← Адаб

Адаб · id 6955

ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب

لسان الدين بن الخطيب

Полный текст (979 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فَقَالَ سُورَة الْفضل والكمال، وَصُورَة الْحَلَال وَالْجمال، وَسيف الجباية وَالْمَال. وَحج العفاة وكعبة الآمال، العف الْإِزَار، ذُو الْمَوَاهِب الغزار. مَا شيت من حَيا ووقار، واهتضام للعرض الْأَدْنَى واحتقار، يهب الجزيل، وَيكرم النزيل، وَيحكم التَّنْزِيل، أقسم لَو سبق الزَّمن زَمَانه، وانتظم فِي سلك العقد المتقادم حمانه، لما كَانَ لكعب من علو كَعْب، وَلَا ساعد ابْن سعدي ذكر، وَلَا أعمل فِي مدح هرم بن سِنَان فكر، ولطوى حَاتِم طي وَلم تَأْخُذهُ يَد النشر إِلَى الْحَشْر، وَلَا أعملت فِي أخباره يَد الإضراب والبشر، فَهُوَ الْعَامِل الْعَالم، والعادل الَّذِي تكف بِهِ الْمَظَالِم، وَالْبَحْر الَّذِي من دونه بلالة والكفاية مَا سواهَا علالة. (مدحت الورى قبله كَاذِبًا ... وَمَا صدق الْفجْر حَتَّى كذب) إِن طرقت منزله هش ورحب، وتبسط جالبا للأنس وتسحب، وَحكم كَمَاله، وَألقى قبل الوسادة مَاله، فَهُوَ حَسَنَة الدولة الغرا، وطراز حلتها الشيرا: وحديثها الْمَنْقُول، وصفيحها المصقول، وَللَّه در الَّذِي يَقُول: (سلني عَن النّدب وَإِلَى الْوُلَاة ... فَإِنِّي على مدحه قَادر) (مخدرة فِي سَبِيل الحيا وَيَوْم ... الوغى أَسد خادر) وَلما بلغ إِلَى هَذَا الْحَد، كَأَنَّمَا كَانَ الحَدِيث ثوبا على جَسَد المرحلة مقدودا، وعددا مَعَ لياليها المحسوبة معدودا، أَتَى للسير مِنْهُ الْقَوَاعِد والبروق، وانتهب عمر اللَّيْل إِلَى الشروق، وَكَانَ آخِره بِبَاب المحروق، وَجعل كل وَجهه إِلَى ذره، وَعَاد إِلَى مركزه عقب مَدَاره، وعلق بقلبي كَلَامه، فاستقر فِي احتزانه، وَأَنا أزن الْقَوْم بميزانه، وَالله يتغمد مَا يُوَافقهُ العَبْد من هفوة لِسَانه، ويغطى الْإِسَاءَة بإحسانه.

стр. 807

من ذَلِك الْكتاب الْمُسَمّى بمعيار الِاخْتِيَار الْحَمد لله الَّذِي انْفَرَدت صِفَاته بالاشتمال على أشتات الْكَمَال، والاستقلال بأعباء الْجلَال، المنزه عَن احتلال الْحَلَال، المتصفة الْخلال بالاختلال، الْمُتَعَمد بالسؤال، لصلة النوال، جَاعل الأَرْض كسكانها مُتَغَايِرَة الْأَحْوَال، باخْتلَاف الْعرُوض والأطوال، متصفة بالمحاسن والمقابح، عِنْد اعْتِبَار الهيئات والأوضاع والصنائع والأعمال، على التَّفْصِيل والإجمال، فَمن قَامَ خَيره بشره، دخل تَحت خطّ الِاعْتِدَال، وَمن قصر خَيره عَن شَره، كَانَ أَهلا للاستعاضة بِهِ والاستبدال، وَمن أربى خَيره على شَره، وَجب إِلَيْهِ شدّ الرّحال، وَالْتمس بِقَصْدِهِ صَلَاح الْحَال، وَكَثِيرًا مَا اغتبط النَّاس بأوطانهم، فحصلوا فِي الْجبَال على دعة البال، وفازوا فِي الرمال بالآمال، حِكْمَة مِنْهُ فِي اعْتِبَار ربع الشمَال، وتضيء أكنافه عَن الْيَمين وَالشمَال، إِلَى أَن يَدْعُو بِأَهْل الأَرْض، لموقف الْعرض وَالسُّؤَال. وَيذْهل عَن الأمل عظم الْأَهْوَال. وَالصَّلَاة على سيدنَا مُحَمَّد الْمُصْطَفى، الَّذِي أنقذ بدعوته الوارفة الظلال من الضلال، وجا بِرَفْع الأغلال، وتمييز الْحَرَام من الْحَلَال، وَالرِّضَا عَمَّن لَهُ من الصحب والآل. أما بعد، ساعدك السعد، ولان الْجَعْد، فَإِن الْإِنْسَان، وَإِن اتّصف بِالْإِحْسَانِ، وأبانة اللِّسَان، لما كَانَ بعضه لبَعض فَقِيرا، نبيها كَانَ أَو حَقِيرًا، إِذْ مونه الَّتِي تصلح بهَا حَاله، وَلَا يَسعهَا انتحاله، لزم اجتماعه وائتلافه على سياسة يُؤمن مَعهَا اختلافه، واتخاذ مَدِينَة يقر بهَا قراره، وَيتَوَجَّهُ إِلَيْهَا ركونه وفراره، إِذا رابه إضراره، وتختزن فِيهَا أقواته الَّتِي بهَا حَيَاته. ويحاول مِنْهَا معاشه، الَّذِي بِهِ انتعاشه، وَإِن كَانَ اتخاذها جزَافا واتفاقا. واجتزاء بِبَعْض الْمرَافِق وارتفاقا،

стр. 808

تحاول خَيرهَا وشرها، وتعارض نَفعهَا وضيرها، وفضلها فِي الْغَالِب غَيرهَا، وَإِن كَانَ عَن اخْتِيَار وتحكيم معيار، وتأسيس حَكِيم، وتعويض لِلْعَقْلِ وتحكيم، تنافر إِلَى حكمهَا للنفر، وإعمال السّفر، وَكَانَت مساويها بِالنِّسْبَةِ إِلَى محاسنها تفْتَقر، إِذْ وجود المَال فاضح للآمال، وَللَّه در الْقَائِل: (وَمن ذَا الَّذِي ترْضى سجاياه كلهَا ... كفى الْمَرْء فضلا أَن تعد معايبه) وبحسب ذَلِك، حدث من يعْنى بالأخبار ينقلها، وَالْحكم يصقلها، والأسمار بنتقيها، والْآثَار يخلدها ويبغيها، والمجالس يَأْخُذ صدورها، والآفاق يشيم شموسها وبدورها، وَالْحلَل يصرف دورها، وَيَأْكُل قدورها، والطرف يهديها، والخفيات يبينها، وَقد جرى ذكر تَفْضِيل الْبلدَانِ، وَذكر القاصي والدان، ومزايا الْأَمَاكِن، وخصائص الْمنَازل والمساكن، والمقابح والمحاسن، وَالطّيب والآسن، قَالَ ضمني اللَّيْل، وَقد سدل الْمَسِيح راهبه، وَأَشْهَب قرصة الشَّمْس من يَد الأمس ناهبه، وذلفت جيوشه الحبشية وكتائبه، وَفتحت الأزهار شط المجرة كواكبه، وجنحت الطُّيُور إِلَى وَكَونهَا، وانتشرت الطوافات بعد سكونها، وعويت الذئاب فَوق هضابها، ولوحت البروق بفيض عضابها، وباحت الْكَفّ الخضيب بخضابها، وتسللت اللُّصُوص لانتهاز فرصها، وَخرجت الليوث إِلَى قسمهَا وحصصها فِي مناخ رحب المنطلق، وثيق الغلق، سامي السُّور، كَفِيل بِحِفْظ الميسور، يَأْمَن بِهِ الذعر خائفه، وتدفع معرة السما سقائفه، يشْتَمل على مأوى الطريد، ومحراب المريد، ومرابط خيل الْبَرِيد، ومكاسع الشَّيْطَان المريد، ذِي قيم، كثير البشاشة، لطيف الحشاشة، قَانِع بالمشاشة، يروح وَيَمْشي، وَيقف على رتب الْأَعْيَان، وأعيان الرتب، فَلَا يشي، بر فَأكْثر، ومهد ودثر، وأذفا ودثر، ورقى بِسوار استنزاله فأثر. فَلَمَّا أرحت الكافة واقضمت جَوَاده العلفة، وأعجبتني من رُفَقَاء الْمرْفق الألفة، رمقت فِي بعض السقائف أمنا فِي

стр. 809

زِيّ خَائِف، وشيخا طَاف مِنْهُ بِالْأَرْضِ طائف، وَسكن حَتَّى الْيَمَامَة والطائف [حنيب عكاز ومثير ركاز، قل حَظه بسلاحه لِسَان ذلو السفرة] ومثير شيب أثبت الوفرة، وقسى ضلوع توثر بالزفرة، حكم لَهُ بَيَاض الشيبة بالهيبة، وَقد دَار بذراعه للسبحة الرقطاء حَنش، كَمَا اخْتَلَط روم وحبش، وَإِلَى يَمِينه دلو فامق، وَعَن يسَاره تلميذ مراهق، وأمامه حمَار ناهق، وَهُوَ يَقُول: (هم أسكنونا فِي ظلال بُيُوتهم ... ظلال بيُوت أدفأت وأكنت) (أَبَوا أَن يملونا وَلَو أَن أمنا ... تلاقي الَّذِي لاقوه منا لملت) حَتَّى إِذا اطْمَأَن حُلُوله، وأصحب ذلوله، وتودد إِلَى قيم الحنان، زغلوله، واستكبر لما جَاءَ بِمَا يهواه رَسُوله، استجمع قوته، واستحشد، وَرفع عقيرته وَأنْشد: (أَشْكُو إِلَى الله ذهَاب الشَّبَاب ... كم حسرة أورثتني واكئياب) (سد عَن اللَّذَّات بَاب الصِّبَا ... فزادت الأشجان من كل بَاب) (وغربة طَالَتْ فَمَا تَنْتَهِي ... مَوْصُولَة الْيَوْم بِيَوْم الْحساب) (وَشر نفس كلما هملجت ... فِي الغي لم تقبل خطام المتاب) (يَا رب شفع فِي شيبي وَلَا ... تحرمني الزلفى وَحسن المآب) ثمَّ أَن، وَاللَّيْل قد جن، فَلم يبْق [فِي الْقَوْم] إِلَّا من أشْفق وحن، وَقد هزته أريحية، على الدُّنْيَا سَلام وتحية، فَلَقَد نلنا الأوطار، وحلبنا الأشطار، [وركبنا الأخطار، وأبعدنا المطار، واخترقنا الأقطار] فَقَالَ فتاه، وَقد افترت عَن الدّرّ شفتاه مستثيرا لشجونه، ومطلعا نُجُوم همه من دجونه، ومدلا عَلَيْهِ بمجونه، وماذا بلغ الشَّيْخ من أمرهَا، أَو رفع من عمرها، حَتَّى يقْضى مِنْهُ عجب، أَو يجلى مِنْهُ محتجب، فَأَخَذته حمية الْحفاظ لهَذِهِ الْأَلْفَاظ، وَقَالَ أَي بني مثلي من الأقطاب، يُخَاطب بِهَذَا الْخطاب، وأيم الله لقد عقدت الْحلق،

стр. 810

ولبست من الدَّهْر الْجَدِيد والخلق، وفككت العلق وأبعدت فِي الصفوة الطلق، وخضت الْمنون، وصدت الضَّب وَالنُّون، وحذقت الْفُنُون، وقهرت بعد سُلَيْمَان الْجُنُون، وقضيت الدُّيُون، ومرضت لمَرض الْعُيُون، وَركبت الهمالج، وتوسدت الرذائل والدمالج، وركضت الفاره، واقتحمت المكاره، وَجَبت الْبِلَاد، وَحَضَرت الجلاد، وأقمت الفصح والميلاد، فعدت من بِلَاد الْهِنْد والصين، بِالْعقلِ الرصين، وحذقت بدار قسنطين، علم اللطين، ودست مدارس أَصْحَاب الرواق، وَرَأَيْت غَار الْأَرْوَاح، وَشَجر الوقواق، وشريت حلل الْيمن، ببخس الثّمن، وحللت من عدن حُلُول الرّوح من الْبدن، وَنظرت إِلَى قرن الغزالة لما شَرق، وأزمعت على العراقين بسرى الْعين، وشربت من مَاء الرافدين باليدين، وَصليت بمحراب الدملى رَكْعَتَيْنِ، وَتركت الْأَثر للعين، ووقفت حَيْثُ وقف الحكمان، وتقابل التركمان، وَأخذت بالقدس، عَن الحبر الندس، وَركبت الولايا إِلَى بِلَاد العلايا، بعد أَن طفت بِالْبَيْتِ الشريف، وحصلت بِطيبَة على الخصب والريف فِي فصل الخريف، وقرأت بأخميم علم التصريف، وأشرعت فِي الانحطاط إِلَى الْفسْطَاط، والمصر الرحب الاختطاط، وسكنت مَدِينَة الْإسْكَنْدَريَّة ثغر الرِّبَاط، وعجلت بالمرور إِلَى التكرور، فَبِعْت الظل بالحرور، ووقفت بأشبانية إِلَى الهيكل المزور [وحصلت بإفريقية على الرفد غير المنزور] وانحدرت إِلَى الْمغرب انحدار الشَّمْس إِلَى الْمغرب، وصممت تصميم الحسام الْمَاضِي المضرب، ورابطت بالأندلس ثغر الْإِسْلَام، وأعلمت بِمَا تَحت ظلال الْأَعْلَام، فآها وَالله على عمر مضى وَخلف مضضا، وزمن انْقَضى، وَشَمل قضى الله من تفرقه بِمَا قضى. ثمَّ أجهش ببكائه، وأعلن باشتكائه، وَأنْشد:

