Полный текст (62 стр.). Показаны 36–62 · переход к 41.
стр. 36
بَاب النّسَب إِلَى الْعدَد
قَالَ الْفراء: إِذا نسبت إِلَى ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة فَإِن كَانَ يُرَاد من بني ثَلَاثَة، أَو أعطي ثَلَاثَة، قلت: ثلاثي، وَإِن كَانَ ثوبا، أَو شَيْئا طوله ثَلَاث أَذْرع، قلت: ثلاثي، إِلَى الْعشْر، الْمُذكر فِيهِ كالمؤنث، والمؤنث كالمذكر، أَرَادوا بذلك أَن يفرقُوا بَين الشَّيْئَيْنِ أَعنِي النسبتين لاختلافهما، كَمَا نسبوا إِلَى الرجل الْقَدِيم دهري وَإِن كَانَ من بني دهر من بني عَامر، قلت: دهري لَا غير.
فَإِذا نسبت إِلَى عشْرين، فَأَنت تَقول: هَذَا عشري، وثلاثي إِلَى آخر الْعدَد، وَذَلِكَ أَنهم أَرَادوا أَن يفرقُوا بَين الْمَنْسُوب إِلَى ثَلَاثِينَ وَثَلَاثَة، فَجعلُوا الْوَاو يَاء، كَمَا جعلت فِي السيلحين وَأَخَوَاتهَا إِذا احتاجوا إِلَى ذَلِك.
قَالَ أَبُو عَليّ: فعلوا ذَلِك لِئَلَّا يجمعوا بَين إعرابين.
وَقَالَ الْفراء: إِذا نسبت إِلَى خَمْسَة عشر، وَإِلَى خَمْسَة وَعشْرين، فَالْقِيَاس أَن تنْسب إِلَيْهِ خمسي، أَو ستي، وَإِنَّمَا نسبت إِلَى الأول وَلم تنْسب إِلَى الآخر لِأَن ذَلِك ينْسب إِلَيْهِ خماسي، وَذَلِكَ بِمَنْزِلَة نسبتك إِلَى ذِي الْعِمَامَة عمامي، وَلَا تقل: ذووي لِأَن ذُو ثَابت يُضَاف إِلَى كل شَيْء مُخْتَلف وَغير مُخْتَلف.
وَإِذا نسبت ثوبا إِلَى أَن طوله وَعرضه اثْنَا عشر ذِرَاعا، قلت: هَذَا ثوب ثنوي، وَهَذَا ثوب اثْنَي. وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الْأَحْمَر: إِن كَانَ الثَّوْب طوله أحد عشر ذِرَاعا، لم أنسب إِلَيْهِ،
стр. 37
كَقَوْل من يَقُول: أحد عشري بِالْيَاءِ.
وَلَكِن يُقَال: طوله أحد عشر ذِرَاعا، وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ طوله عشْرين فَصَاعِدا مثله. وَقد غلط أَبُو عبيد هَهُنَا حِين ذكر الذارع فَقَالَ: أحد عشر ذِرَاعا، وَلَا يذكرهَا أحد.
وَقَالَ السجسْتانِي: لَا يُقَال حَبل أحد عشري، وَلَا مَا جَاوز ذَلِك، وَلَا مَا ينْسب إِلَى اسْمَيْنِ جعلا بِمَنْزِلَة اسْم وَاحِد. وَإِذا نسبت إِلَى أَحدهمَا لم يعلم أَنَّك تُرِيدُ الآخر وَإِن اضطررت إِلَى ذَلِك نسبته إِلَى أَحدهمَا ثمَّ نسبته إِلَى الآخر، كَمَا قَالَ الشَّاعِر لما أَرَادَ النّسَب إِلَى رام هُرْمُز:
(تَزَوَّجتهَا رامية هرمزية ... بِفضل الَّذِي أعْطى الْأَمِير من الرزق)
وَإِذا نسبت ثوبا إِلَى أَن طوله أحد عشر قلت: أحدي عشري، وَإِن كَانَ طوله إِحْدَى عشرَة، قلت: إحدوي عشري. وَإِن كنت مِمَّن يَقُول: عشرَة قلت: إحدوي عشري، فتفتح الْعين والشين، كَمَا تَقول فِي النِّسْبَة إِلَى النمر: نمري.
وَقَالَ: لَا يقبح هَذَا التكرير مَخَافَة أَن لَا يفهم إِذا أفرد أَلا تراهم يَقُولُونَ: الله رَبِّي، وَرب زيد، فيكررون لخفاء المكني المخفوض إِذا وَقع موقع التَّنْوِين.
стр. 38
بَاب ذكر المعدول عَن جِهَته من عدد الْمُذكر والمؤنث
اعْلَم أَن المعدول عَن جِهَته من الْعدَد يمْنَع الإجراء، وَيكون للمذكر والمؤنث بِلَفْظ وَاحِد.
تَقول: أدخلُوا أحاد أحاد، وَأَنت تَعْنِي: وَاحِدًا وَاحِدًا، أَو وَاحِدَة وَاحِدَة، وادخلوا ثَنَاء ثَنَاء، وَأَنت تَعْنِي اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أَو اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ. وَكَذَلِكَ أدخلُوا ثَلَاث ثَلَاث، وَربَاع رباع.
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَسَأَلت الْخَلِيل عَن أحاد، وثناء، ومثنى، وَثَلَاث، وَربَاع، فَقَالَ: هُوَ بِمَنْزِلَة أخر، وَإِنَّمَا حَده وَاحِدًا وَاحِدًا [واثنين اثْنَيْنِ] ، فجَاء محدودا عَن وَجهه، فَترك صرفه. قلت أفتصرفه فِي النكرَة. قَالَ: لَا لِأَنَّهُ نكرَة تُوصَف بِهِ نكرَة.
قَالَ أَبُو سعيد: اعْلَم أَن أحاد، وثناء، قد عدل لَفظه وَمَعْنَاهُ، وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت: مَرَرْت بِوَاحِد، أَو اثْنَيْنِ، أَو ثَلَاثَة فَإِنَّمَا تُرِيدُ تِلْكَ الْعدة بِعَينهَا لَا أقل مِنْهَا وَلَا أَكثر. فَإِذا قلت: جَاءَنِي قوم أحاد، أَو ثَنَاء، أَو ثَلَاث، أَو رباع، فَإِنَّمَا تُرِيدُ أَنهم جاؤوني وَاحِدًا وَاحِدًا، أَو اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أَو ثَلَاثَة ثَلَاثَة، أَو أَرْبَعَة أَرْبَعَة، وَإِن كَانُوا ألوفا. وَالْمَانِع من الصّرْف فِيهِ أَرْبَعَة أقاويل: مِنْهُم من قَالَ: إِنَّه صفة ومعدول، فاجتمعت عِلَّتَانِ فمنعتاه الصّرْف. وَمِنْه من قَالَ: إِنَّه عدل فِي اللَّفْظ وَفِي الْمَعْنى، فَصَارَ كَأَن فِيهِ عَدْلَيْنِ، وهما عِلَّتَانِ: فَأَما عدل اللَّفْظ فَمن وَاحِد إِلَى أحاد، وَمن اثْنَيْنِ إِلَى ثَنَاء. وَأما عدل الْمَعْنى، فتغيير الْعدة المحصورة بِلَفْظ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَة إِلَى أَكثر من ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى.
وَقَول ثَالِث: أَنه عدل، وَأَن عدله وَقع من غير جِهَة الْعدْل لِأَن بَاب الْعدْل حَقه أَن
стр. 39
يكون للمعارف، وَهَذَا للنكرات.
وَقَول رَابِع: أَنه معدول، وَأَنه جمع لِأَنَّهُ بِالْعَدْلِ، قد صَار أَكثر من الْعدة الأولى، وَفِي ذَلِك كُله لُغَتَانِ: فعال، ومفعل كَقَوْلِك: أحاد وموحد، وثناء ومثنى، وَثَلَاث ومثلث، وَربَاع ومربع.
