِالدُّعَاءِ فِي الأصائل والأسحار، إِلَى مقيل العثار، شَدِيد الافتقار، وَالله يصل لسيدي رعى جوانبه، ويتولى تيسير آماله
стр. 677
من فَضله العميم ومآربه، من التَّحِيَّة المحملة، من فَوق رحال الأريحيات أزكاها، مَا أوجع الْبَرْق الْغَمَام فأبكاها، وَحمد الرَّوْض جمال النُّجُوم الزواهر فقاسها بمياسم الأزاهر وحكاها، وَاصْطفى هرم اللَّيْل عِنْد الْميل عَصا الجوزاء وتوكأها، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني مِمَّا أجبْت بِهِ عَن كتاب بَعثه إِلَى الْفَقِيه الْكَاتِب عَن سُلْطَان تلمسان أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن يُوسُف الْقَيْسِي
(حَيا تلمسان الحيا فربوعها ... صدف يجود بدرها الْمكنون)
(مَا شيت من فضل عميم إِن سقى ... أروى وَمن لَيْسَ بالممنون)
(أَو شيت من دين إِذا قدح الْهدى ... أورى وَدُنْيا لم تكن بالدون)
(ورد النسيم لَهَا بنشر حديقة ... قد أزهرت أفنانها بفنون)
(وَإِذا حَبِيبَة أم يحيى أنجبت ... فلهَا الشفوف على عُيُون العون)
مَا هَذَا النشر، والصف الْحَشْر، واللف والنشر، وَالْفَجْر والليالي الْعشْر، شذا كَمَا تنفست دارين، وحلل رقم حللها التزيين، وَبَيَان قَامَ على إبداعه الْبُرْهَان الْمُبين، وَنقش وشى بِهِ طرس فجَاء كَأَنَّهُ الْعُيُون الْعين، لَا بل مَا هَذِه الْكَتَائِب الكتبية، الَّتِي أطلقت علينا الأعنة، وأشرعت إِلَيْنَا الأسنة، وراعت الْإِنْس وَالْجنَّة، فأقسم بالرحمن لَوْلَا أَنَّهَا رفعت شعار الْأمان، وحيت بِتَحِيَّة الْإِيمَان، لراعت السرب، وعاقت الذود أَن يرد الشّرْب، أظنها مدد الْجِهَاد قدم، وشارد الْعَرَب اسْتعْمل فِي سَبِيل الله واستخدم، والمتأخر على مَا فَاتَهُ نَدم، والعزم وجد بعد مَا عدم. نَسْتَغْفِر الله إِنَّمَا هِيَ رقاع رقاع، وصلات صلات لَيْسَ فِيهَا سَهْو وَلَا إرقاع، وَبَطل لَهَا بَطل الطباع [الْكَرِيمَة اشفاع] وألحان بَيَان يعضدها إِيقَاع،
стр. 678
ودر منسوق، وَرطب نخلها بسوق، وَللَّه در الْقَائِل، الْملك سوق. وَمن يصبر للشَّيْخ على كَتِيبَة تتبعها كَتِيبَة، واقتضاء وجيبة، من ذِي غيلَة غير نجيبة. بَيناهُ يكابد من مُرَاجعَة الْحَيّ من حَضرمَوْت الْمَوْت، وَلَا يكَاد يرجع الصَّوْت إِذْ صبحته قيس، وَهِي الَّتِي شذت عَن الْقيَاس، وأحجمت عَن مبارزتها أسود الأخياس، فلولا امْتِثَال أَمر، وصبر على جمر، لأعاد مَا حكى فِي مبارزة الْوَحْي عَن عَمْرو، فتحرج من الخطل، وَبَين عذر الْمُكْره عَن مفاخرة البطل ألم يدر قَابل رعيلها، وزائر عيلها، أَنى أمت بِذِمَّة من عَهده لَا تخفر، وَأَن ذَنْب إضافتي لَهُ لَا تغْفر، وَحقه الْحق الَّذِي لَا يجْحَد وَلَا يُنكر.
(لما رَأَتْ راية الْقَيْسِي زاحفة ... إِلَى ريعت وَقَالَت لي وَمَا الْعَمَل)
(قلت الوغى لَيْسَ من رَأْيِي وَلَا عملى ... لَا نَاقَة لي فِي هَذَا وَلَا جمل)
(قد كَانَ ذَلِك ورثاث الصميل ضحى ... يهز عطفي كَأَنِّي شَارِب ثمل)
(والآن قد صوح المرعى وقوضت ... الخيمات والركب بعد اللَّيْث مُحْتَمل)
(قَالَت أَلَسْت شهَاب الْحَرْب تضرمها ... حاشى العلى أَن يُقَال استنوق الْجمل)
(وَإِن أحسن من هَذَا وَذَا وزر ... بِمثلِهِ فِي الدَّوَاهِي يبلغ الأمل)
(هَذَا الْحمى لابي حمو استبحرن فَفِيهِ ... الْأَمْن منسدل وَالْفضل مكتمل)
(وَالله لَو أهمل الرَّاعِي النفاد بِهِ ... مَا خَافَ من أَسد حنقان بِهِ همل)
стр. 679
(تكون من قوم مُوسَى إِن قضوا عدلوا ... وَإِن تقاعد دهر جَائِر حمل)
(فَقلت كَانَ لَك الرَّحْمَن يعدى مَا ... سواهُ مُعْتَمد والرأي معتمل)
(فها أَنا تَحت ظلّ مِنْهُ يلحفني ... والشمل منى بستر الْعِزّ يشْتَمل)
(فعل لقيس لقد خَابَ الْقيَاس فَلَا ... بُد الصَّاع وَتَحْت اللَّيْل فَاحْتمل)
(دَامَت لَهُ ديم النعماء مساجلة ... يمناه تنهمل الْيُمْنَى فتنهمل)
(وَأمنت شمس علياه الأفول إِلَى ... طي الْوُجُود فَلَا شمس وَلَا حمل)
وَلَو أخوى والعوذ بِاللَّه نجم هَذَا المقات، وَلم يَتَّصِف السَّبَب وحاشاه بالاتصال وَلَا بالانبتات، فمرعى الْعدْل مكفول، وَسبب الرِّفْق مَوْصُول، وَإِن استجرت نصول، والهرب تأبى الْأَبْطَال التنزل إِلَى نزاله، والناسك التائب يدين ضرب الغارات باعتزاله، إِلَّا من أعزق فِي مَذْهَب الخارجين الأخرق، نَافِع بن الْأَزْرَق، وحسبي، وَقد سَاءَ كسبي أَن أترك الْحَظْر لراكبه، وأخلى الطَّرِيق لمن يَبْنِي الْمنَار بِهِ ونسير بسير أمثالي من الضُّعَفَاء، ونكف، فَهُوَ زمن الانكفاء، ونسلم مخطوبة هَذَا الْفَنّ إِلَى الْأَكفاء، ونقول بالبنين والرفاء، فقد ذهب الزَّمن الْمَذْهَب، وَتبين الْمَذْهَب، وشاخ الْبَازِي الْأَشْهب، وعتاد الْعُمر ينهب، ومرهب الْفَوْت من فَوق الْفَرد يرقب. اللَّهُمَّ ألهم هَذِه الْأَنْفس رشدها واذكرها للسكرات وَمَا بعْدهَا، إيه أخي وَالْفضل وصفك ونعتك، والزيف يبهرجه بختك، وسهام البراعة انْفَرد بهَا بريك ونحتك. وصلتني رِسَالَتك الْبرة، لَا بل غمامتك الثرة، وحبتني ثغور فضلك المفترة، فعظمت بورودها المسرة، جددت الْعَهْد بمحبوب لقائك، وأنهلت طامي الاستطلاع فِي سقائك واقتضت تَجْدِيد الدُّعَاء ببقائك، إِلَّا أَنَّهَا رُبمَا ذهلت عِنْد وداعك، أَو بهر عقلهَا نور إبداعك، فَلم تلقن الْوَصِيَّة،
стр. 680
وسلكت المسالك القصية، وأبعدت من التطوف، وَجَاءَت تبتغي من أسرار التصوف وَمَتى تقرن هَيْبَة السَّبع الشداد بحانوت الْحداد، أَو تنظر أَحْكَام الِاعْتِكَاف بدكان الإسكاف، أَو يتَعَلَّم طبع الشغال بحانوت الْبَقَّال، وَالظَّن الْغَالِب، وَقد تَلْتَبِس المطالب، أَنكُمْ أمرتموها لما أصدرتموها بأعمال التشوف، عَن مقاصدي فِي أغراض التففل والتسوف، فَطُرِدَتْ بِحكم الْإِبْدَال غابته عَمَّا يلْزم من الْجِدَال، وَسمعت السِّين صادا وَلم تلف لإشراك الْمطلب مضادا، وَلَا لزرع الْوَصِيَّة حصادا، وَالله يَجْعَل الْمُحب عِنْد ظن من نظر بمرآته أَو وصف بِبَعْض صِفَاته، وَهِي تذلق عَن صِفَاته. فالتصوف أشرف، وظلاله أورف من أَن يَنَالهُ كلف بباطل، أَو مغرور بسراب ماطل، لَا ير بَاب هاطل، ومفتون بِحَال حَال أَو عاطل، وَمن قَالَ وَلم يَتَّصِف بمقاله، فعقله لم يرم عَن عقاله وخيال أثقاله مَانِعَة لَهُ عَن انْتِقَاله، وعَلى ذَلِك، وَبعد تَقْرِير هَذِه المسالك، فقد غمرت يداها كي لَا تعود بهَا صفرا بعد إِعْمَال السّفر، أَو ترى أَنَّهَا قد طولبت بذنب الْغَلَط المغتفر، وأصبحت الْمُرَاجَعَة بِمَجْلِس وعظ، فتحت بِهِ بَاب الْفَرح، إِلَى إِنْكَار الإِمَام أبي الْفَرح، وفن الْوَعْظ لما سَأَلَ الْأَخ، هُوَ الصّديق المسعد، والمبرق قبل غمامة رَحمته والمرعد، وَللَّه در الْقَائِل، لست بِهِ وَلم تبعد، والاعتراض بعد لَازم، لَكِن الْإِسْعَاف لقصده لَازم، وعامله عِنْد الاعتلال بالعذر جازم، وإعضاؤه ملتمس وفضله لَا يخبو مِنْهُ قبس. وعذرا أَيهَا الْفَاضِل وَبعد الِاعْتِذَار عَن الْقَلَم المهذار، وإغفال الْجِدَار، اقْرَأ عَلَيْهِ من طيب السَّلَام، مَا يخجل أزهار الكمام، عقب الْغَمَام، وَرَحْمَة الله من ممليه على الْكَاتِب، ولعلها تغتر من عتب العائب فلَان، فَإِنِّي كتبت وَاللَّيْل دامس، وبحر الظلام طامس، وَعَادَة الكسل طبع خَامِس، والنابح بشكوى الْبرد هامس، والذبال النادم خَافت، لَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ الْفراش