стр. 811

(لبسنا فَلم نبل الزَّمَان وأبلانا ... نتابع أخرانا على الغي أولانا) (ونغتر بالآمال والعمر يَنْقَضِي ... فَمَا كَانَ بالرجعي إِلَى الله أولانا) (وماذا عَسى أَن ينظر الدَّهْر مَا عسا ... فَمَا انْقَادَ بالزجر الحثيث وَلَا لانا) (جزينا صَنِيع الله شَرّ جَزَائِهِ ... فَلم نرع مَا من سَابق الْفضل أولانا) (فيا رب عاملنا بِمَا أَنْت أَهله ... من الْعَفو واجبر صدعنا أَنْت مَوْلَانَا) ثمَّ قَالَ: (لقد مَاتَ إخْوَانِي الصالحون ... فَمَا لي صديق وَلَا لي عماد) (إِذا أقبل الصُّبْح ولى السرُور ... وَإِن أقبل اللَّيْل ولى الرقاد) فتملكتني لَهُ رقة وهزة للتماسك مسترقة، فهجمت على مضجعه هجوما أنكرهُ، وراع صَفوه وعكره، وغطى بِفضل ردنه سكره، فَقلت على رسلك أَيهَا الشَّيْخ، نَاب حنت إِلَى خوار، وغريب أنس بجوار، وحائر اهْتَدَى بِنَار، ومقرور قصد إِلَى ضوء نَار، وطارق لَا يفضح عَيْبا، وَلَا يثلم وَلَا يهمل شيبا، وَلَا بِمَنْع سيبا، ومنتاب يكسو الْحلَّة، وَيحسن الْخلَّة، ويفرغ الْغلَّة، ويملأ الْقلَّة: (أجارتنا إِنَّا غَرِيبَانِ هَاهُنَا ... وكل غَرِيب للغريب نسيب) فَلَمَّا وقم الهواجس وكبتها، وَتَأمل المخيلة واستثبتها، تَبَسم لما توهم وَسمع بعد مَا جمح، فهاج عقب مَا فتر، وَوصل مَا بتر، وَأظْهر مَا خبأ تَحت ثَوْبه وَستر، وماج مِنْهُ الْبَحْر الزاخر، وأتى بِمَا لَا تستطيعه الْأَوَائِل والأواخر، وَقَالَ، وَقد ركضى الْفُنُون وأجالها، وَعدد الحكم ورجالها، وفجر للأحاديث أنهارها، وَذكر الْبلدَانِ وأخبارها: (وَلَقَد سهمت مآربي فَكَانَ أطيبها حَدِيث ... إِلَّا الحَدِيث فَإِنَّهُ مثل اسْمه أبدا حَدِيث)

стр. 812

قلت، ذهب الخجل والوجل، وَطَالَ المروى والمرتجل، وتوسط الْوَاقِع، وتشوفت للنجوم المواقع، وتوردت الخدود البواقع. قلت أَيهَا الحبر واللج الَّذِي لَا يَنَالهُ السبر: لاحجبك قبل عمر النِّهَايَة الْقَبْر، وأعقب كسر أعداد عمرك الْمُقَابلَة بِالْقبُولِ والجبر، كَأَن اللَّيْل قد أظهر لوشك الرحيل الْهَلَع، والغرب الجشع لنجومه قد ابتلع، ومفرق الأحباب، وَهُوَ الصُّبْح قد طلع، فأولني عارفة من معارفك اقتنيها، واهزز لي أفنان رحكمك اجتنبها. فَقَالَ، أمل ميسر، ومجمل يحْتَاج أَن يُفَسر، فأوضح الملغز، وأبن الطلا من البرغز، وسل عَمَّا بدا لَك، فَهُوَ أجدى لَك، وَأقسم لَا تسلنى عَن غامض، وحلو أَو حامض، إِلَّا أوسعته علما وبيانا، وأريتك الْحق عيَانًا. قلت صف لي الْبِلَاد وَصفا لَا يظلم مِثْقَالا، وَلَا يعْمل فِي غير الصدْق وخدا وَلَا أرقالا، وَإِذا قُلْتُمْ فأعدلو، وَمن أحسن من الله مقَالا. قلت انفض لي الْبِلَاد الأندلسية من أطرافها، وميز بميزان الْحق بَين اعتدالها وانحرافها، ثمَّ اتلها بالبلاد المرينية نسقا، واجل بِنور بيانك غسقا، وهات مَا تَقول فِي جبل الْفَتْح. قَالَ. فَاتِحَة الْكتاب من مصحف ذَلِك الإقليم، ولطيفة السَّمِيع الْعَلِيم، وقصص المهارق، وأفق البارق، ومتحف هَذَا الوطن المباين للْأَرْض المفارق، بِأَهْل العقيق وبارق، ومحط طارقها بِالْفَتْح طَارق، وارم الْبِلَاد الَّتِى لم يخلق مثلهَا فِيهَا، وَذُو المناقب الَّتِى لَا تحصرها الْأَلْسِنَة وَلَا توفيها، حجره الْبَحْر حَتَّى لم يبْق إِلَّا خصر، فَلَا يَنَالهُ من غير تِلْكَ الفرصة منيق وَلَا حصر. وأطل بأعلاه قصر، وأظله فتح من الله وَنصر، سَاوَى سُورَة الْبَحْر فأعياه، قد تهلل بالكلس محياه، واستقبل الثغر الْغَرِيب فحياه، واطرد صنع الله فِيهِ من عَدو يَكْفِيهِ، ولطف يخفيه، وداء عضال يشفيه، فَهُوَ خلْوَة الْعباد، ومقام العاكف والباد، ومسلحة من وَرَاءه من الْعباد، وشقة الْقُلُوب الْمسلمَة والأكباد. هَوَاهُ صَحِيح وثراه بالخزين سحيح، ونجر الرِّبَاط فِيهِ ربيح، وحماه لِلْمَالِ وَالْحرم غير مُبِيح، وَوَضعه الْحسن لَا يشان بتقبيح

стр. 813

إِلَّا أَنه، وَالله يَقِيه [مِمَّا يتقيه] بعيد الأقطار، هماز بالقطار، كثير الرِّيَاح والأمطار، مكتنف بالرمل المخلف، والجوار الْمُتْلف قَلِيل الْمرَافِق، مَعْدُوم المشاكل والمرافق، هزل الكراع، لعدم الأزدراع، حاسر الذِّرَاع للقراع، مرتزق من ظلّ الشراع، كورة دبر، ومعتكف أزل وصبر، وساكنه حَيّ فِي قبر: (هُوَ الْبَاب إِن كَانَ التزاور للقيا ... وغوث وغيث للضريح وللسقيا) (فَإِن تطرق الْأَيَّام فِيهِ بحادث ... وأعزز بِهِ قُلْنَا السَّلَام على الدُّنْيَا) قلت، فأسطبونه قَالَ، عَفا رسمها، وبقى اسْمهَا وَكَانَت مَظَنَّة النعم الغزيرة، قبل حَادِثَة الجزيرة. قلت فمربلة، قَالَ بلد التاذين على السرذين، وَمحل الدُّعَاء والتأمين لمطعم الْحُوت السمين، وحد ذَاتهَا مفرس الْعِنَب الْقَدِيم الْفرس إِلَى قبَّة أرين، إِلَّا أَن مرْسَاها غير أَمِين، وعقارها غير ثمين، ومعقلها تركبه الأَرْض من عَن شمال وَيَمِين. قلت، فسهيل قَالَ حصن حُصَيْن، يضيق عَن مثله هِنْد وصين، وَيَقْضِي بفضله كل ذِي عقل رصين، سَبَب عزه متين، ومادة قوته شعير وتين، قد علم أَهله مشربهم، وأمنوا مهربهم، وأسهلت بَين يَدَيْهِ قراه ماثلة بِحَيْثُ يرَاهُ، وجاد بالسمك واديه، وبالحب ثراه، وَعرف شَأْنه بِأَرْض النّوبَة وَمِنْه يظْهر سُهَيْل من كواكب الْجنُوب، إِلَّا أَن سواحله فل الْغَارة البحرية، ومهبط السّريَّة غير السّريَّة، الخليقة بالحذر الْحُرِّيَّة، مسرح السايمة الأميرية، وخدامها كَمَا علمت أُولَئِكَ هم شَرّ الْبَريَّة. قلت فمدينة مالقة، قَالَ، وَمَا القَوْل فِي الدرة الوسيطة، وفردوس هَذِه البسيطة، أشهد لَو كَانَت سُورَة، لغرقت بهَا حدقة الْإِطْعَام، أَو يَوْمًا لكَانَتْ

стр. 814

عيدا فِي الْعَام، تبِعت لَهَا بِالسَّلَامِ مَدِينَة السَّلَام، وتلقي لَهَا يَد الاستسلام محَاسِن بِلَاد الْإِسْلَام، إِلَى دَار، وقطب مدَار، وهالة إبدار، وكنز تَحت جِدَار، قصبتها مضاعفة الأسوار، مصاحبة للسنين، مُخَالفَة للأدوار، قد برزت فِي أكمل الأوضاع، وأجمل الأطوار، كرْسِي ملك عَتيق، ومدرج مسك فتيق، وإيوان أكاسرة، ومرقب عِقَاب كاسرة، ومجلى فاتنة حَاسِرَة، وصفقة غير خاسرة، فحماها منيع حريز، وديوانها ذهب إبريز وَمذهب فخار هاله على لآماكن تبريز [إِلَى مَدِينَة تبريز] وحلل بدائعها بالبدائع ذَات تطريز. اضطبنت دَار الأسطول، وساويت الْبَحْر بالطول، واسندت إِلَى جبل الرَّحْمَة ظهرهَا، واستقبلت ملعبها ونهرها، ونشقت وردهَا الأرج وزهرها، وَعرفت قدرهَا فأغلت مهرهَا، وَفتحت جفنها على الجفن غير الغضيض، والعالم الثَّانِي مَا بَين الأوج إِلَى الحضض، دَار الْعَجَائِب المصنوعة، والفواكه غير المقطوعة والممنوعة، حَيْثُ الْأَوَانِي تلقى لَهَا يَد الغلب، ضائع حلب وَالْحلَل الَّتِي تلج صنعا فِيهَا بِالطَّلَبِ، وَتَدْعُو إِلَى الجلب، إِلَى الدست الرهيف ذِي الْوَرق الهيف، وَكفى برمانها حقاق ياقوت، وأمير فَوت، وزائرا غير ممقوت، إِلَى المؤاساة، وتعددت الأساة وإطعام الجائع، والمساهمة فِي الفجائع، وَأي خلق أسرى من استخلاص الأسرى، تبرز مِنْهُم المخدرة حسرى، سامحة بسواريها، وَلَو كَانَا سواري كسْرَى، إِلَى الْمقْبرَة الَّتِي تسرح بهَا الْعين، ويستهان فِي ترويض روضاتها الْعين، إِلَى غللها المحكمة الْبُنيان، الماثلة كنجوم السما للعيان، وافتراض سكناهَا، أَوَان الْعَصْر على الْأَعْيَان، ووفور أولى المعارف والأديان: (وَأحسن الشّعْر مِمَّا أَنْت قَائِله ... بَيت يُقَال إِذا أنشدته صدقا) وعَلى ذَلِك فطينها يشقى بِهِ فطينها، وأزبالها تحيي بهَا سبالها، وسروبها يستمد)

стр. 815

مِنْهَا مشروبها، فسحبها متغيرة، وكواكب أذمانها النيرة متحيرة، وأقطارها جد شاسعة، وأزقتها حرجة غير وَاسِعَة، وآبارها تفسدها أدبارها، وطعامها لَا يقبل الاختزان، وَلَا يحفظ الْوزان، وفقيرها لَا يُفَارق الأحزان، وجوعها يَنْفِي بِهِ هجوعها، تحث على الأمواج أقواتها، وَتَعْلُو على الموازين غير الْقسْط أصواتها، وأرحيتها تطرقها النوائب، وتصيب أهدافها السِّهَام الصوائب وتعدلها الجنايب، وتستخدم فِيهَا الصِّبَا والجنايب، وديارها الآهلة، قد صم بالنزائل صداها، وأصبحت بَلَاقِع بِمَا كسبت يداها، وَعين أعيانها أثر، ورسم مجادتها قد دثر، والدهر لَا يَقُول لَهَا لمن عثر، وَلَا ينظم شملا إِذا انتثر، وَكَيف لَا يتَعَلَّق الذام، بِبَلَد يكثر بِهِ الجذام، عِلّة بلواه آهلة، والنفوس بمعرة عدواه جاهلة. ثمَّ تَبَسم عَن انْشِرَاح صدر، وَذكر قصَّة الزبْرِقَان بن بدر: (تَقول هَذَا مجاج النَّحْل تمدحه ... وَإِن ذممت فَقل فيىء الزنابير) (مدح وذم وَعين الشي وَاحِدَة ... إِن الْبَيَان يرى الظلماء فِي النُّور) قلت فبلش قَالَ جادها الْمَطَر الصيب، فَنعم الْبَلَد الطّيب، حلى وَنحر، وبر وبحر، ولوز وتين، وسبت من الْأَمْن متين، وبلد أَمِين وعقار ثمين، وفواكه من عَن شمال وَيَمِين، وفلاحة مدعي إنجابها لَا يَمِين. إِلَّا أَن التشاجر بهَا أقمى من الشّجر، والقلوب أقسى من الْحجر، ونفوس أَهلهَا بَيِّنَة الْحَسَد والضجر، وشأنها غيبَة ونممة، وخبث مَا بهَا على مَا سوخ الله من آلائها ثميمة. قلت فقمارش، قَالَ مُودع الوفر، ومحط السّفر، ومزاحم الفرقد والقفر، حَيْثُ المَاء الْمعِين، والقوت الْمعِين، لَا تخامر قلب الثائر بِهِ خطْوَة وجله. إِلَّا من أَجله. طالما فزعت إِلَيْهِ النُّفُوس الْمُلُوك الأخاير بالذخاير، وَشقت

