الفصل السادس: مناهج المخالفين لأهل السنة في دراسة الأديان ونقدها
المبحث الأول: مناهج أهل الكلام في دراسة علم الأديان:
إن لبعض الفرق المبتدعة دورٌ في هذا العلم، مما يجعل ضرورة لكل باحث في مناهج علماء المسلمين في دراسة علم الأديان والملل أن يتناولها بالدراسة والنقد والتمحيص ليبين الحق من الباطل، وببيان خطأ مناهج المخالفين لمنهج أهل السنة والجماعة يتضح صواب منهج أهل السنة والجماعة وصحته.
وقد تنوعت الاتجاهات المخالفة لمنهج أهل السنة في دراسة الأديان والملل وهي نفس الاتجاهات التي خالفت منهج أهل السنة في أصول الدين، وبناءً على الأسس التي قامت عليها والقواعد التي اتخذتها في الاستدلال وفهم النصوص قامت بدراسة الأديان، مع أن بعض هذه الاتجاهات لم يكن لها جهود واضحة في دراسة الأديان.
فالصوفية مثلا ليس لها جهود ظاهرة في مجال علم الأديان والملل كبعض الفرق الكلامية الأخرى؛ وذلك بسب انعزالهم عن المخالطة، ثم منهجهم في اكتساب المعرفة له إسهام في ذلك، إذ إن معظم الصوفية يفرقون بين العلم والمعرفة حيث زعموا أن المعرفة تتطلب اتصالاً مباشراً -أي دون واسطة بين العبد وخالقه- وأن لفظ العلم غير مرادف للفظ المعرفة، والمعنى أن الصوفية لم يعولوا على الحس ولا على العقل والنقل، وإنما اعتمدوا على الأحوال والأذواق والمواجيد التي من قبيل الوجدانيات التي لا تعرف بالعقل وإنما بالقلب فقط، والتي لا تستمد من تجربة ولا معلم ولا كتاب، وإنما عن تجربة ذوقية باطنية، ومعرفة القلب الذي يعرف ويشاهد (١).
فانعزال الصوفية وابتداعهم هذا المنهج الذي أدى بهم إلى إنكار المنهج الشرعي المعتمد على النقل والعقل أدى إلى عدم بروزهم في مجال علم الأديان والملل إذ إن هذا العلم من العلوم التي تعتمد على النقل والعقل.
وهذا الاتجاه لا يمكن أن يمثل الإسلام ومنهجه في مجال دراسة الأديان لمخالفته منهج أهل السنة والجماعة مسلكاً ومعتقداً.
أما الفلاسفة سواء كانوا من الفلاسفة الخلص أو الذين خلطوا بين الفلسفة والآراء الكلامية لم يكونوا بعيدين عن مجال علم الأديان والملل وأن الفلسفة بطبيعة موضوعها والبيئة العلمية التي كانت سائدة بالفرق الكلامية ساعدا الفلاسفة في الإسلام على الخوض في ميدان علم الأديان والملل.
إن علم الأديان والملل عند هذا الاتجاه الذي نزع منزع الفلاسفة الأقدمين وأخذ بطريقتهم في تقرير الحقائق الغيبية والبحث عن أمور الدين والدفاع عنه لم يكن إلا مجموعة من الآراء والأقيسة المنطقية والتعليلات الفلسفية، وعلم الأديان والملل على منهاج هذا القوم غير مجد في تقرير الحق والدفاع عنه لأنه مبني على منهج أجنبي عن الحق، فينبغي استبعاده، ولعل مكمن الخطأ والخطورة في هذا الاتجاه يتلخص فيما يلي:
١ - أن أقوال الفلاسفة في الألوهية والنبوة والمعاد يصطدم بأصول الدين الإسلامي حيث يزعم الفلاسفة بقدم العالم، وأن الله يعلم الكليات دون الجزئيات وحشر الأرواح دون الأجساد، وجعل النبوة من جنس المنامات.
٢ - الاعتماد على العقل في تقرير العقائد.
стр. 37
أما الاتجاه الكلامي وهو من أهم الاتجاهات لكون أغلب الفرق المبتدعة تندرج تحته، فالشيعة، والماتريدية، والكلابية، والمعتزلة، والأشاعرة، وغيرها من الفرق المبتدعة التي نحت منحى عقلياً تصنف في هذا الاتجاه، كما أن هذا الاتجاه يعد من أكثر الاتجاهات اهتماماً بعلم الأديان والملل، ومع أن كل صنف من هذه الأصناف قد تناول تقرير العقيدة الإسلامية، ورد على خصومها وفق المنظار الذي ارتضاه، إلا أن الإطار الذي يجمعها هو المنهج الكلامي.
فالمعتزلة مثلا كان لها جهود في علم الأديان والملل: وكان لها جولات وصولات في التصدي لأهل الأديان والملل والنحل قل أن تجد لها نظيراً في الفرق الكلامية الأخرى، وقد شملت جهودهم في الرد على اليهود والنصارى، وعلى الأديان الوضعية المجوسية والصابئة والزرادشية، والبراهمية، وعلى الزنادقة وغيرهم من المخالفين في الإسلام أو في المذهب (١).
وأخطاء المعتزلة في مجال دراسة الأديان حيث تمت دراسة علم الأديان والملل على ضوء أصولهم الخمسة: فقد آمن المعتزلة بالأصول الخمسة (٢) وأخضعوا نصوص الوحي لهذه الأصول، إما بالتأويل أو برد السنة التي زعموا أنها أحاديث آحاد، ثم قاموا على ضوء تلك الأصول في مقاومة التحديات العقدية التي كان مصدرها من أهل الأديان المختلفة، فالتوحيد أو التنزيه المطلق لله الذي يقصد عند المعتزلة "نفي صفات الرب" كان في مواجهة القول بتعدد الآلهة الذي كان يعتقده النصارى والثنوية، والتجسيم والتشبيه الذي كان معروفاً في عقائد اليهود، والاتحاد والحلول الذي كان مصدره إما عن اليهود وإما عن أديان الهند من البراهمة والبوذية (٣). والخطأ الذي وقع فيه المعتزلة أنهم واجهوا خطأ بخطأ.
