Полный текст (979 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
الهادية من التخوم، الثَّابِتَة إِلَى هَذِه الْقرْبَة، كَانَ من خمرة خَبِير اكتسابها، وَفِي بني النظير أَو بني قُرَيْظَة انتسابها، وَأَن بركَة بِي الْحقيق ظَهرت على ذَلِك العذيق فَلذَلِك مَا تألفت الأشكال، وَحقّ النكال، وَإِلَّا فَمَا للنخيل وشيم الْبَخِيل وأكذاب المخيل، وَالنّسب الدخيل، إِنَّمَا هِيَ مِمَّن غل يَده العقال، وَلعن بِمَا قَالَ. فليعد ذَلِك العذق بالملامة على نَفسه فهضمه لَا يعود على جنسه، ومعرة الْيَوْم مُرْتَفعَة عَن أمسه أَمر. وعَلى ذَلِك فجواره الْقَرِيب الَّذِي لَا يهمل، وعيته بعد وصاة قَاضِي الْقُضَاة، لَا تسمل، بل تكنف إِن شَاءَ الله بالرعى وتسمل وتتلقى بِالَّتِي هِيَ أجمل، فَالله قد زكى بنظره الشُّهُود لما وفى النصح المجهود، وَأدْخل فِي الدّين الحنيف على يَده النَّصَارَى وَالْيَهُود، فَالْخَبَر يُبَارك وسيدي فِي الرَّد إِلَى الْحق يُشَارك، والقس يصلب، وَالله بسعيه الْقُلُوب يقلب، حَتَّى أكثرت المهاجرة وبرت الْقسم الْفَاجِرَة، وَلَعَلَّ هَذِه النَّخْلَة الإسرائيلية تكون بليته مِمَّن أسلم، وأسدى وَتعلم، وأبل بعد مَا تألم، وَانْطَلق لِسَانه بالعز وَتكلم، حَتَّى يجود غمامها وَتحمل بالرطب أكمامها. وَيعود إِلَى الْمُلَامسَة عودهَا، وتنجز بالأزهاء وعودها، ويرتفع جمودها، الَّذِي شان وخمودها، وتيأس الْيَهُود من جناها المحبور، وحماها الشاكي بالحبور، كَمَا يسر الْكفَّار من أَصْحَاب الْقُبُور، وَإِن تَمَادى الاهويا فِي مبعث أهل السبت وَوَقع عَلَيْهِ الْكتب بالكبت، فعدله أبقاه الله، يجْبر الْيَهُود على جبره، ويرعى مَا أبداه من تماسكه على دينهم وَصَبره، وبحكم التَّوْرَاة، فِي مواراة وَصله وَالزَّبُور، وليكلف الحبر أَن يعامله مُعَاملَة وَلَده لصلبه، وَإِلَّا فليجعله جذعا لصلبه، وَإِذا كَانَ كَذَلِك، فيرجى أَن تنشأ لَهُ فِي أهل الْكتاب ناشية وتتعلق بِهِ أَحَادِيث فَاشِية، وَيجْعَل الله بِرَأْسِهِ من التَّمْر
стр. 737
المضفر شاشية، وَحفظ أهل الذِّمَّة، لَا يُنكر على هَذِه الْأمة. وَالله يبْقى سَيِّدي مُشِيرا للهمة بالأمور المهمة، ومحييا للرمة، وراعيا للوسائل والأذمة، بحول الله.
وَمن ذَلِك وَقد تَكَرَّرت حَرَكَة السُّلْطَان أيده الله تَعَالَى إِلَى سُكْنى قَصَبَة الْمنْكب فكثرت بيني وَبَين الْأَوْلَاد والأحباب الْمُكَاتبَة
(بِحَق مَا بَيْننَا يَا سَاكِني القصبة ... ردوا على حَياتِي فَهِيَ مغتصبة)
(مَاذَا جنيتم على نَفسِي ببعدكم ... وَأَنْتُم الأمل والأحباب والعصبة)
لمن المشتكي بالبطيحة، الَّتِي هواؤها مثل مَائِهَا أجن، وقدرها ساجن، وساكنها الْأَصْلِيّ جلال دَاجِن، وبحرها متلاعب متماجن، والمشاهق مثل جَارك الناهق، مقفر من أنيسه، فاغرة حلوق دماميسه، والأثر الماثل سَيْفا فَردا لَا بل مُفردا، ينحت جَوَانِب الْأَعْمَار، ويذود راعيه قطائع اللَّيْل وَالنَّهَار، فَلَقَد عوضتني من من النَّعيم ببوسي، وحجبت عني أقماري وشموسي، وليت شعري لمن تنافرها الحضرة من الكنهان مستعدية بِسَبَب الامتهان. أما المزية الَّتِي أحلتها هَذَا الْمَكَان حَتَّى تتْرك وَهِي المفداة، وتفضل حاضرتها مَا سكنته البداه. نَسْتَغْفِر الله، فالقبح وَالْحسن على الشَّرْع موقوفان، وَالْعقل مَعْزُول عَن هَذَا الْعرْفَان. ومولانا أبقاه الله حجَّة، وبحر إِدْرَاكه، لَا يُقَاس بِهِ لجة، وحسبنا أَن نسل الله إمتاعه بِمَا اخْتَارَهُ فَإِن يجْرِي وفْق غَرَضه أقداره، وَإِن تشوفتم إِلَى الْحَال فمقبول الْمَرَض بعد جاثم، وَالشَّيْخ فِي الشُّكْر على مَا سَاءَ وسر آثم، وَاللَّفْظ لجب، وَوجه الْحق محتجب، ففرجوا بعض الكرب برقى رقاعكم، وَبَادرُوا السَّهْو عَن مكاتبتي بأرقاعكم،
стр. 738
وَلَا تغفلوا عَن مؤانسة من وجوده وَحْشَة لولاكم، صانكم الله وتولاكم، وشملكم بالعافية، وأوردكم فِي الْحل والترحال، مواردها الصافية. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا كتبت إِلَيْهِم فِي الْمَعْنى
(يَا سَاكِني مرفا الشواني ... شوقي من بعدكم شواني)
(ولاعج الشوق قد هواني ... من بعدكم وَاقْتضى هواني)
(لقد كفاني لقد كفاني ... بَاقِي ذما ناهبا كفاني)
(كَأَنَّهُ مَالِكًا عناني ... أنموذج من أبي عناني)
(منوا على الشوق بالأمالي ... فَأنْتم جملَة الْأَمَانِي)
إِلَى أَي كَاهِن أتنافر، وَفِي أَي ملعب أتجاول وأتظافر، وَبَين يَدي أَي حَاكم أتظالم، فَلَا أتفاخر، مَعَ هَذَا الْجَبَل، الَّذِي هُوَ فِي الْحَقِيقَة جمل، حف بِهِ من الدّور همل، سنامه التامك أجرد، وذنبه قد سَالَ كَأَنَّهُ مطرد وعنقه إِلَى مورد الْبَحْر يتعرج ويتعرد، وكأنما البنية بأعلاه، خدر فاتنة، أَو برق غمامة هاتنة، اسْتَأْثر غير مَا مرّة بأنسي، وَصَارَت عينه الحمئة، مغرب شمسي، حَتَّى كَانَ هَذَا للشكل من خدر وبعير، وَإِن كَانَ مجَاز مستعير، ليتضمن شكوى الْبَين، وَيفرق بَين المحبين
(مَا فرق الأحباب بعد الله إِلَّا الْإِبِل ... وَالنَّاس يلحون غراب الْبَين لما جهل)
(وَمَا على ظهر غراب الْبَين تقضى الرحل ... وَلَا إِذا صَاح غراب فِي الديار ارتحل)
(وَمَا غراب الْبَين إِلَّا نَاقَة أَو جمل ... )
فأقسم لَوْلَا أَن الله تَعَالَى، ذكر الْإِبِل فِي الْكتاب الَّذِي أنزل، وَأعظم الْعِنَايَة
стр. 739
بهَا وأجزل، لسللت عَلَيْهَا سلَاح الدُّعَاء، وأغريت بهجرها نفوس الرعاء. وَقلت أَرَانِي الله إكسارك من بعير فَوق سعير، وَلَا سمحت عقبَة الأندر وَالشعِير بتبن وَلَا شعير.
(دَعَوْت عَلَيْك لما عيل صبري ... وقلبي قَائِل يَا رب لَا لَا)
نَسْتَغْفِر الله، وَأي ذَنْب لذِي ذَنْب شَامِل، وَلَيْث مائل، بِإِزَاءِ لج هائل يتعاوده الْوَعْد والوعيد، فَلَا يُبْدِي وَلَا يُعِيد، وتمر الْجُمُعَة والعيد، فَلَا يستزيد وَلَا يستعيد، إِنَّمَا الذَّنب لدهر يرى الْمُجْتَمع فيغار ويشن مِنْهُ على الشمل الْعَار، ونفوس على هَذَا الْغَرَض تساعده، وتعينه ليبطش ساعده، وتقاربه فِيمَا يُرِيد فَلَا تباعده:
(وَلَقَد علمت فَلَا تكن متجنيا ... أَن الْفِرَاق هُوَ الْحمام الأول)
(حسب الْأَحِبَّة أَن يفرق بَينهم ... رب الْمنون فَمَا لنا نستعجل)
لَكِن الْمُحب حبيب ولغرض المحبوب منيب
(وَيحسن الْفِعْل إِن جَاءَ مِنْكُم ... كَمَا طَابَ عرف الْعود وَهُوَ دُخان)
وَقد قنعت برسالة تبلغ الأنة، وَتدْخل بعد ذَلِك الصِّرَاط الْجنَّة، ويعبر لسانها عَن شوقي من دون عقله، وَتنظر عَيْني من بَيَاض طرسها، وَسَوَاد نَفسهَا بمقلة، فَإِن كَانَ الْجَواب، فَهُوَ الْأجر وَالثَّوَاب، وَلم أر قبل شوقي من نَار تخمد بطرس، يلقى على أوارها، فَيَأْمَن عَادِية جوارها، لَكِنَّهَا نَار الْخَلِيل، رُبمَا تمسكت من المعجزة بأثر، وعثرت على آثاره مَعَ من عثر، جمع الله من الشمل بكم مَا انتثر، وأنسى بِالْعينِ الْأَثر، وحرس على الْكل من مشوق وشائق، وموحش ورائق سر الْقُلُوب، ومناخ الْهوى المجلوب، ومثار الأمل الْمَطْلُوب، وَلَا زَالَت الْعِصْمَة
стр. 740
تنسدل فَوق مثواه قبابها، والسعود يحمد فِي أمره العالي مثابها، فالمحبوب إِلَيْهِ حبيب، وَإِن أَسَاءَ وأوحش الصَّباح والمسا:
(إِن كَانَ مَا سَاءَنِي مِمَّا يسركم ... فعذبوا فقد استعدبت تعذيبي)
وَالسَّلَام عَلَيْكُم مَا حن مشوق، وتأود لليراع فِي رياض الرّقاع قصب ممشوق، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك وَقد أجابني الْفَقِيه أَبُو عبد الله بن زمرك وإبناي عبد الله وعَلى، فراجعت الثَّلَاثَة بِمَا نَصه
(أكْرم بهَا من بِنَا بنان ... أرسخ فِي الْفَصْل من أبان)
(أجنا لَدَيْهَا الرِّضَا حنان ... من الْمعَانِي جنا جنان)
(أَي جبى للأكف وَأَن ... مِمَّا للمباري بِهِ يدان)
(أقسم بِالذكر والمثان ... مَالك فبمَا سَمِعت ثَان)
(مدامة بزت الْأَوَانِي ... تنشط لِلْقَوْلِ كل دَان)
(تَقول أوضاعها الغواني ... با الْعلم عَن زِينَة الغوان)
(يارب بَارك لمن بنان ... فِي الْفِكر وَالْقلب والبنان)
هَكَذَا هَكَذَا، وبعين الحسود القذا، تتناثر الدُّرَر الكامنة، وتهاج القرائح لنائمة الآمنة، وتقضى الدُّيُون من الطباع الضامنة:
(أُعِيذهَا بالخمس من ولايد ... قد قلدت بنخب القلايد ... . غَيره)
(أُعِيذهَا بالخمس من حبايب ... يغذين بالمراضع الأطايب ... غَيره)
(أُعِيذهَا بالخمس من وُجُوه ... يصونها الله من الْمَكْرُوه)
стр. 741
ويامانح قلب الْقُلُوب أوريت، وَصدق مانويت، البير بيرك، وَذُو حفرت وَذُو طويت، وَمَا رميت إِذْ رميت، وَلَو علمنَا السرائر، لأعددنا لهَذَا الْمكيل الغرائر، وَلَو تحققنا إِجَابَة السُّؤَال، والنسيج على هَذَا المنوال لفسحنا الظروف لهَذَا النوال. ساجلنا الغيوث فشححنا، وبارزنا الليوث فاقتضحنا، وصلينا، وَالْحَمْد لله على السَّلامَة بِمَا قدحنا لَا بل التمسنا نقبة، وأقطعنا تنورا واقتبسنا جذوة، فأقبستنا نورا.
