← Акыда

Акыда · id 70

عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر عند السلف وأثرها على المؤمن

عبد المجيد بن محمد الوعلان

Полный текст (52 стр.). Показаны 36–52 · переход к 41.

стр. 36

٢٩ - من ثمرات الإيمان بالقدر: عدم اليأس من انتصار الحق: فقد قضى الله بأن البقاء للحق، لأنه الأصل الذي قامت عليه السموات والأرض وأما الباطل فهو طارئ وزاهق، قال تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ [الإسراء: ٨١]، وقال سبحانه: ﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ [الرعد: ٦٨]، ولكن حكمة الله البالغة اقتضت أن يوجد الباطل لاختبار أوليائه وإظهار آثار أسمائه الحسنى وصفاته العلا وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً، وإلا لو شاء الله لم يكن هناك كفر ولا باطل، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤]. فالمؤمن بالقدر يعلم علم اليقين أن العاقبة للمتقين وأن قدر الله في ذلك نافذ لا محالة، فلا يدب اليأس إلى قلبه، ولا يعرف إليه طريقا مهما اشتدت ظلمة الباطل. ٣٠ - من ثمرات الإيمان بالقدر: علو الهمة، وعدم الرضا بالدون، وعدم الرضا بالواقع الأليم: فالمؤمن بالقدر تجده عالي الهمة لا يرضى بالدون ولا بالواقع المر الأليم، ولا يستسلم له محتجا بالقدر، إذ أن هذا ليس مجال الاحتجاج بالقدر؟ لأنه من المعائب، والاحتجاج بالقدر إنما يسوغ عند المصائب دون المعائب، بل إن إيمانه بالقدر يحتم عليه أن يسعى سعيا حثيثا لتغيير هذا الواقع حسب قدرته واستطاعته. ٣١ - من ثمرات الإيمان بالقدر: العزم والقضاء على التردد: ليس في المجتمعات البشرية أمضى عزيمة من المؤمن بقدر الله، فهو إذا ناقش الأمور ورجح بينها واستشار غيره، واستخار ربه، يمضي قدما فيما عزم عليه، دون توقف أو تردد أو خوف، ليقينه بأن جميع الظروف والاحتمالات التي يمكن أن تكون غير واقعة في طوقه وحسبانه، هي مما وقع في علم الله وقدره، وأن الله مؤيده، فإذا يسر له ما عزم عليه فهو الخير المقدر له، أو ليصرف الله عنه شراً كان محتملاً (١). ٣٢ - من ثمرات الإيمان بالقدر: الجد والحزم في الأمور، والحرص على كل خير ديني أو دنيوي: فقد ذم الرسول ﷺ التواني والكسل، وعلمنا هذا الدعاء «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال» (٢).

стр. 37

وكما في قوله ﵊: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل» (١). فلا تقل: لو أني فعلت وفعلت وفعلت، وتبقى تلوم نفسك وتعيش على ماض تتحسر عليه. المسلم لابد أن تكون عنده نفسية قوية فإذا أخطأ، أو حصلت له مشكلة فيقول: «قدر الله وما شاء فعل» ويبدأ من جديد ويعمل للمستقبل (٢). ٣٣ - من ثمرات الإيمان بالقدر: أن الإيمان بالقدر ينفى عنه آفات الحرص والكلب على الدنيا: وذلك رأس كل خطيئة، وأصل كل بلية. وأساس كل رزية. فرضاه عن ربه في جميع الحالات، ينفى عنه مادة هذه الآفات. (٣) ٣٤ - من ثمرات الإيمان بالقدر: الكرم: فالذي يؤمن بالقدر، وأن الفقر والغنى بيد الله، وأنه لا يفتقر إلا إذا قدر الله له ذلك - فإنه ينفق ولا يبالي. لأنه يعلم أن غناه بقضاء الله وقدره، وأن فقر الفقير بقضاء الله وقدره، فيشكر الله على هذه النعمة، فيحمله ذلك على الإنفاق في سبيل الله. ٣٥ - من ثمرات الإيمان بالقدر: الصبر والاحتساب ومواجهة الأخطار والصعاب: فالذين لا يؤمنون بالقدر ربما يؤدي الجزع ببعضهم إلى أن يكفروا بالله، وبعضهم يجن، وبعضهم يصبح موسوسا، وبعضهم يلجأ إلى المخدرات، وبعضهم يقتل نفسه، ولذلك يكثر الانتحار في البلاد التي لا يؤمن أهلها بالقدر. قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦]. (من أسرار هذه الآية: أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يختاره له ويقضيه له، لما يرجو فيه من حسن العاقبة. فإذا فوض إلى ربه، ورضي بما يختاره له، أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه، بما يختاره هو لنفسه). (٤)