أما الأشاعرة فقدموا جهوداً كبيرة في مجال علم الأديان والملل وتمثلت هذه الجهود في مصنفات مستقلة لهذا العلم، وفي مباحث ضمنت في العلوم الأخرى، خاصة في علم الكلام وفي الردود والمناظرات التي كانت تحدث بين أعلام الأشاعرة وبين أتباع الأديان والملل والنحل، ولذلك تجد أن أغلب الكتب التي تكلمت عن الملل والنحل والأديان هي من كتب الأشاعرة ومن ذلك الباقلاني الذي رد على جميع أصناف الأديان والملل والنحل وذلك من خلال كتابه التمهيد، والجويني فقدم جهوداً كثيرة من خلال كتبه الكلامية كالشامل والإرشاد ومن خلال كتابه "شفاء الغليل"، والغزالي الذي ألف في الرد على النصارى، ثم الشهرستاني صاحب الموسوعة ودائرة المعارف في الأديان والفرق، والبغدادي صاحب كتاب الملل والنحل؛ ولكنهم كذلك ردوا الخطأ بالخطأ بناء على عقائدهم في التوحيد والأسماء والصفات وغيره من العقائد. وسيأتي الكلام عن بيان خطاءهم في ذلك في المبحث التالي.
стр. 38
المبحث الثاني: الأسس المنهجية لدراسة الأديان والملل عند أهل الكلام ونقدها:
أولاً: مصادر الاستدلال عند المخالفين:
المقرر في هذه المسألة عند أغلب الفرق أن مصادر الاستدلال هي: نفس مصادر أهل السنة، قال زعيم المعتزلة واصل مبيناً مصادر الاستدلال: "إن الحق يعرف من وجوه أربعة: كتاب ناطق، وخبر مجمع عليه، وحجة عقل، أو إجماع من الأمة" (١). وورد في شرح الأصول الخمسة: أن الأدلة أربعة: حجة العقل، والكتاب والسنة والإجماع (٢). هذا عند المعتزلة أما إذا جئنا إلى الأشاعرة فنجدهم يزيدون على الأربعة السابقة مصدراً آخر وهو القياس (٣). ولكن بعضهم ردّ القياس إلى النص والإجماع فانحصرت الأدلة عنده بالأربعة الأخرى (٤).
وهي من الناحية النظرية قريبة إلى منهج أهل السنة وإن خالفت في التفريق بين الأحاديث المتواترة والآحاد، لكن إذا انتقلنا إلى موقف أهل الأهواء من دلالة النصوص وكيفية ترتيبها والاستدلال بها نجد أنه مخالف لمنهج أهل السنة؛ بحيث قدموا العقل على النقل، عارضوا النصوص الشرعية بالعقل إلى غير ذلك.
ثانياً: تقديم العقل على النقل:
يخالف المعتزلة والأشاعرة وغيرهم من المبتدعة أهل السنة في ترتيب مصادر الاستدلال وفي حجية دلالتها، حيث قدموا العقل على النقل.
ومن ثم فلا يصح الاستدلال بدليل سمعي على أية مسائل من المسائل الكلامية المتعلقة بوجود الله تعالى وصفاته وكل ما تتوقف عليه صحة النبوة.
بل لقد بلغ الشطط ببعض المتكلمين حيث حاولوا توهين الدليل السمعي وإضعافه مطلقاً كتاباً كان أو سنة في قضايا العقيدة، وتقديم الدليل العقلي عليه، كما فعل الرازي حيث قال: "إن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين أو القطع زاعماً أن "الأدلة اللفظية مبنية على مقدمات ظنية والمبني على المقدمات الظنية ظني: فالاستدلال بالخطاب لا يفيد إلا الظن" (٥).
стр. 39
وعلى ضوء هذا النهج الموهن لنصوص الشرع المفرط في تعظيم العقل ناقش المتكلمون أتباع الأديان الأخرى فهذا القاضي عبد الجبار يقول في معرض نقاشه عقائد النصارى: "فأما من عول منهم في هذا الباب على إتباع من سلف والرجوع إلى الكتب وتقليد التلاميذ فقوله ساقط، لأن الكلام في صفة القديم وما يصح عليه وما لا يصح لا يجوز أن يرجع فيه إلى السمع .. " (١).
بل نجده يصرح أن استدلاله للنصوص حتى في المسائل التي أورد فيها نصوصاً أنه أوردها من باب الاعتضاد لا الاعتماد، يقول القاضي في فصل " إثبات أنه ﷺ مبعوث إلى الناس كافة "بعد إيراده نصوصاً نقلية كثيرة" وإنما نذكر هذه الألفاظ تأكيداً والعمدة ما ذكرناه من العلم الضروري بدينه وقصده .. " (٢).
ثالثاً: التأويل الكلامي:
انطلاقاً من وجوب تقديم العقل على النقل ذهب المتكلمون إلى وجوب تأويل النصوص التي رأوا أن ظاهرها يخالف العقل، يقول الغزالي: "كلّ خبر مما يشير إلى إثبات صفة للباري يشعر ظاهره بمستحيل في العقل، نُظِرَ إن تطرق إليه التأويل قُبِل وأول، وإن لم يندرج فيه احتمال تبين على القطع كذب الناقل" (٣).
أما الرازي فقد زعم أن المصير إلى التأويل أمر لابد منه (٤) وجاء بـ "القانون الكلي" القائل بوجوب تقديم العقل وتأويل النقل أو تفويضه.
وقد استعمل طوائف المبتدعة التأويل في مناقشاتهم مع غير المسلمين سواء في أجوبتهم عن الأسئلة الموجهة إليهم أو في النقد الذي كانوا يوجهونه للأديان الأخرى. فانظر أجوبة فخر الدين الرازي في مناظرته مع النصراني حين زعم النصراني أن في القرآن آيات موهمة للتشبيه ومثل بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥] (٥) وقوله تعالى: ﴿رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢] (٦) وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] (٧) وآيات من الآيات الدالة بصفات الرب الاختيارية (٨)، فقال الفخر الرازي مجيباً وفق مذهب النافي للصفات الاختيارية: "وأما الجواب عن الأحاديث والآيات الموهمة للتشبيه، فاعلم أنه إذا ثبت عند كلّ عاقل مثلا أن الجدار جماد لا حي ثم يوصف بعد ذلك بالإرادة في قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] (٩) علم قطعاً بضرورة العقل أن وصفه بالإرادة إنما هو على سبيل المجاز لا على سبيل الحقيقة" (١٠).
