← Прочие науки

Прочие науки · id 698

تلخيص الخطابة

ابن رشد الحفيد

Полный текст (135 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وأَما أَصناف الناس الذين يوجد لهم هذا الانفعال كثيرا، أَعني الحياءَ، فمنهم الذين يعتقدون في أَنفسهم أَنهم واحد من الأَصناف الذين ذكرنا أَنه يستحى منهم مثل المتعجب منهم. والمتعجبون الذين ذكرنا أنَه يستحى منهم فإِنه متى اعتقد إِنسان في نفسه أَنه واحد من هذين بادر إِليه الخجل من أَدنى شيء مخافة أَن ينقص في عين الذي يتعجب منه، إِن كان يعتقد في نفسه أَنه يتعجب منه. وأَما المتعجب من غيره فإِنما يسارع إِليه الخجل بسبب أَن المتعجب من كل شيءٍ يعظم عنده كل شيءٍ فهو يتأَثر عن القبيح اليسير ويخاف منه ما لا يخاف كثير من الناس. ومن هذا الصنف من الناس، أَعني الذين يسرع إِليهم الحياءُ، الناس الذين يهوون أَن يكونوا عند غيرهم متعجبا منهم. والذين يحتاجون إِلى الناس في ضرورات أَحوالهم يستحيون كثيرا. قال: وقد يسرع الحياءُ إِلى الصنف من الناس الذين ليسوا بمحمودين في الغاية ولا مذمومين، لأَنهم يخافون أَن يسارع إِليهم الذم. وهؤلاءِ هم محمودون بقدر ما؛ فإِن الحياءَ ليس يكون ممن ليس بمحمود أَصلا. قال: والإِنسان إِنما يستحي أَكثر ذلك حيث يكون الذي يستحي منهم ينظرون إِليه. قال: ولذلك لما أَراد فلان أَن تشتد أَنفة فلان لرجلين مشهورين عندهم من قبل الخزي والعار الذي يلحقه في التواني في المحاماة عن اليونانيين أَوهمه أَن اليونانيين قيام ينظرون إِليه ولم يجْترئ أَن يقول له إِن هذا سيصل إِلى اليونانيين، وإِنما فعل هذا لتشتد أَنفته في المحاماة. ولذلك ما كان ذوو الأَنفة والحمية إِذا امتعضوا لإِنسان ما أَو لناس ما في ضيم جرى عليهم يتشوقون إِلى أَن يرى امتعاضهم الذين امتعضوا لهم حيث جرى عليهم ذلك الضيم وخاب ظنهم في الظفر بالذي أَجرى عليهم ذلك الضيم، أَعني ضيم الذين ضيموا. قال: وما أَعجب ما يظهر من ذوي الحمية والأَنفة عند الأَفعال التي يستحى منها وذلك في الأَمور التي تلحقهم أَو تلحق آباءهم أَو تلحق من يتصل بهم، وبالجملة من يستحيون بسببه وهم الناس الذين ذكرنا. وكذلك تظهر منهم الأَفعال العظيمة في النصرة والمحاماة للذين ينسبون إِليهم مثل المعلمين لهم أَو المشيرين عليهم أَو المسودين لهم وكل من يشبه هؤلاءِ ممن يحبون أَن يكموه فما أَكثر ما يفعل ذوو الحمية والأَنفس الكبار في أَمثال هذه المواطن، ولا يغفلون عن شيء يوجب النصرة حتى (لا) يلحقهم عار من أَجل توانيهم في ذلك. وأَكثر ما يكون هذا الفعل منهم إِذا توهموا أَن أُولئك الذين امتعضوا لهم قيام ينظرون إِليهم وأَنهم لا يزالون يترددون بينهم، فيتكرر الخزي والحياء منهم فيما توانوا فيه ووقعوا فيه من القبيح. قال: ولذلك لما قَدَّم ملك من ملوك التَّغَلُّب الذين كانوا في اليونانيين قوما منهم إِلى القتل وكان في جملتهم شاعر منهم، قال لهم حين ستروا وجوههم وأَستحيوا من العار الذي لحقهم في قتله صبراً! إِنما كان يجب لكم أَن تفعلوا ذلك، يعني ستر وجوههم والحياء من هذا الفعل، لو كنتم غدا وبعد غد تترددون حتى ينظر إِليكم اليونانيون مرة بعد مرة. وأَما وأَنتم مفقودون في هذه الحال ولا تخافون أَن تنظروا بعد إِلى اليونانيين، فما يجب لكم أَن تستحيوا. قال: فهذه جملة ما قيل في الحياءِ. وأَما القول في الوقاحة فمعلوم أَنا نقدر على معرفته من الأَشياءِ التي قيلت في باب الحياءِ إِذ كانت هي أَضدادها، يعني أَنا نعلم في الوقاحة الأَشياءَ الثلاثة المضادة للأَشياءِ الثلاثة التي علمناها في باب الحياءِ، أَعني ممن يستحي ومَن الذي يستحي ومِن أَي الأَشياءِ يكون الحياء. القول في إِثبات المنة وشكرها وفي إِنكارها وكفرها قال: فأَما معرفة من هو ممتن عليه وهو الذي يجب عليه الشكر، وما الأَشياءُ التي هي مننٌ، ومَن الناس الذين يمتنون، وهي المواضع الثلاثة التي منها يثبت الخطيب المنة، فنحن مبينون ذلك فنقول:

стр. 72

إِن المنة هي التي بها يقال لذي المنة أَنه ممتن. والأَشياءُ التي إِذا فعلت كانت منة هي أَحد أَمرين: إِما خدمة وهو العون بالبدن، وإِما صنيعة وهو العون بالمال أَو الجاه. وقد يكون العون بالبدن والمال من قبل الجاه. وإِنما تكون الخدمة أَو الصنيعة منة إِذا كانت مما لا يستطيع المصطنع إِليه أَن ينال تلك الخدمة أَو الصنيعة من إِنسان آخر غير المصطنِع، وكانت المنة مع هذا أَيضا لا ينال الفاعلَ لها شيءٌ منها، ولكن تكون كلها لمكان المصطنَع إِليه. قال: وقد تكون الصنيعة جسيمة بالإِضافة، وإِن كانت في نفسها يسيرة بأَحد خمسة أَشياء: أَحدها إِذا كانت عند شدة الحاجة إِليها، أَو في وقت ضيق لا يلتفت فيه إِنسان إِنساناً مثل وقت الخوف الذي يذهل الناس فيه عن معونة بعضهم بعضا، أَو كان هو وحده المصطنِع فقط، أَو كان هو المصطنع الأَول، أَو كان الصنع منه زائداً على صنع غيره. والأَشياءُ التي تكون عندها شدة الحاجة ثلاثة أَصناف: أَحدها المتشوقات لضروريات في الحياة مثل الغذاءِ، والثانية الأَشياءُ التي يشتد شوق النفس إِليها وإِن لم تكن ضرورية مثل اشتياق الفواكه. والثالثة ما كان من الأَشياء يحزن فقده أَو يؤذي. فإِن المشتهيات المتشوقة هي هكذا، أَعني يحزن فقدها أَو يؤذي. والمشتهيات التي بهذه الصفة صنفان: صنف مألوف ومشتهى وهي المتشوقات، وصنف يشتاقها الإِنسان ويشتهيها عندما يكون في شدة وكرب. فإِن الذي يقع في الشدائد يشتهي الخروج منها، وكذلك الحزن يشتهى انكشاف الحزن عنه. ولذلك ما تعظم المنة عند الذين هم في حال خصاصة أَو هرب من أَعدائهم، أَعني إِذا أَخفوهم وستروهم عن الطالب لهم، وإِن كانت الصنيعة في نفسها قليلة لكن تعظم لشدة الحاجة وصعوبة الزمان. فقد ظهر من هذا أَن الصنيعة اليسيرة تعظم عند أَمثال هؤلاءِ أَو عند الذين يساوونهم، أَعني الذين أَحوالهم شبيهة بهذه الأَحوال في الحاجة أَو عند الذين هم أَعظم من هؤلاءِ، أَعني أَحوالهم أَشد. قال: وهو معلوم أَنه يستبين من هذا الذي قد قيل مَن الذي يمتن عليه، وبأَي شيءٍ تكون المنة، ومن الممتن، وأَنا نستطيع من قبل هذا الذي قيل أَن نثبت هذه الأَشياء الثلاثة. مثال ذلك: أَن الذين لا يخبرون بما فعلوا من الإِحسان هم ممتنون، وإِن الذين وصلتهم الصنيعة وهم في غموم وفاقة مثل الذي تقدم ذكرهم أَنهم ممتنون عليهم، وأَن أَفعال الصنائع التي تصطنع عند أَمثال هؤلاءِ وفي أَمثال هذه الأَوقات أَنها منة. قال: وهو معلوم أَيضا من أَين تؤخذ المقدمات التي تدفع بها المنة وتوجب الجحود لها، وذلك يكون بوجوه ثمانية: أَحدها أَن تكون الصنيعة من أَجل المصطنِع، أَعني أَن تكون منفعتها عائدة عليه. والثاني أضن تكون الصنيعة أَقل مما يجب. والثالث أَن تكون بحيث لا يحتاج إِليها فإِن هذه ليست بمنة. والرابع أَن تكون الصنيعة وقعت بالمصطنَع إِليه باتفاق، لا بقصد. والخامس أَن تكون الصنيعة بكره واضطرار. والسادس أَن تكون الصنيعة قصد بها المكافأَة على صنيعة أُخرى تقدمت من المصطنَع إِليه إِلى المصطنِع. والسابع أَن تكون الصنيعة قصد بها إِذاعتها والمن بها. والثامن أَن يكون المصطنِع كلف المصطنَع إِليه أَمراً ما أَو حاجة له. وذلك أَنه من المعلوم بنفسه أَنه لا تكون صنيعة توجب الشكر إِذا وجدت بحال من هذه الأَحوال الثمانية. وقد ينتفع بهذه المقدمات في الشكاية في كفر الصنيعة وجحدها والتنصل منها، وذلك أَنه إِنما تكون منه إِذا كانت كما قيل من أَجل المصطنَع إِليه وبمقدار الحاجة وفي الوقت الذي لا يجد فيه ناصراً وفي الموضع الذي فرّ إِليه. ومن العلامات الدالة على المنة أَلا يكونوا قد قصروا في الصنيعة، وأَلا يكونوا فعلوا ذلك بالأَعداءِ، فإِنه يظن أَن فعلهم ذلك كان من أَجل كف شرهم، أَو يكونوا فعلوا ذلك بمن استوجب عندهم حقا مثله أَو أَعظم منه إِن لم يكن أَولئك إِنما استوجبوا عندهم الحق من قبل شيءٍ وصل إِليهم هو في الحاضر شر وفي المال خير مثل التأْديبات والشرور التي تكون بعدل وهي التي تكون على طريق المكافأَة فإِن أَحدا لا يعترف أَنه يحتاج إِلى الشر، وإِن كان طريق العدل. ولذلك ليس يراه منةً لأَحد. قال: والقول في إِثبات المنة وجحودها يكون من هذه المواضع. القول في الاهتمام

стр. 73

فأَما عن ماذا يكون الهم، ومَن يهتم، وبمن يهتم، فإِنا مخبرون ذلك. فليكن الهم حزنا ما يلحق من قبل شر مفسد أَو محزن يعرض للمرءِ بلا استيجاب، وذلك إِذا كان الشر يتوقع أَن يحدث عليه أَو على أَحد ممن يتصل به وكان قريب التوقع. وأَعني بالمفسدات التي تغير البدن، وبالمحزنات التي تفعل الأَذى النفساني. وإِذا كان حد الاهتمام هو هذا، فهو بين أَن غير المهتم يكون بهذه الحال التي أَصف، وهو أَن يظن أَنه ليس شيءٌ من الشرور واقعاً لا به ولا بأَحد ممن هو بسببه، أَعني مثل هذا الشر الموصوف في الحد أَو شبهه أَو قريبا منه. فإِن المتهم هو الذي يتوقع نزول مثل هذا الشر به مع رجاء للخلاص منه. ولذلك لا يهتم الذين قد نزلت بهم الشرور العظيمة مثل الذين عطبوا، ولا الذين يظنون أَنهم سعداء. وذلك أَن الذين يظنون أَنهم سعداء، يظنون أَنهم لا ينالهم شيءٌ من الشر، إِذ كانوا يرون أَن ذلك من السعادة، أَعني أَلا ينالهم شر. ومن هؤلاءِ أَيضا، أَعني الذين لا يهتمون، الذين يظنون أَنهم لا يأْلمون لا من قبل أَبدانهم ولا من قبل نفوسهم، وذلك من قبل أَنهم قد لقوا شرورا فتخلصوا منها، وإِما من قبل أَنهم مشايخ قد طالت مزاولتهم للشرور، وإِما من قبل كثرة التجربة، وإِما لمكان عادة جرت لهم فتطيب نفوسهم كطيب نفوس المقبلين السعداءِ، وإِما لمكان شهرتهم في الناس وذلك أَن المشهورين يرون أَن الشرور بعيدة عنهم لمكان علو أَقدارهم وأَن الناس كلهم معينون لهم. وقد يعرض هذا الظن لمكان التأَدب بالصنائع والأَشياءِ التي تدفع بها الشرور. ومن هؤلاءِ القوم الذين ظنونهم حسنة جميلة لمكان وجود الآباء لهم والأَبناء والنساء بالأَحوال الجميلة، أَعني الذين لم تثكلهم ولا أَحزنتهم الأَيام في واحد منهم. وبالجملة: الذين عرض لهم في هذه الأَصناف الثلاثة جودة الاتفاق. فإِن الشرور المتصلة بهؤلاءِ تصير الإِنسان ضعيف النفس مهتما بأَدنى شيءٍ يخافه. ومن هؤلاءِ: الذين تعتريهم وتوجد فيهم الانفعالات التي تخص الشجاعة، مثل الغضب وشدة القلب، فإِن هؤلاءِ غيرُ ذوي فكرة فيما يتوقع. ومن هذا الصنف أَيضا الناس الذين من أَخلاقهم الشتم والاستهانة، فإِن هؤلاءِ أَيضا لا يهتمون، لأَنهم لا يتوهمون أَنه يقع بهم شر، وذلك لنقص فطرهم. والناس الذين يهتمون هم خائفون جدا جدا لا يهتمون بغيرهم، لأَن المكروبين من الخوف لا يهتمون بآخرين، لأَنهم مشغولون بالأَلم الخاص الواقع بهم. والذين يظنون بأَحد أَنه حقير خامل فليس يهتمون به، لأَنهم يرونه أَهلا لوقوع الشر به، أَو لا يرون أَن وقوع الشر به شر. ولذلك كما يقول أَرسطو: من ظن أَنه ليس في العالم أَحد، فقد يظن الناس جميعا مستوجبين للشر. وبالجملة فإِنما يهتم المرءُ إِذا كان بهذه الحال التي وصفنا، أَعني إِذا كان يتوهم ويتخيل أَن شيئا من أَضداد هذه الأَشياء التي يتخيلها الذي لا يهتم توجد فيه أَو فيمن يتصل به. فهذا جملة ما قاله في وصف أَحوال الذين يهتمون. قال: وأَما أَي أَشياء هي التي تفعل الهم، فمعلوم مما قيل في حد الاهتمام. وذلك أَن جميع ما كان من المفسدات، أَعني المغيرات للبدن، وما كان من المحزنات أَعني المغيرات للنفس، فكلها فاعلة للاهتمام، وبخاصة ما كان من المفسدات القاتلة، وما كان من أَنواع الشرور التي اشتمل عليها الحد بأَشد ما يكون. قال: ومن المفسدات المؤديات إِلى الموت: أَوجاع البدن والجهد والكبر والسقم والحاجة إِلى القوت. قال: وعدم الإِخوان أَو قلتهم، لما كان من سوءِ الجد، فقد يكون ذلك من الشرور المفسدة التي تهم. قال: ومن فاعلات الاهتمام الأَحوال التي جرت العادة، إِذا كانت بالناس، أَن تفعل الاهتمام بهم، مثل الأَحوال التي يكون عليها ذوو السقم والزمانة من قبح المنظر والقعود عن الحركة والتصرف. ومما يفعل الاهتمام أَن يصير المرءُ إِلى الشر من حيث أَمل أَن ينال الخير، أَو أَن يصير إِلى أَمر كبير: إِما يكون الذي يصير إِليه يصيب خيرا فلا يكون له شيءٌ من الخير فيه أَلبتة، أَو أَن يكون يصير إِلى خير في الوقت الذي يفوت الاستمتاع بذلك الخير، مثل اليسار في وقت الهرم. قال: فهذه جملة الأُمور التي تفعل الهم.

стр. 74

قال: وأَما بمَنْ يهتم، أَعني من الغير، إِذا توقع نزول الشر به أَو يرثى له إِذا نزل به ويرحم، فإِن هذا هو الفرق بين الاهتمام والرحمة. فالمعارف ومن هم بالإِنسان بسبب، إِن لم يكونوا في غاية القرب من الإِنسان حتى يكون الشر الواقع بهم هو شر واقع بالإِنسان مثل الولد والوالد. قال: ومن هنا قيل إِن فلانا لرجل مشهور عندهم لما جُلد ابنه وأَشفى من ذلك على الموت لم تدمع عينه ولا حزن. ولما رأَى صديقا له يَسئل من فاقة جزع واهتم. قال: وإِنما يكون الهم بالغير إِذا توقع حدوث الشر به، أَو الرحمة له إِذا وقع به، لأَن توقع حدوث الشر بالإِنسان نفسه أَو ممن يتنزل منزلة نفسه أَو وقوعه به هو شدة نزلت بالإِنسان، أَو يخاف نزولها. ونزول الشدائد بالإِنسان أَو تخوف نزولها به أَو بمن هو بمنزلة نفسه ومسلاة عن الاهتمام بغيره أَو الرحمة له. وإِذا نزل الشر بالإِنسان فلا يقال إِنه يرحم نفسه، ولا إِذا توقع نزوله لم يقل فيه إِنه مهتم ولكن خائف. قال: ومِن الذين يهتم بهم هماً أَكثر: الصنف من الناس الذين هم أَشباه الإِنسان، أَعني في الهمم والأَخلاق والمراتب والأَحساب، إِذا كانت الشدائد قريبة الوقوع بهم. قال: وبالجملة كلما يخافه الإِنسان على نفسه فهو يهتم به إِذا تخوفه على الخير. وذلك إِذا تخيل أَن تلك الآلام والشرور قريبة الوقوع، لأَن الشرور المتخيلة إِنما تكون من أَسباب الهم إِذا تخيلت بهذه الجهة. فأَما الشرور التي يتخيل وقوعها فيما سلف، مثل السنين الكثيرة، فليس يهتم بها ولا تخاف. وذلك أَنها ليست مستقبلة فتتوقع. ولا الذكر أَيضا مما يفعل الخوف والاهتمام. وكذلك الممتنعة الوجود لا تخاف أَلبتة ولا يهتم بها. قال: وقد يهتم الإِنسان للناس الذين يخيلون بأَصواتهم وهيئاتهم المحسوسة أَنه قد نزل بهم شر أَو قد قارب أَن ينزل لأَنه بما يخيلون من ذلك يجعلون الشر بحيث يتخيل أَنه قريب ويجعلونه نصب العين أَو كأَنه قد وقع. لأَن الهم إِنما يكون في الأَشياءِ التي قد وقعت الآن أَو يتوقع من قرب نزولها. وظهور العلامات والدلالات التي تدل على الشرور، مثل الأَحوال التي ذكرناها من أَحوال الخائفين، إِنما تفعل الهم إِذا دلت عليه بهذه الحال، أَعني أَنه قد حدث أَو قارب حدوثه، وبخاصة إِذا ظنوا أَن أُولئك الذين ظهرت علامات الشر عليهم هالكون، ولا سيما إِذا كان أُولئك الذين ظن بهم الهلاك أَفاضل، وأَكثر من ذلك إِن كان هلاكهم في الوقت الذي الحاجة إِليهم أَكثر أَو الرجاء فيهم أَمكن مثل اَن يعتبطوا أَو يموتوا شبابا. فهذه كلها تفعل الاهتمام أَكثر من غيرها، أَعني هلاك الفضائل بهلاك الفاضلين الذين لا يستحقون ذلك في الوقت الذي الحاجة إِليهم فيه شديدة، من قبل أَنه إِذا وقعت أَمثال هذه الأَشياء أَو دلت العلامات والدلائل على وقوعها، ظن أَن الشر قريب حتى كأَنه يرى نصب العين. قال: وقد يوجد الاهتمام والجزع انفعالات مضادة، أَعني مبطلة، ولا سيما الحزن الذي يكون على الذين ينالون خيرا بلا استئهال، وهو الذي يسمى نفاسة. لأَن الاهتمام هو الحزن على الشر الذي ينال من لا يستأهله. وهذا الانفعال الآخر هو خلق شريف، أَعني الحزن على من نال خيرا بلا استئهال، وذلك أَن الذين يصيرون إِلى غير ما يستأهلونه من خير أَو شر، فينبغي أَن يحزن لهم جدا جدا. والذين يصيرون إِلى الشر من الأَسباب المعروفة والطرق المعتادة التي بها يفضي الإِنسان ويحكم على مصيرهم إِليها، فقد يرى الناس أَنهم أَهل لذلك. وأَما الذين يصيرون إِلى هذه الأَشياء من طرق غير معروفة فينبغي أَن يكونوا في الوسط من أُولئك، أَعني أَلا يعتقد فيما أَصابه من الشر أَنه كان باستئهال أَو بغير استئهال، بل ينبغي أَن يفوض أَمرهم إِلى الله. لأَن ما نال الإِنسان من الجور والشر من طرقه المعروفة، فسببه الجور والشرارة التي في ذلك الإِنسان، وأَما ما ناله من ذلك من غير طرقه المعروفة، فإِنا نكل علم ذلك إِلى الله .

стр. 75

قال: والحسد أَشد مضادة للاهتمام من الحزن الذي يكون على الخير الذي ناله من لا يستأهله، وهو الذي قلنا إِنه يسمى نفاسة. وكأَن هذا الانفعال قريب من أَن يكون في الوسط، أَعني بين الاهتمام والحسد، لأَنه قريب من الحسد، وذلك أَنه اغتمام بخير، كما أَن الحسد اغتمام بخير. وإِنما الفرق بينهما أَن الحسد اغتمام بخير ناله من يستحقه، وهذا اغتمام بخير ناله من لا يستحقه. قال: وليس الحسد هو الاغتمام الذي ينال الإِنسان لخير أَصابه مستحقه وأَخطأَه في نفسه، لأَن هذا لا يعْرى منه أَحد، ولا هو أَيضا الاغتمام الذي يناله من قبل أَنه يعتقد أَن ذلك الخير الذي أَصاب المستحق لو لم يصبه لكان سيصيبه، وذلك أَن الاغتمام بالخير الذي أَصاب غيره ولم يصبه هو اغتمام لأَنه لم يعط ذلك الخير ولم يرزقه. والاغتمام بالخير الذي حرمه من أَجل إِصابته لغيره هو اغتمام من قبل أَنه نالته شقاوة بسبب سعادة ذلك. وإِذا كان الأَمر هكذا فالحسد هو الاغتمام بخير يناله المستحق له، لا لأَن ينال هو ذلك الخير. قال: وهو معلوم أَنه قد يلزم من الاغتمام بنزول الخير والشر بمن يستأهله ومن لا يستأهله انفعالات متضادة. فإِن الذي يحزن لنيل الخير مَن يستأهله ومَن لا يستأهله قد يؤلمه هذا إِذا وقع ويبرؤه من هذا الأَلم وقوع الشر بهم بأَسوإِ ما يكون، أَعني الشرار الذين لا يستأهلون الخير. ولذلك الصنف من الناس الذين يضربون آباءهم أَو يتدنسون بالقتل، إِذا وقعت بهم العقوبة، فليس أَحد من الناس يحزن لهم، بل يفرحون بهذا ويرونه خيرا، لأَنه بمنزلة الفرح الذي يكون إِذا نال الخير المستأهلون له. وذلك أَن الأَمرين جميعا عدل. ومما يسر به الخيار والحكماءُ نزول الخير بمن يستأهله ونزول الشر أَيضا بمن يستأهله. وذلك أضن هذين الأَمرين جميعا، إِذ كانا معا عند الحكماءِ جميلين، فهما جميعا من خلق صنف واحد من الناس، وكلاهما يشتاق إِليه هذا الصنف من الناس. وأَما ضد هذا، وهو الاغتمام بالخير الذي ناله المستحق له، فهو موجود لضد هذا الخُلق، لأَن الذي لا يفرح بهذا ويحزن له هو صنف واحد من الناس وهم أَهل الشرارة والحسد. فإِنه ولا بد إِذا كان المرءُ يحزن لكون شيء ووجوده أَن يكون يفرح بعدمه وفساده. ولذلك مَنْ كان من الناس يحزن لوجود الخير لمن لا يستأهله، فهو يفرح بعدم الخير لهم ووجود الشر. وبالعكس. أَعني أضن الذين يفرحون بوجود الخير لمن يستأهله، يغتمون بعدمه ووجود الشر لمن يستأهله، وهو الذي يسمى أَسى وأَسفا. قال: وكل هذه الانفعالات التي تتركب من هذه الأَشياء، أَعني من الخير والشر وممن يستأهل ومن لا يستأهل، تشترك كلها في أَنها تضاد الهم. وهي وإِن كانت مختلفة لمكان التركيب، فهي كلها تجتمع في أَنها تصلح أَن تستعمل في نفي الهم. القول في النفاسة قال: ونحن الآن قائلون أَولا في النفاسة وذلك بأَن نخبر على مَن ينفس من الناس وفيما ينفس ومَن الذين ينفسون، ثم نقول بعد ذلك في تلك الأٌخر التي عددنا، أَعني الحسد والأَسف، فنقول: إِنه إِن كان النافس هو الذي يحزن لحسن حال تكون للمرءِ بلا استحقاق، فهو معلوم من هذا الحد نفسه أَنه ليس تكون النفاسة في جميع الخيرات، لأَنه ليس ينفس على أَحد في الشجاعة ولا في البر، وبالجملة في جميع الفضائل التي تكون للإِنسان عن الإِرادة. كما أَنه ليس يهتم المرءُ بوجود أضداد الفضاءل له، وإِنما تكون النفاسة في المال والقوة، وبالجملة في الخيرات التي تصيب الإِنسان من خارج، مما قد يرى أَن الخيار يستحقونها، وأَن الشرار لا يستحقونها. وإِنما ينفس في هذه إِذا كانت حديثة. فإِن المتقادمة من ذلك يظن بها أَنها قريبة من الأَمر الواجب الذي في الطبع، ولذلك لا ينفس في الأَموال الموروثة، ولا في الرياسات المتقادمة في الأَكثر؛ وإِنما ينفسون لا محالة في الخيرات المستحدثة، مثل: السلطان المستحدث، وكثرة الإِخوان، والمال، وغير ذلك من الخيرات. والسبب في هذا أَن الناس هم أّشد غيظا من الذين يستغنون حديثا منهم على الذين يكون الغنى فيهم متوارثا، وكذلك الأَمر في سائر الخيرات التي من خارج. والسبب في ذلك شيئان: أَحدهما أَنهم يرون أَن ذلك الخير الحادث هم كانوا أَحق به منهم.