стр. 816

عَلَيْهِ أكواس المرائر فِي الضرائر، وَبِه الأعناب الَّتِي راق بهَا الجناب، والزياتين، واللوز والتين، والحرث الَّذِي لَهُ التَّمْكِين، وَالْمَكَان المكين، إِلَّا أَنه عدم سهله، وَعظم جَهله، فَلَا يصلح فِيهِ إِلَّا أَهله. قلت فالمنكب قَالَ مرفأ السفن ومحطها، ومنزل عباد الْمَسِيح ومختطها بَلْدَة معقلها منيع، وبردها صقيع، ومحاسنها غير ذَات تقنيع. الْقصر المفتح الطيقان، الْمُحكم الإتقان، وَالْمَسْجِد المشرف الْمَكَان، والأثر المنبي عَن كَانَ وَكَانَ، كَأَنَّهُ مبرد وَاقِف أَو عَمُود فِي يَد مثاقف، قد أَخذ من الدَّهْر الْأمان، وتشبه بصرح هامان، وأرهفت جوانبه بالصخر المنحوت، وَكَاد أَن يصل مَا بَين الْحُوت والحوت. غصت بقصب السكر أرْضهَا، واستوعب بهَا طولهَا وعرضها، زبيبها فائق، وجنابها رائق، وقدمت إِلَيْهَا جبل الشوار، بِنسَب الْجوَار، فَنَشَأَ الأسطول، فوعدها غير ممطول، وأمده لَا يحْتَاج إِلَى الطول، إِلَّا أَن اسْمهَا مَظَنَّة طيرة تشتنف، والتنكيب عَنْهَا يوتنف، وطريقها يمْنَع شَرّ سلوكها، من تودد مُلُوكهَا، وهواؤها فَاسد، ووبأها مستأسد، وجارها حَاسِد، فَإِذا التهبت السَّمَاء، وتغيرت بالسمائم المسميات والأسماء، فأهلها من أجداث بُيُوتهم يخرجُون، وَإِلَى جبالها يعرجون، والودك إِلَيْهَا مجلوب، والقمح بَين أَهلهَا مقلوب، وَالصَّبْر إِن لم يَبْعَثهُ الْبَحْر مغلوب، وَالْحر مَا يعراها وَالْحر بِدَم الْغَرِيب مَطْلُوب. قلت فشلوبانية، قَالَ أُخْتهَا الصُّغْرَى ولدتها، الَّتِي يشغل بهَا الْمُسَافِر، ويعزى حصانه معقل، وموقب متوقل، وَغَايَة طَائِر، وممتنع ثَائِر، ومتنزه زائر، تركب برهَا الجداول المرفوعة، وتخترق وجهاتها المذانب المنفردة

стр. 817

والمشفوعة، فَفِي المصيف، تلعب بِالْعقلِ الحصيف، وَفِي الخريف يسفر عَن الخصب والريف، وحوت هَذِه السواحل أغزر من رمله، تغرى القوافل إِلَى الْبِلَاد بِحمْلِهِ، إِلَى الْخضر الباكرة، وَالنعَم الحامدة للمرء الشاكرة، وَكفى بمترايل من بسيطها محلّة مَشْهُورَة، وعقيلة ممهورة، ووادعة فِي غير السهل مبهورة، جَامعهَا حافل، وَفِي حلَّة الْحسن رافل، إِلَّا أَن أرْضهَا مستخلص السُّلْطَان، بَين الأوطان، ورعيتها عديمة الْأَعْيَان، مروعة على الأحيان، وتختص شلوبانية بمزية الْبُنيان، وَلكنهَا غَابَ الْحَيَّات الحميات، غير أمينة على الافتيات، وَلَا وسيمة الفتيان والفتيات. قلت فبرجة، قَالَ تَصْحِيف وتحريف، وتغيير فِي تَعْرِيف، مَا هِيَ إِلَّا بهجة نَاظر، وشرك خاطر، ونتيجة عَارض ماطر، ودارة نفس عاطر، عقارها ثمين، وحرمها أَمِين، وحسها باد وكمين، عُقُود أعنابها قد قرطت أَذَان الميس والحور، وعقائل أدواحها، مبتسمة عَن ثغور النُّور [وبسيطها متواضع عَن النجد، مترفع عَن الْغَوْر] وعينها سلسالة، وسنابك المذانب مِنْهَا مسالة تحمل إِلَى كل جِهَة رِسَالَة، ودروها فِي العرا مبثوثة، وركائب النواسم بَينهَا محثوثة، لَا تَشْكُو بِضيق الْجوَار، واستكشاف العوار، وتزاحم الزوار، مياه وظلال، وَشَجر وحلال، وَخلق دمث كثراها، ومحاسن مُتعَدِّدَة كقراها، ولطافة كنواسمها عِنْد مسراها، وأعيان ووجوه نجل الْعُيُون، بيض الْوُجُوه، غلتهم الْحَرِير، ومجادتهم غنية عَن التَّقْرِير، إِلَّا أَن متبوأها بسيط مطروق، وقاعدتها فروق، ووتدها مطروق ومعقلها خرب، كَأَنَّهُ أحدب جرب، إِن لم ينْقل إِلَيْهِ المَاء برح بِهِ الظمأ. وَللَّه در صاحبنا إِذْ يَقُول:

стр. 818

(يَا بسيطا بمعاني برجة ... أصبح الْحسن بهَا مشتهرا) (لَا تحرّك بفخار مقولا ... فَلَقَد ألقمت مِنْهَا حجرا) وَالْبر بهَا ندر الْوُجُود وَاللَّحم تلوه، وهما طيبتا الْوُجُود، والحرف بهَا ذواية الْعود، والمسلك إِلَيْهَا بعيد الصعُود قلت فدلاية، قَالَ خير رِعَايَة وَولَايَة، حَرِير ترفع عَن الثّمن، وملح يُسْتَفَاد على مر الزَّمن، ومسرح مَعْرُوف، وَأَرْض ينْبت بهَا جبن وخروف، إِلَّا أَنَّهَا كسرايا الْعَدو البحري، مجر العوالي، وَمحل الفتكات على التوالي، فطريقها صور ومشاهد، والعارف بهَا زاهد. قلت فمدينة ألمرية، قَالَ ألمرية هنيَّة مرية، بحريّة بَريَّة، أصيلة سَرِيَّة، معقل الشُّيُوخ والإباية، ومعدن المَال وعنصر الجباية، وجندة الأسطول غير الْمُعَلل وَلَا الممطول، ومحط التُّجَّار وكرم النجار، ورعى الْجَار، مَا شِئْت من أَخْلَاق معسولة، وسيوف من الجفون السود مسلولة، وتكك محلولة، وحضارة تعبق طيبا، وتتأود دوحا رطيبا، ووجوه لَا تعرف تقطيبا، لم تزل مَعَ الظّرْف دَار نساك، وخلوة اعْتِكَاف وإمساك، أرْغم أَهلهَا أنف الصَّلِيب لما عجم، مِنْهَا بِالْعودِ الصَّلِيب، وَألف لامها وألفها حكم التغليب، فَانْقَلَبَ مِنْهَا آيسا عِنْد التقليب: (يسائل عَن أهل المرية سَائل ... وَكَيف ثبات الْقَوْم والردع يَاسر) (قطا دارج فِي الرمل فِي يَوْم لِدَة ... وَلَهو وَيَوْم الروع فتح كواسر) بحرها مرفأ السفن الْكِبَار، وكرسيها هُوَ الْعَزِيز عِنْد الِاعْتِبَار،، وقصبتها سلوة الحزين وفلك المتنزهين، وَهِي مَحل الفلل المجدية، والأندية المشفوعة الأردية، ولواديها المزية على الأودية، حجَّة النَّاظر الْمفْتُون، المكسو الحصور

стр. 819

والمتون، بالأعناب وَالزَّيْتُون، بلد الخام والرخام، والذمم الضخام، وحمتها بديعة الْوَصْف، محكمَة الرصف، مَقْصُودَة العلاج والقصف، حرهَا شَدِيد، وَذكرهَا طَوِيل مديد، وأثرها على الْبِلَاد جَدِيد، إِلَّا أَن مغارمها ثَقيلَة، وصفحة جوها فِي المحول صقيلة، وسماؤها بخيلة، وبروقها لَا تصدق مِنْهَا مخيلة دبلالة النطية، منزورة الطية، وسعرها لَيْسَ من الأسعار الوطية، ومعشوق الْبر بهَا قَلِيل الْوِصَال، وَحمل الْبَحْر صَعب الفصال، وَهِي متوقعة إِلَّا أَن يقي الله طُلُوع النصال، دعاة النصال. قلت فطيرنش من شرقها، قَالَ حَاضِرَة الْبِلَاد الشرقية، وثنية البارقة الأفقية، ماشئت من تنجيد بَيت، وعصير وزيت، وإحياء أنس ميت، وحمام طيب، وشعاب شرفيه دَنَانِير أبي الطّيب، إِلَّا أَنَّهَا محيلة الغيوث عَادِية الليوث متحزبة بالأحزاب، شرهة الأعزاب، وَلَو شكر الْغَيْث شعيرها، أخصب الْبِلَاد عيرها. قلت فبيرة، قَالَ بَلْدَة صَافِيَة الجو، رحيبة الدو، يسرح بهَا الْبَعِير، ويحجم بهَا الشّعير، ويقصدها من مرسية وأحوازها العير، فساكنها بَين تجر، وابتغاء أجر، وواديها نيلى الفيوض والمدود، مصري التخوم وَالْحُدُود، إِن بلغ إِلَى الْحَد الْمَحْدُود، فَلَيْسَ رزقها بالمحصور وَلَا بالمعدود، إِلَّا أَنَّهَا قَليلَة الْمَطَر، مُقِيمَة على الْخطر، مثلومة الْأَعْرَاض والأسوار، مهطعة لداعي الْبَوَار، خَلِيقَة الْحسن المغلوب، معللة بِالْمَاءِ المحلوب، آخذة بأكظام الْقُلُوب، خاملة الدّور، قَليلَة الْوُجُوه والصدور، كَثِيرَة المشاجرة والشرور، برهَا أنذر من برهَا، فِي الْمُعْتَمِر والبور، وزهد أَهلهَا فِي الصَّلَاة شَائِع فِي الْجُمْهُور، وَسُوء ملكة الأسرى بهَا من الذائع بهَا وَالْمَشْهُور: (مَا قَامَ خيرك يَا زمَان بشره ... أولى لنا مَا قل مِنْك وَمَا كفا)

стр. 820

قلت فمحاقر، قَالَ حصن جَدِيد، وَخير مديد، وبحر مَا على إفادته مزِيد وخصب ثَابت وَيزِيد، ساكنه قد قضى الْحَج أَكْثَره، وَظهر عين الْخَيْر فِيهِ وأثره، إِلَّا أَنه لَا تلقى بِهِ للْمَاء بلالة، وَلَا يسْتَشف للجود علالة. قلت فقتورية، قَالَ يسَار يَمِينهَا، وغبار كمينها، ومعمول يَمِينهَا، يجود بهَا الْجُبْن وَالْعَسَل، وَفِي دونهَا الأسل، وَأما الْخَبَر فَلَا تسل، وَإِن كَانَت أحسن شكلا، فَأَقل شربا وأكلا، وأحما أَهلا، وآسد جملا، وأعدم علا ونهلا. وَأَهْلهَا شرار، أضلعهم بالظمإ حرار، لَا تلفى بهَا نبعة مَاء، وَلَا تعدم مشقة ظمإ، وَلَا تتوج أفقها إِلَّا فِي الندرة قرعَة سما. قلت فبرشانة، قَالَ حصن مَانع، وجناب يَانِع، أَهلهَا أولو عَدَاوَة لأخلاق البداوة، وعَلى وُجُوههم نَضرة، وَفِي أَيْديهم نداوة، يدادون بالسلافة على الْخلَافَة، [ويؤثرون لَذَّة التَّخَلُّف على لَذَّة الْخلَافَة] ، فَأصْبح ربعهم ظرفا قد ملىء ظرفا، فللمجون بهَا سوق، وللعيون ألف سوق، تشمر بِهِ الأذيال عَن سوق، وَهِي تلين بعض بَيَان من أَعْيَان، وعَلى وُجُوه نسوانها طلاقة، وَفِي ألسنتهن ذلاقة، ولهن بالسفارة من الْفُقَرَاء علاقَة، إِلَّا أَن جفنها لَيْسَ ندي، سور يَقِيه مِمَّا يتقيه، ودعدها يتَكَلَّم على فِيهِ، وحليها يشقى بالسفيه، ومحياها تسكن حَيَّة الْجور فِيهِ. قلت فأورية، قَالَ الْجُبْن وَالْعَسَل، والهوا الَّذِي يذهب بِهِ الكسل. وَأما عَن المَاء البرود فَلَا تسل، أدامه الصَّيْد الَّذِي لَا يتَعَذَّر، وقوته الشّعير الَّذِي يبذر. إِلَّا أَنه بَادِي الوحشة والانقطاع، والإجابة لداعي الْمُخَالفَة والإهطاع، وحيش الجناب عرى من شجرات النّخل وَالْأَعْنَاب، حَقِيقَة لمعرة الْعَدو بالاجتناب. قلت فبلش، قَالَ نفر قصي، وقياد على الْأمان عصي، ويتيم لَيْسَ عَلَيْهِ