стр. 40
واستمر في الإجابة حتى قال: "فكذلك إذا علم أن الباري تعالى منزه عن الجسمية والعرضية والحد والجهة والأعضاء والجوارح والحركة والسكون ومنزه عن الميل والحظ والنفور والرقة، ثم إنه وصف بعد ذلك بالمحبة والرضا والسخط والهمة أو بالحركة والجارحة علم قطعاً أن إطلاق ذلك عليه مجاز لا حقيقة .. " (١).
كذلك نجد القاضي عبد الجبار يسلك نفس المنهج مع النصارى فيقول في مناقشته معهم: "ولو ثبت ما ادعوه سمعا، لوجب أن يتأول على وفق ما يقتضيه العقل" (٢)، وإذا جئنا إلى الغزالي في كتابه الرد الجميل فإننا نجد لفظ "التأويل" تكرر في الكتاب فتجدها في ديباجة الكتاب كما تجدها في خاتمته، بل نجد الغزالي يقرر أصلين ذكر أنهما متفق عليهما بين أهل العلم: أحدهما: أن النصوص إذا وردت فإن وافقت المعقول تركت وظواهرها. وإن خالفت صريح المعقول وجب تأويلها، واعتقاد أن حقائقها ليست مرادة، فيجب ردها إذ ذاك إلى المجاز.
الثاني: أن الدلائل إذا تعارضت، فدل بعضها على إثبات حكم، وبعضها على نفيه، فلا نتركها متعارضة، إلا وقد أحسسنا من أنفسنا العجز باستحالة إمكان الجمع بينها، وامتناع جمعها متظافرة على معنى واحد (٣).
ثم شرع في نقد عقائد النصارى على ضوء هذين الأصلين حيث أول نصوص الأناجيل التي ظاهرها يدل على ألوهية عيسى ﵇ مستدلا بالنصوص الدالة على إنسانيته، والمقصود هنا بيان أن التأويل الكلامي الذي بسببه عطل عموم أهل الأهواء والمتكلمون بوجه خاص النصوص الشرعية كان أحد الأسس المنهجية في دراسة الأديان عند المتكلمين.
رابعاً: الاعتماد على المنطق والفلسفة:
من الأسس التي يقوم عليها منهج المخالفين: الاعتماد على القواعد المنطقية والطرق الفلسفية واستخدام مصطلحاتها في تقرير العقائد، فقد حاول أصحاب المقالات الدفاع عن الإسلام وحقائقه بالمنطق، واستعملوا الأسلوب الفلسفي لمواجهة الاستدلالات الفلسفية التي استعملها أتباع الأديان، وأهل الإلحاد.
وقد لا تجد عناء في ضرب أمثلة تدل على استعمال أهل الكلام الفلسفة في دراسة الأديان؛ إذ أن كلّ كتب أهل الأهواء في المقالات -إلا ما ندر- بنيت على هذا الأساس، فألفاظ: الجوهر، والعرض، والجسم، والمتحيز، والمركب، والأحوال المتضادة هي ما يقابلك في افتتاح تلك الكتب عند أول أصل يجب إثباته وهو وجود الله، فهذا الفخر الرازي يقول في صدر مناظرته مع النصراني: "فقلت له الكلام في النبوة لابد وأن يكون مسبوقاً بمعرفة الإله، وهذا الذي تقوله باطل، ويدل عليه وجوه:
الوجه الأول: أن الإله عبارة عن وجود واجب الوجود لذاته، بحيث لا يكون جسماً ولا متحيزاً ولا عرضا ... " (٤).
стр. 41
النقد لمناهج علم الكلام:
يتبين لنا مما سبق أن مناهج علماء الكلام قد انحرفت عن المسار الصحيح بسب انتهاجها ذلك النهج المغرق في الاستدلالات الأرسطية والمقدمات العقلية الموغلة في الجدل والمراء، ولقد وجه إلى هذا المنهج نقد لاذع من قبل أساطين علم الكلام قبل معارضيه وتاب عنه كثير منهم، أمثال أبي حامد الغزالي، وفخر الدين الرازي، وإمام الحرمين الجويني (١).
فعلم أن المنهج الكلامي -وإن قصد به الدفاع عن الإسلام- قد أدى إلى نقيض القصد وانكشفت أخطاؤه للعيان، ولعل أهم هذه الأخطاء تتلخص فيما يلي:
أولا: أنه نأى عن منهج القرآن في الدعوة إلى تثبيت العقيدة أو الدفاع عنها وآثر عليه نظريات وبراهين تثير من الشبه أكثر مما ثير من الإقناع فأوقعت أهلها في الحيرة والشك -فضلاً عن غيرهم-، قال شيخ الإسلام: "إنك تجد أهل الكلام أكثر الناس انتقالاً من قول إلى قول وجزماً بالقول في موضع، وجزماً بنقيضه وتكفير قائله في موضوع آخر، وهذا دليل عدم اليقين" (٢)، وصرح الشهرستاني كما ذكر ابن تيمية: "أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم" (٣).
ثانياً: إن مناهج المخالفين بعد أن اختلطت فيها طريقة الكلام وطريقة الفلسفة أصبحت مناهج نظرية بحتة تنظم المقدمات وتستخلص النتائج خلافا للمنهج القرآني الذي يخاطب العقل ويستثير العاطفة والفكر في تكوينه للعقيدة.
ثالثاً: إن أهل الأهواء باعتمادهم على العقل وحده وتحكيمه في كل شيء حتى فيما لا يقدر عليه كالأمور الغيبية، قد جنوا على العقل والشرع معاً، إذ حرفوا الشرع بسبب التأويل الباطل، وفرقوا الناس كل تفريق، وأوقعوهم في شنئان وبغضاء مما أعطى الأعداء فرصة للشماتة على الإسلام وأهله.
رابعاً: إن مناهج أهل الأهواء جنت على الإسلام حيث قدمته إلى الناس في غير حقيقته بسبب تأويل أو رفض بعض النصوص كما جنت على غير المسلمين حيث حجبت عنهم حقيقة الإسلام ودعتهم إلى البدع والآراء المتناقضة.