وَقد ذكر الزّجاج أَن الْقيَاس لَا يمْنَع أَن يبْنى مِنْهُ إِلَى الْعشْرَة على هذَيْن البناءين، فَيُقَال: خماس ومخمس، وسداس ومسدس، وسباع ومسبع، وثمان ومثمن، وتساع ومتسع، وعشار ومعشر.
وَقد صرح بِهِ كثير من اللغويين، مِنْهُم ابْن السّكيت، وَالْفراء، وَبَعض النَّحْوِيين يَقُولُونَ: إِنَّهَا معرفَة فاستدل أَصْحَابنَا على تنكيره بقوله تَعَالَى: ﴿أولي أَجْنِحَة مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ ، فوصف أَجْنِحَة، وَهُوَ نكرَة بمثنى وَثَلَاث وَربَاع.
قَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: قَالَ أَبُو إِسْحَق فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ : مثنى وَثَلَاث وَربَاع، بدل من طَابَ لكم، وَمَعْنَاهُ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا، وأربعا أَرْبعا، إِلَّا أَنه لم ينْصَرف لجهتين لَا أعلم أحدا من النَّحْوِيين ذكرهمَا، وَهِي أَنه اجْتمع فِيهِ عِلَّتَانِ: أَنه معدول عَن اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وَثَلَاث ثَلَاث. وَأَنه عدل عَن تَأْنِيث، قَالَ: وَقَالَ أَصْحَابنَا: إِنَّه اجْتمع فِيهِ عِلَّتَانِ: أَنه عدل عَن تَأْنِيث، وَأَنه نكرَة والنكرة أصل الْأَشْيَاء، فَهَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يخففه لِأَن النكرَة تخفف وَلَا تعد فرعا. وَقَالَ غَيرهم: هُوَ معرفَة، وَهَذَا محَال لِأَنَّهُ صفة للنكرة. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أولي أَجْنِحَة مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ ، فَمَعْنَاه: اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ.
стр. 40
قَالَ الشَّاعِر
(ولكنما أَهلِي بواد أنيسه ... سِبَاع تبغى النَّاس مثنى وموحد)
وَقَالَ فِي سُورَة الْمَلَائِكَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أولي أَجْنِحَة مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ ، فتح ثَلَاث وَربَاع، لِأَنَّهُ لَا ينْصَرف لعلتين: إِحْدَاهمَا أَنه معدول عَن ثَلَاثَة ثَلَاثَة، وَأَرْبَعَة أَرْبَعَة، واثنين اثْنَيْنِ. وَالثَّانيَِة: أَن عدله وَقع فِي حَال النكرَة فَأنْكر هَذَا القَوْل فِي النِّسَاء على من قَالَه، فَقَالَ: الْعدْل عَن النكرَة لَا يُوجب أَن يمْنَع من الصّرْف لَهُ.
قَالَ أَبُو عَليّ رادا عَلَيْهِ: اعْلَم أَن الْعدْل ضرب من الِاشْتِقَاق، وَنَوع مِنْهُ فَكل معدول مُشْتَقّ، وَلَيْسَ كل مُشْتَقّ معدولا، وَإِنَّمَا صَار ثقلا. وَثَانِيا أَنَّك تلفظ بِالْكَلِمَةِ وتريد بهَا كلمة على لفظ آخر فَمن هَهُنَا صَار ثقلا. وَثَانِيا أَلا ترى أَنَّك تُرِيدُ بعمر وَزفر فِي الْمعرفَة عَامِرًا وزافرا معرفتين، فَأَنت تلفظ بِكَلِمَة، وتريد أُخْرَى، وَلَيْسَ كَذَلِك سَائِر المشتقات لِأَنَّك تُرِيدُ بِسَائِر مَا تشتقه نفس اللَّفْظ الْمشق المسموع، وَلست تحيل بِهِ على لفظ آخر يدل على ذَلِك أَن ضَارِبًا ومضروبا ومستضربا ومضطربا، وَنَحْو ذَلِك لَا تُرِيدُ بِلَفْظ شَيْء مِنْهُ لفظ غَيره، كَمَا تُرِيدُ بعمر عَامِرًا، وبزفر زافرا. وبمثنى اثْنَيْنِ، فَصَارَ المعدول لما ذكرنَا من مُخَالفَته لسَائِر المشتقات ثقلا، إِذْ لَيْسَ فِي هَذَا الْجِنْس شَيْء على حد كَونه فِي اللَّفْظ لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي الْمَعْنى على حد كَونه فِي اللَّفْظ لوَجَبَ أَن يكون الْمَعْنى فِي حَال الْعدْل غير الْمَعْنى الَّذِي كَانَ قبل الْعدْل، كَمَا أَن لفظ الْعدْل غير اللَّفْظ الَّذِي كَانَ قبل الْعدْل، وَلَيْسَ
стр. 41
الْأَمر كَذَلِك. أَلا ترى أَن الْمَعْنى فِي عمر هُوَ الْمَعْنى الَّذِي كَانَ فِي عَامر، وَالْمعْنَى الَّذِي فِي مثنى هُوَ الْمَعْنى الَّذِي كَانَ فِي اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، على أَن الْعدْل فِي الْمَعْنى لَو كَانَ ثقلا عِنْدهم وَثَانِيا فِي هَذَا الضَّرْب من الِاشْتِقَاق لوَجَبَ أَن يكون ثَانِيًا فِي سَائِر الِاشْتِقَاق الَّذِي لَيْسَ بِعدْل، كَمَا أَن التَّعْرِيف لما كَانَ ثَانِيًا مَعَ جَمِيع الْأَسْبَاب الْمَانِعَة من الصّرْف.