стр. 821

غير الْعد وَصِيّ، مَاؤُهُ معِين، وصوره عين، وخلوته على النّسك وسواه تعين، وَبِه الْحمام، والعطف الجمام، ولأهله بالصيادة اهتمام، وعسله إِذا لطفت العسول إِمَام، إِلَّا أَنَّهَا بَلْدَة مُنْقَطِعَة باينة، وبأحواز الْعَدو كائنة، ولحدود لورقة، فتحهَا الله مُشَاهدَة مُعَاينَة، وبرها الزهيد الْقَلِيل يتحف بِهِ العليل، وسبيل لِأَن إِلَيْهَا غير سَبِيل، ومرعاها لسوء الْجوَار وبيل. قلت فمدينة بسطة، قَالَ، وَمَا بسطة بلد خصيب، ومدينة لَهَا من اسْمهَا نصيب، دوحها متهدل، وَطيب هوائها غير متبدل، وناهيك من بلد اخْتصَّ أَهلهَا بالمران فِي معالجة الزَّعْفَرَان، وامتازوا بِهِ عَن غَيرهم من الْجِيرَان، عَمت أرْضهَا السقيا فَلَا تخلف، وشملتها الْبركَة تخْتَص من يَشَاء الله ويزلف، يَتَخَلَّل مدينتها الْجَدْوَل المتدافع والناقح للغلال النافع، ثِيَاب أَهلهَا بالعبير تتأرج، وحورها تتجلى وتتبرج، وولدانها فِي شط أنهارها المتعددة تتفرج، وَلها الفحص الَّذِي يُسَافر فِيهِ الطّرف سعيا، وَلَا تعدم السَّائِمَة بَدْرِيًّا وَلَا رعيا. وَللَّه در الْقَائِل. (فِي بَلْدَة عودت نَفسِي بهَا ... إِذْ فِي أسماطه وَيَاسِين) (ألجأني الدَّهْر إِلَى عَالم ... يُؤْخَذ عَنهُ الْعلم وَالدّين) إِلَّا أَن تربها تفصح الْبَنَّا، فَإِن صَحبه الاعتنا، فأسواره تسْجد عِنْد الْإِقَامَة، وخندقها لإكسارها تلقامه، فَهِيَ لذَلِك غير دَار المقامة، ورياحها عَاصِفَة، ورعودها قاصفة، وحاميتها تنظر إِلَى الْهياج من خلف سياج، والعدو فِيهَا شَدِيد الفتكات معمل الحركات، وساكنها دَائِم الشكاة، وَحدهَا فليل، وأعيانها قَلِيل وعزيزها المتوقع الْمَكْرُوه ذليل. قلت فأشكر قَالَ نعم الْبَسِيط المديد، والرزق الْجَدِيد، والسقي العديد،

стр. 822

وَالصَّيْد والقديد، تركب الجداول فحصها، ويأبى الْكَمَال نَقصهَا، ويلازم ظلّ الخصب شخصها، مسرح للبهائم، ومعدن للربيع الدَّائِم، إِلَّا أَن معقلها لَا يمْنَع، ومكانها يحوم عَلَيْهِ الْحَادِث الأشنع، ونفوس أَهلهَا مستسلمة لما الله يصنع. قلت فأندرش، قَالَ عنصر جباية، ووطن بهم أولى باية، حريرها ذهب، وتربها تبر منتهب، وماؤها سلسل، وهواؤها لَا يلفي مَعَه كسل، إِلَّا أَنَّهَا ضيقَة الأحواز والجهات، كَثِيرَة المعابر والفوهات، عديمة الْفرج والمتنزهات، كَثِيرَة المغارم، مستباحة الْمَحَارِم، أغرابها أولو استطالة، وأنباء مُتْرَفِيهَا كثير البطالة، فَلَا يعْدم ذُو الضَّرع وَالزَّرْع عُدْوانًا، وَلَا يفقد عين الشَّرّ نزقانا، وطريقها غير سوي، وشأنها ضَعِيف يشكو من قوى. قلت فقنالش، قَالَ مَعْدن حَرِير خلصت سنابكه، وأثرى بزازه وحابكه وتهدلت حجاله، وتمهدت أرائكه، وجبايته سهل اقتضاؤها، وجمت بيضاؤها، إِلَّا أَنه وَطن عدم إدامه، وبليت ظهر اهتدامه، وفقدت بِهِ حيل التعيش وأسبابه، وَمحل لَا هيم فِيهِ إِلَّا أربابه. قلت فمدينة وَادي آش، قَالَ مَدِينَة الوطن، ومناخ من غبر أَو قطن، للنَّاس مَا بدا وَالله مَا بطن، وضع سديد، وبأس شَدِيد، ومعدن حَدِيد، وَمحل

стр. 823

عدَّة وعديد، وبلد لَا يعتل مِنْهُ إِلَّا النسيم، ومرأى يخجل مِنْهُ الصَّباح الوسيم، كَثِيرَة الجداول والمذانب، مخضرة الجوانب، إِلَى الْفَوَاكِه الْكَثِيرَة والكروم الأثيرة، والسقى الَّذِي يسد الْخلَّة، ويضاعف الْعلَّة، وسندها مَعْدن الْحَدِيد وَالْحَرِير، ومعقلها أهل للتاج والسرير، وَهِي دَار أَحْسَاب وإرث وإكتساب، وآداب وحساب، وماؤها مجاج الجليد، وهواؤها يذكى طبع البليد، إِلَّا أَن ضعيفها يضيق عَلَيْهِ المعاش، وتافهها يتَعَذَّر عَلَيْهِ الانتعاش، وشيخها يَسْطُو على عصبه الارتعاش، فَهِيَ ذَات برد، وَعكس وطرد، ماشئت من لحي راعد، ومقرور على الْخمر قَاعد، وَنَفس صاعد، وفتنة يعد بهَا وَاعد، وشرور تسل الخناجر، وفاخر يَسْطُو بفاجر، وكلف يُهَاجر، واغتمام تبلغ بِهِ الْقُلُوب الْحَنَاجِر، وزمهرير تجمد لَهُ الْمِيَاه، فِي شهر ناجر، وعَلى ذَلِك فدرتها أسمح للحالب، ونشيدها أقرب للطَّالِب، ومحاسنها أغلب، وَالْحكم للْغَالِب. قلت ففنيانة، قَالَ مَدِينَة، وللخير خدينة، مَا شِئْت من ظبى غزير، وَعصب طرير، وغلة حَرِير، وَمَاء نمير، ودوام للخزين وتعمير، إِلَّا أَن بردهَا كثير، ووقودها نثير، وشرارها لَهُم فِي الْخِيَار تَأْثِير. قلت فمدينة غرناطة، قَالَ حَضْرَة سنية، وَالشَّمْس عَن مدح المادح غنية، كَبرت عَن قيل وَقَالَ، وحلت عرقا من وَقَالَ، وقيدت الْعقل بعقال، وَأمنت لحَال حسنها من انْتِقَال، لَو خيرت فِي حسن الْوَضع لما زَادَت وَصفا، وَلَا أحكمت رصفا، وَلَا أخرجت أرْضهَا ريحانا وَلَا عصفا، وَلَا أخذت بأشتات الْمذَاهب وأصناف الْمَوَاهِب حدا وَالنَّبِيّ قُولُوا لَو وورولو وَلَا قصفا، كرسيها ظَاهر الإشراف، مطل على الْأَطْرَاف،

стр. 824

وديوانها مَكْتُوب بآيَات الْأَنْفَال والأعراف، وهواؤها صَاف، وللأنفاس مصَاف، حجبت الْجنُوب عَنْهَا الْجبَال، فأمنت الوبا والوبال، وَأصْبح ساكنها غير مبال، وَفِي جنَّة من النبال، وانفسحت للشمال، واستوفت شُرُوط الْكَمَال، وَانْحَدَرَ مِنْهَا مجاج الجليد على الرمال، وانبسط بَين يَديهَا المرج، الَّذِي نَضرة النَّعيم لَا تُفَارِقهُ ومدرار النسيم تعلن بهَا مفارقه، ريع من واديه ثعبان مُبين، أَن لدغ ثلول شطه، ثلها للجبين، وَولد حيات المذانب عَن الشمَال وَالْيَمِين، وقلد مِنْهَا اللبات سلوكا تأتى من الْحَصْبَاء بِكُل در ثمين، وَترك الأَرْض مخضرة، تغير من خضراء السَّمَاء ضرَّة الأزهار مفترة، والحياة الدُّنْيَا بزخرفها مغترة. (أَي وَاد أَفَاضَ من عَرَفَات ... فَوق حمرائها أتم إفَاضَة) (ثمَّ لما اسْتَقل بالسهل يجْرِي ... شقّ مِنْهَا بحلة فضفاضة) (كلما انساب كَانَ غصنا صقيلا ... وَإِذا مَا اسْتَدَارَ كَانَ نفاضة) فتعددت الْقرى والجنات، وحفت بالأناث مِنْهَا الْبَنَات، ورف النَّبَات، وتدبجت الجنبات، وتقلدت اللبات، وَطَابَتْ بالنواسم الهبات، ودارت الأسوار دور السوار للمنى والمستخلصات، ونصبت للروض المنصات، وَقعد سُلْطَان الرّبيع لعرض القصات، وخطب بلبل الدوح فَوَجَبَ الْإِنْصَات، وتمرجت الأعناب، واستنجر بِكُل عذب لجنانها الجناب، وزينت السَّمَاء الدُّنْيَا من الأبراج العديدة بأبراج، ذَوَات دقائق وأدراج، وتنفست الرّيح عَن أراج، أذكرت الْجنَّة كل أمل عِنْد الله وراج، وتبرجت بحمرائها الْقُصُور مبتسمة عَن بيض الشرفات، سافرة عَن صفحات القباب المزخرافات، تقذف بِالنَّهَارِ من بعد المرتقى فيوض بحارها الرزق، وتناغى أذكار المآذن بأسحارها، نغمات الْوَرق، وَكم أطلقت من أقمار وأهلة، وربت من مُلُوك جلة، إِلَى بَحر التمدن

стр. 825

الْمُحِيط الاستدارة، الصادع عَن الْأَحْكَام والإدارة، ذِي المحاسن عير المعارة، المعجزة لِسَان الْكِتَابَة والاستعارة، حَيْثُ الْمَسَاجِد العتيقة الْقَدِيمَة، والميازب الْمُحَافظَة للري المديحة، والجسور العريقة، والعوائد المقررة تَقْرِير الْفَرِيضَة، والأسواق المرقومة الإطراق، بنفائس الأذواق، وَالْوُجُوه الزهر، والبشرات الرفاق، والزي الَّذِي فاق زِيّ الأوان، وملأ قُلُوب الْمُؤمنِينَ بالإشفاق. ... (بلد جللها الله سناء وسنا ... وَأجر السعد منحل لَدَيْهَا رسنا) (قد أجرت سكرا احما وَرِزْقًا حسنا ... أعجزت عَن مُنْتَهى الْفَخر الْبعيد اللسنا) يروقك فِي أطراقها حسن الصُّورَة وجمالها. وطرف الصنايع وكمالها، والفعلة وأعمالها، حَتَّى الأطلال وانهمالها وَالسُّؤَال وأسمائها. (كل عَلَيْهِ من المحاسن لمحة ... فِي كل طور للوجود تطورا) (كالروض يعجب فِي ابتدانباته ... وَإِذا استجم بِهِ النَّبَات ونورا) (وَإِذا الْجمال الْمُطلق استشهدته ... ألغيت مَا انتحل الخيال وزورا) ثمَّ قَالَ، أَي أَمْرِي عري عَن مَخَافَة، وَأي حصافة لَا تقَابلهَا سخافة، وَلكُل شَيْء آفَة، لَكِنَّهَا وَالله بردهَا يطفىء حر الْحَيَاة، وَيمْنَع الشفاه عَن رد التَّحِيَّات، وأسعارها يشمر معيارها بالترهات، وعدوها يعاطي كؤوس الْحَرْب بهاك وهات، إِلَى السكَك الَّتِي بَان خمولها، وَلم يقبل الْمَوْضُوع محمولها، وَالْكرب الَّذِي يجده الْإِنْسَان فِيهَا صَادف إِضَافَة أَو ترفيها، والمكوس الَّتِي تطرد الْبركَة وتلقيها إِلَى سوء الْجوَار، وجفاء الزوار، ونزالة الديار، [وَغَلَاء الْخشب والجيار، وكساد المعايش عِنْد الِاضْطِرَار وامعان الْمَقَابِر وَهِي دَار الْقَرار] وَقصر الْأَعْمَار،