стр. 42
خامساً: ضعف مناهج أهل الأهواء في الدفاع عن الحق وقصورهم في الرد على الباطل، قال شيخ الإسلام: " ومن أعظم أسباب بدع المتكلمين من الجهمية وغيرهم قصورهم في مناظرة الكفار والمشركين، فإنهم يناظرونهم ويحاجونهم بغير الحق والعدل لينصروا الإسلام- زعموا بذلك- فيسقط عليهم أولئك لما فيهم من الجهل والظلم ويحاجونهم بممانعات ومعارضات، فيحتاجون حينئذ إلى جحد طائفة من الحق الذي جاء به الرسول ﷺ والظلم والعدوان لإخوانهم المسلمين بما استظهر عليهم أولئك المشركون فصار قولهم مشتملا على إيمان وكفر وهدى وضلال ورشد وغي، وجمع بين النقضين وصاروا مخالفين للكفار والمؤمنين كالذين يقاتلون الكفار والمؤمنين .. " (١).
ومع هذا كله فإن من العدل والإنصاف أن نذكر لعلماء الكلام فضلهم في مجال علم الأديان والملل، فقد كان لهم دور في الرد على الباطل وقطع حجج المبطلين، وهذا مما يحمد لهم، قال شيخ الإسلام: "وكذلك متكلمة أهل الإثبات مثل الكلابية، والكرامية، والأشعرية، إنما قبلوا واتبعوا واستحمدوا إلى عموم الأمة بما أثبتوا من أصول الإيمان من إثبات الصانع وصفاته، وإثبات النبوة، والرد على الكفار من المشركين وأهل الكتاب وبيان تناقض حججهم .. " (٢)، لكن هذا الجهد لا يعفيهم عن النقد بسبب أخطائهم المنهجية والعقدية التي سيق ذكرها.
كلّ ما سبق يؤكد لنا أن منهج السلف الموافق لمنهج القرآن المنضبط بالضوابط الشرعية هو المنهج الوحيد الذي ينبغي أن تدرس على ضوئه الأديان والملل، وهو المنهج المناسب لمواجهة التحديات المعاصرة في مجال دراسة الأديان والملل (٣).
стр. 43
المبحث الثالث: مناهج الكفار في دراسة علم الأديان
لم يعرف الغرب دراسة علم الأديان والملل بمفهومه العلمي قبل العصر الحديث والسبب في ذلك هو أن النصارى لم يكونوا يعترفون بوجود الديانات الأخرى، بل كانوا يعتبرون ما عدا النصرانية "هرطقة" وكان جل اهتمام رجال الدين في ذلك ينصب على الدراسات اللاهوتية، وتفنيد الآراء أو الأديان التي يرون أنها تشكل خطورة على عقائد النصرانية، أضف إلى ذلك أن النصرانية كانت مصونة -حسب زعمهم- بقدسية تمنع توجيه أي انتقاد إليها.
لكن بدءا من عصر النهضة الأوروبية - القرن الخامس عشر الميلادي- بدأ تحول كبير فبدأ الإنسان الغربي ينتقد الديانة النصرانية كما بدأ اهتمامه بمعرفة الديانات الأخرى وعقائد الأمم المختلفة.
ويحدد بعض العلماء أن ظهور المصطلح "مقارنة الأديان" أو "الدين المقارن" عند الغربيين كان في نهاية القرن التاسع عشر ليدل عندهم على الدراسة العلمية للأديان للتفريق بين هذا النوع الجديد من الدراسة وبين الدراسات اللاهوتية التي عرفتها النصرانية منذ نشأتها.
ثم اتسع نطاق علم مقارنة الأديان في القرن العشرين ليشمل: "تاريخ الأديان"، و"فلسفة الأديان"، و"علم الاجتماع الديني" و"علم نفس الدين" و "فينومولوجيا الدين".
وخلاصة القول: أن علم الأديان في الغرب الحديث كان وليد الصراع بين الدين النصراني وبين رواد النهضة الأوروبية، ولم يكن الذين تبنوه رجال الدين، وإنما كانوا الفلاسفة المناهضين ضد الكنيسة ورجالها.
стр. 44
المبحث الرابع: مناهج المستشرفين في دراسة علم الأديان والملل وتقويمه:
رغم تعدد اتجاهات المستشرقين واختلاف مشاربهم وتباين مجالاتهم وتفاوت قدراتهم العلمية إلا أنهم في الغالب ينتهون في دراساتهم للملل -خاصة الإسلام- إلى نتائج واحدة، وذلك أنهم ينطلقون من مسلمات واحدة ويصدرون من أسس منهجية خطت لأهداف محددة.
المطلب الأول: المسلمات التي انطلق منها المستشرقون:
١ - الانطلاق من النصرانية المحرفة كمعيار لتقويم الأديان الأخرى التي هي موضع البحث والدراسة -خاصة الإسلام- بحيث لا تكون هذه الأديان مقبولة ما لم تتفق مع المقولات الرئيسة للنصرانية، واعتبار كلّ ما يشذ عن النموذج الروحي النصراني نقصاً أو قصوراً يعبر عن فساد هذا الدين وضعفه وعدم معقوليته.
٢ - إنكار نبوة محمد ﷺ أو اعتبارها خاصة بالعرب، واعتبار القرآن من تأليفه. فالمستشرقون إما علمانيون لا يؤمنون بالغيب، أو أهل كتاب لا يؤمنون بصدق الرسالة التي أعقبت النصرانية.
٣ - مساواة الدين الإسلامي بغيره من الأديان الوثنية كأديان الهند والصين، والأديان السماوية المحرفة: يقول المستشرق جب: "إن الدين الإسلامي في ذاته واحد من مجموعة الأديان التي تشتمل إلى جانب المجوسية واليهودية والمسيحية، وهو يقاسمها نفس المبادئ الأساسية" (١).
٤ - الانطلاق من نظرة عنصرية عرقية تختزل الإنسانية في عرقين "نحن" و "هم" حيث قسمت شعوب الأرض إلى أجناس راقية وأخرى متخلفة، فالأولى شعوب آرية والثانية شعوب سامية.
٥ - اعتبار الخبرة الأوروبية نموذجاً معياريا للتطور البشري، وقد ساد الدراسات الاستشراقية نوع من المقارنة غير العلمية حيث أخضع تاريخ الإسلام ونظمه الاجتماعية للمعايير الغربية بحيث صارت التجربة الأوروبية تمثل المرجع الذي يجب أن تحتذيه المجتمعات الأخرى.
٦ - الانطلاق من الموقف المعادي للإسلام ونبيه ﷺ والمسلمين، فقد كان أكثر المستشرقين ينطلق من منطلق عقدي يؤججه الحقد الصليبي على الإسلام، والتعصب الذي يعمي الأبصار عن الحقائق.