(ملك الثَّلَاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبِي بِكُل مَكَان)
(هَذَا الْهلَال وَتلك بنت المُشْتَرِي ... حسنا وهذي أُخْت غُصْن البان)
مَتى كَانَ أفق الْمنْكب مطلعا لهَذَا الْكَوْكَب، وأجمة تِلْكَ السَّاحِل الماحل، من معاهد الدمر الحلاحل، ومورد الْجمل الْبَادِيَة الغر، مقاصا لمثل هَذَا الدّرّ، إِلَّا أَن يكون كنز هَذَا المرام المستدعي الكلف والغرام من مستودعات تِلْكَ الْأَهْوَاء والأهرام، دمنة الْملك الغضاب، بعد أَن قدست الأنصاب، وأقفى الْأَثر فَلَا يصاب، أَو تكون الْأَنْوَار هُنَالك تتجسم، والحظوظ تعين وتقسم، والحقائق تحد وترسم، أَو تتوالد بِتِلْكَ المغارات يوسانيا وروسم ظَنَنْت بِأَن تثور من أجم الأقلام أسود، وتعبث بالسويداوات من نتائج اليراع والدواة لحاظ سود. من قَالَ فِي الْإِنْسَان عَالما صَغِيرا فقد ظلمه، كَيفَ وَالله بالقلم علمه وَرفع فِي العوالم علمه. لقد ذرت حلمات تِلْكَ الأحلام من رسل غرير، وَمَا كَانَ فَحل تِلْكَ الأقلام بزير، وَلَا سُلْطَان تِلْكَ الطباع، المديدة الباع، ليستظهر بوزير، إِنَّمَا هِيَ مشاكي أَعمال أوقدها الله وأسرجها، وملكات فِي الْقُوَّة رَجمهَا، مُرَجّح الْقُدْرَة فأبرزها إِلَى الْعقل وأخرجها، وَأَحْرَى بهَا أَن تحط بذور
стр. 742
المدارك الإلهية رِحَالهَا، وتترك إِلَى الْوَاجِب الْحق مجالها، فَتَجَاوز أوحالها مستنيرة بِمَا أُوحِي لَهَا. إيه بنية، أقسم بِرَبّ البنية. وقاسم الحظوظ السّنيَّة، لقد فزت من نجابتكم عِنْد التماح إجابتكم بالأمنية، فَمَا أُبَالِي بعد بالمنية وَقَاه الله عين الْكَمَال من كَمَال، وصان سروجه من السمال، واكتنفه بالمزيد من عز، يَمِين وشمال، كَمَا سوغ الْفَقِير مثلي إِلَى فقرها زَكَاة حجال لَا زَكَاة جمال. ولعمري، وَمَا عمري عَليّ بهين، وَلَا الْحلف فِي مقطع الْحق بمتعين، لقد زحفت مِنْهَا إِلَى ثَلَاث كتائب، قادها النَّصْر جنائب، ألفاتها العصي، ونوناتها القسي، وغاياتها المرام العصي، ورقومها الْخلق، وجيادها قد فشى فِيهَا البلق، بِحَيْثُ لَا استظهار للشَّيْخ إِلَّا بشعب، وَلَا افتراس إِلَّا لمن قد قدر، ودريد هَذَا الْفَنّ يحمل فِي خدر:
(سلت على سيوفها أجفانه ... فلقيتهن من الْمُنِيب بمغفر)
فلولا تقدم الْعلم بالسلم، لخيف من كلمها وُقُوع الْكَلم. أما أحداهن ذَات الْقيام والدلج بالإعتام، المستمد سوادها الْأَعْظَم من مسك الختام، فعالت فريضتها بِالزِّيَادَةِ، وعلت يَدهَا بمنشور السِّيَادَة، ورسم شنشتها الْمَعْرُوفَة أخزم، وجادها من الطَّبْع الْمعِين السماك والمرزم، وظفر أسجاعها المظفرة لُزُوم مَا لَا يلْزم:
(خدم اليراع بهَا فدلجها ... وَسَأَلت مُجْتَهدا عَن الْفَرْض)
(فَعلمت أَن الصُّلْح مقْصده ... لتزول بعض عَدَاوَة الربض)
وَأما أُخْتهَا التالية، ولدتها الحانية، فنؤوم مكسال، رِيقهَا برود مسلسال، وَمن دونهَا موارد وكسال وذيب عَسَّال، وَإِن عالت بِنَقْض فِي النّظم، فقد أخذت من الْبَدَائِع بالكظم، وامتكت الْمَعَالِي امتكاك الْعظم. وَأما الثَّالِثَة فكاعب حسنها
стр. 743
بالعقول متلاعب، بنت لبون لَا بنت حَرْب زبون، حياها الله وبياها، فَمَا أعظم رياها.
(تشم أنفاس نجد من ثِيَابهمْ ... عِنْد الْقدوم لقرب الْعَهْد بِالدَّار)
وَلَو قصرت لتغمد تَقْصِيرهَا، وَكثر بِالْحَقِّ نصيرها فَكيف وَقد أجابت، وصابت غمامتها وجادت، وَقد شكرت على الْجُمْلَة وَالتَّفْصِيل، وَعرفت مِنْهُ الْبَاذِل وَجهد الفصيل، وطالعت مسَائِل الْبَيَان والتحصيل، وقابلت مفضض الضُّحَى بِمذهب الْأَصِيل، وأثرت يَدي، وَكَانَت إِلَى تِلْكَ الْفقر الفقيرة، ونبهت فِي عَيْني الدُّنْيَا، وَكَانَت حقيرة، ورجوت أَن لَا تعدم هَذِه الْأَسْوَاق مديرا، وَلَا تفقد هَذِه الْآفَاق رَوْضَة وغديرا، وَسَأَلت لجملتكم المحوطة الشمل الملحوظة بِعَين السّتْر الْجَمِيل، عزا أثيرا، وَخيرا كثيرا، وَأمنا تحمدون مِنْهُ فراشا وثيرا. وعذرا أَيهَا الأحباب، والصفو اللّبَاب عَن كدح سنّ وَكبره، وفل استرجاع وعبرة، استرقته ولج الشغب طام ذُو التظام، والخلق فرَاش يكبون منى على حطام. ورسل الفرنج قد غشى الْمنَازل منثالها، ونتجتها بالعشى أَمْثَالهَا، والمراجعات تَشْكُو البث، والجفاة تستشعر المكيدة والحيف.
(وَلَو كَانَ هما وَاحِدًا لبكيته ... وَلكنه هم وثان وثالث)
وَالله يمتع بأنسكم من عدم الِاسْتِمْتَاع بسواه، وتصر عَلَيْهِ متشعب هَوَاهُ، وَيبقى بركَة الْمولى الَّذِي هُوَ قطب مدَار هَذِه الأقمار والأهلة، لَا بل مَرْكَز فلك الْملَّة، وسجل حُقُوقهَا المستقلة، وَالسَّلَام عَلَيْكُم مَا حنت النيب إِلَى الفصال، وتعللت أنفس المحبين بِذكر أزمنة الْوِصَال، وكرت الْبكر على الآصال، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
стр. 744
وَمن ذَلِك، وَقد صدرت بَين فاضلين من الْأَصْحَاب مُكَاتبَة مفتتحة بِأَبْيَات، وصرفا إِلَى التَّحْكِيم، وَجعلا لنظري التَّفْضِيل، فَكتبت:
(بَارك عَلَيْهَا بِذكر الله من قصَص ... وَاذْكُر بهَا مَا أُتِي فِي سُورَة الْقَصَص)
(حَيْثُ اغتدى بِسحر يلهو بالعقول وَقد ... أجال بَين حبال كبده وعص)
(عقائل الْعقل وَالسحر الْحَلَال ثوت ... من كافل الصون بعد الْكَوْن حجروص)
(وَأَقْبَلت تتهادى كالبدور إِذا ... سجن من فلك التدوير فِي حصص)
(من للبدور وربات الْخُدُور بهَا ... الْمثل غير مُطِيع والمثال عص)
(مَا قرصة الشَّمْس وَالشَّمْس المنيرة إِن ... قيست بِهن سوى من جملَة الفرص)
(تالله مَا حكمهَا يَوْمًا بمنتقض ... كلا وَلَا بدورها يَوْمًا بمنتقص)
(إِن قَالَ حكمى فِيهَا بالسواء فقد ... أمنت مَا يحذر القَاضِي من الْغصَص)
(أَو كنت أرخصت فِي التَّرْجِيح مُجْتَهدا ... لم يقبل الْوَرع الْفتيا من الرُّخص)
يَا مُدْلِج ليل التَّرْجِيح قف، فقد جفيت الْكَوَاكِب، وَيَا قافي طرق التحسين والتقبيح، تَسَاوَت وَالْحَمْد لله، المناكب، وَيَا مستوكف خبر الوقيعة، من وَرَاء قتام القيعة، تصالحت المواكب. حصحص الْحق فارتفع اللجاج، وتعارضت الْأَدِلَّة فَسقط اللجاج، وَطَاف [نحل الأقلام بأزهار الأحلام، فطاب المجاج] وَقل لفرعون الْبَيَان وَإِن تأله، وبلد الْعُقُول وبله، وَدلّ بالغرور
стр. 745
ودله، أوسع الكناس نثلا، ودونك أيدا شلا، وشجرا جثلا، لاخمطا وَلَا أثلا إِن هَذَانِ لساحران يُريدَان أَن يخرجاكم من أَرْضكُم بسحرهما، ويذهبا بطريقتكم المثلى، وَإِن أثرت أدب الْحَلِيم مَعَ قصَّة الْحَكِيم، فَقل لمجيل جِيَاد التعاليم، وَوَاضِع حفر أبيار الأقاليم، أندلسنا كَمَا علمت بلد الأجم: لَا سود الْعَجم، ومداحض السُّقُوط على شوك قتاد القوط، وَلم ندر أَن مَحل ذَات العجايب والأسرار، الَّتِي تضرب بهَا أباط النجايب، فِي غير الإقليم الأول، وَهَذَا الوطن بِشَهَادَة الْقلب الْحول، إِنَّمَا هُوَ رسم دارس، لَيْسَ عَلَيْهِ من معول، فهنالك يتَكَلَّم الْجِنّ لبَعْضهِم وَيفهم، وَيرد المدد على النُّفُوس الحزينة، من مطالع الأضواء الْكُلية، فَيحدث ويلهم وعود خَازِن الأمدار على المتوسل، لوسيلة الاستعداد، فَيقطع ويسهم. وَأما أقليمنا الرَّابِع وَالْخَامِس، بعد أَن تكافأت المناظر والملابس، وتناصف اللَّيْل الدامس، وَالْيَوْم الشامس، ذاعتدال ربيعي، ومجرى طبيعي، وذكى وبليد، ومعاش وتوليد، وطريف فِي البداوة وَتَلِيدُ، لَيْسَ بِهِ مرماة وَلَا هرم، يخْدم بهَا ذرى يخترم، ويشب لغربانه ضرم، فَيُفِيد روحانيا، يتَصَرَّف، وربيا يتَعَرَّض ويتعرف، كلما استنزل صاب، وأعمل الانتصاب، وَعلم الْجَواب، وَفهم الصَّوَاب. وَلَو فَرضنَا هَذِه المدارك ذَوَات أَمْثَال أَو مسبوقة بمثال. لتلقينا منشور الفضايل بامتثال، لأننا نَخَاف أَن نَمِيل بعض الْميل، فنجنى بذلك بخس الجرى، وارضاء الزميل، [وتجر تنابح] الزُّهْرِيّ مَعَ الصميل، فَمن خير حير، وَمن حكم ازدرى بِهِ وتحكم. فَمَا سل سيوف الْخَوَارِج فِي الزَّمن الدارج إِلَّا التَّحْكِيم، حَتَّى جهل الْحَكِيم، وخلع الخطام، وَنزع الشكيم، فأضر
стр. 746
بالخلق نَافِع، وَذهب [الطِّفْل] لجراه واليافع، وذم الذمام، ورد الشافع، وقطر سيف قطره بِكُل نجيع طرى، وزار لشبيب الْأسد الهصور، وصلت الغزالة بِمَسْجِد الثَّقَفِيّ وَهُوَ مَحْصُور، وانتهبت المقاصير والقصور، إِلَّا أَن مستاهل الْوَظِيفَة الشَّرْعِيَّة عِنْد الضَّرُورَة تحير، والمنتدب [للبر] يجبى عِنْد الله ويحير، واجعلني على خزاين الأَرْض، وَهُوَ الْأَصَح الْأَشْهر فِيمَا بِهِ يستظهر. وَأَنا وَإِن حكت على التَّعْجِيل، فَغير مشْهد على نَفسِي بالتسجيل، إِنَّمَا هُوَ تلفيق يُرْضِي، وتطفيل يعتب عَلَيْهِ، من يصدع بِالْحَقِّ ويمضي، إِلَّا أَن يقْضِي، ورأيي فِيهَا المراضات وَإِلَّا فالسلاح، والركاب الطلاح، وَالصُّلْح خير، وَمَا استدفع بِمثل التسامح ضير، وَمن وقف عَلَيْهِ وَاعْتبر مَا لَدَيْهِ، فَليعلم أَنِّي قد صدعت وَقطعت، وَالْحق أَطَعْت. وَإِن أُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح مَا اسْتَطَعْت وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ أَبَا الْحسن القرموني من حذام الْخَطِيب أبي عبد الله بن مَرْزُوق وَلها حِكَايَة تظهر من الرسَالَة