стр. 76

والثاني أَنهم رون أَن الواجب فيه كان استصحاب الأَمر القديم له وهو الفقر مثلا أَو الضعة. ولذلك لا ينفسون في الخيرات المتقادمة لأَنها مما قد اعتيدت، وكأَنها واجبة لهم. والخير الذي لا يستأهله المرءُ عند النافس عليه يختلف. وذلك أَن الخير الذي يستأهله واحد واحد من الناس يختلف في المشاكلة والمقدار، وذلك أَنه ليس كل خير يشاكل كل إِنسان، ولا المقدار من ذلك واحد، بل لكل إِنسان خير مشاكل ومقار ملائم. فإِن حمل السلاح والهيئات الحربية هي خيرات، ولكنها غير لائقة بالنساك، وإِنما هي لائقة بأَهل الشجاعة. وكذلك الإِسراف في النكاح لا يليق بالذين غناهم حديث وإِنما يليق بالذين لهم قديم غنى، لأَن الحديث الغنى يحتاج إِلى حفظ اليسار. وأَما القديم الغنى فكأَن غناه شيءَ ثابت لا يخاف عليه. فإِذا كان المرءُ يليق به خيرٌ ما فلم ينله أَغتم وحزن. قال: وإِذا نال الإِنسان من الخيرات ما هو أَعظم منه في الكيفية أَو المقدار، فإِنه من العطية والرزق والمقدور الذي يقال فيه إِنه من عند الله تعالى، وذلك مثل أَن يظفر الصغير بالكبير إِذا نازعه، والخسيس بالشريف، والمسيءُ بالناسك. وإِلا فما كان بالناسك. وإِلا فما كان للمسيء أَن يظفر بالناسك، فإِن الناسك أَفضل من المسيء. ومن هاهنا تتبين الخيرات التي يقال فيها إِن الناس ينالونها بقدر من الله، والناس الذين يقال فيهم ذلك. وذلك أَن هذه الخيرات وأَمثال هؤلاءِ الناس هم الذين تنسب الخيرات النازلة بهم إِلى القدر. ومن الناس الذين ينفس عليهم الذين تصير إِليهم الخيرات العظيمة. لأَنه ليس يرى أَحد أَن من العدل أَن تصير الخيرات العظام التي يستأهلها الخيار من الناس إِلى الشرار منهم. ولذلك يأسف الإِنسان وينافس إِذا كان الخيار الأَفاضل لا يقدرون أَن يظفروا بما يستحقون ويظفر به من دونهم. وأَما الذين ينافسون فهم الناس المحبون للكرامة وسائر الأُمور التي يظفر بها من لا يستأهلها. فإِن هذا الصنف من الناس بالجملة يأسف وينافس في جميع الأُمور التي يرون أَنفسهم أَهلا لها ولا يرون غيرهم أَهلا لها إِذا فاتتهم ونالها الغير، فعلى هذه الأَصناف من الناس الذين كرنا وفي الأَشياءِ التي ذكرنا يأَسف وينافس المنافسون. وهذا الصنف الذي ذكرنا هم المنافسون من الناس. ولذلك مالا يكون المقتنعون من الناس والذين يرون أَن عندهم حيلة في استجلاب الخيرات منافسين، لأَن المقتنعين ليس يرون أَن هاهنا أَشياءُ هم أَولى بها من غيرها. وإِن رأَى ذلك أَصحاب الحيلة، فليس يرون أَنها تفوتهم. قال: وهو معلوم مما قيل في هذا الباب وفي الذي قبله من أَي الأَشياء إِذا وقعت يستحي الإِنسان الإِنسان ويخزى جدا إِذا هو لم يفرح بما يوجب الفرح منها ولم يغتم بما يوجب الغم منها. ومن هذه الأَشياء التي ذكرت يمكن أَن يستمال الحاكم إِلى النفاسة على الخصم أَو الرحمة له أَو الاهتمام به. وذلك أَنه إِذا كان هاهنا ناس يستأهلون الخير وأَنهم قد ظفروا وأَنجحوا، أَو كان هاهنا ناس غير مستأهلين فلم يظفروا ولم ينجحوا، فليس ينبغي أَن يجزع عليهم بل يفرح بذلك. وبالعكس. أَعني إِن هاهنا ناس يستأهلون الخير فلم يظفروا، فقد ينبغي أَن يشفق عليهم وأَن يهتم بهم. القول في الحسد

стр. 77

قال: وهو معلوم مَنْ الناس الذين يَحسدون، وفيما يكون الحسد ومَن الناس الذين يُحسدون، إِذا وضعنا أَن الحسد هو حزن يعرض للمرءِ من أَجل نجح الغير وسعادته، وذلك إِذا وجدت له من الخيرات مثل الخيرات التي ذكرنا في باب النفاسة وجودها لأَناس يستأَهلونها وتليق بهم. وكان ذلك الحزن من الحاسد ليس لأَنه يهوى أَن يكون له ذلك الخير فقط، أَو يزول عن المحسود ويكون له، بل لأَن يزول فقط عن المحسود. وإِذا كان الحسد هو هذا، فهو ين أَن الحاسد إِنما يحسد الصنف من الناس الذين هم أَشباهه وأَمثاله أَو يظن بهم أَنهم أَشباهه وأَمثاله. وأَعني بالأَشباه المضارعين للمرء في الجنس وفي النسب وفي القنية وفي الحمد وفي المال. فهؤلاءِ هم المحسودون. وأَما الحساد فمنهم الناس الذين شافهوا الكمال في الخيرات التي يحسد عليها إِلا أَنهم لم يكملوا في ذلك ولا نالوا كل الخيرات ولا فاتهم جميعها بل يسير منها. ولذلك مالا يوجد فاعلو الأَفعال العظيمة، أَعني ذوي الأَقدار العظيمة والسعداء المنجحين في الأَشياءِ الإِنجاح التام، حسادا لأَنهم يرون أَنه لم يفتهم شيء وأَن كل شيءٍ لهم. وكذلك الصنف من الناس الذين يشرفون بشيءٍ من الأَشياءِ ويكرمون بسببه، ولا سيما بالحكمة وصلاح الحال. ومحبو الكرامة أَشد حسدا من الذين لا يحبون الكرامة. والذين هم حكماءُ محبون أَن يكرموا بالكرامات التي يكرم بها الحكماءُ، ولذلك يَحسدون الذين يكرمون بهذه الكرامات. وبالجملة: إِن كل من يحب أَن يحمد على شيءٍ من الأَشياءِ فإِنه يَحسد غيره في ذلك الشيءِ بعينه. فلذلك الذين يحبون أَن يكرموا على شيءٍ ما يحسدون على ذلك الشيءِ بعينه. قال: والناس الصغار النفوس هم أَيضا حساد لأَن كل شيءٍ عظم عندهم يحسدون عليه، وإِن كان في نفسه صغيرا، حتى إِنهم قد يحسدون على كثير من الشرور الواقعة بالناس. فهؤلاءِ هم أَصناف الحساد من الناس. وأَما فيما يحسدون: فقد يحسدون في الرغبة في الحمد أَو في التشوف إِليه وفي الجلالة والنباهة بالمال والعبيد. وبالجملة في وجوه السعادات والنجح كائنا ما كانت وفي كل شيء حسد ولا سيما في الأُمور التي يشتهونها أَو يظنون أَنه يجب أَن تكون لهم. ومن الحساد الذين هم أَرجح من الإِنسان في المال قليلا أَو أَنقص منه قليلا. قال: وهو معلوم أَيضا كما قلنا مَن يحسدون. فقد قلنا إِنهم يحسدون الذين هم قريب منهم في الزمان، والمكان، والحمد والمجد؛ ومن هنا قيل: إِن المضارعة بين الناس قد تُحْسِنُ الحسد. والحسد إِنما يكون في الصنف من الناس الذين لهم عند الإِنسان قدر ما قريب منه، وذلك إِذا كانوا في زمان واحد أَو قريب، أَو في مكان واحد أَو قريب. ولذلك لا يحسد الشيخ الصبي، ولا يحد الذين يأتون بعد في الزمان، ولا الذين غبروا. وهلكوا وبخاصة منذ سنين كثيرة. وكذلك لا يحسد البعداءُ في المكان من الخيار. فإِن خيار اليونانيين مثلا لا يحسدون الخيار الذين يكونون بأَصنام هرقل من جزيرة الأَندلس التي هي بلادنا. وكذلك لا يحسد الإِنسان الذين هم أَنقص منه بكثير، ولا الذين هم أَكمل منه بكثير، وإِنما يحسد من بينه وبينهم مشاركة، وذلك كالمتنازعين في شيءٍ واحد والمحبين لشيءٍ واحد. وبالجملة: كل إِنسانين يشتهيان شيئا واحدا، فكل واحد منهما يحب أَلا يكون لصاحبه وأَن يتوحد به وينفرد. ولذلك كان الحسد أَحرى أَن يكون لهؤلاءِ، وذلك كالفاخر والمفاخر، فإِن هؤلاءِ يشتهون شيئا واحدا، وكل واحد منهما يحب أَن ينفرد به. وإِنما يحسد الفاخر للمفاخر في الأَشياءِ التي إِذا اقتناها كان بها شبيها له. والحزن بهذه الأَشياء أَولا والأَسف عليها إِذا تمكن من النفس حدث عنه الحسد للذين توجد لهم هذه الخيرات، أَو هي مزمعة أَن توجد لهم، أَعني في المستقبل، أَو قد وجدت، أَعني فيما سلف. ولذلك قد تدخل الأَشياءُ التي قيلت في باب الأَسف والنفاسة في باب الحسد، لأَن الأَسف إِذا تمكن من النفس عاد حسدا. قال: ومن كان من الغلمان أَكب رسنا فهو يحسد من هو أَصغر منه، إِذا نال الأَصغر خيرا لم ينله الأَكبر، أَو نال خيرا مثله. وكذلك يحسد من ينال الشيء بتدبير أَكثر لمن يناله بتدبير أَقل. وكذلك الذين أَدركوا بجهد وإِبطاء ونصب يحسدون الذين أَدركوا بسهولة وسرعة. القول في الغبطة

стр. 78

قال: وهو معلوم أَيضا فيما يغبط الغابطون ولمن يغبطون وبأَي أَحوال يكون الغابطون إِذ كانت الأَشياءُ التي عليها يغبط هي ضد الأَشياء التي بها يحزن وعليها يحسد وكان قد تقدمت لنا معرفة هذه الأَشياء، وكذلك الذي يَغْبِط هو ضد الذي يحسِد، والذي يُغبَط ضد الذي يحسد. ولذلك إِن كان الحسد هو اغتمام بخير يناله من يستحقه، فالغبطة هي فرح بخير يناله من يستحقه. قال: وهو معلوم لنا من هذه الأَشياء كيف يتهيأ لنا أَن نستميل الحكام بأَن نصيرهم بأَحد الانفعالات التي توجب عندهم أَن ينال أَحد المتحاكمين منهم خيرا والآخر شرا، مثل أَن يصير الحاكم ذا إِشفاق على أَحدهما وذا حسد للآخر. القول في الأَسى والأَسف قال: وأَما بأَية حال يوجد الأَسفون وفيما يأسفون وعلى من يأسفون فمعلوم أَيضا إِذا وضعنا أَن الأَسى والأَسف هو حزن ما يرى في الوجوه لفقد خيرات شريفة يهواها المرءُ لنفسه أَو لمن هو بسببه، وذلك إِذا كانت من الخيرات الممكنة، وكان ذلك الإِنسان بحسب طبعه أَو جنسه أَو سلفه ممن يستأهل ذلك الخير من غير أَن يهوى أَلا تكون تلك الخيرات لغيره، وإِنما يهوى أَن تكون له ويحزن من أَجل أَن لم تكن له. وإِذا كان الأَمر هكذا، فبيّن أَن الأَسف والأَسى خير، وأَنه لا يكون إِلا للخيار، وأَن الحسد شر وخسران، وأَنه لا يكون إِلا للشرار. وذلك لأَن الأَسى يصير المرءُ بحيث يصير مستعدا لأَن ينال الخيرات ويستأهلها، لأَن هذا الانفعال لا يعرض إِلا لمن يرى نفسه مستعدا للخيرات وأَهلا لها، فيكون ذلك سببا لاقتناءِ الفضائل. وأَما الحسد فإِنه يصير المرء بحيث يكون مهيأ لأَن لا ينيل أَحداً خيراً. قال: والذين يأسفون هم الذين يروْن أَنفسهم أَهلا لخيرات ليست لهم، لأَنه ليس أَحد يكترث بالأُمور التي هي يسيرة الخير، أَو بالأُمور التي هي مذمومة، ولا بالأُمور التي لا يرى نفسه أَهلا لها. ولذلك ما يوجد بهذه الحال الأَحداث والكبيرة نفوسهم والذين تكون لهم الخيرات التي يستحقها جلة الرجال والخيار، كاليسار وكثرة الإِخوان، يأسفون أَيضا على ما فاتهم من هذه الخيرات. وذلك أَن من كان له يسار يأسف على ما فاته من الرياسة، ومن كانت له رياسة دون يسار يأسف أَيضا على ما فاته من اليسار. وقد يأسف هؤلاءِ على ما فاتهم من الزيادة والكثرة في هذه الخيرات مما يوجد لغيرهم. وإِنما كان هؤلاءِ يعتريهم هذا الانفعال، لأَنه يخيل لهم في أَنفسهم أَنهم خيار أَو قريب من أَن يكونوا خياراً، إِذ كان يوجد لهم الشيءُ الذي يستأهله الخيار. مثال ذلك أَنه إِذا حاز الرياسة واليسار أَحد ظن أَنه خيّر. إِذ كان هذان إِنما يستأهلهما الأَخيار. وإِذا ظن ذلك أَصابه الأَسف على ما فاته من ذلك. قال: والصنف من الناس الذين يكون آباؤهم الأَولون وأَقاربهم مكرمين قد يعتريهم كثيرا هذا الانفعال عند أَمثال هذه الخيرات، لأَنهم يرون أَنها أَهلية وأَنهم لها مستحقون. وإِذا كانت الأُمور التي فيها يكون الأَسى والأَسف أُمورا مكرمة، أَعني شريفة عظيمة. فواجب أَن تكون إِما فضائل نفسانية أَو أُمورا فاضلة، أَعني خيرات بدنية أَو خيرات من خارج، وذلك مثل جميع الأَشياء التي فيها للغير إِما منفعة وإِما حُسن وجمال وإِما لذة. ولذلك قد يكرم الناس أَهل هذه الأَصناف الثلاثة، أَعني المحسنين إِليهم وهم أَهل المنفعة، والخيار وهم أَهل الجميل والفعل الحسن، والصنف من الناس الذين فيهم مستمتع، وهم الملذون، وسواء كان الإِحسان منهم والاستمتاع بهم لنفوسهم أَو لمن يتصل بهم. ولكون الأَشياء التي يتأَسف عليها هي الأَشياءُ التي فيها للغير خير ما إِما جميل وإِما نافع وإِما لذيذ، كان الأَسف في اليسار والجمال أَحرى منه في الصحة.

стр. 79

قال: وهو معلوم أَيضا من الحد مَن الناس الذين يأسى المرءُ ويأسف على أَلا يكون له حالهم. وذلك أَن الأَسى إِنما يكون على أَحوال الناس الذين توجد لهم الأُمور المكرمة التي ذكرناها مثل الجمال واليسار والشجاعة والحكمة والرياسة. وإِنما صارت الرياسة من الأُمور التي يأسف الناس على فقدها لأَن أَهل الرياسات يقدرون على الإِحسان إِلى أَكثر الناس، ومن أَعظم أَفعالهم التي يفعلون بها ذلك قود الجيوش والخطابة إِلى غير ذلك من ملكات الرياسات وأَحوالها التي يفعلون بها الإِحسان إِلى الناس. وكذلك كل من ينحو نحو الرؤساءِ ممن له ملكة رياسية أَو حالة رئيسية يصدر منها إِحسان إِلى الغير. ومن الناس الذين يأسى المرءُ على أَلا يكون مثلهم الذين يود كثير من الناس أَن يكون مثلهم، وأَن يكونوا من معارفه. ومن هؤلاءِ أَيضا الذين يتعجب منهم كثير من الناس. ومن هذا الصنف الذين ينطق بالثناءِ عليهم الشعراء والخطباء ومخلدو الكتب، أَعني المؤرخين. فإِن هؤلاءِ الثلاثة الأَصناف هم الذين ينطقون بالمدح والثناء. والصنف أَيضا من الناس الذين لا يكترثون بالخيرات التي فيها غيرهم، ولا يلأسفون عليها لأَن عندهم: إِما جميع الخيرات التي يؤسف على فقدها، وإِما أَعظم الخيرات وأَجلها قدراً، فقد يأسف المرءُ أَلا يكون في مثل أَحوال هؤلاءِ؛ لأَن الاكتراث ضد الأَسف، والذي لا يكترث ضد الذي يأسف. والذين يأسفون هم الناس الذين تكون لهم الشرور المضادة للخيرات التي يكون عنها الأَسف. ومن هنا يبين عدم الاكتراث الذي هو ضد الأَسف، ومَن الذي لا يكترث له. فإِنه لا يكترث أَحد بأَحوال الناس الأَسفين. ومن الناس الذين لا يكترث بهم ذوو الجَد، أَعني السعداء، إِذا كان لهم الجَد خلواً من الفضائل التي تستحق الخير الذي نالهم بالاتفاق، فإِن الناس يستخفون بأَمثال هؤلاءِ ولا يكترثون بأَحوالهم. القول في الخلقيات قال: أَما الأَحوال التي إِذا وجدت في الناس اعترتهم الانفعالات بها وهي التي يكون المرءُ بها مستعدا وهي التي يتوطَّأُ بها لقبول الانفعال والأَشياءُ التي يكون عنها الانفعال أَو زوال الانفعال والسلو عنه وهي التي منها تعمل المقاييس الانفعالية فقد قيل في ذلك في هذه المقالة. وأَما الأَشياءُ التي تعمل منها الأَقاويل التصديقية في جنس جنس من الأَجناس الثلاثة، أَعني المشورية والمنافرية والمشاجرية، فقد قيل فيها في المقالة الأُولى. وقد بقي أَن نقول هاهنا في الأَحوال التي يتبعها خلق خلق من الأَخلاق. فإِن بمعرفة أَي خلق يتبع أَي حال يمكننا أَن نحرك الذي نخاطبه إِلى أَن يتخلق بذلك الخلق، وذلك إِذا أَوهمناه وجود تلك الحال فيه أَو كانت موجودة مثال ذلك أَن كبر النفس يتبعه السخاء. فإِذا أَثبتنا عند إِنسان ما أَنه كبير النفس حركناه إِلى السخاءِ بأَن نؤلف له القول هكذا: إِنه كبير النفس، والكبير النفس يجب أَن يكون سخيا، فإِنه واجب أَن يكون سخيا. وكذلك ما أَشبه هذا. قال: وهذه الأَحوال وهي التي المقصود منها تعديدها وأَي خلق يتبع واحدا واحدا منها هي خمسة: أَحدها: الانفعالات. والثاني: الهمم. والثالث: الأَسنان. والرابع: الجدود. والخامس: الأَنفس. وأَعني بالانفعالات مثل الغضب والرحمة، فإِن هذه يتبعها خلق خاص، وبالهمم الأَشياء التي يختارها كل صنف ويؤثرها في حياته سواء كانت صناعة أَو فضيلة أَو لذة ينهمل فيها. فإِن الأَخلاق أَيضا تختلف باختلاف هذه. وأَعني بالأَسنان سن الشباب وسن الإِكتهال وسن الشيخوخة، وذلك أَن لهذه الأَسنان أَخلاقا خاصة بها. وأَعني بالجدود الأَشياء التي تحصل للإِنسان في بدنه ومن خارج بدنه بالاتفاق وذلك مثل الحسب واليسار الشاذ والجَلَد المفرط، وأَعني بالنفوس الفطر المتباينة التي فطر عليها الناس والعادات المختلفة. القول في أَخلاق الشباب

