← Акыда

Акыда · id 721

موسوعة شرح أسماء الله الحسنى

نوال العيد

Полный текст (1 826 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الثالث: هو الحق في أسمائه وصفاته، فأسماؤه وصفاته كلها حق، فليس فيها شيء باطل لا في علمه، ولا قدرته، ولا عزته، ولا حكمته، فهو الإله الحق الكامل في ذاته، وأسمائه وصفاته، ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٦]. الرابع: هو الحق في أفعاله وخبره وشرعه، فأفعاله كلها حق ومقتضى الحكمة، وأخباره كلها حق وصدق، وشرعه حق وعدل، فكل ما أمر الله به أو نهى عنه فإنه حق ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]. والله خلق ﵎ السماوات والأرض بالحق، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٧٣]، وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥]. ونزل الكتاب بالحق، قال تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ١٧٦]، وقال ﵎: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقص ﵎ القصص بالحق، قال تَعَالَى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الكهف: ١٣]، وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢]، فكل ما حدث الله به من القصص لم يكن كذبًا ولا باطلًا، كما قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١].

стр. 142

بخلاف بعض قصص البشر، فهو كذب كله مختلق، أو صدق خالطه الكذب، والحق الصرف في القصص قليل. وأرسل رسله بالحق، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩]، وقوله : ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٣٣]، وقوله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٤٣]. ووعد الله حق لا يمكن أن يخلف، ولا يغير، ولا يبدل، قال تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [يونس: ٥٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر: ٥]، وَعَدَ أمَّ موسى، فقال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]، وحقق وعده ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ١٣]، ووعد المؤمنين بالنصر ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، فنصرهم ببدر وهم أذلة، ونصرهم في الأحزاب وهم قلة، ونصرهم في ساعة العسرة. الأثر الثاني: محبة الله الحق: الحق سُبْحَانَهُ هو الموجود الحق، والرب الحق والإله الحق، وكل ما سواه فهو مربوب، ووجوده مستمد من وجوده سُبْحَانَهُ؛ لأنه الأول الذي ليس قبله شيء، فمنه سُبْحَانَهُ الإيجاد، والإعداد، والإمداد، وما سواه فهي أسباب مخلوقة صادرة من مسبب الأسباب الإله الحق، فحري بمن هذه صفاته أن يحَب ويعظَّم ويؤلَّه وتوجَّه العبادة له وحده دون ما سواه.

стр. 143

الأثر الثالث: التصديق الذي لا يخالطه شَك في ما أخبر به الحق سُبْحَانَهُ: الله حق في أسمائه وصفاته- كما تقدم-، ومن ذلك: كلامه وخبره ﷻ ، فكلامه حق ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: ٨٤]، وقال ﷺ : «وَقَوْلُكَ الْحَقُّ» (١). أنزل القرآن بالحق، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: ٣]. قال السعدي ﵀: «المشتمل على الحق في إخباره وأوامره ونواهيه، فما أخبر به صدق، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٨٧] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، وما حكم به فهو العدل، وأنزله بالحق ليقوم الخلق بعبادة ربهم ويتعلموا كتابه» (٢). واعتقاد المؤمن بهذا يدعوه إلى القبول التام، والتصديق الجازم الذي لا يخالطه أدنى شك لما ما جاء فيه من أخبار، أو جاء على لسان رسول الله ﷺ ، ولو زعم العقل إحالته أو لم يتصوره. وهكذا كان الصحابة- رضوان الله عليهم- يتلقون أخبار الوحي بالتصديق الكامل والإذعان التام، فهذا رسول الله ﷺ يخبر عن

стр. 144

الدجال، فيقول: «إِنَّهُ خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّأْمِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا، يَا عِبَادَ اللهِ فَاثْبُتُوا، قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ، قلنا: يا رسول الله وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعونَ يومًا؛ يومٌ كسَنَةٍ، ويومٌ كَشَهْرٍ، ويومٌ كجُمُعُةٍ، وسائِرُ أيامِهِ كأيَّامِكُم، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كالسنة، تكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: فَاقْدُرُوا له قَدْرَهُ … » (١). فكان همهم السؤال عن الصلاة فقط، وكأن ما أخبرهم به عن الدجال قد عرفوه من قبل؛ وذلك لأنهم جعلوا الشرع التام هو الميزان الثابت للعقل الناقص فقبلوا وسَلَّموا. وهذا أبو بكر الصديق ﵁ يبلغه خبر الإسراء والمعراج، فيبادر للتصديق ويقول: «إني لأصدقه في خبر السماء بكرة وعشية، أفلا أصدقه في بيت المقدس!» (٢). وقد نفى الله الشك والريب عن كتابه، في مواضع عدة، منها: قوله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، وقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ٣٧]، وقوله تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤]، وقال متحديًا من يشك فيه:

стр. 145

﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣، ٢٤]. وقال تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢] «أي: ضيق وشك واشتباه، بل لتعلم أنه تنزيل من حكيم حميد قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، وأنه أصدق الكلام فلينشرح له صدرك، ولتطمئن به نفسك، ولتصدع بأوامره ونواهيه، ولا تخش لائمًا ومعارضًا» (١). وقال ﷺ حين رأى مع عمر صحيفةً فيها شيء من التوراة: «أَمُتَهَوِّكُونَ (٢) فِيهَا يَا ابْنَ الخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً» (٣). الأثر الرابع: التسليم التام لأحكام الحق سُبْحَانَهُ، والتحاكم إليه دون ما سواه: معرفة أن الله الحق ﵎ تورث القلب اليقين بأن أحكام الله تَعَالَى كلها حق وخير، وتورثه -أيضًا- الطمأنينة لحكم الله وشرعه؛ لأنها من الله