حَملَنِي أعزّك الله على قصدك، وَتَحْقِيق رصدك، مَا حدثوا بتونس عَن يَوْم فصدك، وَأَن الْعَاقِل ود يَوْمئِذٍ أَن يكون حجاما، وَلم يعرف إسراجا فِي ابْتِغَاء الفضايل وَلَا إلجاما،، وَلَا يعرف امتيازا بالفضايل وَلَا اختصاصا إِلَى ليلاتك الَّتِي فضحت الظُّلم، وأنست ليَالِي ذِي سلم، وأضحت لشهرتها نَارا على علم، إِذْ بَانَتْ العيدان مصطفة اصطفاف الْهدى، أَخْذَة مَا بَين رَأس السرطان إِلَى رَأس الجدي، وَقلت نَفسِي لَا تدين بالإمساك، وَلَا تلِيق لوعظ النساك، لابد تَحت هَذِه السفرة من نفاضة، وحول هَذِه الزبرة من قراضة، فَلَمَّا رَأَيْتُك، رَأَيْت مخيلة
стр. 747
رجولة فِي طلعة مَقْبُولَة، وَعلمت أَن اخْتِصَاص سيدنَا باستعمالك وَعدم إهمالك، قبُول الشَّهَادَة مزكيك، وَبَيَان يرفع التشكيك، فاستعنت بقربك، وطعنك وضربك، وَقد بَلغنِي جميل بلائك، وَإِن كَانَ ضَعِيفا، لَكِن الله سُبْحَانَهُ وَله الْمثل الْأَعْلَى، يقبل رغيفا. وَالشُّكْر وَاجِب، وَالْعَمَل الصَّالح لَا يَحْجُبهُ عَن الرقى حَاجِب، فخاطبتك شاكرا، وبفضل مَا صدر عَنْك ذَاكِرًا وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا كتبت فِيمَا يظْهر من الرسَالَة لأحد الْفُضَلَاء بِمَا نَصه
(تعرفت قرب الدَّار مِمَّن أحبه ... فَكنت أجد السّير لَوْلَا ضروره)
(فأتلوا من أبي المحاسن سُورَة ... وَأبْصر من شخص المكارم صوره)
كنت أبقاك الله، لاغتباطي بولائك، وسروري بلقائك، أود أَن أطوي إِلَيْك هَذِه المرحلة، وأجدد الْعُمر بلقياك المؤملة، فَمنع مَانع، وَلَا نَدْرِي فِي الْآتِي مَا الله صانع، وعَلى كل حَال فشأني قد وضح مِنْهُ سَبِيل مسلوك، وَعلمه مَالك ومملوك، واعتقادي أَكثر مِمَّا تسعه الْعبارَة والألفاظ المستعارة، وموصلها يَنُوب عني فِي شكر تِلْكَ الذَّات، المستكملة شُرُوط الوزارة، المتصفة بالعفاف وَالطَّهَارَة. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني مِمَّا خاطبت من بعض الْفُضَلَاء
(يَا حفيد الْوَلِيّ يَا وَارِث الْفضل ... الَّذِي نَالَ فِي مقَام وَحَال)
(لَك يَا أَحْمد بن يُوسُف حبا ... كل ثغر يعْنى أكف الرِّجَال)
أبقاك الله مثابة انْتِفَاع، ونورا على يفاع، ومتضعا على علو وارتفاع، ترى الْوتر فِي أشفاع، وتقابل الْوَهم بطراد من الْحَقِيقَة ووضاع. ان حثت على لِقَاء الْأَعْلَام، شهرتهم فلك الشُّهْرَة، وَأَنت الْعلم والشهاب الَّذِي تجلى بِهِ الظُّلم،
стр. 748
ورباط جدك بالمغرب الرُّكْن المستلم، فَإلَى أَيْن يذهب عَن جنابك الذَّاهِب، وَقد وضحت الْمذَاهب، وَالله الْمَانِع والواهب، وإلي من لدن اجتليت غرتك، الَّتِي تلوح عَلَيْهَا سِيمَا الْولَايَة إِرْثا واكتسابا، وانتماء إِلَى جَانب الله وانتسابا، أُؤَمِّل التوسل والتقرب، وأخطب مِنْك الْأنس الَّذِي أنسى بِهِ التغرب إِلَى أَن تهَيَّأ بِفضل الله وتيسر، وَتبين مُجمل الشوق وتفسر. وشتان مَا بَين أثرى وأعسر، وَأَنا الْآن وَالْحَمْد لله، قد حططت بمثوى الْولَايَة رحلي، وعثرت بأثر أسرار الْأَبْرَار نحلى، وَأخذت من الدَّهْر ذحلى، وحللت من رِبَاط الشَّيْخ أبي مُحَمَّد صَالح بِالْحرم الْأمين، فظفرت من ود حافده بالذخر الثمين، فيا لَيْت قومِي يعلمُونَ بِمَا غفر لي رَبِّي، وَجَعَلَنِي من الْمُكرمين، عرفتك أبقاك الله بقصدي، وحركة رصدي، لتعلم أَن هَذِه الوجهة لقاؤك أقوى دواعيها، وأنجح مساعيها [وبركة الشَّيْخ] نفع الله بِهِ، تلاحظها وتراعيها، فَمَا استبعد المرام من قصد الْكِرَام. وَمَا فقد الإيناس من أمل النَّاس، وتنخل الْأَفْرَاد، وتخطى الْأَجْنَاس، وَترك للنصر الْقيَاس، وتملك المنى لما أحرز الرياس. وسيدي بعد، وَمَا يظْهر لَهُ من تأنيس غربته، وإزاحة كربته، ووعى وسيلته وقربته، وإتحاف باجتلا حمى نزور وتربة، وَالله يبقيه مَقْصُودا على بعد الْمَكَان، مرجحا فِي الْفضل طرف الْإِمْكَان، مطمين الْفُؤَاد بِذكر الله، رطب اللِّسَان من رجا فِي الْوُصُول إِلَيْهِ مقَام الْإِسْلَام وَالْإِيمَان وَالْإِحْسَان. وَالسَّلَام
стр. 749
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ أحد الْفُضَلَاء
(إِن كَانَت الْآدَاب أضحت جنَّة ... فقد غَدا جنانها الْجنان)
(أقلامه الْقصب اللدان بروحها ... والزهر مَا رقمته مِنْهُ بنان)
مَا كنت أَيهَا الْفَاضِل، الَّذِي زار وتفقد، وضاء كوكبه الدُّرِّي وتوقد، فأنسى سناه الفرقد، أَظن هَذَا الْبَلَد يشْتَمل على مثل درتك دَرَجَة، وَلَا يشرف بِمثل نيرك برجه، وَلَا يشمخ بِمثل بطلك سَرْجه، حَتَّى اجتليت مِنْك معارف شَتَّى وَغَايَة فضل لَا تحد بحتي، فَعلمت أَن الْبلدَانِ بخيارها، لَا بِتَعَدُّد ديارها، والأماكن بأربابها، لَا بِتَعَدُّد أَبْوَابهَا. وَقد علمت أَي ضيف، وقراي خَفِيف، لَا قديد وَلَا ضَعِيف، إِنَّمَا هُوَ أنس يبْذل، وَنَفس فِي الانقباض تعذل، ومذاكرة يهز دوجها وينشق روحها. فَإِن أردْت أَن تعدد مَا أفردت، وتعيد من دوَل الفضايل مَا أوردت، أفدت شكرا لَا يجر ذكرا، واغتنمت حمدا وشكرا. وَالسَّلَام الْكَرِيم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ قَائِد الأسطول أهنيه بِطُلُوع وَلَده
أبقاك الله أَيهَا الْقَائِد الَّذِي بأسه ضرم، وشأنه شجاعة وكرم، وَمحل ولَايَته من الْعَدو حرم، لَا تسل عَن شوقي لقربك، وعكوفي على حبك، وضراعتي فِي سعادتك إِلَى الله رَبِّي وَرَبك، وَبَلغنِي الطالع لديك، والوارد من حَضْرَة الْمَوَاهِب الآلهية عَلَيْك. جعله الله أسعد مَوْلُود على وَالِد، ووقفك لما يرضيه من مقَام الشاكر الحامد، وَأقر عَيْنك مِنْهُ بالقائد بن الْقَائِد [ابْن الْقَائِد بن الْقَائِد] وَقد كنت أعدك مِنْهُ تفاؤلا واستفتاحا، وسؤالا من الله واستمناحا، فَالْحَمْد لله الَّذِي صدق الزّجر، ووضح الْفجْر. وَقد نظمت لَهُ أبياتا، إِن أَدْرَكته بعْدهَا حَياتِي، بر وشكر، أَو كَانَت الْأُخْرَى ترحم وَذكر وَهِي:
стр. 750
(أرفع قسى الشتات بوعده ... واستنجز النَّصْر الْعَزِيز لوعده)
(وَانْظُر إِلَيْهِ تلح إِلَيْك بِوَجْهِهِ ... سمة الشجَاعَة من أَبِيه وجده)
(لله من سيف لنصرك صارم ... ينساب مَاء الْحسن فَوق فرنده)
(صدرت إِلَيْك بشارتي وتفاؤلي ... بِالْأَمر قبل بروزه من غمده)
(يستبشر الأسطول مِنْهُ بقائد ... كالبدر تَحت شراعه أَو بنده)
(وَالْبَحْر يفخر مِنْهُ يَوْم ولاده ... بملنده ابْن ملنده ابْن ملنده)
وَمن ذَلِك مَا صدر عني لما استدعى مني الْإِجَازَة وكتبت مَا نَصه:
أما بعد حمد الله الَّذِي جعل الْفَضَائِل بذرا تنْبت زرعا، وأصلا يخلف فرعا، فَإِن أهمل الأَصْل، فَهُوَ من الاستعادة الْفَصْل، وَإِن نرك الزَّرْع، ضَاقَ بِالْحَاجةِ الضَّرع، فحفظها لهَذَا السَّبَب، حفظ الْأَنْوَاع، وأغرى بهَا سكيمة الْفِكر وكريمة الطباع، فاضطرت الْعِنَايَة واستمرت، وانثالت وَدرت، ونجحت الْأَعْمَال، وانبعثت الآمال، وتعديت شُرُوط الْوُجُوب إِلَى شُرُوط الْكَمَال. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، الَّذِي فضلت مِلَّته الْملَل، وشفت هدايته الْعِلَل، فَكَانَ مِمَّا انْفَرَدت بِهِ رِوَايَة السّلف عَن السّلف، وتلافى الْفَوَائِد من قبل التّلف، والرضى عَن آله الطيبين، وصحابته المنتخبين، فَإِنِّي لما استدعاني السَّيِّد الْكَبِير الحبر الإِمَام، صَاحب الْقَلَم الْأَعْلَى، والطريقة المثلى، والذات الفضلى رَيْحَانَة الأندلس، الَّذِي تضوع فِيهَا الْمغرب، وتغنى بِحَدِيث فَضلهَا الْحَادِي المطرب، وفخر الْأُفق الجهادي، وبيتا معمورا بالوزراء الأخيار، والصلحاء الْأَبْرَار، ونسبا فِي ذرْوَة الْأَنْصَار من بني النجار، وحسبك بخؤولة الْمُخْتَار، وعفافا طَاهِر الثَّوْب ضافى الْإِزَار إِلَى الْوَجْه المبشر بالسعادة وبيمن النقيبة، فِي الإبداء والإعادة، والمحيا الَّذِي نضر الْوَجْه. وراق الْبشرَة، والذات الَّتِي لَا تعرف
стр. 751
الخسرة وَالْعلم المملك من أزمة الْفُنُون، الْمُسلم لَهُ فِي الإبكار مِنْهُ والعون، أَبُو فلَان لإجازة وَلَده الأسعد الأمجد. وَارِث رتبته الشماء بعد تملي الْحَيَاة وَطول الْبَقَاء، وتتمة عين المجادة والعلياء، أبي فلَان وَابْن أَخِيه، الْفَاضِل، الصَّدْر الرفيع الْقدر أبي الْفضل، وَهُوَ الْوَلَد الأسعد أَبُو فلَان، شَمل الله الْجَمِيع بستره وعصمته، وَوصل لَهُم مَا عودهم من نعْمَته، وشغلهم بِالْعلمِ النافع وخدمته، وأعلقهم بوسائل الْعرْفَان وأذمته تضاءلت علم الله إجلالا لمحله من التبحر فِي المعارف، واستظلاله بظلها الوارف، لَكِن قدمت امتثالا وحذوت من أمره مِثَالا، وبادرت اعْتِمَادًا على إغضايه واتكالا، فَقلت أجزت للوزير الْمَذْكُور فِيمَا يَصح لي أَن أُجِيز فِيهِ من رِوَايَة أشرك هَذَا الْفَاضِل فِي بَعْضهَا، وأسهم بتافه من فَرضهَا، ونظم ونثر، هَذَا المكتتب من بعض فنيه، وتأليف يُنَبه عَلَيْهِ ككتاب " الْإِحَاطَة فِي تَارِيخ غرناطة " فِي سَبْعَة أسفار، و " عايد الصِّلَة " فِي سفرين، و " عمل من طب لمن حب " فِي سفر، و " الْكتاب اليوسفي " فِي سفرين، و " طرفَة الْعَصْر " فِي ثَلَاثَة " والصيب والجهام " فِي سفرين، و " نفاخة الجراب " فِي ثَلَاثَة، و " الأراحيز الْخمس من تطمى بِمَدِينَة سلا فِي أصُول الْفِقْه "، و " التَّارِيخ الإسلامي والسياسة "، والعلاج، والأغذية، إِلَى غير ذَلِك مِمَّا هُوَ بهرج، يفْتَقر إِلَى إغضاء الْعَارِف وزيف يحْتَاج إِلَى مُسَامَحَة أَمَام الصيارف إجَازَة تَامَّة على شَرطهَا الْمُعْتَبر، وسننها الْوَاضِح الْأَثر، وَالله يعدل بِنَا إِلَى مَا ينفع، ويزكى وَيرْفَع، فَلَقَد ذهب الْعُمر الأطيب فِي السَّعْي الأخيب، وَانْصَرف الزَّمن الأبدع فِي السراب الَّذِي يخدع. اللَّهُمَّ لَا تطردنا من بابك، وَلَا تقطع بِنَا عَن جنابك. وَكتب العَبْد الغافل الراجي الآمل فلَان فِي كَذَا.