стр. 80

قال: فإِما الأَحداث وهم الذين جاوزوا اسبوعين من سنهم إِلى نحو الثلاثة الأَسابيع فمن أَخلاقهم أَنهم يشتهون كل شيء، وهم مسارعون جموحون إِلى ركوب ما يشتهونه، وأَغلب الشهوات عليهم الشهوات البدنية المنسوبة إِلى الزهرة. وهم مع ذلك سريع تغيرهم وتقلبهم يشتهون الشيءَ سريعا ويملونه سريعا. والسبب في اشتهائهم كل شيء أَن آراءَهم مضطربة لم تستقر بعد كل شيء من المؤثرات في هذه الحياة الدنيا. وليست آراؤهم وهي التي تكون عن بصيرة ونظر. ومثال ما يصيبهم من شدة الشهوة مع سرعة زوالها مثل العطش الذي يصيب المرضى فإِنه عطش سريع الزوال إِلا أَنه شديد جدا. وهم مع ذلك سريعو الغضب منقادون له تقهرهم حدته وسورته، لأَنهم من أَجل حبهم للكرامة لا يصبرون إِذا استخف بهم مستخف لكن يمتعضون إِذا ظنوا أَنهم يعابون. وهم محبون للكرامة وأَشد من ذلك للغلبة، وذلك أَن الحداثة تشتاق الفخامة؛ والغلبة شيء من الفخامة. وهم للكرامة والغلبة أَشد حبا منهم للمال. وإِنما لا يحبون المال لأَنهم لم يجربوا الفاقة. وهم يصدقون بالقول سريعا لأَنهم لم ينخدعوا كثيرا. وهم حسنٌ ظنهم، فسيحٌ أَملهم لحرارة طباعهم كالذي يعرض لمن يشرب الخمر لمكان الحرارة العارضة له عن شربها. ثم لا يخورون ولا ينكلون، بل يحملون المشقة فيما يهوونه وذلك لقوة حرارتهم. وهم أَكثر ذلك يعيشون بالأَمل، لأَن الأَمل إِنما هو للزمان المستقبل، والذكر للماضي. والمستقبل موجود للغلمان أَكثر من الماضي لأَنه في أَول وجودهم، ولذلك يأمنون كثيرا ولا يذكرون. وهم يسيرٌ اختداعهم واغترارهم وذلك أَن من شأنهم التصديق من غير دليل أَو بدليل ضعيف. وإِذا غولطوا بالدليل سهلت مغالطتهم. وهم مع أَنهم من ذوي التأميل شجعان، وذلك أَن الشجعان غضوبون حسنٌ أَملهم. فأَما حسن الأَمل فيحدث لهم أَلا يجزعوا، وذلك أَن قوة الرجاءِ في الظفر تشجعهم، وأَحد ما يشجع هو تأميل الخير، وأَما الغضب فيحدث لهم شدة القلب، لأَنه ليس من أَحد يخاف فيغضب. ومن خلقهم أَن الحياءَ يغلب عليهم لأَنهم لم يصيروا بعد إِلى أَن يميزوا بين الأَشياءِ التي يجب أَن يستحى منها وبين التي لا يستحى منها. فهم لاتهامهم أَنفسهم في كل شيء يستحيون من كل شيء خوفا من أَن يكونوا قد اخطأْوا. وهم يتمسكون بالسنن جدا ويراقبونها، والسبب في ذلك أَنهم لم يعملوا النظر فيها حتى يتبين لهم ما هو منها عدل مما ليس بعدل. وهم كبراء الأَنفس. ويظنون أَنهم لا يفتقرون أَبدا، والسبب في ذلك أَنهم لم يجربوا الضراءَ والضرورة. ويتشوقون أَبداً من أَفعال كبراءِ النفوس العظائم منها، وذلك من طريق اتساع أَملهم. ومن أَخلاقهم أَنهم يؤثرون الجميل أَشد من إِيثارهم النافع. وإِنما يؤثرون من النافع ما كان جميلا. وإِنما كانوا لا يؤثرون النافع لقلة تفكرهم في العواقب، وإِيثارهم للجميل من أَجل إِيثارهم للفضائل، وإِيثارهم للفضائل من أَجل إِيثارهم للمدح والذم. وهم محبون لأَصحابهم أَكثر من سائر الناس، لأَن من تمام اللذة والسرور - إِذا وُجدا - الصحبة ومشاركة الإِخوان. وهم لا يطلبون النافع في شيء من الأَشياء ولا في الأَصدقاءِ. وخطؤهم في الأَشياءِ كثير، وأَكثر ما يكون في الأَشياءِ النافعة التي يؤثرها المشايخ. وأَفعالهم غير محدودة ولا مقدرة، فيحبون جدا ويغضبون جدا، وبالجملة فيفرطون في كل شيء وذلك لسوءِ تمييزهم العواقب. فإِن الأَفعال إِنما تكون مقدرة بتمييز العواقب. ويظنون أَنهم يعلمون كل شيء وذلك بسبب إِغراقهم في كل شيء. ويركبون الظلم مجاهرة والأَشياء التي فيها العيب والفضيحة، وهذا أَيضا لجسارتهم وإِفراطهم في الأَشياءِ. وهم رحماءُ لأضنهم يظنون بالناس جميعا أَنهم خيار صلحاءُ. وهم لقلة شرهم يبغضون أَهل الشر لأَنهم يظنون أَن أَهل الشر يفعلون ما لا ينبغي. وهم محبون للهزل والمزح. وانصرافهم عن الشيءِ سريع، لأَن سرعة الانصراف من ضعف الروية. فهذه هي أَخلاق الغلمان. في أَخلاق المشايخ

стр. 81

وأَما الشيوخ الذين تجاوزوا سن الكهولة فهم على كثير من أَضداد أَخلاق الشباب، أَعني الأَخلاق السخيفة والشكسة. وأَعني بالسخيفة المنسوبة إِلى الضعف من محبة الهزل والمزاح وتشوق الشهوات البدنية والرحمة للناس والانخداع؛ وأَعني بالشكاسة الأَخلاق المنسوبة إِلى القوة مثل سرعة الغضب والجرأَة ومحبة الكرامة والغلبة وامتداد الأَمل وكبر النفس وركوب الظلم وسائر هذا النوع. وإِنما كان الشيوخ على ضد هذه الأَخلاق، لأَنهم عاشوا دهرا طويلا فقصر أَملهم، واختدعوا كثيرا وأَخطأُوا كثيرا، فساء ظنهم بالناس لوقوعهم على أَسباب الخدع والخطأ بالتجارب. وأَكثر الأَفعال الواقعة بهم كانت كلها شروراً أَو مفضية إِلى الشر. ومن أَخلاقهم أَنهم لا يشكون في الشيءِ فيما بينهم وبين أَنفسهم ولا يتعجبون من شيء ورد عليهم ولا يستعظمونه، لأَنه قد تكرر عليهم. وهم مع أَنهم قد جربوا كل شيء كأَنهم لا يعرفون شيئا. ولا يكترثون بالحمد والذم، لأَن قصدهم الحقائق، مع أَنهم لا يستطيعون شيئا. ومن شيمهم أَنهم لا يحزمون على شيء أَلبتة ولا يقطعون عليه بل يقرنون بكلامهم أَبداً (عسى) و (لعل) ، وذلك لكثرة خطأهم ولكثرة ما جربوا من إِخفاق آمالهم. وهم سيئة أَخلاقهم لسوء ظنهم بكل شيء. وسوء ظنهم لقلة تصديقهم؛ وقلة تصديقهم لكثرة تجاربهم. ومن شيمهم أَنهم لا يحبون جدا ولا يبغضون جدا ولا يظهرون ذلك إِلا بالكُره وعند الاضطرار، أَعني الحب والبغض. والحبيب والبغيض عندهم كأَنه في صورة واحدة لدهائهم، وذلك للأُمور التي قيلت من أَنهم عاشوا دهرا طويلا واختدعوا كثيرا وأَخطأُوا كثيرا وأَشباه ذلك. وهم صغيرةٌ أَنفسهم متهاونون بالأَشياءِ العظام لا يشتاقون إِلى شيء سوى ما فيه المعاش. وهم غير ذوي منحة وتكرم، لأَن متاع الدنيا من الأَشياءِ التي بهم إِليها ضرورة، وأَعني بمتاع الدنيا الأَشياء الضرورية في هذه الحياة. وإِنما صار لهم ذلك لكثرة التجربة. وأَيضا فإِنهم يرون أَن الاقتناءَ عسير والتلف يسير، فهم لهذين الشيئين بخلاء، أَعني لوقوفهم بالتجربة على أَن الأَشياء النافعة في هذه الحياة بهم ضرورة إِليها، وبخاصة لضعف أَبدانهم، ولوقوفهم بها على أَن الاقتناءَ عسير، وبخاصة في سن الشيخوخة، وأَن التلف يسير. وهم يسبقون، فيخبرون بما هو كائن لمعرفتهم بالعواقب. ولهذا كانوا جبناء وهم في هذا على خلاف ما عليه الأَحداث لأَنهم ذوو برودة في أَمزجتهم وفتور، والفتيان ذوو حرارة وتوقد. والشيخوخة تؤدي إِلى الجبن لأَن الخوف والجبن تابع للبرد. وهم محبون للحياة لا سيما عند آخر أَعمارهم. وحبهم للحياة ليس هو ليتمتعوا من الشهوات فيها، بل لأَن يحيوها فقط، لأَن أَسباب الشهوات قد عدموها، اللهم إِلا شهوة الطعام من بين شهوات سائر الحواس فإِنها توجد فيهم كثيرة. لأَن الطعام ضروري لهم، فيجتمع لهم مع اللذة به الضرورة. وهم محبون لأَخيار الملوك وعدول السلاطين لصغر أَنفسهم الذي السببُ فيه ضعفُ نفوسهم. وعشرتهم للناس وقصدهم إِنما هو نحو النافع لا نحو الحسن، لأَنهم محبون لأَنفسهم. والنافع هو الشيءُ الذي هو خير للمرءِ في نفسه؛ والحسن هو ما هو خير للغير. وهم قليلٌ حياؤهم. وإِنما كان ذلك كذلك، لأَن إِيثارهم للنافع هو أَكثر من إِيثارهم للجميل. والحياءُ إِنما يكون مخافة فوت الجميل. وتأميلهم يسير لكثرة تجاربهم أَن أَكثر الأَشياء يؤول إِما إِلى الشر، وإِما إِلى ما شره أَكثر من خيره، وإِما لما خيره مساوٍ لشره. وكل هذه الثلاثة الأَقسام غير متشوقة. والأَشياءُ التي هي خير محض، أَو الخير فيها أَغلب، قليلة الوجود، ويحتاج - في ترقب وجودها - إِلى زمان طويل، والذي بقي من أَعمار الشيوخ يسير. وأَكثر عيشهم ولذتهم إِنما هو بالذكر لا بالأَمل، بضد ما عليه الأَمر في الشباب. وذلك أَن الذكر إِنما يكون لما مضى. والشيوخ فقد ذهب أَكثر أَعمارهم. ولهذا تكون منهم جودة التكهن والحدس على ما يكون. وغضبهم سريع حديد لقلة احتمالهم، لكنه ضعيف، لضعف حرارتهم. وشهواتهم منها ما قد انقطع، ومنها ما قد ضعف، فليسوا متحركين نحو الشهوات، لكن نحو النافع. فلذلك قد يظن بهم العفة لانقطاع شهواتهم، وإِنما هم أَعفاء باشتراك الاسم. ويقلقون من طلب الأَفضل وإِنما وُكْدهم الضروري. وأَكثر إِشارتهم بالأَشياءِ التي تحصل الفضيلة

стр. 82

والخلقق الجميل، لا بالأَشياءِ التي تعود على المشار إِليه بالنافع. ومن خلقهم الظلم، لكن بالمكر والخديعة، لا بركوب الفضائح والاستهتار كالحال في الشباب. وهم رحماء لكنّ رحمتهم من أَجل ضعفهم وتخيل سهولة نزول الشر بهم الذي أَشفقوا منه، لا من أَجل حبهم للناس كالحال في رحمة الشباب. وهم صابرون على الآلام، غير سريع تقلبهم، لأَن الصبر ضد الهزل الذي هو من أَخلاق الفتيان، ومن أَحب الهزل فليس يحب الجد والصبر. لجميل، لا بالأَشياءِ التي تعود على المشار إِليه بالنافع. ومن خلقهم الظلم، لكن بالمكر والخديعة، لا بركوب الفضائح والاستهتار كالحال في الشباب. وهم رحماء لكنّ رحمتهم من أَجل ضعفهم وتخيل سهولة نزول الشر بهم الذي أَشفقوا منه، لا من أَجل حبهم للناس كالحال في رحمة الشباب. وهم صابرون على الآلام، غير سريع تقلبهم، لأَن الصبر ضد الهزل الذي هو من أَخلاق الفتيان، ومن أَحب الهزل فليس يحب الجد والصبر. فهذا هو القول في أَخلاق الشباب والمشايخ. القول في سن الكهول قال: وأَما الذين هم في عنفوان العمر، وهم الكهول، فمعلوم أَن أَخلاقهم وسط بين هذه الأَخلاق، وأَنهم مجانبون لإِفراط الطرفين. ولذلك هم أَعدل، فليسوا بمتهورين ولا جبناء، ولكن مقدمين على ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي، وبمقدار ما ينبغي، ولا يصدقون بكل شيء، ولا يكذبون بكل شيء، لكن يتصورون الأُمور على كنهها، ويصدقون بها التصديق التابع لطباعها. وليس عيشهم ولا طلبهم موجه نحو الحسن فقط، ولا نحو النافع فقط، لكن نحو الأَمرين جميعا. ولا هم أَيضا أَهل جد محض، ولا مجون محض، لكن بين ذلك. وكذلك هم في الشهوة والشجاعة، أَعني أَنهم أَعفاء مع شجاعة. والغلمان شجعان شهوانيون والشيوخ جبناء أَعفاء. وجملة القول إِنه قد يحصل لهم الجزءُ النافع من خلق خلق، دون الجزء الضار الموجود في الأَطراف المذمومة الحاصل للشيوخ وللشباب بالطبع. وذلك القدر هو المتوسط. وعلى حسب زيادة أَحد الطرفين في خلق الكهل على الآخر يكون ميله إِلى الشر أَو إِلى الخير، أَعني إِلى الطرف المذموم أَو المحمود. وذلك أَيضا يختلف بحسب الذي يستعمل معه الخلق، قرب حالة تكون زيادة الشجاعة فيها وقربها من التهور آثر من توسط الأَمر في ذلك في حالة أُخرى. فقد يزاد في الشر إِذا احتيج إِلى استعماله مع قوم ما، ويزاد في الخير إِذا احتيج إِلى استعماله مع قوم آخرين. وسن الكهولة هو من خمس وثلاثين إِلى خمسين سنة. فهذا هو القول في خُلق الأَحداث والشيوخ والكهول. فصل ولما كان الكلام الخطبي إِنما يكون أَتم فعلا وأَكثر إِقناعا إِذا رأى المخاطب به أَنه لم يبق فيه موضع فحص ولا تأَمل ولا معارضة إِلا وقد أَتى بها فتزيفت، كان واجبا أَن يكون هنالك فاحص عن القول، ومعارض له غير المتكلم، وهذا إِنما يتم بمناظر وحاكم. أَما فعل المناظر فهو التشكيك على القول المقنع والإِبطال له. وأَما فعل الحاكم فتمييز حجة كل واحد من الفريقين، أَعني المتكلم والمناظر، على مثال ما يوجد الأَمر في الخصومات في المدن. لكن إِذا أُريد أَن يكون القول تام الإِقناع، فواجب أَن يوضع حاكم ومناظر في جميع أَجناس الأَقاويل الخطبية، أَعني المشاورية والمشاجرية والمنافرية. والفرق بين الحاكم والمناظر أَن الحاكم هو أَعلى من المناظر، ولذلك لا يكلف بالدليل على ما حكم به. وأَما المناظر فهو مساوٍ للمتكلم ولذلك لا يكتفى منه برد القول دون أَن يأتى على ذلك بدليل. وربما اكتفى في بعض المدن في الأَقاويل الخصومية بقول الحاكم دون قول المتكلم والمناظر، على ما عليه الأَمر في ملة الإِسلام، فإِنهم إِنما يستعملون في الخصومات قول الحاكم مع الأَشياءِ التي من خارج مثل الشهادات والأَيمان. والفرق بين الشاهد والحاكم أَن الشاهد يشهد بصدق النتيجة، والحاكم يشهد بصدق القياس المنتج لها، والمناظر يناظر على إِبطالهما. وأَكثر الأَقاويل الخلقية والانفعالية إِنما يستعمل مع الحكام. فصل

стр. 83

فأَما الخلق الذي يخص سياسة سياسة من السياسات الأَربع التي عددت فيما سلف فقد ذكرت في باب المشوريات. وينبغي أَن تكون عندنا هاهنا معدة لنستعملها في الأَقاويل الخلقية. فإِن هنالك إِنما ذكرت لتعمل منها الضمائر في الأُمور الثلاثة. وإِذ قد تقرر هذا وكان قد تبينت الأَشياءُ التي منها تعمل الضمائر والتصديقات في الأُمور الثلاثة، أَعني المشاورية والمنافرية والمشاجرية، فالأَشياءُ التي منها تعمل الأَقاويل الخلقية والانفعالية، فقد ينبغي أَن نصير إِلى تبيين المقدمات المشتركة التي في الأَجناس الثلاثة أَعني في المشاورية والمنافرية والمشاجرية. والأُمور المشتركة التي يطلب تثبيتها في الأَجناس الثلاثة بالمقدمات المشتركة أَرْبعة أَصناف: الأَول: هل الأَمر ممكن أَو غير ممكن. والثاني: هل الأَمر مما سيكون ولا بد أَو لا يكون. والفرق بين هذا والممكن أَن المقدمات المستعملة في الممكن إِنما تستعمل بلفظ الممكن وعلى أَنه ليس لأَحد الممكنين فضل على الآخر في الوجود. وأَما المقدمات المستعملة في أَن الشيءَ كائن في المستقبل فإِنما نستعملها في صورة ما هو كائن لا محالة، وإِن كنا لا نتيقن ذلك، لكن إِنما نستعملها في هذه الصناعة بهذه الجهة. والثالث: هل الأَمر قد كان في الماضي أَو لم يكن. وما يستعمل من هذا في هذه الصناعة فإِنما يستعمل في صورة ما قد علم كونه بالتجربة والحس، وإِن كنا لا نتحقق ذلك. والرابع: تعظيم الشيء وتصغيره وتفخيمه وتخسيسه، فإِن هذا أَمرٌ عام مستعمل في الأَجناس الثلاثة. فإِنه إِذا أُشير بالشيءِ أَن يفعله عُظّم، وإِذا أُشير بالترك صُغّر. وكذلك يفعلون إِذا مدحوا أَو ذموا أَو شكوا أَو اعتذروا. فإِذا تم القول في هذه، قلنا بعد ذلك في مواد أَصناف الضمائر وأَصناف المثال، وأَضفنا إِلى ذلك المواضع المشتركة للأَقاويل الخطبية وغيرها، فإِنا نكون قد أَتينا على الغرض المقصود من هذه الصناعة. فإِنه إِنما تكلم في المقالة الأُولى في الضمائر من جهة تأليفها لا من جهة موادها. وهي من جهة تأليفها ممكن أَن تستعمل في الخطابة وغيرها. وإِنما هي خاصة بالخطابة من جهة موادها. فنقول: إِنه وإِن كانت هذه الأَربعة المطالب مشتركة للأَجناس الثلاثة، فإِن بعضها أَخص ببعض وأَولى أَن تنسب إِلى بَعْضٍ. وذلك أَن التعظيم والتصغير أَخص بالمنافرية التي هي المدح والذم، وأَن الذي قد كان أخص بالخصومات وكذلك الذي يستعمل كالكائن؛ فإِن الحكومة إِنما تكون في أَمثال هذه الأَشياء، وأَن الممكن والذي يتوقع كونه أَخص بالمشورية. وإِذ قد تقرر هذا، فلنقل في المقدمات التي يقنع بها أَن الأَمر ممكن أَو غير ممكن، ونعني بالممكن وغير الممكن هاهنا ما هو مقدور لنا ومستطاع عليه مما هو غير مقدور ولا مستطاع عليه، لا الممكن الذي هو في طبائع الأُمور ممكن، لكن الذي بحسب الإِرادة والاستطاعة. فمنها: إِن كان الشيءُ له ضد، وكان ضده ممكنا أَن يكون أَو أَن يفعل، فإِن الشيءَ ممكن أَيضا أَن يفعل؛ مثل إِن كان الإِنسان يمكن أَن يصح، فقد يمكن أَيضا أَن يسقم. والعلة في ذلك أَن القوة والإِمكان للمتضادين واحد. ومقدمة ثانية: إِن كان الشبيه ممكنا، فالذي يشبهه أَيضا ممكن. وثالثة: إِن كان الذي هو أَصعب ممكنا، فالذي هو أَيسر ممكن. وإِن كان الأَمر الذي هو أَفضل وأَحسن ممكنا، فذلك الأَمر - إِذا قيل بإِطلاق - ممكن، أَعني من غير هذا الشرط. فإِن إِجادة تكوين البيت أَصعب من تكوين البيت فقط. ورابعة: إِن كان الذي بدؤه ممكن، فآخره وتمامه ممكن. والإِقناع في هذا الموضع أَن نقول: لما كان ما لا يمكن كونه مبدئه، فما يمكن كون مبدئه، يمكن كونه. وقد بين اختلال هذا الموضع في الثانية من الجدل. وخامسة: وهي ما كان تمامه ممكنا، فمبدؤه ممكن؛ وهو عكس ما قبله.

стр. 84

وسادسة: إِن كان المتأَخر في الطبيعة أَو في الكون - يعني الزمان فقط - ممكنا، فالمتقدم أَيضا ممكن؛ مثال المتقدم بالطبع: إِن كان الإِنسان يمكن أَن يكون كهلا، فقد يمكن أَن يكون غلاما. ومثال المتقدم بالزمان فقط دون الطبع: الصحة الكائنة بعد المرض. فهذا الموضع ينقسم إِلى مقدمتين، ثم قد تعكس كل واحدة من هاتين، فيحدث هاهنا أَربع مقدمات. فإِنه إِن كان المتقدم في الطبيعة أَو في الزمان ممكنا فالمتأَخر أَيضا ممكن. ومقدمة ثامنة: وهي أَن كل ما هو بالطبع محبوب ومشتهى، فهو ممكن أَن يكون وأَن يفعل؛ فإِنه ليس يشتاق أَحد - إِذا كان شوقه على المجرى الطبيعي - ما ليس بممكن. وتاسعة: وهي أَن الأَشياءَ التي تحتوي عليها العلوم والصناعات ممكنة لنا، أَعني أَن نعلم ما في العلوم وأَن نعمل ما في الصنائع. وعاشرة: وهي أَن الأُمور التي بدأَ كونها فينا أَو بحكمنا مثل الأَشياء التي نجبر عليها عبيدنا أَو نتشفع فيها إِلى أَصدقائنا فهي ممكنة؛ وذلك أَن الذي في ملك الأَصدقاءِ ممكن، كما أَن الذي في ملكنا ممكن. وحادية عشرة: وهو أَن الذي تكون أَجزاؤه ممكنة، فالكل ممكن. وثانية عشرة: وهو إِن كان الكل ممكنا، فالأَجزاءُ ممكنة؛ مثال ذلك أَنه إِن كان البرهان ممكنا، فمقدمات البرهان ممكنة وتأليفه ممكن. وثالثة عشرة: وهي إِن كان النوع ممكنا، فالجنس ممكن؛ وعكسه وهو إِن كان الجنس ممكنا، فالنوع ممكن؛ مثال ذلك إِن كان يمكن أَن تكون سفينة ذات مجاديف كثيرة، فقد يمكن أَن تكون ذات مجاديف ثلاثة؛ وعكسه إِن أَمكن أَن تكون ذات ثلاثة مجاديف، أَمكن أَن تكون ذات مجاديف كثيرة. وخامسة عشرة: وهو إِن كان أَحد المضافين ممكنا، فالمضاف الآخر ممكن، كمثل الضعف والنصف. وسادسة عشرة: وهو إِن كان شيء ما يمكن أَن يكون لغير ذي صناعة فهو لذوي الصناعة أَمكن، وذلك أَن هاهنا أَشياء توجد مرة بالعرض، ومرة بالذات، ومرة بصناعة، ومرة بلا صناعة. فهذه متى كانت ممكنة بالعرض كان إِمكانها بالذات أَحْرى. وكذلك يوجد الأَمر فيها إِذا وجدت بصناعة وبغير صناعة. وسابعة عشرة: وهو إِن ما كان ممكنا للأَوضع والأَخس والأَحقر والأَقل عناية فهو لأَضداد هؤلاءِ أَمكن، كما قال سقراط: إِنه لشديد علىّ أَن أَعجز عما يفعله الجاهل؛ أَو كما يقال: إِنه لقبيح أَن يعجز أَرسطو عن معرفة ما أَدكه زينُنْ. وأَما المقدمات التي يوقف منها على أَن الشيءَ غير ممكن فمعلومة من أَضداد هذه التي قيلت. مثال ذلك: أَن ما كان غير ممكن للذين هم أَشد عناية فهو غير ممكن للذين عنايتهم قليلة؛ وأَن الكل إِذا كان غير ممكن، فالأَجزاء غير ممكنة.