стр. 146

الحق الذي لا يصدر منه إلا الحق ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ [الأنعام: ١١٥]. قال ابن كثير ﵀: «صدقًا في الأخبار وعدلًا في الطلب، فكل ما أخبر به فحق لا مرية فيه ولا شك، وكل ما أمر به فهو العدل الذي لا عدل سواه، وكل ما نهى عنه فباطل، فإنه لا ينهى إلا عن مفسدة» (١). فينشأ من ذلك القبول التام، والإذعان والتسليم ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]، سواء علمت الحكمة أو لم تعلم فالأمر سواء لليقين بأنها كلها حق؛ لأنها من عند الحق سُبْحَانَهُ. والتسليم لله من أخص أركان الدين، وبه يجوز العبد الصراط، وتثقل به الموازين، وهو من أوجب الواجبات، وأعلى القربات؛ بل «إن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم، وعدم الخوض في تفاصيل الحكمة في الأوامر، والنواهي، والشرائع؛ ولهذا لم يحك الله سُبْحَانَهُ عن أمة نبي صدقت نبيها وآمنت بما جاء به، أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به، ونهاها عنه، ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة بنبيها، بل انقادت، وسلمت، وأذعنت، وما عرفت من الحكمة عرفته، وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها، وإيمانها، واستسلامها على معرفته، ولا جعلت طلبه من شأنها» (٢). وقد علَّم رسول الله ﷺ أمته الانقياد التام والاستلام لأمر الله، فحينما نزل قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ

стр. 147

يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] غم الصحابة ﵃ غمًّا شديدًا، واشتد ذلك عليهم، فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله ﷺ : «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم، وذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تَعَالَى، فأنزل الله : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: نَعَمْ ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قال: نعم، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: نَعَمْ» (١). فتجوز لهم عن حديث النفس، وأخذوا بالأعمال. وينشأ من ذلك- أيضًا- الاغتباط بأحكام الله وشرعه، والسعي لتحكيمها وإقرارها بين الناس؛ حتى ينعموا بما فيها من الحق والخير والأمن والسلام والقسط؛ لأنها حكم الحق، وحكم ﴿خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٩].

стр. 148

وقد جعل الله التحاكم إلى ما شرع وأنزل على لسان رسوله ﷺ شرطًا للإيمان، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٣٥]، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]. وأنكر على من خرج عن حكمه المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعته وإنما بمحض الأهواء والآراء (١)، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. «فلا ثم إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية، فمن أعرض عن الأول ابتلي بالثاني المبني على الجهل والظلم والغي، ولهذا أضافه الله للجاهلية، وأما حكم الله تَعَالَى فمبني على العلم، والعدل والقسط، والنور والهدى» (٢). الأثر الخامس: الشعور بالغبطة والسرور بالهداية إلى دين الإسلام الحق، والثبات عليه: الإسلام هو دين الله الحق، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].

стр. 149

ومن هدي إليه واستقام عليه اطمأنت نفسه، وانشرح صدره، وسلم من التشتت والاضطراب والحيرة التي تكون من نصيب المبطل المعرض عن الله وعن دينه، قال تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]، وقوله : ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. واستشعار المسلم لمنة الله عليه بالهداية للدين الحق يبعث في النفس السرور والغبطة بفضل الله عليه ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. قال السعدي ﵀: «﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ الذي هو القرآن، الذي هو أعظم نعمة ومنة، وفضل تفضل الله به على عباده ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الدين والإيمان، وعبادة الله ومحبته ومعرفته ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من متاع الدنيا ولذاتها. فنعمة الدين المتصلة بسعادة الدارين، لا نسبة بينها، وبين جميع ما في الدنيا، مما هو مضمحل زائل عن قريب» (١). وهذا الفرح بالهداية للحق يوجب التمسك به، والثبات عليه، والصبر على القيام بشرائعه، والصبر عن محارمه، والصبر- أيضًا- على ما ينال المرء من المصائب والمحن من جرائه، لا سيما مع تأخر الزمان وكثرة الفتن، فقد

стр. 150

جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ : «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالقَابِضِ عَلَى الجَمْرِ» (١). الأثر السادس: صدق التوكل على (الحقِّ): من كان على الحق وَثقَ في الله واعتمد عليه في تأييده ونصره، قال الله : ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩]. قال ابن القيم ﵀: «إن كون العبد على الحق يقتضي تحقيق مقام التوكل على الله، والاكتفاء به، والإيواء إلى ركنه الشديد، فإن الله هو الحق وهو ولي الحق، وناصره، ومؤيده، وكافي من قام به، فما لصاحب الحق ألا يتوكل عليه؟ وكيف يخاف وهو على الحق؟ كما قالت الرسل لقومهم: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٢]» (٢). الأثر السابع: الثقة بنصر الله لدينه الحق ولأوليائه: الله الحق تكفل بنصر دينه، وإتمام الحق الذي أرسل به رسله، وإشاعة نوره على سائر الأقطار، ولو كره الكافرون، وبذلوا بسبب كراهتهم كل سبب يتوصلون به إلى إطفاء نور الله؛ فإنهم مغلوبون، وحالهم حال من ينفخ عين الشمس بفيه ليطفئها، فلا على مرادهم حصلوا، ولا سلمت عقولهم من النقص والقدح فيها: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ

стр. 151

الْكَافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [الصف: ٨، ٩]، أي: ليعليه على سائر الأديان، بالحجة والبرهان، ويظهر أهله القائمين به بالسيف والسنان. فأما نفس الدين، فهذا الوصف ملازم له في كل وقت، فلا يمكن أن يغالبه مغالب، أو يخاصمه مخاصم إلا فلجه وبلسه، وصار له الظهور والقهر. وأما المنتسبون إليه، فإنهم إذا قاموا به، واستناروا بنوره، واهتدوا بهديه، في مصالح دينهم ودنياهم، فكذلك لا يقوم لهم أحد، ولا بد أن يظهروا على أهل الأديان، إلا أن الله قد يبتليهم في وقت من الأوقات؛ ليعلم المؤمن الصادق الثابت على الحق من المنافق أو ضعيف الإيمان، قال تَعَالَى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]. أما إذا ضيعوه واكتفوا منه بمجرد الانتساب إليه؛ لم ينفعهم ذلك، وصار إهمالهم له سبب تسليط الأعداء عليهم (١). فإذا علم هذا فعلى المسلمين أن يقوموا بالدين ويتمسكوا به ويثقوا بنصر الله ووعده ولو عظم البلاء واشتد، فهذا رسول الله ﷺ يوم الأحزاب، وقد عظم البلاء على المؤمنين، واشتد الخوف، فأتاهم عدوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، وإذا به ﷺ يقول: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُفَرَّجَنَّ عَنْكُمْ مَا تَرَوْنَ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْبَلَاءِ، فَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ آمِنًا، وَأَنْ يَدْفَعَ اللهُ مَفَاتِحَ الْكَعْبَةِ، وَلَيُهْلِكَنَّ اللهُ

стр. 152

اكِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَلَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللهِ» (١)، قالها ﷺ في شدة الكرب، وتحالف أهل الكفر والشرك، ولكنها الثقة بوعد الله ونصره، واليقين فيما عنده . الأثر الثامن: التواضع للحق، والانقياد له بعد تبينه: إذا علم العبد أن الخير كله في الحق، وما بعد الحق إلا الضلال والشر والشقاء، تواضع له وأنقاد، ومتى ما ظهر له وبان رجع إليه مهما كان شأنه، ومهما ارتفع قدره، ومهما علت منزلته، فهذا عبدالرحمن بن مهدي ﵀ يقول: «كنا في جنازة فيها عبيد الله بن الحسن، وهو على القضاء، فلما وضع السرير جلس، وجلس الناس حوله، قال: فسألته عن مسألة؛ فغلط فيها، فقلت: أصلحك الله! القول في هذه المسألة كذا وكذا، إلا أني لم أرد هذه، إنما أردت أن أرفعك إلى ما هو أكبر منها، فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه، فقال: إذن أرجع وأنا صاغر!! إذن أرجع وأنا صاغر!!؛ لأن أكون ذَنَبًا في الحق أحب إلي من أن أكون رأسًا في الباطل!» (٢). ومن رد الحق بعد بيانه فهو المتكبر الظالم لنفسه؛ قال ﷺ : «الكبرُ بَطَرُ الحقِّ، وغَمْطُ النّاسٍ (٣)» (٤).

стр. 153

يقول ابن القيم ﵀: «كما أن من تواضع لله رفعه، فكذلك من تكبر عن الانقياد للحق أذله الله ووضعه، وصغره وحقره، ومن تكبر عن الانقياد للحق- ولو جاء على يد صغير، أو من يبغضه أو يعاديه- فإنما تكبره على الله؛ فإن الله هو الحق وكلامه حق؛ ودينه حق، والحق صفته ومنه وله، فإذا رده العبد وتكبر عن قبوله فإنما رد على الله وتكبر عليه» (١)، واستحق بهذا الوعيد الوارد في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦]. وقال ﷺ مبينًا قبح التكبر عن الحق: «وَإِنَّ أَبْغَضَ الكَلَامِ إِلَى اللهِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: اتَّقِ اللهَ، فَيَقُولُ: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ» (٢). الأثر التاسع: عدم الحياء في إظهار الحق: الله هو الحق، ويحب الحق، ويأمر بالحق، ولا يستحي من بيانه للناس، وإظهاره لهم بأنواع الأمثلة الحسية، التي تعين على فهمه وقبوله، والإعراض عما سواه من الباطل، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] (٣).

стр. 154

وهكذا ينبغي للمؤمن ألا يستحي من الحق وإظهاره، ولما في تركه حياءًا وخوفًا أو مداهنة من تفويت المصالح وتحقيق المفاسد، ومن ذلك: العلم؛ فإنه لا يناله مستحي ولا مستكبر، ولذا أثنى رسول الله ﷺ على نساء الأنصار، فقال: «نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ» (١). الأثر العاشر: الاستعداد للقاء الحق: وعد ﵎ عباده بلقائه، قال سُبْحَانَهُ: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٤]، فلقاؤه حق حاصل لا محالة، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]، وقال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وقال ﷺ : «وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ» (٢). وأخبر سُبْحَانَهُ عن خسارة المكذبين بلقائه، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١]، وقال: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥]. ووعد بالجنة والنار، قال تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ٧٢]، وقال تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الرعد: ٣٥].

стр. 155

وقال تَعَالَى عن النار: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [التوبة: ٦٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٦]. ووعد بالساعة فهي حق واقعة لا ريب فيها ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [النبأ: ٣٩]. فإذا استقرت هذه الحقائق في قلب العبد المؤمن حمله ذلك على الاستعداد للقاء ربه، والشوق إلى جنته، والخوف من عذابه، وهذا يثمر التقوى في القلب، والتي علامتها امتثال أوامر الله وترك مناهيه بإخلاص ومتابعة، والاستقامة على ذلك. روى الطبراني عن الحارث بن مالك الأنصاري، «أنه مر برسول الله ﷺ ، فقال له: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا حَارِثُ؟ قال: أصبحت مؤمنًا حقًّا، فقال: انْظُرْ مَا تَقُولُ؟ فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةً، فَمَا حَقِيقَةُ إِيمَانِكَ؟ فقال: قد عزفت نفسي عن الدنيا، وأسهرت لذلك ليلي، واطمأن نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار يتضاغون فيها، فقال: يَا حَارِثُ عَرَفْتَ فَالْزَمْ، ثلاثًا» (١). وكان رسول الله ﷺ يستفتح صلاته من الليل بذكر هذا المعنى، كما في حديث ابن عباس ﵄، «كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد قال: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ

стр. 156

أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الحَقُّ، وَقَوْلُكَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ الحَقُّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ خَاصَمْتُ، وَبِكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَأَسْرَرْتُ وَأَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (١)؛ وذلك أن قيام الليل أمر شاق على النفس، فيحتاج الإنسان لقيامه لتصديق جازم بما ورد فيه من عظيم الأجر، فكان الاستفتاح به تذكير للنفس بوعد الله . الأثر الحادي عشر: أعط كل صاحب حق حقه: إذا عرف العبد أن الله الحق، أحب أن يكون له حظ من اسم ربه، وأن يتحقق به، وذلك بأن: ١ - يعطي كل ذي حق حقه، فيبدأ بأعظم الحقوق عليه؛ حق الله تَعَالَى، وهو عبادته وحده لا شريك له، ثم حق نبيه، ثم يؤدي الحقوق لأصحابها، الأحق فالأحق، فيبدأ بحق الوالدين، ثم الأبناء، والزوجة، ثم الأرحام، والجيران، ثم حق أمته عليه، قال رسول الله ﷺ : «فَأَعْطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ» (٢). ٢ - يرد الحقوق لأهلها، فلا يأخذ من حق الغير شيئًا بغير حقه ولو قلَّ، قال ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ» (٣).

стр. 157

٣ - يشهد بالحق، ولو كان ذلك على الأحباب، بل حتى على النفس، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا … ﴾ [النساء: ١٣٥]. ٤ - يعدل في القضاء والحكم، كما قال تَعَالَى لنبي الله داود ﵇: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] (١). وقد علَّم رسول الله ﷺ أمته إقامة الحق والحكم به، فعندما سرقت المرأة المخزومية بعث قريش للنبي ﷺ أسامة بن زيد لكي يشفع لها، فكلمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ : «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله؟ ثم قام فاختطب، فقال: أيُّها النَّاسُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ الله لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (٢). ولا بد أن يعلم أن لكل شيء حقًّا، فالحق ﵎ له حق، ولكتابه حق، ولرسوله ﷺ حق، والنفس لها حق، وللأهل حق، وللجار حق، وللضيف حق، وللصديق حق، وللعمل حق، وللمكان حق، وللطريق حق، كما قال ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، فقالوا: ما لنا بُدٌّ، إنما

стр. 158

هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بالمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ» (١)، وللوقت حق، فعلى المسلم أن يحرص على أن يعطي كل ذي حق حقه، مستعينًا بربه، سائلًا توفيقه لذلك. فاللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

стр. 159

الحَكَمُ الحَكِيمُ ﷻ - المعنى اللغوي: قال الجوهري ﵀: «الحكم: مصدر قولك: حكم بينهم، يحكم، أي: قضى، وحكم له وحكم عليه، والحكم أيضًا: الحكمة من العلم، والحكيم: العالم، وصاحب الحكمة، والحكيم: المتقن للأمور. وقد حكم بضم الكاف، أي: صار حكيمًا … وأحكمت الشيء فاستحكم، أي صار محكمًا، والحكم، بالتحريك: الحاكم … وحكمت الرجل تحكيمًا، إذا منعته مما أراد، ويقال أيضًا: حكمته في مالي، إذا جعلت إليه الحكم فيه، فاحتكم علَيَّ في ذلك، واحتكموا إلى الحاكم وتحاكموا بمعنًى» (١). قال ابن فارس ﵀: «(حكم) الحاء والكاف والميم أصل واحد، وهو المنع، وأول ذلك الحكم، وهو المنع من الظلم؛ وسميت حكمة الدابة لأنها تمنعها، يقال: حكمت الدابة وأحكمتها، ويقال: حكمت السفيه وأحكمته، إذا أخذت على يديه … وحكم فلان في كذا، إذا جعل أمره إليه، والمحكم: المجرب المنسوب إلى الحكمة» (٢).

стр. 160

ورود اسمي الله (الحَكَم الحكيم) في القرآن الكريم: ورد اسمه (الحَكَم) في آية واحدة، هي: قوله : ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ [الأنعام: ١١٤]. وأما اسم الله (الحكيم)؛ فقد ورد في أربع وتسعين مرة، ومن وروده ما يلي: قوله : ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. وقوله : ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٥]. وقوله : ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١]. ورود اسمي الله (الحَكِيم، الحَكَم) في السنة النبوية: ورد اسمي الله (الحَكيم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عن مصعب بن سعد عن أبيه ﵁، قال: «جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: علمني كلامًا أقوله، قال: قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ للهِ كَثِيرًا، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا باللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ، قال: فهؤلاء لربي، فما لي؟ قال: قُلْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي واهْدِنِي وارْزُقْنِي» (١). ورد اسمي الله (الحَكم) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي: عن شريح عن أبيه هانئ: «أنه لما وفد إلى رسول الله ﷺ مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله ﷺ ، فقال: إِنَّ اللهَ هُوَ الحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الحَكَمُ، فَلَمْ تُكْنَى أَبَا الحَكَمِ؟ فقال: إن قومي إذا

стр. 161

اختلفوا في شيء أتوني، فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال رسول الله ﷺ : مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الوَلَدِ؟ قال: لي شريح، ومسلم، وعبد الله، قال: فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ قلت: شريح، قال: فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» (١). معنى اسمي الله (الحكيم، الحَكم) في حقه سُبْحَانَهُ: يدور اسمي (الحَكيم الحَكم) على معنيين: من له كمال الحكم بين العباد، سواء كان حكمًا كونيًّا قدريًّا، أو دينيًّا شرعيًّا، أو جزائيًّا. من له كمال الحكمة، سواء كانت في خلقه وتدبيره أو شرعه وأمره. وحول هذين المعنيين تدور أقوال العلماء: من الأقوال في المعنى الأول: قال الزجاج ﵀: «فالله تَعَالَى هو الحاكم وهو الحكم بين الخلق؛ لأنه الحكم في الآخرة، ولا حكم غيره» (٢). قال الخطابي ﵀: «الحكم الحاكم، ومنه المثل: (في بيته يؤتى الحكم) وحقيقته هو: الذي سلم له الحكم ورد إليه فيه الأمر، كقوله تَعَالَى: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]» (٣).