стр. 752
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ الْمقَام السلطاني بِمَا يظْهر من الْغَرَض
(أبقاك ظلا للعباد وملجأ ... وأعانك الرَّحْمَن من سُلْطَان)
(قد زين الدُّنْيَا بِنور جماله ... فَلذَلِك مَا يدعى أَبَا زيان)
مولَايَ، سُلْطَان الْمُسلمين وَالْإِسْلَام، مُخْتَار الْملك العلام، المستخلص رَحْمَة لعباد الله من أَيدي عباد الْأَصْنَام، الَّذِي أحسن خلقه، وسوغه بارئه من وَرَاء الْبحار الزاخرة، والأمم الْكَافِرَة، وأورثه حَقه الْمولى الْهمام، الْخَلِيفَة الإِمَام، أَبُو زيان ابْن مَوْلَانَا، ولي الْعَهْد، وفارع هضبة الْمجد، الْمُقَدّس، المطهر، الْمعلم بشيم الْكَرم، المشهر أبي عبد الرَّحْمَن، ابْن مَوْلَانَا كَبِير الْمُلُوك وإمامها، وَعلم أعلامها، الإِمَام الْخَلِيفَة الشهير - الْمُعظم الْمُقَدّس، أبي الْحسن، ابْن موالينا الْأَئِمَّة، المهتدين، وَالْخُلَفَاء من بني مرين، أبقاه الله ممتعا بِالْملكِ، الَّذِي ألبسهُ حلته، وشفا بِهِ علته، وَجعله فِي عقبه بَاقِيا، وَكَانَ لَهُ فِيهَا حَافِظًا وافيا، عبدكم الَّذِي أَمن عدوان الدَّهْر فِي ظلكم، ونشق نسيم الرَّحْمَة من جَانب فَضلكُمْ، وتعرف من ضروب نعمكم الْكَرِيمَة، الْأَنْوَاع والأجناس، واستضاء من حبكم وطاعتكم بِنور يمشي بِهِ فِي النَّاس مَا أوجب أَن يتَمَثَّل بقول أبي نواس.
(علقت بِحَبل من حبال مُحَمَّد ... أمنت بِهِ من طَارق الْحدثَان)
(تغطيت من دهر بِظِل جنَاحه ... فعيني ترى دهري وَلَيْسَ يران)
(فَلَو تسل الْأَيَّام مَا اسْمِي مَا درت ... وَأَيْنَ مَكَاني مَا عرفن مَكَاني)
يسلم على الْمقَام المولوي سَلام الْعُبُودِيَّة الثَّابِتَة الرَّسْم، ويتطارح على تَقْبِيل ذَلِك الْبسَاط، بِالروحِ قبل الْجِسْم، ويسل الله لكم وَنور الْحَظ من السَّعَادَة وَالْقسم، ويطالع بِأَنَّهُ انْصَرف بنية الرحيل إِلَى مراكش إِلَى، وأهم الْأَغْرَاض أَن يلْتَمس الدُّعَاء بمقام الْأُبُوَّة، من الْمُشَاهدَة الْمَشْهُورَة، بِقبُول السُّؤَال، المتكفلة ببلوغ الآمال، فَلَمَّا توَسط تامسنا، شعر بالضعف عَن الْحَرَكَة، وأحس بِأَسْبَاب
стр. 753
الْمَرَض مُنْفَرِدَة ومشتركة، فانكفأ رَاجعا، مستعينا بِاللَّه وببركة الْمولى الَّذِي عرفت رَحمته، وغمرت فِي الظعن وَالْإِقَامَة نعْمَته، خوفًا من ألم يتحكم، أَو مرض يسري فِي هَذِه البنية الضعيفة ويلحم، وَنَرْجُو الله أَن يَقْتَضِي لكم الدُّعَاء من هَذَا الْوَلِيّ الَّذِي من الله بجواره، وَجعله من بَرَكَات هَذَا الْبَلَد وآثاره، إِلَى أَن يتيح نشاطا مستأنفا للحركة الَّتِي كَانَ قد أزمعها، وييسر الأعانة، ويسوغ مشرعها. وَقد كَانَ العَبْد عني برحلة، تصف المراحل والمنازل، وَالْحَادِي والنازل، والجاد والهازل، مطرزة باسمكم السعيد مشرقة باسمكم الحميد. حَسْبَمَا يتضمنه أفذاذ بعث العَبْد شَيْئا من فصولها وفروعها وأصولها، تقرر أَن الْحَرَكَة والسكنة بِالْخدمَةِ معمورة، وَالنَّفس مسخرة فِي التمَاس رِضَاء الْمولى أيده الله ومأمورة، وَهُوَ جلّ وَتَعَالَى الْمعِين على لَازم الْعُبُودِيَّة بجلالتكم المولوية. وَالسَّلَام الْكَرِيم الْمُبَارك العميم، وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
стр. 754
كتب الدعابات والفكاهات
فَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ أَبَا زيد بن خلدون [وَقد اشْترى بكرا من بَنَات الرّوم مولدة اسْمهَا هِنْد وأعرس بهَا]
(أوصيك بالشيخ أَبَا بكرَة ... لَا تأمنين فِي حَالَة مكره)
(واجتنب الشَّك إِذا جِئْته ... جَنْبك الرَّحْمَن مَا تكره)
سَيِّدي، لَا زلت تتصف بالوالج بَين الخلاخل والدمالج، وتركض فَوْقهَا ركض الهمالج. أَخْبرنِي كَيفَ كَانَت الْحَال، وَهل حطت بالقاع من خير الْبِقَاع الرّحال، وَأحكم بمروود المراودة الاكتحال، وارتفع بالسقيا الإمحال، وَصَحَّ الانتحال، وحصحص الْحق، فَذهب الْمحَال. وَقد طولعت بِكُل بشرى وَبشر، وزفت هِنْد مِنْك إِلَى بشر، فَللَّه من عَشِيَّة تمتعت من الرّبيع بفرش موشية، وابتذلت مِنْهَا إِلَى وساد وحشية، وَقد أقبل ظبى الكناس من الديماس، ومطوق الْحمام من الْحمام، وَقد حسنت الْوَجْه الْجَمِيل النظرية، وأزيلت عَن الْفَرْع الأثيت الأبرية، وصقلت الخدود فَهِيَ كَأَنَّهَا الأترية، وسلط الدَّلْك على الْجُلُود، وأعزيت النورة بالشعر الْمَوْلُود، وعادت الْأَعْضَاء يزنق عَنْهَا اللَّمْس، وَلَا تنالها الْبَنَات الْخمس، والسحنة يجول فِي صفحتها الفضية مَاء النَّعيم والمسراك يُلَبِّي من ثنية التَّنْعِيم، وَالْقلب يرْمى من الْكَفّ الرقيم، بالمقعد الْمُقِيم، وَينظر إِلَى نُجُوم الوشم، فَيَقُول إِنِّي سقيم، وَقد تفتح ورد الخفر، وَحكم لزنجي الظفيرة بالظفر، واتصف أَمِير الْحسن بالصدود المغتفر، ورش بِمَاء الطّيب، ثمَّ أعلق بِهِ دُخان الْعود الرطيب، وَأَقْبَلت الغادة يهديها الْيمن، وتزفها السَّعَادَة، تمشي على استحياء، وَقد ماع طيب الريا، وراق حسن الْمحيا، حَتَّى إِذا نزع الْخُف، وَقبلت الأكف وصخب الزمر، وتجاوب الدُّف، وذاع الأرج، وارتفع الْحَرج،
стр. 755
وتجوزوا اللوا والمنعرج. وَنزل على بشر بزيارة هِنْد الْفرج، اهتزت أرضه وربت، وعوصيت الطباع البشرية فَأَبت، وَللَّه در الْقَائِل:
(وَمَرَّتْ وَقَالَت مَتى نَلْتَقِي ... فهش اشتياقا إِلَيْهَا الْخَبيث)
(وَكَاد يمزق سرباله فَقلت ... إِلَيْك يساق الحَدِيث)
فَلَمَّا انسدل جنح الظلام، وانتصفت من غَرِيم الْعشَاء الْأَخِيرَة فَرِيضَة الْإِسْلَام، وخاطت خيوط الْمَنَام عُيُون الْأَنَام، تأتى دنو الجلسة، ومسارقة الخلسة، ثمَّ عض النهد، وَقبلت الْفَم والخد، وارسال الْيَد من النجد إِلَى الوهد، ثمَّ كَانَت الإمالة قَلِيلا قبل الْمَدّ، ثمَّ الْإِفَاضَة فِيمَا يغبط ويرغب. ثمَّ الإماطة لما يشوش ويشغب، ثمَّ إِعْمَال الْمسير إِلَى السرير.
(وسرنا إِلَى الْحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أى إذلال)
فاستقرت على موطإ مَالِكهَا، وأصبهانى مسالكها، وَمُقْتَضى فذالكها بعد مُنَازعَة للأطواق يسيرَة، يَرَاهَا الغيد من السِّيرَة، ثمَّ شرع فِي حل التكة، وَنزع السِّكَّة، وتبينت الأَرْض العوار عمل السِّكَّة، ثمَّ وَقع الوحى والاستعجال، وَحمى الْوَطِيس والمجال، وعاك الْجُزْء الْخَفِيف، وتضافرت الخصور الهيف، وتشاطر الطَّبْع الْعَفِيف، ثمَّ تَوَاتر التَّقْبِيل، ثمَّ كَانَ الْأَخْذ الوبيل، وامتاز الأنوك من النَّبِيل، وَمِنْهَا جَائِر وعَلى الله قصد السَّبِيل، فيالها من نعم متداركة، ونفوس فِي سَبِيل القحة متهالكة، وَنَفس يقطع حُرُوف الْحلق، وَسُبْحَان الذى يزِيد فِي الْخلق. وعظمت الْمَانِعَة، وَكَثُرت بِالْيَدِ عَن الْموضع الْمُعْتَمد المصانعة، وَطَالَ التراوغ والتزاور [وشكى التجاور] وَاشْتَدَّ القلق والتضاور، فهنالك تخْتَلف الْأَحْوَال، وتعظم الْأَهْوَال، وتخسر أَو تربح الْأَمْوَال، فَمن عَصا عسطوس تنْقَلب ثعبانا مُبينًا، وبدنه تصير تنينا، وَبَطل لم يهله المعترك الهايل، وَالوهم
стр. 756
الزايل، وَلَا حَال بَينه وَبَين قَرْيَة الحايل. فتعدى فتكه السليك إِلَى فتكة الفراض وتقلد مَذْهَب الْأزَارِقَة من الْخَوَارِج فِي الأعتراض، واتصف بِصفة الساخط، وَهُوَ الراضى، ولوح فِي ميدان السرير بالحسام الطرير، ولف فِي ملعب الأوطار بالقنا الخطار، ثمَّ شقّ الصَّفّ، وَقد خضب السَّيْف والكف، بعد مَا كَاد يُصِيب البرين بطعنته، ويبوء بمقته ولعنته ... . طعنت ابْن عبد الْقَيْس طعنة ثاير لَهَا نفذ لَوْلَا الشعاع أضاها، [وهنالك هدأ الْقِتَال، وَسكن الخيال وَوَقع المتوقع فاستراح] البال، وتشوف إِلَى مَذْهَب التنويه من لم يكن ليمر لَهُ التَّوْحِيد ببال، وَكثر السُّؤَال عَن المبال بهَا فَقَالَ:
(وَإِن تعدّدت اللَّذَّات واطردت ... فَلَيْسَ يعدل شَيْء لَذَّة الظفر)
[وَلم يجربوا للحروب] صَرِيعًا أشْفق من صريع السرير على من صرعه، نصب الْيَد الذايل وشرعه حَتَّى أضرعه. فيكثر مَا ينشد، وَنَفسه قد خلت، وَقواهُ قد انجلت، ونظرة عَيْنَيْهِ قد اختلت:
(خليلي هَل أبصرتما أَو سمعتما ... قَتِيلا بَكَى من حب قَاتله مثلى)
وَيَقُول: وَقد نظر إِلَى دَمه يسيل على قدمه:
(أَنى لَهُ عَن دمي المسفوك معتذر ... أَقُول حَملته فِي سفكه تعبا)
وَمن سِنَان غَادَرَهُ عِنْد الْحَاجة عنانا، وشجاع صَار مدانا جَبَانًا، كلما شابته رايبة شيبَة، أَدخل يَده فِي جيبه، فانحجرت الْحَيَّة، وَمَاتَتْ الغريزة والحية [فَكَأَنَّهُ سلحفاة أغمدت ورأسها جحدت] فَكَأَنَّهُ يزِيغ الْبَصَر، ويخذل الْمُنْتَصر، وتسلم الْأجر، ويغلب الْحصْر، ويجف اللعاب، ويخفق الْفُؤَاد، ويكبو الْجواد،
стр. 757
ويسيل الْعرق، وتجري فِي غير مَحَله المرق، ويعظم الكرب ويشتد الأرق، وينشأ فِي مَحل الْأَمْن الْفرق، وَيدْرك فِرْعَوْن الْغَرق، وَيُقَوِّي اللجاج، ويعظم الْخرق، فَلَا يزِيد الْحَال إِلَّا شدَّة، وَلَا تعرف تِلْكَ الْجَارِحَة المومنة إِلَّا ردة: [
(إِذا لم يكن عون من الله للفتى ... فَأكْثر مَا يجني عَلَيْهِ اجْتِهَاده)
فكم مُغْرِي بطول اللّّبْث، وَهُوَ من الكيد والخبث، يؤمل الكرة ليزيل المعرة، ويستنجز الْوَعْد، ليستأنف السعد، ويستنفر الخيال، وَيعْمل بِالْيَدِ الاحتيال] .