إن الانطلاق من هذه المنطلقات وتلك المسلمات عندهم هي التي أدت بالمستشرقين إلى استخدام أساليب غير علمية ومناهج لا تؤدي إلى نتائج صحيحة في مجال الدراسات الإسلامية.
стр. 45
المطلب الثاني: مناهج المستشرقين في دراسة الأديان والملل:
استخدم المستشرقون في دراسة الملل بصفة عامة والدراسات الإسلامية بصفة خاصة مناهج عديدة مجتمعة أو متفرقة وأهم هذه المناهج:
١ - المنهج النقدي التاريخي: فقد بدأ النقد التاريخي للكتب المقدسة عند الغرب في القرن السابع عشر، وذلك بعد نشر الكتب المقدسة بعدة لغات حتى يمكن المقارنة بين النصوص المختلفة ... من أجل البحث عن النص الأصلي، فأخضع نصوص العهدين لنقد التاريخي بدءا من نشأتها، واشتمل هذا النقد على كل ما يتعلق بالعهدين من ترجمة أو شروح، وفي القرن التاسع عشر أخذ هذا المنهج يتسع ويتحول إلى ما سموه بالنقد العلمي القائم على تحقيق النصوص والمقارنة بينها، والاعتماد على فقه اللغة، وعلم الأساطير المقارنة في هذا القرن، تم وضع قواعد هذا المنهج وبرزت مدارسه المختلفة.
وقد قاد هذا المنهج الغربيين إلى الإلحاد، وذلك عندما عرفوا أن ديانتهم غير صحيحة، ومهما يكن من أمر فإن الغرب ممثلاً بالدراسات الاستشراقية قد طبق هذا المنهج على الدراسات الإسلامية، يقول بارت: "ونحن في هذا نطبق على الإسلام وتاريخه وعلى المؤلفات العربية التي نشتغل بها المعيار النقدي نفسه، الذي نطبقه على تاريخ الفكر عندنا، وعلى المصادر المدونة لعالمنا نحن" (١). ومع هذا الادعاء من "بارت" فإن تطبيق هذا المنهج على الدراسات الإسلامية لم يكن كتطبيقه على الدراسات النصرانية أو اليهودية لما ذكر سابقا من أن الغرب انطلق في دراسته من منطلق عدائي للإسلام، ولما كان يحمله المستشرقون من أحكام مسبقة، ولذا يقال: إن أغلب الغربيين لم يخلصوا لهذا المنهج في دراساتهم للإسلام ولو أخلصوا لقواعده لأمكن لهم الوصول إلى نتائج صحيحة.
٢ - المنهج التحليلي: المنهج التحليلي هو أحد المناهج التي طبقها المستشرقون على الدراسات الإسلامية، ويعني هذا المنهج تفتيت الظاهرة الفكرية، أو الموضوع المطلوب دراسته إلى مجموعة من العناصر يتم التأليف بينها في حزمة لا متجانسة من العوامل أو الوقائع التي أنشأها، أي أن هذا المنهج يقوم بتفتيت الظاهرة الفكرية وردها إلى عناصرها الأولية كالظروف الاجتماعية أو السياسية أو الدينية، فإذا طبق المستشرق هذا المنهج وهو متأثر بمزاجه وثقافته وبيئته ودينه الذي نشأة فيه فإنه يصل به في الدراسات الإسلامية إلى نتائج غير سليمة. وذلك أنهم من خلال هذا المنهج يأتون بكل تفسير غريب، ويعيدون المفاهيم الإسلامية إلى غير أصول إسلامية.
стр. 46
٣ - المنهج الإسقاطي: أعني إسقاط الرؤية الوضعية العلمانية والتأثيرات البيئية المعاصرة على الوقائع التاريخية حيث درس الإسلام، سواء عقيدة أو سيرة وتاريخ بمفاهيم غربية معاصرة، ومقارنته بالمعطيات التاريخية الغربية. فبين الرواسب الدينية والنزعة العلمانية والآراء الفلسفية، درس الإسلام من خلال رؤية وضعية منحصرة على المنظور، ترفض كل ما هو روحي أو غيبي، على أساس أنه سقوط في مظلة الخيال، والخرافة، واللاعلمية. فلم ينتج من تطبيق هذا المنهج على الدراسات الإسلامية إلا أحكام تعسفية لا صلة لها بالتحليل العلمي السليم (١).
٤ - منهج الأثر والتأثر: يرى بعض الباحثين المعاصرين أن من شروط الباحث في علم الأديان أن لا يسرع عند المقارنة في تحديد الصلة بين ظاهرتين في دينين قبل أن يظهر له نوع العلاقة بينهما، أهي مشابهة أم مماثلة أم تضاد أم تناقض حتى لا يقع في الخطأ (٢).
وهذا ما يقتضي العدل والإنصاف، لكن عندما نأتي إلى منهج المستشرقين في الدراسات الإسلامية نجدهم يطبقون هذا المنهج بطريقة ماكرة وبدون ضوابط، فهم من خلال هذا المنهج يتوصلون إلى أن الإسلام ليس إلا مزيج مستمد من الأديان الأخرى والنحل الباطلة.
إن هذه المناهج التي استخدمها المستشرقون في الدراسات الإسلامية -من النقد التاريخي، والمنهج التحليلي، ومنهج الأثر والتأثر، والمنهج الإسقاطي- تخالف تلك المناهج التي استخدمها علماء المسلمين في مجال دراسة الأديان، وإن تشابهت في الظاهر، أو اتفقت معها في المسمى، ذلك أن الهدف الذي من أجله استخدمه علماء المسلمين يختلف عن أهداف الغرب منه، حيث كانت مناهجهم مبنية على العدل والإنصاف، فلم يحدث من علماء المسلمين أن تقولوا على أهل دين، ولم يحرفوا تاريخ أمة.
كما لم يأتوا بتحليلات واستنتاجات ليس لها أساس من الصحة، وكيف يمكن عنهم ذلك وقصدهم معرفة حقيقة الأديان كما هي في الواقع، ليمكن لهم تطبيق شرع الله على أهلها. أما المستشرقون فهم إما قوم أكل الحقد الصليبي أكبادهم، أو يهود ملأ الحقد قلوبهم، وأعماهم الكبر، أو علمانيون، وملحدون ينطلقون من خلفية دينية مع الإلحاد والكفر، فازدادوا كفرا مع كفرهم.