стр. 162

قال القرطبي ﵀: «فالحكم من له الحكم: وهو تنفيذ القضايا وإمضاء الأوامر والنواهي، وذلك بالحقيقة هو الله تَعَالَى، فهذا الاسم يرجع تارة إلى معنى الإرادة، وتارة إلى معنى الكلام، وتارة إلى الفعل، فأما رجوعه إلى الإرادة، فإن الله تَعَالَى حكم في الأزل بما اقتضته إرادته، ونفذ القضاء في اللوح المحفوظ، يجري القلم فيه على وفاق حكم الله، ثم جرت الأقدار في الوجود بالخير والشر، والعرف والنكر على وفاق القضاء والحكم، وإذا كان راجعًا إلى معنى الكلام فيكون معناه: المبين لعباده في كتابه ما يطالبهم به من أحكامه، كما يقال- لمن يبين للناس الأحكام وينهج لهم معاني الحلال والحرام-: حكم، وعلى هذا فلا يكون في الوجود حكم إلا كتابه، فعنده يوقف؛ إذ هو الحكم العدل، وإذا كان راجعًا إلى الفعل فيكون معناه الحكم الذي ينفذ أحكامه في عباده بإشقائه إياهم وإسعاده وتقريبه إياهم، وإبعاده على وفق مراده» (١). قال السعدي ﵀: «(الحكيم): … الذي له الحكم في الأولى والآخرة، وله الأحكام الثلاثة لا يشاركه فيها مشارك، فيحكم بين عباده في شرعه، وفي قدره، وجزائه» (٢). قال ابن القيم ﵀ في نونيته: «وَهوَ الحَكِيمُ وَذَاكَ مِنْ أَوْصَافِهِ … نَوْعَانِ أَيْضًا مَا هُمَا عَدَمَانِ حُكْمٌ وَإِحْكَامٌ فَكُلٌّ مِنْهُمَا … نَوْعَانِ أَيْضًا ثَابِتَا البُرْهَانِ

стр. 163

وَالحُكْمُ شَرْعِيٌّ وَكَوْنِيٌّ وَلَا … يَتَلَازَمَانِ وَمَا هُمَا سِيَّانِ بَلْ ذَاكَ يُوجَدُ دُونَ هَذَا مُفْرَدًا … وَالعَكْسُ أَيْضًا ثُمَّ يَجْتَمِعَانِ من الأقوال في المعنى الثاني: قال الطبري ﵀: «والحكيم: الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل» (١)، وقال أيضًا: «والحكيم: هو ذو الحكمة» (٢) قال الزجاجي ﵀: «الحكيم: الذي أفعاله محكمة متقنة، لا تفاوت فيها ولا اضطراب، ومنه قيل: (بناء محكم)، أي: قد أتقن وأحكم، فالله حكيم كما وصف نفسه بذلك، لإتقان أفعاله واتساقها وانتظامها وتعلق بعضها ببعض … وقد يكون حكيم بمعنى: عليم؛ لأن الفاعل للأشياء المتقنة المحكمة لا يجوز أن يكون جاهلًا بها؛ فيكون (حكيم) على هذا بتأويل المبالغة في الوصف بالعلم والحكمة» (٣). قال الحليمي ﵀: «الحكيم: قال الله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٩] ومعناه: الذي لا يقول ولا يفعل إلا الصواب، وإنما أن يوصف بذلك لأن أفعاله سديدة، وصنعه متقن، ولا يظهر الفعل المتقن السديد إلا من حكيم» (٤). قال ابن القيم ﵀: «(حكيم) لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سُبْحَانَهُ صادرة عن

стр. 164

حكمة بالغة لأجلها فعل كما فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل» (١). قال ابن كثير ﵀: «الحكيم في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها؛ لعلمه وحكمته وعدله» (٢). قال السعدي ﵀: «(الحكيم): هو الذي له الحكمة العليا في خلقه وأمره، الذي أحسن كل شيء خلقه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] فلا يخلق شيئًا عبثًا، ولا يشرع سدى» (٣). قال أيضًا: «الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها، فلا يشرع ما يشرعه إلا لحكمة ومصلحة، ولا يخلق ما يخلقه إلا لفائدة ومنفعة» (٤). قال ابن القيم ﵀ في النونية: وَالحِكْمَةُ العُلْيَا عَلَى نَوْعَيْنِ أَيْـ … ـضًا حَصَلَا بِقَوَاطِعِ البُرْهَانِ إِحْدَاهُمَا فِي خَلْقِهِ سُبْحَانَهُ … نَوْعَانِ أَيْضًا لَيْسَ يَفْتَرِقَانِ إِحْكَامُ هَذَا الخَلْقِ إِذْ إِيجَادُهُ … فِي غَايَةِ الإِحْكَامِ والإِتْقَانِ وَصُدُورُهُ مِنْ أَجْلِ غَايَاتٍ لَهُ … وَلَهُ عَلَيْهَا حَمْدُ كُلِّ لِسَانِ وَالحِكْمَةُ الأُخْرَى فَحِكْمَةُ شَرْعِهِ … أَيْضًا وَفِيهَا ذَانِكَ الوَصْفَانِ غَايَاتُهَا الَّلائِي حُمِدْنَ وَكَوْنُهَا … فِي غَايَةِ الإِتْقَانِ وَالإِحْسَانِ» (٥).

стр. 165

الفرق بين الحكم والحاكم: الحكم أبلغ من الحاكم، من جهتين: «لا يستحق التسمية بحكم إلا من يحكم بالحق؛ لأنها صفة تعظيم في مدح، والحاكم جارية على الفعل، فقد يسمى بها من يحكم بغير الحق» (١)؛ لذا قيد الله في القرآن اسمه الحاكم بالخيرية، فقال: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]، والإحكام، فقال تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]. الحاكم يطلق على من يحكم بين الناس، قال الله تَعَالَى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، أما الحكم فيطلق على المتخصص بذلك (٢). اقتران اسمي الله (الحكيم والحَكَم) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم: ١ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم)، باسمه (العزيز): ورد اقتران اسمه الحكيم باسمه العزيز، في نحو ستة وأربعين موضعًا، قدم فيها العزيز على الحكيم، منها: قوله تَعَالَى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الصف: ١]، وقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].