ثَانِيًا: فَلَو كَانَ الْعدْل فِي الْمَعْنى ثقلا لَكَانَ فِي سَائِر الِاشْتِقَاق كَذَلِك، كَمَا أَن التَّعْرِيف لما كَانَ ثقلا كَانَ مَعَ سَائِر الْأَسْبَاب الْمَانِعَة للصرف كَذَلِك، وَلَو كَانَ كَذَلِك، لَكَانَ يجب من هَذَا مَتى انْضَمَّ - إِلَى بعض المشتقات من أَسمَاء الفاعلين، أَو المفعولين، أَو الْمَكَان، أَو الزَّمَان، أَو غير ذَلِك - التَّعْرِيف أَن لَا ينْصَرف، إِذا انْضَمَّ إِلَى عدل اللَّفْظ التَّعْرِيف، وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، فَإِذا كَانَ الحكم بِالْعَدْلِ فِي الْمَعْنى يُؤَدِّي إِلَى هَذَا الَّذِي هُوَ خطأ بِلَا إِشْكَال علمت أَنه فَاسد. وَأَيْضًا فَإِن الْعدْل فِي الْمَعْنى فِي هَذِه الْأَشْيَاء لَا يَصح كَمَا صَحَّ الْعدْل فِي اللَّفْظ لِأَن الْمعَانِي الَّتِي كَانَت أَسمَاء المعدول عَنْهَا تدل عَلَيْهَا مُرَادة مَعَ الْأَلْفَاظ المعدولة، كَمَا كَانَت المرادة فِي الْأَلْفَاظ المعدول عَنْهَا هِيَ، فَكيف يجوز أَن يُقَال: إِنَّهَا معدول عَنْهَا كَمَا يُقَال فِي الْأَلْفَاظ وَهِي مُرَادة مَقْصُودَة
أَلا ترى انك تُرِيدُ فِي قَوْلك: عمر الْمَعْنى الَّذِي كَانَ يدل عَلَيْهِ عَامر. فَإِذا كَانَ كَذَلِك، لم يكن قَول من قَالَ: إِن مثنى وَنَحْوه إِنَّه لم ينْصَرف لِأَنَّهُ عدل فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى بِمُسْتَقِيم. وَإِذا كَانَ الْعدْل مَا ذَكرْنَاهُ من أَنه لفظ يُرَاد بِهِ لفظ آخر لم يمْتَنع أَن يكون الْعدْل وَاقعا على النكرَة، كَمَا يَقع على الْمعرفَة، وَلم يجز أَن يتَكَرَّر الْعدْل فِي اسْم وَاحِد. وَإِذا كَانَ كَذَلِك، فَقَوْل أبي إِسْحَاق فِي مثنى وَثَلَاث وَربَاع: لم ينْصَرف لجهتين لَا أعلم أحدا من النَّحْوِيين ذكرهمَا وهما أَنه اجْتمع عِلَّتَانِ معدول عَن اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وَأَنه عدل عَن تَأْنِيث خطأ. وَذَلِكَ أَنه لَا يَخْلُو أَن يكون لما عدل عَن اثْنَتَيْنِ اثنيتن، وَثَلَاث ثَلَاث، وَعدل عَن التَّأْنِيث تكَرر فِيهِ الْعدْل، كَمَا تكَرر الْجمع فِي أكالب، ومساجد، أَو يكون لما عدل عَن التَّأْنِيث كَانَ ذَلِك ثقلا آخر من حَيْثُ كَانَ المعدول عَنهُ مؤنثا، وَلم يكن الأول الْمُذكر، فَلَا يجوز أَن يكون الْعدْل متكررا فِي هَذَا، كَمَا تكَرر الْجمع فِي أكالب، ومساجد، والتأنيث فِي بشرى، وَنَحْوه
стр. 42
لما قدمْنَاهُ من أَن الْعدْل إِنَّمَا هُوَ أَن يُرِيد بِاللَّفْظِ لفظا آخر، وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يجز أَن يتَكَرَّر هَذَا الْمَعْنى لَا فِي المعدول عَنهُ، وَلَا فِي المعدول. أَلا ترى أَنه لَا يَسْتَقِيم أَن يكون معدولا عَن اسْمَيْنِ، كَمَا لَا يجوز أَن يكون المعدول اسْمَيْنِ وَلَا يوهمنك قَول النَّحْوِيين: إِنَّه عدل عَن اثْنَيْنِ أثنين، أَنهم يُرِيدُونَ بمثنى الْعدْل عَنْهُمَا، إِنَّمَا ذَلِك تَمْثِيل مِنْهُم للفظة المعدول عَنْهَا، كَمَا يفسرون قَوْلهم: هُوَ خير رجل فِي النَّاس، وهما خير اثْنَيْنِ فِي النَّاس، أَن الْمَعْنى هما خير اثْنَيْنِ، وَإِذا كَانَ النَّاس اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ. وَخير النَّاس، إِذا كَانُوا رجلا رجلا. وَكَذَلِكَ يُرِيدُونَ بقَوْلهمْ: مثنى معدول عَن اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ يُرِيدُونَ بِهِ اثْنَيْنِ الَّذِي يُرَاد بِهِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، لَا عَن اللفظتين جَمِيعًا. فَأَما المعدول فَإِنَّهُ لَا يكون إِلَّا اسْما وَاحِدًا مُفردا، كَمَا كَانَ المعدول عَنهُ كَذَلِك. أَلا ترى أَن جَمِيع المعدولات أَسمَاء مُفْردَة، كَمَا أَن المعدول عَنْهَا كَذَلِك.
وَالْمعْنَى فِي المعدول الَّذِي هُوَ مثنى وَثَلَاث هُوَ الْمَعْنى الَّذِي فِي اثْنَيْنِ وَثَلَاث فِي أَنَّك تُرِيدُ بعد الْعدْل اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، كَمَا أردْت قبله فَلَا يَسْتَقِيم إِذا أَن يكون تكَرر اثْنَيْنِ هُنَا كتكرر الْجمع فِي أكالب وَنَحْوه لظُهُور هَذَا الْمَعْنى فِي هَذَا الضَّرْب من الْجمع وَخُرُوجه بِهِ عَن أبنية الْآحَاد الأول إِلَى مَا لَا يكسر للْجمع، وَلَا يجوز أَيْضا أَن يكون مثنى لما عدل عَن التَّأْنِيث كَانَ ثقلا آخر لما لم يكن المعدول عَنهُ هُوَ الأول الْمُذكر، فَصَارَ ذَلِك ثقلا انْضَمَّ إِلَى الْمَعْنى الأول فَلم ينْصَرف. وَإِلَى هَذَا الْوَجْه قصد أَبُو إِسْحَاق فِيمَا علمناه من فحوى كَلَامه لِأَن الْعدْل إِن سلمنَا فِي هَذَا الْموضع أَنه عَن تَأْنِيث لم يكن ثقلا مَانِعا من الصّرْف أَنَّهَا معدولة، وَأَنَّهَا عدلت عَن التَّأْنِيث إِنَّمَا امْتنعت من الصّرْف للعدل والتعريف. أَلا ترى أَن سِيبَوَيْهٍ يصرف جمع إِذا سمي بِهِ رجل فِي النكرَة. فَإِن كَانَ لَا يصرف أَحْمد، إِذا سمي بِهِ، فَكَذَلِك جمع لم ينْصَرف فِي التَّأْكِيد للعدل والتعريف، والمعدول غير مؤنث.
ويدلك على أَن الْعدْل عَن التَّأْنِيث لَا يعْتد بِهِ ثقلا، وَإِنَّمَا المعتد بِهِ نفس الْعدْل، وَهُوَ أَن يُرِيد بِبِنَاء أَو لفظ بِنَاء ولفظا آخر، أَن التَّعْرِيف ثَان، كَمَا أَن التَّأْنِيث كَذَلِك، وَلم يكن الْعدْل عَن التَّعْرِيف ثقلا معتدا بِهِ فِي منع الصّرْف. أَلا ترى أَنه لَو كَانَ معتدا بِهِ لوَجَبَ أَن لَا ينْصَرف عمر فِي النكرَة لِأَنَّهُ لَو كَانَ يكون فِي حَال النكرَة معدولا، ومعدولا عَن
стр. 43
التَّعْرِيف. وَفِي صرف عمر فِي النكرَة فِي قَول جَمِيع النَّاس دلَالَة على أَن الْعدْل عَن التَّعْرِيف غير مُعْتَد بِهِ ثقلا وَإِذا لم يعْتد بِهِ ثقلا لم يجز أَيْضا أَن يعْتد بِالْعَدْلِ عَن التَّأْنِيث ثقلا. وَإِنَّمَا لم ينْصَرف عمر فِي التَّعْرِيف للعدل والتعريف، كَمَا لم ينْصَرف جمع لَهما، فَإِذا زَالَ التَّعْرِيف انْصَرف عمر، وَلم يعْتد بِالْعَدْلِ فِيهِ عَن التَّعْرِيف ثقلا، فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يكون المعدول عَن التَّأْنِيث لِأَن هَذَا إِنَّمَا هُوَ تَأْنِيث جمع، وَلَا يدل جريه على الْمُؤَنَّث إِذا كَانَ جمعا، على أَن واحده مؤنث. أَلا ترى أَنه قد جَاءَ فِي التَّنْزِيل: ﴿أولي أَجْنِحَة مثنى وَثَلَاث وَربَاع﴾ ، فَجرى فِي هَذَا الْموضع على جمع واحده مُذَكّر، فَلَو جَازَ لقَائِل أَن يَقُول: إِن مثنى وبابه معدول عَن مؤنث لما جرى على النِّسَاء وإحداهن مؤنث لجَاز لآخر أَن يَقُول: إِنَّه مُذَكّر لِأَنَّهُ جرى صفة على الأجنحة وَاحِدهَا مُذَكّر، وَهَذَا هُوَ القَوْل وَالْوَجْه. وَإِنَّمَا جرى على النِّسَاء من حَيْثُ كَانَ تأنيثها تَأْنِيث الْجمع، وَهَذَا الضَّرْب من التَّأْنِيث لَيْسَ بحقيقي.