стр. 38

٣٦ - من ثمرات الإيمان بالقدر: التسلية عن المصائب والابتلاء: لان مصاحبة الإيمان واليقين أعظم مسل عنها ومهون لها، وذلك لقوة إيمانه، وقوة توكله، ولقوة رجائه بثواب ربه، وطمعه في فضله. فأول ما يخفف الابتلاء والمصائب قضية الإيمان بالقضاء والقدر، فلا يجزع ولا يندب كندب الجاهلية، ولا يغضب عند النكبات والحوادث لأنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فتهون عليه المصائب ويكون دائماً متذكر لقول الرسول ﷺ : «قدر الله وما شاء فعل» (١). ٣٧ - من ثمرات الإيمان بالقدر: عدم الندم أو الحسرة على ما فات: فالمؤمن لا ينوح على الماضي بالتندم والتحسر، لأن ذلك لن يرد عليه شيئاً مما فات، ولأنه إنما حصل على ما كتب الله له، ولا اعتراض على قدر الله ما دام قد وقع، ولكن له أن يعتبر، فيتوب من الخطأ أو الذنب، ولا يلدغ من جحر مرتين (٢). ٣٨ - من ثمرات الإيمان بالقدر: الاعتراف بفضل الله ومنته وطرد الإعجاب بالنفس عند حصول المراد: فالمؤمن لا ينسب الخير إلى نفسه، بل إلى الله ﵎، لأن حصول ذلك نعمة من الله بما قدره من أسباب الخير والنجاح، فيشكر الله تعالى على ذلك (٣). فلا يعجب بنفسه ولا يدلي بعمله لعلمه أن الله تعالى هو الذي تفضل عليه بالتوفيق والإعانة وصرف الموانع والعوائق، وأنه لو وكل إلى نفسه لضَعُف وعجز عن العمل (٤). ٣٩ - من ثمرات الإيمان بالقدر: عدم الاغترار بالعمل: لأن المؤمن لا يدري ما نتيجة العمل، حتى الهداية، ما يدري ما نتيجتها كما قال الرسول ﷺ : «والله إني لرسول الله لأدري ما يفعل بي ربي» قالت أم العلاء ﵂: وقد زكت عثمان ابن مظعون لما مات "أن الله قد أكرمك"، فقال لها رسول الله: «وما يدريك أن الله قد أكرمه»؟ فقالت: سبحان الله يا رسول الله، ومن يكرم الله إذا لم يكرمه؟ فقال لها رسول الله: «والله إني لرسول الله لأدري ما يفعل بي» (٥). ٤٠ - من ثمرات الإيمان بالقدر: الاعتراف بالذنب والخطاء: فالعبد المؤمن ينسب إلى نفسه التقصير على الأبد ولا ينسبه إلى الله . فإذا وقع في المعصية نسبها إلى نفسه، فحمله ذلك على الاستغفار والتوبة.

стр. 39

٤١ - من ثمرات الإيمان بالقدر: التأسي بالأنبياء ﵈: فالمذنب إذا استغفر ربه من ذنبه، فقد تأسى بالسعداء من الأنبياء والمؤمنين كآدم ﵇ وغيره. وإذا أصر واحتج بالقدر، فقد تأسى بالأشقياء، كإبليس ومن اتبع من الغاوين (١). ٤٢ - من ثمرات الإيمان بالقدر: قوة الإيمان: فالذي يؤمن بالقدر يقوى إيمانه، فلا يتخلى عنه ولا يتزعزع أو يتضعضع مهما ناله في ذلك السبيل. لقوله ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير» (٢). ٤٣ - من ثمرات الإيمان بالقدر: الهداية: كما في قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. قال بعض السلف: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم (٣). فالعبد إذا أصابته المصيبة فآمن أنها من عند الله، وأن الله حكيم رحيم في تقديرها، وأنه أعلم بمصالح عبده هدى الله قلبه هدايةً خاصةً للرضا والصبر والتسليم والطمأنينة (٤). ٤٤ - من ثمرات الإيمان بالقدر: عزة النفس والقناعة والتحرر من رق المخلوقين: (إن من ملأ قلبه من الرضى بالقدر، ملأ الله صدره غنى وأمناً وقناعة. وفرغ قلبه لمحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه. ومن فاته حظه من الرضى، امتلأ قلبه بضد ذلك. واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه. فالرضى يفرغ القلب لله، والسخط يفرغ القلب من الله) (٥).