стр. 826

وَاسْتِحْلَال الْغَيْبَة والأسحار، واحتقار أولى الْفضل وَالْوَقار، والتنافس فِي الْعقار، وَالشح فِي الدِّرْهَم وَالدِّينَار، باليم وَالنَّار، ثمَّ قَالَ اللَّهُمَّ غفرا، وَإِن لم نقل كفرا، إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ، وبغفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء. وَللَّه در أبي الْعَتَاهِيَة إِذْ يَقُول: (أَصبَحت الديار لنا فتْنَة ... وَالْحَمْد لله على ذلكا) (اجْتمع النَّاس على ذمها ... وَمَا نرى مِنْهُم لَهَا تَارِكًا) قلت فالحمة، قَالَ، أجل الصَّيْد والحجل وَالصِّحَّة، وَإِن كَانَ الْمُعْتَبر الْأَجَل، وتورد الخدود وَإِن لم يطرقها الخجل، والحصانة عِنْد الْهَرَب من الريب، وَالْبر كَأَنَّهُ قطع الذَّهَب، والحامة الَّتِي حَوْضهَا يفهق بالنعيم، مبذولة للخامل والزعيم، تَحت ثنيتها بِالنّسَبِ إِلَى ثنية التَّنْعِيم، قد ملأها الله اعتدالا، فَلَا تَجِد الْخلق اعتياضا وَلَا استبدالا، وأنيط صخرتها الصماء عذبا زلالا، قد اعتزل الكور اعتزالا، لَكِن مزارعها لَا ترْوِيهَا الجداول، وَلَا ينجدها إِلَّا الْجُود المزاول، فَإِن أخصب الْعَام، أعيي الطَّعَام، وَإِن أخلف الإنعام، هَلَكت النَّاس والأنعام، والفواكه يطرف بهَا الجلب، وتزر عَلَيْهَا العلب، وعصيرها لَا يَلِيق لَا بِالْأَكْلِ وَلَا يصلح للحلب، وبردها شَدِيد، وَإِن لم يقْض بِهِ المنقلب. قلت فصالحة، قَالَ. لَوْلَا أَنَّهَا مناخ لم تذكر، فَلَيْسَتْ مِمَّا يذم وَلَا يشْكر، وَإِن كَانَ مَاؤُهَا فضيا، وَوجه جوها وضيا، وعصيرها مرضيا، وَرِزْقهَا أرضيا، وفضلها ذاتيا لَا عرضيا، فَهِيَ مهب نسف، وَدَار خسف، وَأَهْلهَا بهم لَيْسَ لأحد مِنْهُم فهم. قلت فإلبيرة ومنتفريد، قَالَ بَلَدا ارتفاق بِإِجْمَاع وإصفاق، مَعْدن الْبر

стр. 827

الذكى، وَالصَّيْد الذكي، وهما ذَا شَاهِق، ومصرخ ناهق، ومعدن بر فائق، إِن لم يعق من عَدو القلعة عائق. قلت فلوشة قَالَ مرأى بهيج، ومنظر يروق ويهيج، ونهر سيال، وغصن مياد ميال، وجنات وعيون، ولذات لَا تمطل بهَا دُيُون، وجداول تنضح بهَا الجوانح، ومحاسن يشغل بهَا من وَكره السايح، وَنعم يذكر بهَا الْمَائِع المانح، مَا شِئْت من رحى تَدور، ونطف تشفى بهَا الصُّدُور، وصيد ووقود، وإعنات كلما زانت اللبات عُقُود، وأرانب تحسبهم أيقاظا وهم رقود، إِلَى مَعْدن الْملح، ومعصر الزَّيْت، وَالْخضر المتكلفة بخصب الْبَيْت، والمرافق الَّتِي لَا تحصر إِلَّا بعد الكيت، وَالْخَارِج الَّذِي عضد مسحة الملاحة بجدوى الفلاحة، إِلَّا أَن داخلها حرج الْأَزِقَّة، أَحول أَهلهَا مائلة إِلَى الرقة، وأزقتها قذرة، وَأَسْبَاب التَّصَرُّف فِيهَا متعذرة، ومنازلها لترامل الْجند نازلة، وعيون الْعَدو لثغرها الشنيب مغازلة. قلت فأرجدونه، قَالَ شَرّ دَار، وطلل لم يبْق مِنْهُ غير جِدَار، ومقام يرجع الْبَصَر عَنهُ إِلَيْهِ وَهُوَ حاسر، وعورة ساكنها لعدم الما مستأسر، وقومها ذُو بطر وأشر، وشيوخها تيوس فِي مسالح بشر، طغام، من يقوت مِنْهُم أَو يعول التيوس والوعول، وحرثها مقل، وخلقها حسد وغل. قلت فأنتقيرة، قَالَ، مَحل الْحَرْث والإنعام، ومبذر الطَّعَام، والمرآة الَّتِي يتجلى فِيهَا وُجُوه الْعَام، الرحب والسهل، والثبات الطِّفْل، والمنسم والكهل، والوطن والأهل. ساحتها الجداول فِي فحصها الأفيح، وسالت وانسابت حَيَاة المذانب، فِي سقيها الرحب الجوانب، وانسالت لَا تَشْكُو من نبو ساحة، وَلَا تسفر

стр. 828

إِلَّا عَن ملاحة، وَلَا تضاهي فِي جدوى فلاحة، إِلَّا أَنَّهَا جرداء الْخَارِج، فل مارد ومارج، وَشدَّة فرجهَا بارج، لَا تصطبنها المسلحة للاتساع، [الذرع الوساع] ، قَليلَة الْفَوَاكِه، عديمة الملاطف والفاكه، أَهلهَا أولو سرُور وغرور، وَسلَاح مَشْهُور، وقاهر ومقهور لَا تقبل غَرِيبا، وَلَا تعدم من الْعَدو تثريبا. قلت فذكوان، قَالَ، روض وغدير، وفواكه جلت عَن تَقْدِير، وخورنق وسدير، ومائدة لَا تفوتها فَائِدَة، دارت على الطَّحْن الغرير أحجارها، والتفت أشجارها، وطاب هواؤها، وخفق بالمحاسن لواؤها. إِلَّا أَنَّهَا ضَالَّة سَاقِطَة، وحية ترتقب لاقطة، لَا تدفع عَن قُرْطهَا وسوارها بأسوارها، وَلَا تمنع نزع صدارها بجدارها، قَضَت بقلة أعيانها، حَدَاثَة بنيانها. قلت فقرطمة، قَالَ: الكرك الَّذِي يُؤمن عَلَيْهِ الدَّرك، وَإِن عظم المعترك، جوها صَاف فِي مبشتى ومصطاف، وتربها للبر مصَاف، وعصيرها بِالْكَثْرَةِ ذُو اتصاف. إِلَّا أَن المَاء بمعقلها مخزون، وعتاد مَوْزُون، وَأَهْلهَا فِي الشدائد لَا يجزون، أَيْديهم بالبخل مغلولة، وسيوف تشاجرهم مسلولة. قلت فمدينة رندة، قَالَ، أم جنَّات وحصون، وشجرة ذَات غصون، وجناب خصيب وَحمى مصون، بلد زرع وضرع، وَأهل وَفرع، مخازنها بِالْبرِّ مَالِيَّة، وأقواتها جَدِيدَة وبالية، ونعمها بجوار الْجَبَل مُتَوَالِيَة، وَهُوَ بلد أَعْيَان وصدور، وشموس وبدور، ودور أَي دور، وَمَاء واديها يتَوَصَّل إِلَيْهِ فِي حدور، بِحكم مَقْدُور، وَفِي أَهلهَا فضاضة وغضاضة، مَا فِي الكلف بهَا غَضَاضَة، تلبس نساؤها الموق، على الأملد المرموق، ويسفرن عَن الخد المعشوق، وينعشن قلب المشوق، بالطيب المنشوق. إِلَّا أَن الْعَدو طوى ذيل برودها]

стр. 829

وغصب بنياتها وَكَيف السَّبِيل إِلَى ردهَا، وأضاق خَارِجهَا، وخفض معارجها، وَأَعْلَى طائرها ودارجها. فَلَمَّا بلغ هَذَا الْحَد، قَالَ: هَل اكتفيت، فقد شرحت صدرك وشفيت، وَبِمَا طلبت مني قد وفيت، يَا بني كَأَنِّي بالصباح السافر، وأدهم الظلام النافر قد أحفل أَمَام منتبه الوافر، وَترك من الْهلَال نعل الْحَافِر، وَنَفْسِي مطيتي، وَقد بلغت اللَّيْلَة طيتي، وأجزلت عطيتي، فلنجم بالحمض، ونلم بالغمض، وَأَنا بعد نزيلك، أَن سرني جزيلك وعديلك، أَن ضحك إِلَى منديلك وسميرك، إِن رواني نميرك، فبادرت البدرة، والصرة فافتضفتها، والعيبة فنفضتها، والمعادن فأفضتها. فَقَالَ بوركت من مراس، وَأنْشد قَول أبي نواس: (مَا من يَد فِي النَّاس وَاحِدَة ... كيد أَبُو الْعَبَّاس أولاها) (نَام الثِّقَات على مضاجعهم ... وسرى إِلَى نَفسِي فأحياها) ثمَّ قَالَ، نم فِي أَمَان من خطوب الزَّمَان، وقم فِي ضَمَان من وقاية الرَّحْمَن، فلعمري، وَمَا عمري عَليّ بهين، وَلَا الْحلف لدي بمتعين، لَو كَانَ الْجُود ثمرا لَكُنْت لبَابَة، أَو عمرا لَكُنْت شبابه، أَو منزلا لَكُنْت بَابه، فَمَا هُوَ إِلَّا أَن كحلت جفني بميل الرقاد، وَقد سَلس المقاد، وَقَامَ فيمَ الخان إِلَى عَادَة الافتقاد، وبادر سراجه الإيقاد. وَنظرت إِلَى مَضْجَع الشَّيْخ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَن يبر أطماره. وروت حِمَاره، فَخرجت لإيثاره مقتفيا لآثاره فَكَأَن العلك لفه فِي مَدَاره، أَو خسفت الأَرْض بِهِ وَبِدَارِهِ، وسرت، وَفِي قلبِي لبينة، وَذَهَاب أَثَره وعينه حرقة، وَقلت متأسيا لكل اجْتِمَاع من حبيبين فرقة.

стр. 830

الْمجْلس الثَّانِي قَالَ الْمخبر: فَلَمَّا اندمل جرح الْفِرَاق، بعد طول، وزمان مطول، ومحى رسم التَّذَكُّر تكَرر فُصُول، ونصول خطاب وخطاب نصول، بَينا أَنا ذَات يَوْم فِي بعض أسواق الْغُبَار، أسرح طرف الِاعْتِبَار، فِي أُمَم تنسل من كل حدب، وتنتدب من كل منتدى، مَا بَين مُشْتَمل الصماء يلويها، ولائث الْعِمَامَة لَا يسويها. وصاعد من غور، ومتظلم من جور، وممسك بذنب عير أَو رفق ثَوْر يموجون، وَمن الأجداث يخرجُون، كَأَنَّهُمْ النَّمْل نشرها، وَقد برزت إِلَى الشَّمْس من منظر الأمس، يشيرون بأجنحة الأكسية، ويتساقطون على ثمار الْقلب، وأستار الأحسية، وَقد اصطف ذابحوا الْجَزُور، وَبَايَعُوا اللبوب والبذور، ولصق بالأملياء حللة العقد، وَشَهَادَة الزُّور، وَنظرت فِي ذَلِك الْمُجْتَمع الهائل الْمرَائِي والمستمع، إِلَى درسة غي، وطهاة عي، ورقاة جُنُون، بضروب من القَوْل وفنون، وَفهم كهل قد استظل بقيطون، وسل سيف الأطون، وتحدى برقية لديغ ومداواة سبطين، قد اشْتَمَل بسمل غباره، وَبَين يَدَيْهِ عيار فِي جلد فاره، وَطعن من إطْعَام كفاره، وأمامه تلميذ قد شمر الأكمام والتفت الْخلف والأمام، وَصرف لوحي لحظه الاهتمام، وَهُوَ يأسو ويجرح [ويتحكم بِلِسَان الْقَوْم ثمَّ يشْرَح] ويقيد من حَضَره بِقَيْد الْعَزِيمَة فَلَا يبرح، وَيَقُول أَيهَا البهم السارح، والحزب المسرور بِمَا لَدَيْهِ الفارح، والسرب الَّذِي تقتاته الْوُلَاة الْبَغي الْجَوَارِح، ضرفتهم غرُوب اعتنايكم لنسائكم وأبنائكم، وذهلتم عَمَّن جعلتم بفنائكم، وجعلتم تطمعون وتجمعون إِنَّمَا يستجيب الَّذين يسمعُونَ، من وَقعت عَليّ مِنْكُم عينه، فقد رأى فاتح أقفال الأسمار، ومثبت الْفِرَار، ومصمت الْإِفْك الصرار، ومقدر مياه الْآبَار بسير الْغُبَار، ومخرج الأضمار فِي الْمِضْمَار، وَمذهب الْمس، وطارد