أَلا ترى أَنَّك تَقول: هِيَ الرِّجَال، كَمَا تَقول: هِيَ النِّسَاء، فَلَمَّا كَانَ تَأْنِيث النِّسَاء تَأْنِيث جمع، جرت عَلَيْهِ هَذِه الْأَسْمَاء، كَمَا جرت على غير النِّسَاء مِمَّا تأنيثه تَأْنِيث جمع لِأَن تَأْنِيث الْجمع لَيْسَ بحقيقي، وَإِنَّمَا هُوَ من أجل اللَّفْظ، فَهُوَ مثل الدَّار وَالنَّار، وَمَا أشبه ذَلِك. وَقد جرت هَذِه الْأَسْمَاء على الْمُذكر الْحَقِيقِيّ. قَالَ الشَّاعِر:
(أحم الله ذَلِك من لِقَاء ... أحاد أحاد فِي شهر حَلَال)
стр. 44
فأحاد أحاد جَار على الفاعلين فِي الْمصدر حَالا. وَقَالَ الشَّاعِر أَيْضا:
(وَلَقَد قتلتكم ثَنَاء وموحدا ... )
وَبَيت الْكتاب جرى فِيهِ مثنى وموحد على ذئاب، وَهُوَ جمع، وَإِنَّمَا نرى أَن النَّحْوِيين رَغِبُوا عَن هَذَا القَوْل الَّذِي ذهب إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاق، لهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ مِمَّا يدْخل عَلَيْهِ. فَأَما ذكره من قَوْله: قَالَ أَصْحَابنَا إِنَّه اجْتمع فِيهِ عِلَّتَانِ أَنه عدل عَن تَأْنِيث، وَأَنه نكرَة، والنكرة أصل الْأَشْيَاء. فَهَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يخففه لِأَن النكرَة تخفف وَلَا تعد فرعا. فَاعْلَم أَنه غلط بَين فِي الْحِكَايَة عَنْهُم، وَلم يقل - فِيمَا علمت - أحد مِنْهُم فِي ذَلِك مَا حَكَاهُ عَنْهُم وَإِنَّمَا يذهبون فِي امتناعهم من الِانْصِرَاف إِلَى أَنه معدول، وَأَنه صفة.
قَالَ: وَقَالَ أَبُو الْحسن، وَغَيره من أَصْحَابنَا: النكرَة، وَإِن كَانَت الأَصْل، فَإِذا عدل عَنْهَا الِاسْم كَانَ فِي حكم الْعدْل عَن الْمعرفَة فِي الْمَنْع من الصّرْف إِذا انْضَمَّ إِلَيْهِ غَيره لمساواته - فِي الْمَعْنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ - الْمعرفَة، يدلك على ذَلِك امْتِنَاعه من الصّرْف فِي النكرَة عِنْدهم، وَلَيْسَ يَصح أَن يمْنَع من صرفه إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ عَنْهُم من الْعدْل وَالصّفة.
وَقَالَ الْفراء: الْعَرَب لَا تجَاوز رباع، غير أَن الْكُمَيْت قد قَالَ:
стр. 45
(فَلم يستر يثوك حَتَّى رميت ... فوف الرِّجَال خِصَالًا عشارا)
فَجعل عشار على مخرج ثَلَاث، وَهَذَا مِمَّا لَا يُقَاس عَلَيْهِ.
وَقَالَ فِي مثلث ومثنى ومربع: إِن أردْت بِهِ مَذْهَب الْمصدر لَا مَذْهَب الصّرْف، جرى، كَقَوْلِك: ثنيتهم مثنى، وثلثتهم مثلثا، وربعتهم مربعًا.
стр. 46
بَاب تَعْرِيف الْعدَد
قد اخْتلف النحويون فِي تَعْرِيف الْعدَد، فَقَالَ البصريون: مَا كَانَ من ذَلِك مُضَافا أدخلنا الْألف وَاللَّام فِي آخِره فَقَط، فَصَارَ آخِره معرفَة بِالْألف وَاللَّام، ويتعرف مَا قبل الْألف وَاللَّام بِالْإِضَافَة إِلَى الْألف وَاللَّام.
فَإِن زَاد على وَاحِد وَأكْثر أضفت بَعْضًا إِلَى بعض، وَجعلت آخِره بِالْألف وَاللَّام. تَقول فِي تَعْرِيف ثَلَاثَة أَثوَاب: ثَلَاثَة الأثواب. وَفِي مائَة دِرْهَم: مائَة الدِّرْهَم. وَفِي مائَة ألف دِرْهَم: مائَة ألف الدِّرْهَم.
وَلَيْسَ خلافًا فِي أَن هَذَا صَحِيح، وَأَنه من كَلَام الْعَرَب. قَالَ الشَّاعِر وَهُوَ ذُو الرمة:
(وَهل يرجع التَّسْلِيم أَو يكْشف الْعَمى ... ثَلَاث الأثافي والديار البلاقع)
وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ إِدْخَال الْألف وَاللَّام على الأول وَالثَّانِي، وشبهوا ذَلِك بالْحسنِ الْوَجْه، فَقَالُوا: الثَّلَاثَة الأثواب، والخمسة الدَّرَاهِم، كَمَا تَقول: هَذَا الْحسن الْوَجْه وقاسوا هَذَا بِمَا طَال أَيْضا فَقَالُوا: الثَّلَاث الْمِائَة الْألف الدِّرْهَم.
وَإِذا كَانَ الْعدَد مَنْصُوبًا، فالبصريون يدْخلُونَ الْألف وَاللَّام على الأول، فَتَقول فِي أحد عشر درهما الْأَحَد عشر درهما، وَالْعشْرُونَ درهما، وَالتِّسْعُونَ رجلا، وَمَا جرى مجْرَاه وَإِن طَال. وَيَقُولُونَ فِي عشْرين ألف دِرْهَم: الْعشْرُونَ ألف دِرْهَم، لَا يزِيدُونَ غير الْألف وَاللَّام فِي أَوله.
والكوفيون يدْخلُونَ الْألف وَاللَّام فيهمَا جَمِيعًا، فَيَقُولُونَ: الْعشْرُونَ الدِّرْهَم، والأحد
стр. 47
عشر الدِّرْهَم.
وَمِنْهُم من يدْخل الْألف وَاللَّام فِي ذَلِك كُله، فَيَقُولُونَ: الْأَحَد الْعشْر الدِّرْهَم.
وَاخْتلفُوا أَيْضا فِيمَا كَانَ من أَجزَاء الدِّرْهَم، كَنِصْف، وَثلث، وَربع إِذا عرفوه. فَأهل الْبَصْرَة يَقُولُونَ: نصف الدِّرْهَم، وَثلث الدِّرْهَم، وَربع الدِّرْهَم، يدْخلُونَ الْألف وَاللَّام فِي الْأَخِيرَة.
والكوفيون أجروه مجْرى الْعدَد، فَقَالُوا: النّصْف الدِّرْهَم، شبهوه بالْحسنِ الْوَجْه. وَقَالَ أهل الْبَصْرَة: إِذا جعلت الْجَمِيع نفسا للمقدار جَازَ، وأتبعت الْجَمِيع إِعْرَاب الْمِقْدَار كَقَوْلِك: الْخَمْسَة الدَّرَاهِم، وَرَأَيْت الْخَمْسَة الدَّرَاهِم، ومررت بالخمسة الدَّرَاهِم، وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا.