стр. 40

والمؤمن بالقدر، يعلم أن رزقه مكتوب، وأنه لن يموت حتى يستوفي رزقه، ويدرك أن الله كافيه وحسبه ورازقه، وأن العباد مهما حاولوا إيصال الرزق له، أو منعه عنه فلن يستطيعوا إلا بشيء قد كتبه الله، فينبعث بذلك إلى القناعة وعزة النفس، والإجمال في الطلب، وترك التكالب على الدنيا، والتحرر من رق المخلوقين، وقطع الطمع مما في أيديهم، والتوجه بالقلب إلى رب العالمين، وهذا أس فلاحه ورأس نجاحه، ومن جميل ما يذكر في هذا المعنى ما ينسب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قوله: أفادتني القناعة كل عز وهل عِزٌ أعز من القناعة فصيرها لنفسك رأس مال وصير بعدها التقوى بضاعة تحز ربحا وتغنى عن بخيل وتنعم في الجنان بصبر ساعة (١) ومن ذلك قول الشافعي رحمه الله تعالى: رأيت القناعة كنز الغنى فصرت بأذيالها متمسك فلا ذا يراني على بابه ولا ذا يراني به منهمك وصرت غنياً بلا درهم أمر على الناس شبه الملك (٢) ٤٥ - من ثمرات الإيمان بالقدر: عدم الاعتماد على الكهان، والمنجمين، والمشعوذين، والتمسح بأتربة القبور، ودعاء غير الله، وصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله، لأنها لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا فضلاً عن غيرها. ٤٦ - من ثمرات الإيمان بالقدر: تفريغ القلب من الشواغل: فإن الإيمان بالقدر على الوجه الصحيح (يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منها في عقبة وينزل في أخرى، ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به فيه، لأنه مع اختياره لنفسه. ومتى صح تفويضه ورضاه، اكتنفه في المقدور العطف عليه، واللطف به، فيصير بين عطفه ولطفه، فعطفه يقيه ما يحذره، ولطفه يهون عليه ما قدره) (٣). فطريق المؤمن أن ينهض بالتكاليف الواضحة - ما استطاع - وأن يجتنب النواهي المحددة كما نهي. وأن يشتغل بمعرفة ما أمر الله به، وما نهى الله عنه، ولا يبحث في شيء وراءهما من أمر الغيب المحجوب عن إدراكه المحدود. وما كان الله سبحانه ليكلفه شيئاً يعلم أن لا طاقة له به، أو أنه ممنوع بمانع قهري عن النهوض به. وما كان الله سبحانه لينهاه عن شئ، يعلم أن لا طاقة له بالامتناع عنه، أو أنه مدفوع بدافع قهري لا يقاوم لإتيانه! قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ٤٧ - من ثمرات الإيمان بالقدر: سكون القلب، وطمأنينة النفس، وراحة البال: هذه الأمور من ثمرات الإيمان بالقضاء والقدر، وهي مطلب ملح، وهدف منشود، فكل من على وجه البسيطة يبتغيها ويبحث عنها، ولكن كما قيل: كل من في الوجود يطلب صيدا غير أن الشباك مختلفات فلا يدرك هذه الأمور، ولا يجد حلاوتها، ولا يعلم ثمرتها إلا من آمن بالله وبقضائه وقدره. ذلك (لأنه متى علم أن ذلك بقضاء الله تعالى وأن المكروه كائن لا محالة ارتاحت النفس واطمأن القلب ورضي بقضاء الرب، فلا أحد أطيب عيشاً وأريح نفساً وأقوى طمأنينة ممن آمن بالقدر) (٤). وإنك لتجد عند خواص المسلمين من العلماء العاملين، والعباد القانتين المتبعين، من سكون القلب، وطمأنينة النفس ما لا يخطر على بال، ولا يدور حول ما يشبهه خيال، فلهم في ذلك الشأن، القدح المعلى، والنصيب الأوفى. فهذا أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵀ يقول: (أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القدر. قيل له: ما تشتهي؟ فقال: ما يقضي الله (٥). وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: (إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة) (٦). ويقول مقولته المشهورة التي قالها عندما اقتيد إلى السجن: (ما يصنع أعدائي بي، أنا جنتي وبستاني في صدري، أنى رحلت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة) (٧). ٤٩ - من ثمرات الإيمان بالقدر: طرد القلق والضجر عند فوات المراد أو حصول المكروه: لأن ذلك بقضاء الله تعالى الذي له ملك السموات والأرض وهو كائن لا محالة فيصبر على ذلك ويحتسب الأجر (٨).

стр. 41

٥٠ - من ثمرات الإيمان بالقدر: التواضع: فالمؤمن بالقدر إذا رزقه الله بمال، أو جاه، أو علم، أو غير ذلك، تواضع لله، لعلمه أن هذا من الله، ولو شاء لانتزعه منه، إنه على كل شيء قدير. قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦]. ٥١ - من ثمرات الإيمان بالقدر: الشكر: فالمؤمن بالقدر يعلم أن ما به من نعمة فمن الله وحده، وأن الله هو الدافع لكل مكروه ونقمة، فينبعث بسبب ذلك إلى شكر الله، إذ هو المنعم المتفضل الذي قدر له ذلك وهو المستحق للشكر. قال الله تعالى عن سليمان ﵇: ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ [النمل: ١٩]. ٥٢ - من ثمرات الإيمان بالقدر: الرضا: (إن أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين وأعلم العالمين الذي هو أرحم بعباده منهم بأنفسهم ومن آبائهم ومن أمهاتهم، إذا أنزل بهم ما يكرهون كان خيراً لهم من أن لا ينزله بهم، نظراً منهم لهم وإحساناً إليهم ولطفاً بهم، ولو مكنوا من الاختيار لأنفسهم لعجزوا عن القيام بمصالحهم علماً وإرادةً وعملاً، لكنه سبحانه تولى تدبير أمورهم بموجب علمه وحكمته ورحمته، أحبوا أم كرهوا، فعرف ذلك الموقنون بأسمائه وصفاته، فنازعوه تدبيره، وقدحوا في حكمته ولم ينقادوا لحكمه، وعارضوا حكمه بعقولهم الفاسدة وآرائهم الباطلة وسياساتهم الجائرة، فلا لربهم عرفوا ولا لمصالحهم حصلوا. ومتى ظفر العبد بهذه المعرفة، سكن في الدنيا قبل الآخرة في جنة لا يشبه نعيمها إلا نعيم الآخرة، فإنه لا يزال راضياً عن ربه، والرضا جنة الدنيا، ومستراح العارفين، فإنه طيب النفس بما يجري عليها من المقادير التي هي عين اختيار الله له، وطمأنينتها إلى أحكامه الدينية، وهذا هو الرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، وما ذاق طعم الإيمان من لم يحصل له ذلك. وهذا الرضا هو بحسب معرفته بعدل الله وحكمته ورحمته وحسن اختياره، فكلما كان بذلك أعرف كان به أرضى، فقضاء الرب سبحانه في عبده دائر بين العدل والمصلحة والحكمة والرحمة، لا يخرج عن ذلك البتة، كما قال ﷺ في الدعاء المشهور: «اللهم! إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، ما قالها أحد قط إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرجاً»، قالوا: أفلا نتعلمهن يا رسول الله؟ قال: «بلى! ينبغي لمن يسمعهن أن يتعلمهن» (١).