стр. 681
المتهافت، يقوم وَيقْعد، ويفيق ثمَّ يرعد، ويزخر ثمَّ يخمد، ويتحرك ويحمد، وَرُبمَا صَار ورقة آس، ومبضع راس، وَرُبمَا أشبه العاشق فِي البوح بِمَا يخفيه، وظهوره من فِيهِ، [فتمليه الآمال وتلويه] وتميته النواسم الهبابة، بعد مَا تحييه، والمطر قد تعذر مِنْهُ الوطر، وشرفه الْخطر، وَفعل فِي الْبيُوت المتداعية مَالا يَفْعَله التّرْك والتطر، والنشاط قد طوى مِنْهُ الْبسَاط، والجوارح بالكلال تعتذر، ووظائف الْغَد تنْتَظر، والفكر فِي الْأُمُور السُّلْطَانِيَّة جائل، وَهِي بَحر هائل، ومثلى مَفْتُوح مِنْهُ باليسير، ومعذور فِي قصر الباع، وَضعف الْمسير. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك فِي مُرَاجعَة عَن نَفسِي للسُّلْطَان بتونس أبي إِسْحَق ابْن السُّلْطَان أبي يحيى أعزه الله
الْمقَام الإمامي الإبراهيمي، المولوى، المستنصري، الحفصي، الَّذِي كرم فرعا وأصلا وَشرف جِنْسا وفصلا وتملأ فِي ظلّ رِعَايَة الْمجد من لدن المهد كرما وخصلا، وصرفت متجردة الأقلام إِلَى مثابة خِلَافَته، المنصورة الْأَعْلَام، وُجُوه عمادة الْكَلَام، فاتخذوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى. مقَام مولى أَمر الْمُسلمين، الْخَلِيفَة الإِمَام أبي يحيى أبي بكر ابْن الْخُلَفَاء الرَّاشِدين. أبقاه الله تهوى إِلَيْهِ الأفئدة كلما انتشت بِذكرِهِ، وتتنافس الْأَلْسِنَة فِي إِحْرَاز غَايَة حَمده وشكره، وتتكفل الأقدار بإنفاذ نَهْيه وَأمره، ونغري عوامل عوامله بِحَذْف زيد عدوه وعمروه، ويتبرع أسمر اللَّيْل وأبيض النَّهَار رَبًّا بإعمال بيضه وسمره، وَلَا زَالَ
стр. 682
حسامه الْمَاضِي يفنى يَوْمه عَن شهره، وَالرَّوْض يحييه بمباسم زهره، وَيرْفَع إِلَيْهِ رفع الْحَمد ببنان قضبه، الناشئة من معصم نهره، وَولى الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، يمتعه بهما بعد الْإِعَانَة على سهره، يقبل بساطه المعود الاستلام بصفحات الخدود، الرافع عماده ظلّ الْعدْل الْمَمْدُود، عِنْد مقَامه الْمَحْمُود، ووارد غمر إنعامه غير المنزور، وَلَا المثمود، الْمثنى على مننه العميمة ومنحه الجسيمة، ثَنَاء الرَّوْض المجود على العهود فلَان. من بَاب الْمولى مُوجب حَقه، المتأكد الْفُرُوض، الثَّابِت الْعُقُود، الممتد مِنْهُ بالود الْجَامِع الرسوم وَالْحُدُود، وَالْفضل المتوارث عَن الْآبَاء والجدود، يسلم على مثابتها سَلام مثلى على مثلهَا، إِن وجد الْمثل فِي الثَّانِي، ويعوذ كَمَا لَهَا بالسبع المثاني، وَيَدْعُو الله لسلطانها بتشييد المباني، وتيسير الْأَمَانِي، وَينْهى إِلَى عُلُوم تِلْكَ الْخُلَاصَة الفاروقية المقدسة بمناسب التَّوْحِيد، المستولية من مدارك الآمال على الأمد الْبعيد، أَن مخاطبتها المولوية، تأدت إِلَى الْمَمْلُوك فارعة للعلا من عفرَة الْحلَل والحلا، ذهبية المجتلا، تفِيد الْعِزّ المكين، وَالدُّنْيَا وَالدّين، وترعى فِي الأنباء الْبَنِينَ، على مر السنين، ﴿صفراء فَاقِع لَوْنهَا تسر الناظرين﴾ ، قد حملت من مدرجها الْكَرِيم مَا أخْفى للملوك من قُرَّة عين، ودرة زين، جَنِين الشّرف الوضاح، ومستوجب الْحق على مثله من الْخلق بِالنّسَبِ الصراح، وَالْغرر الأوضاح والأرج الفواح. فاقتنى دره النفيس، وَوجد للدوح من جَانب الْخلَافَة التَّنْفِيس، وَقواهُ لما قراه التَّعْظِيم وَالتَّقْدِيس، وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الْمَلأ إِنِّي ألقِي إِلَيّ كتاب كريم﴾ ، وَإِن لم يكن بلقيس أَعلَى الله تِلْكَ الْيَد مطوقة الأيادي، ومحجلة الْغَمَام والغوادي، وأبقاها عامرة النوادي، غالبة الأعادي، وَجعل سيفها السفاح، ورأيها الرشيق، وَعلمهَا الْهَادِي، وَوصل مَا ألطف بِهِ من أشتات بر بلغت، وموارد فضل سوغت مِنْهَا الإلهية مَا سوغت، أمدتها سَعَادَة الْمولى،
стр. 683
بمدد لم يضر مَعَه الْبَحْر الهائل، وَلَا الْعَدو الغائل، وَأقَام أودها عِنْد الشدائد للفلك الْمسَائِل، لَا بل الْملك الَّذِي لَهُ إِلَى الله الْوَسَائِل، وَحسب الجفن رسالتكم الْكَرِيمَة لحظا بصار وَأكْرم، وعوذة فتعوذ بهَا وَتحرم، وَتَوَلَّى الْمَمْلُوك تَنْفِيقِ عروضها بانشراح صَدره، وعَلى قدره، فَوَقَعت الْموقع الَّذِي لم يقعه سواهَا، فَأَما الْخَيل فَأكْرم مثواها، وَجعلت جنَّات الصون مأواها، وَلَو كُسِيت الرّبيع الزهر حللا، وأوردت فِي نهر المجرة علا ونهلا، وقلدت النُّجُوم العواتم حلا، ومسحت أعطافها بمنديل النسيم، وألحفت بأردية الصَّباح الوسيم، وافترشت لمرابطها الحشايا، وأقضمت حبات الْقُلُوب بالعصايا، لَكَانَ بعض مَا يجب لحقها الَّذِي لَا يجْحَد فَضله، وَلَا يحتجب، وَمَا عَداهَا من الرَّقِيق والفتيان، رُعَاة ذَلِك الْفَرِيق، يكتنفه الِاسْتِحْسَان، ولطنب الِاعْتِقَاد وَإِن قصر اللِّسَان، تولى الله تِلْكَ الْخلَافَة بالشكر الَّذِي يحْسب العطا، وَالْحِفْظ الَّذِي يسبل الغطا، والصنع الَّذِي ييسر من مطى الآمال الامتطا. وَأما مَا يخْتَص بالمملوك فقد خصّه بقبوله تبركا بِتِلْكَ الْمَقَاصِد الَّتِي سددها الدّين وعددها الْفضل الْمُبين، وَأنْشد الْخلَافَة الَّتِي راق من مجدها الجبين:
(قلدتني بفوائد أخرجتها من ... بَحر جودك وَهُوَ ملتطم البثج)
(ورعيت نسبتها فَإِن سبيكة ... مِمَّا يلائم لَوْنهَا قطع السبج)
والمملوك بِهَذَا الْبَاب النصري أعزه الله، مَا أنسى الْأَجَل على قدم خدمه، وقائم بشكر منَّة لكم ونعمه، وحاضر فِي جملَة الْأَوْلِيَاء بدعائه وحبه، ويتوسل فِي بَقَاء أيامكم، [وَنصر أعلامكم] إِلَى ربه، وَإِن بعد بجسمه فَلم يبعد بِقَلْبِه. وَالسَّلَام الْكَرِيم الطّيب الْبر العميم يَخُصهَا دَائِما مُتَّصِلا، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
стр. 684
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ أَبَا عبد الله بن عمر التّونسِيّ
سَيِّدي الَّذِي عَهده لَا ينسى، وَذكره يصبح فِي ترديده (بالجميل) ويمسي أبقاكم الله [تجلوه] من السَّعَادَة شمسا وتصرفون فِي طَاعَته لِسَانا فَردا وبنانا خمْسا. وصلني كتابكُمْ الْأَشْعَث الأغبر، ومقتضبكم الَّذِي أضفاثه لَا تعْتَبر شاهدة بِعَدَمِ الاعتنا أوضاعه، مَعْدُوما إمتاعه، قَصِيرا فِي التَّعْرِيف بِالْحَال المتشوف إِلَيْهَا بَاعه متضمنا الإحالة على حلى من مَعْنَاهَا، غير متلبس بموحدها وَلَا مثناها. سَأَلته كَمَا يسْأَل الْمَرِيض عَمَّا عِنْد الطَّبِيب، ويحرص الحبيب على تعرف أَحْوَال الحبيب، يذكر أَنه لم يتَحَمَّل غير تِلْكَ السحاة المفنية فِي الِاخْتِصَار، المجمعة بخطى الإسماع والإبصار، فهممت بالعتب على الْبُخْل بالكتب، ثمَّ عذرت سَيِّدي بِمَا [يعْتَذر بِهِ] مثله من شواغل تطرق، وخواطر تُومِضْ وتبرق، وَإِذا كَانَ آمنا سربه، مهنأ شربه، فَهُوَ الأمل، ونقيع هَذَا الْمُجْمل، وَإِن كَانَ التَّفْسِير هُوَ الْأَكْمَل، وَمَا تمّ مَا يعْمل ووده فِي كل حَال وده، وَالله بالتوفيق يمده، وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ الشَّيْخ الْفَقِيه الْخَطِيب أَبَا عبد الله بن مَرْزُوق وَقد بَلغنِي إيابه من زِيَارَة الصلحاء بريف باريس ضجرا لحمل الدولة متراوغا عَنْهَا
سَيِّدي أبقاك الله، تعرج على البقع المزورة ركاب الْجَلالَة، وتورث مراقى الْمَقَابِر لَا عَن كَلَالَة، وتتبجج فِي صميم الْعَمَل الصَّالح بَين السّلف والسلالة.