стр. 85

وأَمَّا المقدمات التي يوقف منها على أَن الأَمر كان أَو لم يكن فيكاد أَن تكون واحدة بالموضوع، اثنتين بالجهة. فمنها: أَنه إِن كان الذي هو أَقل تهيأ واستعدادا لأَن يكون قد كان، فالذي هو أَكثر تهيأ قد كان. وموضع ثان: وهو إِن كان المقابل الذي قد جرت العادة أَن يتقدمه مقابله قد كان، فإِن الآخر قد كان؛ مثال ذلك إِن كان الإِنسان نسي شيئا فقد كان علمه، وإِن كان حنث، فقد كان حلف. وموضع ثالث: وهو إِن قدر وهوى أَن يفعل، ولم يكن شيء من خارج يعوقه، فقد فعل. وقريب من هذا إِن كان قدر على شيء وغضب، فقد كان. والموضع العام لهذين أَنه إِن كان قادرا على الشيءِ، وهو متشوق له، فقد فعله. وإِنما كان عاما لأَن التشوق يعم الغضب والهوى. وإِنما صار هذا الموضع مقنعا لأَن الناس أَكثر ذلك يفعلون ما يشتهون إِذا قدروا، أَما الأَحداث فللنهامة، وأَما الخيار فلشهوتهم للخير. وإِذا كانت أُمور قريبة الكون متوقعة، فهي كالموجودة وموضع رابع: وهو إِذا كان إِنسان عادته أَن يوجد منه فعل ما كثيراً، فإِن ذلك الفعل قد كان منه. وموضع خامس: وهو أَن ننظر إِذا أَردنا أَن نقنع في شيء ما أَنه قد كان هل تقدمته أَشياء في طباعها أَن تكون قبل ذلك الشيء الذي أَردنا معرفة كونه، فإِن كانت تلك الأَشياءُ قد تقدمت، حَدَسْنَا أَن ذلك الأَمر قد كان. وهذه الأَشياءُ السابقة للشيءِ ربما كانت أَسبابا، وربما كانت علامات؛ مثل أَنه إِن كانت السماءُ برقت، فقد رعدت. وإِن كان الإِنسان قد جرب شيئا ما لينظر هل يتأَتى له فيه ذلك الفعل أَم لا، فقد كان منه ذلك الفعْل. وموضع سادس عكس هذا وهو إِذا وجدت الأَشياءُ المتأَخرة عن الشيءِ، فقد وجد الشيء؛ مثال ذلك إِن كانت السماءُ رعدت، فقد برقت؛ وإِن كان فَعَلَ الآن، فقد ابتدأَ فيما قبل يَفْعَل. وهذه الأَشياءُ التي تتأَخر عنها أَشياء وتتقدم عليها أَشياء، منها ما هو باضطرار، ومنها ما هو على الأَكثر. فمثل الاضطراري: إِن كان نسي، فقد علم؛ ومثال الأَكثري: إِن كانت السماءُ رعدت، فقد برقت. فهذه هي المواضع التي يوقف منها على أَن الأَمر قد كان. وأَما معرفة أَن الأَمر لم يكن فمن أَضداد هذه بعينها. وأَما المقدمات التي يوقف منها على أَن الأَمر سيكون وأَنه متوقع كونه، فهذه هي بأَعيانها. فأَول ذلك إَن كان الأَمر مقدورا عليه ومشتهى، فسيكون. وأَعني بالمشتهى هاهنا إِما اللذات المحسوسات، وإِما الأَشياء التي يهواها الإِنسان من غير أَن تكون أُموراً محسوسة، كالمال والكرامة. وكذلك إِن كان الأَمر مقدوراً عليه مع الغضب أَوْ كان مقدوراً عليه ومختاراً بفكر وروية، فهو ممكن. وكذلك الأَشياءُ اللازمة للأَفعال الإِرادية ما كان يلزم منها باضطرار، وما كان لا يلزم باضطرار، فهي كلها معدودة فيما سيكون، إِذا كانت الأَشياءُ المتقدمة لها. فمثال ما يلزم أَكثريا للفعل الإِرادي خروج السهم التابع للرمي، ووقوع البصر على الشيءِ التابع لفتح الأَجفان. وأَيضا إِن تقدمت أَشياء هي متهيئة أَن يكون عنها شيء، فذلك الشيء سيكون؛ مثل أَنه إِن كانت السماءُ غامت فستمطر. وموضع آخر: إِن كان الشيءُ الذي هو من أَجل غاية ما موجودا، فإِن الغاية ستوجد؛ ومثال ذلك إِن كان الأَساس قد كان، فإِن البيت سيكون. فأَما المواضع التي يوقف منها على الأَعظم والأَصغر والكثير والقليل والأَفضل والأَخس فهي بأَعيانها التي عددت في باب الأَنفع والآثر في المشوريات، إِذا جُعلت أَعم قليلا، وذلك بأَن يترقى من باب النافع إِلى باب الخير. فإِن الخير جنس مشترك للغايات الثلاث من الأَجناس الثلاثة من أَجناس الأَقاويل الخطبية، وذلك أَنه في المشورية النافع، وفي المنافرية الحسن، وفي المشاجرية العدل. وبالجملة فمواضع المقايسة تستعمل خاصة وعامة حتى يمكن أَن تؤخذ مشتركة لجميع المطالب على ما تبن فيه الأَمر في الثانية من الجدل. إِلا أَن هاهنا إِنما ينتفع بالكليات إِذا طوبق بها الجزئيات، واستعملت قوة الكُلي فيها، وذلك بأَن يحد كل واحد منهما ويوصف بما يخصه. فإِن غاية هذه الصناعة إِنما هو التكلم في الجزئيات لا في الكليات، وفيها تقع مخاطبة الجمهور بعضهم بعضا. وذلك أَنه قد يحتاج في مطابقة الكليات في المواد إِلى ملكةٍ ودربة، وذلك أَحد ما يتفاضل فيه الخطباءُ.

стр. 86

فقد قيل في الممكن ولا ممكن، وفي أَن الأَمر كان أَو لم يكن، وفي أَنه يكون أَو لا يكون، وفي التعظيم والتصغير. وقد بقي علينا القول في الأُمور العامة للتصديقات كلها، وذلك مما لم يستوف فيه القول في المقالة الأُولى، وأَعني بالتصديقات العامة المقاييس الخطبية والمواضع الخطبية، فنقول: إِن الأَقاويل الخطبية، كما سلف، جنسان: مثال وضمير. وأَما الرأي فهو جزء من الضمير. وأَكثر ذلك إِنما يحتاج إِليه في المشوريات. وسنقول في ذلك. والمثال كما قيل في هذه الصناعة شبيه بالاستقراء في صناعة الجدل، والضمير شبيه بالقياس فيها. والمثال في هذه الصناعة نوعان: فأَحدهما: أَن يتمثل المتكلم بأُمور قد كانت ووجدت، مثل قول القائل: إِنه ينبغي للملك أَلا يغتر فيميز النصحاء من حرسه من غير النصحاءِ، وإِلا خيف أَن يثبوا عليه فيقتلوه، كما عرض للمتوكل كل من بني العباس. النوع الثاني: أَن يكون الخطيب يصنع المثال صنعة ويخترعه اختراعا، وهذا ربما كان مقدمة، وربما كان حديثا طويلا. والحديث الطويل ربما كان معلوم الكذب عند التكلم والسامع كالحال في الحكايات الموضوعة في كتاب دمنة وكليلة، وربما لم يكن معلوم الكذب ككثير من الأَلغاز التي يستعملها أَصحاب السياسات. واسم المثل والأَمثال أَخص بالمقدمة المخترعة عند أَرسطو، والمثال أَخص بالموجود منها. والمقدمات التي جرت عادة الجمهور من العرب وغيرهم أَن يستعملوها في مخاطبتهم، مثل قولهم: ذكرتني الطعن وكنتُ ناسيا، وقولهم: بلغ الماءُ الزبى، وغير ذلك، هي داخلة في هذا الجنس، إِلا أَن بعضها مقدمات أَو اخترعها أَول من تكلم بها ليجعلها مثالات عامة لأُمور كثيرة، وبعضها إِنما نطق بها فقط لموافقة الحال الحاضرة فحفظ ذلك وجعل مثالا في أَشياء كثيرة، مثل قول القائل: ذكرتني الطعن وكنت ناسيا، فإِن الحكاية في ذلك مشهورة عن أَول من تكلم بهذا المثل، والسبب في ذلك. ومثال المثل المخترع الذي إِنما هو مقدمة فقط قول سقراط: إِنه لا ينبغي أَن يتسلط أُناس بالقرعة، كما لا ينبغي أَن يوضع الصراع قرعةً، أَي يوضع الصراع بالقرعة. فإِن هذا القول اخترعه سقراط وجعله مثالا لقول القائل: إِنه لا ينبغي أَن يتسلط ناس بالقرعة، مثل أَن يلزم واحد من أَهل السفينة أَخذ السكان بالقرعة، فإِن القرعة تصيب أَيهم كان من غير أَن يكون ذلك ممن يحسن الملاحة.

стр. 87

ومثال الأَقاويل المخترعة قول بعض القدماء لقومه حين أَرادوا أَن يقيموا من أَنفسهم وأَهل مدينتهم حرساً وجندا لرجل معروف بالتغلب والاستيلاء والقهر ليقهر لهم عدوهم، فإِنه أَشار عليهم من شر أَعدائهم، وهو أَن يغلب عليهم ذلك الرجل ويستعبدهم. وضرب لهم مثالا بفرس كان قد استولى على مرعى وتفرد به، فدخل أُيَّل، فأَفسد المرعى. فلما أَراد الفرس الانتقام من الأُيَّل، سأَل الإِنسان هل يقدر أَن يعينه على الانتقام منه، فقال له: نعم إِن أَنت قبلت اللجام وحملتني على ظهرك وفي يدي قضيب. فلما أَذعن الفرس لذلك وركبه الرجل صار - وكان ما أَمله من الانتقام من من الأُيَّل - إِلى أَن ملكه الرجل وذلَله وسخره. قال فهكذا فانظروا فإِنكم إِن قبلتم اللجام، حيث تجعلون ذلكم المتغلب أَميرا مستبدا عليكم وأَقمتم له الحرس والأَعوان، عرض لكم معه ما عرض للفرس مع الإِنسان. وكتاب دمنة وكليلة إِنما هو من هذا النوع. وأَرسطو يسمى هذا النوع من الأَخبار المخترعة كلاما، لأَن المقدمة الواحدة فيه فرقت فجعلت أَشياء كثيرة، ويقول إِن الكلام إِنما يستعمل لتفهيم الشيء وتلخيصه باستقصاء وذلك يكون بأَخذ جزئيات الشيء ولوازمه أَكثر مما يكون بأَخذ الشيء جملة ودون تفصيل. ومنفعة الكلام المخترع أَنه أَسهل من المثال الموجود، لأَن وجود أُمور قد كانت شبيهة بالأَمر الذي فيه القول يعسر في كثير من المواضع، وأَما الكلام المخترع فيسهل. وذلك إِنما يكون متى كان المرءُ له قدرة على أَخذ الشبيه والمشاكل ولوازم الأَشياء والأُمور الكائنة عنها. وهذه القوة هي طريق إِلى الفلسفة، وذلك لأَن بأَخذ الشبيه يوقف على الكلي. ومنفعة المثال الموجود أَنه أَقنع عند المشوريات، وذلك أَن المتوقعات أَكثر ذلك، كما يقول أَرسطو، يشبهن الماضيات. فالأَمثال أَنفع في أَنها أَسهل وفي أَن يكون الإِنسان يمكنه أَن يجعلها شديدة الشبه بالأُمور التي فيها الكلام. والأُمور الماضية التي يحتج بها ربما لم تكن شديدة الشبه إِلا أَنها، كما قلنا، أَشد إِقناعا. فقد قيل كم أَنواع المثالات وكيف ينبغي أَن تستعمل. وأَما الرأي فإِنه إِذا عرف ما هو، عرف في أَي الأَشياء ينبغي أَن يستعمل ومتى يستعمل وفيماذا ينبغي أَن يستعمل وما منفعته. فنقول: إِن الرأي هو قضية موضوعها أُمور كلية، لا جزئية، وذلك في الأُمور المؤثرة والمجتنبة، لا في الأُمور النظرية؛ إِذا كانت تلك القضية نتيجة ضمير، ومبدأ لضمير آخر، من غير أَن يصرح بالقياس المنتج لها، ولا بالمقدمة الثانية التي تستعمل معها جزء ضمير، ولا بالنتيجة اللازمة عنها. فإِنه إِذا صرح بمقدمتي القياس المنتج لها، كان القول ضميرا. وكذلك إِذا صرح بالرأي من حيث هو مبدأ لضمير، وصرح بالنتيجة اللازمة عن ذلك كان القول أَيضا ضميراً. وذلك أَن القضية الكلية لا تخلو أَن تكون إِما مبدأ ضمير أَو نتيجة ضمير أَو ما جمع الأمرين جميعا. وذلك هو الرأي إِذا لم يصرح بالمقدمات المنتجة له ولا بالمقدمة التي تستعمل معه جزء ضمير ولا بالنتيجة اللازمة عنه من حيث هو مبدأ. فمثال القضية التي إِذا استعملت نتيجة قياس محذوف كانت رأيا، وإِذا استعملت مع قياسها كانت ضميرا، قوْل القائل: إِنه ليس الرأي عندي قول من قال - وإِن كان معلما وذا صيت - إِن كون الغلمان حكماء فضل أَوْ بطالة، فإِنه إِن أَضاف إِلى هذا القياس المنتج له أَو المبطل لمقابله كان ضميراً، وذلك مثل أَن يقول القائل: إِن قول من قال إِن كون الغلمان حكماء فضل أَو بطالة، من أَجل أَنه يكون لحسادهم وحساد آبائهم في بطالتهم موضع قول، ليس بصحيح. وذلك أَنه يكون للحساد قول من غير البطالة، فليس يلزم من أَن يكون تعلمهم الحكمة بطالة أَلا يتعلمونها. وإِن لم يات بهذا القول وإِنما أَتى بالنتيجة وحدها كان رأيا. ومثال القضية التي إِذا استعملت مبدأ ضمير وحذفت المقدمة الثانية والنتيجة كانت رأيا، وإِن صرح بالنتيجة كانت ضميراً، قول القائل، إِذا شكى ولده فقال: إِني لست أَرى في أَولاد هذا الزمان خيرا، فإِن هذا رأَى أَخبر به أَنه يراه، وإِنما أَراد أَن ولده من أَولد هذا الزمان، وليس في أَولاد هذا الزمان خير، فولده ليس فيه خير. فإِذا حذفت هذه المقدمة والنتيجة، كان رأيا. وإِذا صرحت بالنتيجة، كان ضميرا.

стр. 88

وإِذ قد تقرر هذا من أَمر الرأي، فأَنواع الرأي أَربعة: القسم الأَول: الرأي الذي رفع عنه القياس من حيث هو نتيجة برهان ومبدأ برهان: وذلك إِنما يكون إِذا كان القياس عليه قريب الظهور بنفسه يلوح للسامع عندما ينطق ذو الرأي بالرأي ولا يكون شنيعا عند السامع ولا مشكوكا فيه. وذلك أَنه متى لم يكن بهذه الصورة لم يكن الرأي مقنعا. وهذا القسم ينقسم قسمين: إِما رأي يلوح قياسه عندما ينطق به للجميع أَو للأَكثر، وإِما رأي يلوح قياسه للعقلاءِ والأَلباءِ. والقسم الثاني: من الآراءِ هو الذي يحتاج أَن يردف بالقياس ويشد بالقول، وذلك إِذا كان الرأي شنيعا أَو مشكوكا فيه خفيا غير ظاهر. وهذا أَيضا ينقسم قسمين: أَحدهما: أَن يردف بالقياس الذي ينتجه، وذلك إذا كان القياس بينا بنفسه، وكانت النتيجة غير بينة. والثاني: أَن يردف بالقياس الذي يكون الرأي جزءَا منه، وذلك بأَن يذكر الرأي والنتيجة عنه، وذلك إِذا كان الضمير المنتج بينا بنفسه، وكانت النتيجة غير بينة. فمثال الرأي الذي يرفع عنه القياس ولا يكون جزء قياس ولا مردفا بقياس مما هو مقبول عند الجميع ظاهر الحجة قول القائل: إِن خير الأَشياء فيما أَحسب وفيما أَرى أَن يكون المرءُ صحيح البدن. ومثال ما هو مقبول عند العقلاءِ وظاهر الحجة عندهم قول القائل: إِنه يظهر لي أَنه ليس محبا مَنْ لم يحب دائما. ومثال الرأي الذي يستعمل جزء ضمير قول القائل: إِنه لا ينبغي أَن يقبل قول من كان بصفةٍ ما فيما يهم به ويراه. ومثال الرأي الذي يشد بالضمير المنتج له قول القائل: إِن الرأي عندي للإِنسان أَلا يجعل غضبه غير ميت إِذ كان هو ميتا. فقد استبان مما قيل كم أَنواع الرأي وفي أَي موضع يستعمل نوع نوع منها ومع مَن يستعمل. وذلك أَن الرأي الذي لا يحتاج إِلى ضمير: منه ما يستعمل مع الجمهور، ومنه ما يستعمل مع الخواص، كما قلنا. والذي يحتاج إِلى ضمير منه ما يحتاج عند السامع إِذا أُريد أَن يكون مقنعا إِلى ضمير منتج، ومنه ما يحتاج فيه إِلى التصريح بالنتيجة التي تلزم عنه. والآراءُ إِذا كانت شنيعة مستغربة فينبغي أَن يقدم قبلها كلام يزيل شُنعتها، مثل قول القائل: أَما أَنا فإِني - لكي لا أُحسد أَو أُدعى بطالا، أَرى أَنه لا ينبغي أَن أَتأَدب. وأَما إِذا كانت الآراءُ خفية، فينبغي أَن يقدم قبلها ما يوضحها ويبينها، والآراءُ يلحقها أَن تكون رموزا وأَشياء مستغربة، وذلك مثل ما حكاه أَرسطو من المثل الجاري عندهم أَنه لا ينبغي أَن يكونوا شتامين لأَن لا تكثر الخطاطيف في الأَرض، فإِنه استعمل الخطاطيف مكان الناس الذين يتكلمون ويقعون في الناس، واستعمل الأَرض مكان الصامتين، فكأَنه قال: إِنه لا ينبغي لنا أَن نشتم الناس لأَن لا يتبدل الساكتون عنا من الناس فيصيرون شتامين يطيرون حولنا ويصيحون كما تفعل الخطاطيف.

стр. 89

وصنعة الكلام الرأيى وهو الذي جرت العادة أَن يدل عليه بالأَلفاظ التي تدل على الوقوف على رأي الرائي مثل قول القائل: الذي عندي، أَو الذي أَراه، أَو الذي أَحسب، إِنما يليق من الأَسنان بالشيوخ وذلك فيما جربوا وخبروا من الأُمور. فأَما من لم تكن هذه حاله فليس يحسن ذلك منه. وكذلك صنعة الأَمثال إِنما تليق بالشيوخ المجربين. فإِن تكلف المرء القول، كما يقول أَرسطو، فيما لم يجرب جهل وسوءُ أَدب. وينبغي أَن تكون العلامة المستعملة في الآراءِ كلية، مثل قول القائل: إِن القرويين مختلطة أَوهامهم لأَنهم يبذلون ما عندهم سريعا، والمختلطة أَوهامهم يبذلون ما عندهم سريعا. فإِن هذه العلامة في الشكل الثالث، ومقدماتها كلية. فإِن لم يستطع المشير أَن يأتي بالرأي كليا، فينبغي أَن يأتي به أَكثريا. فإِن لم يمكنه أَتى به على أَنه لأَكثر من واحد، وأَخذه مهملا، وأَوهم فيه الكلية، وإِن كان ذلك باستكراه. وهذا قد يستعمل في العلامات التي في الشكل الثالث. فإِن هناك إِنما تلزم نتيجة جزئية فتوهم أَنها كلية. وينبغي أَن يستعمل عند الإِشارة بالآراءِ الأَمثال المشهورة، مثل قول القائل: وَلِيَ حارها من تولى قارها، وقد تبين الصبح لذي عينين. فإِن هذه الأَمثال هي في أَنفسها آراء، وهي مع هذا شهادات. وينبغي أَن تستعمل الأَشياءُ المنافرة للكل والملائمة على جهة الرأي، أَعني الأَقاويل التي تلذ النفس أَو التي تؤلمها وتؤذيها، وهي المعظمة أَو المخسسة كما يقال: اعرف قدرك، مرة على جهة التوبيخ، ومرة على جهة التعظيم. وكما يقول القائل: ليس يسوءُ منك شيء وقد عرفت خلقك، فإِن هذا يحتمل المدح والذم. فإِن أَمثال هذه الأَقاويل إِذا استعملت على جهة الرأي كانت أَوقع، كما لو قال القائل لمن أَغضب بأَن نقل عنه شيء ما: إِن هذا كذب على قدر علمي. فإِن مثل هذا القول يزيل غضبه. وهو أَنجح إِذا استعمل على هذه الجهة، أَعني على جهة الرأي. والكلام الخلقي إِذا استعمل على جهة الرأي كان أَنجع. والذي يلائم من الخلقيات هو الكلام الذي يليق في الفضائل، كما يقال إِنه ليس ينبغي أَن يحب بقدر ما يبغض، يعني أَن الحب ينبغي أَن يكون أَكثر، بل بالحري أَن يبغض بقدر ما يحب. وينبغي أَن يكون ما يخاطب به من الأَقاويل الخلقية بحسب همة السامع، وبحسب ما يستحسن من الخلق، ويكون كامنا فيه بالقوة. فإِن بهذا يكون القول أَنجع، لأَنه يصير ما بالقوة في نفسه سريعا إِلى الفعل. مثل أَن يرى شيخا يفعل فعل صبي فيقول له: هذا غير لائق بالمشايخ، بل اللائق بهم كذا وكذا. فإِنه إِذا ورد هذا القول على من في نفسه همة ذك الخلق تحرك إِليه. فإِن لم يمكن أَن يكون من يخاطبه بالكلام الخلقي ممن فيه همة ذلك الخلق، فينبغي أَن يردف القول الخلقي بالضمير المقنع، مثال ذلك قول القائل: إِنه ليس ينبغي عندي للإِنسان أَن تكون محبته يسيرة بقدر بغضته، كما يقول قوم، بل يجب أَن يكون دائم المحبة، فإِن ذلك المذهب إِنما هو للغدار أَو المكار. فإِن هذا المثال قد جمع تحسين الخلق الذي وصفه وتقبيح ضده مع ذكر الضمير المقنع في ذلك. أَو مثل أَن يقول هكذا ليس هذا القول عندي بحسن، أَعني أَن يحب الإِنسان يسيرا بقدر ما يبغض، لأَنه يحق على المحب أَن تكون محبته دائمة شديدة، لأَنه ينبغي أَن يبغض الشر بغضا شديدا. فإِنه إِذا استعمل هذا على هذه الجهة جمع ثلاثة أَشياء: أَن يكون رأيا وضميرا وخلقيا. أَما كونه رأيا فلما استعمل فيه من اللفظ، الدال على الرأي، أَعني قوله عندي، وأَما كونه خلقيا فلأَنه يحرك إِلى خلق المحبة، وأَما مقدمة الضمير المستعملة فيه فإِنها مأخوذة من موضع الضد، لأَنه إِن كان ينبغي أَن يبغض الشرار بغضا شديدا، فقد ينبغي أَن يحب الخيار حبا شديدا. وأَنجح ما يكون الكلام الخلقي إِذا جمع هذه الثلاثة. واستعمال الكلام على جهة الرأي فيه منافع: أَحدها أَن الجمهور معارفهم وظنونهم إِنما هي في الأُمور الجزئية، وذلك أَنه ليس يمكنهم أَن يحددوا في أَذهانهم الأُمور الكلية، بل إِنما يتخيلونها مع الجزئيات، فإِذا خوطبوا بالكلي في تلك الجزئيات التي أَدركوها فرحوا بما استفادوا في تلك الأُمور الجزئية من الكلية. والناس محبون بالطبع للفوائد. فهذا أَحد ما يحر ك به الكلام الرأيي.