стр. 42

والمقصود قوله: «عدل في قضاؤك»، وهذا يتناول كل قضاء يقضيه على عبده، من عقوبة أو ألم وسبب ذلك، فهو الذي قضى بالسبب وقضى بالمسبب، وهو عدل في هذا القضاء، وهذا القضاء خير للمؤمن، كما قال ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له وليس ذلك إلا للمؤمن» (١) (٢). فيرضى بالله ربا مدبرا مشرعا، فتمتلئ نفسه بالرضا عن ربه، فإذا رضي بالله أرضاه الله . ٥٣ - من ثمرات الإيمان بالقدر: الفرح: فيفرح المؤمن بالقدر بذلك الإيمان الذي حرم منه أمم كثيرة: ﴿(٥٧) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ١٥٨]. ٥٤ - من ثمرات الإيمان بالقدر: المحبة وعدم الحسد بين المؤمنين: لأن الإيمان بالقدر و (الرضى يفتح له باب السلامة، فيجعل قلبه سليماً نقياً من الغش والدغل والغل. ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلب سليم. وكذلك تستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضى. وكلما كان العبد أشد رضى كان قلبه أسلم. فالخبث والدغل والغش: قرين السخط. وسلامة القلب وبره ونصحه: قرين الرضى. وكذلك الحسد: هو من ثمرات السخط. وسلامة القلب من ثمرات الرضى) (٣). فالمؤمن لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، لإيمانه بأن الله هو الذي رزقهم، وقدر لهم ذلك، فأعطى من شاء، ومنع من شاء، ابتلاءً وامتحاناً منه وأنه حين يحسد غيره، إنما يعترض على القدر (٤). ٥٥ - من ثمرات الإيمان بالقدر: إغاظة المبتدعة الذين يتحكمون في حكمة الله وشرعه (٥). فيقولون ينبغي على الله أن يفعل كذا وكذا، أو ينفون حكمة الله في أفعاله فالإيمان بالقدر عند أهل السنة يغيضهم لأنهم يسلمون لأوامر الكونية والشرعية. ٥٦ - من ثمرات الإيمان بالقدر: الاستقامة على منهج سواء في السراء أو الضراء: فالعباد فيهم قصور، ونقص، وضعف، لا يستقيمون على منهج سواء إلا من آمن بالقدر، فإن النعمة لا تبطره، والمصيبة لا تقنطه.

стр. 43

الفصل الخامس: العلمانية (١) وصلتها بالانحراف في مفهوم القدر إن العقيدة (يوم كانت سليمة، والإيمان قوياً فياضاً، والتمسك بما أمر الله به من حيطة وحذر وإعداد للقوة والتمكن قائماً، لم يكن يمكن بأي حال من الأحوال أن يجد الغزو الفكري منفذاً ينفذ منه، وإن وجد منفذاً فلن يجد مكاناً يؤثر فيه، وإن وجد مكاناً ففي أندر الأحوال يقع ذلك، ولكن سرعان ما يقاوم ويعالج. هذا كله يحدث في حال يقظة الأمة ووعيها، وفي حال هيمنة العقيدة ونبضها، ويوم كانت الأمة كذلك لم تؤثر فيها تيارات الغزو الفكري، ولم تجد للنفوذ إليها سبيلاً. أما بعد أن غشت الانحرافات على حياة الأمة، وأصاب الضعف عقيدتها، فكان أمراً متوقعاً أن تصبح هدفاً لحملات الغزو الفكري، وأن تسقط فريسة لها من أول وهلة تصطدم بها) (٢). ومن هذه (الانحرافات الخطيرة التي ظهرت في تاريخ الأمة والتي ما تزال إلى وقتنا هذا، ما يسمى بالصوفية (٣)، هذه الطائفة التي ابتلي الإسلام والمسلمون بها، والتي صارت مع الزمن طرقاً ومذاهب كثيرة ومذاهب عديدة. والصوفية من اعظم الرزايا التي رزئ بها الإسلام على طول تاريخه، والتي ألحقت بالمسلمين ما لا يعلمه إلا الله، من الضعف والخور والخنوع والخضوع للواقع المؤلم دون محاولة لتغيره) (٤).