(إِنَّك لَا تَشْكُو إِلَى مصمت ... فاصبر على الْحمل الثقيل أَو مت)
ومكثر اللثم وَالضَّم، والعض والشم يَدْعُو فِي خلل هامد، وَيضْرب فِي حَدِيد بَارِد:
(لقد ناديت لَو أسمعت حَيا ... وَلَكِن لَا حَيَاة لمن تنادي)
وَكم معتذر بِمَرَض أَصَابَهُ، جرعه أوصابه، ووجع طرقه جلب أرقه، ومغضب يُقَلّد للمانعة الذَّنب، ويطوقها العتب، وخطيب أرتج عَلَيْهِ أَحْيَانًا، فَقَالَ سيحدث الله بعد عسر يسرا، وَبعد عي بَيَانا، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذ بك من فضايح الْفروج، إِذْ استغلقت أقفالها، وَلم تتسم بالنسيم أغفالها، وَمن معرات الأقدار، والنكول عَن الْأَبْكَار، وَمن النُّزُول عَن الْبُطُون والسرر، والجوارح الحسان العزر، قبل ثقب الدُّرَر، وَمن سَواد الْوَجْه إِذا بكرت الْوُجُوه، ونالت النُّفُوس من إطراء العادين والمهنين مَا ترجوه، وَلَا تجعلنا مِمَّن يستحي من الْبكر بِالْغَدَاةِ، وَيعلم مِنْهُ كلال الْجد، وَضعف الأداة، هَذَا مجَال فَضَح فِيهِ رجال، وفراش تنكبت فِيهِ أوجال، وأعملت روية وارتحال. فَمن قايل:
стр. 758
(أرفعه طورا على أُصْبُعِي ... وَرَأسه مُضْطَرب أَسْفَله)
(كالحنش الْمَقْتُول يلقى على ... عود لكَي يطْرَح فِي مزبله)
وَقَالَ:
(عدمت من إيرى قوي حسه ... يَا حسرة الْمَرْء على نَفسه)
(ترَاهُ قد مَال على أَصله ... كحائط خر على أسه)
وَقَائِل:
(أيحسدني إِبْلِيس فَأَيْنَ أصبحا ... برجلي ورأسي دملا وزكاما)
(فليتهما كَانَا بِهِ وأزيده ... رخاوة أير لَا يُطيق قيَاما)
(إِذا نهضت للنيك أَرْبَاب معشر ... توسد إِحْدَى خصيتيه وناما)
وَقَالَ:
(أَقُول لَا يرى وَهُوَ يرقب فتكه بِهِ ... خبت من أير وغالتك داهية)
(إِذا لم يكن للأير بخت نعذرت ... عَلَيْهِ وُجُوه ... من كل نَاحيَة)
وَقَائِل:
(تعقب فَوق الخصيتين كَأَنَّهُ ... رشا إِلَى جنب الرَّكية ملتف)
(كفرخ ابْن ذِي يَوْمَيْنِ يرفع رَأسه ... إِلَى أَبَوَيْهِ ثمَّ يُدْرِكهُ الضعْف)
وَقَائِل:
(تكرش أيري بعد مَا كَانَ أملسا ... وَكَانَ غَنِيا من قواه فأفلسا)
(وَصَارَ جوابي للمها أَن مررن بِي ... مضى الْوَصْل إِلَّا منية تبْعَث الأسا)
وَقَائِل:
(بنفسي من حييته فاستخف بِي ... وَلم يخْطر الهجران يَوْمًا على بَال)
(وقابلني بالهزء والنجه بعد مَا ... حططت بِهِ رجْلي وجردت سربال)
(وَمَا ارتجى من مُوسر فَوق دكة ... عرضت لَهُ شَيْئا من الحشف البال)
هموم لَا تزَال تبْكي، وَعلل على الدَّهْر تشكى، وَأَحَادِيث تقص وتحكى، فَإِن ذَلِك الْعُضْو على شهرته، وَعظم قدرته، يستمد من الْميرَة، وحركته لَا تقوم إِلَّا بالمؤن الْكَثِيرَة، من حَيا يرْتَفع، وبلادة بهَا فِي الْغَالِب ينْتَفع، وفكر يعْقد، وشبق على اصله يعْقد، ورياح تنفخ، ورطوبة ترضخ، وعضل شَدِيد، وَعمر جَدِيد، ومزاج فِي عرض الجو، طَوِيل مديد، وَهُوَ غير مُطَاوع للإرادة،
стр. 759
وَلَا معط للقادة، خَبِيث وقاح، شامت نضاح، كم نقض من وَقت، وجلب من مقت، لَا يستصلح بالتعليم، وَلَا يرد عَن مرتكبه الذميم، بالْقَوْل الْأَلِيم، وَلَا يغلب إِلَّا بمقام الرِّضَا وَالتَّسْلِيم:
(حكمُوا فَلَا أحلى من التَّسْلِيم ... وأدر رحيق فُؤَادِي الْمَخْتُوم)
(مبرد بِهِ الأحشاء من نَار الجوى ... وانضح لهيب فُؤَادك المكلوم)
(مَا قَابل التَّسْلِيم نَار صبَابَة ... إِلَّا إِلَّا انْثَنَتْ فِي حَال برد نعيم)
فَإِن كنت أعزّك الله من النمط الأول، فقد جنيت الثَّمر، واستطبت الثَّمر، وتلوت أول وردك، اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر، فاستدع الأبواق من أقْصَى الْمَدِينَة، واخرج على قَوْمك فِي لِبَاس الزِّينَة، واستعد كرْسِي الْقعُود، والقبقاب من المدهون الْمَشْهُود، واستبشر بالوفود، وَعرف المسمع عارفة الْجُود، وتبجح بصلابة الْعود، وإنجاز الوعود، واستمتع بالشهود واجن رمان النهود، من أَغْصَان القدود، وانس من الشُّعُور السود عباسية البنود، واقتطف ببنان اللثم أفاح الثغور، وَورد الخدود. وَإِن كَانَت الْأُخْرَى، فأخف الكمد، وَارْضَ بالثمد، وانتظر الأمد، واكذب التوسم، وَاسْتعْمل التبسم واستكتم النسْوَة، وأفض فِيهِنَّ الرِّشْوَة، أَو تقلد المغالطة وارتكب، وَجِيء على قَمِيصك بِدَم كذب، واستنجد الرَّحْمَن، واستعن على أَمرك بِالْكِتْمَانِ:
(لَا تظهرن لعاذل أَو عاذر ... حاليك فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء)
(فلرحمة المتفجعين مرَارَة ... فِي الْقلب مثل شماتة الْأَعْدَاء)
وانتشق الأرج، وارتقب من جَانب الْفرج الْفرج، فكم غمام طبق وَمَا هما، وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رما. وأملك بعْدهَا عنان نَفسك، حَتَّى
стр. 760
تمكنك الفرصة، وترفع إِلَيْك الغصة، وتثقب الفرصة، وَلَا تشره إِلَى عمل لَا تفي مِنْهُ بِتمَام، وَخذ عَن إِمَام، وَللَّه در عُرْوَة بن حزَام:
(الله يعلم مَا تركت قِتَالهمْ ... حَتَّى رموا مهري بأشقر مُزْبِد)
(وَعلمت أَنِّي إِن أقابل دونهم ... أقتل وَلَا يضرر عدوي مشْهد)
(ففررت عَنْهُم والأحبة فيهم ... طَمَعا لَهُم بعقاب يَوْم مُفسد)
واللبانات تلين وَتجمع، المآرب تَدْنُو وتنزح، وتخور ثمَّ تسمح. وَكم من شُجَاع خام ويقظ نَام، وَدَلِيل أَخطَأ الطَّرِيق، وأضل الْفَرِيق. وَالله يَجْعَلهَا خلة مَوْصُولَة، وشملا أكنافه بِالْخَيرِ مشمولة، وبنية أَرْكَانهَا لركاب الْيمن مأمولة، حَتَّى تكْثر خدم سَيِّدي وجواريه، وأسرته وسراريه، وتصفو عَلَيْهِ نعْمَة باريه، مَا طورد قنيص، واقتحم عيص، وَأدْركَ مرام عويص، وَأعْطى زاهد، وَحرم حَرِيص، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك فِي هَذَا الْغَرَض مِمَّا خاطبت بِهِ أَبَا إِسْحَاق ابْن الْحَاج على لِسَان قَاضِي الحضرة أبي الْحسن
سَيِّدي، جعل الله أكوار العمائم تتضاءل لكور عمامتك، والنفوس الطامحة الهمم على اخْتِلَاف الْأُمَم، تقر بِوُجُوب إمامتك، وسر الْإِسْلَام باتصال سلامتك، وتبرأ الملا من ملامتك، وصلتني رِسَالَتك الَّتِي أخبت فِي ميدان البلاغة فأوضعت، وأخلاف الْفُنُون ارتضعت، وعَلى ارْتِفَاع الْقدر اتضعت، وَوضعت الْحِكْمَة المشرقية بنت سَاعَة وَالله أعلم بِمَا وضعت، لَكِنَّهَا تنافست الْجَوَارِح، كَمَا غصت بنعمها المسارح، وتعارض السائح والبارح والرامز والسارح فِي صلت الْإِذْن على المغنا، وأنجبت من اللَّفْظ البديع بأعذب المنا، واستولت الْعين من الْخط على الْحسن الْبعيد الشط، ونتيجة مَا أودع الْبَارِي بَين مقدمتي الْبري والقط، وعظمت حسرة الْخلق، إِذْ بَقِي بَابه مسدودا، وَأصْبح سلكه من المسالك المنافذة معدودا،
стр. 761
وَاشْتَدَّ أَسف الضرس إِذا أَصبَحت أرْضى طواحنه عاطلة، وسحاب الدّين عَلَيْهَا غير هاطلة، ومذاهبها بَاطِلَة، ومواعيد بالمضغ ماطلة، وماضر سَيِّدي وَالله يَقِيه الضّر، ويحفظ منصبه الْحر، وبحره الَّذِي يقذف الدّرّ، أَن لَو ضَاعَت الطول، وَجمع الْفِعْل وَالْقَوْل، فَوجه من الْكَتَّان، مَا يثقل ظهر الأتان، وَمن الزَّيْت، مَا يمْلَأ ركن الْبَيْت، وَمن الدَّجَاج وَالْعَسَل المجاج، مَا يتكفل بصلاح المزاج، وَمن الأترج والليم، مَا يخل بحلم الْحَلِيم، فجانب الْوَرع عَن هَدِيَّة سَيِّدي، لَا يضيق، فَهُوَ الرفيق الشَّقِيق، وَالْعدْل الَّذِي وضح من فَضله الطَّرِيق. وَأما أَن لَا يكون حَظّ وليه إِلَّا نقر لَا تدفع فقرا، وألفاظ لَا تذْهب وقرا، وحلة يجوع من حل بهَا ويعري، وبحر لَا يجد الغائص لَهُ قعرا، فَأمر يُنكر على المجادة التميمية، والمثابة الْحكمِيَّة، مَعَ أَن الإقليم، لم تزل ترفد هَذِه الخطة كلما وصلت وَتصْلح صلَاتهَا إِذا سهت، وَلَا مرفقتها مَا أمرت وَلَا نهدت، وَلَا أكلت مَا اشتهت، فَليُرَاجع سَيِّدي عَادَة الْكَرم، وَلَا يحْسب الشَّحْم فِي الورم، وَالله يطلع من تلقائه على الأدقة، الَّتِي تضيق عَن أحمالها عراض الْأَزِقَّة، والعسول المتكفلة بالسول، وَالزَّبِيب الَّذِي يسر قلب الحبيب، والأجبان الَّتِي تشجع قلب الجبان، والجدبان الَّتِي تردي بالْخبر عَن العيان، وَالْبيض الَّذِي تشهد بالفيض، وَالزَّيْت الَّذِي يخلف حَيَاة الْمَيِّت، وَالله يبقي سَيِّدي للقضاة زيتا، وَفِي الْعلمَاء عينا، ويفضي بجودك على الدَّهْر، الَّذِي سمح بجوده دينا، وَالسَّلَام عَلَيْهِ مَا استمح جواد، وأطرف بالفكاهة فؤاد، وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني فِي مخاطبته أَيْضا إِذْ هُوَ الْيَوْم فَارس الميدان، وَصدر هَذَا الشَّأْن
(يَا قَاضِي الْعدْل الَّذِي لم تزل ... تمتاز شهب الْفضل من شمسك)
стр. 762
(قعدت للإنصاف بَين الورى ... فاطلب لنا بالإنصاف من نَفسك)