стр. 90

ومنفعة أُخرى أَيضا وذلك أَن كل إِنسان قد تكون له أُمور يؤثرها ويهواها وأُمور لا يهواها، فمتى خوطب فيما لا يهواه بالكلي، المشترك بينه وبين ما يهواه، سارع إِلى قبول الكلي وذلك من أَجل أَن فيه حاجته فيتم الغرض من إِقناعه في ذلك الشيء؛ ولو أَتى به جزئيا لم يقبله ولم يقع له فيه إِقناع. مثال ذلك أَن من كان له جيران سوء أَو أَولاد فساق فقد يقبل قول القائل: إِنه ليس في العالم أَشر من الجيران ولا من الأَولاد. ومن منافعه ما جرت العادة به من حذف القياس المتبت له لظهوره وأَنه مما يقدر أَن يأتى به كل أَحد من عند نفسه فيجعل السامع أَن يتصور في نفسه أَنه من ذوي التمييز والمعرفة بقياسه، فيكون ذلك سببا إِلى أَن يصدق به وينقاد له. ومن منافعه أَيضا أَن الإِنسان إِذا خوطب في شيء ما ربما تلقى القول في ذلك بالرد، ويرى أَنه قبيح أَن يذعن لقول غيره، ولما طبعت عليه النفوس من النفوس واللجاج. فإِذا خوطب في كلي ذلك الشيءِ، بدل الشيءِ، كان أَمكن أَلا يرد القول فيه وأَن يقبله إِذ يخفى عليه ذلك الشيء الذي كان المقصود في التخاطب. والمنفعة الخامسة وهي أَملك من هذه كلها وأَفضل أَن الرأي يجعل الكلام خلقيا. وإِنما يكون الكلام خلقيا بالرأي، لأَن الرأي إِنما هو قضية كلية في أُمور تؤثر أَو تجتنب. والقضية الكلية في الأُمور أَنفسها أَو يتجنبها. فلذلك كان الرأي لذيذا عند السامع وعند المخاطب. وقد كان يكون الرأي نفسه خلقيا لو انفرد دون مادته، أَعني دون الأُمور المؤثرة والمجتنبة. فإِن الرأي نفسه يقود المرء إِلى أَن يتخلق بخلق من يرى ذلك الرأي، فكيف إِذا اقترن بالأُمور التي تقود الإِنسان إِلى أَن يتخلق بخلق من يؤثر تلك الأُمور، وهي، كما يقول أَرسطو، الأَشياء التي تركن إِليها المشيئة والضمير، يعني التي تركن إِليها الإِرادات والنفوس، وهي التي يحب الإِنسان أَن تكون له أَو فيه أَو يعرف بها ويشهر. فقد قيل ما هو الرأي وكم أَنواعه وإِنها أَربعة ومِن أَي الأَشياء يعمل القول الرأيي وما نسبة الرأي إِلى الأُمور وإِنه يستعمل كليا وبالأَكثر وإِنه يستعمل على جهة الأَشياء الخلقية ويستعمل أَمثالا وقيل أَيضا في منافعه وفي مَنْ يستعمله. وينبغي بعد هذا أَن نقول في مواد الضمائر، وبأَي أَحوال يجب أَن تستعمل، ثم يقال بعد هذا في المواضع. فأَما الضمير قياس ما فقد قيل فيما تقدم وبُين أَي نحو هو من القياس. وأَما مقدمات الضمائر فينبغي أَن لا تكون من الأَشياءِ المشهورة جدا بخلاف ما عليه الأَمر في المقدمات الجدلية، فإِنها كلما كانت أَشهر هنالك كانت أَفضل، ولا أَيضا من الأٌمور الخفية التي تحتاج إِلى بيان، بل يجب أَن تكون من المتوسطات بين هذين الصنفين، وهي المقدمات التي ليست تكون بالفعل عند السامع ويقع له التصديق بها، وذلك أَن تلك لشهرتها فكأَن المتكلم بها لم يفدْ شيئا لم يكن عند السامع، والغامضة أَيضا تبعد أَذهان الجمهور عن قبولها. والذين لا أَدب لهم إِنما يتكلمون في المحافل ويسرعون إِلى النطق بأَمثال هذه المقدمات لأَنهم يظنون في المشهورة أَنها ليست عند السامعين وذلك لقلة حنكتهم ويظنون بما كان بينا عندهم أَنه بيَّن عند الجميع. فهذه هي أَصناف المقدمات المذمومة في الضمائر.

стр. 91

والصنف الثالث من المقدمات التي يستعملها غير ذوي الحنكة هي أَيضا المقدمات التي تحتاج إِلى بيان يسير. فذوو الحنكة يسكتون عن أَمثال هذه المقدمات ولا يبادرون إِلى التكلم كما يصنع الأَحداث. وبالجملة فليس ينبغي أَن تكون المقدمات في هذه الصناعة من كل ما يعلمه الجمهور ويرونه، بل من أُمور معلومة محصلة إِما عند الحكام وإِما عند المقبولين من الناس عند الجمهور وإِما عند المقبولين عند الحكام وهم الذين ارتضوهم وذلك بأَن تكون المقدمات بينة لكل هؤلاءِ المقبولين أَو لأَكثرهم وكذلك لكل الحكام أَو لأَكثرهم. وينبغي أَن تؤخذ مقدمات الضمائر ليس كلها من الأُمور الاضطرارية، لكن من الممكنة على الأَكثر؛ فإِنه قد يستعمل في الخطابة مقدمات ضرورية لها معونة في أَشياء ليست ضرورية. وينبغي أَن يعرف المتكلم الأَمر الذي يريد أَن يتكلم فيه ويقيس عليه، إِما في الأُمور المشورية وإِما في غيرها من الأَبواب الضرورية للناس، يعني المنافرية أَو المشاجرية، وذلك بأَن يكون قد أَحاط علما بجنس ذلك الشيء الذي فيه يريد أَن يتكلم أَو بالشيء الذي يريد أَن يكلم فيه من ذلك الجنس. فإِنه إِن لم يكن عنده علم من ذلك الشيء، لم يقدر أَن يقنع فيه. وكيف نستطيع أَن نشير على أُناس بالمحاربة ونحن لا نعرف جندهم ما هم، أَعني أَخيلا هم أَم رَجَّالة أَم أَصحاب قسي أَم رماح أَم سيوف، ولا كم مبلغ عددهم، ولا مَنْ إِخوانهم، ولا مَنْ أَعداؤهم، ولا أَية حروب حاربوا ولا مَنْ حاربوا وكيف حاربوا، فنعلم مقدار جرأَتهم وصدقهم في الحرب. أَو كيف نستطيع أَيضا أَن نمدح قوماً لا نعلم ما لهم من المكرمات والأَوائل الشريفة، فإِن المدح إِنما يكون للممدوح بالأُمور الموجودة له مما هي حسنة في نفسها جميلة أَو يظن بها أَنها حسنة جميلة. وكذلك متى أَخبرنا عن غيرنا بأَنه كان يشير أَو يمدح أَو يذم أَو يشكو أَو يجيب، فإِنما نخبر عنه بأَنه قد فعل تلك الأَشياء بأَعيانها التي كنا نحن نفعلها لو تولينا الفعل بأَنفسنا، أَعني بالأُمور التي هي موجودة للشيءِ الذي يوصف بها بالحسن والقبح في المدح والذم، أَو يوصف بها بالنفع والضر في الإشارة، أَو بالجور والعدل في الشكاية. وبهذا الطريق بعينه، أَعني بالأُمور الموجودة للشيءِ، نصف غير الناس بالجودة والرداءة كما نصف الناس. فإِن هاهنا أَشياء سوى الناس تذم وتمدح. وبالجملة: إِنما نصف ذوي الخير والشر بالأَفعال التي هي موجودة عندهم من جهة ما هو ذوو خير أَو شر لا بأَي شيء اتفق، ولكن من التي هي خاصة بالشيءِ الذي فيه الكلام. وكذلك كل شيء من الأَشياءِ يقنع فيه بقول قياسي، كان القول القياسي ضعيفا أَو قويا. والقياس يفضل القياس إِذا كانت مقدماته أَعرف، ولزوم أَجزاء مقدماته بعضها لبعض أَكثر والحدود الوسطى فيه أَخص بالشيءِ الذي يقصد إِثباته. فهو بين أَن مقدمات الضمائر ليس ينبغي أَن تؤخذ من أَي شيء اتفق، ولا كيفما اتفق، بل ينبغي أَن تؤخذ بالشروط التي قيلت والحدود التي وضعت مثل أَن تكون من الأُمور الموجودة للشيءِ الذي فيه القول وأَن تكون مقبولة عند الخواص من الناس والمشهورين، وذلك في صنفي المقدمات، أَعني الممكنة والوجودية، وسائر الشروط التي قيلت. وكل ما كانت المقدمات من أُمور هي موجودة، أَي صادقة، وكانت أَخص بالشيءِ، كانت أَقنع مما هو أَكثر عموما وأَقل صدقا. والمقدمات العامة هي الموجودة لأَشياء كثيرة. مثال ذلك أَن يمدح مادح أَرسطو بأَنه كان حكيما، فإِن هذا شيء يعم أَرسطو وغيره من الحكماءِ. وأَما الذي يخصه فمثل أَن يقال فيه أَنه الذي كمل الحكمة وتممها. فهذا هو القول في شروط مقدمات الضمائر.

стр. 92

وقد ينبغي أَن نقول أَيضا في المواضع التي منها نستنبط الضمائر. والمواضع بالجملة هي اسطقسات الضمائر. فإِنه إِنما يمكننا أَن نصادف مقدمات الضمائر بطريق صناعي بمعرفة المواضع، وهي أَول شيء ينبغي أَن يكون عندنا من أَحوال المقدمات. فإِن المواضع بالجملة إِنما هي صفات للمقدمات وأَحوال لها عامة يُتطَّرق منها إِلى وجود المقدمات. والذي سلف القول فيه من أَحوال المقدمات هي أَيضا صفات أَخص من المواضع. والمواضع منقسمة أَولاً بانقسام الضمائر. والضمائر أَولاً صنفان: مثبت وموبخ، كالحال في القياسات الجدلية. والضمير المثبت هو القياس الذي ينتج أَن الشيءَ موجود أَو غير موجود من المقدمات المعترف بها. والضمير الموبخ هو الذي ينتج الشيءَ من المقدمات المجحودة المستنكرات، مثل قول القائل: إِن كذا ليس بنافع، لأَنه لو كان نافعا لكان أَول من بادر إِليه المشير. وذلك أَنه قد يترك المشير شيئا تركُهُ مستنكر. فإِذا وفينا المواضع بحسب هذين النوعين من أَنواع الضمائر، وكانت عندنا عتيدة، كنا قريبين من أَن تحصل عندنا بالفعل جميع المقدمات الجزئية النافعة في شيء شيء من الأُمور الجزئية التي قلنا إِن أَحد شروطنا أَن تكون مقبولة عند طائفة طائفة. ومن هذه المواضع يؤتى بالضمائر في المشوريات التي هي في الضار والنافع، وفي المنافرية التي هي في المدح والذم، وفي المشاجرية التي هي في العدل والجور، وفي الانفعالات، وفي الخلقيات. فنقول: إِن المواضع لما كانت ثلاثة أَصناف: إِما موضع مثبت وإِما موبخ وإِما سوفسطائي، فقد ينبغي لنا أَن نذكر صنفا صنفا من هذه على حدته، ثم نصير بعد ذلك إِلى القول في المناقضات والمقاومات ومِنْ أَين ينبغي أَن يؤتى بالضمائر فيها. فأَحد المواضع المثبتة المأخوذة من الأَضداد وذلك أَنه ينبغي أَن ننظر هل ضد المحمول موجود لضد الموضوع، فإِن وجد، حكمنا أَن المحمول موجود له. وإِن أَلفيناه مسلوبا عنه، حكمنا أَن المحمول مسلوب من الموضوع. مثال ذلك إِن كانت العفة نافعة فالشره ضار؛ وإِن كانت الحرب هي علة الشرور الحاضرة، فالسلم ينبغي أَن يصلح ذلك ويدفعه. وموضع من التصاريف والنظائر التي ذكرت في طوبيقى؛ فإِن النظائر والتصاريف يجب أَن يكون حكمها فيما يوجب أَو يسلب واحدا، وذلك أَنه إِن كانت العفة خيرا، فالعفيف خيّر. وموضع ثالث من المضاف: فإِنه إِن كان الفعل حسنا وعدلا، فالانفعال أَيضا حسن وعدل، مثال ذلك أَنه إِن كان البيع حسنا، فالابتياع حسن. وقد يغلط في هذا ويظن أَنه إِن كان بعدل وقع الفعل بالمنفعل فبعدل انفعل المنفعل، أَو بالعكس. والاختلال فيه أَنه إِذا حكم على إِنسانٍ ما بالموت لأَنه قتل زيدا فجعل لأَوليائه أَن يقتلوه، فيجيءُ آخر فيقتله ممن ليس له بولي، ثم يعتذر بأَن يقول: إِن كان الموت الذي حل به عدلا، فقتلي له عدل. وهو بحسب الشريعة ليس بعدل. فلذلك ينبغي أَن ننظر إِلى الشيئين الذين أَخذا من المضاف هل أَخذا من جهة واحدة أَو من جهتين، ويستعمل النافع في الإِقناع من ذلك. وذلك أَنه قد يكون مقنعا أَن المضافين يلحقهما شيءٌ واحد، وذلك إِذا أَخذا من جهة واحدة. وبالعكس يكون أَيضا مقنعا أَن المضافين يلحقهما شيءٌ مختلف إِذا أَخذا من جهتين. فينبغي للخطيب أَن يتحرى النافع من ذلك في موضع موضع. وموضع رابع من الأَقل والأَكثر، كما يقال إِن الذي يضرب أَبويه يضرب أَقاربه. وذلك أَنه إِذا كان الأَقل وجودا موجودا، فالأَكثر وجودا موجود ضرورة. وذلك أَن ضرب الأَبوين أَقل وجودا من ضرب القرابة. وأَما في الإِبطال فعكس هذا، أَعني أَنه إِذا لم يوجد الأَكثر فالأَقل غير موجود. وذلك أَنه إِذا لم يضرب القرابة، فأَحرى ألا يضرب الآباء. فإِذا استعمل هذا الموضع في الإِثبات انتقل فيه من الأَقل إِلى الأَكثر، وإِذا استعمل في الإِبطال انتقل فيه من الأَكثر إِلى الأَقل.

стр. 93

وموضع آخر خاص بالخطابة وهو يشتمل على مواضع وليس يوجد قول يشملها إِلا أَنه بالجملة يقتضي تبكيت المخاطب بما قد فعله أَو بما هو فاعل أَو بأَمر ما لم يفعله ولا هو فاعله. فمنها أَن تكلف من سأَلك شيئا ما يعسر عليك أَن يفعل هو ما يعسر عليه أَو لا يقدر على فعله. ومنها أَن تسأَل غيرك أَن تفعل ما تعلم أَنه لا يقدر عليه وما ليس له ليظن بك أَنك ممن له ذلك الشيء. ومنها أَن تعيب على غيرك شيئا تعلمه من نفسك ليظن أَن الذي تعيب به غيرك ليس هو لك. وذلك أَن ما يعيب الرجل به غيره يظن به أَنه يتجنبه. إِذ كان ما يتجنبه يعيب به غيره فيظن بهذا العكس. وكذلك إِذا أَوجبت لغيرك خيرا ليس هو فيك ليظن أَنه فيك. ومن هذا الجنس: المتجني من غير جناية. ومنها تتبع زيادة الشرائط في القول حتى يصير حجة، أَو نقصان الشرائط حتى يصير حجة. ومما يوبخ به الشاكي أَن يبين المشكو أَنه أُسوته في الشر وأَنه ليس هو أَفضل منه. فإِن التساوي في الشر لا يجعل لإِنسان على إِنسان آخر موضع شكاية. وذلك أَنه كما أَن التأَسي في الخير يوجب مدح بعض بعضا، كذلك التأَسي في الشر يزيل ذم بعض بعضا. ومن هذا الموضع أَمر ازدشير بن بابك الملك حيث قال في كتابه إِن الطاعنين على الملوك بالدين ينبغي أَن يؤتوا من الدنيا ويوسع عليهم حتى يكون الدين هو الذي يقتلهم ويريح الملوك منهم. وموضع آخر مأخوذ من التحديد وهو مشترك بين الصنائع كلها ومعنى الحد هاهنا كل ما هو مقبول أَنه حد، أَو مظنون أَنه حد، كان ذلك حدا في الحقيقة أَو رسما أَو إِبدال اسم مكان اسم أَو تعريف الشيء بجنسه. فإِن هذه كلها داخلة في هذا الباب. وأَخذ مثالات ذلك مما اشتهر لدينا أَمر قريب. وأَرسطو ذكر في ذلك أَمثلة كانت لقوم مشهورين في زمانه. وموضع آخر من القسمة وذلك أَن نقسم المحمول أَو الموضوع. فإِن الشيءَ إِذا أُخذ مجملا قد يرى أَنه مستقيم، وبالجملة أَنه بحال ما. فإِذا قسم ظهر أَنه بخلاف تلك الحال. كقول القائل: إِن مَنْ ظلم، فإِنما يظلم لإِحدى ثلاث: إِما لسبب كذا أَو كذا أَو كذا. فأَما الإِثنان فلا يمكن أَن يكونا، وأَما الثالث فليس تزعمه أَنت. وموقع آخر مأخوذ من الاستقراءِ الذي سلف. مثال ذلك أَن يقول قائل: إِن الذي يهمه أَمر إِنسان آخر يتقدم فيشكره في الخير والشر مثل الوالد مع ولده والصديق مع صديقه، وذلك كما فعل فلان مع فلان، وفلان مع فلان. ومثل من يريد أَن يهون على آخر أَمر السنة أَو يحث عليها فيقول: إِن فلانا وفلانا فعل كذا وكذا مما يخالف السنة فلم يضره ذلك بل نمت حاله وزاد سلطانه، أَو يقول إِن فلانا وفلانا تمسك بالسنة فكان ذلك سببا لدوام سلطانه واتصال ملكه. وموضع آخر من مواضع التقابل: وهو أَن يحكم على شيء ما بحكم ما من أَجل أَنه قد حكم به مَنْ سلف إِما في ذلك الشيء بعينه، وإِما في شبيهه، وإِما في ضده، أَعني أَن الحكم على شيء ما يوجب ضد الحكم على ضده، ولا سيما إِن كان الذين حكموا هم الكل والجمهور والعلماء معهم أَو أَكثرهم وكان ذلك الحكم دائما، أَو ما يحكم به الأَكثر أَو الحكماء إِما جلهم وإِما بعضهم، وكذلك أَيضا إِذا حكم به الذين يظن أَنهم لا يحكمون بالمتضادات، أَعني بضد الحق أَو بضد الخير أَو بضد النافع أَنهم لا يحكمون بالمتضادات، أَعني بضد الحق أَو بضد الخير أَو بضد النافع أَو بضد العدل كالإِله والأَبوين والمعلم. والحكم من هؤلاءِ قد يكون بالقول، وقد يكون بالفعل، وقد يكون بالطبع، أَعني إِذا لم يكن في طباعهم ذلك الشيء، مثل قول القائل: إِن الموت شر، هكذا حكم الله، فإِنه ليس بمائت. وأَما مثال ذلك في الأَبوين والمعلم فظاهر، وذلك إِذا احتج على الإِنسان بأَفعالهما وأَقوالهما.

стр. 94

وموضع من تقسيم المحمول وهو مشترك للصنائع الثلاث. ومثال ذلك هاهنا أَن يقول قائل في الإِبطال: كيف يكون فلان مجرحا وأَي خمر شربها، أَو أَي زنى أَتاه، أَو أَي نفس قتلها، وأَي مال أَكله، وأَي صلاة تركها، وما أَشبه ذلك. ويقول في الإِثبات: كيف لا يكون فلان عدلا وأَي صلاة فوتها، أَو أَي زكاة لم يؤدها، أَو أَي منكر عرف أَنه أَتاه. وموضع آخر أَشبه أَن يكون إِما موضع اللازم الذي ذكره في طوبيقى وإِما جزءاً من موضع اللازم: وذلك أَن ننظر فيما يعرض للشيء من خير وشر ويلزمه، وبالجملة من اللوازم المتضادة، وذلك في الأَصناف الثلاثة، أَعني المشورية والمشاجرية والمنافرية. مثال ذلك أَن يقول قائل: إِن الذي يلزم متعلم الأَدب من الشر أَن يكون محسوداً، والذي يلزمه من الخير أَن يكون حكيما، فينبغي للمرءِ أَلا يتأَدب لكي لا يحسد، أَو يتأَدب لكي يكون حكيما. وذلك إِما بأَن يستعمل في الحث على أَحد المتضادين أَو في التخيير. وهذا الموضع يستعمل في الممكنات وفي سائر الأَشياءِ، وهو لذيذ بحسب ما فيه من ترتيب المتضادين أَحدهما عند الآخر. وموضع آخر: وهو أَنه قد يلحق كل واحد من الضدين أَو المتقابلين بالجملة متقابلان اثنان، إِما معا، وإِما أَن يلحق كل واحد منهما أَحد الضدين فقط. فالأَول هو الموضع الذي تقدم، وذلك أَن التأَدب وعدمه يلحق كلَّ واحدٍ منهما خيرٌ وشرٌ معا. وأَما الذي يلحق كلَّ واحد منهما أَحدُ الشيئين، فمثال قول القائل: إِن نطقتُ، نطقتُ إِما بالحق وإِما بالكذب. فإِن نطقت بالكذب أَبغضني الله، وإِن نطقت بالحق أَبغضني الناس. فالواجب السكوت. أَو يقول: بل الواجب التكلم، لأَنه إِن تكلمتَ بحق أَحبك الله، وإِن تكلمت بباطل أَحبك الناس. ومن الفرق بين هذا وبين الموضع الأَول: أَن اللازمين هناك لأَحد الضدين قد لا يكونان متضادين - فإِن الحسد والحكمة غير متضادين - وقد يمكن أَن يجتمعا في موضع واحد. وأَما اللازمان هنا فليس يمكن اجتماعهما، وذلك أَن محبة الله هي العدل، ومحبة الناس هي الجور. وموضع آخر: وهو أَن نعتمد المقدمات المتضادة، أَعني التي يلحق أَحد الضدين منهما أَن يكون جميلا ومعترفا به في الظاهر وباللسان، وقد يكون الضد الآخر نافعا ومعترفا به في الباطن والضمير. فإِن الخطيب إِذا تحرى بهذا الموضع أَمثال هذه المقدمات، أَمكنه أَن يقنع به في الشيءِ وضده، وهو من العجائب وجودة الحيلة. مثال ذلك أَن يقول قائل يريد أَن يحث على أَجتناب الخمر: إِنها رجس وإِنها محرمة ومفتاح الآثام. فإِن هذا في الظاهر والجميل مقر به. ويقول آخر: أَنها تنفع المرءَ في صحته وتجيد خلقه وذهنه، فإِن هذا معترف به في الضمير. وموضع آخر مركب من موضعين من مواضع التقابل، أَحدهما تركيب الأَضداد، والآخر عكس مقدمات الأَضداد، وذلك مثل قول القائل، وقد عذل في استخدام ابنه وكان طويلا، فقال لهم: إِن كنتم تعدّون الطوال من الغلمان رجالا، فقد أَوجبتم أَن القصار من الرجال غلمان. فإِن قولنا: " " الغلام الطويل رجلٌ " " عكس قولنا: " " الرجل القصير غلامٌ " ". والرجل والغلام متقابلان، والقصير والطويل كذلك. ومثال آخر من هذا: إِن كنتم لا تجعلون زواركم مقصين ولا مبعدين إِذا فعلوا الفواحش، فلا تقربوا الأَعفاء ولا تزوروهم. وموضع آخر: أَن يكون الضدان أَو المتقابلان يلزمهما شيءٌ واحد بعينه، كقول القائل: إِنه سواءٌ في الإِثم والفرية أَن الإِله مخلوق وأَنه لا يموت، أَو قوله إِنه ليس بمخلوق وإِنه يموت. فإِن الذي يلزم عن هذين المتقابلين هو أَمر واحد بعينه وهو أَن يكون الإِله ليس بإِله. ولزوم الشيءِ الواحد للمتقابلين معا ليس هو بالحقيقة، وإِنما ذلك بالعرض. كما قيل في المسئلة المشهورة: هل ينبغي أَن يتفلسف أَو لا يتفلسف. فإِنه بأَي الوجهين أَجاب، لزمه أَن يتفلسف. ومن هذا تبكيت أَفلاطون لأَفروطاغورش. ومن هذا قول القائل: سواءٌ عصيت الله أَو عصيت الرسول.