стр. 166

وجه الاقتران: «العزة: كمال القدرة، والحكمة: كمال العلم، وبهاتين الصفتين يقضي ما يشاء، ويأمر وينهى، ويثني، ويعاقب، فهاتان الصفتان: مصدر الخلق والأمر» (١). لدلالة على «أن عزته تَعَالَى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظلمًا وجورًا وسوء فعل، كما قد يكون من أعزاء المخلوقين، فإن العزيز قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور ويسيء التصرف، وكذلك حكمه تَعَالَى وحكمته مقرونان بالعز الكامل، بخلاف حكم المخلوق وحكمته؛ فإنها يعتريها الذل» (٢). ولعل سائلًا يسأل: ما سر تقديم اسم الله العزيز على الحكيم في جميع المواضع؟ وقد أجاب عن هذا التساؤل ابن القيم ﵀ من أوجه ثلاثة: أن العزة: كمال القدرة، والحكمة: كمال العلم، فقدم وصف القدرة؛ لأن متعلقه أقرب إلى مشاهدة الخلق؛ وهو مفعولاته تَعَالَى وآياته، وأما الحكمة فمتعلقها بالنظر والفكر والاعتبار- غالبًا- فكانت متأخرة عن متعلق القدرة. أن النظر في الحكمة يكون بعد النظر في المفعول والعلم به، فإذا نظر في المفعول انتقل بعد ذلك للنظر فيما أودع فيه من الحكم والمعاني.

стр. 167

أن الحكمة غاية الفعل، فهي متأخرة عنه تأخر الغايات عن وسائلها؛ فالقدرة تتعلق بإيجاده، والحكمة تتعلق بغايته؛ فقدم الوسيلة على الغاية؛ لأنها أسبق في الترتيب الخارجي (١). ٢ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم) باسمه (الخبير): ورد اقتران اسمه الحكيم باسمه الخبير في أربع آيات من القرآن، منها: قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١]. وجه الاقتران: قال ابن القيم ﵀ عن وجه اقتران هذين الاسمين الجليلين، أنهما دالَّان: «على كمال الإرادة، وأنها لا تتعلق بمراد إلا لحكمة بالغة، وعلى كمال العلم، وأنه كما يتعلق بظواهر المعلومات، فهو متعلق ببواطنها التي لا تدرك إلا بالخبرة، فنسبة الحكمة إلى الإرادة كنسبة الخبرة إلى العلم؛ فالمراد ظاهر، والحكمة باطنة، والعلم ظاهر والخبرة باطنة، فكمال الإرادة أن تكون واقعة على وجه الحكمة، وكمال العلم أن يكون كاشفًا عن الخبرة، فالخبرة باطن العلم وكماله، والحكمة باطن الإرادة وكمالها» (٢).

стр. 168

٣ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم) باسمه سُبْحَانَهُ (العلي): ورد اقتران اسم الله الحكيم باسمه العلي في آية واحدة، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]. قال ابن عاشور ﵀: «العلو في صفة (العلي) علو عظمة فائقة لا تناسبها النفوس البشرية التي لم تحظ من جانب القدسية بالتصفية، فما كان لها أن تتلقى من الله مراده مباشرة، فاقتضى علوه أن يكون توجيه خطابه إلى البشر بوسائط يفضي بعضها إلى بعض … وأما وصف (الحكيم)؛ فلأن معناه: المتقن للصنع، العالم بدقائقه وما خطابه البشر إلا لحكمة إصلاحهم ونظام عالمهم، وما وقوعه على تلك الكيفيات الثلاث إلا من أثر الحكمة لتيسير تلقي خطابه، ووعيه دون اختلال فيه، ولا خروج عن طاقة المتلقين» (١). ٤ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم) باسمه سُبْحَانَهُ (التواب): تقدم بيانه في اسم الله التواب. ٥ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم) باسمه سُبْحَانَهُ (الحميد): ورد اقتران اسمه الحكيم باسمه الحميد في آية واحدة، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. قال السعدي ﵀: «﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾ في خلقه وأمره، يضع كل شيء موضعه، وينزله منازله، ﴿حَمِيدٍ﴾ على ما له من صفات الكمال ونعوت

стр. 169

الجلال، وعلى ما له من العدل والإفضال؛ فلهذا كان كتابه مشتملًا على تمام الحكمة، وعلى تحصيل المصالح والمنافع، ودفع المفاسد والمضار التي يحمد عليها» (١). ٦ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم) باسمه سُبْحَانَهُ (الواسع): ورد اقتران اسمه الحكيم باسمه الواسع في آية واحدة، وذلك في قوله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠]. قال السعدي ﵀: «﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا﴾ [النساء: ١٣٠] أي: كثير الفضل واسع الرحمة، وصلت رحمته وإحسانه حيث وصل إليه علمه، وكان مع ذلك ﴿حَكِيمًا﴾ أي: يعطي بحكمته ويمنع لحكمته؛ فإذا اقتضت حكمته منع بعض عبده من إحسانه بسبب في العبد لا يستحق معه الإحسان، حرمه عدلًا وحكمة» (٢). ٧ - اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم) باسمه سُبْحَانَهُ (العليم): اقترن اسمه الحكيم باسمه العليم في نحو سبعة وثلاثين موضعًا، منها: قوله تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣]. وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٨٤].