فَأَما الْفَارِسِي فَقَالَ: روى أَبُو زيد فِيمَا حَكَاهُ أَبُو عمر عَنهُ أَن قوما من الْعَرَب غير فصحاء يَقُولُونَهُ، وَلم يَقُولُوا: النّصْف الدِّرْهَم، وَلَا الثُّلُث الدِّرْهَم، فامتناعه من الاطراد يدل على ضعفه، فَإِذا بلغ الْمِائَة أضيف إِلَى الْمُفْرد فَقيل: مائَة ردهم فَاجْتمع فِي الْمِائَة مَا افترق فِي عشرَة وَتِسْعين من حَيْثُ كَانَ عشر عشرات، وَكَانَ العقد الَّذِي بعد التسعين، وَكَذَلِكَ مِائَتَا دِرْهَم، وَمَا بعده إِلَى الْألف، فَإِذا عرف فَقيل: مائَة الدِّرْهَم، وَمِائَتَا الدِّرْهَم، وثلاثمائة الدِّرْهَم تعرف الْمُضَاف إِلَيْهِ كَمَا تقدم.
стр. 48
بَاب ذكر الْعدَد الَّذِي ينعَت بِهِ الْمُذكر والمؤنث
وَذَلِكَ قَوْلك: رَأَيْت الرِّجَال ثَلَاثَتهمْ، وَكَذَلِكَ إِلَى الْعشْر. وَرَأَيْت النِّسَاء ثلاثتهن، وَكَذَلِكَ إِلَى الْعشْرَة تنصبه على الْوَصْف، وَإِن شِئْت على الْمصدر وَلذَلِك جعله سِيبَوَيْهٍ من بَاب رَأَيْته وَحده، ومررت بِهِ وَحده. وَمثل الْجَمِيع بقوله: أفرادا ليريك كَيفَ وضع مَوضِع الْمصدر. وَإِن لم يكن لَهُ فعل بِمَا يجْرِي على الْهَاء. وَأَبُو حَاتِم يرى الْإِضَافَة فِيمَا جَاوز الْعشْرَة وَالْعشر، فَيَقُول: رَأَيْتهمْ أحد عشرهم، وَكَذَلِكَ إِلَى تِسْعَة عشرَة، ورأيتهن إِحْدَى عشرتهن، وَكَذَلِكَ إِلَى التسع عشرَة. وَقَالَ: رَأَيْتهمْ عشريهم، ورأيتهن عشريهن، ورأيتهم أحدهم وعشريهم، وإحداهن وعشريهن، وَكَذَلِكَ فِي الثَّلَاثِينَ وَمَا بعْدهَا، وَالْأَرْبَعِينَ وَمَا بعْدهَا إِلَى الْمِائَة.
وَتَقَع الْإِضَافَة فِي الْمِائَة وَالْألف على ذَلِك الْحسب.
стр. 49
هَذَا بَاب مَا لَا يحسن أَن تضيف إِلَيْهِ الْأَسْمَاء الَّتِي تبين بهَا الْعدَد إِذا جَاوَزت الِاثْنَيْنِ إِلَى الْعشْرَة
وَذَلِكَ الْوَصْف تَقول: هَؤُلَاءِ ثَلَاثَة قرشيون، وَثَلَاثَة مُسلمُونَ، وَثَلَاثَة صَالِحُونَ، فَهَذَا وَجه الْكَلَام كَرَاهِيَة أَن تجْعَل الصّفة كالاسم إِلَّا أَن يضْطَر شَاعِر. وَهَذَا يدلك على أَن النسابات إِذا قلت: ثَلَاثَة نسابات إِنَّمَا يَجِيء كَأَنَّهُ وصف لمذكر لَان لَيْسَ موضعا يحسن فِيهِ الصّفة لَا يحسن الِاسْم، فَلَمَّا لم يَقع إِلَّا وَصفا صَار الْمُتَكَلّم كَأَنَّهُ قد لفظ بمذكرين ثمَّ وَصفهم بهَا. قَالَ الله : ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ .
قَالَ أَبُو عَليّ: قد تقدم من الْكَلَام أَن الْعدَد حَقه أَن يبين بالأنواع لَا بِالصِّفَاتِ فَلذَلِك لم يحسن أَن تَقول: ثَلَاثَة قرشيين لأَنهم لَيْسُوا بِنَوْع، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن تَقول: ثَلَاثَة رجال قرشيين.
وَلَيْسَ إِقَامَة الصّفة مقَام الْمَوْصُوف بالمستحسنة فِي كل مَوضِع. وَرُبمَا جرت الصّفة لكثرتها فِي كَلَامهم مجْرى الْمَوْصُوف فيستغنى بهَا لكثرتها عَن الْمَوْصُوف، كَقَوْلِك: مَرَرْت بمثلك، وَلذَلِك قَالَ : ﴿فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ ، أَي عشر حَسَنَات أَمْثَالهَا.
стр. 50
بَاب التَّارِيخ
معرفَة التَّارِيخ: فَإِنَّهُم يَكْتُبُونَ أول لَيْلَة من الشَّهْر: كتبت مهل شهر كَذَا وَكَذَا، ومستهل شهر كَذَا وَكَذَا، وغرة شهر كَذَا وَكَذَا. ويكتبون: فِي أول يَوْم كَذَا، ويكتبون: فِي أول يَوْم من الشَّهْر. وَكتب أول يَوْم من شهر كَذَا، أَو لليلة خلت وَمَضَت من شهر كَذَا. وَلَا يَكْتُبُونَ مهلا، وَلَا مستهلا إِلَّا فِي أول لَيْلَة. وَلَا يكتبونه بنهار لِأَنَّهُ مُشْتَقّ من الْهلَال. والهلال مُشْتَقّ من قَوْلهم: أهل بِالْعُمْرَةِ وَالْحج، إِذا رفع صَوته فيهمَا بِالتَّلْبِيَةِ فَقيل لَهُ هِلَال لَان النَّاس يهلون إِذا رَأَوْهُ يُقَال: أهل الْهلَال واستهل وَلَا يُقَال أهل.
وَيُقَال: أَهْلَلْنَا، إِذا دَخَلنَا فِي الْهلَال.
وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة: يُقَال لَهُ هِلَال لليلتين، ثمَّ يُقَال بعد قمر.
وَقَالَ بَعضهم: يُقَال لَهُ هِلَال إِلَى أَن يكمل نوره وَذَلِكَ لسبع لَيَال وَالْأول أشبه وَأكْثر، وَقد أبنت ذَلِك فِي بَاب أَسمَاء الْقَمَر وَصِفَاته.
ويكتبون: لثلاث خلون، ولأربع خلون.
وَيَقُولُونَ: قد صمنا مذ ثَلَاث، فيغلبون اللَّيَالِي على الْأَيَّام لِأَن الْأَهِلّة فِيهَا إِذا جَاوَزت الْعشْر كَانَ الِاخْتِيَار أَن تَقول: لإحدى عشرَة لَيْلَة خلت وَمَضَت.
وَإِنَّمَا اخْتَارُوا فِيمَا بعد الْعشْرَة خلت وَمَضَت، وَفِيمَا قبل الْعشْرَة خلون ومضين، لِأَن مَا بعد الْعشْرَة يبين بِوَاحِد أَو وَاحِدَة.
وَمَا قبل الْعشْرَة يُضَاف إِلَى جَمِيع.
وَاخْتَارَ أهل اللُّغَة أَن يُقَال لِلنِّصْفِ من شهر كَذَا، فَإِذا كَانَ يَوْم سِتَّة عشر، قَالُوا: أَربع عشرَة لَيْلَة بقيت.