стр. 685
كَانَت لي آمال أرى لقاك أجلهَا وعمدة الاشتهار الْأَيَّام وأدرجتها، وَعَفا رسمها لما نسجتها، وَالدُّنْيَا حَلُوب خلوب، ومغالب الْقدر مغلوب، وبيد الله أَفْئِدَة وَقُلُوب، وَإِن ساءت ظنون، فثم الْكَاف وَالنُّون، ومؤلف الضَّب وَالنُّون، وَمَا الدَّهْر إِلَّا منجنون أرضانا الله بمصارف الْقدر، وعوضنا مِنْهُ بالحظ المبتدر، وفرغنا للورد الْبعيد والصدر، فَأَنا الْيَوْم لَا آمل إِلَّا لقاءك الَّذِي هُوَ الْحَظ، وَإِن فتك الزَّمن الْفظ، وللنصير لما سَاءَ الْمصير، والكهف لما عظم اللهف، وَكَيف لَا [ورعبك] استخرج من الرَّكية، وَسمع على الْبعد صَوت الشكية، وجودك أعطا وأمطا، وجادك فرش وغطا، فَإِن ذوت أَغْصَان الصَّنَائِع، فلقح جحود، وأصبحت الْأَيَّام الْبيض من الغمد فِي لحود، وأغصان صنائعك قبلنَا قد زهت بحبها وأبها، وحيتها نواسم الْقبُول من مهبها، وأياديك لَدَى أَحيَاء عِنْد رَبهَا، نَسْأَلهُ جلت قدرته الْقَدِيمَة، ووسعت كل شَيْء رَحمته الَّتِي هَمت مِنْهَا الديمة، أَن يجعك جَاهِل فِي الشُّمُول جنس الْأَجْنَاس، وربعك ميدان جِيَاد السرُور والإيناس، ويعصمك يَا مُحَمَّد الْحَمد من النَّاس، وَيجْعَل سعيك مشكورا، وفخرك مَذْكُورا، وقصدك مأجورا، وبابك لَا غفلا وَلَا مَهْجُورًا، ومقامك حجا عَن النوائب مَحْجُورا. وَإِنِّي لما طرق النبأ بوجهتك فِي سَبِيل الْبر والفضائل الغر، وتجدد عَهْدك بِزِيَادَة أولى الْفَضَائِل الباهرة الْآيَة، والمشايخ أشباه سلفك فِي تعدد الْولَايَة، قلت هَذَا حنين لفصيله، وجذب عَن أَسبَاب اصليه، وتحويم على شَرِيعَة ومقدمة أبوة سريعة. مهلا مهلا، فَلم يدع الْعلم جهلا، وَأهلا بمقامك الَّذِي
стр. 686
أقامك الله فِيهِ وسهلا، وَلَو زرت طيفورا أَو سهلا، كف الأكف العادية، وَبث المراشد الرايحة والغادية، وَخِلَافَة الْهِدَايَة الهادية، وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم حجَّة بادية، وَمن وَاقع فَليدع نَادِيه، وَللَّه در رَابِعَة، وَقد شغلت بالحي عَن الْمَيِّت، وبالمشكاة عَن الزَّيْت، فَقَالَت النَّاس يطوفون بِالْبَيْتِ وَإِن [شوق] ارتياض ومران، وَكَاد يلفي بمعطن التَّجْرِيد خوان فَلَيْسَ يحمد قبل النَّضْح بحران، وَعلم السياسة قلب، وود إخْوَان الخوان بارقة خلب، وَفرع دوحتك الَّذِي فِي هضبة الْمِنْبَر الإمامي قد غرسته، وديوان النشأة الطاهرة قد درسته، تعاهده بِالْكَفَالَةِ حَتَّى يشبح، ويرقب دوحه وينتسج، وَلَا توحش منابعه الْمُبَارَكَة بأغباب شمسك، ومتعه وأخويك، بنعيم ملكك، إِذا لَا قدمة لنَفسك، على رد أمسك، وَإِذا ذكر الْقدر فَأمْسك، وَهوى مماليك سَيِّدي، أَن لَا يَقع تعويض، وَلَا يعْدم للمدبر الْحَكِيم تَسْلِيم وتفويض. فَالَّذِي دبره فِي الأحشاء، وَحكم فِي صورته الْحَسَنَة، يَد الْإِنْشَاء، حَيْثُ لَا سَبَب يعْمل، وَلَا فكر فِيمَا يلقى، وَلَا فِيمَا يعْمل، وَلَا حِيلَة بِحكم الْقُوَّة العاجزة وَاللِّسَان الأبكم هُوَ الْكَفِيل لَك بِحِفْظ المنصب، وصون الجناب المخصب، حَتَّى نستوفي عمر: [النِّهَايَة حلْس] وِسَادك فائزا بنعيم الدَّار على رغم حسادك، وتطرب إِذا قرعت المنابر المفضلة، عصيات حفدتك وأولادك، تَحت كفالتك وإرفادك. وسيدي شيخ زَاوِيَة الْخلَافَة، فَلَا أقفر مِنْهُ مِحْرَابهَا، وَلَا أغفلت من غرر صنائعه الْبيض عرابها، وَلَا استوحش من حسام رَأْيه السديد قرابها. وعندما ورد البشير بِرُجُوع نفرك الْأَعْظَم إِلَى بَيت شرفه، واستحثاث بريد الْخلَافَة ركاب مُنْصَرفه، قلت اللَّهُمَّ اكْتُبْ خطاه وأجره، واربح فِي مُعَاملَة أوليائك تجره، وغبطه بعد بالْمقَام فِي الْمقَام الَّذِي فِيهِ أفمته، وأرغمت
стр. 687
الْبَاطِل ووقمته، وهنه الإياب الَّذِي أزحت بِهِ الارتياب، وَالْقَبُول الَّذِي كفيت بِهِ آمالنا الأفول وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مِمَّا خاطبت بِهِ أحد الجلة بِمَا نَصه:
أبقى الله أَيَّام الْمجْلس العلمي العملي، يانعة بِالْفَضْلِ أدواحه، مؤيدة بِروح الله أرواحه، وَلَا زَالَ نور علمه مشرقا صباحه ونسيم ثنائه شهرا غدوه، وشهرا رَوَاحه، بِمَا أثنى على شمائله الَّتِي لَو كَانَت الشَّمَائِل أفكارا، لكَانَتْ حجازا، أَو كَانَت ألفاظا، لكَانَتْ حَقِيقَة لَا مجَازًا، أَكَانَت مواعيد، لكَانَتْ إنجازا، أَو كَانَت آيَات، لكَانَتْ إعجازا، أَو أكافىء بعض فضائله الَّتِي لَو كَانَت غيثا مَا خص بَلَدا، أَو شَفَقَة مَا، أثرت أَهلا وَلَا ولدا، أَو قُوَّة نفسانية، لشعرت النُّفُوس بِمَا تكسب غَدا، أَو أراجع بَيَانه الَّذِي إمداده فلكي وإلهامه ملكي، إِلَّا لَو أَنِّي استعرت لمحة من بلاغته الَّتِي بِحَق مَا كَانَت لَهَا المنابر مَوْضُوعَة، والخواطر فِي بيُوت أذن الله أَن ترفع مَجْمُوعَة، والمبادرة إِلَى التمَاس بركتها مَشْرُوعَة، والأكف فِي أعقابها للاستسقاء بسحابها مَرْفُوعَة. فلعمري لقد كنت أوفى حَقًا، وأشيم من أفق الرِّضَا عَن نَفسِي برقا، لَكِن حسبي نِيَّة أبلغ من الْعَمَل، وعزم مول وَجهه شطر بُلُوغ هَذَا الأمل. وَلم تزل ترد من لدن الْمجْلس العلمي نواسم قدس، وتحييني من تلقائه مباسم أنس حظرت على بُلُوغ الخواطر، فَعَاشَتْ، وتجلت لجبال الْوُجُود فتلاشت، وطش وبلها بساحات الْعُقُول فطاشت. وَمن لخطاب الْمجْلس العالي بمواد تلِيق بصوره، أَو لبات تحمل بذوره، أَو وُجُوه يرضاها الْحق لغرره، أَو افهام تقبض أيديها قَبْضَة من أَثَره. فلولا أَن الْعدْل من شيمه، وَالْمجد من خيمه، وَالْفضل من ديمه، مَا كَانَ من حَقي أَن ألوذ بِغَيْر
стр. 688
الْقُصُور، وَمن لي بمساورة الْأسد الهصور، ومقابلة الْعلم الْمَنْصُور، على أَنِّي أَقف على شكر الْمجْلس لِسَانا لَو ملكت غَيره لوقفته، وَأنْفق على حَمده بَيَانا لَو ظَفرت يَدي بِأَعْلَى مِنْهُ لأنفقته، وَأنْفق فِي الثنا عَلَيْهِ سَببا لَوْلَا اعتمادى يعلى إغصائه مَا لفقته، وَإِذا كَانَ الْعذر لَا يلتبس طَرِيقه، ظهر بِالْقبُولِ فريقه، وساغ للخجل رِيقه. وليعلم سَيِّدي أَن مشرفته وَجههَا إِلَى الْأَمِير أبي الْحسن أثيره صُحْبَة هَدِيَّة تشْتَمل على فذلكة الطّيب. وفلذات الْعود الرطيب، فعجبت من انتماء ذَلِك الأرج حسا وَمعنى إِلَى دارينه، وتذكرت قَوْلهم، عَن الْمَرْء لَا تسل، وسل عَن قرينه. وَقد كَانَ عِنْدِي أثيرا، فَهُوَ الْيَوْم لوصاتكم فلك أثير ومحترما، وَإِن رعيه الْيَوْم لكثير، فَمن أدّى عني بعض بركم، فَكَأَنَّمَا حمل عني فرضا، وَأحسن قرضا، وَعرض على الآمال عرضا، وَقَالَ خُذ حَتَّى ترْضى، وسيدي يسمح فِيمَا حمل عَلَيْهِ الإدلال من جَوَابه وَيجْعَل إغضاء مثابته حَسْبَمَا يلْتَمس من ثَوَابه، فَلَا يخفى عَن عين فَضله مَا منيت بِهِ من شغل متشغب، ومرام للْخدمَة متصعب، بِحَيْثُ يشغلني عَن شأني، ويضايق فِي خطرة الذّكر نامور جناني، فلولا أَنِّي اختلست هَذِه النفثة فِي كَفه، ونسجت لمصليها موقعا فِي صفه، لما وجدت إِلَى بعثها سَبِيلا، وَلَا ألفيت لأملي الضاحي فِي كنف الْمُرَاجَعَة مقيلا. وَالله تَعَالَى يضفي للمجلس العلمي، موارد عرفانه، ويحفظ مِنْهُ على هَذَا الْوُجُود إِنْسَان عينه وَعين إنسانه وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك ماخاطبت بِهِ الْوَزير المتغلب على الدولة بالمغرب فراجعني صَاحب الْعَلامَة، فَكتبت إِلَيْهِ