стр. 47
المطلب الثالث: أساليب المستشرقين في الدراسات الإسلامية:
ومما يكشف لنا حقيقة أهداف المستشرقين من خلال منهجهم هذا، الأساليب التي استخدموها لتحقيق هذه المناهج، أو السمات الدالة على الخيانة المنهجية، وأبرز هذه الأساليب:
١ - الأسلوب الانتقائي: إن المستشرقين لا يدرسون الإسلام كوحدة متكاملة، وإنما يدرسون منه موضوعات انتقوها، فيهتمون بالموضوعات التي يرون أنهم يستطيعون توظيفها على حسب أهوائهم وخاصة الموضوعات التي تمثل جانباً سلبياً في تاريخ الأمة الإسلامية كالفرق المبتدعة " إن المنهج الغربي الوافد يتحدث في حفاوة ضخمة عن الاعتزال والمعتزلة، ويرى أن سقوطهم كان مصدر خطر كبير على الفكر الإسلامي، وأن منهجهم هو أصدق المناهج التي عرفها هذا الفكر .. " (١).
ومن الانتقاء أيضاً انتقاء المصادر: فهم ينتقون المصادر التي يعتمدون عليها في الدراسات الإسلامية، هذا إذا لم يلقوها كلياً، فمصادرهم المفضلة هي كتب الأدب، وكتب الفرق المنحرفة عن المنهج الصحيح، ومن ذلك أيضاً انتقاء الأدلة، وذلك أنه قد يرد في الموضوع الذي يدرسونه أدلة صحيحة وأدلة ضعيفة، أو شاذة، فيختارون الأدلة الشاذة لكونها توافق أهواءهم، ويتجاهلون أو يتعامون عن الأدلة الصحيحة، أو يشككون في صحتها.
٢ - التحريف وقلب الحقائق: يحرف المستشرقون النصوص ... تحريفاً مقصوداً، أو يقلبون معانيها حين لا يجدون مجالاً للتحريف؛ وذلك باستعمال ما يسمى منهج العكس، وهو أن يأتي المستشرق إلى أوثق الأخبار وأصدق الأنباء فيقلبها -متعمداً- إلى عكسها.
٣ - الكذب والاختلاق: من الأساليب الماكرة الدالة على سوء الطوية، والمخلة للمنهجية عند المستشرقين: استخدام أساليب الخداع والتمويه، كالعزو إلى مصادر ومراجع غير موجودة، من ذلك ما ذكر الدكتور عبد الرحمن بدوي عن المستشرق لامانس حيث يقول: "وأبشع ما فعله لامانس خصوصاً في كتابه فاطمة وبنات محمد ﷺ هو أنه يشير في الهوامش إلى مراجع بصفحاتها وقد راجعت معظم هذه الإشارات في الكتب التي أحال إليها، فوجدت أنه إما أن يشير على مواضع غير موجودة إطلاقاً في هذه الكتب، أو يفهم النص فهماً ملتوياً، خبيثاً أو تستخرج الزامات بتعسف شديد، يدل على فساد الذهن، وخبث النية، ولهذا ينبغي ألا يعتمد القارئ على إشاراته إلى مراجع، فإن معظمها تمويه وكذب وتعسف في فهم النصوص" (٢).
стр. 48
٤ - الاعتماد على الفرضيات والتخمين: إن الاعتماد على الفرضيات والتخمينات سمة مميزة لمنهج الغربيين لدراسة الأديان، وهو أحد الأسباب التي أوقعتهم في الاضطراب المنهجي، وهو الأسلوب المفضل عند المستشرقين في الدراسات الإسلامية، يقول المستشرق مونتجمري وات: "لما كانت معارفنا مبتورة تعتمد على مصادر إسلامية ما عدا النقوش، فهناك مكان كبير للافتراض والتخمين، ولن نعالج هنا هذا الموضوع، يكفي أن نذكر بأنه من المتفق عليه عادة أن عبادة الأوثان لم يعد لها تأثير أيام محمد" (١).
٥ - ادعاء الموضوعية والتجرد: من الأساليب الخادعة التي يستخدمها المستشرقون ادعاء الموضوعية والتجرد عن الأهواء لكن إذا جئنا إلى الواقع لن نجد له أثراً بل العكس هو الصحيح وهو أمر يعترف به المستشرقون أنفسهم، والغريب أنك تجد في أغلب مقدمات مؤلفات المستشرقين الزعم بالتزام الموضوعية في دراستهم للإسلام. بيد أنك لا تخطو خطوة واحدة بعد المقدمة إلا ويفاجئك هذا المستشرق نفسه ما يناقض ادعاءه.
إن المستشرقين تناولوا الأديان بهذه المناهج واستخدموا تلك الأساليب في الدراسات الإسلامية خاصة، فجاءت دراساتهم بالنسبة للإسلام مملوءة بالتشكيك والطعن، والقول ببشرية مصدره.
ومهما يكن من أمر فإن الاستشرق قد مثل في العصر الحديث رأس الحربة التي استخدمها الأعداء ضد الإسلام. ولا تخفى آثاره الخبيثة في الأمة الإسلامية عن أحد، والمؤسف له أن نجد في المسلمين من يمجد مناهج المستشرقين، ويدعي أن منهجهم هو المنهج العلمي الصحيح، ومن المؤسف أن يملأ إنتاج هؤلاء المتعصبين الساحة الإسلامية، وأن يكون منهجهم معياراً للتقويم وللنقد في كثير من المؤسسات العلمية في العالم الإسلامي، وأن يكون "علم الأديان والملل" الذي وظيفته مواجهة تحدي هؤلاء محاكماً في بعض دور العلم على منهج هؤلاء.
والمقصود هنا من بيان منهج المستشرقين هو أن هؤلاء المستشرقين أخطر على الإسلام من أي قوة أخرى، وأنهم دخلوا في هذا المجال وهم ليسوا أهلاً له، لأنهم مجردون عن الموضوعية، والأمانة العلمية، ناهيك بما يضمرون أو يعلنون، للإسلام من حقد وكيد نابع عن عداء عقدي قديم قدم هذا الدين، ومع ذلك -وللأسف الشديد- لن نعدم من بين المسلمين من يمجد هذا المنهج، ويجمع له ألواناً من المدح والثناء، ويجعله معياراً وميزاناً للبحوث العلمية، حتى العلوم الشرعية كعلم الأديان والملل الذي وظيفته الدفاع عن الدين.