وَخَالفهُم أهل النّظر فِي هَذَا وَقَالُوا: تَقول: لخمس عشرَة لَيْلَة خلت، وَلست عشرَة لَيْلَة مَضَت لِأَن الشَّهْر قد يكون تِسْعَة وَعشْرين، وَهَذَا هُوَ الْحق لِأَن أهل اللُّغَة قد قَالُوا:
стр. 51
لَو قَالَ: لست عشرَة لَيْلَة مَضَت لَكَانَ صَوَابا، فقد صَار هَذَا إِجْمَاعًا.
ثمَّ اخْتَارُوا مَا لم يوافقهم عَلَيْهِ أهل النّظر.
ويكتبون آخر لَيْلَة من الشَّهْر، وَكتب آخر لَيْلَة من شهر كَذَا وَكَذَا.
وَكَذَلِكَ إِن كَانَ آخر يَوْم من الشَّهْر كتبُوا: وَكتب آخر يَوْم من شهر كَذَا، وسلخ شهر كَذَا.
فَإِذا بقيت من الشَّهْر لَيْلَة، قَالُوا: كتبنَا سلخ شهر كَذَا، وَلم يكتبوا: لليلة بقيت، كَمَا لم يكتبوا: لليلة خلت وَلَا مَضَت، وهم فِي اللَّيْلَة جعلُوا الخاتمة فِي حكم الْفَاتِحَة حَيْثُ قَالُوا: غرَّة شهر كَذَا، وَلم يَقُولُوا: لليلة خلت وَلَا مَضَت لأَنهم فِيهَا بعد، وَلم تمض، فَقَالُوا: سلخ شهر كَذَا.
قَالَ أَبُو زيد: سلخنا شهر كَذَا سلخا فسلخ فِيمَا يؤرخ مصدر أقيم مقَام اسْم الزَّمَان.
стр. 52
بَاب الْأَفْعَال المشتقة من أَسمَاء الْعدَد
أَبُو عبيد: كَانَ الْقَوْم وترا فشفعتهم شفعا، وَكَانُوا شفعا فوترتهم وترا.
ابْن السّكيت: الْوتر وَالْوتر، وَقد أوترت ووترت من الْوتر.
والخسا: الْفَرد.
والزكا: الزَّوْج.
قَالَ الْكُمَيْت:
(بِأَدْنَى خسا أوزكا من سنيك ... إِلَى أَربع فبقوك انتظارا)
بقوك: انتظروك يُقَال: بَقِيَّته أبقيه: إِذا راعيته ونظرته.
وَيُقَال: ابق لي الْأَذَان: أَي ارقبه لي.
وَقَالَ الشَّاعِر:
(فَمَا زلت أُبْقِي الظعن حَتَّى كَأَنَّهَا ... أواقي سدى تغتالهن الحوائك)
وَقَالَ آخر فِي خسا.
وَذكر قدرا:
(ثبتَتْ قَوَائِمهَا خسا وترنمت ... غَضبا كَمَا يترنم السَّكْرَان)
عَنى بالقوائم هَهُنَا: الأثافي.
ابْن دُرَيْد: تخاسى الرّجلَانِ: تلاعبا بِالزَّوْجِ والفرد وَيُقَال: ثلثت الْقَوْم أثلتهم ثلثا،
стр. 53
بِكَسْر اللَّام إِذا كنت لَهُم ثَالِثا.
أَبُو عبيد: كَانُوا ثَلَاثَة فربعتهم: أَي صرت رابعهم، وَكَانُوا أَرْبَعَة فخمستهم، إِلَى الْعشْرَة، وَكَذَلِكَ إِذا أخذت الثُّلُث من أَمْوَالهم قلت: ثلثتهم، وَفِي الرّبع ربعتهم، إِلَى الْعشْر مثله.
فَإِذا جِئْت إِلَى يفعل قلت فِي الْعدَد: يثلث ويخمس، إِلَى الْعشْرَة.
وَفِي الْأَمْوَال يثلث ويخمس، إِلَى الْعشْر إِلَّا ثَلَاثَة أحرف، فَإِنَّهَا بِالْفَتْح فِي الحدين جَمِيعًا يربع، ويسبع، ويتسع.
وَقَالَ: تَقول: كَانُوا ثَلَاثَة فأربعوا: أَي صَارُوا أَرْبَعَة.
وَكَذَلِكَ أخمسوا، وأسدسوا، إِلَى الْعشْرَة على أفعل وَمَعْنَاهُ أَن يصيروا هم كَذَلِك، وَلم يَقُولُوا: أربعتهم أَو ربعهم فلَان.
ابْن السّكيت: عِنْدِي عشرَة فأحدهن وآحدهن، أَي صيرهن أحد عشر.
وَحكى بَعضهم: فاحدهن، فإمَّا أَن يكون على الْقلب، كَمَا قدمنَا فِي حادي عشر، وَإِمَّا أَن يكون على مَا قدمنَا من الْحِكَايَة عَن الْكسَائي من أَنه سمع الْأسد تَقول: حادي عشْرين.
أَبُو عبيد: كَانُوا تِسْعَة وَعشْرين فثلثتهم: أَي صرت لَهُم تَمام ثَلَاثِينَ.
وَكَانُوا تِسْعَة وَثَلَاثِينَ فربعتهم، مثل لفظ الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة، وَكَذَلِكَ جَمِيع الْعُقُود إِلَى الْمِائَة، فَإِذا بلغت الْمِائَة قلت: كَانُوا تِسْعَة وَتِسْعين فأمأيتهم مِثَال أفعلتهم.
وَكَانُوا تِسْعمائَة وَتِسْعَة وَتِسْعين فآلفتهم، ممدودة، وَكَذَلِكَ إِذا صَارُوا هم كَذَلِك قلت: قد أمأوا، وآلفوا مِثَال أفعلوا: أَي صَارُوا مائَة وألفا.
стр. 54
بَاب الأبعاض والكسور
ابْن السّكيت: عشر، وتسع، وَثمن، وَسبع، وَسدس، وَخمْس، وَربع، وَثلث.
وَجمع كل ذَلِك أَفعَال، وَقد تقدم تصريف فعل جَمِيع هَذِه الْأَفْعَال.
صَاحب الْعين: النّصْف: أحد جزءي الْكَمَال.
الْأَصْمَعِي: نصف.
فَأَما نصف فلغة الْعَامَّة.
صَاحب الْعين: نصف لُغَة رَدِيئَة فِي نصف.
ابْن السّكيت: نصف وَنصف لُغَتَانِ، وَالْكَسْر أَعلَى.
صَاحب الْعين: وَالْجمع أَنْصَاف، وَقد نصفت الشَّيْء: جعلته نِصْفَيْنِ، وَقد تقدم تنصيف الْإِنَاء وَالشرَاب وَالشَّجر فِي مَوْضِعه.
والشطر: النّصْف، والجميع شطور، وَقد تقدم التشطير فِي الْإِنَاء، والشطار فِي الطلي وَنَحْوه.
стр. 55
ذكر العشير وَمَا جَاءَ على وَزنه من أَسمَاء الكسور
أَبُو عبيد: يُقَال ثليث وخميس، وسديس، وسبيع، وَالْجمع أَسْبَاع، وثمين، وتسيع، وعشير، يُرِيد الثُّلُث، وَالْخمس، وَالسُّدُس، والسبع، وَالثمن، وَالتسع، وَالْعشر.
قَالَ: وَقَالَ أَبُو زيد: لم يعرفوا الْخَمِيس وَلَا الرّبيع وَلَا الثليث.
غَيره: السبيع: السَّابِع وَأنْشد أَبُو عبيد:
(وألقيت سهمي وَسطهمْ حِين أوخشوا ... فَمَا صَار لي فِي الْقسم إِلَّا ثمينها)
وأوخشوا: خلطوا.
وَقَالَ فِي النصيف:
(لم يغذها مد وَلَا نصيف ... )
قَالَ ابْن دُرَيْد: فَقَالَ النصيف هَهُنَا مكيال.