أبقى الله سَيِّدي للعشى والنوابغ، وَالْحكم البوالغ، وَالنعَم السوابغ، وَلَا زَالَ
стр. 689
يَنُوب عَن أنس الْعِزّ، فَيحسن المناب، ويحمى خوزة الْمجد فيصون الجناب، وَثَبت لَهُ الضرائر النابتة فيرفع بالعذر مَا نَاب، وَلَا زَالَت مَنَابِر بلاغته للكرامات العمرية مظْهرا ومناسك مبراته لحاج الْحَمد وَالشُّكْر حجا ومعتمرا، وَلَا بَرحت أقلامه تأسو الْكَلَام، وَتَنصر الْأَخ كَانَ الظَّالِم على تَأْوِيله أَو الظلوم، وتنشر الْعُلُوم والحلوم، وفقت من الْمُرَاجَعَة الوزارية بِخَط الْيَد الْبَيْضَاء، المستمدة من جيب الْحلم والإغضاء، المقلمة الظفر مَعَ المضاء، الصادعة بِحجَّة سر الِاخْتِيَار والارتضاء فِي غيب الْقَضَاء، ساكبة غمام الرحمات على الرمضاء، فَقلت اللَّهُمَّ بَارك لذِي الْخلق الْحسن فِيمَا وهبت، وأمتعهم مِنْهَا بِمَا قضيت وَمَا كتبت، فنعمت الحضة الصَّادِر بهَا منشور أَمرك لزيدك وعمرك، صفة أنبيائك، وأجياد عُقُود ثنائك، وإمارات اختصاصك، فِي عَالم الْغَيْب واعتنائك. مَا الَّذِي اشْتَمَل عَلَيْهِ ذَلِك الْمَكْتُوب، وَالْعلم الْمَوْهُوب، من أسرار وَخلق أبرار، وأحلا غطى على أمرار، وتنبيه بِحكم انجرار، واعتدال دَار فلكه على قطب دَار قَرَار. فَللَّه تِلْكَ الذَّات العمرية، مَا ألطف شمائلها، وأورف خصائلها، لعمري إِن السعد لمتوليها، ومظهر ثأرها بِفضل الله ومعليها، زَادهَا الله من فَضله أضعافا، وَلَا قطع عَنْهَا إسعادا وإسعافا، وَجعل سِنَان نصرها رعافا، وقوى ضدها موتا زعافا، وشيمة مجدها عدلا وإنصافا، وتخلقا بالجميل واتصافا، غير أَن النَّفس كالصبى والغلام الغبي، إِذا تسومح فِي زَجره وأدبه، جرى من التَّمَادِي على مذْهبه، فشرهها كثير، ولجاجها لنكير الْحق مثير. جعلنَا الله مِمَّن شدّ خطامها، وَأحكم عَن رضَاع ثدي العوائد فطامها، طمحت للمراجعة فِي عنان الهور، ومشت قطوفا بَين مهاوي العور، فَقلت وبماذا يُجيب من انْقَطع، وَكَيف بلبل الشَّك وَالْحق قد سَطَعَ، إِذْ كَانَ خيالك لليلى الأخيلية، فقد قطع حجاج الْحجَّة لِسَانه، بِأَن أَفَاضَ عَلَيْهِ إحسانه، وَإِن كَانَ
стр. 690
جفاؤك اخْتِيَارا، فقد أظهر مُعَاوِيَة الْحلم شَأْنه وَمَا عابه ذَلِك. مَا كَانَ أَبُو سُفْيَان يَبْغِي مِنْهَا وَلَا شَأْنه وَرَاءَك، قبح الله افتراءك، أَنا علمت أَن الطماح من سيء الْأَخْلَاق، وَأَن كَثْرَة المجاوية مِفْتَاح الطَّلَاق، هبك صمت وَقلت وَجَبت وجلت وجزيت وبلت، مَا الْفَائِدَة، وَبَعض الصّديق كالأصبع الزَّائِدَة، وَلما أعيتني مداراتها عَاقبَتهَا على بعض الْفُصُول، وركضتها خطوَات على سَبِيل الفضول، وسامحتها فِي الْجَواب عَن فصلين، إقناعا لطماعها، واستدفاعا لجماحها، لَا وَالله بل لجماجها، أَحدهَا إِنْكَار توهم الْوَرع وزوره المخترع، فِيمَا يخْتَص بِجِهَة الْمُجيب وَالْكَاتِب، والمعتب أبقاه الله والعاتب، وحسبك من مُرَاجعَة نَكِير فِي وَجه الْوَرع بزخرفها المخترع، هَذَا والورع من المقامات السّنيَّة، والنازل الَّتِي يسري بهَا السالك إِلَى رب هَذِه البلية، الْمَسْأَلَة الأولى الْعَزْم على التَّجَافِي عَن أنعام الْوَزير ورفده الغزير، إِذا حط بِبَاب الرحل، وارتبط الْفَحْل، وَحفظ الْأَزَل وَالْمحل، فَأَنا أستقبل من تِلْكَ الخطة الصعبة مشهدا، وَأمر عَن تِلْكَ الخطة مُجْتَهدا، وأنسب تِلْكَ الْحَال الغالية بَين بيوى الفئة الْمُطَالبَة، وَللَّه در الْقَائِل:
(دَعَوْت عَلَيْك لما عيل صبري ... وقلبي قَائِل يَا رب لالا)
وَالثَّانِي الإنحاء على رفد بني زيان بِكَوْنِهِ حَرَامًا، ومغرما يجر غراما، ويورد ضراما، والاستعادة من إرفاد يتَحَمَّل الْمُشبه، أَو مصارفة تقبل الشبة، وَنحن فِي هَذَا الْقطر نَأْكُل البقل، وَلَا نسل عَن المبقلة، ونتحمل النَّقْل وَلَا نَنْظُر من نَقله، وللضرائر فِي الشَّرْع أَحْكَام تبيح غير الدكى، ومقاصد لَا تخفى على الدكى. وَهَذَا الْعذر مِمَّا ظهر انحلال أوأخيه، فَإِن ضَاقَ عَنَّا طيفور الْحَلَال رَضِينَا بأَخيه، وَالْحرَام إِذا تحيز وَتعين، فمصرفه فِي الْجِهَاد وَالصَّدَََقَة على مَا تبين، وَهَذِه حجَّة يشفق مِنْهَا الْخصم على خَصمه، ويسامحه إِقَامَة لرسمه. وَبِالْجُمْلَةِ فَنحْن بِهَذَا الْيَد إِلَى من بِيَدِهِ النوال الْغمر، وَله الْخلق وَالْأَمر، أَن
стр. 691
يُعِيد الْأَحْوَال إِلَى معتادها أمنا وصلاحا وشفاء للصدور بتمهيد الْإِسْلَام وانشراحا. وَقد رضيناه بالأعذار، نمتك عظامها، والآمال نلمس أوضامها، والإعانة نشكر حلالها وحرامها. وَلَوْلَا الْأَدَب لقمنا وَلم نبل بالإصابة من غيرَة الْإِصَابَة، اللَّهُمَّ أَن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة، حَال الجريض دون القريض، وضاق الْوَقْت عَن التَّعْرِيض، عَدو مجاور، وتنين مساور، ومادة ناصبة، وتفوس يقرعها الْحق فترتد مغاضبة، وَسَائِر الْفُصُول، أبقى الله سَيِّدي بَين عُمُوم وخصوص، ومخرج ومنصوص، قد وَسعه التَّسْلِيم، وَسمع الشُّكْر عَلَيْهِ السَّمِيع الْعَلِيم. والمسؤول من سَيِّدي أَن يجيل اللِّسَان الرطب، فِي شكر تِلْكَ الوزارة، نَائِبا عَن صَنِيعَة خلالها، ولسان ثنائها، ومستدعى فضل الله لَهَا ولأبنائها، بِمَا أحسن بَيَانه المناب عَن فُصُول اعتنائها، فَهُوَ الملي بِمثل هَذَا الْمطلب الْعَزِيز، وَجَائِز الْوَقْت فِي التبريز بِمثل هَذَا الإبريز. وَمِمَّا يجب عَلَيْهِ التَّنْبِيه، ويطرب بِهِ الْمحل الوزارى النبيه، إِذْ كَانَ الْمَمْلُوك قد اسْتقْرض للجبل رفد طَعَام، فَاسْتعْمل النّظر فِيهِ وخد نعام، من الْحَيَوَان الْغَرِيب الصُّور. الهضوم الزُّور، رزاة الْحمير، وصواعق المطامير، وهضمة الْحَدِيد وبلعة المسامير، كَمَا شَككت أَن لفظ الطَّعَام طرقه التَّصْحِيف أَو التحريف، فتنكر من مَقْصُود التَّعْرِيف وَكَثِيرًا مَا بليت بِهِ الطا، وأبلى ظهرهَا ذَلِك الأمطاء. قَالَ الشَّاعِر:
(هن المطايا عوضت من طابها ... يَوْم النَّوَى نونا لكل عميد)
فَإِن كَانَ الْجَزَاء مَقْصُودا سلمنَا، وَإِن كَانَ غير ذَلِك فقد نبهنا وتكلمنا، وعرفنا وَأَعْلَمنَا، وَلَا تستوي الْحَسَنَة وَلَا السَّيئَة، ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحسن، نَسْتَغْفِر الله مَا ثمَّ إِلَّا نعم ونعام، وخيل وإنعام، وَنصر إِن شَاءَ الله وَطَعَام، وَإِن مطل شهر وعام، ووزارة وسع مِنْهَا الكنف، وارتفع الحيف، تُؤْخَذ الدُّيُون على وعدها، وتهدد الخطوب بسعدها، وَالصَّبْر ضمين الظفر، وَلَا ييأس من روح الله إِلَّا من
стр. 692
كفر، وَالله يبقيه علما ساميا، وغماما للفضل هاميا، وَيجْعَل سعده ناميا، وَحده من ثعر المحمد فِي سَبِيل الْمجد وَالْخَيْر دَائِما. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ قَاضِي الْقُضَاة بِمصْر حَسْبَمَا يظْهر من الْغَرَض
أبقى الله أَيَّام الْمجْلس العلمي القاضوي السيادي وجانبه بالتعظيم مُعْتَمد، وفسحة سعده لَيْسَ لَهَا حد وَلَا أمد، وساحة سروره لَا يعين عَلَيْهَا كمد، ومورد فَضله غمر لَا ثَمد، وَلَا زَالَ عين الْإِسْلَام الَّتِي لَا يشوبها مرض وَلَا يُصِيبهَا رمد، ودام فسطاط الْإِسْلَام ثقله من عناية الله على عمد. مَا الَّذِي يفاتح بِهِ الْمَمْلُوك مجْلِس قَاضِي الْقُضَاة وَهُوَ الأوج، والمثابة الَّتِي يتزاحم فِي استلامها الفوج وَالْبَحْر الَّذِي أبحاثه هِيَ الموج، والديوان الَّذِي عجز عَن حصر أَسبَاب مجده الْفَرد وَالزَّوْج. تالله لَو أمد لساني طبع الْفَاضِل البيساني، بل المدد الحساني، لَا بل الْعقل الإنساني، لتوقعت خمول شاني، وأنفت لدسته الْعَرَبِيّ من لغط حبشاني، وخشيت لهول الهيبة أَن يَغْشَانِي فلج مِقْدَاره، وَإِن رغم الشاني، لَا يتعاطاه مثل هَذَا الشاني، فَكيف مَعَ الْقُصُور، والأمد المحصور، بمساورة الْأسد الهصور، وموافقة الْعلم الْمَنْصُور، وأنى للمغربي بعنصر النُّور. وَمن يسبح بعد فَور التَّنور، لَكِن فضل الْمجْلس العالي للمقصرين شَفِيع، وَإِن اتضع قدر المنشور على خطابه، فَعلمه رفيع، والمتطفل قل أَن يخيبه فِي بَاب مثله صَنِيع، والمستفيد بحرمه، قد كنفه جناب وسيع والموارد يقتحمها العير والجواد، والمسارح الْكَرِيمَة، يقصدها الرواد، والكعبة يعج إِلَيْهَا من الْبِلَاد السوَاد، فَلَو تنخل المستأهل من غَيره أَو عومل
стр. 693
السَّائِل على مِقْدَار سيره وبركته وخيره، لَكَانَ المطرود أَكثر مِمَّن يصلح لَهُ الْوُرُود، ونقع غَلَّته البرود. لَكِن الرَّحْمَة تَشْمَل، والضعيف لَا يهمل، والإغضاء أجمل. وَإِن الْمَمْلُوك مَا زَالَ يتلَقَّى من محامد الْمجْلس العلمي، نوافج طيب ونوافح روض رطيب، وملامح بشر تذْهب بِمَا للزمن من تقطيب، ونقمات مطيل فِي النَّعيم مُطيب، وتعشق النُّفُوس لَيْسَ بمقصور على مُشَاهدَة طرف، وَلَا مُبَاشرَة حسن وَلَا ظرف، أَو شم عرف، وَالْعدْل يمْنَع أَن تقَابل هَذِه الْحجَّة بِصَرْف، أَو يعبد الله فِي إنكارها على حزف. فَمن الْمَشْهُور، والذائع بَين الْجُمْهُور:
(يَا قوم عَيْني لبَعض الْحَيّ عاشقة ... وَالْأُذن تعشق قبل الْعين أَحْيَانًا)
وَقَوله: وعشق الْفَتى بِالسَّمْعِ مرتبَة أُخْرَى. .
وَلَيْسَ فِي هَذِه الدَّعْوَى عناد، وَلها استناد إِلَى قَوْله، الْأَرْوَاح أجناد، فَلَو تركني الدَّهْر وَمَا أسر من التَّشَيُّع لمثابته للبيت دَاعِي شوقي بإجابته، وَإِن تجاسرت على خرق حجاب مهابته، شَأْن المحبين كلما خَانَهُمْ الصَّبْر، وَلم يتل مواجد كلومهم السبر، لكنه سد المسالك، فاستنبنا الْمَالِك، وأساء الماكد، فاستعدينا عَلَيْهِ الْمَالِك، وَبعثت سبحاتي هَذِه، متوسلة بوسيلة الْحبّ الصَّرِيح، عادلة عَن التَّعْرِيض إِلَى التَّصْرِيح، والبوح المريح، تلطفه فِي المثول بِبَاب إيوانه، والاستشراف على شعب بوانه، مُتَعَلقَة بأردان أَصْغَر أعوانه، فأرجو أَن تبلغ النِّيَّة هديها إِلَى مَحَله، وتفديها سَعَادَة الْجد على مَحَله. والمرغوب من تِلْكَ المثابة الَّتِي تعشو إِلَى نورها الْعُيُون، وتقضى من صدقَات طولهَا الدُّيُون، أَن تحسب هَذَا الْمُحب المادح، مِمَّن سعد بحبه، وَصدق مِنْهُ التوسل فِي لِقَائِه إِلَى
стр. 694
ربه، وَأَن يَنْتَظِم فِي ذَوي ولايه، وشيعة علايه، فَإِن قضي اللِّقَاء حصل الْكَمَال، واستوفيت الآمال، وتضافرت النيات والأعمال، وارتفع عَن سوء الْقَصْد الإهمال، وَإِن كَانَ غير ذَلِك نَفَعت النِّيَّة، وللذين يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ المزية. وَلما تحققت من مَكَارِم السَّيِّد الْعِمَاد قَاضِي الْقُضَاة، أبقاه الله، أَن يلْتَمس مَا فِي يَدَيْهِ أحظى المتوسلين إِلَيْهِ، افتتحت تعريضي بسؤاله، ومددت يَدي إِلَى نواله، ورغبت مِنْهُ أَن يسم مغفلا، وَيفتح إِلَى الْعِنَايَة بَابا مقفلا، وَيَأْذَن فِي الرِّوَايَة عَن مقَامه المخدوم، بَين الْوِفَادَة على مَحَله والقدوم، وإيجاد الشّرف الْمَعْدُوم لصرحا ملكته، ونسبا عبوديته، وكغلاء ظلاله، ونبهاء مباسم خلاله، أَوْلَاد مُوجب حَقه المحتوم، ومعظم مقَامه الْمَعْلُوم، وهم فلَان وَفُلَان، مطوفا نعْمَته، لإسعاف من يعرف قدرهَا الْعلي فِي الأقدار، ويرقى الْأَهِلّة بإمدادها إِلَى مَرَاتِب الأبدار، وَهُوَ الْكَفِيل بإجابة السَّائِل، وإحساب الْعَامِل، وَللَّه در الْقَائِل:
(وَلم يممتهم فِي الْحَشْر تجدّد ... لَا عطوك الَّذِي صلوا وصاموا)
والمملوك يطالع الْعُلُوم الشَّرِيفَة بَين جلال تنبض، وهيبة أسودها تربض، وإدلال عروقه تنبض، أَنه وَجه إِلَى تِلْكَ الْمحَال الشَّرِيفَة بهرجا زائفا، ومترقبا خَائفًا، مِمَّا صدر عَن طبع قَاصِر، ووطن دَار بنطاقه لِلْعَدو حاصر، وَلَيْسَ إِلَّا الله نَاصِر، فَإِن أحظاه الْجد بالمثول بناديه، وضفت على طارقه الضاحي ظلال أياديه، والمسئول من شفقته الإغضا عَن معترف، والتجاوز عَن خطل زمن خرف، ويشكر الله الَّذِي كمله، إِذا وقف على النَّقْص وتأمله، ويخفض الْجنَاح لمن أمله، ويعامل بالشفقة من أم لَهُ، وَمن لَهُ، بالوصول إِلَى مجْلِس الْملك، وَإِلَى الله تجلته، كَمَا أعز بنظره مِلَّته، إِنَّمَا هُوَ فرض يفْرض، وآمال على النَّفس تعرض. ونسل الله لمثابة الْمجْلس العالي بقا يمتع الْمُسلمين بمواهب الْعدْل الْمَشْهُور، وَالدّين تجلت شمسه فِي مظَاهر الظُّهُور، وَالْعلم الَّذِي يجلو غياهب
стр. 695
الديجور، والمتكفل من الله بإنماء الأجور، وَالسَّلَام الْكَرِيم، الطّيب العميم، يعْتَمد سَيِّدي عودا على بَدْء، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. من خَاطب شرف وداده، وملتمس مواهب الله فِي إعانته وسداده، فلَان.