إن الخروج عن تبعية وتقليد الأعداء ليفرض علينا أن نعود إلى أصالتنا، وذلك بالعودة إلى الإسلام، والتحرر عن المناهج الوافدة، وإذا كان من أخطر المناهج الوافدة علينا منهج دراسة الأديان، أو تاريخ الأديان، أو مقارنة الأديان حسب ما يسمونه في الغرب لكونه يهتم دراسة هذا الدين عقيدة، وشريعة، وسياسة وغيرها، فإن ذلك ليضع علم الملل، وتصحيح نهجه في بداية سلم منظومتنا الإسلامية، ولن يتم هذا التصحيح إلا بالعودة إلى الضوابط الشرعية التي قررها أهل العلم، وبالتحرر عن مناهج الغرب جملة وتفصيلاً، ولن يكون التحرر كاملاً إلا إذا جاء بديل في هذا المجال من موسوعات علمية، ودوائر معارف، تغني الباحثين عن المصادر الغربية.
стр. 49
الخاتمة
١ - تبين أن علم الأديان والملل من العلوم الشرعية التي دلت على مشروعيته الكتاب والسنة ومواقف السلف، وأن مشروعيته منوطة بموافقته للمنهج القرآني.
٢ - من خلال مناهج العلماء في علم الأديان والملل اتضح أن علماء السلف التزموا بالمنهج الشرعي.
٣ - تبيين من خلال البحث أن هناك مناهج مخالفة لأهل السنة والجماعة في دراسة علم الأديان، وهما منهجان:
الأول: مناهج أهل الكلام ومن وافقهم.
الثاني: مناهج الكفار والمستشرقين.
٤ - أن لبعض المناهج المخالفة لمنهج أهل السنة دور في دراسة علم الأديان كأهل الكلام، والذي يجعل العبء على أهل السنة كبير في أن يقوم بهذا الواجب؛ حتى لا يغتر أحد بالمناهج المخالفة.
٥ - أن هذه المناهج تخالف أهل السنة في مصادر ومناهج الاستدلال، وفي طريقة العرض والرد، وفي طريقة البحث.
٦ - أن البحث في علم الأديان ودراستها لها عدة مناهج منها: المنهج الوصفي التاريخي، والمنهج التحليلي النقدي، والمنهج المقارن، والمنهج العلمي التجريبي، والمنهج الشامل.
٧ - أن أهل السنة استخدموا من هذه المناهج ما يوافق الحق ويوصل إليه، بضوابطه الشرعية، بخلاف المخالفين لهم فإنه استخدموا ما يوافق أهوائهم، ويخدم أهدافهم، ويحقق غاياتهم.
هذا وأسأل الله تعالى أن يعز دينه وينصر كلمته وأن يهدينا لما فيه خير وعزة أمتنا ونصرة دينها فهو تعالى الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، الذي بين لنا سبيل الحق وأمرنا بإتباعه، ووضح لنا سبيل الضلال والغي ونهانا عن الوقوع فيه، وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 50
فهرس المراجع
١ - الإحكام في أصول الأحكام أبي الحسن علي بن علي الآمدي، تحقيق إبراهيم العجوز، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى.
٢ - أخطاء المنهج الغربي الوافد، لأنور الجندي، دار الكتاب اللبناني، بيروت.
٣ - الأديان دراسة تاريخية مقارنة -القسم الأول، د. رشدي عليان وسعدون الساموك، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، جامعة بغداد.
٤ - أساس التقديس لفخر الرازي تحقيق د. أحمد حجازي السقا دار الجيل - بيروت.
٥ - الاعتصام لأبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، دار الفكر.
٦ - أعلام الموقعين لابن القيم، الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى.
٧ - الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه أبي محمد مكي ابن أبي طالب القيسي تحقيق أحمد حسن فرحان، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى.
٨ - بدائع الفوائد لابن القيم، دار الكتاب العربي، بيروت.
٩ - تاريخ المذاهب الإسلامية لمحمد أبي زهرة، دار الفكر العربي ١٩٨٩ م.
١٠ - تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، لأبي العلا محمد بن عبدالرحمن المباكفوري، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى.
١١ - تفسير ابن كثير، دار المفيد، بيروت الطبعة الأولى.
١٢ - التوحيد الخالص أو الإسلام والعقل د/ عبد الحليم محمود، دار الكتب الحديثة، ١٩٧٣.
١٣ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، الطبعة الثالثة.
١٤ - جامع الرسائل، لابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، مطبعة المدني، القاهرة، الطبعة الأولى.
١٥ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية، مطبعة المدني، القاهرة، وطبعة دار العاصمة، ودار الفضيلة تحقيق علي الألمعي وعبد العزيز العسكر وحمدان الحمدان، الطبعة الأولى.
١٦ - درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم، طبعة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٠٢.
١٧ - الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية رودي بارت ترجمة مصطفى ماهر، دار الكاتب العربي، القاهرة ١٩٦٧.
стр. 51
١٨ - دراسات في اليهودية بين الملة والنحلة والحركة، د. جبر محمد حسن جبر.
١٩ - الرد الجميل لألوهية المسيح، لأبي حامد الغزالي، تحقيق عبدالعزيز عبدالحق حلمي، الهيئة لشؤون المطابع الأميرية، المكتبة العصرية، بيروت، ١٣٩٣.
٢٠ - الرد على المخالف من أصول الإسلام بكر أبو زيد، دار الهجرة، الطبعة الثانية.
٢١ - سنن ابن ماجه، لأبي عبدالله محمد القزويني، اعتنى به أبو صهيب الكرمي، دار الأفكار، طبعة عام ١٤١٩.
٢٢ - سنن أبو داود، اعتنى به أبو صهيب الكرمي، دار الأفكار، طبعة عام ١٤١٩.
٢٣ - سنن الترمذي، اعتنى به أبو صهيب الكرمي، دار الأفكار، طبعة عام ١٤١٩.
٢٤ - السيرة النبوية لأبي محمد عبد الملك بن هشام مراجعة وتعليق محمد محي الدين عبدالحميد، مكتبة التراث، القاهرة.
٢٥ - شرح الأصول الخمسة، لعبدالجبار بن أحمد المعتزلي، تحقيق عبدالكريم عثمان، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الأولى.
٢٦ - شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي تحقيق د. التركي والأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ١٤١٥.
٢٧ - الصحاح في اللغة والعلوم للجوهري، تحقيق نديم مرعشلي، وأسامه مرعشلي، دار الحضارة العربية، بيروت، الطبعة الأولى.