стр. 95

وموضع آخر نافع في أَخذ المقدمات المتضادة: وهو أَن هنا أَحوالا لأَشياء تلحق تلك الأَحوال أَشياء متضادة. فإِذا أَخذت تلك الأَحوال حدودا وسطى أَمكن أَن يقنع بها في الشيءِ وضده. وهذا الموضع يخالف سائر المتضادات بأَن هذه الأَحوال ليست متضادة. مثال ذلك أَن يقول القائل: أَما أَنا عند الخوف فإِني لا أُقاتل بل أَهرب، وذلك أَن بالهرب أَتخلص، وإِذا أَمنت قاتلت، أَو يقول: بل إِذا خفت قاتلت، فأَنا بالقتال أَتخلص. وإِذا أَمنت لم أَحتج إِلى القتال. وموضع تستعمل فيه الأَشياءُ التي تلزم عنها غايات شتى، وهو أَن ننظر في الأَشياءِ التي إِذا كانت، احتملت غايتين مختلفتين أَو غايات كثيرة، فإِنا إِذا أَخذنا تلك الأَشياء حدودا وسطى، أَمكننا أَن نقنع بها في الشيءِ وخلافه. وذلك مثل أَن يقال: إِن فلانا لم يؤدب فلانا لأَن الشرع أَقتضى تأَديبه، بل لأَنه كان حاقدا عليه. ومثل أَن يقول القائل في شيء دفعه لغيره: إِنما دفعت لك عارية، ويقول الآخر: إِنما دفعته هبة. وهو موضع يستعمل في الأَصناف الثلاثة الخطبية. وموضع آخر عام للذين يختصمون وللذين يشيرون وهو أَن ينظر في الأَشياءِ التي يرغب فيها وفي الأَشياءِ التي لا يرغب فيها وفي الأُمور التي من أَجلها يفعل الشيء إِذا وجدت، أَو لا يفعل إِذا عدمت. فمن ذلك إِن كان الأَمر ممكنا وكان سهلا وكان نافعا له وللأَصدقاء وضارا للأَعداءِ أَو غير ضار أَو كان الضر فيه أَقل من المنفعة، فالمرغب أَو المحرض ينبغي أَن يستعمل هذه ونحوها؛ فأَما الذي يصد أَو يكف فأَضداد هذه. ومن هذا يشكو الشاكون ويجيب المجيبون. أَما الشكاية فمن الذي يرغب، وأَما الاعتذار فمن الذي يصد. ومن هذا الموضع، فيما قال أرسطو، تؤخذ خطابة رجلين من القدماءِ مشهورين بالخطابة عندهم. وينبغي أَن تكون المقدمات التي تستعمل هاهنا من الأَشياءِ المظنونة المقبولة في بادئ الرأي، لا من الأَشياءِ التي لا يصدق بها إِلا أَن تكون مما يمكن أَن تقبل ويقع بها الإِقناع من قرب وبسهولة. وذلك أَن الأَشياءَ التي يقع بها التصديق هاهنا صنفان: أَحدهما ما إِذا سمعه الإِنسان، صدق به وقبله من ذاته، والآخر ما إِذا سمعه، قبله لشهرته ولأَنه محمود عند الجميع. والصنف الأَول إِنما يقع له بالتصديق لأَنه يظنه من الثاني، أَعني من المشهور. فتكون المقدمات المظنونة صنفين: صنف يصدق به لأَنه مشهور، وصنف يصدق به لأَنه يظن من المشهورات. وذلك أَن التصديقات ثلاثة أَصناف: إِما يقيني، وإِما مشهور حقيقي، وإِما في بادئ الرأي. فمتى عرى القول الخطبي من هذين الصنفين ولم يكن مما يقع التصديق به عن قرب لم يَنْبَغ أَن يستعمل في هذه الصناعة. ومثال ما يقع الإِقناع به عن قرب ما قال بعض القدماءِ: إِن السُّنة تحتاج إِلى سُنة تقومها، كما يحتاج السمك الذي في البحر إِلى الملح، والبحر مالح، وكما يحتاج الزيتون إِلى الزيت، وفيه الزيت. فإِن هذا، وإِن كان غير مقنع، فقد يقع به الإِقناع عن قرب، إِذا زيد فيه أَن السمك يحتاج إِلى الملح إِذا أُريد بقاؤه بحفظه وأَن يجعل له طعما آخر. وكذلك يزاد في الزيتون إِذا أُريد بقاؤه وتغيير طعمه، أَعني أَن يجعل الزيت فيه، وإِلا فما هو المقنع أَن يقال إِن الذي في الملح يحتاج إِلى والذي في الزيت يحتاج إِلى الزيت عن قرب. القول في مواضع التوبيخ فمنها أَن ننظر في الخيرات والشرور التي يذكر بها الخصم بالمدح أَو بالذم مما هو خارج عن ذلك الأَمر الذي فيه القول، وذلك ما كان منها متحدثا به عند الناس وجاريا على أَلسنتهم وأَفواههم، أَو كانوا مستعدين لأَن ينطقوا به، وإِن لم ينطقوا به بعد، أَعني من أَفعال الخصوم وأَقوالهم الماضية والحاضرة، فسيتعلمون توبيخ الخصوم بذلك عندما يلزمونها أَمراً ما، كما قيل: إِنكم قوم تحبون حبا يجمع الاَسم والحد، يريد أَن مودتهم صادقة وأَنها من قلوبهم. وكما قيل: إِنه لم يعط أَحدٌ منكم قط شيئا، وأَما أَنا فقد وهبت للكثير منكم. وبالجملة فليكن النظر هاهنا في كل ما يذكر به المتخاصمان معا مما هو خارج عن المقدمات التي تستعمل في بيان الشيء.

стр. 96

وموضع آخر مأخوذ من أَشباه الأَفعال التي يوبخ بها ومن خيالاتها وأَشباه الخصوم من الناس، وذلك إِذا لم يقدر المشكو به أَن يثبت العلة في ذلك الأَمر والسبب فيه، أَعني في ارتفاعه عنه حتى يزول قبح ما ذكر به. فإِنه قد يعتذر المشكو به بأَن شبيه ذلك الفعل قد كان من الشاكي، أَو قد كان ذلك الفعل بعينه من شبيهه من الناس. وهذا هو التأَسي. وإِنما يفزع إِليه حيث لا يقدر الخطيب على إِعطاءِ السبب الذي يزيل التهمة عنه. وموضع آخر أَن يجعل الشيء نفسه هو العلة، وهو في الحقيقة مصادرة، لكن هو هاهنا مقنع من جهة شهرته، وليس يرى الجمهور فيه أَنه مغالطة. وذلك يكون بتغيير اللفظ أَو بتبديله، لا بأَن يأتى بذلك اللفظ بعينه، مثل أَن يقول إِنه موجود أَو إِنه ليس بموجود لأَنه ليس بموجود بل كما قال بعض القدماءِ حيث نفاه إِنسان عن بلده ونسبه: إِنه في نسبه وبلده كذا، لأَن هذا مكتوب في رأس المدينة على صومعة هنالك. وذلك أَن العادة كانت عندهم أَن تكتب أَسماءُ أَهل بيوت المدينة في صوامع مشهورة. وذلك عندنا مثل أَن يقول القائل: إِن نسب فلان كذا، لأَن به تقع شهادته في العقود. وموضع آخر من التوبيخ: وذلك إِذا فعل فعلا وترك ما هو أَفضل منه مع إِبطاله له. وموضع آخر: أَن ننظر هل يفعل المشير بالأَمر ذلك الشيءَ الذي أَشار به، إِذا كان ممكنا له فعله. فإِنه إِن لم يفعل ما أَشار به وهو له ممكن كان فيه موضع توبيخ له. لأَن الذي أَشار به: إِن كان خيرا يكتسب أَو شرا يجتنب، فليس يختار أَحد ترك فعل الخير أَو اجتناب الشر طوعا. وهذا الموضع كاذب. فإِنه قد يشير الإِنسان بالشيءِ وهو يظنه في وقتٍ ما يشير به خيرا، ثم يتبين له أَنه ليس بخير، فلا يفعله، وهو قد كان أَشار به. ومن هذا عندنا أَن يَرْوى الراوي الحديث ويترك العمل به. وموضع آخر: وهو أَن ينظر إِلى الفعلين اللذين يفعلهما الإِنسان، هل أَحدهما يلزم عنه - إِذا فعله - أَلا يفعل معه الآخر، فيكون في ذلك موضع توبيخ. قال: مثل أَن يبكى على الميت، ويتقرب بالصدقة عنه. فإِن البكاءَ يدل على موته، والتقرب على حياته. وموضع آخر: أَن ينظر في الشيءِ الذي يجعل دليلا على الشكاية، فيقيم منه دليلا - إِذا أَمكن - على الاعتذار، أَو يكون الشيءُ الذي يعتذر به يفهم منه نفسه دليل على الشكاية. وذلك يكون على وجهين: إِما أَن في طباع الدليل ذلك، مثل أَن يوجد إِنسان في وسط الدار واقفا، فيقال إِنه لص، لأَنه وجد في هذا الموضع، فيقول هو: لو كنت لصا، لم أَكن واقفا في وسط الدار. والوجه الثاني: أَن يوجد في ذلك القول الذي يعتذر به المعتذر أَو يشكو منه الشاكي موضعٌ يستدل به منه ضد استدلاله. فإِن كان في اعتذار، استدل منه على الشكاية، وإِن كان في شكاية، استدل منه على الاعتذار. وذلك من خطاء يعرض في القول من زيادة أَو نقص أَو إِهمال شرط من شروطه. مثل أَن يتهم إِنسان بأَنه سرق شيئا من منزل اتفق أَن قُتل صاحبه فيه، فيقول: لم أَسرق منه شيئا، ولا قتلت صاحبه. فإِن في مثل هذا الموضع تتأَكد التهمة عليه، إِذ كان قد أَخطأَ وزل في أَن أَجاب عن ما لم يُسئل عنه. وقد كان بعض المشاهير في هذه الصناعة إِنما يؤلف خطبه من هذا الموْضِع.

стр. 97

وموضع آخر تكتسب المقدمات فيه من اسم الشيء. وذلك إِما باشتقاق وإِما بنقل وإِما باستعارة. مثال ذلك أَن يكون رجل اسمه حديد أَو مقاتل، فيتفق أَن يكون في نفسه حديدا أَو مقاتلا، فيقول: أَنت حديدٌ، يا حديد؛ وأَنت مقاتلٌ، يامقاتل. وربما كان بنقل الاسم كما هو، وربما كان بتغيير قليل كما قيل: أَمتك آمنة. وكما قال بعض الملوك لرجل شاعر يعرف بابن فاتك: أَنت ابن باتك فقال: أَنا ابن بابك. فهذه جملة المواضع التي تشتمل على التثبيتات والتوبيخات بحسب ما ذكر أَرسطو. والتوبيخات بالجملة أَنجح وأَنجع من التثبيتات، لأَنها تخيل إِلى السامع مع الشيءِ ضده. فيكون تصوره أَتم وأَلذ. وأَيضا فإِن الموبخات لقرب بيانها تؤلف من أَلفاظ أَقل، فتكون أَسهل حفظا وأَسرع إِبانة للشيء. وهما بالجملة متقاربان، لكن الموبخات أَبين وأَظهر عند السامع، وكلاهما يفعل الاقناع المحرك للنفس لا سيما ما كان منها إِذا ابتدأَ الخطيب بصنعته أَحس هو والسامعون بالغاية المقصودة منه. وبالجملة فيقفون منه على الشيء اللازم التالي لصدر القول. فإِن الضمائر التي بهذه الصفة قد يفرح بها المتكلمون إِذا أَحسوا منها بهذا المعنى، فضلاً عن السامعين. وهذه المواضع بالجملة إِذا تحصلت للإِنسان أَمكنه أَد يدرك بها من هذه الصناعة في زمانٍ قصير وتعبٍ يسير ما شأنه أَن يدرك في زمانٍ طويل وتعبٍ كثير. ولما كان هاهنا في الصناعتين المتقدمتين، أَعني صناعة البرهان والجدل، صنفان من القياس: أَحدهما هو قياس بالحقيقة في تلك الصناعة والآخر مموه يظن به أَنه من مقاييس تلك الصناعة وليس هو من مقاييسها، كذلك الأَمر في صناعة الخطابة فإِن فيها ما هو ضميرٌ بالحقيقة ومنها ما هو ضمير مموه. والأَشياءُ التي تفعل ذلك هي التي أُحصيت في كتاب سوفسطيقي، إِلا أَنه يذكر المشهور منها هاهنا، أَعني المشترك وما هو أَيضا منها خاص بهذه الصناعة. إِذ كانت القياسات السوفسطائية منها ما هي مشتركة للصنائع كلها ومنها ما يخص صناعة دون صناعة، وذلك أَنه كما أَنه قد يكون قياس مموه في صناعة البرهان، ولا يكون في صناعة الجدل، كذلك قد يكون قياس مموه في صناعة الجدل ويكون هاهنا ضميرا بالحقيقة، مثل قياس العلامة الذي في الشكل الثاني. والمواضع المغلطة صنفان: أَلفاظ ومعان. فأَما الضمائر المغلطة من قبل الأَلفاظ فأَحد أَنواعها أَن تكون أَشكال الأَلفاظ واحدة وما تدل عليه الأَشكال من تلك الأُمور مختلفة. وهذا الموضع هو مبدأ لقياسات كثيرة مغلطة، مثل قولنا: إِن كان الرجاءُ هو المرجو، فالذهاب هو المذهوب به، وإِن كان الذهاب فعلا، فالرجاءُ فعل لا مفعول. فإِن هذه إِذا أَلفت على هذا الوجه حدث منها ضمير مظنون من غير أَن يكون في الحقيقة ضميراً. ومنها الذي يكون باتفاق الاسم واشتراكه مثل قولنا فيمن نسبه كلبي: هو من كلب، والكلب خسيس، فهو خسيس. وإِنما غلط في ذلك أَن اسم الكلب يقال على القبيلة وهذا الحيوان النابح. وموضع آخر من الكلام المفرد إِذا قيل مؤلفا، ومن المؤلف إِذا قيل مفردا، لأَنه يظن أَنه شيء واحد. مثال ما يصدق مفردا ويكذب مؤلفا أَن يقال إِن الذي يعرف حروف المعجم كل واحد على حاله يعرف الشعر، لأَن الشعر مؤلف من حروف المعجم. ومن هذا الموضع، أَعني من الإِفراد والجمع، عرض ما عرض في مسائل القول في المواريث، فإِنه لما وضع لكل واحدٍ من الوارثين شريعة في حظه من المال كان ذلك صادقا، فلما جمع ذلك مع الغير لم يصدق. فإِنه لا يوجد مال له نصف وثلثان، فاختلف الفقهاء في ذلك. فهذه كلها مواضع سوفسطائية مشتركة للصنائع الثلاث، أَعني البرهان والجدل والخطابة. وموضع خاص بالخطابة وهو أَن يُصير القائل السامعين بحيث يشتبه عليهم الأَمر حتى يقع في نفوسهم أَن المدعى عليه فعل ذلك الأَمر الذي ادعى به عليه من قبل أَن يثبت المدعى ذلك أَنه فعل ذلك، أَو يقع في نفوسهم أَن المدعي كاذب في دعواه من قبل أَن يعتذر عنها المدعي عليه. فالأَول يكون مما يقوله المدعي أَو يفعله، مثل أَن يعظم الذي ادعى به أَو يقلق منه ويظهر منه تأَذٍ وضجر. والثاني مما يفعله المدعي عليه أَو يقوله، مثل أَن يبكي أَو يقوم فيلتطم ويضع التراب على رأسه أَو يقول أَقاويل يذهل بها السامع أَو الحاكم حتى يتشاغل فيسهو عما يعني به ولا يقدره قدره.

стр. 98

وموضع آخر عام وهو المعروف بموضع اللاحق، مثل قول القائل: فلان سارق لأَنه شرير، فإِنه يصدق أَن السارق شرير وليس ينعكس، أَعني أَن مكل شرير سارق. وموضع آخر مما بالعرض، كما قيل إِن الجرذان أَعانتنا على عدونا، لأَنها قرضت أَوتار قسيهم. وموضع آخر وهو أَن يجعل ما ليس بعلة للشيءِ علة له، وذلك بأَن يؤخذ الكائن مع الشيءِ أَو بعده سببا لوجود الشيء من غير أَن يكون سببا. فإِن الخطباء يستعملون ما بعد الشيء مكان ما من أَجله يكون الشيء ولا سيما في المشورة، كما لو قيل إِن تدبير أَبن أَبي عامر كان من أَجل شيء قصده، لأَن الفتنة بالأَندلس كانت بعده. وموضع آخر وهو أَن يكون الشيء سبيله أَن يؤخذ بحال ما فيؤخذ بحال أُخرى، وذلك إِما من زمان أَو مكان أَو جهة أَو حال، أَو يكون مما سبيله أَن يؤخذ بحال ما فيؤخذ مطلقا. وهذا الموضع مشترك في التغليط لصناعة البرهان والجدل والخطابة؛ إِلا أَن مواده تختلف في هذه الصنائع الثلاث. فالتغليط به في الجدل يكون بالأُمور الكاذبة الممكنة، فإِنه إِذا أخذ فيها مطلقا ما ليس بمطلق بالفعل، فإِنه ممكن أَن يكون مطلقا. والتغليط به في صناعة البرهان يكون بالمعدومة، وهي الكاذبة الممتنعة. ومواده في الأُمور الخطبية هي الأُمور الواجبة. وإِنما كان هذا الموضع مقنعا لأَن كثيرا من الأَشياءِ يصدق جزئيا وكليا، فيظن بكل ما يصدق جزئيا أَنه يصدق كليا. وإِنما يوقف على كذب هذه المقدمات المطلقة في هذه الصنائع الثلاث، إِذا زيد في القول شريطة يظهر بها كذب المقدمة المطلقة، مثل أَن يقال فيمن هو عادل في الأَموال إِنه عادل على الإِطلاق. فإِذا أَظهر أَنه غير عادل في النكاح، اشترط في الأَموال، فتصح حينئذ المقدمة، ويظهر كذب إِطلاقها. وإِذا كان الشيء يصدق جملة على الشيءِ إِذا أخذ بحال ما، ويكذب إِذا أخذ بحال أُخرى، أَمكن إِذا أخذ مطلقا أَن نقنع به في المتقابلات معا، وتنشأ من ذلك أَقاويل مقبولة متضادة خطبية. مثال ذلك أَن يكون إِنسان ما أَصاب أَمرا أَوجب عليه حدا من الحدود الشرعية وهو مريض، فإِنه يمكن أَن يقال فيه إِنه واجب وأَن يقام عليه الحد وإِنه ليس بواجب؛ وذلك أَن من جهة ما جني، فقد وجب عليه الحد؛ ومن جهة ما هو مريض، فليس واجبا عليه. ومن هذا الموضع يصير الشيءُ القليل الخسة خسيسا بإِطلاق، ويؤخذ الشيء القليل الشرف على أَنه شريف بإِطلاق. ويشبه أَن يكون هذا الموضع إِنما هو سوفسطائي بالإِضافة إِلى صناعة البرهان، وأَما بالإِضافة إِلى صناعة الجدل وهذه الصناعة، فإِنه جزء منهما. فإِنه من المقنع أَنه إِذا كان الذي ليس موجوداً بإِطلاق ليس موجودا بحال ما، فمن الواجب أَن يكون ما هو موجود بحال ما موجوداً على الإِطلاق. وقد ذكر هذا الموضع في المقالة الثانية من كتاب الجدل على أَنه جزء من تلك الصناعة. فقد قيل في المواضع التي تعمل منها الضمائر الحقيقية والضمائر المموهة. وقد بقي أَن نقول في المناقضات التي تتلقى بها الضمائر وهي التي يستعملها السامع؛ فإِن التي سلف فيها القول إِنما يستعملها المبتدئ بالكلام، فنقول:

стр. 99

إِن النقض بالجملة للقول القياسي يكون على وجهين: إِما بأَن ينقض شكله بأَن يبين أَنه غير منتج؛ وإِما بأَن تقاوم مقدمات القياس أَو النتيجة. فأَما مناقضة النتيجة فإِنما يكون بالضمائر المستخرجة من هذه المواضع؛ لأَن الضمائر إِنما تؤلف من الظنون، والظنون يلحقها أَن تكون في الشيءِ الواحد متضادة، فينتج عن ذلك أَشياء متضادة، أَعني أَنه يؤلف منها ضمير ينتج الشيءُ وضمير ينتج مقابله. وهذا أَيضا يلحق في المقدمات المشهورة في الجدل، بخلاف ما عليه الأَمر في صناعة البرهان. فأَما معاندة مقدمات القياس فإِنها أَربع، كما قيل في الثامنة من طوبيقى: إِما معاندة المقدمة التي لزمت عنها النتيجة، وإِما معاندة القول، وإِما أَن تكون المعاندة بحسب السائل، وإِما أَن تكون من قبل تطويل زمان المناظرة. والمواضع التي تؤخذ منها معاندة المقدمات هاهنا أَربعة: إِما الأَشياءِ التي هي موجودة في الشيءِ الذي تقصد معاندته، وذلك مثل الكلي والجزئي، وإِما من الأُمور التي من خارج، وهذا صنفان: إِما من الضد، وإِما من الشبيه. والرابع: المقاومة التي تكون بحسب رأي الرجل المشهور المقبول الحكم، أَعني إِذا كان رأيه مضاداً للمقدمة الموضوعة. أَما الإِبطال الذي يكون من نفس الأَمر فمثل لَوْ وضَع واضعٌ أَن الرياسة خير وأَنه أَن يكون المرءُ مرءُوساً خير، فإِنه إِن أَبطلها بالكلية، قال: كون الإِنسان مرءُوسا يحتاج إِلى غيره، والحاجة شر، فالرياسة شر؛ وإِن أَبطلها بالجزءِ، قال: ليس كل رياسة نافعة. وذلك أَن التغلب رياسة وليست خيرا. فهذان هما صنفا الإِبطال الذي يكون من الأَشياءِ الموجودة في الشيءِ المقصود إِبطاله. ومثال الإِبطال الذي يكون من الضد أَن تكون المقدمة الموضوعة أَن الرجل الخير هو الذي يحسن إِلى إِخوانه أَجمعين، فيقاوم ذلك بأَن يقال لَوْ كان هذا حقا، لكان الشرير هو الذي يسيءُ إِلى إِخوانه، وليس كذلك. ومثال المقاومة والمعاندة من الشبيه أَن يوضع أَن من لقي آخر بشر فهو يبغضه، فيقاوم ذلك بأَن يقال: إِن هذا ليس بصادق لأَن مَنْ يلقى آخر بخير قد لا يحبه. ووجه الشبه في هذا المثال إِنما هو بالمناسبة. وذلك أَن نسبة البغضة إِلى من يلقى منه شرا نسبة المحبة إِلى من يلقى منه خيرا. وقد جمع هذا المثال المقاومة من جهتين: من جهة الشبيه ومن جهة الضد. وذلك أَن المحبة ضد البغضة والشر ضد الخير. وأَما مثال المقاومة التي تكون بحسب رأْي الحاكم، فذلك موجود كثيرا في المصالح التي تضادها الشرائع. وأَكثر ما يوجد هذا التضاد بين الشرائع العامة والخاصة؛ وأَعني بالعامة المشتركة لجميع الأُمم، وأَعني بالخاصة ما تخص أُمة أُمة. وإِذ قد تقرر كيف تقاوم المقدمات في الضمائر بالجملة، فلنقل كيف يقاوم ضمير ضمير من أَصناف الضمائر المستعملة في الخطابة. والضمائر كما قيل أَربعة: فمنها المسمى الواجب، وهو الضمير الكائن من المحمودات في أَي شكل كان، ويسمى ما كان من هذه في الشكل الأَول بالأَشبه أَو المشبه. ومنها المسمى برهانا، وهو الضمير الكائن من العلامات في الشكل الأَول. وإِنما خص هذا باسم البرهان بحسب أَنها اضطرارية.

стр. 100

والصنف الثالث المسمى علامة وهو المؤتلف من العلامات في الشكل الثاني. والصنف الرابع المسمى بالرسم وهو مؤتلف من العلامات في الشكل الثالث. ولما كان الضمير الذي يسمى الواجب وهو المؤتلف من المحمودات في الأَشكال المنتجة لم يمكن أَن يقاوم من جهة تأليف القياس، بل من جهة مقدماته. ولما كانت مقدماته محمودة، وكان هذا الصنف إِنما يأتلف فيه المواد الممكنة على الأَكثر، أَعني التي توجد لأَكثر الموضوع مثل وجود الشيب للإِنسان في سن الاكتهال أَو التي توجد في أَكثر الزمان مثل اشتداد الحر عند طلوع الشعري العبور، أَمكن نقضه من ثلاث جهات: إِحداها أَنها ليست بمحمودة، والثانية أَن الذي على الأَكثر ليس باضطراري، وما ليس باضطراري، فقد يمكن أَن يكذب. وهذا نقض مموه إِلا أَنه يستعمل في هذه الصناعة؛ فإِنه قد يظن السامع، أَعني الحاكم، أَن المقدمة، إِذا كانت ليست باضطرارية، أَنها ليست بمحمودة، فيعرض للسامع إِحدى حالتين: إِما أَن يظن أَنه ليس كان ينبغي له أَن يحكم بشيء، وإِما إِن حكم، فلا بالسنة الخاصة المكتوبة بل بالعامة. وهو ما يقتضي الأَصلح في تلك النازلة. فإِن الحاكم إِنما يحكم بأَحد هذين الأَمرين: إِما بالسنة المكتوبة، وإِما بالعامة. والوجه الثالث أَن نبين أَن الذي أَخذ على أَنه على الأَكثر ليس على الأَكثر، بل هو إِما أَقلي وإِما مساوٍ، وذلك إِما في الموضوع، وإِما في الزمان. مثال ذلك أَن شاكيا إِن قال عند الحاكم: هذا قتل زيدا، لأَنه وُجد واقفا وبيده سيف، فيقول الخصم: إِن هذا وإِن كان أَكثريا فليس ضروريا. وذلك أَنه ليس كل من وجد واقفا وبيده سيف هو قاتل. أَو يقول: إِنه ليس هو أَكثريا، بل هو على التساوي، لأَن مَنْ هذه صفته يمكن أَن يكون قاتلا، ويمكن أَن يكون ناصرا. وأَما النوع من الضمائر التي تأتلف من العلامات في الشكل الثالث فهو يبطل بوجهين: أَحدهما أَنه ليس بقياس، وذلك أَنه إِنما ينتج جزئيا لا كلية. والثاني بإبطال النتيجة لإِبطال المقدمات. فإِن المقدمات في هذا الضرب من الضمائر هي محسوسة. مثل قولنا: الكُتَّاب أَشرار؛ لأَن زيدا كاتب وزيد شرير. فإِن بإِبطال النتيجة تبطل المقدمات. لكن ليس ينبغي أَن يستعمل في إِبطال النتيجة المقابل المضاد ولا المهمل. فإِنها إِذا كانت كلية وأَبطلت بالضد، كان ذلك إِبطالا للكاذب بالكاذب، وللشنيع بالشنيع، مثل أَن يبطل قول القائل: كل كاتب شرير، بأَنه ولا كاتب واحد شرير. وإِن كانت مهملة وأَبطلت بالمهمل، كان إِبطال الصادق بالصادق والمحمود بالمحمود. فإِنه يصدق أَن الكُتَّاب أَشرار، والكُتَّاب ليسوا بأَشرار، كما يكذب أَن كل كاتب شرير، وأَن كل كاتب ليس بشرير، بل إِنما ينبغي أَن يكون الإِبطال بإِنتاج المقابل الذي هو موجود على الأَكثر. فإِنه إِذا كان المحمود الثاني المنتج مقابلا للمحمود الأَول وهو أَكثري، كان المحمود الأَول أَقليا. فإِذن إِنما ينبغي أَن يتحرى المبطل أَن يكون المقابل الذي ينتجه للنتيجة التي يروم إِبطالها أَكثريا، أَعني أَنه يوجد لأَكثر الموضوع أَو في أَكثر الزمان. وإِنما كان هذا مبطلا لأَنا إِذا تحققنا أَن المحمول موجود لأَكثر الموضوع، ولم يكن ذلك بحسب الظن والاشتباه، فإِما أَن يكون ضروريا، وإِما أَن يكون ذلك الأَقل من الموضوع الذي ليس هو فيه معلوما محدودا. وأَما العلامة التي في الشكل الثاني فإِنما تبطل من جهة أَنها ليست بقياس. وأَما العلامة التي في الشكل الأَول فليس يمكن إِبطالها لا من جهة شكلها ولا من جهة موادها، فلذلك هي ضمير مثبت ضرورة.