مَا للْقَاضِي أبقاه الله، ضَاقَ ذرع عدله الرحب عَن الصحب، وصم عَن العتب، وضن على صديقه حَتَّى بالكتب، ابْن الْمُدَوَّنَة الْكُبْرَى ارْتكب هَذَا التَّخْرِيج، أم من المبسوطة ذهب إِلَى هَذَا الْأَمر المريج. أم من الْوَاضِحَة امْتنع عَن الْإِلْمَام بِرَفْع الوفا والتعريج. وَمن أمثالهم إِذا ولى أَخُوك فاقنع بعشروده، وَقد قنعنا نَحن وَالْحَمْد لله بِحَبَّة من مده، وإيثارة من دَرَجه وبده، وَسَاعَة معتدلة من زمَان بُلُوغ اشده، فَمَا باله يمطل مَعَ الْغِنَا، ويحوج إِلَى العنا مَعَ قرب الجنا، المرحلة مرحلة طالع وخامع، ومطمع طامع، ومرأى رَاء وَسمع سامع، والكنف، وَاسع وَالْمَكَان لاناء وَلَا شاسع، والضرع حافل، والذرع كَاف كافل، والقريحة وارية الزند، والإمامة خافقة البند، وهب الْبُخْل يَقع بِمَا فِي الخوان على الإخوان، فَمَا باله يَقع بالبنان، أعيذ سَيِّدي من ارْتِكَاب رَأْي ذميم، يُؤَيّد بَيت القطافي تَمِيم، ويعضد مَعْنَاهُ بتشميم، وهلا تَلا حَامِيم، وعهدي بالسيادة القاضوية، قد نَامَتْ فِي مهاد الترف، نوم أهل الْكَهْف، وَلم تبل بمدد الويل واللهف، أَو شربت لحفظ الصِّحَّة بختجا، ودقت لإعادة الشبيبة عفصا ورد وردسختجا، وغطت على الصُّبْح بِاللَّيْلِ إِذا سجا، ومدت على ضاحي الْبيَاض ظلا سجسجا، وَردت سوسن الْعَارِض بنفسجا، وَلبس بحرها الزاخر ثوبا من طحلب الْبر منشجا، وَأحكم الْعِمَامَة، وصديق الْمَرْأَة ينصح ويرشد، وَينظر فِي المحاسن وينشد، حَتَّى حسنت الدارة، وَصحت الاستدارة، وَأَعْجَبهُ الْوَجْه الْجَمِيل، وَالْقد الَّذِي يمِيل [فِي دكة الدَّار ويميل، فاعرى السِّوَاك التتميم والتكميل ووشج بَين شفري سَيِّدي الْميل] وَقيل لوضاح الْيمن خَابَ فِيك التأميل، وامتد جنَاح برنس الشرق، واحتفل الْغُصْن الرطيب فِي ناضر الْوَرق، ورش الْورْد
стр. 763
مَاؤُهُ عَن رشح الْعرق، وتهيأ للمنطلق، وقرأت عَلَيْهِ نسَاء أعوانه، وكتبة ديوانه سُورَة العلق، من بعد مَا أوقف الأملين الْحجاب على أَقْدَامهم، وكفهم الخذلان عَن أَقْدَامهم، فمثلوا وَاصْطَفُّوا، وتألفوا والتفوا، [وداروا وحفوا] وَمَا تسللوا وَلَا خفوا، كَأَنَّمَا أسمعتهم صَيْحَة النشر، أَو خَرجُوا الأول الْحَشْر، فعيونهم بملتقى المصراع معقودة، وأذهانهم لمَكَان الهيبة، وحفالاتهم قبل الطّلب بهَا منقودة، فعندما فرش الوساد، وارتفع بالنفاق الكساد، وذاع الكبا، وتارج الجساد، واستقام الْكَوْن وارتفع الْفساد. وأرجعت أرداجها الأجساد، جَاءَت السِّيَادَة فَجَلَست وتنعمت الأحداق بِالنّظرِ الَّذِي اختلست، وسمحت الأكف حَتَّى أفلست، وزانت الشَّمْس ذَلِك الْفلك وجلت الْأَنْوَار الحلك، فتحت الْأَبْوَاب، وَقَالَت هيت لَك، ووقفت الْأَعْيَان سماطين، ومثلوا خُفَّيْنِ. وتشكلوا مجرة تَنْتَهِي إِلَى البطين، يعلنون بالتفدية ويجهرون، لَا يعصون الله مَا أَمرهم، ويفعلون مَا يؤمرون، من كل شهب ثاقب، وطايف غَاسِق واقب، وملاحظ مراقب، كميش الْإِزَار، بعيد المزار، حَامِل للأوزار، خصيم مُبين، ووارث سوفسطها عَن رنين، مطلع بِفقه البير وحريمها، فضلا عَن تلقين الْخُصُوم وَتَعْلِيمهَا، أسْهم العريف المقرب، والمقدم المدرب، والمشافه الْمُبَاشر، والنابح الكاشر، والمنهج الْعَاشِر، الَّذِي يَقْتَضِي خلاص العقد، وَيقطع فِي الكاي والنقد، ويزكى ويجرح ويمسك الْمُثبت أَو يطْرَح، ويجمل ويشرح، والمسيطر الَّذِي بِيَدِهِ ميزَان الْوَرق، وَجمع الْأجر المفترق، وكفه قَابِلَة رحم الدواة الفاغرة، ورشا بلالة الصُّدُور الواغرة، فَإِذا وقف الخصمان بأقصى مطرح الشعاع، وأفأى مجمع الرعاع، واعلنا الندا، وَطلب الأعدا، وصاحا جعل الله أَنْفُسنَا لَك الفدا، وَرفع الْأَمر، إِلَى مقطع الْحق، وَالْأولَى بالمثابة الأحق، أخذتهما الْأَيْدِي دفعا
стр. 764
فِي القفى، ورفعا لستر اللطف الْخَفي، وإمساكا بِالْحجرِ والأكمام، ومنعا للمباشرة والإلمام واستنطاقا عِنْد الْأَخْذ بالْكلَام، وإسكاتا عِنْد صريف الأقلام فَإِذا أدلى بحجته من أدلى، وسعهما دينه عدلا، وَحقّ القَوْل، وَاسْتقر الهول، وَوَجَبَت الْيَمين أَو الْأَدَاء الَّذِي يفوت لَهُ الذخر الثمين أَو الرَّهْن أَو الضمين، أَو الاعتقال، الَّذِي هُوَ على أَحدهمَا الْأمين، نهش الصل، الَّذِي سليمه لايبل ولسبت العقارب الَّذِي لَا يفلتها الهارب، وَلَا تنجى مِنْهَا المسارب. وَكم تَحت الظلام من غرارة يحملهَا غر، وحرة ريح فِيهَا صر، وسهد فِي انْتِظَار قلَّة شهد، وكبش يجر تَارَة بروقيه، وَيدْفَع بعد رفع سَاقيه، ومعزى وجدي وقلايد هدى، وسرب دَجَاج ذَوَات لجاج، يقضحن الطارق، ويشيعن المفارق، فَمَتَى يستفيق سَيِّدي مَعَ هَذَا اللَّغط، العايد بالصلة، واللهى الْمُتَّصِلَة. أَو تتفرع يَده الْبَيْضَاء لأعمال ارتياض، وَخط سَواد فِي بَيَاض، أَو حنين لدوح أَو رياض، أَو إمتاع طرف، باكتئاب حرف أَو إِعْمَال عدل لرَسُول فِي صرف، أَو حَشْو طرب يتحفه ظرف، شَأْنه أَشد استغراقا، وميوله أَكثر طراقا، من ذكر حبيب ومنزل، وَأم معزل، وَكَيف يستخدم الْقَلَم الَّذِي يصارف مَاء الحبر يذوب التبر فِي ترهات عدم جناها، وأقطع جَانب الخيبة لَفظهَا وَمَعْنَاهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن تحصل النَّفس على كِفَايَة تختم لَهَا الصرر، وتشام من خلالها للجين الْغرَر، أَو تحن النَّفس إِلَى الفكاهة والأنس، وَينْفق لَدَيْهَا ذمام الْإِبْقَاء على الْجِنْس، فَرُبمَا تقع المخاطبة المنزورة، وتبيح هَذَا المرتكب الصعب للضَّرُورَة، والمرغوب من سَيِّدي القَاضِي أَن يذكر بؤسنا بالإغفال عِنْد نعيمه، وَلَا يخيب آمالنا الْمُتَعَلّقَة بأذيال زعيمه ويسهمنا حظا من فوايد حَظه، لَا من فوايد خطته، وَيجْعَل لنا كفلا من فضل بريته وفطنته، لَا من فضل بعره وقطته، فقد غنينا عَن الحلاوات،
стр. 765
بحلاوة لَفظه، وَعَن الطّرف الْمَجْمُوعَة، بفنون حفظه، وَعَن قصب السكر، بقصب أقلامه، وَعَن جنى الدوم بداومه، وبهديه عَن جديه، وبمحاجته عَن دجاجته، وَبدر لجه عَن أترجه، وَعَن الْبر ببره، وَعَن الْحبّ بحبه، وَلَا نأمل إِلَّا طُلُوع بطاقته، وَقد رَضِينَا بِجهْد طاقته، وَإِلَّا فَلَا بُد أَن نحشد جَيش الْكَلَام إِلَى عَتبه، ونوالي الكتايب، حَتَّى يَتَّقِي بضريبة كتبه. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني فِي سَبِيل الدعابة فِيمَن تزوج قَيْنَته
كتبت أغبطك، أعزّك الله، بتسويغ اللَّذَّات، وتسنى طيب الْحَيَاة، ولباس خلع الخلاعة، وَلَو قَامَت السَّاعَة، فَإِنَّمَا الْإِنْسَان بيومه لَا بقَوْمه، وبوقته لَا بالمبالات بمقته، وأدعو الله أَن يجزك أجرتك، ويتقبل هجرتك، ويؤمن من الشُّرُوط حجرتك، ويعطف على محلك قُلُوب الفتيان، وَيَدْعُو بهم للإتيان، وَيقطع بشهرة قينتك حظوظ القيان، ويسلبك الْغيرَة الَّتِي تفْسد الْعشْرَة، وَتكشف القشرة، وَكَأَنِّي بك أعزّك الله، وَقد ظهر بِوَجْهِك سعفة النَّبِيذ، وتفطر لَهَا وَجهك تفطر الجدي الحنيذ، وأصابت أسنانك الْحَضَر، وريحك البخر، وعينك السّتْر، وشعرك الحزاز، ويدك الكزاز، وأصبحت مخمورا، مَنْهِيّا عَن عِيَالك مَأْمُورا، وَقد أغلقت عمامتك بسروالك، وسدلت القشرة الْبَيْضَاء على أسمالك، وَقَعَدت بركَة بابك، تتلقف العيادة، وتعترض السِّيَادَة، وَتعين للْوَقْت الزِّيَادَة، فَإِذا اقتضيت النَّقْد من الخرج، ودللت الفحول على المرج، وخطبت لمشاهدة الرقص والدرج، نهضت لشرامون فحولك، وَمَا يتكل بسولك، من طرواة تصقل الْعشْرَة وتنقيها، ولخلخلة يستر رَائِحَة الْإِبِط وتخفيها، وسنون يطيب الْفَم، ويوافق الشم، وضماد يشد الثدي إِذا ذبل، وبرزجة تمنع الْحمل، وحشوت جيبك أوتارا، وأعددت دستانا ثَانِيًا وَحِمَارًا، وشاركت على الْمُرَابَحَة خمارا،
стр. 766
وَبسطت نطع الْقعُود، واعددت لإيداع الْفتُوح غشا الْعود، وترددت إِلَى الْبَاب، توقعا لإخلاف الوعود، فأقسم عَلَيْك يَا سَيِّدي أَن لَا تغفلنا من بالك، وَلَا تنسنا من حرامك الْمُصحف [أَو حلالك، وأسهمنا] فِي فضل تجارتك. وعيى جعالتك وإجارتك، وَاضْرِبْ لنا بِخَط عِنْد قسم مَا فِي طنجارتك. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك فِي مُخَاطبَة بعض الْأَطِبَّاء بِمَا يظْهر من الْغَرَض