٢٨ - صحيح البخاري، اعتنى به أبو صهيب الكرمي، دار الأفكار، طبعة عام ١٤١٩.
٢٩ - صحيح مسلم، اعتنى به أبو صهيب الكرمي، دار الأفكار، طبعة عام ١٤١٩.
٣٠ - الظاهرة الاستشراقية وأثرها على الدراسات الإسلامية، لسياسي سالم الحاج، مركز الدراسات العالم الإسلامي، الطبعة الأولى.
٣١ - علم الملل ومناهج العلماء فيه، تأليف أحمد جود، الطبعة الأولى، دار الفضيلة، الرياض.
٣٢ - عون المعبود شرح سنن أبي داود، لأبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى.
٣٣ - الفتاوى الكبرى لابن تيمية، دار القلم، بيروت، الطبعة الأولى.
٣٤ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ترقيم محمد فؤاد عبدالباقي، دار الريات للتراث، الطبعة الثانية.
٣٥ - الفرق الكلامية الإسلامية د. علي عبد الفتاح المغربي، مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة الثانية.
стр. 52
٣٦ - الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم، تحقيق محمد إبراهيم نصر، عبدالرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت.
٣٧ - فقه التعامل مع المخالف د. عبد الله الطريقي، دار الوطن، الطبعة الأولى.
٣٨ - الفوائد لابن القيم، تحقيق محمد عثمان الخشب، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الرابعة.
٣٩ - في الفلسفة الإسلامية: منهج وتطبيق د. إبراهيم مدكور، دار المعارف، القاهرة.
٤٠ - القاموس المحيط، محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، مؤسسة الرسالة، دار الريان للتراث، الطبعة الثانية.
٤١ - الكافية في الجدل، لإمام الحرمين الجويني، تحقيق د. فوقية حسين محمود، طبع بمطبعة عيسى البابي، القاهرة ١٣٩٩ هـ.
٤٢ - مباحث في علوم القرآن للشيخ مناع القطان، مؤسسة الرسالة الطبعة الثانية والثلاثون.
٤٣ - مباحث في منهجية الفكر الإسلامي، د. عبدالمجيد النجار، دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى.
٤٤ - مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبدالرحمن بن قاسم، دار عالم الكتب، الرياض، ١٤١٢.
٤٥ - المحصول في علم أصول الفقه، للفخر الرازي تحقيق د. طه جابر العلواني، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٣٩٩.
٤٦ - محمد في مكة، مونتجمري وات ترجمة شعبان بركات، المكتبة العصرية، بيروت.
٤٧ - المستدرك على الصحيحين لأبي عبدالله الحاكم النيسابوري، مكتب المطبوعات الإسلامية، بيروت.
٤٨ - مسلمو أهل الكتاب وأثرهم في الدفاع عن القضايا القرآنية، د. محمد السحيم، دار الفرقان، الطبعة الأولى.
٤٩ - مشكاة المصابيح، لمحمد عبدالله الخطيب التبريزي، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية.
٥٠ - المعجم الفلسفي من وضع مجمع اللغة العربية، القاهرة، ١٤٠٣.
٥١ - المغني في أبواب التوحيد والعدل للقاضي عبدالجبار المعتزلي، تحقيق محمود محمد الخضري.
٥٢ - مقدمات العلوم والمناهج لأنور الجندي، دار الأنصار، القاهرة.
٥٣ - مقدمات في الأهواء والافتراق، د. ناصر العقل، دار الوطن، الطبعة الأولى.
٥٤ - مقدمات في علم المقالات تأليف د. محمد خليفة التميمي دار أضواء السلف، الرياض، الطبعة الأولى.
٥٥ - مناظرات في الرد على النصارى للرازي، تحقيق عبدالمجيد النجار، دار الغرب الإسلامي، بيروت ١٩٨٦.
стр. 53
٥٦ - مناظرة بين الإسلام والنصرانية إعداد جمال عبد الهادي، طبعة الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
٥٧ - مناهج البحث في العقيدة الاسلامية في العصر الحاضر: دراسة لمناهج الفكر الاسلامي المعاصر وللعناصر المنهجية في دراسة اصول الدين، تأليف عبدالرحمن بن زيد الزنيدي، دار أشبيليا، ١٤١٦.
٥٨ - مناهج البحث في العقيدة، للشيخ يوسف السعيد، مجلة الدراسات العربية، العدد السابع يناير ٢٠٠٢.
٥٩ - مناهج علم الكلام في مواجهة القضايا الفكرية المعاصرة، لرزق يوسف، رسالة دكتوراه في كلية دار العلوم - القاهرة نقلاً عن كتاب وجهة الإسلام: نظرة في الحركات الحديثة في العالم الإسلامي للمستشرق جب، ترجمة محمد عبد الهادي، المطبعة الإسلامية، ١٩٣٣.
٦٠ - مناهل العرفان في علوم القرآن لمحمد عبدالعظيم الزرقاني، مطبعة عيسى البابي الحلبي.
٦١ - المنخول من تعليقات الأصول، لأبي حامد الغزالي تحقيق محمد حسن هيتو.
٦٢ - منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد لعثمان على حسن، مكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الثالثة.
٦٣ - منهج البحث العلمي عند العرب لجلال موسى، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الأولى.
٦٤ - منهج أهل السنة والجماعة في الرد على النصارى دراسة علمية من خلال جهود شيخ الإسلام ابن تيمية د. عبد الراضي عبد المحسن، مكتبة التربية الإسلامية لإحياء التراث الإسلامي، الطبعة الأولى.
٦٥ - منهج كتابة التاريخ الإسلامي د. محمد بن صامل السلمي، دار طيبة، الرياض، الطبعة الأولى.
٦٦ - الموافقات في أصول الشريعة، لأبي إسحاق إبراهيم الشاطبي، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة.
٦٧ - الموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة، د. ناصر القفاري ود. ناصر العقل، دار الصميعي، الرياض، الطبعة الأولى.
٦٨ - موسوعة المستشرقين، د. عبد الرحمن بدوي، دار العلم للملايين، بيروت ١٩٨٤.
٦٩ - نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، د. علي سامي النشار، دار المعارف، الطبعة الثلاثة.
٧٠ - نظرة عامة في بعض مناهج البحث الإسلامية، د. طه العلواني، بحث منشور في مجلة أضواء الشريعة عدد ٨ جمادي الآخرة عام ١٣٩٧.