стр. 831

الْعمار، أَنا قَاطع الدما إِذا نزفت، وَكَاشف الغما إِذا انكشفت، أما الْإِبِل فَلَا تجْرِي، وأحط حول الْحمى فَلَا تَدْنُو السبَاع وَلَا تقرب، وأذخر بهَا، فَلَا تتسلل الْحَيَّة وَلَا تدب الْعَقْرَب، وَإِن تغيب الشَّمْس لوقت مَحْدُود طمس فِيهِ نورها، وَإِن وعدت الأَرْض بَرى مَحْمُود فار تنورها، وَإِن كتبت لعقد النِّكَاح انْحَلَّت، وَإِن عقدت خطى الضَّالة وقفت حَيْثُ حلت، وَإِن زجرت الْجُنُون تركت وخلت، وَإِن انتثرت الدفائن، أَلْقَت الأَرْض مَا فِيهَا وتخلت، أَنا جردت الْبَيْضَة الشُّعَرَاء، أَنا زوجت الْفَتى الشَّرْقِي من الْجَارِيَة الْعَذْرَاء، أَنا صافحت الْملك ورصدت الْفلك، ومزجت بسر الْحِكْمَة الضياء والحلك، فاحتقرت، وَمَا ملك دَعَوْت، علم الطباع فأطاع [وَقطعت شكوك الهينة بالشكل اقتطاع] وَقلت بِالْقدرِ والاستطاع، وسبقت فِي صناعَة الْبُرْهَان يَوْم الرِّهَان، ورضت صعاب الرياضيات، حَتَّى ذل قيادها، وَسَهل انقيادها، وَعدلت الْكَوَاكِب، واختبرت الْقُلُوب البابانية والمناكب، وبشرت عِنْد رُجُوع خنسها بالغيوث السواكب، ورهبت بالامتحان على صناعَة الألحان، وقرأت مَا بعد الطبيعة، وناظرت قسيس الْبيعَة، وأعملت فِي فن الْأُصُول مرهفة النصول، وأحكمت أمزجة الطباع وطبائع الْفُصُول، وامتزت بالبروع فِي الْفُرُوع [وَقمت فِي الْعَهْد الحَدِيث بِالْحَدِيثِ، وحزت فِي علم اللِّسَان دَرَجَة الْإِحْسَان] وحققت قسْمَة الْفُرُوض، وَعدلت الشّعْر بميزان الْعرُوض، وعبرت حلم النّوم، ولبست الْخِرْقَة بِشُرُوط الْقَوْم، ولزمت خلْوَة الذّكر ومعتكف الصَّوْم. وَأما معرفتي بالأخبار وذرع الأَرْض بالأشبار، مَا بَين جليقية إِلَى الأنبار، وأوصاف المدن الْكِبَار، فقد ثَبت بِالِاعْتِبَارِ. قَالَ، فأثار قديمي، وأذكرنى بنديمي، فَقلت، الله أكبر، ووضح الْخَبَر

стр. 832

والمخبر، فخضت الْقُدس بيني وَبَينه، وهم بَحر زاخر، وَأول لَيْسَ لَهُ آخر، وبهم يسخر مِنْهُ الساخر، مَا بَين كَبْش مجتر، وَعجل ناخر، وَقلت، أَيهَا الحبر ضالتي قريب أمدها، ومعروف معتمدها، وعَلى ذَلِك فالشكر ممنوح والرفد طوفان نوح، فألان العريكة، وَسلم النطع والأريكة، وَقَالَ إجل أعرض، وَانْزِلْ السُّؤَال وأقرض، فَقلت، بِي إِلَى تعرف الْبلدَانِ جنوح وجنون، وَالْجُنُون فنون، وَقد ظَفرت قبلك بنقاب، وعود احتقاب وبسارب نقاب، حصل بِهِ من طلى الشُّكْر، وَبِك يتم السطر ويعظم الْخطر، فَقَالَ النَّاس مُتَّهم ومنجد، وخاذل ومنجد، وَلَا تجود يَد بِمَا تَجِد، وَالله المرشد، وَجعل ينشد: (إِذا المشكلات تصدين لي ... كشفت غوامضها بِالنّظرِ) (وَلست بائقة فِي الرِّجَال ... أسائل هَذَا وَذَا مَا الْخَبَر) (ولكنني مدرب الأصفرين ... أبين مَعَ مَا مضى مَا غبر) ثمَّ قَالَ هَات، أَمن عقدك الشُّبُهَات. قلت مَا تَقول فِي باديس، قَالَ، بدأت بحمدلة الرقعة، وبركة الْبقْعَة، ومدفن الْوَلِيّ، ومظهر النُّور الجلى، والنحر غير العاطل وَلَا الخلي من الحلى، بلد السراوة والشجاعة، والإيثار على فرض الْجَمَاعَة، والنفوس الأوابة إِلَى الله الرجاعة، حَيْثُ الْبر والحوت، والخشب الَّذِي ينشأ مِنْهَا كل منحوت، والبأس والإقدام، والفاكهة الطّيبَة والإدام، وَرب الْجبَال، وَفضل المدافعة لصب السبال، إِلَّا أَنَّهَا موحشة الْخَارِج [وعرة المعارج] مجاورة من غمارة بالمارد المارج، فهم ذُو دَبِيب فِي مدارج تِلْكَ الغرابيب، وكيدهم ببركة الشَّيْخ فِي تثبيت. قلت فمدينة سبتة، قَالَ، عروس تِلْكَ المجلى، وتنية الصَّباح الأجلى، تبرجت تبرج العقيلة، وَنظرت وَجههَا من الْبَحْر فِي الْمرْآة الصقيلة، واختص

стр. 833

ميزَان حسناتها بِالْأَعْمَالِ الثَّقِيلَة، وَإِذا قَامَت بيض أسوارها [مقَام سوارها] وَكَانَ جبل بنيونس شماتة أزهارها، والمنارة مَنَارَة سوارها، كَيفَ لَا ترغب النُّفُوس فِي جوارها، وتخيم الخواطر بَين أنجادها وأغوارها، إِلَى الميناء الغالية، والمراقي الفلكية، والمركبة الزكية غير المنزورة وَلَا البكية، حَيْثُ الْوقُود الجزل، الْمعد للأزل، والقصور الْمَقْصُورَة، على الْجد والهزل، وَالْوُجُوه الزهر السحن، المضنون بهَا عَن المحن، دَار الناشية والحامية، المضرمة للحرب المناشية، والأسطول المرهوب الْمَحْذُور الألهوب، وَالسِّلَاح الْمَكْتُوب المحسوب، وَالْأَمر الْمَعْرُوف الْمَنْسُوب، كرْسِي الْأُمَرَاء والأشراف، والوسيطة لخامس أقاليم البسيطة، فَلَا حَظّ لَهَا فِي الانحراف، بصرت عُلُوم اللِّسَان، وَصَنْعَاء الْحلَل الحسان، وَثَمَرَة قَوْله، أَن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان، الأمينة على الاختزان، القويمة الميكيال وَالْمِيزَان، محشر أَنْوَاع الْحيتَان، ومحط قوافل الْعصير وَالْحَرِير والكتان، وكفاها السُّكْنَى ببنيونش فِي فُصُول الزَّمَان، وَوُجُود المساكن النبيهة بأرخص الْأَثْمَان، والمدفن الموهوم غير المزحوم، وخزانة كتب الْعُلُوم، والْآثَار المنبية عَن أَصَالَة الحلوم، إِلَّا أَنَّهَا فاغرة أَفْوَاه الْجنُوب للغيث المصبوب، عرضة للرياح ذَات الهبوب، عديمة الْحَرْث، فقيرة من الْحُبُوب، ثغر تنبو فِيهِ الْمضَاجِع بالجنوب، وناهيك من حَسَنَة تعد من الذُّنُوب، فأحوال أَهلهَا رقيقَة، وتكلفهم ظَاهر مهما عرضت وَلِيمَة أَو عقيقة، واقتصادهم لَا تَلْتَبِس مِنْهُ طَريقَة، وأنساب نفقاتهم فِي تَقْدِير الأرزاق عريقة، فهم يمحصون البلالة، مص المحاجم [بِالشَّرِّ الهاجم] [ويجعلون الْخبز فِي الولائم بِعَدَد الجماجم، وفتنتهم فِي بلدهم فتْنَة الواجم بالبشر المناجم] وراعى الْحَدث، بالمطر الساجم، فَلَا يفضلون على مدينتهم

стр. 834

مَدِينَة، الشَّك عِنْدِي فِي مَكَّة وَالْمَدينَة. قلت فطنجة، قَالَ، الْمَدِينَة المعادية، والبقعة الَّتِي لَيست بالخبيثة وَلَا بالردية، إِلَيْهَا بالأندلس كَانَت نِسْبَة المغاربة، وَالْكتاب الْمُحَاربَة، والرفق السابحة فِي الأَرْض الضاربة. سورها لَيْسَ بمثلوم، وساكنها غير ملوم، وفضلها مَعْلُوم، ودارها لَيست بدار لوم. ميدان أَفْرَاس كَبِير، ومعدن ضد وذكير، مثلت بَين الْمنَار والقالة، وحكماها فِي التَّفْضِيل، فأشكل الحكم وتعذرت الْمقَالة، وَلم يَصح البيع وَلَا وَجَبت الْإِقَالَة، [هذي سَمَاء بروج] وهذي أزهار مروج، وَكِلَاهُمَا مركب سرُور وسروج، [ومسمع فروج] ومطعم غَدِير ومروج. وديارها نبيهة. وعَلى الْجُمْلَة فأحوالها بأحوال جارتها شَبيهَة، لَكِن رملها يحشو الْعين بالذرور عِنْد الْمُرُور، وَيدخل الدّور، وَيفْسد الْقُدُور. ورياحها لَا تسكن إِلَّا فِي الندور، وظلمة جوها متسببة عَمَّا وراها من مغرب الشموس والبدور، وَعين فرقان أعذب عيونها مَشْهُور بتواليد الْهَرج، قُرْآن عِنْد النَّاس غير ذِي عوج. وَيذكر أَن سُلَيْمَان اختصها بسخر مَوَدَّة الْجِنّ، فيعثر على أواني ملئت ريحًا تثير تبريحا، ويسندون [لذَلِك إفكا صَحِيحا] . قلت فقصر كتامة، فَقَالَ، مغرد عندليب، وعنصر بر وحليب، ومرعى سَائِمَة غَائِبَة [ومسرح بَهِيمَة فِي الْجَحِيم هائمة، ومسقط مزنة عائمة] وديمة دائمة. وَبِه التفاح النفاح، ترتاح إِلَى شمه الْأَرْوَاح، يقذف إِلَيْهَا المسا والصباح، ويتفنن فِيهِ الْحَرَام والمباح، والسمك كَمَا جردت الصفاح، إِذا استنجز الكفاح وَطَرِيقه مَسْلَك الْقَافِلَة، وببابه الشئون الحافلة، ينسل إِلَيْهَا من غمارة، قرود وفهود، وَأمة صَالح وَهود. ذَلِك يَوْم مَجْمُوع لَهُ النَّاس وَذَلِكَ يَوْم مشهود. إِلَّا أَنه قدر قد تهدم، وَدَار الندوة لَام ملدم، ومثير الهائج الموار، وثائر الدَّم،

стр. 835

جثم الهوا الْخَبيث فِي بطيحته وربض، وانبسط وَمَا انقبض، وجبر ليله عَسْكَر البعوض الهاجم، دربة بمص المحاجم. وَأما وحله، فَلَا يعبر وَلَا يسبر، وَإِن أسهبت الْعبارَة وَالْأَمر أكبر. قلت فأصيلا، قَالَ، كَثِيرَة الْمرَافِق، رَافِعَة فِي الخصب اللِّوَاء الخافق، الْعصير الْأَثِير، والحوت الْكثير وَالْبر الغزير، والإدام الَّذِي يَرْمِي بِهِ من حكم عَلَيْهِ بالتعزير، والسفن المترددة، وفيهَا الملد الأبازير. إِلَّا أَن حصنها من المنعة بَرى، وساكنها بربرى، وجارها من غمارة جرى. قلت فمدينة سلا، قَالَ، العقيلة المفضلة، والبطيحة المخضلة، [وَالْقَاعِدَة الموصلة، والسدرة المفصلة] ذَات الوسامة والنضارة، والجامعة بَين البداوة والحضارة، مَعْدن الْقطن والكنان، والمدرسة والمارستان والزاوية كَأَنَّهَا الْبُسْتَان، والوادي المتعدد الأجفان [والقطر الآمن الرجفان] والعصير الْعَظِيم الشَّأْن، والأسواق المحازة حَتَّى برقيق الْحيتَان. اكتنفها المسرح وَالْخصب الَّذِي لَا يبرح، وَالْبَحْر الَّذِي يأسو ويجرح. وشقها الْوَادي يتمم محاسنها ويشرح، وقابلها الرِّبَاط الَّذِي ظهر بِهِ من الْمَنْصُور الِاغْتِبَاط، حَيْثُ القصبة والساباط، وَوَقع مِنْهُ بنظرة الاعتباط، فاتسع الْخرق، وَعظم الاشتطاط، وَبعد الْكَمَال يكون الانحطاط، إِلَى شامة مرعى الذمم، ونتيجة الهمم، وشمخ الأنوف ذَوَات الشمم، وعنوان الذمم، حَيْثُ الْحَسَنَات المكتتبة، والأرزاق الْمرتبَة، والقباب كالأزهار، مجودة بِذكر الله آنَاء اللَّيْل وأطراف النَّهَار، وطلل حسان الْمثل فِي الاشتهار. وَهِي على الْجُمْلَة من غَيرهَا أوفق، ومغارمها لاحترام الْمُلُوك الْكِرَام أرْفق،