وَمن ذَلِك فِي هَذَا الْغَرَض
مِمَّا خاطبت بِهِ أحد الْفُضَلَاء بِمَا نَصه، وَهُوَ أَبُو زَكَرِيَّا يحيى بن عبد الله بن ولى الله يَعْقُوب البادسي ﵀.
(حفيد ولى الله ذِي الرُّتْبَة الْعليا ... وَمن نَالَ فِي الْأُخْرَى السمو وَفِي الدُّنْيَا)
(أعدت لي الْأَيَّام سهلا ومرحبا ... وأحييت أنسي بعد مَا مَاتَ يَا يحيا)
(وَمَا كنت إِلَّا ظاميا لَك ضاحيا ... فأنشأت لي ظلا وأعذبت لي سقيا)
(وسوغت لي الْفضل الَّذِي أَنْت أَهله ... وَلم تبْق فِي التسويغ شرطا وَلَا ثنيا)
(إِذا مَا أجلت الْفِكر فِي فضلك الَّذِي ... يسلم فِيهِ للْبَيَان إِذا أعيا)
(أَقُول سقى باديس منسجم الحيا ... وأوسع رعى الله أرجاءها رعيا)
(وحاكت لَهَا كف السحائب حلَّة ... ترى مَذْهَب النوار فِي جيدها حليا)
( [لمغنى] أبي يَعْقُوب رهن ضريحه ... يحِق لأجل الله أَن نعمل السعيا)
(غياث من استعدى وَنور من اهْتَدَى ... وملجأ من أذته داهية دهيا)
(جعلتك يَا يحيى إِلَيْهِ وَسِيلَة عَلَيْهَا ... اعْتِمَاد فِي الْمَمَات وَفِي الْمحيا)
مَا كنت أَيهَا الْوَارِث، والحسام الفارث، أَظن الدَّهْر يبْقى مَوضِع صلح، وَلَا اللَّيَالِي تسمح بصبح، وَلَا الزَّمن يرجع عَن تفويق سهم واشراع رمح،
стр. 696
وَلَا الْأَيَّام تسنح بالْحسنِ، مَا سفرت عَنهُ من قبح، حَتَّى ظَفرت يَدي بودك فأثرت، وقدحت زناد حظي فأورت، وشفيت الْعِلَل واستشرت، ورحلت البوس بَعْدَمَا اسْتَقَرَّتْ، رحب ساحة، وتأنق سماحة، وندى رَاحَة، ورأم جِرَاحَة، وَطيب نفس إِلَى الْفضل مرتاحة، وخواطر لَهَا فِي بَحر الْمعرفَة، أَي سباحة، فَأَنا وَللَّه الْمِنَّة رائد اغتبط فَارْتَبَطَ، ووال تحكم على الدَّهْر فَاشْترط، لَا بل عَفا عَمَّا فرط، فمذ أَفَادَ قربك قد غفرت جِنَايَته، وشكرت عنايته، وَحمل على أفْصح المحامل إفصاحه وكنايته [فقد يشم الْبَرْق ووضحت الْفرق] وَعَاد الْجمع، وارتفع الْفرق، وَحل العقال فَأمكن الغرب والشرق، وَمن الله اسل أَن يمتع بك، كَمَا وصل سَبَب وليه بسببك، ويفردك بمقامه ويشفيك وإيانا من علل الْحس وأسقامه، ويؤوينا جَمِيعًا إِلَى يقطينة رَحمته، بعد ابتلاع حوت الْوُجُود والتقامه، فَمَا هُوَ إِلَّا أَوْهَام استحكمت، ومألوفات ازدحمت، وعوائد سوء جارت إِذْ حكمت، حَتَّى إِذا شمس الْحق تجلت، حَالَتْ صبغتها واضمحلت، وَأَلْقَتْ الأَرْض مَا فِيهَا وتخلت، وأدبرت شياطينها، الَّتِي اقتضاها طينها وَوَلَّتْ، فاتسع المجال، وَذَهَبت الأوجال، وَارْتَفَعت الحجال، وحمدت سراها عِنْد الصَّباح الرِّجَال، واللطف مَعْرُوف، وَالْمعْنَى معنى، وَمَا سواهُ حُرُوف، وأواني وظروف. وَالسَّلَام على سَيِّدي، وعَلى الْأَصْحَاب كافأ الله تأنيسهم، وَشَمل بالرعي مرؤوسهم وَرَئِيسهمْ، ورو ١ ذحا بخمرة التَّحْقِيق نُفُوسهم، وأطلع لَهُم من ذواتهم، أقمارهم وشموسهم، من محبهم الرَّاغِب فِي اجْتِمَاع الشمل اللَّيْلَة بهم. فلَان. وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
стр. 697
وَمن ذَلِك مَا كتبت بِهِ إِلَى رَئِيس ديوَان الإنشاد الشريف شمس الدّين أبي عبد الله بن أبي ركب [أعزه الله تَعَالَى]
أبقى الله أَيَّام الْمجْلس العالي ظلا على العشائر والفضائل، أجمة للأسد الغر الصَّائِل، مفضضة الغدوات، مذهبَة الأصائل، من أمثالهم الَّتِي كلفت بهَا الألسن، الموثرة لما يحسن، لَوْلَا الحمقاء لخربت الدُّنْيَا، وَالَّذِي يشْرَح بِهِ هَذَا الْمُضمر، إِنَّهَا بهم تعمر، فَيعْمل الصَّائِف للشاتي، ويخلف الذَّاهِب الْآتِي، وَمن الْأَدِلَّة، والبراهين المستقلة عِنْد الجلة، مُخَاطبَة الْمَمْلُوك ذَلِك الْمجْلس العلمي مَعَ قُصُور النّسَب الَّتِي قدمت للْعُذْر وتمهد، بل مَعَ وفور مَا يرغب ويزهد، أما بِاعْتِبَار الإيالة والخلافة العباسية أصل، وَمَا سواهَا فرع، حجَّة يعضدها طبع وَشرع، وَلَا يَتَّسِع فِي ردهَا ذرع. وَأما بِاعْتِبَار الْقطر فايز الْقدَم من المفرق، وَأَيْنَ الغرب من الْمشرق، تشهد بذلك الشعار الْخمس، وَالْيَوْم والأمس، لَا بل الشَّمْس، فَهَذَا ننصب فِيهِ منصتها، وتشهر قصَّتهَا، وَهَذَا تتبلع فِيهِ فرصتها، وتجترع غصتها. وَأما بِاعْتِبَار الذوات، فَلَو لم يكن إِلَّا النّسَب الْقرشِي (لَكَانَ] مُوجبا للتقديم، مسوغا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح مزية التَّقْدِيم، فَإلَى أَيْن يذهب مُخَاطب الْمجْلس العلمي، وَقد سدت الْمذَاهب، وتباينت الْأَنْوَار والغياهب، وَالله الْوَاهِب، وَلَقَد أحس الْمَمْلُوك عِنْد تعَاطِي هَذِه الذريعة الَّتِي تزل فِيهَا الْأَقْدَام، وينتصح الْإِقْدَام، وتخل الدَّعْوَى بصاحبها. كَمَا يفعل الدام، خورا فِي الطباع، وقصرا فِي الباع، وكلالا فِي الأداة، وسهوا فِي فَرِيضَة الْبَيَان المؤداة. أما الْفِكر ففر، وَأما البراع فنحل واصفر، وَأما الطرس فخفق فُؤَاده، وَأما النَّفس فحال سوَاده،
стр. 698
مهلا عَلَيْك، وَإِلَيْك عني إِلَيْك. الْجَهْل لوم، والأوزان الْأَعْيَان حلوم، وَمَا منا إِلَّا لَهُ مقَام مَعْلُوم، ومتعدى طوره ظلوم، قد علم كل أنَاس شربهم، فليعملوا إِلَى الْإِنْصَاف مهربهم، وَلَا تجود يَد إِلَّا بِمَا تَجِد مثل مَعْرُوف، وَإِذا لم تكن إبل فمعرى، لمثل هَذَا الْغَرَض مَصْرُوف، وَرب حفيرة أَجدت، وَنَفس حر إِلَى الْموقع اللَّطِيف تهدت، وَقد أَهْدَت القبرة إِلَى سُلَيْمَان جَرَادَة، فَقبل مَا أَهْدَت، والمجلس العلمي تولى الله إطالة مدَّته، يجرى الْمَمْلُوك فِي الإدلال على مدَّته مجْرى العاطش، ورد المَاء فاقتحمه غير مبال بِمن زحمه ... . . الَّذِي وَقع على الْحَمِيم فأسام، وَمَا سَالَ وَلَا سَام، وَلَا بالي بِنَبِي حام - وسام. والمحب أمكنه الْوَصْل، فَمَا راعه النصل، وطالما قبض الْعَنَان، وزجر البنان، وَعلل بالجذع الْجنان، وَأما أَن يكون اللِّقَاء، وَيَقَع بالمشاهفة الْإِلْقَاء، ويتأتى إِلَى الْأُفق الْأَعْلَى الارتقاء، وتكبر عَن أَن تصاد العنقاء، فعرج على طلل الصَّبْر، ويمم، وَلم يجد إِلَّا الصَّعِيد فَتَيَمم، فأصدر هَذِه المفاتحة، لتمثل بِبَاب الْمجْلس العلمي حاطة رَأسهَا، رابطة بالعناء الْمُقَدّس أفراسها، مصدقة افتراضها وافتراسها، جانية غراسها، لائمة ركن الْمجد الَّذِي يشْهد بمجده الرُّكْن المستلم، والنقا وَالْعلم، والمسعى والملتزم وأريس وزمزم، مودية من الشوق الَّذِي شب عمروه مَا لَوْلَا ندا الْمجْلس العلمي لخيف تعديه، وَظُهُور مَا يكنيه زنده الواري ويبديه، وَمن الِاعْتِدَاد أصفى مَا تأزره الآمال وترتديه، وَمن التَّحِيَّة الطّيبَة [وَالْبركَة الصبية] أطيب مَا يتحفه النسيم اللدن