стр. 170

قال ابن القيم ﵀: «العلم والحكمة متضمنان لجميع صفات الكمال، فالعلم يتضمن الحياة ولوازم كمالها من: القيومية والقدرة، والبقاء، والسمع، والبصر، وسائر الصفات التي يستلزمها العلم التام. والحكمة تتضمن كمال الإرادة والعدل، والرحمة، والإحسان، والجود، والبر، ووضع الأشياء مواضعها على أحسن وجوهها، ويتضمن إرسال الرسل، وإثبات الثواب والعقاب» (١). وقال: «خلقه وأمره صدرا عن حكمته وعلمه، وحكمته وعلمه اقتضيا ظهور خلقه وأمره، فمصدر الخلق والأمر عن هذين المتضمنين لهاتين الصفتين؛ ولهذا يقرن سُبْحَانَهُ بينهما عند ذكر إنزال كتابه، وعند ذكر ملكه وربوبيته؛ إذ هما مصدر الخلق والأمر» (٢). ويلاحظ أن الله تارة يقدم اسمه العليم على الحكيم، وتارة عكس ذلك. فإن سأل سائل: ما السر في ذلك؟ أجيب: بأن الآيات التي تقدم فيها العليم على الحكيم منوطة بمقام العلم أولًا، ثم بالحكمة: «ففي مقام الاعتراف بالعجز وقصور العلم يقابله- ولا بد- الإقرار والتسليم للعليم؛ فإذا كان (العليم) هو (الحكيم) فذلك هو العلم البالغ حد الكمال، فيكون الاعتراف مصحوبًا بغاية الرضا والتسليم، كما في قوله تَعَالَى عن الملائكة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢].

стр. 171

وفي مقام ارتباط الصبر وانتظار الفرج باسم (العليم) ارتباط قوي، وذلك أن العبد إذا كان عظيم الإيمان، عميق الصلة بربه، واستلبث عليه الفرج لم يتزعزع يقينه؛ لأنه معتمد على علم الله في اختيار الزمان الأنسب لما يرجوه من الفرج، معول على حكمته في تهيئة الأسباب له؛ ليقع على أحسن ما يكون، كما في قوله تَعَالَى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣]. ومثل ذلك يقال في مقام التواضع والتحدث بنعمة الله وفضله؛ لأن قوامه أحداث ترجع إلى علم ﴿العليم﴾ وحكمة ﴿الحكيم﴾، كما في قوله تَعَالَى عند يوسف ﵇: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠]. أما مقام التشريع وإقرار الحكم فالأمر فيه راجع إلى العلم الشامل أولًا؛ لأن العلم هو أساس بناء الأحكام، ثم تأتي الحكمة لتنزل الحكم على الواقع، كما في قوله تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [التحريم: ٢]. أما المقامات التي يتقدم فيها اسم (الحكيم) على اسم (العليم)، فهي منوطة بمقام التوحيد، كما في قوله تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨٣]. ومقام إجراء المعجزات، كما في قوله تَعَالَى: ﴿كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٣٠]؛ وذلك أن مضمون الألوهية في مقام التوحيد قهر وقوة وغلبة، يقابلها من العباد طاعة وعبادة وخضوع، فتقديم

стр. 172

الحكمة في هذا المقام- والله أعلم- ليعلم أن ألوهيته السارية على من في السماوات والأرض مسارها الحكمة» (١). الآثار المسلكية للإيمان باسمي الله (الحكيم، الحَكَم): الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الحكم، الحكيم) من صفات الله سُبْحَانَهُ: الله سُبْحَانَهُ الحكم الحكيم الذي كمل في حكمه، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]، وقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: ٨]، وكمل في حكمته، قال سُبْحَانَهُ: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥]، ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]. أ- فأما كمال حكمه: فهو الحكيم الذي يحكم في الدارين بالحكم الكوني القدري، والحكم الديني الشرعي، والحكم الجزائي، قال تَعَالَى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠] (٢). الحكم الكوني القدري: الله سُبْحَانَهُ الحاكم في خلقه على وفق ما قضاء وقدر؛ فإنه ﵎ كتب مقادير كل شيء: - كتب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين

стр. 173

ألف سنة، قال تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْف سَنَةٍ» (١). - وكتب عند خلق الجنين؛ فعن ابن مسعود ﵁، قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ ينْفَخُ فِيهِ الرُّوح، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابَهُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ» (٢). - وكتب ويكتب في ليلة القدر كل ما يكون في السنة، كما قال تَعَالَى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٤، ٥] (٣). فيجري الله سُبْحَانَهُ على العباد من الأحكام والأقدار والإيجاد والإعداد والإحياء والإماتة وغير ذلك، على مقتضى قضائه وقدره، لا يخرج شيء عنه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨].

стр. 174

الحكم الديني الشرعي: الله سُبْحَانَهُ الحاكم في خلقه بدينه وشرعه، أرسل رسله وأنزل كتبه وشرع شرائعه، وأمر الخلق أن يسيروا وفق حكمه في عقائدهم وأخلاقهم، وأقوالهم وأفعالهم، وظاهرهم وباطنهم، قال تَعَالَى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: ٤٠]، وقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٨، ى ١٩]، وقال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠]. ولم يجعل لأحد من خلقه أن يحكم في شرعه، بل الحكم له وحده، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦، ١١٧]، وقال: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٥٩، ٦٠]. الحكم الجزائي: الله سُبْحَانَهُ الحاكم بالجزاء على الأعمال خيرها وشرها، قال سُبْحَانَهُ: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]. فـ «إذا استمررتم على تكذيبكم، فاعلموا أن العذاب واقع بكم لا محالة، وهو عند الله، هو الذي ينزله عليكم، إذا شاء، وكيف شاء، وإن استعجلتم به،

стр. 175

فليس بيدي من الأمر شيء ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٧]، فكما أنه هو الذي حكم بالحكم الشرعي، فأمر ونهى، فإنه سيحكم بالحكم الجزائي، فيثيب ويعاقب، بحسب ما تقتضيه حكمته» (١). وأعظم ما يكون حكمه الجزائي وضوحًا وظهورًا: يوم الدين، قال تَعَالَى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١١، ١٢]، وقال: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦١، ٦٢] فيتولى سُبْحَانَهُ الحكم في عباده فيثيبهم على ما عملوا من الخيرات، ويعاقبهم على الشرور والسيئات جزاء وفاقًا (٢)، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [لقمان: ٨]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦]، وقال: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨].