стр. 44

ولقد استغلت العلمانية الانحراف في التصورات الإسلامية لدى الصوفية - ومنها الانحراف في مفهوم القدر والتوكل - كإحدى مظاهر الغزو الفكري لتقول للناس أن الدين لا علاقة له بالحياة ولا بالسلوك العملي، وإنما هو رابطة قلبية بين العبد وربه يستحق بها النجاة والفوز في العالم الأخروي. وفي بيان انحراف الصوفية في القدر، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما "الطائفة الثانية" -يعني من فرق الضلال الخائضون في القدر- فهم شر منهم - يعني القدرية - وهم طوائف من آهل السلوك والإرادة والتأله والتصوف والفقر ونحوهم، يشهدون هذه الحقيقة، ورأوا أن الله خالق المخلوقات كلها، فهو خالق أفعال العباد ومريد جميع الكائنات، ولم يميزوا بعد ذلك بين إيمان وكفر، ولا عرفان ولا نكر، ولا حق ولا باطل، ولا مهتدى ولا ضال، ولا راشد ولا غوي، ولا نبي ولا متنبئ ولا ولي لله ولا عدو، ولا مرضي ولا مسخوط ولا محبوب ولا ممقوت، ولا بين العدل والظلم، ولا بين البر والعقوق ولا بين أعمال الجنة وأعمال أهل النار، ولا بين الأبرار والفجار حيث شهدوا ما تجتمع فيه الكائنات من القضاء السابق والمشيئة النافذة والقدرة الشاملة والخلق العام، فشهدوا المشترك بين المخلوقات وعموا عن الفارق بينهما، وصاروا ممن يخاطب بقوله تعالى: ﴿(٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦]) (١). وقال أيضاً: (والفرقة الثانية: - يعني من فرق الضلال الخائضون في القدر- المشركية- الذين أقروا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي وأنكروا الأمر والنهي، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥]. فهؤلاء يؤول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي، مع الاعتراف بالربوبية العامة لكل مخلوق، وانه ما من دابة إلا ربي آخذ بناصيتها، وهو الذي يبتلى به كثيراً - إما اعتقاداً، وإما حالاً - طوائف من الصوفية والفقراء، حتى يخرج من يخرج منهم إلى الإباحة للمحرمات، وإسقاط الواجبات، ورفع العقوبات) (٢).

стр. 45

ثم كان نتيجة لهذا الفهم الخاطئ لعقيدة القدر أن (تطرف المتصوفة في مفهوم التوكل على الله، وفهموه فهماً خاطئاً فقطعوا الأخذ بالأسباب، وتركوا التحرز والاحيتاط، وفسروا التوكل بغير معناه الشرعي، وخالفوا بذلك الكتاب والسنة. فالتوكل عند المتصوفة صار يفسر تفسيراً عجيباً، وطبق في حياة القوم تطبيقاً غريباً. وها هو أحد كبار الصوفية يشرح معنى التوكل عندهم فيكتب (قال الحسن أخو سنان: حججت أربع عشرة حجة حافياً متوكلاً، وكان يدخل في رجلي الشوك، فلا أخرجه، لئلا ينقص توكلي) (وقيل من أدعى التوكل ثم شبع فقد حمل زاداً). إن هذا النوع من التوكل كاف لهدم المجتمعات، ونشر الفقر بينها وقد يؤدي إلى هلاك أهلها، وهو مخالف لسنة رسول الله ﷺ (١). إن (التوكل ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر ونتيجته، ولذلك فهو عقيدة تقترن بالعمل .. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [يونس: ٤٩]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. فمن ترك العمل إطلاقاً، فإنه لم يفهم التوكل على وجهه الصحيح وذلك من التواكل المذموم، الذي يوجد البطالة، وينتج المتسكعين في الشوارع، أو التكايا والزوايا) (٢). (إلا أن الصوفية يرون أن التوكل يتعارض مع العمل فهو درجة يلتزم بها من يستطيعها منهم، بالطريقة السلبية عندهم) (٣). لقد أفسد التواكل كثيراً من عقيدة القضاء والقدر، وحولها من عقيدة إيجابية دافعة إلى عقيدة سلبية مخذلة، وإلى الرضا السلبي بالواقع، وعدم محاولة التغيير. وقد استغل نابليون بونابرت تلك الفكرة المنحرفة عن القضاء والقدر لما احتلت جيوشه الصليبية أرض مصر، فكان يصدر منشوراته بتذكير المسلمين بأن ما وقع لهم من الاحتلال والأسر كان بقدر من الله، فمن حاول الاعتراض على ما وقع فكأنه يعترض على القضاء والقدر (٤).