стр. 699
ويهديه، ومقررة أَنه بِالنَّفسِ يفْدِيه، وعَلى الشوق الحثيث يستعديه. وَكَانَ الأمل أَن يُشَاهد غرَّة السِّيَادَة من المرقب الْغَرِيب، ويقتني غرائب إفادته الَّتِي لَا غرو أَن تحن على الْغَرِيب، وَيَقْضِي الأمل بلقائه ممطول دينه، ويزيل المنافسة الَّتِي وَقعت من جراء كَمَاله بَين أذن الْمَمْلُوك وعينه، لَكِن الِاخْتِيَار لمن بِيَدِهِ المقاد، وَأَن لَا فعل لسواه هُوَ الِاعْتِقَاد، وَغير ذَلِك خطة الانتقاد. وَعَسَى أَن لَا يخيب هَذِه السحاة من لثم يَمِينه، واجتلاء نور جَبينه، فأجدر بِمن ركب الْفلك، وخاض اللجج الحلك، إِلَى بَاب من كرم انتماؤه، وزينت بنجوم الْحسب المنيف سماؤه، أَن لَا يعْدم مشفعا، وَلَا يكون قَصده مخفقا. واقرأ على الْمجْلس العلمي من طيب السَّلَام، مَا يخجل رَوْضَة الْحسن عقب المزن، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك فِي هَذَا الْغَرَض مِمَّا خاطبت بِهِ أَبَا الْقَاسِم الشريف:
(أخذت وأمواج الردى متلاطمة ... بضبعي يَا نجل الْوَصِيّ وَفَاطِمَة)
(وسكنت ريح الْخطب بعد هبوبها ... ولولاك كَانَت موجها لي حاطمة)
(وَقَامَ بأَمْري مِنْك أروع ماجد ... برد حُرُوف الدَّهْر عني راغمة)
(سللت لنصري من علاك مهندا ... كَفَفْت بِهِ كفا من الْبَغي ظالمة)
(أَبَا قَاسم لَا زلت للفضل قاسما ... ظباه لظهر الْجور وَالظُّلم قاصمة)
(سجاياك تفضى أَنَّك ابْن مُحَمَّد ... أيمجد حق وَالشَّهَادَة قَائِمَة)
(ألنت لي الدَّهْر الظلوم فَأَصْبَحت ... لياليه من بعد التعسف خادمة)
(فقد كظم الغيظ الشَّديد بعزمة ... سرت لَك من عهد العقيق وكاظمة)
(فيا ملبسي من فَضله قرشيته ... أتيح لَهَا من كَفه أَي راقمة)
(بِأَيّ لِسَان أَو بِأَيّ بلاغة أَقْْضِي ... حقوقا من فروضك لَازِمَة)
(فدم وَاحِد الْآحَاد فِي كل غِبْطَة ... وَلَا بَرحت عين الردى عَنْك نَائِمَة)
стр. 700
فِي علم سَيِّدي وذخري أَن الغايات يؤمل دركها، ويسفر عَن الْغنم وَالظفر معتركها، ويرام مفردها ومشتركها، إِلَّا مَا كَانَ من تَوْفِيَة حَقه، فَإِنَّهَا الْغَايَة الَّتِي تتْرك إِذْ لَا تدْرك، وتتعدى إِذْ لوازمها لَا تُؤدِّي، فسيان الإطالة والاختصار، والاسترسال والإقصار، فحياها الله من ذَات تحذر على عين كمالها الْعين، وأخلاق كَمَا سبك اللجين. وحسبك بمجد توارثه عَن الرَّسُول الْكَرِيم، وَلَده الْحُسَيْن. لَكِن الْمَرْء مَطْلُوب بِجهْدِهِ، وَمن عهد لزمَه الْوَفَاء بعهده. فحسبي، أبقى الله سَيِّدي، أَن أقصر عَلَيْك الثنا وَإِن كَانَ قَصِيرا، وَألقى قَمِيصه على وَجه القريحة فيرتد بَصيرًا، وأستعين الله عَلَيْهِ وأتولاه، وَكفى بِاللَّه وليا، وَكفى بِاللَّه نَصِيرًا:
(حَتَّى يعود الدَّهْر رب شَرِيعَة ... بعلاك وَالْأَيَّام أهل كتاب)
وَقد كَانَ ظَنِّي أَن مَطِيَّة الدَّهْر غير ركُوب لكل منكوب، وَمَا الْحَيَاة غير شروب لكل محروب، والأحرار فِي أَرض الله غياث، لمن نَالَ سعادته التياث، وأركان لمن نبا بِهِ مَكَان، فَالْحَمْد لله الَّذِي كذب الْقيَاس، وَبَطلَت النتيجة، وأقصرت فِي يَد الدَّعْوَى الوشيجة، وَجَرت بِالْحَقِّ الْوَسِيلَة المرعية والوليجة. وَمَا أعز هَذَا الْبَيْت الْمُتَعَلّق بأذيالك يَا كَبِير أهل الْبَيْت، النَّاجِي بسببك الوثيق، من بعد الكيت والكيت، [وأسراح الْكُمَيْت] ألادجنا أخرج من إيالة الْكفْر وفريسته استخلصت من بَين الناب وَالظفر، والآمال بعد فِي سَيِّدي، فسيحة كعلاه، والمطامع لَا تحصر، كأوصافه الْكَرِيمَة وحلاه، لله در الْقَائِل فَمَا أحلاه:
(تَمُوت مَعَ الْمَرْء حاجاته ... وَيبقى لَهُ حَاجَة مَا بقى)
стр. 701
انصرم عمر هَذِه المراحل، وكل شَيْء إِلَى تَمام، وزادت الْعشْرَة ذماما إِلَى ذمام، فَلَو أَن فلاحا، توسل إِلَيْهِ زرعه، أَو أَهله ذكره بالذمام فَرعه، لذكرت سَيِّدي بِعُود راشه، وجاه مسح من غير الخمول وَجهه، وَكَفاهُ قحة، الدَّهْر ونجهه، وحرصت على استخلاص جدة غصب سفينتها الْملك الغصاب، وَذمَّة عظمت لأَجلهَا الأوصاب، وَجل لفقدها الْمُصَاب، فَأَصْبَحت النَّفس بَهِيمَة يروعها القصاب، ومصادرة يشد عَلَيْهَا الدَّهْر الغصاب. وَإِذا أحكم سَيِّدي أَسبَاب التعاطف، سهلت ببركة جده الشَّفِيع الشَّفَاعَة، وصدرت الْعَزِيمَة النفاعة، وَعين سَعَادَة الْمَطْلُوب والطالب وَالْوَقْت والساعة، فارتفع كل، وتأتى للْمَالِك نهل وعل، وَسعد بمحالفة الركاب الْهَاشِمِي ظعن وَحل، وَالله يُعينهُ على الْعَجز الَّذِي يخْطب مثله علمه وَدينه، وشرفه الَّذِي ثبتَتْ براهينه، وينجده على العتاد الَّذِي يجده. وَمثله من سلالة خَاتم النَّبِيين من أحسن الختام، وَرفع عَن وَجه الصنيعة القتام. وَأما تمهيد جرايه أَو عقد رايه، فَلَا يُنَبه كَعْب أَو حَاتِم على من طرقها، وَاللَّيْل عاتم، وَوَاللَّه مَا أجد لَدَى أَدَاة تجلى فِي ميدان، وَلَا لى بالكفاية المرضية يدان، وَإِنَّمَا حمل يخت انسدل ستره، وَسعد امْتَدَّ بره، وشفع وتره، فَإِن هبت رِيحه من بعد الخمود، أَو نجمت مِنْهُ زهرَة بعد جفاف الْعود، فمعجزة إِلَى بركَة سَيِّدي منسوبة، وَفِي كرامات أهل بَيته محسوبة، وَإِلَّا فدهر تحرّك ثمَّ استكان، وَشَيْء رد إِلَى اصله، وَالْأَصْل بقا مَا كَانَ على مَا كَانَ. وَالله أسل أَن يديم النِّعْمَة على سَيِّدي، من شرِيف اقتعد الْفضل مَطِيَّة، وَتَهْنَأ الْكَمَال هبة من الله وعطية، ويبقيه ناجح الْأَعْمَال، مبلغ الآمال، ويقيه عين الْكَمَال، وَالسَّلَام
стр. 702
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ الْفَاضِل أَبَا عبد الله الفشتالي بِمَا نَصه:
(من ذَا يعد فَضَائِل الفشتالي ... والدهر كَاتب أَيهَا والتالي)
(علم إِذا التمسوا الْفُنُون فَعلمه ... مرعى الْحَمِيم ونجعة المتكال)
(نَالَ الَّتِي لَا فَوْقهَا من رفْعَة ... مَا أملتها حِيلَة الْمُحْتَال)
(وَقضى قِيَاس تراثه عَن جده ... إِن الْمُقدم فِيهِ غير التال)