стр. 836

ومقبرتها المنضدة عجب فِي الانتظام. مَعْدُودَة فِي الْمرَافِق الْعِظَام، وتتأتى بهَا للعباد الْخلْوَة، وَيُوجد عِنْدهَا للهموم الشلوة، كَمَا قَالَ ابْن الْخَطِيب: (وصلت حثيث السّير فِيمَن فَلَا الفلى ... فَلَا خاطرت لما نأى وانجلى انجلا) (وَلَا نسخت كربي بقلبي سلوة ... فَلَمَّا سرى فِيهَا نسيم سلا سلى) وَكفى بالشابل رزقا طريا، وسمكا بالتفضيل حريا، يبرز عدد قطر الديم، وَيُبَاع ببخس الْقيم، ويعم حَتَّى المجاشر النائية والديم. إِلَّا أَن ماءها لَا يرْوى بِهِ وَارِد، لَا كريم وَلَا بَارِد، وإلفها شارد، والخزين بهَا فَاسد، وبعوضها مستأسد راضع غير مفطوم [خَالع للعذار غير محطوم] وَاسع للحد والخرطوم، تصغى لرنته الْأَذَان، ويفتك بوخز اللِّسَان، كالقوس تصمى الرمايا وَهِي مرنان، وديارها فِي المَاء دَار عُثْمَان، وطواحنها عالية الْأَثْمَان، وكثبانها تلوث بيض الثِّيَاب طي العياب، وعابر واديها إِلَى مأرب أكيد فِي تنكيد، إِلَى غَلَبَة الْإِمْسَاك، وخوض النساك، وَكَثْرَة أَرْبَاب الخطط، والإغيا فِي الشطط، تذود عَن جناتها للأسد جنان، فَلَا يلتذ بقطف العنقود مِنْهَا بنان، وَفِي أَهلهَا خفَّة، وميزانها لَا تعتدل مِنْهَا كفة. قلت فانقا، قَالَ، جون الْحَط والاقلاع ومجلب السلاع، تهوى إِلَيْهَا النَّفس شارعة، وتبتدر مسارعة، تصارف برهَا الذَّهَبِيّ بِالذَّهَب الإبريز، وتراوح برهَا وتفاديه بالتبريز. (يكثر الطير حَيْثُ ينتشر ... الْحبّ وتغشى منَازِل الكرماء) وخارجها يفضل كل خَارج، وقنيصها يجمع بَين طَائِر ودارج، وفواكهها طيبَة وأمطارها صيبة، وكيلها وافر، وسعرها عَن وَجه الرخَاء سَافر، وميرتها لَا يَنْقَطِع لَهَا خف وَلَا حافر. لَكِن مَاؤُهَا وهواؤها عديما الصِّحَّة، وَالْعرب عَلَيْهَا فِي الْفِتَن ملحة، والأمراض عَلَيْهَا تعيث وتعبث، والخزين لَا يلبث.

стр. 837

قلت فأزمور، قَالَ جَار وَاد وريف، وعروس ربيع وخريف، وَذُو وضع شرِيف، أطلت على واديه المنارة والمراقب، كَأَنَّهُمَا النُّجُوم الثواقب، وجلت عَن خصبه المناقب، وقمين الْمرَافِق نهره المجاور وبحره المصاقب، بلد يخزن الأقوات، ويملأ اللهوات، بَاطِنه الْخَيْر، وأمامه اللَّحْم وَالطير، وساكنه رفيه، ولباسه يتَّخذ فِيهِ، ومسكنه نبيه، وصوته الشابل لَيْسَ لَهُ شَبيه، لَكِن أَهله إِنَّمَا حرثهم وحصادهم اقتصادهم، فَلَا يعْرفُونَ إرضاخا وَلَا وردا نضاحا، يترامون على حَبَّة الْخَرْدَل بالجندل، ويتضاربون بِالسُّيُوفِ على الْأَثْمَان والزيوف، بربري لسانهم، كثير حسانهم، قَلِيل إحسانهم، يكثر بَينهم بِالْعرضِ الافتخار، ويعدم ببلدهم المَاء وَالْملح والفخار. قلت فتيط، قَالَ، مَعْدن تَقْصِير، وبلد بَين مجْرى وَمَاء وعصير، للأولياء بِهِ اغتباط، ومسجدها يضيق عَنهُ المداين، منارا عَالِيا، وبقلادة الْأَحْكَام حاليا. إِلَّا أَن خَارِجهَا يروق عين الْمُقِيم وَالْمُسَافر، وَلَا يشوق بِحسن مُسَافر، ومؤمنة تشقى بصداع كَافِر، وحماه عَدو كل خف وحافر، فلولا ساكنها، لم يلبس يَوْم فَخر وَلم ينْبت أَي صَخْر. قلت فرباط آسفي، قَالَ، لطف خَفِي، وجناب حفي، ووعد وَفِي، وَدين ظَاهره مالكي، وباطنه حَنَفِيّ. الدماثة وَالْجمال، وَالصَّبْر وَالِاحْتِمَال، والزهد وَالْمَال وَالْجمال [والسذاجة والجلال] قَليلَة الإخوان، صابرة على الاختزان، وافية الْمِكْيَال وَالْمِيزَان، رَافِعَة اللِّوَاء بِصِحَّة الْهَوَاء، بلد مَوْصُوف برفيع ثِيَاب الصُّوف، وَبِه تربة الشَّيْخ أبي مُحَمَّد صَالح، وَهُوَ خَاتِمَة المراحل المسورات من ذَلِك السَّاحِل. لَكِن مَاؤُهُ قَلِيل، وعزيره لغاديه من يواليه من الْأَعْرَاب ذليل. قلت فمدينة مراكش، قَالَ فتنفس الصعدا، وأسمع البعدا، وَقَالَ درج

стр. 838

الحلى، وبرج النُّور الْجَلِيّ، وتربة الْوَلِيّ، وحضرة الْملك الأولى، وَصرح النَّاصِر الْوَلِيّ، ذَات المقاصر والقصور، وغابة الْأسد الهصور وسدة النَّاصِر والمنصور، بَعدت من المركز دارتها، وسحرت الْعُيُون شارتها، وَتعبد الإيماءة إشارتها، وخاضت الْبَحْر الخضم بدارتها وبشارتها. اقتعدت الْبَسِيط المديد، واستظهرت بتشييد الأسوار وأبراج الْحَدِيد، وَبكى الْجَبَل من خشيتها بعيون الْعُيُون، فسالت المذانب كصفاح القيول، وقيدت طرف النَّاظر الْمفْتُون أدواح الشّجر بهَا وغابات الزَّيْتُون. مَا شِئْت من انفساح السكَك، وامتداد الباع فِي ميدان الانطباع، وتجويد فنون المجون بِالْمدِّ والإشباع، زيتها للمزمن يعصر، وَخَيرهَا يمد وَلَا يقصر، وفواكهها لَا تحصر. فَإِذا تنافس الْحر وَالْبرد وَتَبَسم الزهر، وخجل الْورْد، وكسا غدرانها الحائرة الْخلق السرد، قلت انجز لِلْمُتقين من الْجنَّة الْوَعْد، وساعد السعد، وَمَا قلت إِلَّا بِالَّذِي عملت سعد. ومنارها الْعلم فِي الفلاة، ومنزلته فِي المآذن منزلَة والى الْوُلَاة. إِلَّا أَن هَواهَا مُحكم فِي الجباه والجنوب يحمى عَلَيْهَا بكر الْجنُوب، وحمياتها كلفة بالجسوم، طالبة ديونها بالرسوم، وعقاربها كَثِيرَة الدبيب، منغصة مضاجع الحبيب، وحزابها موحش هائل، وَبعد الأخطار عَن كثير من الأوطار بهَا مائل، وعدوها ينتهب فِي الفتق أقرانها، وجرذان الْمَقَابِر تَأْكُل أمواتها وَكَانَت أولى الْمنَازل بالأعياد، لَو أَنَّهَا الْيَوْم مَعْدُودَة فِي الْأَحْيَاء. قلت فأغمات، قَالَ، بَلْدَة لحسنها اشتهار، وجنة تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار، وشمامة تتضوع مِنْهَا الأزهار، مُتعَدِّدَة الْبَسَاتِين، طامية بحار الزياتين، كَثِيرَة الْفَوَاكِه وَالْعِنَب والتين، خَارِجهَا فسيح المذانب فِيهِ تميح، وهواؤها صَحِيح، وقبولها بالغريب شحيح، وماؤها نمير، وَمَا وردهَا ممد للبلاد وممير. إِلَّا أَن أَهلهَا

стр. 839

يوصفون بنوك وَذُهُول، بَين شُبَّان كهول، وخرابها يهول، وعدوها تضيق لكثرته السهول، فأموالها لعدم المنعة فِي غير ضَمَان، ونفوسها لَا تعرف طعم أَمَان. قلت: فمدينة مكناسة، قَالَ، مَدِينَة أَصْلِيَّة، وَشعب للمحاسن وفصيلة، فَضلهَا الله ورعاها، وَأخرج مِنْهَا ماءها ومرعاها، فجانبها مريع، وَخَيرهَا سريع، ووضعها لَهُ فِي فقه الْفَضَائِل تَفْرِيع، عدل فِيهَا الزَّمَان، وانسدل الْأمان، وفاقت الْفَوَاكِه فواكهها، وَلَا سِيمَا الرُّمَّان، وَحفظ أقواتها الاختزان، ولطفت فِيهَا الْأَوَانِي والكيزان، واعتدل الجسوم للوزان، ودنا من الحضرة جوارها، وَكثر قصادها من الوزراء وزوارها، وَبهَا الْمدَارِس وَالْفُقَهَاء، ولقصبتها الأبهة والبهاء، والمقاصر والأبهاء. إِلَّا أَن طينها ضحضاح، لذِي الطّرف فِيهِ افتضاح، وأزقتها لَا يفارقها القذر، وأسواقها يكثر بهَا الهذر، وعقاربها لَا تبقي وَلَا تذر، ومقبرتها لَا يحْتَج عَن إهمالها وَلَا يعْتَذر. قلت، فمدينة فاس، قَالَ: رعى الله أَرضًا تربها ينْبت الفنا، وآفاقها ظلّ على النَّاس مَمْدُود، نعم العرين لأسود بني مرين، وَدَار الْعِبَادَة الَّتِي يشْهد بهَا مطرح الْجنَّة، وَمَسْجِد الصابرين، وَأم الْقرى، [ومأم السرى] وموقد نَار الدعا، ونارء القرا، ومقر الْعِزّ الَّذِي لَا يهضم، وكرسي الْخلَافَة الْأَعْظَم، والجزية الَّتِي شقها ثعبان الْوَادي، فَمَا ارتاعت، والأبية الَّتِي مَا أذعنت إذعانها للإيالة المرينية وَلَا أطاعت أَي كَاف وكلف، وَخلف عَن سلف، ومحاباة وزلف، وقضيم وعلف، إِنَّمَا الدُّنْيَا أَبُو دلف. سَأَلت عَن الْعَالم الثَّانِي، ومحراب السَّبع المثاني، وَمُغْنِي المغاني، ويرقص النادب والغاني، وأرمم المباني، ومصلى القاصي والداني، هِيَ الْحَشْر الأول، والقطب الَّذِي عَلَيْهِ الْمعول، وَالْكتاب الَّذِي لَا يتَأَوَّل، بل المدارك والمدارس، والمشايخ والفهارس، وديوان الراجل والفارس، وَالْبَاب الْجَامِع من موطإ الْمرَافِق،

стр. 840

وَبَدَأَ الْملك الخافق، وتنور المَاء الدافق، ومحشر الْمُؤمن وَالْمُنَافِق [وسوق الكاسد والنافق] حَيْثُ الْبَنَّا الَّذِي نظر إِلَيْهَا عُطَارِد واستجفاها، وَخَافَ عَلَيْهَا الْوُجُود أَن يُصِيبهَا بِعَيْنِه الحسود فسترها بالغور وأخفاها، والأسواق الَّتِي ثَمَرَات كل شَيْء إِلَيْهَا قد حبيت، والموارد الَّتِي اخْتصّت بالخصر وجبلت، والمنارة المخطوبة، وصفح الحلج المشطوبة والغدر الَّتِي مِنْهَا أَبُو طوبة. (بلد أعارته الْحَمَامَة طوقها ... وكسا ريش جنَاحه الطاووس) (فَكَأَنَّمَا الْأَنْهَار فِيهِ مدامة ... وَكَأن ساحات الديار كؤوس) اجْتمع بهَا مَا أولده سَام وَحَام، وَعظم الالتآم والالتحام، فَلَا يعْدم فِي مساكنها رُخَام، فأحجارها طاحنة [ومخابزها ساخنة] وألسنتها باللغات الْمُخْتَلفَة لاحنة، ومكاتبها سابحة، ورحابها متمالحة، وأوقافها جَارِيَة، الهمم فِيهَا إِلَى الْحَسَنَات واضدادها متبارية. بلد نِكَاح وَأكل، وَضرب وركل، وامتياز من النسا بِحسن زِيّ وشكل، ينتبه بهَا للباءة، وتسل الجباه، وتوجد للأزواج الْأَشْبَاه وفور النشب، وَكَثْرَة الْخشب وَوُجُود الرفيق، وَطيب الدَّقِيق، وَإِمْكَان الإدام، وتعدد الخدام، وَعمْرَان الْمَسَاجِد والجوامع، وإدامة ذكر الله فِي المآذن والصوامع. وَأما مَدِينَة الْملك فبيضاء كالصباح، أفق للغرر الصَّباح، يحتقر لإيوانها إبوان كسْرَى، وَترجع الْعين حسرى، ومقاعد الحرس، وملاعب اللَّيْث المفترس، ومنابت الرّوح المفترس، [ومدشر من درس أَو درس، ومجالس الحكم للفصل] وسقايف الترس، والنصل، وأهداف الناشبة أولى الخصل وأواوين الْكتاب، وخزاين محمولات الإقتاب، وكراسي الْحجاب، وعنصر الْأَمر العجاب، إِلَى