стр. 46

وبذلك يحاول المتصوفة مخالفة واقع هذا الدين، ومصادمة نصوصه الواضحة في انحرافات كثيرة، ساهمت في تخلف هذه المجتمعات، وأن تترك قيادة ركب الحضارة لغيرها من الأمم الضالة، بعد أن كانت خيراً وبناء وإعماراً للبشرية كلها، يوم أن كانت تسير على هدي هذا الدين، وتستنير بنوره الوهاج) (١). ولقد انصرف الصوفية إلى الصلاة أو الصيام والذكر، وقالوا: هذه هي الأعمال المطلوبة للآخرة، أما أمور الدنيا فلا حاجة لنا إلى الخوض فيها، لأنها فتنة توقع في حبائل لشيطان. (وتم عزل العبادة عن بقية الإسلام حتى كأن الإسلام منحصر فيها دون بقية الأجزاء كالجهاد مثلاً، وأحكام المعاملات أو العلاقات الدولية. ومع أن أكثر الناس إن لم نقل كلهم يعلمون أن الإسلام ليس هو العبادات المفروضة فحسب، فإنهم أهملوا الجوانب الأخرى، وغضوا النظر عنها وأنزلوا مرتبتها. ودعا فريق من المرشدين إلى الإعراض عما سوى العبادات. فالجهاد وإنكار المنكر ورد الطغيان والاستعمار ومقاومة الظلم والعمل في جميع ما ينفع المسلمين من الأمور العامة، كل ذلك في نظر هذا الفريق من الناس وما أكثرهم في عصور الانحطاط - فضول يشغل عن الله وعبادته ... وبينما كانت مقاييس التقوى والصلاح في الإسلام شاملة لجميع الواجبات التي أوجبها الإسلام من عبادات خاصة، وجهاد وعلم وعدل وعمل نافع للناس، واستقامة في المعاملة وإحسان، كل ذلك مقروناً بتوحيد الله والإخلاص له أصبحت مقاييس التقوى محصورة في العبادات) (٢). وكانت النتيجة بسبب هذا الفكر السلبي إضافة إلى الفكر الإرجائي الذي شجع على التفلت من التكاليف أن وصل العالم الإسلامي إلى حالته الراهنة من الفقر والجهل والمرض (إن التربية الصوفية على الدعة في التكايا والزوايا، مع سماع الأناشيد والأشعار وفهم مغلوط - عند كثير منهم - لمفهوم القدر، وأن إرادة الله نافذة ولا مجال لدفع العدو بالجهاد .. كل ذلك أبعد المتصوفة عن الجهاد، بل جعل أكثرهم يوالي الأعداء أو ينزوي بعيداً عن أحداث الأمة ونكباتها) (٣). (وقد طغت الصوفية على العالم الإسلامي، وجعلته ينام في سبات عميق، وتخدره إلى حد لا يفيق منه، فانشغل المسلمون بالأضرحة والقبور، والشفاعة عندها، ولازموا الزوايا والتكايا ورددوا أوراد المشايخ عاطلين عن العمل وحتى العلم الشرعي، وغسل المشايخ أدمغة أتباعهم فصدقوا كل مستحيل، وآمنوا بما يقول الشيخ العتيد، فكانت تربيتهم للأتباع تربية ذليلة في الغالب، وقد يخرج المجاذيب إلى الشوارع يدعون على الكافر المارق ذي المدافع والدبابات. ... .. إن هذا السبات العميق، والجهل الشديد، كان نتيجة طبيعية للآثار السلبية التي تركها المتصوفة تنخر في جسم الأمة، إضافة إلى أمراض أخرى) (٤)

стр. 47

لقد كتب أحد المستشرقين الألمان وهو يؤرخ لحال المسلمين في عصوره الأخيرة يقول: طبيعة المسلم التسليم لإرادة الله والرضا بقضائه وقدره والخضوع بكل ما يملك للواحد القهار. وكان لهذه الطاعة أثران مختلفان ففي العصر الإسلامي الأول لعبت دوراً كبيراً في الحرب إذ حققت نصراً متواصلاً لأنها دفعت في الجندي روح الفداء، وفي العصور الأخيرة كانت سبباً في الجمود الذي خيم على العالم الإسلامي فقذف به إلى الانحدار وعزله وطواه عن تيارات الأحداث العالمية، إن هذا الرجل وهو كافر أدرك هذه الحقيقة: حقيقة الفرق بين الإيمان بالقدر كما فهمه السلف وبين الإيمان الذين ابتدعه الخلف متأثرين بالمتصوفة. ولاشك أن ما أصاب المسلمين من ذل وهوان وهزائم معنوية وحسية كان بقدر الله الذي لا يقع في كونه إلا ما يريد ولا يخفى عليه شيء بل سيان في علمه ما كان وما سيكون، لكن المسلمين في العصور الأخيرة حرفوا هذا المفهوم فاتخذوا من الإيمان بالقدر مبرراً واهياً لعجزهم وانهيارهم متناسين أن أقدار الله إنما تجري عليهم وفق سننه الثابتة التي أوضحها لهم لكنهم غفلوا عنها وأهملوها، فالمسؤولية مسؤوليتهم وحدهم ولا يظلم ربك أحدا. لقد انقلب التوكل الذي كان الباعث القوي لحركة الجهاد والانطلاق في الأرض بأسباب الحياة إلى تواكل رخيص مذموم سماه المتصوفة "يقيناً" وسماه الآخرون "قناعة" واحتسبه الكل عند الله. واستسلم المسلمون لنوم طويل - محتجين بالقدر - فلم يوقظهم إلا هدير الحضارة الغربية وهي تدك معاقلهم وتقتحم حصونهم، وكانت المفاجأة المذهلة التي زعزعت إيمان الأمة بدينها، وهو الإيمان الذي كان خامدا بارداً لا حراك له، وفي لحظة الانبهار والإنذهال هذه، قال المستشرقون والمبشرون وأذنابهم: أن الدين - وعقيدة القدر خاصة - هو سبب التأخر والجمود في العالم الإسلامي، وصدقهم المغفلون الذين كانوا لا يعرفون من شعائر الدين إلا ما رسمه لهم مشايخ الطرق من صلوات وأوراد، ولا من قواعده إلا أن من الإيمان أن يرضى المرء بما كتب له - على المفهوم الخاطئ لها -، وباسم الزهد في الدنيا، والاستسلام الخانع للذل والفقر - تحت ستار الإيمان بالقدر-، وهما ما تطوعت به الطرق الصوفية وشجعته البيئة الجاهلة المنحطة- تقهقرت الحضارة الإسلامية وذبلت حتى لفظت أنفاسها على يد الغزو العسكري والحضاري القادم من الغرب. (وأصبحت الصوفية جبرية مرجئة تربّت على أكتاف النائمين، فيستولي اليأس والقنوط على الحياة .. هذه النظرة السلبية كانت خير عون للمستعمر .. الذي غذى الصوفية وأنفق على مشاهدها وزواياها الكثير من أجل قتل الحيوية ونفسية الجهاد عند المسلمين) (١).