стр. 176

وأحكامه الثلاثة كلها قائمة على العدل والقسط ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]. - قال السعدي ﵀: «أي: على عدل وقسط وحكمة وحمد في قضائه وقدره، وفي شرعه وأمره، وفي جزائه وثوابه وعقابه، لا تخرج أفعاله عن الصراط المستقيم التي يحمد ويثنى عليه بها - ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: ١]-» (١). كما أن أحكامه الثلاثة نافذة لا محالة، يحكم بما يشاء، ويقضي بما يريد ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]، فيقع حكمه كما شاء ولو عدمت الأسباب، حكم لإبراهيم ﵇ ولزوجه سارة بالولد، مع ما هم فيه من الكبر والعقم، قال تَعَالَى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات: ٢٩، ٣٠]، وكذا زكريا ﵇: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ٣٩، ٤٠]، وحكم لمريم بالولد من غير ما زوج، قال تَعَالَى: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢٠، ٢١] لا راد لقضائه، ولا ناقض لحكمه، ولا معقب له ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١]،

стр. 177

﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] كمل وحسن حكمه، فلا خلل ولا إخلال ولا جور ولا حيف؛ فلا يتوجه إليه سؤال، ولا يتعقبه متعقب، ولا يقدح فيه قادح (١). ب- وأما كمال حكمته: فهو الحكيم الذي وسعت حكمته كل شيء، فلا يخلق ولا يأمر أمرًا كونيًّا ولا شرعيًّا إلا لحكمة بالغة ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥]. قال الشيخ السعدي ﵀: «الحكيم: من له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق شيئًا إلا لحكمة، ولا أمر بشيء إلا لحكمة، والحكمةُ: وضع الشيء في موضعه اللائق به» (٢). فتبين من هذا أن حكمته سُبْحَانَهُ ثلاثة أنواع: الأول: حكمته سُبْحَانَهُ في خلقه وصنعه. الثاني: حكمته في قضائه وقدره. الثالث: حكمته سُبْحَانَهُ في دينه وشرعه. حكمته سُبْحَانَهُ في خلقه وصنعه: الله سُبْحَانَهُ الحكيم في خلقه، خلق خلقه جميعًا لحكمة، لا عبثًا ولا سدى، قال تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا

стр. 178

إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٦، ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ [ص: ٢٧]، وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٥، ١١٦]. قال الشيخ السعدي ﵀: «خلق الخلق بالحق، ومشتملًا على الحق، وكان غايته والمقصود به الحق، خلق المخلوقات كلها بأحسن نظام، ورتبها أكمل ترتيب، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، بل أعطى كل جزء من أجزاء المخلوقات، وكل عضو من أعضاء الحيوانات خلقته، وهيئته، فلا يرى أحد في خلقه خللًا، ولا نقصًا، ولا فطورًا، فلو اجتمعت عقول الخلق من أولهم إلى آخرهم ليقترحوا مثل خلق الرحمن أو ما يقارب ما أودعه في الكائنات من الحسن، والانتظام، والإتقان لم يقدروا، وأنى لهم القدرة على شيء من ذلك! وحسب العقلاء الحكماء منهم أن يعرفوا كثيرًا من حِكَمِه، ويطلعوا على بعض ما فيها من الحسن والإتقان، وهذا أمر معلوم قطعًا بما يعلم من عظمته، وكمال صفاته، وتتبع حكمه في الخلق، والأمر. وقد تحدى عباده، وأمرهم أن ينظروا، ويكرروا النظر، والتأمل هل يجدون في خلقه خللًا أو نقصًا، وأنه لا بد أن ترجع الأبصار كليلة عاجزة عن الانتقاد على شيء من مخلوقاته» (١). حكمته في قضائه وقدره: يحكم الله سُبْحَانَهُ في عباده بقضائه وقدره على وفق ما تقتضيه حكمته، فلا يصدر حكم عار عن حكمه ولا قضاء من غير علة، قال تَعَالَى

стр. 179

عن ليلة القدر: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٤، ٥]. فيهدي من يشاء ويضل من يشاء لحكمة، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقال: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ [القمر: ٥] قال ابن كثير ﵀: «أي: في هدايته تَعَالَى لمن هداه، وإضلاله لمن أضله» (١). ويتوب على من اقتضت حكمته ورحمته التوبة عليه، ويخذل من اقتضت حكمته وعدله من لا يصلح للتوبة، قال تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦]، وقال: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦] (٢). ويعطي ويمنع ويغني ويفقر لحكمة تامة، قال تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٨] (٣).

стр. 180

ويجعل لكل شيء قدرًا، ولكل أمر منتهى، بحسب ما تقتضيه حكمته الربانية: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ٨٣] (١). حكمته سُبْحَانَهُ في دينه وشرعه: يحكم الله سُبْحَانَهُ في عباده بشرعه أمرًا ونهيًا، وتحليلًا وتحريمًا لحكمة ومصلحة عائدة على العباد في الدارين، قال تَعَالَى في آيات الأحكام: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقال: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨]. اقتضت حكمته سُبْحَانَهُ أن لا يترك عباده هملًا ولا سدى، بل يبعث فيهم الرسل وينزل الكتب، فيأمرهم وينهاهم، قال تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢ - ٤] (٢). قال الشيخ السعدي ﵀: «شرع الشرائع، وأنزل الكتب وأرسل الرسل ليعرفه العباد، ويعبدوه، فأي حكمة أجلُّ من هذا، وأي فضل، وكرم أعظم من هذا؛ فإن معرفته تَعَالَى، وعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص العمل
следующие страницы →