стр. 101

فأَما تكبير الشيء وتصغيره وإِن كان قد يلزم عنهما اطراح الشيء واكتسابه، فإِنهما ليسا من أَنواع الضمائر المبطلة والمثبتة. وإِن كان التعظيم والتخسيس إِنما يكونان عن ضمائر، لكن أَن يقبل الشيءَ ويصدق به من نفس التعظيم أَو يطرح ويكذب به من نفس التخسيس ليس إِثباتا له ولا إِبطالا بالذات ولا هو من أَنواع الضمائر. وأَيضا فليس كل ما يكون به الإِبطال يكون ضميرا. وذلك أَن الإِبطال صنفان: إِما إِبطال لشكل القياس، وإِما إِبطال للقضايا المنسوبة إِلى القياس. وهذا أَيضا صنفان: إِما إِبطال للنتيجة نفسها بأَن ينتج مقابلها، وإِما إِبطال لمقدماتها المنتجة لها. فأَما إِبطال القضايا سواء كانت نتائج أَو مقدمات، فإِنه يكون بالضمائر وهي تأتلف من المواد الخاصة بهذه الصناعة. والمثبت هاهنا والمبطل يستعملان جنسا واحدا من أَجناس القياس. وإِما إِبطال أَشكال المقاييس في هذه الصناعة وغيرها فإِنما يكون بالمقاييس المنطقية، أَعني التي تؤلف من مواد منطقية. فإِن في كل صناعة صنفين من القياس: قياس مؤلف من المواد الخاصة بتلك الصناعة، وقياس مؤلف من مواد صنائع أُخر. وكلا الصنفين مستعمل في كل صناعة. وإِبطال تأليف القياس في أَي صناعة كانت يكون ضرورة بقياس معمول من مواد منطقية، إِذ كان تصحيح المقاييس وإِبطالها إِنما يكون بصناعة المنطق. وهنا انقضى تلخيص هذه المقالة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقالة الثالثة من كتاب الخطابة قال: إِن الأَشياءَ التي ينبغي لصاحب صناعة المنطق أَن يتكلم فيها في هذه الصناعة، إِذا كان مزمعا أَن يكون كلامه فيها على المجرى الصناعي، ثلاثة أُمور: أَحدها الإِخبار عن جميع المعاني والأَشياء التي يقع بها الإِقناع. والثاني الإِخبار عن الأَلفاظ التي يعبر بها عن تلك المعاني وما يستعمل معها مما يجري مجراها. والثالث كم أَجزاءُ القول الخطبي وكيف ينبغي أَن يكون ترتيبها ومماذا يأتلف كل جزء منها من الأَلفاظ والمعاني. فأَما المعاني الفاعلة للتصديق فقد قيل فيها في المقالتين المتقدمتين وبين فيها على كم وجه تكون، ومن أَجل أَي شيء تكون. فإِنه قيل هنالك أَنها ثلاثة أَنواع: النوع الأَول: الأَقاويل الانفعالية والخلقية التي يقصد بها توطئة الحكام وإِعدادهم لقبول ما يراد منهم من التصديق بالشيء الذي فيه الإِقناع. والنوع الثاني: الأَقوال التي يقصد بها إِثبات الفضيلة للمتكلم ليكون قوله أَقنع عند الحاكم والمناظر. والنوع الثالث: الأَقاويل المستعملة أَولا في وقوع الإِقناع بالشيءِ المقصود إِيجاد الإِقناع فيه، وهي صنفا الأَقاويل القياسية المستعملة في هذه الصناعة أَعني الضمائر والمثل. ولم يقتصر فيما سلف على تعريف أَصناف هذه الأَقاويل فقط، بل وعرف مع هذا الوضع التي منها تستنبط هذه الأَقاويل، وإِن هذه المواضع منها كلية تعم الضمائر المستعملة في الأَغراض الثلاثة من أَغراض الخطابة، ومنها جزئية تخص غرضا غرضا منها. وقيل هنالك إِن الأُمور الجزئيات التي من أَجلها تؤلف هذه الأَقاويل هي ثلاثة: إِما المشورية، وإِما المنافرية، وإِما المشاجرية. والذي بقي هاهنا هو القول في الجزءين الباقيين. وذلك أَنه لما كان ليس بأَي معان اتفقت يقع الإِقناع، ولا بأَي أَحوال اتفقت أَن تستعمل تلك المعاني، بل بمعان مخصوصة، كانت الأَلفاظ أَيضا التي يعبر بها عن تلك المعاني شأنها هذا الشأن، أَعني أَن الإِجادة في العبارة عنها تكون بأَلفاظ مخصوصة مأخوذة بأَحوال مخصوصة في غرض غرض من أَغراض الأَقاويل الخطبية، وهو الذي يعبر عنه الجمهور باسم الفصاحة. فإِن هذا الاسم يطلق عندهم على أَحوال ثلاثة في الأَلفاظ: أَحدها وهو الأَملك بهذا المعنى أَن تكون الأَلفاظ جيدة الإِفهام والإِبانة للمعاني. والثاني أَن تكون لذيذة المسموع. والثالث أَن يعطى في المعنى رفعة أَو خسة.

стр. 102

فلهذا كان النظر في الأَلفاظ الخطبية ضروريا لصاحب المنطق، لكن ليس ينظر منها في الأَحوال الخاصة بأُمة أُمة، بل إِنما ينظر من ذلك في الأَحوال المشتركة بجميع الأُمم. ولهذا كان النظر فيها جزءاً من صناعة المنطق. وأَما النظر من ذلك فيما يخص أُمة أُمة فمن شأن الخطيب المنصوب في أُمة أُمة. وأَما ضرورة القول في الجزءِ الثالث، أَعني كم أَجزاء القول - المسمى خطبة - العظمى والصغرى، وترتيبها، ومماذا تؤلف، وكيف تؤلف، فأَمر بيَّن بنفسه. وقبل أَن نقول في الأَلفاظ، فينبغي أَن نقول في الأُمور المستعملة مع الأَلفاظ على جهة المعونة في جودة الإِفهام، وإِيقاع التصديق، وبلوغ الغرض المقصود، وهي التي جرت عادة القدماء أَن يسموها: الأَخذ بالوجوه. وذلك أَن هذه الأَشياء لما كان من شأنها أَن تميل السامعين إِلى الإِصغاءِ والاستماع والإِقبال على المتكلم بالوجه وتفريغ النفس لما يورده، أَستعير لها هذا الاسم. وهذه الأَشياءُ صنفان: إِما أَشكال، وإِما أَصوات ونغم. والأَشكال، منها ما هي أَشكال البدن بأَسره، ومنها ما هي أَشكال لأَجزاء البدن كاليدين والوجه والرأس. وهذه هي أَكثر استعمالا عند المخاطبة. والأَشكال بالجملة يقصد بها أَحد أَمرين: إِما تفهيم المعنى وتخييله الموقع للتصديق، كما روي عن النبي ﷺ أَنه قال في أَحد خطبه: " بعثت أَنا والساعة كهاتين " وأَشار بإِصبعيه يقرنهما، وإِما تخييل لانفعال ما أَو خلق ما. وذلك إِما في المتكلم، أَعني أَن يتخيل فيه أَنه بذلك الانفعال أَو الخلق، مثل أَن يتكلم مصفر الوجه منفعلا بانفعال الخوف، إِذا أَراد أَن يخبر أَنه خائف، أَ، بتوءَدة توهم أَنه عاقل. وإِما في المخبر عنه، إِذا أَراد أَن يصوره بصورة الخائف أَو العاقل. وإِما أَن يوقع ذلك الانفعال في نفس السامع أَو ذلك الخلق حتى يستعد بذلك إِما نحو التصديق الواقع عن ذلك الانفعال أَو الخلق، وإِما نحو الفعل الصادر عنه. وأَما النغم فإِنها تستعمل في القول الخطبي لوجوه: منها لتخييل الانفعالات أَو الخلق، وذلك أَيضا لثلاثة وجوه: أَحدها عندما يريد المتكلم أَن يخيل أًَنه بذلك الانفعال أَو الخلق عند السامعين، مثل أَنه إِذا أَراد أَن يخيل فيه الرحمة رقق صوته، وإِذا أَراد أَم يخيل فيه الغضب عظم صوته وكذلك في الأَخلاق. وإِنما كان ذلك كذلك، لأَن هذه الأَصوات توجد بالطبع صادرة عن الذين ينفعلون أَمثال هذه الانفعالات. والوجه الثاني: أَن يكون قصده تحريك السامعين نحو انفعال ما أَو خلق ما، إِما لأَن يصدر عنهم التصديق الحاصل عن ذلك الانفعال أَو الخلق أَو الفعل الصادر عنه. والوجه الثالث عندما يقتص عن مخبرين عنهم بأَن يصفهم بذلك الانفعال أَو الخلق. ومنها أَيضا أَنها تستعمل لضرب من الوزن في الكلام الخطبي على ما سيقال بعد. وهذا الضرب من النغم ضروري في أَوزان أَشعار من سلف من الأُمم ما عدا العرب. فإِن من سلف من الأُمم كانوا يزنون أَبياتهم بالنغم والوقفات، والعرب إِنما يزنونها بالوقفات فقط. ومنها أَنها تستعمل أَشعارا في افتتاح القول وختمه ومواضع الوقف.

стр. 103

وينبغي أَن تعلم أَن الأَخذ بالوجوه ليس له غناء في الخطب المكتوبة، وإِنما غناؤه في المتلوة، وإِن عادة العرب في استعماله قليلة، وأَما من سلف من الأُمم فربما أَقاموها في الأَشعار مقام الأَلفاظ، أَعني التشكيلات، ويحذفون اللفظ الدال على ذلك المعنى، إِما إِرادة للاختصار وإِما طلبا للوزن، والإِلذاذ. وهذا لم تجر به عادة العرب. لهذا صار ما يقوله أَرسطو في كثير من هذه الأَشياءِ، كما يقول أَبو نصر، غير مفهوم عندما ولا نافع. والأَخذ بالوجوه إِنما هو نافع أَكثر ذلك في الخطب التي تتلى على جهة المنازعة، لأَنه إِنما يحتاج إِلى الاستعانة بجميع الأَشياء المقنعة في موضع المنازعة لتحصل الغلبة. وأَمثال هذه الخطب هي الخطب التي كانت بين علي ومعوية. وأَمثال ذلك في الأَشعار: الأَشعار التي كانت بين جرير والفرزدق. وإِنما صارت هذه الأَفعال معينة في الإِقناع، لأَن فيها ضربا من تغيير الأَلفاظ وإِبدالها، على ما سيقال في سبب ذلك فيما بعد. وهذا الفعل هو ضرب من التمويه والمغالطة، إِلا أَنه نافع في هاتين الصناعتين، أَعني الشعرية والخطبية، إِذ كانت الخطبية إِنما يقصد بها وقوع غلبة الظن، والشعرية حصول التخييل نفسه، ولذلك تستعمل من الأَشكال والنغم في طل المحاكاة ما إِن استعمل في الخطابة، كان خروجا عن الواجب. وإِذ قد قلنا في توابع الأَلفاظ، فلنقل في الأَلفاظ. القول في الأَلفاظ المفردة فنقول: إِن القول في أَحوال الأَلفاظ التي تكون بها أَتم إِبانة عن المعاني وأَجود تفهيما لها هو ضروري في المخاطبة البرهانية، فضلال عن الأَقاويل البلاغية والشعرية. ولذلك أَن جهة استعمالها في المخاطبة البرهانية إِنما هو لأَن يكون بذلك حصول البرهان أَيسر وأَسهل وأَوضح، مثل ما يقال: إِنه ينبغي أَن تكون الأَلفاظ المستعملة فيه متواطئة، غير مشتركة، مشهورة عند الجمهور أَو عند أَهل تلك الصناعة التي يستعمل فيها ذلك البرهان. وإِن كانت مشتركة، أَن تقسم جميع المعاني التي يقال عليها ذلك الاسم المشترك، ويبرهن على كل معنى من تلك المعاني على حدته، لأَن للأَلفاظ في ذلك معونة في زيادة التصديق الحاصل عن البرهان وقوته كالحال في الصنائع الأُخر، فإِنه يلفى لها معونة في إِيقاع التصديق المستعمل فيها. وإِن كانت في ذلك تختلف، فأَقلها حاجة في ذلك صناعة الجدل، ثم من بعدها السفسطة، ثم من بعدها صناعة الشعر. فهاتان الصناعتان أَكثر حاجة إِلى ذلك. فلذلك ما ينبغي في هاتين الصناعتين أَن تحصى الأَحوال التي إِذا استعملت في الأَلفاظ كانت بها الأَقاويل البلاغية أَتم إِقناعا، والشعرية أَتم تخييلا. فإِنه كما أَن الأَخذ بالوجوه. إِنما منفعته في هاتين الصناعتين هذه المنفعة، كذلك الحال في الأَلفاظ. إِلا أَن القول في أَحوال الأَلفاظ التي بها تكون الأَقاويل في هاتين الصناعتين أَتمَّ فعلا أَعظمُ نفعا وأَحرى أَن يكون القول في ذلك صناعيا. فإِن الأَخذ بالوجود أَكثر ذلك طبيعي. وإِنما صارت الأَلفاظ والأَصوات تفعل في هاتين الصناعتين هذا الفعل من جهة أَنها تخيل في المعنى رفعة أَو خسة، وبالجملة: أَمراً زائداً على مفهوم اللفظ، مثل غرابة اللفظ فإِنها تخيل غرابة المعنى، وكذلك فخامته تخيل فخامة المعنى، والنغم كذلك يفيد فيه هذا المعنى أَيضا. وبيَن أَن هذا مقصود بالطبع للمتكلم على طريق هاتين الصناعتين. وليس يقصد ذلك أَحد عندما يتكلم على طريق الهندسة، ولا على طريق العدد. والذين وقعوا أَولا على تأثير هذه الأَحوال من الأَلفاظ والأَصوات في الأَقاويل هم الشعراءُ. وذلك أَن هذا المعنى أَظهر ما يكون في الأَقاويل الشعرية، مع أَن الوقوف على الأَقاويل الشعرية هو متقدم بالزمان على الوقوف على الأَقاويل البلاغية. وإِذا قد تقرر هذا من ضرورة القول في الأَلفاظ في هاتين الصناعتين، فينبغي أَن نذكر من ذلك ما يخص البلاغة وما هو مشترك بين تلك الصناعتين معا، فنقول: إِن الأَلفاظ المفردة، كانت اسما أَو كلمة أَو حرفا، تنقسم من جهة أَنحاءِ دلالاتها ثمانية أَقسام: منها المستولية؛ ومنها المغيرة، ومنها الغريبة، ومنها اللغات، ومنها المزينة، ومنها المركبة، ومنها المغلطة، ومنها الموضوعة.

стр. 104

أَما المغيرة: فهي أَشهرها وأَكثرها نفعا في الصناعتين. وأَما التغيير أَن يكون المقصود يدل عليه لفظٌ ما فيستعمل بدل ذلك اللفظ لفظٌ آخر. وهذا التغيير يكون على ضربين: أَحدهما: أَن يستعمل لفظ شبيه الشيء مع لفظ الشيء نفسه ويضاف إِليه الحرف الدال في ذلك اللسان على التشبيه؛ وهذا الضرب من التغيير يسمى التمثيل والتشبيه، وهو خاص جدا بالشعر. والنوع الثاني من التغيير: أَن يؤتى بدل ذلك اللفظ بلفظ التشبيه به أَو بلفظ المتصل به من غير أَن يؤتى معه بلفظ الشيء نفسه. وهذا النوع يسمى في هذه الصناعة الإِبدال، وهو الذي يسميه أَهل زماننا بالاستعارة والبديع، مثل قول ابن المعتز: يا دار أَين ظباؤك اللُّعْس ... قد كان لي في إِنسها أُنس فإِن العرب جرت عادتهم أَن يشبهوا النساء بالظباءِ، فربما أَتوا به على جهة الإِبدال، مثل ما تقدم من قول ابن المعتز، وربما أَتوا بذلك مع حرف التشبيه. وكل واحد من صنفي التغيير: إِما بسيط وإِما مركب. وكل واحد من هذين: إِما أَن يكون وجه الاتصال فيه بينا مشهورا من أَول الأَمر، وإِما أَن يكون غير بين. وإِنما يكون غير بين لأَحد شيئين: إِما لأَنه غير بين في نفسه عند الجميع، أَو عند كثير من الأُمم، مثل كثير من التمثيلات التي جرت عادة العرب أَن يستعملوها، فإِنه يشبه أَن يكون كثير منها غير بين عند سائر الأُمم، مثل قول امرئ القيس يصف حمار الوحش: يهيل ويُذرى تُربها ويُثيره ... إِثارة نبَّات الهواجر مُخمسِ فإِن نبات الهواجر إِنما تعرفه العرب ومَنْ هو مثلهم ممن يسكن البراري والصحاري. وأَما المركبة فهي خاصة بالشعر، كما أَن البسيطة خاصة بالخطابة. وأَنشد أَبو نصر في مثال المركبة البعيدة التركيب، الخفية الاتصال، بيتا نسبه لامرئ القيس: بدلتُ من وائل وكندة عد ... وان وفهماً صَمّى ابنةَ الجبل. قال: فإِن هذا التعبير فيه تركيب كثير. وذلك أَنه جعل " ابنة الجبل " بدلا من قوله " الحصاة "، وجعل قوله " صمى " بدلا من عدم صوت الحصاة. فإِن عدم الصوت وعدم السمع يتقاربان، فإِنه قسيمه، إِذ كان عدم السمع إِما أَن يكون عن عدم الصوت، وإِما لفساد في الحاسة. وجعل عدم صوت الحصاة بدلا من ابتلال الأَرض، فإِن الأَرض إِذا ابتلت وطرحت فيها الحصاة لم تصوت. وجعل ابتلال الأَرض بدلا من انصباب الدماء على الأَرض، فإِن ابتلال الأَرض لاحق من لواحق انصباب الدماء. وجعل انصباب الدماء عليها بدلا من القتال الشديد، لأَن انصباب الدماء يكون عن القتال الشديد. وجعل القتال الشديد بدلا من الأَمر العظيم. فكأَنه أَراد: وفيها أَمر عظيم، فأَبدل مكان ذلك: وفهما صمّى ابنة الجبل، واستعمل في ذلك هذا الإِبدال الكثير. وهذا كما قلنا إِنما يليق بالشعر. والمستولية هي الأَلفاظ التي هي خاصة بأَهل لسان ما، ومشهورة عندهم، مبتذلة، دالة على المعاني التي وضعت لها من أَول الأَمر من غير توسط. وأَما الغريبة فهي الأَلفاظ التي هي غير مبتذلة عند جمهورهم، وغير مستعملة عندهم بل إِنما يستعملها الخواص منهم. وأَما اللغات فهي صنفان: أَحدهما أَن يستعمل الإِنسان مخاطبة صنف صنف من أَصناف أْمة لفظا ليس يستعمله ذلك الصنف من الأُمة، بل إِنما يستعمله صنف آخر منه، مثل أَن يستعمل الحجازي لغة حميرية. والصنف الثاني أَن يستعمل في مخاطبة أُمة ما لفظا ليس من أَلفاظ أَهل لسانهم، وإِنما هو من لسان أُمة أُخرى، مثل ما يوجد في لسان العرب أَلفاظ كثيرة من أَلفاظ الفرس والأُمم المجاورة لهم. وهذا يستعمل على وجهين: أَحدهما أَن يأتي بذلك اللفظ بعينه من غير أَن نغير بنيته وتركيبه. والوجه الثاني أَن يغيره تغييرا يقرب به من الأَبنية المستعملة في لسانهم ليسهل بذلك عليهم النطق به، مثل السّجيل وغير ذلك مما هو موجود في كتب اللغة. وأَما المزينة والمركبة فليستا موجودتين في لسان العرب؛ وذلك أَن المزينة هي أَلفاظ جعل بعض أَجزائها نغما حتى صارت بتلك النغم مزينة. وهذا غير موجود في لسان العرب. وأَما المركبة فإِنها أَيضا غير موجودة في لسان العرب إِلا قليلا شاذا مثل قولهم عبقسي في المنسوب إِلى عبد القيس، وعبشمي، في المنسوب إِلى عبد شمس.