стр. 48

الخاتمة وبعد فقد تبين لنا من خلال هذا البحث، أن الأساس الذي يقوم عليه صلاح الفرد هو العقيدة الصحيحة، والإيمان الراسخ بالله تعالى، وما يتبع ذلك من الإيمان بقضاء الله وقدره. ذلك أن الإيمان بالقضاء والقدر له أهمية في صلاح الفرد، واستقرا أحواله، فإنه لا سعادة لفرد لا يؤمن بالقضاء والقدر. وأنه ينبغي للمؤمن أن يسلم ويؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة من الأمور التي تتعلق بالقضاء والقدر، وأن يفهمها الفهم الصحيح الذي عليه سلف هذه الأمة من الصحابة ﵃، ومن سار على منهجهم من التابعين والعلماء الصالحين. وأن لا يخوض في ما ليس له به علم. وأن يتوكل على الله في جميع الأمور صغيرها وكبيرها، وأن يجعل ذلك معيناً له على العمل وترك العجز والكسل. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 49

فهرس المراجع ١ - أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع، عبد الرحمن النحلاوي، الطبعة الثانية، دار الفكر، دمشق، ١٤٠٣ هـ. ٢ - الانحرافات العقدية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وآثارهما في حياة الأمة، علي الزهراني، الطبعة الثانية، دار طيبة، مكة، ١٤١٨ هـ. ٣ - التدمرية، شيخ الإسلام ابن تيمية، الطبعة الثانية، مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود، الرياض، ١٤٠٠ هـ. ٤ - التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة، عبد الرحمن بن سعدي، الطبعة الأولى، تعليق الشيخ ابن باز، ضبط علي حسن عبد الحميد، دار ابن القيم، الدمام، ١٤٠٩ هـ. ٥ - التوضيح لشجرة الإيمان للشيخ عبد الرحمن ابن سعدي، الطبعة الأولى، اعتنى به أشرف عبد المقصود، أضواء السلف، الرياض، ١٤١٩ هـ. ٦ - التوكل على الله وعلاقته بالأسباب لعبد الله الدميجي، الطبعة الأولى، دار الوطن، الرياض، ١٤١٧ هـ. ٧ - الجامع الصحيح في القدر، تأليف مقبل الو ادعي، ص ١٤، مكتبة ابن تيمية، القاهرة. ٨ - الحزن والاكتئاب في ضوء الكتاب والسنة، عبد الله الخاطر، طبعة المنتدى الإسلامي، لندن. ٩ - الحسنة والسيئة، شيخ الإسلام ابن تيمية، الطبعة الأولى، تحقيق محمد الخشت، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٥ هـ. ١٠ - الدرة البهية شرح القصية التائية في حل المشكلة القدرية لشيخ الإسلام، تأليف عبد الرحمن بن سعدي، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤٠٦ هـ. ١١ - السنة لابن أبي عاصم، الطبعة الثانية، تحقيق الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٥ هـ. ١٢ - العقيدة الطحاوية شرح ابن أبي العز، الطبعة الأولى، تحقيق عبد الله التركي، شعيب الأرناؤط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٨ هـ. ١٣ - العقيدة الطحاوية للإمام أبي جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، الطبعة الأولى، تعليق الشيخ عبد العزيز بن باز، مكتبة ابن تيمية، القاهرة، ١٤١٥ هـ. ١٤ - العقيدة الواسطية، ابن تيمية، شرح الشيخ محمد بن مانع، مكتبة النهضة الحديثة. ١٥ - الفرق بين الفرق للبغدادي، الطبعة الأولى، تعليق إبراهيم رمضان، دار المعرفة، بيروت، ١٤١٥ هـ.