стр. 56
وَمن الْأَسْمَاء الْوَاقِعَة على الْأَعْدَاد
الأستار: أَرْبَعَة من كل عدد.
قَالَ جرير:
(إِن الفرزدق والبعيث وَأمه ... وَأَبا البعيث لشر مَا استار)
والنواة: خَمْسَة.
وَالْأُوقِية: أَرْبَعُونَ.
والنش: عشرُون.
وَالْفرق: سِتَّة عشر.
стр. 57
الْمَقَادِير والألفاظ الدَّالَّة على الْأَعْدَاد من غير مَا تقدم
الشيع: مِقْدَار من الْعدَد، تَقول: أَقمت شهرا، أَو شيع شهر.
وَمَعَهُ مائَة رجل، أَو شيع ذَلِك.
وآتيك غَدا، أَو شيعه: أَي بعده لَا يسْتَعْمل إِلَّا فِي الْوَاحِد.
стр. 58
بَاب الْأَلْفَاظ الدَّالَّة على الْعُمُوم وَالْخُصُوص
وَهِي: كل، وأجمعون، أكتعون، أبصعون، وَبَعض، وَأي.
وَمَا أبين هَذِه بقسطها من الْإِعْرَاب واللغة حَتَّى آتِي على جَمِيع ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
فَأول ذَلِك كل: وَهِي لَفْظَة صيغت للدلالة على الْإِحَاطَة وَالْجمع، كَمَا أَن كلا لَفْظَة صيغت للدلالة على التَّثْنِيَة، وَلَيْسَ كلا من لفظ كل، وسأريك ذَلِك كُله إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
وَبَعض: لَفْظَة صيغت للدلالة على الطَّائِفَة لَا على الْكل، فهاتان اللفظتان دالتان على معنى الْعُمُوم وَالْخُصُوص.
وكل نِهَايَة فِي الدّلَالَة على الْعُمُوم.
وَبَعض لَيست نِهَايَة فِي الدّلَالَة على الْخُصُوص.
أَلا ترى أَنَّهَا قد تقع على نصف الْكل، وعَلى ثَلَاثَة أَرْبَاعه، وعَلى معظمه وَأَكْثَره، وبالعموم فَإِنَّهَا تقع على الشَّيْء كُله مَا عدا أقل جُزْء مِنْهُ.
وَقد بعضت الشَّيْء: فرقت أجزاءه، وتبعض هُوَ.
وَيكون بعض بِمَعْنى كل، كَقَوْلِه:
(أَو يعتلق بعض النُّفُوس حمامها ... )
فالموت لَا يَأْخُذ بَعْضًا ويدع بَعْضًا.
وَمن الْعَرَب من يزِيد بَعْضًا، كَمَا يزِيد مَا، كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يصبكم بعض الَّذِي يَعدكُم﴾ ، حَكَاهُ صَاحب الْعين، وَهَذَا خطأ لِأَن بَعْضًا
стр. 59
اسْم، والأسماء لَا تزاد: فَأَما هُوَ وَأَخَوَاتهَا الَّتِي للفصل، فَإِنَّمَا زيدت لمضارعة الضَّمِير الْحَرْف، وَقد أَنْعَمت شرح هَذَا عِنْد الرَّد على أبي إِسْحَاق فِي قَوْله : ﴿مثل الْجنَّة﴾ .
وَنحن آخذون فِي تَبْيِين كل ومقدمون لَهَا على بعض لفضل الْأَعَمّ على الْأَخَص فَأَقُول:
إِن كلا لفظ وَاحِد، وَمَعْنَاهُ جَمِيع، وَلِهَذَا يحمل مرّة على اللَّفْظ، وَمرَّة على الْمَعْنى فَيُقَال: كلهم ذَاهِب، وَكلهمْ ذاهبون، وكل ذَلِك قد جَاءَ بِهِ الْقُرْآن وَالشعر، ويحذف الْمُضَاف إِلَيْهِ فَيُقَال: كل ذَاهِب، وَهُوَ بَاقٍ على مَعْرفَته.
وَبَعض يجْرِي هَذَا المجرى، وإليها أَوْمَأ سِيبَوَيْهٍ حِين قَالَ: هَذَا بَاب مَا ينْتَصب خَبره لِأَنَّهُ قَبِيح أَن يكون صفة، وَهِي معرفَة لَا تُوصَف، وَلَا تكون وَصفا، وَذَلِكَ قَوْلك: مَرَرْت بِكُل قَائِما، وببعض جَالِسا، وَإِنَّمَا خروجهما من أَن يكون وَصفا أَو موصوفين لِأَنَّهُ لَا يحسن لَك أَن تَقول: مَرَرْت بِكُل الصَّالِحين، وَلَا بِبَعْض الصَّالِحين، قبح الْوَصْف حِين حذفوا مَا أضافوا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مُخَالف لما يُضَاف إِلَيْهِ شَاذ مِنْهُ فَلم يجر فِي الْوَصْف مجْرَاه.
كَمَا أَنهم حِين قَالُوا: يَا ألله، فخالفوا مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام لم يصلوا أَلفه وأثبتوها، وَصَارَ معرفَة لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَى معرفَة، كَأَنَّك قلت: مَرَرْت بكلهم، وببعضهم.
وَلَكِنَّك حذفت ذَلِك الْمُضَاف إِلَيْهِ، فَجَاز ذَلِك، كَمَا جَازَ: لاه أَبوك [تُرِيدُ: لله أَبوك] ، فحذفوا الْألف واللامين.
وَلَيْسَ هَذَا طَريقَة الْكَلَام، وَلَا سَبيله لِأَنَّهُ لَيْسَ من كَلَامهم أَن يضمروا الْجَار.
وَجُمْلَة هَذَا وتحليله أَنَّك لَا تَقول: مَرَرْت بِكُل قَائِما، وَلَا بِبَعْض جَالِسا مبتدئا.
وَإِنَّمَا يتَكَلَّم بِهِ إِذا جرى ذكر قوم فَتَقول: مَرَرْت بِكُل، أَي مَرَرْت بكلهم.
ومررت بِبَعْض، أَي مَرَرْت ببعضهم، فيستغني بِمَا جرى من الْكَلَام وَمَعْرِفَة الْمُخَاطب بِمَا يعْنى عَن إِظْهَار الضَّمِير، وَصَارَ مَا يعرف الْمُخَاطب مِمَّا يعْنى بِهِ مغنيا عَن وَصفه، وَلم يُوصف بِهِ أَيْضا لأَنهم لما أقاموه مقَام الضَّمِير، وَالضَّمِير لَا يُوصف بِهِ إِذْ لم يكن تحلية، وَلَا فِيهِ معنى تحلية، وَلم يصفوا بِهِ
стр. 60
لَا يُقَال: مَرَرْت بالزيدين كل، كَمَا لَا يُقَال: مَرَرْت بِكُل الصَّالِحين.
فَإِن قَالَ قَائِل: لم لم يبن كل حِين حذفوا الْمُضَاف إِلَيْهِ
قيل: لَيْسَ فِي كل من الْمعَانِي الَّتِي توجب الْبناء شَيْء.
وأصل الْأَسْمَاء الْإِعْرَاب، وَإِنَّمَا يحدث الْبناء لعَارض معنى، فَكَانَ اتِّبَاع الأَصْل أولى.
وَمن هَهُنَا قَالُوا: إِنَّهَا لَا يجوز بناؤها لِأَنَّهَا جُزْء، فأتبعنا الْجُزْء الْكل إِذْ كَانَ كل معربا لِأَنَّهُ أسبق لعمومه من اتِّبَاع الْكل الْبَعْض.
فَلَمَّا أجري مجْرى خِلَافه لم يضمن مَعْنَاهُ لم يجب فِيهِ الْبناء، وَجرى على أصل الْإِعْرَاب، ككل، وَهَذَا من أقرب مَا سمعناه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، وَقد ذكر فِيهَا غير الَّذِي قُلْنَا فتركناه لِأَنَّهُ لم يَصح عندنَا.