قَاضِي الْقُضَاة بِمَا أثنى على جلالك المرتضاه، أبقديمك الْمُوجب لتقديمك، أم ذَا بحديثك الدَّاعِي لتجمل حَدِيثك، وَكِلَاهُمَا بعد غَايَة بعد مرماها، وتحامي التسور حماها، والضالع لَا يسام سَيْفا، والمنبت لَا أَرضًا قطع، وَلَا ظهرا أبقى، وَمَا الظَّن بأصالة تعترف بهَا الْآثَار وَتشهد، وأبوة صَالِحَة كَانَت فِي غير الْحق تزهد، وَفِي نيل الِاتِّصَال بِهِ تجهد، ومعارف تقرر قَوَاعِد الْحَقَائِق وتمهد، وتهزم الشّبَه إِذا تنهد. وَقد علم الله أَن جوارك، لم يبْق على الدَّهْر جورا، ولاحت من غصني وَرقا وَلَا نورا. هَذَا وَقد زأر على أسدا، وَحمل ثورا. فقد أَصبَحت فِي ظلّ الدولة الَّتِي وقف على سَيِّدي اخْتِيَارهَا، وَأظْهر خلوص إبريزه معيارها تَحت كنف، وَعز مؤتنف، وَجوَار أبي دلف، وعَلى ثِقَة من الله خلف. وَمَا منع من انتياب مَا لَدَيْهِ من الْفَضَائِل إِلَّا رحْلَة لم يبرك بعد جملها، وَلَا فرغ عَملهَا، وأوحال حَال بيني وَبَين مسور الْبَلَد الْقَدِيم مهملها. وَلَوْلَا ذَاك لاغتبط الرائد، واقتنيت الْفَوَائِد. وَالله يُطِيل بقاه تتأكد الْقرْبَة الَّتِي تنسى بهَا الغربة، وتعظم الْوَسِيلَة الَّتِي لَا تذكر مَعهَا الْفَضِيلَة. وَأما مَا أَشَارَ بِهِ من تَقْيِيد القصيدة الَّتِي نفق سوقها استحسانه وَأنس باستظرافها إحسانه، فقد أعمل وَمَا أهمل، والقصور
стр. 703
باد إِذا تومل، والإغضاء أولى مَا أمل، فَإِنَّمَا هِيَ فكرة أخمدت نارها الْأَيَّام وغيرت آثارها اللئام وَكَانَ الْحق إجلال سَيِّدي عَن مطالعة خللها، وتنزيه رجله عَن تَقْبِيل مرتجلها، لَكِن أمره ممتثل، وأتى [من الْمجد] أَمر لَا مرد لَهُ مثل. وَالسَّلَام على سَيِّدي من مُعظم قدره، وملتزم بره ابْن الْخَطِيب وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته. وَمن ذَلِك فِي هَذَا الْغَرَض مِمَّا خاطبت بِهِ أحد الْفُضَلَاء
(تعرفت أمرا سَاءَنِي ثمَّ سرني ... وَفِي صِحَة الْأَيَّام لَا بُد من مرض)
(تعمدك المحبوب بِالذَّاتِ بَعْدَمَا ... جرى ضِدّه وَالله يَكْفِيك بالغرض)
فِي مثلهَا أبقى الله سَيِّدي يجمل الِاخْتِصَار، وَيقصر الْأَنْصَار، وتطرق الْأَبْصَار، إِذا لم يتَعَيَّن ظَالِم، وَلم يتَبَيَّن يقظ وَلَا حالم. وَإِنَّمَا هِيَ هَدِيَّة أجر، وَحَقِيقَة وصل عقب بحار هجر، وجرح جَبَّار، وَأمر لَيْسَ بِهِ اعْتِبَار، ووقيعة لم يكن فِيهَا إِلَّا غُبَار، وعثرة الْقدَم لَا تنكر، وَالله يحمد فِي كل حَال ويشكر. وَإِذا كَانَ اعْتِقَاد الْخلَافَة لم يشبه سائب، وَحسن الْولَايَة لم يعبه عائب، والراعي دائب، والجاني تائب، فَمَا هُوَ إِلَّا الدَّهْر الحسود لمن يسود. خمس بيد قَائِم سترهَا، وَرمى عَن قَوس مَا أصلحها وَالْحَمْد لله، وَلَا أوترها. إِنَّمَا بَاء بشينه، وجنا من مزِيد الْعِنَايَة، سخنة عينه. وَلَا اعْتِرَاض على قدر أعقب بحظ مبتدر، وَورد نغص يكدر، ثمَّ أنس بأكرم صدر. وحسبنا أَن نجهد الدفاع من الله والذب، وَلَا نقُول مَعَ الكظم إِلَّا مَا يُرْضِي الرب. وَإِذا تسابق أَوْلِيَاء سَيِّدي فِي مضمار، وحماية ذمار، واستباق إِلَى ندا وابتدار، بِجهْد اقتدار،
стр. 704
فَأَنا، وَلَا فَخر متناول القصبة، وَصَاحب الدّين من بَين الْعصبَة، لما بلوت من بر أوجبه الْحسب، وَالْفضل الْمَوْرُوث والمكتسب، ونصح وضح مِنْهُ الْمَذْهَب، وتنفيق رَأْي من الرِّدَاء الْمَذْهَب. هَذَا مُجمل بَيَانه عَن وَقت الْحَاجة مُؤخر، ونبذة سهر لتعجيلها يراع مسخر. وَالله يعلم مَا انطوى عَلَيْهِ لسيدي، من إِيجَاب الْحق، وَالسير من إجلاله على أوضح الطّرق. وَالسَّلَام الْكَرِيم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني فِي مُخَاطبَة صَاحب قلم الْإِنْشَاء أبي زيد بن خلدون
ورد البشير بالإبلال، مُقَارنًا بِخَبَر الاعتلال، وتألم ذَلِك الْجلَال، فَكَانَت رَحْمَة لقِيت عذَابا، وعقبى نسخت عتابا، وذنبا من الدَّهْر أتبعه مثابا، فَالْحَمْد لله الَّذِي اقال، وَفك من الوعك العقال، وأدر من الرَّحْمَة السحائب الثقال، وَأقر الْحَال وَقد عرف الِانْتِقَال. وَهل أَنْت أعزّك الله إِلَّا عين تألمها عَزِيز، وَلها على الْجَوَارِح بِالْفَضْلِ تَمْيِيز، فَالله يعقب الْقُوَّة والنشاط، والتمتع والاغتباط. وَللَّه در الشَّاعِر:
(فَإِذا مَرضت وَلَا مَرضت فَإِنَّهُ ... مرض الرِّيَاح يطيب فِيهِ ثناها)
ولحين تعرفي هَذَا النبأ لم أطْعم النّوم هنيا، وَلَا اقتطعت الأمل جنيا، ولازلت بتحقيق الْأَعْمَال معنيا، حَتَّى ثَبت سَنَده، واستقام أوده. وَكثر من روايه عدده، فَكتبت أمني نَفسِي بسلامة سقتها، ومظنة مقتها، وَحفظ ثمالها، وحراسة رَأس مَالهَا، وَلَو تمثلت لي القوى الطبيعية فِي الْخَارِج لعرفت عقدي،
стр. 705
ورابها فِي سوء التَّصَرُّف نقدي، أَو نسي التَّيْسِير لعتبتها، أَو الهضبة الْمُبَارَكَة، لقررتها بنظري ورتبتها، لَكِن أَحْوَال تشذ عَن الِاسْتِطَاعَة، وَلَا تدين فِي غير سَبِيل البخت والاتفاق بِالطَّاعَةِ، فلنسل الله خير مَا لَدَيْهِ، ونتق بِهِ فِي حفظ ذَلِك الْجلَال ونتوكل عَلَيْهِ، وَقد كنت تعرفت أَن سَيِّدي، زَاد عِنْده مَوْلُود مبارك، فبادرت بِمَا يصله، فَإِن كَانَ الْخَبَر حَقًا لم يكن مني إغفال، وَإِن كَانَ منتظرا فَهُوَ فأل وَالسَّلَام.
(هَنِيئًا أَبَا الْفضل وَالرِّضَا وَأَبا زيد ... وَأمنت من بغي يخَاف وَمن كيد)
(بطالع يمن طَال فِي السعد شأوه ... فَمَا هُوَ من عمر الرِّجَال وَلَا زيد)
(وَقيد بشكر الله أنعمه الَّتِي أوابد ... هَا تأبى سوى الشُّكْر من قيد)
أَهلا بدرى الْكَاتِب وصدري المراقب، وعتبى الزَّمَان العاتب، وفكر المُشْتَرِي وَالْكَاتِب. ومرحبا بالطالع فِي أسعد الْمطَالع، والثاقب فِي أَعلَى الْمَرَاتِب وسهلا بغنى البشير، وَعزة الْأَهْل والعشير، وتاج الْفَخر الَّذِي يقصر عَنهُ كسْرَى وأزدشير. الْآن اعتضدت الْخلَّة الحضرمية بالفارس، وَأمن السارح فِي حمى الحارس، وسعدت بالنير الْكَبِير أفلاك التدمين من حلقات الْمدَارِس، وقرت بالجنى الْكَرِيم عين الْفَارِس، واحتقرت أنظار الآبلى وأبحاث ابْن الدارس، وَقيل للمشكلات طالما ألفت الْخمْرَة، وأمضت على الأذهان الإمرة، فتأهبي للغارة المبيحة لحماك، وتحيزي إِلَى فِئَة البطل المستأثر برشف لماك. وَللَّه من نصبة
следующие страницы →