стр. 841

الناعورة الَّتِي ملكت من الْفلك الدوار مِثَالا، وَأوحى المَاء إِلَى كل سَمَاء مِنْهَا أمرهَا، فأجزت امتثالا، ومحبة البرود سلسالا، وألفت أكوارها الترفة والترف، فَإِذا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كسَالَى: (وقورا من قَوس الْغَمَام ابْتَغوا لَهَا ... مِثَالا أداروها عَلَيْهِ بِلَا شكّ) (قس الثريا والترا سد جرمها ... وللباك الدوار قد أَصبَحت تحك) (تصوغ لجين النَّهر فِي الرَّوْض دَائِما ... وزاهم نور قد خلص من الشَّك) (وَترسل شهباتها ذَا ذؤابة ... تبتغي استراق السّمع عَن حوزة الْملك) (تذكرت الْعَهْد الَّذِي اخترعت بِهِ ... وحنت فَمَا تنفك ساجعة تبك) إِلَّا أَن حر هَذِه الميدنة يذيب، وساكنها ذيب، ومسالكها وعرة، وظهايرها مستعرة وطينها هايل، ورخامها حَرْب وابل، إِن نَشد الجفا نَاشد، فَهِيَ ضالته المنشودة، أَو حشد إِضَافَة حاشد، فَهِيَ كتيبته المحشودة، إِلَى بعد الأقطار، وعياث الميازب أَوْقَات الأمطار، والاشتراك فِي المساكن والديار، عَن الْمُوَافقَة. وَالِاخْتِيَار، وتجهم الْوُجُوه للغريب ذِي الطّرف الْمُرِيب، وغفلة الأملس عَن الجريب، ودبيب العقارب إرْسَالًا كالقطار الغارب. وَأَهْلهَا يرَوْنَ لأَنْفُسِهِمْ مزية الْفضل، ويدينون فِي مُكَافَأَة الصَّنَائِع الْبَالِغَة بالعضل، يلقى الرجل أَبَا منواه فَلَا يَدعُوهُ لبيته، وَلَا يسمح لَهُ ببقله وَلَا زيته، فَلَا يطْرق الطيف حماهم، وَلَا يعرف اسمهم وَلَا مسامهم، إِلَّا الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات، وَقَلِيل مَا هم، ومقبرتهم غير نابهة، وأجداثها غير متشابهة، منشبة حَيَوَان ومشبعة جرذان غير وان. ثمَّ قَالَ فِي أَمر سلوين، قَالَ وَاد عَجِيب، وبلد لداعي الإيناع مُجيب، مخضر الوهاد والمتون، كثير شجرات الْجَوْز وَالزَّيْتُون، كنفته الْجبَال الشم، وَحنث عَلَيْهِ الطود كَمَا تحنو على الْوَلَد الْأُم، فهواؤها ملائم، وَالْعِنَب على الْفُصُول دَائِم،

стр. 842

إِلَّا أَن الشَّمْس لَا تطرقه سمال، وَلَا ترمقه إِلَّا وَقت زَوَال، قد بَاء بالحظ الموكوس، وانكمش تَحت إبط الظل المنكوس، فجوه عديم الطلاوة، وعنبه للبرد قَلِيل الْحَلَاوَة. قلت فسجلماسة، فَقَالَ تِلْكَ كورة. وَقَاعِدَة مَذْكُورَة، ومدينة محمودة مشكورة، كَانَت ذَات تَقْدِيم، وَدَار ملك قديم، وبلد تبر وأديم، ومنتهى تجر ومكسب عديم، مَعْدن التَّمْر، بحكمة صَاحب الْخلق وَالْأَمر، تَتَعَدَّد أَنْوَاعه، فتعيي الْحساب، وتجم بهَا فوائدها، فتحسب الاقتناء والاكتساب، قد اسْتَدَارَ بهَا لحلو السُّور وَالْأَمر العجاب، والقطر الَّذِي تحار فِي ساحته النجاب، فَيضْرب مِنْهُ على عذاريها الْحجاب، بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهره من قبله الْعَذَاب، تحيط بهَا مرحلة رَاكب، ويصيرها سَمَاء مخطرة ذَات كواكب، فمنازلها لَا تنَال بهوان، وفدانها ودمنها تَحت صوان، ونخلها تطل من خَلفه الْجِدَار، وتتبوأ الْإِيمَان والديار، وحللها مبتوتة بَين الدمن، وضياعها تمتلك على مر الزَّمن، وسوائمها تالعة للسمن، مَوْجُودَة بنزر الثّمن، وفواكهها جميمة، ونعمها عميمة، وسورها يعجز عَن مثله معتصم ورشيد، وسقيها يخص دَار الْملك بحظ مَعْلُوم، وَيرجع إِلَى وَال يكف كل مظلوم. وَهِي أم الْبِلَاد الْمُجَاورَة لحدود السودَان فتقصدها بالتبر القوافل، وتهدي إِلَى مِحْرَابهَا النَّوَافِل، والرفاهة بهَا فَاشِية، وَالنِّسَاء فِي الْحلَّة ناشية. لَكِنَّهَا معركة غُبَار، وقتيل عقربها جَبَّار، ولباسها خامل، والجفا بهَا شَامِل، والجو يسفر عَن الْوَجْه القطوب، والمطر مَعْدُود من الخطوب، لبِنَاء جدرانها بالطوب، والقرع برؤوس أَهلهَا عابث، والعمش لجفونهم لابث، والحصا يصيبهم، ويتوفر مِنْهُ نصِيبهم.

стр. 843

قلت فتازى، فَقَالَ، بلد امْتنَاع، وكشف قناع، وَمحل ربع وإيناع، ووطن طَابَ مَاؤُهُ، وَصَحَّ هواؤه، وَبَان إشرافه واعتلاؤه، وجلت فِيهِ مواهب الله وآلاؤه، عصيره مثل، وَأمر الخصب بِهِ ممتثل، وفواكهه لَا تحصى بِمَائِهَا لأقصى، وحبوبه تدوم على الخزن، وفخاره آيَة فِي لطافة الجرم وخفة الْوَزْن، إِلَّا أَن رِيحه عاصف، وبرده لَا يصف واصف، وَأَهله فِي وبال من معرة أهل الْجبَال، وليوثه مفترسة، وأخلاق أَهله شرسة. قلت فغساسة، قَالَ فريسة وأكيلة، وحشف وَشر كيلة، إِلَّا أَنَّهَا مرسى مطروق بِكُل مَا يروق، ومرفأ جَارِيَة بحريّة، ومحط جباية تجرية. ثمَّ لما وصل إِلَى هَذَا الْحَد، نظر إِلَى حَاج السُّوق، وَقد أَفَاضَ، ومزاده أعمل فِيهِ الإنفاض، وعلو الْأَصْوَات بِهِ قد صَار إِلَى الانخفاض. فَقَالَ، وَجب اعتناء بالرحيل واهتمام، وكل شَيْء فَإلَى تَمام، ومددت يَدي إِلَى الدُّعَاء فحزمته، وَإِلَى الْعين فأرقته، فَقلت لَا حكمتك من كرائم بني الأصقر فِي الْعدَد الأوفر، ماثلة فِي اللبَاس المزعفر، فَلَمَّا خضب كَفه بجنابها، وحصلت النَّفس على استغنائها، استدناني، وَشَبك بنانه ببناني، وَقَالَ لَا حَبط الله عَمَلك، وَلَا خَابَ أملك، وَلَا عدم المرعى الخصب هملك، فلنعم فعلي البضائع، وحافظ الْفضل الضائع ومقتنى الْفَوَائِد، ومعود العوائد. واستثبت مخيلته فَإِذا الشَّيْخ وتلميذه، وَحِمَاره ونبيذه، وَقد تنكر بالخضاب المموه، والزي المنوه، وعاث نخده الشّعْر المشوه. فَقلت هيه، أَبَت المعارف أَن تتنكر، والصباح أَن يجْحَد أَو يُنكر، كَيفَ الْحَال بعدِي، وَمَا اعتذارك عَن إخلاف وعدي، فَقَالَ: (خُذ من زَمَانك مَا تيَسّر ... واترك بجهدك مَا تعسر) (فلرب مُجمل حَالَة ... موصى بهَا مَا لم تفسر) (والدهر لَيْسَ بدائم ... لابد أَن سيسوء أَن سر)

стр. 844

(واكتم حَدِيثك جاهدا ... شمت الْمُحدث أَو تحسر) (وَالنَّاس آنِية الزّجاج ... إِذا عثرت بِهِ تكسر) (لَا تعدم التَّقْوَى فَمن عدم ... التقى فِي النَّاس أعْسر) (وَإِذا امرء خسر الْإِلَه ... فَلَيْسَ شَيْء مِنْهُ أخسر) [ثمَّ ضرب جنب الْحمار، وَاخْتَلَطَ فِي الغمار، وَتَرَكَنِي اتقرى الْآثَار، وكل نظم فَإلَى انتثار] . وَمن ذَلِك مَا صدر عني فِي السياسة وَكَانَ إملاؤها فِي لَيْلَة وَاحِدَة حدث من امتاز بِاعْتِبَار الْأَخْبَار، وَحَازَ دَرَجَة الاشتهار، بِنَقْل حوادث اللَّيْل وَالنَّهَار، وولج بَين الكمائم والأزهار، وتلطف لخجل الْورْد من تَبَسم البهار.

стр. 845

قَالَ، سهر الرشيد لَيْلَة، وَقد مَال فِي هجر النَّبِيذ مَيْلَة، وَجهد ندماؤه فِي جلب رَاحَته، وإلمام النّوم بساحته، فشحت عهادهم، وَلم يغن اجتهادهم. فَقَالَ، اذْهَبُوا إِلَى طرق سَمَّاهَا ورسمها، وَأُمَّهَات قسمهَا، فَمن عثرتم عَلَيْهِ من طَارق ليل، أَو غثاء سيل، أَو ساحب ذيل، فبلغوه، والأمنة سوغوه، واستدعوه، وَلَا تَدعُوهُ. فطاروا عجالا، وَتَفَرَّقُوا ركبانا ورجالا، فَلم يكن إِلَّا ارتداد طرف، أَو فوَاق حرف، وَأتوا بِالْغَنِيمَةِ الَّتِي اكتسحوها، والبضاعة الَّتِي ربحوها، يتوسطهم الْأَشْعَث الأغبر، واللج الَّذِي لَا يعير، شيخ طَوِيل الْقَامَة، ظَاهر الاسْتقَامَة، سبلته مشمطة، وعَلى أَنفه من الْقبْح مطة، وَعَلِيهِ ثوب مرقوع، لطير الْخرق عَلَيْهِ وُقُوع، يهينم بِذكر مسموع، وينبي عَن وَقت مَجْمُوع. فَلَمَّا مثل سلم، وَمَا نبس بعْدهَا وَلَا تكلم. فَأَشَارَ إِلَيْهِ فَقعدَ، بعد أَن انشمر وابتعد، وَجلسَ، فَمَا اسْترق النّظر وَلَا اختلس، إِنَّمَا حَرَكَة فكره، معقودة بزمام ذكره، ولحظات اعْتِبَاره، فِي تفاصيل أخباره. فَابْتَدَرَهُ الرشيد سَائِلًا، وانحرف إِلَيْهِ مائلا، وَقَالَ مِمَّن الرجل، فَقَالَ فَارسي الأَصْل، أعجمي الْجِنْس، عَرَبِيّ الْفَصْل. قَالَ بلدك، وَأهْلك وولدك. قَالَ أما الْوَلَد، فولد الدِّيوَان، وَأما الْبَلَد، فمدينة الإيوان. قَالَ النحلة وَمَا أعملت إِلَيْهِ الرحلة، قَالَ [أما الرحلة فالاعتبار، وَأما النحلة فالأمور الْكِبَار] قَالَ، فنك، الَّذِي اشْتَمَل علية دنك، فَقَالَ، الْحِكْمَة فني الَّذِي جعلته أثيرا، وأضجعت مِنْهُ فراشا وثيرا، وَسُبْحَان الَّذِي يَقُول. وَمن يُؤْت الْحِكْمَة، فقد أُوتِيَ خيرا كثيرا، وَمَا سوى ذَلِك فتبيع، ولي فِيهِ مصطاف وتربيع. قَالَ فتعاضد جذل الرشيد وتوفر، وكأنما غشى وَجهه قِطْعَة
следующие страницы →