وَهَذَا كُله تَعْلِيل الْفَارِسِي.
وَحكى سِيبَوَيْهٍ فِي كل التَّأْنِيث، فَقَالَ: كلتهن منطلقة، وَلم يحك ذَلِك فِي بعض.
فَأَما كلا، فَلَيْسَ من لفظ كل.
كل مضاعف، وكلا معتل كمعا، أَلفه منقلبه عَن وَاو بِدلَالَة قَوْلهم: كلتا، إِذْ بدل التَّاء من الْوَاو أَكثر من بدلهَا من الْيَاء، وَقد أبنت ذَلِك فِي بَاب بنت وَأُخْت بنهاية الْبَيَان.
وَأجْمع معرفَة.
تَقول: رَأَيْت المَال أجمع، وَرَأَيْت الْمَالَيْنِ أَجْمَعِينَ.
وَقَالُوا: رَأَيْت الْقَوْم أَجْمَعِينَ.
وَلَيْسَ أَجْمَعُونَ وَمَا جرى مجْرَاه بِصفة عِنْد سِيبَوَيْهٍ، وَكَذَلِكَ واحده ومذكره ومؤنثه.
وَإِنَّمَا هُوَ اسْم يجْرِي على مَا قبله على إعرابه فَيعم بِهِ ويؤكد، فَلذَلِك قَالَ النحويون: إِنَّه صفة.
وَلَو كَانَ صفة لما جرى على الْمُضمر لِأَن الْمُضمر لَا يُوصف، وَمِمَّا يدلك على أَنه لَيْسَ بِصفة أَنه لَيْسَ فِيهِ معنى إِشَارَة وَلَا نسب، وَلَا حلية، وَقد غلط قوم فتوهموه صفة، وَقد صرح سِيبَوَيْهٍ أَنه لَيْسَ بِصفة.
وَقَالَ فِي بَاب مَا لَا ينْصَرف: إِذا سميته بأجمع صرفته فِي النكرَة
стр. 61
وَقد غلط الزّجاج فِي كِتَابه فِي بَاب مَا لَا ينْصَرف، ورد عَلَيْهِ الْفَارِسِي بعد أَن حكى قَوْله فَقَالَ: وَقد أغفل أَبُو إِسْحَاق فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من جمع فِي كِتَابه فِيمَا لَا ينْصَرف وَهَذَا لَفظه: قَالَ: الأَصْل فِي جمع جَمْعَاء جمع، مثل حَمْرَاء وحمر، وَلَكِن حمر نكرَة فأرادوا أَن يعدل إِلَى لفظ الْمعرفَة فَعدل فعل إِلَى فعل.
قَالَ أَبُو عَليّ: وَلَيْسَ جَمْعَاء مثل حَمْرَاء فَيلْزم أَن يجمع على حمر، كَمَا أَن أجمع لَيْسَ مثل أَحْمَر، وَإِنَّمَا جَمْعَاء، كطرفاء، وصحراء، كَمَا أَن أجمع كأحمد بِدلَالَة جمعهم لَهُ على حد التَّثْنِيَة، فقد ذهب فِي هَذَا القَوْل عَن هَذَا الِاسْتِدْلَال وَعَن نَص سِيبَوَيْهٍ فِي هَذَا الْجِنْس أَنه لَا يجمع هَذَا الضَّرْب من الْجمع، وَعَما نَص على هَذَا الْحَرْف بِعَيْنِه حَيْثُ قَالَ: وَلَيْسَ وَاحِد مِنْهُمَا، يَعْنِي من قَوْلك: أجمع وأكتع، إِنَّمَا وصف بهما معرفَة فَلم ينصرفا لِأَنَّهُمَا معرفَة، وَأجْمع هُنَا معرفَة بِمَنْزِلَة كلهم.
انْقَضى كَلَام سِيبَوَيْهٍ
وَمَا يجْرِي هَذَا المجرى مِمَّا يتبع أَجْمَعُونَ كَقَوْلِك أكتعون وأبصعون وأبتعون، وَكَذَلِكَ الْمُؤَنَّث والاثنان والجميع فِي ذَلِك حكمه سَوَاء.
وَالْقَوْل فِيهِ كالقول فِي أَجْمَعِينَ.
وَكله تَابع لأجمعين لَا يتَكَلَّم بِوَاحِد مِنْهُنَّ مُفردا.
وَكلهَا تَقْتَضِي معنى الْإِحَاطَة.
وَمِمَّا يدل على معنى الْإِحَاطَة: قاطبة، وطرا، والجماء الْغَفِير، وَنحن آخذون فِي تبين ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
اعْلَم أَن الْجَمَّاء هِيَ اسْم، والغفير نعت لَهَا، وَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك فِي الْمَعْنى: الجم الْكثير: لِأَنَّهُ يُرَاد بِهِ الْكَثْرَة.
والغفير يُرَاد بِهِ أَنهم قد غطوا الأَرْض من كثرتهم يُقَال: غفرت الشَّيْء إِذا غطيته وَمِنْه المغفر الَّذِي يوضع على الرَّأْس لِأَنَّهُ يغظيه.
ونصبه فِي قَوْلك: مَرَرْت بهم الْجَمَّاء الْغَفِير عل الْحَال.
وَقد علمنَا أَن الْحَال إِذا كَانَ اسْما غير مصدر لم يكن بِالْألف وَاللَّام، فَأخْرج ذَلِك سِيبَوَيْهٍ والخليل أَن جعلا الْغَفِير فِي مَوضِع العراك، كَأَنَّك قلت: مَرَرْت بهم الجموم الغفر، على معنى مَرَرْت بهم جامين غافرين أَي مغطين لَهَا.
стр. 62
وَلم يذكر البصريون أَنَّهُمَا يستعملان فِي غير الْحَال.
وَذكر غَيرهم شعرًا فِيهِ الْجَمَّاء الْغَفِير مَرْفُوع، وَهُوَ قَول الشَّاعِر:
(صَغِيرهمْ وشيخهم سَوَاء ... هم الْجَمَّاء فِي اللؤم الْغَفِير)
وَأما قَوْلهم: مَرَرْت بهم قاطبة، ومررت بهم طرا، فعلى مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ والخليل هما فِي مَوضِع مصدرين، وَإِن كَانَا اسْمَيْنِ، وَذَلِكَ أَن قاطبة، وَإِن كَانَ لَفظهَا لفظ الصِّفَات، كَقَوْلِنَا: ذَاهِبَة وقائمة، وَمَا أشبه ذَلِك.
وطرا وَإِن كَانَ لَفظهَا لفظ صفرا وشهبا، وَمَا أشبه ذَلِك، فَإِنَّهُ لَا يجوز حملهَا إِلَّا على الْمصدر.
وَقَالَ: إِنَّا رَأينَا المصادر قد يخْرجن عَن التَّمَكُّن حَتَّى يستعملن فِي مَوضِع لَا تتجاوزه، كَقَوْلِنَا: سُبْحَانَ الله، وَلَا يكون إِلَّا مَنْصُوبًا مصدرا فِي التَّقْدِير، ولبيك وحنانيك، وَمَا جرى مجراهما مصَادر لَا يستعملن إِلَّا منصوبات، وَلم نر الصِّفَات يخْرجن عَن التَّمَكُّن، فَلذَلِك حمل سِيبَوَيْهٍ قاطبة وطرا على الْمصدر، وصارا بِمَنْزِلَة مصدر اسْتعْمل فِي مَوضِع الْحَال، وَلم يتجاوزوا ذَلِك الْموضع، كَمَا لم يتجاوزوا مَا ذَكرْنَاهُ من المصادر إِن شَاءَ الله تَعَالَى.