стр. 105

وأَما المغلطة فهي الأَلفاظ التي يعسر النطق بها. وذلك يعرض لأَسباب: منها أَن تكون تلك الحروف حروفا يعسر النطق بها، وإِن كانت قليلة. ومنها أَن يكون سبب العسر فيها كثرة الحروف التي ركبت منها والتي يعسر النطق بها: إِما أَن يكون من أَجل مخرج الحرف نفسه، وإِن نطق به وحده، مثل كثير من حروف الحلق؛ وإِما أَن يكون العسر يحدث له عند تركيبه مع غيره، وذلك إِما لتقارب مخارجها، وهذا هو سبب الادغام في لسان العرب، وإِما لتكرارها مثل قولهم قصصت أَظفاري. ولذلك بعض العرب يبدل إِحدى الصادين ياء في مثل هذا. وربما كان السبب في ذلك تضاد المخارج، ولذلك قل في لسان العرب اسم يوجد على وزن فُعُل مثل الرسل. وأَكثر الانقلابات والتغييرات التي يصفها النحاة هذا هو سببها. وأَما الموضوعة فهي الأَلفاظ المخترعة في لسان جنس ما، يخترعها بعضُ أَهل ذلك اللسان على نحو التركيب الذي لحروفهم. فهذه أَصناف الأَسماء النافعة في هاتين الصناعتين، وهي كالمادة للصناعتين، أَعني الشعرية والخطبية، وإِن كانت بالشعرية أَخص، ولذلك أَحصاها أَرسطو في كتاب الشعر. وإِذ قد تقرر هذا، فالذي ينبغي أَن يبين هاهنا من أَمرها هو أَي صنف من هذه الأَصناف تستعمل هذه الصناعة وأَيها لا تستعمل. وإِذا استعملت منها صنفا، فكيف تستعمله، وإِلى أَي مقدار تنتهي في استعماله، وفي أَي موضع تستعمل منه ما تستعمل. وبالجملة: فنتحرى تلخيص ما يقوله أَرسطو في ذلك بأَوجز ما يمكننا وأَتمه، فنقول: إِنه يقول: إِن فضيلة القول الخطبي أَو الشعري وجودته إِنما تكون بالتغيير. وأَعني هاهنا بالتغيير استعمال أَصناف الأَسماء والكلم السبعة ما عدى المستولية. فإِن في كل واحد منها، ما عدى هذا الصنف، تغييرا ما. وإِنما كان القول الذي في هاتين الصناعتين فضيلته في التغيير، لأَن القول إِنما هو علامةُ معرفة لأَمرٍ ما لم يعرف أَصلا، أَو لم يعرف معرفة تامة. وإِنما يكون القول بهذه الصفة متى أَفاد في المعنى المدلول عليه أَمراً لم يكن بعدُ عند السامع، أَو إِن كان، لم يكن على التمام. وهذه هي حال القول الذي من الأَلفاظ المغيرة. فإِن القول المؤلف من الأَلفاظ المستولية ليس يفيد معنى زائدا على ما كان عند السامع، وإِنما يفيد ذلك إِذا كان مغييرا بالتخييل الذي تعطيه الأَلفاظ المغيرة. وهذا المعنى إِنما يوجد في القول بشرطين: أَحدهما أَلا تكون الأَلفاظ حقيرة وهي بالجملة الأَلفاظ المبتذَلة التي لا تخيل في المعنى أَمراً زائداً على ما كان عند السامع، أَو التي يكون تخييلها يسيرا، أَو التي تخيل في الشيءِ خسةً ما، أَو يكون تركيبها تركيبا فاسدا. والشرط الثاني أَلا تكون مجاوزة للقدر الذي يجب بحسب المعنى الذي يطلب الإِقناع فيه. وذلك يكون إِما بأَن لا تخيل فيه معنى أَعظم مما يحتمل المعنى المقصود تبيينه، أَو يكون التغيير فيها غير بين الاتصال. فإِذا جمع القول الخطبي أَو الشعري مع التغيير هاتين الشريطتين كان تام الفعل، وذلك هو فضيلته، وهو القول الجميل. ويشهد لوجود هذا الفعل للقول المغير الأَقاويل الشعرية، فإِنها إِنما صارت لذيذة لما فيها من التخييل والوزن، وكلاهما تغيير. وأَما الأَلفاظ المستولية فإِنها تجعل القول محققا، وليس تخيل فيه معنى زائداً. ولذلك هي أَليق بالبرهان منها بغيرها من الصنائع، إِلا أَنها متى استعملت في هذه الصنائع، فينبغي أَن يكون تركيبها تركيبا مطابقا لتركيب المعاني في النفس، أَعني التركيب الذي يكون لها على المجرى الطبيعي. وبالجملة فينبغي أَن يكون فيها من شروط التركيب الشروط التي تقال فيما بعد. وإِذا كانت بهذه الصفة كانت، كما يقول أَرسطو، بهيئة نبيلة غير حقيرة. فهذا بالجملة هو الفرق بين فعل الأَسماء المستولية والمغيرة في القول الخطبي والشعري.

стр. 106

وإِنما كانت الأَلفاظ المغيرة تعطي في المعنى أَمراً زائدا لموضع الغرابة فيها. فإِنه كما يعرض لأَهل المدينة أَن يتعجبوا من الغرباء الواردين عليهم، وتخشع لهم أَنفسهم، كذلك الأَمر في الأَلفاظ الغريبة عند ورودها على الأَسماع. فينبغي لمن أَراد أَن يجيد القول في هاتين الصناعتين أَن يجعله غريبا. والأَلفاظ الغريبة تتفاضل بالأَقل والأَكثر فيما تخيل في المعنى الواحد بعينه من الرفعة والخسة، لتفاضلها في الغرابة. والصناعة الشعرية فتستعمل من ذلك ما هو أَكثر تخييلا. وأَما صناعة الخطابة، فإِنها تستعمل من ذلك ما هو أَقل وبمقدار ما يليق بها، وذلك هو القدر الذي يفيد وقوع الإِقناع في الشيءِ المتكلم فيه. فإِن ذلك أَيضا يتافضل في صناعة الخطابة بحسب اختلاف ما فيه القول. مثال ذلك ما يحكى أَن المنصور لما دخل الكعبة رأَى رجلا قد سبقه بالدخول، وقد كان أَمر أَلا يدخل إِليها أَحد قبله من العامة، فقال له: أَما سمعت النداءَ؟ فقال: بلى! فقال: أَو ما تعرفني؟ فقال بلى. فقال له: فكيف تجاسرت؟ فقال له الرجل: وكيف لا أَتجاسر عليك؟ ! وهل أَنت في أَول أَمرك إِلا نطفة مذرة؟ وفي آخر أَمرك إِلا جيفة قذرة، وأَنت فيما بين هذين تحمل العذرة؟! فخلى عنه، إِذ صغرت بهذا القول عنده نفسه، أَعني نفس المنصور. زقد كان له أَن يستعمل معه تغييرات هي أَقل في التحقير من هذه، مثل أَن يقول له: وهل أَنت إِلا ملك من الملوك، أَو هل أَنت إِلا رجل من الناس، أَو هل أَنت إِلا عبد من عبيد الله. فإِن هذه كلها متفاضلة في التصغير. إِلا أَنه يشبه أَنه ما كان ينجو من سطوته إِلا بمثل هذا التصغير الذي استعمل معه. فإِنه قول مخسس جدا. قال أَرسطو: والخطباءُ ربما استعملوا أَثناءَ خطبهم التغييرات الشعرية، أَعني البعيدة، فيتوهم من ليس له بصر بالفرق بين التغيير الشعري والخطبي أَن ذلك الفعل الصادر عن ذلك التغيير هو من فعل الأَقاويل الخطبية، وليس الأَمر كذلك. وإِنما مثال ذلك مثل من يخلط سَقَمونيا بشراب الورد. فإِذا أَسهل ذلك الشراب، أَوهم أَن ذلك الإِسهال إِنما كان عن فعل شراب الورد عند من لا معرفة له بقوة الورد. وكذلك الشاعر أَيضا ربما أَلَّف من الأَلفاظ المستولية المعهودة قولا موزونا فأَوهم أَنه شعري وليس بشعري وإِذ قد تبين أَن الفضيلة في القول الخطبي أَن يستعمل التغيير، وتبين بالجملة أَي مقدار ينبغي أَن يستعمل منه فينبغي أَن نقول في مقدار ما تستعمله في واحد واحد من أَصناف الأَلفاظ المفردة السبعة، أَعني ما عدى المستولية. فإِن التغيير يقال عليها بعموم وخصوص. فنقول: أَما اللغات والمركبات فينبغي أَن يقلل من استعمالها الخطيبُ. وإِذا استعملها، فلا يستعمل منها ما يخيل في الشيءِ معنى مفرطا، مثل الأَسماء الغريبة عن لسان أُمة ما أَو الأَسماء المركبة الدالة على معان تخيل في الشيءِ المدلول بها عليه أَمراً زائدا ومفرطا عما تقتضيه صناعة الخطابة، وبخاصة في الخطب التي يقصد بها إِقناع الجميع. فإِن أَمثال هذه الخطب إِنما ينبغي أَن تؤلف من المستولية والغير المشتركة الأَلفاظ وهي التي تعرف بالأَهلية. ومن المغيرات الغريبة: التغييرُ بخلاف الأَمر في الشعر وبخلاف الأَمر أَيضا في الخطب التي يقصد بها إِقناع خواص من الناس. فإِن هذه، الغرابةُ ينبغي أَن تكون فيها أَكثر. والاسم المشترك أَخص بها من الأَهلي؛ وبخاصة القول الشعري، فإِنه ينبغي أَن يجمع الغرابة من جميع الجهات، وفي الغاية. مثل أَن يكون بأَلفاظ مغيرة في الغاية، وأَلفاظ غريبة في الغاية، ومشتركة. والمشتركة أَخص بالسفسطة من غيرها من الصنائع. والخطيب يستعملها بقدر ما يستعمل من المغالطة في هذه الصناعة، على ما سلف. وأَما الأَسماءُ المترادفة فصالحة جدا لصناعة الشعر، وقد تصلح أَيضا لصناعة الخطابة. والشاعر يستعمل هذا الصنف لأَسباب أَخصها به استعمالها لتصحيح الوزن وللقافية، مثل قوله: ومنذ أَتى من دونها النأي والبعدُ

стр. 107

والخطيب يستعملها للاستظهار، وربما استعملها على جهة المغالطة وإِيهام تكثير المعنى بتكثيرها عند التقسيم. وإِذا استعملها الشاعر، فينبغي أَن يستعمل منها ما يخيل في المعنى أَمراً زائدا على ما يخيله الاسم الآخر، مثل قولنا: الصهباء، وخندريس، وقَرْقَف، وحميا. فإِن هذه الأَسماء كلها، وإِن كانت مترادفة، فإِنها تخيل في الخمر معاني مختلفة. وربما استعمل الخطيب المترادفة عند إِرادته تكرير المعنى الواحد بعينه لحفظه وتأكيده، فإِنه أَحسن من أَن يكرر ذلك المعنى بلفظ واحد. وأَما أَيما هي التغييرات الحسنة المناسبة الجميلة في هذه الصناعة التي ينبغي أَن يستعملها وأَيما هي التغييرات الباردة التي لا ينبغي أَن يستعملها، فينبغي أَن نقدم، لمعرفة ما يجب من ذلك، معرفة أَصناف التغيير وضروبه، وإِن كان ذلك أَخص بكتاب الشعر. فإِن التغيير ينبغي أَن يكون نفعه في الصناعتين على نسبة نفع الوزن فيهما، ولذلك كان أَخص بالشعر لكون الوزن أَخص به. وإِنما تَستعمل هذه الصناعة من التغيير بقدر ما تستعمل من الوزن، وذلك شيء يسير. والتغيير بالجملة يعطي في المعنى جودة إِفهام وغرابة، ولذة. والتغييرات صنفان: إِبدال وتمثيل. والتمثيل صنفان: إِما مضاف، وإِما من سائر المقولات، على ما قيل في غير ما موضع. والإِبدال: إِما إِبدال من الشبيه، وإِما إِبدال من اللازم. واللازم ثلاثة: إِما متقدم على الشيءِ، وإِما مقارن له، وإِما متأَخر عنه. والمتقدم صنفان: إِما سبب الشيء وإِما كلي الشيءِ. والمقارن: إِما زمان الشيءِ، وإِما مكانه، وإِما أَنواعه القسيمة، وإِما مقابلاته الأَربعة، أَعني الأَضداد والموجبة والسالبة والعدم والملكة والمضافين والأَشياء الموجودة مع الشيءِ بالعرض. والمتأَخر هي لواحق الشيءِ، وجزئي الشيءِ. وكل واحد من هذه: إِما بسيط، وإِما مركب. والمركب هو أَن يبدل الأَمر بشيء ما، ويبدل مكان ذلك الشيء شبيهه ويؤخذ بعد ذلك لازم ذلك الشبيه مكان ذلك الشبيه، ثم يؤخذ عرض ذلك اللازم بدل ذلك اللازم، فيغمض الوقوف على مثل هذا النوع من التغييرات، مثل ما عرض في بيت امرئ القيس في قوله: صمَّى ابنة الجبل، إِذ استعمل ذلك بدلا من الأَمر العظيم. وقد قلنا كيف وجه التركيب في هذا الإِبدال فيما سلف. وإِذ تقرر هذا فلنشرع في الوصايا التي يرى أَرسطو أَنه ينبغي للخطيب أَن يستعملها في التغيير والإِبدال فنقول: إِن أَرسطو يقول: إِنه ينبغي للخطيب أَن يستعمل من التغييرات والإِبدالات ما كان مناسبا مشاكلا لما فيه القول. ويعني بالمشاكل أَن الأَمر الواحد بعينه يمكن فيه أَن يغير تغييرات متضادة، فالمناسب منها هو الذي يلائم الأَمر الذي فيه الإِقناع. مثال ذلك أَن الذي يريد أَن يعظم أَمر الذي سرق، فالمشاكل هو أَن يقول: إِنه حارب. والذي يريد أَن يحقر ذلك يقول: إِنه أَخذ. ثم لا يخلو الخطيب، إِذا أَتى بالمشاكل المناسب، أَن تكون مشاكلته لما فيه القول ظاهرة بنفسها مشهورة، أَو تكون غير ظاهرة. فإِن كانت ظاهرة، اكتفى بالإِتيان بالمناسب وحده. وإِن لم تكن المشاكلة بينة، قرن بها الضد، وذلك أَن يأتى بضد ذلك المناسب وضد الشيء الذي أَخذ المناسب بدلا منه. فإِن مشاكلات الأَضداد أَضداد. ومثال ذلك في المحسوسات أَن الذي يشاكل الشيخ من اللباس غير الذي يشاكل الشاب. وكذلك ينبغي أَن يكون الأَمر في الأَلفاظ. فهاتان وصيتان اثنتان: إِحداهما أَن يستعمل المشاكل البين، والأُخرى أَن يستعمل الغير البين، بأَن يقرن به ضده، فإِنه يفيده وضوحا وظهورا.

стр. 108

والتغييرات المناسبة ينبغي أَن تكون إِلى ما في الجنس، لا إِلى أَشياء خارجة عن الجنس الذي فيه القول. فإِذا أَراد الخطيب أَن يحسّن، فيجعل التغيير إِلى الذي هو أَفضل في ذلك الجنس. وإِذا أَراد أَن يقبح، جعل التغيير إِلى الأَخس في ذلك الجنس. مثال ذلك أَن الشفاعة والتضرع داخلان تحت جنس واحد، وهو المسئلة. والتضرع أَخس من الشفاعة. وذلك أَن التضرع يكون ممن هو دون، والشفاعة من المساوي. فمتى أَردنا أَن نحسن التضرع سميناه شفاعة، ومتى أَردنا أَن نخسس الشفاعة سميناها تضرعا. وكذلك إِذا أَردنا أَن نعظم الشيءَ الواحد بعينه سميناه بالأَعظم من ذلك الجنس. وإِذا أَردنا أَن نصغره سميناه بالأَصغر. مثال ذلك أَن من سرق، إِذا أَردنا أَن نعظم أَمره، قلنا: إِنه حارب؛ وإِذا أَردنا تصغيره، قلنا: إِنه خان. وذلك أَن هذه الأَفعال كلها داخلة تحت أَخذ المال دون عوض ولا رضى من ذي المال. وإِذا أُريد أَن يكون التغيير مفهما للشيءِ، فينبغي أَن يؤتى به من الأَشياءِ التي هي واحدة بالنوع. وذلك في الأَشياءِ التي لا أَسماء لها، لأَن التي لها أَسماء، في أَسمائها كفاية في تفهيمها. والتغيير الذي بهذه الصفة يجعل القول محققا، فيقل تخييله. فربما كان الأَنفع في مواضع أَن يكون التغيير فيه رمزاً ما وأَشكالا. وحسن الاسم يكون بأَن يؤتى فيه بلفظ غير مستبشع ولا ثقيل. وذلك يكون بأَلا يصرح باسم الشيءَ الخاص به. وهذا هو الذي يسمى كناية. فإِن التصريح بأَسماءِ الأَشياءِ في أَكثر الأَمر مستبشع. وذلك يكون بأَوجه، أَحدها: أَن يؤتى بلفظ إِما أَعم من الشيءِ، وإِما أَخص منه. والثاني: إِذا كان المعنى المغير عنه قبيحا فتجعل العبارة عنه بلفظ مشترك بين ذلك المعنى القبيح ومعنى آخر مما ليس بقبيح، وهو الذي يسميه أَرسطو الكلام المفوض. والثالث: أَن تجعل العبارة عنه بالعلامة الخاصة به المنعكسة عليه في الحمل. وهذا التغيير يجعل الأَمر بينا حتى كأَنه بحذاءِ العين. ويقل استعمال مثل هذا التغيير، وذلك بعكس ما عليه الأَمر في الوجه الأَول. وذلك أَنه ليس يكاد أَن يوجد شيء له اسم خاص إِلا وقد يمكن أَن يعبر عنه بلفظ عام. وأَما العلامات فيقل وجودها، ولكن إِذا وجدت فاستعمالها مشهور، وهي قريبة الدلالة على الشيءِ. والوجه الرابع أَن يكنى عن الشيءِ بالضد أَو بالأَكثر والأَقل. أَما الضد، فمثل قوله تعالى: " كانا يأكلان الطعام ". وأَما استعمال الأَكثر والأَقل فمثل أَن ينبه بالأَكثر على الأَقل أَو بالأَقل على الأَكثر. مثال ذلك أَن يمدح الإِنسان بحضرة من هو أَزيد فضيلة منه، ينبه بذلك على نقصان فضيلته؛ أَو يذم الأَنقص فضيلة منه، لينبه بذلك على نقصان فضيلته. وربما كان مدح إِنسانٍ ما تعريضاً بالمذمة لإِنسان آخر. وبالعكس. وذلك إِذا كان بيناً من أَمر ذينك الإِنسانين أَنهما متباينان في الخلق والسيرة والنسب وسائر الأَشياء التي تعد فضيلة. ولذلك قال ذلك في التعريض: ما أُمي بزانية ولا أَبي بزان. وقد يكون التعريض بالتشبيه في مثل هذا الموضع، إِلا أَنه إِذا كان التصريح بالشيءِ قبيحا، كان التشبيه البعيد في ذلك أَحسن من القريب. فإِن الشيءَ الواحد بعينه قد يغير تغييرات مختلفة، فيتفاوت ذلك الشيءُ في الحسن والقبح، بحسب تفاوت الأَشياء التي وقع التغيير إِليها، أَعني الأَشباه. مثال ذلك أَن يصف واصف امرأَة مخضوبة اليد بالحناءِ، فيقول فيها: حمراء الأَطراف، أَو قرمزية الأَطراف، أَو وردية الأَطراف، أَو كما قال: من كف جارية كأَن بنانها ... من فضة قد طوقت عنابا

стр. 109

فإِن قولنا: وردية الأَطراف إِبدال حسن، وكذلك قولنا: عنابية الأَطراف. وقولنا: حمراء الأَطراف أَخس منه. وأَقبح من هذا قولنا: قرمزية الأَصابع. ولو قال فيها: " دَمّية الأَصابع " لكان أَن يكون هجوا أَقرب منه إِلى أَن يكون مدحا. ولذلك يتفاوت التخييل لتفاوت الأَمور التي وقع الإِبدال بها في الحسن والشرف. والأَشياءُ تكون شبيهة بأَحد ثلاثة أَشياءِ: إِما باشتباه المنظر في الخلق واللون، وإِما أَن تكون أَنواعها أَو أَجناسها واحدة، وإِما أَن تكون أَفعالها واحد. ولما كانت الأَقاويل الخطبية والشعرية قد تكون حكاية عن أُمور موجودة وعن أُمور غير موجودة، بل مخترعة يخترعها الشاعر أَو الخطيب، مثل الذي في كتاب دمنة وكليلة، وإِن كان الاختراع أَخص بالشعر منه بالخطابة، ولذلك فصلت أَنحاء الاختراع في كتاب الشعر، فينبغي أَن تعلم أَيضا أَن التغيير في الصنف المخترع يلحقه أَيضا من الحسن والقبح ما يلحق التغيير الذي يكون في الأُمور الموجودة. وقد يلحق ذلك أَيضا في الشيءِ الواحد بعينه، مثل ما حكى أَرسطو عن بعض القدماءِ أَنه قال في حكاية حكاها عن البغال إِنها كانت مسرورة بانضمامها إِلى بنات الخيل، على أَنها قد كانت أَيضا بنات الحمير. قال: فإِن قوله في البغال: بنات الخيل، تشريف لها، وقوله فيها: بنات الحمير تخسيس لها. ومن التغييرات تغيير يعطى في الشيءِ الإِفراط في التصغير والتعظيم، وهي خاصة بالشعر. وينبغي أَن يستعمل من التعظيم ومن التصغير في الخطابة بقصد، مثل من يقول في ذهب ذهيب، وفي ثوب ثويب، وفي إِنسان، أُنيسيان. والوقف في غير مكان الوقف أَو وضع العلامات التي تدل على الوقف في غير مكانها هو أَيضا ضرب من التغيير الرديء. والأَسماءُ الباردة التي ينبغي للخطيب أَن يتجنبها أَربعة أَصناف، وهي بالجملة الأَسماءُ التي يعسر تفهم المعنى منها، أَو التي تخيل في المعنى أَحوالا زائدة على التي يحتاج إِليها. فأَحد أَصناف الأَسماء الباردة هو أَن يستعمل من ضروب الأَسماء المركبة ما يخيل في الأَمر معنى غير مشهور ويعسر الوقوف عليه، أَو يخيل فيه عرضا بعيدا. وأَمثال هذه الأَسماء ليست توجد في لسان العرب. والصنف الثاني استعمال اللغات وذلك على وجهين: أَحدهما أَن يستعمل منها في مخاطبة أُمة ما هو من غير لسانها، بل من لسان أُمة أُخرى غريبة منها. والثاني أَن يستعمل في مخاطبة تلك الأُمة الأَسماء الغريبة المفرطة الغرابة الموجودة في لسانها.

стр. 110

والصنف الثالث أَن يستعمل من الأَسماءِ الموضوعة، وهي المنقولة، ما لا يخيل منها المعنى الذي نقلت إِليه، للاشتراك الذي فيه والعموم وكثرة ما يدخل تحته، أَو ما يخيل منه عرض بعيد، أَو ما يخيل منه زمان غير الزمان الذي وجد فيه المعنى. فإِن هذه كلها أَسماء باردة. فمثال الاسم المشترك المنقول أَن يسمى اللبن: الأَبيض، فإِن " الأَبيض " يقال على أَشياء كثيرة بيض، فيعسر فهم ما يراد بذلك. وكذلك الشيءُ الذي ينقل إِليه اسم جنسه. وأَرسطو يحكي عن بعض القدماء أَنه كان يستعمل أَمثال هذه الأَسماء الباردة، فكان يسمى العرق " رطوبة " باسم جنسه، وكان يسمى الشهوة " الاقتداء المنكوس من النفس "، ويسمى عناية النفس " الاكتئاب ". وأَما الذي يخيل زمانا غير زمان، فمثل أَن يدل على الفعل المستقبل بالكلمة الماضية، أَو على ما وجوده في غير زمان بالكلمة الدالة على الزمان. فهذه الأَصناف لا ينبغي أَن تستعمل في الخطابة. وهي تستعمل في الشعر، أَعني التي تخيل في الشيءِ عرضا بعيدا. والأَسماءُ المنقولة أَول أَمرها تكون غريبة. وهي حينئذ أَخص بالشعر. فإِذا تمادى الزمان بها وصارت مشهورة، وصلحت للخطابة. فإِن اشتدت شهرتها، عدت في أَصناف المستولية. وهي بالجملة إِنما ينبغي أَن تستعمل في هذه الصناعة في أَحد موضعين: إِما عندما ليس يلفى للشيءِ الذي فيه القول اسم، فينقل إِليه اسم آخر، وإِن لم يقصد به أَن يستمر على طول الزمان؛ وإِما عندما يراد أَن يسمى به ذلك الشيء في الزمان المستقبل على جهة الشريعة للناس. والذي ينبغي أَن يستعمل هاهنا منها ما كان تفهيمه المعنى بسهولة، ويخيل فيه حالا بمقدار ما يحتاج إِليه في هذه الصناعة، لا ما كان منها غامضا. فإِن الغموض لا ينبغي أَن يستعمل مع من يقصد به تبصيره؛ وإِنما يستعمل مع من يقصد به أَن يغمض عليه المعنى. ولا ما كان منها أَيضا يخيل في المعنى أَمراً أَعظم مما قصد إِليه والأَسماءُ المركبة خاصة بأَصناف الأَشعار الطويلة الممدودة لكثرة الحروف التي منها تركبت. والغريبة خاصة بالأَشعار التي تقال في الأُمور العظام التي يقدم عليها مع توق وحذر، مثل الحروب. فإِن الأَسماءَ الغريبة تعطي في الشيءِ تفخيما وتعظيما. وأَما الأَسماءُ المغيرة فتليق من أَصناف الأَشعار بالأَشعار التي يقصد بها الالتذاذ وجودة التفهيم. وهذا يقال في صناعة الشعر. وأَما الصنف الرابع من الأَلفاظ الباردة فيكون في التغييرات التي ليست بجميلة. وذلك يعرض فيها من وجوه: إِما أَن تكون من أَشياء بعيدة، وإِما أَن تكون من أَشياء قريبة، وإِما من أُمور ظاهرة، وإِما من أُمور خفية، وإِما من أُمور تخيل في الشيءِ زيادة مفرطة، أَو نقصا مفرطا، وإِما من أَشياء خسيسة، وإِما أَن يتركب أَكثر من واحد من هذه الأَنواع. ولن تعسر على من تفقد الخطب والأَشعار مثالاتُ هذه الأَنواع.
следующие страницы →