أبثك يَا أحب الأحباء، أطرف الأنباء، من حَدِيث الْأَطِبَّاء، وَذَلِكَ أَن لي أَيَّامًا ثَلَاثَة، أعاني مَا أعاني، من الْأَلَم الَّذِي شريني وأرتعاني، فَأَما قوتي فواهية، فِي دَرَجَات الضعْف متناهية، وَأما أفكاري فمتبلدة متناهية، وَأما آلام الْفُؤَاد فَمَا أدريك مَاهِيَّة، فَإِذا دخل الْقَوْم حيو وقعدوا، وصوبوا فِي الهذر وصعدوا، وَرُبمَا امتدوا طوع تعديهم، إِلَى تنَاول الرّقاع والكراريس بِأَيْدِيهِم، يدرسون أسطارها سرا، ويكفون، ويكبون عَلَيْهَا إكبابا مستمرا، فَإِذا ملوا نهضوا على جادة أُخْرَى واستقلوا، فأفاضوا فِي التَّوْرَاة وَالزَّبُور، والتلمود والعبور، وَغير ذَلِك من فُصُول الْأُمُور. وَلَقَد أتحامل الخلا، والضعف ظَاهر الاستيلا، ومجالس السهل مترادفة الولا، فيذهلون عَمَّا ألاقيه من العفا، إِلَى أَن ينتصف الْيَوْم، وبريبهم التثاؤب وَالنَّوْم، فَحِينَئِذٍ يَتَحَرَّك الْقَوْم، وَوَاللَّه مَا أعملوا فِي العلاج قولا، وَلَا نظرُوا خرا وَلَا بولا، وَلَا قعدوا وَلَا شعروا هَل أَنا مَرِيض أم لَا، وَمَا ضرّ لَو أَشَارَ مِنْهُم المشير بعلاج، أَو أخذُوا للمذاكرة فِي نتاج، حَتَّى يقيموا رسم الصِّنَاعَة، ويأنفوا لَهَا من طَرِيق الإضاعة، أَو يعدلُوا هَوَاء،
стр. 767
أَو يبدلوا سَبِيلا سَوَاء، أَو يجلب أحدهم من الخزانة السُّلْطَانِيَّة دَوَاء. إِنَّمَا هِيَ عَادَة الْأَيَّام، وَعدم الاهتمام، وتعدي طرق الْكِرَام. فَإِذا وَقعت الهفوة، عتبوا وشافهوا [وَكَتَبُوا] كَأَنِّي لست مَوْضُوعا إِلَّا لشكوى دهر. وتعزير صَخْر أَو تمر أَو بكاء هم، أَو السباحة للفضول فِي يم، وَإِن قَالُوا قدرك سنىء. وَأَنت عَن نَظرنَا غنى، فَأَنا عَن الزِّيَارَة مني إِلَى العلاج وَعَن الْأَصَالَة الخارقة للسياج مني لصلاح المزاج، قدرت لَك عُذْري لتقوم فِيهِ بحجتي، وإيضاح محجتي، لَا زلت متحليا من الْإِنْصَاف، بأجمل الْأَوْصَاف، وَالسَّلَام المتعاهد بالألطاف، والرحمات الدانيات القطاف يخصك وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني فِي مُخَاطبَة ابْن جبور الْوَالِي بمكناسة فِي بعض الْأَغْرَاض
شاع، أعزّك الله، على أَلْسِنَة أَصْحَابك مِمَّن عرف نبله وعقله، وَصَحَّ فِي الْأَخْبَار نَقله، أَنَّك جواد الْوَقْت، الآمن المقت، وَأَنَّك مجلى التخت، ومفيد البخت، ومأوى الضَّيْف، فِي الشتَاء والصيف، وَأَنا مَا علمت ضيف الْكِرَام حَيْثُ حللت، ونزيل الأجواد مَتى نزلت، أرحل عَنْهُم، وَالثيَاب تضيق بهَا الْعباب، والجياد يجنبها القياد، والصرر قد أشرقت مِنْهَا الْغرَر، حرصا على ثَنَاء يخلد، وَمعنى يُقَلّد، ودولة تجلى بالمكارم [ومروة تحل عَلَيْهَا] ضرب المغارم، فَبت بجوارك لَيْلَتَيْنِ، أكلت فيهمَا من زادي، وشربت من مَاء الْوَادي، وَجعلت الأَرْض مهادي، وَطَالَ لأجل البراغيث سهادي. وَلَقَد سَأَلَني الْوَزير أبقاه الله عَن طريقي، ورفيقي وفريقي، وأجملت الْمُفَسّر، وألممت من الْكَذِب بِمَا تيَسّر، وَقلت علم استدعاؤك إيَّايَ، واستقدامي من مثواي، فسائر النَّاس بجملتهم هواي، وأماني الإياب، بعد أَن بدأت الْبَيْت، وأوليت مَا أوليت، فَالْأَمْر أكبر،
стр. 768
وَالْخَبَر لَا يَفِي بِهِ الْخَبَر، فخاطبتك، أعزّك الله، مُخَاطبَة من يغار على شهرة جودك، وَالْحكم لَك بالثنا قبل وجودك. فإمَّا أَن يَقع الصُّلْح على ضريبة قريبَة، ويرتفع عَن وَجه المجادة نقاب الرِّيبَة أَو يكذب النَّقْل، وَيكون قرى ضيفك، المَاء. والبقل، اللَّهُمَّ [إِلَّا] أَن يكون قبولك خَاصّا بِمن راق خَدّه، وَحسن قده، وتبلبلت نظرته، وأخجلت البدو غرته، فحظنا لديك الخيبة، وَلَو قصدناك من قلَّة وطيبة وموصله يُقرر الْمطلب، وَيجْبر مِنْك البارق والخلب، وَالْقَصْد الْمُشَاركَة فِيمَا أَمر بِشِرَائِهِ، ومحاولة نَقله، بِمَا يستخف من كرايه، وَأَنا أرتقب وُصُوله، وأنتظر حُصُوله، وعَلى كل حَال، فشكري لشكر الْخلق فِيك تبع، وَإِن لم يَقع فِي جوارك ري وَلَا شبع، وثنائي جميل، وَإِن لم يقْض من برك نأميل، وَمَا أَلممْت بِهِ إِنَّمَا هُوَ دعابة، تخف على أهل النبل، وَمن يسْلك من التظرف أوضح السبل، وَالله يمتع بعد بلقائك، ويجلي غرر الْفضل من تلقائك. وَالسَّلَام.
وَمن ذَلِك مَا صدر عني مِمَّا خاطبت بِهِ الْوَزير أَبَا بكر بن الْحَكِيم.
(ألام على أَخذ الْقَلِيل وَإِنَّمَا ... أعامل أَقْوَامًا أقل من الذَّر)
(فَإِن أَنا لم آخذ مِنْهُم فقدته ... وَلَا بُد من شَيْء يعين على الدَّهْر)
سَيِّدي: أطلق الله يدك بِمَا تملك، وفتر عَن مخنقك الْبُخْل لِئَلَّا تهْلك، كنت قد هومت، وزجرني القلق فتلومت، ونومي مَا علمت سني الْخلال، عَزِيز الْوِصَال، يمطل غَرِيمه ديني، ويعافه طيري، ورد نمر عَيْني، وَإِذا بِالْبَابِ يدق بِحجر، دقا يُنَبه عَن ضجر، وجار الْجنب يُؤْخَذ بالذنب، فَقُمْت مبادرا، وَجَزِعت، وَإِن كَانَ الْجزع مني نَادرا، واستفهمت من وَرَاء الفلق، عَن سَبَب
стр. 769
هَذَا القلق، واستعذت بِرَبّ الفلق، فَقَالَت امْرَأَة من سكان السوَاد، ورابطة الْفُؤَاد، يَا قوم رَسُول خير، بأيمن طير، وقرع إدلال: لَا قرع إذلال، حطو شعار الْحَرْب وَالْحَرب، وَقد ظفرتم ببلوغ الأرب، فتأخرت عَن الْإِقْدَام، وانهدت إِلَيْهِ مجن عمر ابْن أبي ربيعَة مِمَّن كَانَ بِالدَّار من الخدام، وأسفرت الوقيعة عَن سَلام وَسلم، وَلم يرزأ أحد منا بكلم. وَنظرت إِلَى رجل قرطبي الطلعة والأخلاق، جاو على الْإِطْلَاق، تنهد قبل أَن سلم، وارتمض لما ذهب من الشبيبة وتألم، شنشنة مَعْرُوفَة، وَعَن تِلْكَ الْجِهَة، معَاذ الله، مصروفة، وَقد حَملته سيادتكم من المبرة ضروبا شَتَّى، وتجاوزت فِي السراوة غَايَة حَتَّى، وَلم نذع عضوا من جسده، فضلا عَن مَنْكِبه وَيَده، إِلَّا أعلقته وعَاء ثقيلا، وناطت بِهِ زنبيلا، وصييره مضاعف الْبر، سفينة من سفن الْبر، فَأَنَاخَ كَالْجمَلِ إِذا برك، واستلقى كالكمى ترك المعترك، وعلت حوله تِلْكَ الأثقال، وتعاورها الِانْتِقَال، وَكثر بالزقاق القيل والقال. فَلَمَّا تحصلت بِالدَّار، وسترت معرتها بالجدار، وتناولها الاختبار الفاضح، وَبَان قُصُورهَا الْوَاضِح، تلاشت بعد مَا جَاشَتْ واضمحلت بعد مَا حلت، وَنظرت إِلَى قَعْب من التِّبْن المذوق، الَّذِي لَا يسْتَعْمل فِي الْبيُوت، وَلَا يُبَاع فِي السُّوق، أذكرني قَول الشَّاعِر:
(تِلْكَ المكارم لَا قعبان من لبن ... شيبا بِمَاء فَعَاد أبعد أبوالا)
أما زبده فَرفع، وَأما زيته فانتيت بِهِ وانتفع. وَأما من أنف من بَعثه من فضلاء الخدام فَرفع، وَكَأَنِّي بِهِ قد ألح فصفع. والتفت إِلَى قفة قد خيطت، وبعنق ذَلِك البائس قد نيطت، رمس فِيهَا أفراخ من الحمائم، وقلدت بلبته، كَمَا يتقلد بالعمائم، وَشد حبلها بمخنقه، وألزم مِنْهَا فِي العاجلة طَائِره فِي عُنُقه، هَذَا بعد مَا ذبحت، وَأما حشوتها فربحت، وَلَو سلكتم الطَّرِيقَة المثلى، لحفظتم جثتها من العفن بِمَا تحظ بِهِ جثث الْقَتْلَى، وأظنكم لم تغفلوا هَذَا الْغَرَض،
стр. 770
وَلَا أهملتم هَذَا المهم الَّذِي عرض، فَإِنِّي رميت مِنْهَا للبر رمى المختبر، فكلح من مرَارَة الصَّبْر، وَلما أخرجتها من كفن القفة، واستدعيت لمواراتها من حضر من الْأَصْحَاب أهل الصّفة، تمثلت تمثل لَبِيب بقول حبيب:
(هن الْحمام فَإِن كسرت عناقه ... من حايهين فَإِنَّهُنَّ حمام)
وَلَوْلَا أَن أحد الدجاجتين لاحت عَلَيْهَا مخيلة سرو، وَكَانَت من بقايا ديوك مرو، بعث بهَا جلالك جَلَاله، وَأهْدى مِنْهَا لفساد مزاجي آله، لم يكن فِي الْهَدِيَّة مَا يذكر، ولكانت مِمَّا يُنكر، وَأَسْتَغْفِر الله، فَلَو لم تكن التُّحْفَة إِلَّا تِلْكَ الأكولة العاطرة، والغمامة الماطرة، حَتَّى أحسبت الأمل الْأَقْصَى، وتجاوزت المنن الَّتِي لَا تحصى، للَزِمَ الشُّكْر وَوَجَب، وبرز من حر الْمَدْح مَا تيَسّر واحتجب، والمكارم وَإِن تَغَيَّرت أنسابها، وَادّعى إرثها واكتسابها. إِلَيْكُم تُشِير أيديها، ولفئتكم تميل بهواديها، وبساحتكم يسيل واديها، وعَلى أَرْضكُم تسح غواديها، ومثلى أعزكم الله لَا يفض من قدر تحفكم الحافلة، وَلَا يقْعد من شكرها عَن فَرِيضَة وَلَا نَافِلَة، وَلكنهَا دعابة مُعْتَادَة، وفكاهة أصدرتها وداده، وَلَا أَشك أَنكُمْ بِمَا جبلتم عَلَيْهِ من محبتي قَدِيما وحديثا، وأثاري الَّذِي صيرتموه سمرا وحديثا، تهدرون جفاي فِي جنب وفائي وتغضون، وتتجلون، وَبقول الشَّاعِر تتمثلون
(وأسمع من أَلْفَاظه اللُّغَة الَّتِي ... يلذ بهَا سَمْعِي وَإِن ضمنت شتمي)
وَهِي طَوِيلَة
وَمن ذَلِك مَا صدر عني مِمَّا خاطبت بهَا أَبَا عبد الله الْيَتِيم بِمَا نَصه
يَا سَيِّدي الَّذِي إِذا رفعت راية ثنائه، تلقيتها باليدين، وَإِذا قسمت سِهَام وداده، على ذَوي اعْتِقَاده، كنت صَاحب الْفَرِيضَة وَالدّين، وَأم بقاؤك، لطرفة
стр. 771
تبديها، وغريبة تردفها بِأُخْرَى تَلِيهَا، وعقيلة بَان تجتليها، وَنَفس أَخذ الْحزن بكظمها، وكلف الدَّهْر بِشَتٍّ نظمها، تونسها وتسليها، لم أزل أعزّك الله، أَشد على بدائعك يَد الضنين، وأقتني دُرَر كلامك، ونفثات أقلامك، اقتناء الدّرّ الثمين، وَالْأَيَّام بلقاك تعد، وَلَا تسعد. وَفِي هَذِه الْأَيَّام انثالت على سماؤك بعد قحط، وتوالت لَدَى آلاؤك على شحط، وزارتني من [عقائل بنانك] ، كل فاتنة الطّرف، عاطرة الْعرف [رافلة فِي حلل الْبَيَان والطرف] لَو ضربت بيوتها بالحجاز، لأقرت لَهَا الْعَرَب العاربة بالإعجاز، ماشيت من رصف المبنى، ومطاوعة اللَّفْظ الْمَعْنى، وَطيب الأسلوب، والتشبث بالقلوب، غير أَن سَيِّدي أفرط فِي التنزل، وخلط المخاطبة بالتغزل، وراجع الِالْتِفَات، ورام اسْتِدْرَاك مَا فَاتَ، يرحم الله شَاعِر المعرة، فَلَقَد أَجَاد فِي قَوْله، وَأنكر مُنَاجَاة الشوق بعد انصرام حوله، فَقَالَ:
(أبعد حول تناجى النَّفس نَاجِية ... هلا وَنحن على عشر من الْعشْر)
وَقد تجاوزت فِي الأمد، وأنسيت أَخْبَار صَاحبك عبد الصَّمد، فأقسم بألفات القدود، وهمزات الجفون السود، وحاملي الْأَرْوَاح مَعَ الألواح، بِالْغُدُوِّ والرواح، لَوْلَا بعد مزارك، مَا أمنت غائلة مَا تَحت إزارك، ثمَّ إِنِّي حققت الْغَرَض، وبحثت عَن الْمُشكل الَّذِي عرض، فَقلت للخواطر انْتِقَال، وَلكُل مقَام مقَال، وتختلف الْحَوَائِج باخْتلَاف الْأَوْقَات، ثمَّ رفع اللّبْس خبر الثِّقَات، وَمِنْهَا: وتعرفت مَا كَانَ من مُرَاجعَة سَيِّدي لحرفة التكتيب والتعليم والحنين إِلَى الْعَهْد الْقَدِيم، فسررت باستقامة حَاله، وَفضل مَاله، وَإِن لاحظ الملاحظ، مَا قَالَ الجاحظ، فاعتراض لَا يرد، وَقِيَاس لَا يضطرد حبذا وَالله عَيْش أهل التَّأْدِيب، فَلَا بالضنك وَلَا بالجديب، معاهدة الْإِحْسَان، ومشاهدة الصُّور الحسان. يَمِينا إِن
стр. 772
المعلمين لسادة الْمُسلمين، وَإِنِّي لأنظرهم كلما خطرت على الْمكَاتب، أُمَرَاء فَوق الْمَرَاتِب، من كل مسطر الدرة، متقطب الأسرة، متنمر للوارد تنمر الْهِرَّة، يَغْدُو إِلَى مكتبه، كالأمير فِي موكبه، حَتَّى إِذا اسْتَقر فِي فرشه، واستوى على عَرْشه، وترنم بِتِلَاوَة قالوته وورشه، أظهر لِلْخلقِ احتقارا، وأزرى بالجبال وقارا، وَرفعت إِلَيْهِ الْخُصُوم، ووقف بَين يَدَيْهِ الظَّالِم والمظلوم، فَتَقول كسْرَى فِي إيوانه أَو الرشيد فِي زَمَانه، أَو الْحجَّاج بَين أعوانه، فَإِذا استولى على الْبَدْر السرَار، وَتبين للشهر الْفِرَار تحرّك لِلْخُرُوجِ تحرّك القرد إِلَى الْفرج، اسْتغْفر الله مِمَّا يشق على سَيِّدي سَمَاعه، وتشمئز من ذكره طباعة، شيم اللِّسَان خلط الْإِسَاءَة بِالْإِحْسَانِ، والغفلة من صِفَات الْإِنْسَان، وَأي عَيْش كَهَذا الْعَيْش، وَكَيف حَال أَمِير هَذَا الْجَيْش، طَاعَة مَعْرُوفَة، ووجوه إِلَيْهِ مصروفة. فَإِن أَشَارَ بالإنصات، لتحقيق الغصات، فَكَأَنَّمَا طمس على الأفواه، ولاءم بَين الشفاه. وَإِن أَمر بالإفصاح، وتلاوة الألواح، علا الضجيج والعجيج، وحف بِهِ كَمَا حف بِالْبَيْتِ الحجيج، وَكم بَين ذَلِك من رشوة تدس، وغمرة لَا تحس، ووعد يستنجز وحاجة تستعجل وتجهز. هَنأ الله سَيِّدي مَا خوله، وأنساه بِطيب آخِره أَوله، وَقد بعثت بدعابتي هَذِه، مَعَ إجلال قدره، والثقة بسعة صَدره، فليتلقها بِيَمِينِهِ، ويفسح لَهَا فِي الْمجْلس بَينه وَبَين خدينه، ويفرغ لمراجعتها وقتا من أوقاته، عملا بِمُقْتَضى دينه، وَفضل يقينه، وَالسَّلَام الْكَرِيم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَمن ذَلِك مَا خاطبت بِهِ أحد المنتحلين لصنعة الْحجامَة
يَا أَحْمد أبقاك الله لذكر تعظه. وورم تبطه، وَدم تسيله، وَرَأس سما بِهِ الْكبر تميله، حَتَّى يتَبَيَّن لديك حَال الثروة، ويجتمع بَين يَديك من الشُّعُور، مثل مَا يجْتَمع بَين الصَّفَا والمروة، مَا هَذِه الْغَيْبَة، الَّتِي أسالت من صبيتك
стр. 773
القوارب، وأطالت من معامليك اللمم والشوارب، وَتركت من كَانَ يحوم على دكانك، وَينْفق سلْعَته فِي مَكَانك، كأسد السُّوق، يُعِيد الْعَهْد بالفسوق. إثن من عنانك، وألن لمن خلقك قاسي جنانك وَارِث لخدود كنت حاصد نباتها، ومتفيىء جناتها فقد طَغى بهَا الآس على الْورْد، ولبست من خلعات العذار، كل محكمَة السرد، فبلطافة شمائلك، وَطيب حمائلك، أَلا مَا أخذت فِي الإياب، وأدلجت إدلاج الذياب، فقد طَال الأمد، وَعظم على حَملتك العاشقة الكمد، واستصحب مَا رسمت لَك [من الفخار] وَغَيره، وَخذ فِي الْقدوم، وحث من سيره، وَإنَّهُ سلامي من اسْتَسْقَيْت سحب خَيره، وتيمنت [لله مَادَّة] طيره، وصل الله علاءه وأجزل لَدَيْهِ آلاءه. وَالسَّلَام
وَمن ذَلِك فِي مُخَاطبَة أبي جَعْفَر بن سُلَيْمَان الْقرشِي وَقد عرض عَلَيْهِ عقد إِيجَابه
يَا مَحل الْوَلَد، هَذَا رَأْي، مَا فِيهِ وَالْحَمْد لله وَهِي، وَنظر مُعْتَبر، يرجحه كتاب وَخبر، وحسبك بهَا من صلَة رحم، وعصابة فضل تزدحم، فَإلَى أَيْن يذهب الْمُحْتَار، عَمَّا يذب إِلَيْهِ الْمُخْتَار، كتب الله لكم السعد، حَلِيف هَذَا النَّقْد، وَلَا زَالَ نَقده وكاليه آمِنين من النَّقْد، وَجعل حُصُول الأنبا بالأبناء عَن الرفاء ورفكم فِيهِ عوارف الْيمن والأمان، وَجعل حِكْمَة سعادته مِمَّا فهمها الله - والدكم سُلَيْمَان بفضله وَكَرمه.
стр. 774
المقامات
فَمن ذَلِك مَا صدر عَنى للسُّلْطَان الْجَلِيل الْمُعظم الْكَبِير أبي عنان فَارس ﵀ من سبتة بَين يَدي ركُوب الْبَحْر وَفِي كل كلمة مِنْهَا سين
(سقت ساريات السحب ساحة فاس ... سواحب، تكسو السَّرْح حسن لِبَاس)
(وسارت بتسليمي لسدة فَارس ... نسيم سرى للسلسبيل بكاس)
مِنْهَا فِي ذكر السُّلْطَان أبي عنان:
(أنست بمسرى سبتة وتأنست ... بساحته نَفسِي وأسعد نَاس)
(ويسرت لليسرى وَيسر مرسلي ... وسدد سهمي واستقام قِيَاس)
باسم السَّلَام أستمنح مُسبل الإسعاد، وأبلس أنفس الحساد، وبإرسال التَّسْلِيم لسَيِّد الْمُرْسلين، أَسد أسراب الْفساد، وألتمس لسفري سَلامَة النُّفُوس والأجساد، سَلام وسيم، تستعير نفس مسراه الْبَسَاتِين، ويحسده الآس والياسمين، ويستمده النرجس السَّاجِي والنسرين، يسى ر لمجلس، مستخلف القدوس السَّلَام سُبْحَانَهُ، ويستبق لسدة سُلْطَان الْمُسلمين. سل السعد حسامه، وسدد سهامه، سيف السّنة السمحاء سَحَابَة سَمَاء السخا أَسد المراس، ملبس المفسدين لِبَاس الباس، ميسر الْحَسَنَة للنَّاس، يعسوب الْخَمِيس، مسرح سوائم التسجيع والتنسيم والتجنيس سَنَد السّنة، أَسد الأسنة، الباسل السَّيِّد السّني المسدد، السَّامِي السّني، سُلْطَان السلاطين، الساطي بأسه بالساطين، مُسْتَند الْإِسْلَام، فَارس، سدلت لسيرته الْحَسَنَة الملابس، واستنار بابتسام سعده المسري العابس. حَسبك باسم ومسمى، وَنَفس نفيسة سكنت الْإِسْلَام جسما، وأسنت لسعادة الْمُسلمين قسما، ينسى السحايب الساكنة لمسنتي السنين، وتخرس ألسن محاسنه اللسنين، ويستعبد إحسانه إِحْسَان الْمُحْسِنِينَ، سما مَجْلِسه، وَسعد ملتمسه، وتسنت سَلَامَته، وحرست سبل السّنة استقامته، وسدد سَهْمه، وسنى السَّعَادَة للنَّاس بأسه وَسلمهُ، فسبحان ميسر العسير، ومسدي الكسير،
стр. 775
ومسهل الإكسير، ومسنى سُلْطَانه يستوعب محَاسِن السَّبْعَة المستخلفين، اسْتِيعَاب التَّيْسِير، فسهلت المسالك العسيرة، وَحسنت السِّيرَة، ليستبين سر الِاسْتِخْلَاف، ويتيسر سَبَب الاستيلاف، ويستجد ملابس سلطنة الأسلاف، وسيطهر سَيْفه مَسَاجِد الْمُسلمين بالأندلس، سالبا دنس الناقوس، ويلبس إِبْلِيس باستنقاذها، لِبَاس الْبُؤْس، ويستفتح الْقُدس، بتيسير القدوس، رسمه بسبته حرست ساحتها، واتسعت باليسر مساحتها، مسترق إحسانه، ومستعبد سُلْطَانه السعيد السفارة والرسالة، بِسَبَبِهِ، المتوسل بالوسائل الْحَسَنَة، لحسبه سمى الرَّسُول، سليل سعيد، المنتسب لسلمان، لَيْسَ بسلمان الْفَارِسِي، حَسْبَمَا استوعبه سفر الْأَنْسَاب تيسرت لسراة الْمُسلمين برسالته الْأَسْبَاب. سطره لسلطانكم السامى، وسفر السفين تيَسّر، وسور التسهيل والتيسر تفسر، والسمراء ونسبتها استوعبها الإيساق، ولسوابق المرسى استباق، ولمحاسن السلطنة الفارسية اتساق، وسكنها مستملككم تِسْعَة بِسَبَب نسيم استباد مسراه، واستتبع سراه ينتسب لسمت الْإسْكَنْدَريَّة، ويسخر بالسفن السفرية، والساعة استعجلت السّفر مستننما سُكُون، نَفسه وسهو حرسه، واستتبتت لاستصحاب الْحَسَنَة الفارسية لساحل البلس ميسورا من سكانه يُسمى، بِحُسَيْن وينسب لسالم استنجاحا بسمته الْحسن والسلامة، سلكت للتسهيل، سَوَاء السَّبِيل وسقت النَّاس سلاف المسرة، بكأس السلسبيل، ومسترق الْمجْلس الْفَارِسِي، مجْلِس السنا والقدس، مُسَافر بالجسم، مستوطن بِالنَّفسِ وَلسَانه بإحسانكم سيف مسلول، ولنفسه بتسنى سعادتكم سَوَّلَ، فبسعادتكم يستصبح، وببسملة محاسنكم يستفتح، وسلطانكم لَيْسَ ينسى وَسِيلَة متوسل، وسبل الْحَسَنَات من سما سيرتكم مسترسل، واستوعبها سينية، وبسين اسمكم سعيدة سنية، خلسة مجْلِس، ووسع مُفلس. وسمحكم مسئول، ومستعيذ سلطانكم أسعد رَسُول، نسل السَّلَام تقدس اسْمه، بتسني سعادتكم سرُور الْمُسلمين، ويسنى بسببكم سنة سيد الْمُرْسلين، ورسم تَاسِع مستفتح سنة سِتّ وَخمسين وَسَبْعمائة.
следующие страницы →