стр. 50

١٦ - الفوائد لابن القيم، ترتيب وتعليق علي حسن عبد الحميد، دار ابن الجو زي، الدمام، ١٤١٧ هـ. ١٧ - القاموس المحيط، للفيروزآبادي، ضبط وتوثيق يوسف الشيخ البقاعي، دار الفكر، بيروت، ١٤١٥ هـ. ١٨ - القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس فيه، عبد الرحمن المحمود، الطبعة الثانية، دار الوطن، الرياض، ١٤١٨ هـ. ١٩ - القضاء والقدر لعمر الأشقر، الطبعة الثالثة، دار النفائس، الأردن، ١٤١٥ هـ. ٢٠ - القضاء والقدر لمحمد الحمد، الطبعة الأولى، دار ابن خزيمة، الرياض ١٤١٥ هـ. ٢١ - الكواشف الجلية عن معاني الواسطية، عبد العزيز السلمان، الطبعة التاسعة عشرة. ٢٢ - الملل والنحل للشهرستاني، الطبعة الثانية، دار مكتبة المتنبي، بيروت ١٩٩٢ م. ٢٣ - النهاية في غريب الحديث والأثر، الطبعة الأولى، تعليق صلاح عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤١٨ هـ. ٢٤ - الهزيمة النفسية عند المسلمين لعبد الله الخاطر، الطبعة الأولى، المنتدى الإسلامي، لندن، ١٤١٢ هـ. ٢٥ - الوسائل المفيدة للحياة السعيدة، ابن سعدي، الطبعة الرابعة، الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء، ١٤٠٩ هـ. ٢٦ - بدع الاعتقاد وأخطارها على المجتمعات المعاصرة، محمد الناصر، الطبعة الأولى، مكتبة السوادي، جدة، ١٤١٦ هـ. ٢٧ - تحفة الأحوذي شرح سنن، الطبعة الثالثة، ضبط عبدالرحمن عثمان، مكتبة ابن تيمية، ١٤٠٧ هـ ٢٨ - تفسير القران العظيم، ابن كثير، الطبعة الثانية، تقديم الدكتور يوسف المرعشلي، دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٧ هـ. ٢٩ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ابن سعدي، مركز صالح بن صالح الثقافي، عنيزة، ١٤٠٧ هـ. ٣٠ - جدد حياتك، محمد الغزالي، الطبعة التاسعة، دار القلم دمشق، ١٤١٦ هـ. ٣١ - خلق أفعال العباد للبخاري، الطبعة الثانية، تحقيق د. عبد الرحمن عميرة، دار عكاظ، جدة. ٣٢ - ديوان الإمام الشافعي. الطبعة الثالثة، مؤسسة الزعبي، بيروت، ١٣٩٢ هـ. ٣٣ - سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني، الطبعة الرابعة، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٥ هـ. ٣٤ - سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني، الطبعة الأولى، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤١٢ هـ.

стр. 51

٣٥ - شرح أصول اعتقاد آهل السنة والجماعة للالكائي، الطبعة الثانية، تحقيق أحمد حمدان، دار طيبة، الرياض، ١٤١١ هـ. ٣٦ - شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ابن القيم، الطبعة الأولى، تصحيح السيد محمد بدر الدين الحلبي، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض. ٣٧ - شيخ الإسلام أحمد تقي الدين أبن تيمية: جهاده، دعوته، عقيدته، للشيخ أحمد القطان ومحمد الزين، الطبعة الأولى، مكتبة السندس، الكويت، ١٤٠٦ هـ. ٣٨ - صحيح سنن الترمذي للألباني، الطبعة الأولى، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض، ١٤٠٨ هـ. ٣٩ - صحيح مسلم بشرح النووي دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٧ هـ. ٤٠ - ضعيف سنن الترمذي للألباني الطبعة الأولى، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤١١ هـ. ٤١ - عقيدة أهل السنة والجماعة، ابن عثيمين، الطبعة الثالثة، إدارة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض، ١٤١٦ هـ. ٤٢ - فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، الطبعة الأولى، جمع أحمد الدويش، مكتبة المعارف، الرياض، ١٤١٢ هـ. ٤٣ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، تصحيح الشيخ عبد العزيز بن باز، دار الفكر. ٤٤ - فتح القدير، للشوكاني، طبعة دار الفكر، بيروت، ١٤٠٣ هـ. ٤٥ - فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، عبد الرحمن بن حسن، الطبعة الأولى، المكتبة التجارية، مكة، ١٤١٢ هـ. ٤٦ - لسان العرب ابن منظور، تحقيق عبد الله الكبير وغيره، دار المعارف. ٤٧ - مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع عبد الرحمن ابن قاسم، مكتبة ابن تيمية، القاهرة. ٤٨ - مجموع الفتاوى للشيخ ابن باز، جمع عبد الله الطيار وأحمد بن باز، الطبعة الأولى، دار الوطن، الرياض، ١٤١٦ هـ. ٤٩ - مختصر منهج القاصدين للمقدسي، الطبعة الثانية، تعليق عبد الله الأنصاري، دار المعرفة، بيروت، ١٤١٦ هـ. ٥٠ - مدارج السالكين لابن القيم، تحقيق محمد حامد الفقي، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، المغرب. ٥١ - مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب، الطبعة الرابعة، دار الشروق، القاهرة، ١٤٠٩ هـ. ٥٢ - معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول للشيخ حافظ الحكمي، الطبعة الثالثة، ضبط وتعليق عمر بن محمود، دار ابن القيم، الدمام، ١٤١٤ هـ.

стр. 52

٥٣ - معجم ألفاظ العقيدة، تصنيف عامر فالح، الطبعة الأولى، مكتبة العبيكان، الرياض، ١٤١٧ هـ. ٥٤ - معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، الطبعة الأولى، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، ١٤١١ هـ. ٥٥ - مفتاح دار السعادة لابن القيم، طبعة رئاسة البحوث العلمية والإفتاء، الرياض. ٥٦ - منهج الأشاعرة في العقيدة، للشيخ سفر الحوالي، الطبعة الأولى، الدار السلفية، الكويت، ١٤٠٧ هـ. ٥٧ - نونية القحطاني، لأبي محمد عبد الله بن محمد الأندلسي، الطبعة الثالثة، تصحيح وتعليق محمد بن أحمد، مكتبة السوادي، جدة، ١٤١٥ هـ. ٥٨ - شريط عقيدة أهل السنة والجماعة في القضاء والقدر، صالح آل الشيخ، تسجيلات النداء الإسلامية، الرياض. ٥٩ - شريط أثر الإيمان بالقضاء والقدر على المؤمن، الشيخ عبد الرحمن الدوسري، وصالح اللحيدان، تسجيلات التقوى، رقم ٣٣٦٢.