وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَوْ: لَا إِلَهَ غَيْرُكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ» (١).
ثبوت اسمي الله (المقدم والمؤخر) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسمي الله (المقدم والمؤخر) في حق الله تَعَالَى:
- ابن القيم ﵀: يقول في نونيته:
وَهُوَ الْمُقَدِّمُ وَالْمُؤَخِّرُ ذَانِكَ الصْـ … ـصِفَتَانِ لِلْأَفْعَالِ تَابِعَتَانِ
وَهُمَا صِفَاتُ الذَّاتِ أَيْضًا إِذْ هُمَا … بِالذَّاتِ لَا بِالْغَيْرِ قَائِمَتَانِ (٢)
ابن عثيمين ﵀: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (٣).
معنى اسمي الله (المقدِّم - المؤخِّر) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الخطابي ﵀: «(المقدِّمُ) هو المنزل للأشياء منازلها، يقدم ما شاء منها ويؤخر ما شاء، قدم المقادير قبل أن يخلق الخلق، وقدم من أحب من أوليائه على غيرهم من عبيده، ورفع الخلق بعضهم فوق بعض درجات، وقدم
стр. 1752
من شاء بالتوفيق إلى مقامات السابقين، وأخر من شاء عن مراتبهم وثبطهم عنها، وأخر الشيء عن حين توقعه؛ لعلمه بما في عواقبه من الحكمة، لا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم» (١).
قال الحليمي ﵀: «المقدِّمُ هو المعطي لعوالي الرُّتَب، والمؤخِّرُ هو الدافع عن عوالي الرُّتب» (٢).
قال النووي ﵀: «يقدِّم من يشاء من خلقه إلى رحمته بتوفيقه، ويؤخر من يشاء عن ذلك لخذلانه» (٣).
قال السعدي ﵀: «المقدِّمُ والمؤخِّرُ من أسمائه الحسنى المزدوجة المتقابلة التي لا يُطْلَقُ واحد بمفرده على الله إلا مقرونًا بالآخَر؛ فإن الكمال من اجتماعهما؛ فهو تَعَالَى المقدِّم لمن شاء، والمؤخِّر لمن شاء بحكمته» (٤).
قال الإمام ابن القيم ﵀:
وَهُوَ الْمُقَدِّمُ وَالْمُؤَخِّرُ ذَانِكَ الصْـ … ـصِفَتَانِ لِلْأَفْعَالِ تَابِعَتَانِ
وَهُمَا صِفَاتُ الذَّاتِ أَيْضًا إِذْ هُمَا … بِالذَّاتِ لَا بِالْغَيْرِ قَائِمَتَانِ (٥)
стр. 1753
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المقدِّم - المؤخِّر):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (المقدم المؤخر) من الصفات، ودلالتهما على التوحيد:
الله سُبْحَانَهُ هو المقدم المؤخر بعلم وحكمة، فهو العليم الخبير المحيط القدير سُبْحَانَهُ، يدبر الكون كيفما شاء، ويمكن تقسيم تقديمه وتأخيره سُبْحَانَهُ على نوعين، وهما:
تقديم وتأخير كوني.
تقديم وتأخير شرعي.
يقول السعدي ﵀ في ذلك: «وهذا التقديم يكون كونيًّا كتقديم بعض المخلوقات على بعض، وتأخير بعضها على بعض، وكتقديم الأسباب على مسبباتها، والشروط على مشروطاتها، وأنواع التقديم والتأخير في الخلق والتقدير بحر لا ساحل له، ويكون شرعيًّا كما فضَّل الأنبياء على الخلق، وفضَّل بعضهم على بعض، وفضَّل بعض عباده على بعض، وقدَّمهم في العلم، والإيمان، والعمل، والأخلاق، وسائر الأوصاف، وأخَّر مَن أخَّر منهم بشيء من ذلك، وكلُّ هذا تبعٌ لحكمته» (١).
ويقول ابن القيم ﵀: «والله قدَّم بعضًا من مخلوقاته على بعض في الخلق والإيجاد، ففي الحديث: (أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ ﵎ الْقَلَمُ)، (٢)
стр. 1754
وخلق السموات والأرض في ستة أيام، وقدَّمَ خلق الملائكة على خلق الإنس والجن، وتقدَّم خلق الجن على خلق الإنس ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧]، وأول البشر خلقًا آدمُ ﵇، ثم تتابَع بنيه في الخلق والوجود، فمنهم المتقدِّم، ومنهم المتأخِّر، وهذا التقديم كوني قدري، ولا يلزم منه أن يكون المتقدِّم أفضل مِن المتأخِّر، فآدم خُلِق في آخر الأيام الستة، وله فضل هو وبنوه على كثير ممن تقدَّمهم في الخلق ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]»، أما التقديم والتأخير الشرعي الديني، فكتقديم الأذان على الصلاة، وخطبة الجمعة على صلاة الجمعة، وصلاة العيد على خطبة العيد.
وحري بمن عرف اسمي الله المقدم والمؤخر، وآمن بهما أن يوحده سُبْحَانَهُ بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ويستغني به عن خلقه، ويسأله وحده بهذين الاسمين خيري الدنيا والآخرة.
الأثر الثاني: المقدَّم مَن قدَّمَهُ اللهُ ورفعه:
إن ميزان التقديم والتأخير، والحب والبغض، والولاء والبراء هو ميزان الله في ذلك كله، لا كما يزن به أكثر الناس اليوم، حين يقدمون أهل الجاه والمال والرئاسات وغيرها من أعراض الدنيا على غيرهم من أهل الدين والتقوى، وهذا يخالف ميزان الله في التقديم والتأخير، قال الله : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]، ولقد كان الرسول
стр. 1755
ﷺ وأصحابه الكرام يسيرون بهذا الميزان في تقديم الرجال والمواقف وغيرها.
«جاء في سيرة عمر بن الخطاب ﵁ أن سهيل بن عمرو بن الحارث بن هشام، وأبا سفيان بن حرب ﵄ وجماعة من كبراء قريش من الطُّلَقاء استأذنوا على عمر بن الخطاب ﵁، فأذن قبلهم لصهيب وبلال؛ لأنهما كانا من السابقين إلى الإسلام ومن أهل بدر، فوجد أبو سفيان في نفسه، وقال بانفعال: لم أر كاليوم قط؛ يأذن لهؤلاء العبيد ويتركنا على بابه! فيقول له صاحبه- وقد استقرت في حسِّه حقيقة الإسلام-: أيها القوم، إني- والله- أرى في وجوهكم، إن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، دُعي القوم إلى الإسلام ودُعيتم فأسرعوا وأبطأتم، فكيف إذا دعوا يوم القيامة وتُرِكتم؟
ويفرض عمر ﵁ لأسامة بن زيد أكبر مما يفرض لعبد الله بن عمر، حتى إذا سأله عبد الله عن سر ذلك، قال له: لِأَنَّ زَيْدًا كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَبِيكَ، وَكَانَ أُسَامَةُ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ مِنْكَ، فَآثَرْتُ حِبَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى حِبِّي» (١).
هذا هو المؤمن الحق الذي يعز من أعز الله بطاعته من إخوانه المؤمنين، مقياسه: التقوى والإيمان، وعن سهل بن سعد قال: «مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ: هَذَا وَاللهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ:
стр. 1756
فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا» (١).
الأثر الثالث: الإيمان بحكمة المقدم المؤخر سُبْحَانَهُ:
فلله الحكمة البالغة في تقديم ما قدم وتأخير ما أخَّر، وأي أمر قدَّم أو أخَّر فإنما هو بعلم الله تَعَالَى وإرادته وحكمته البالغة، وهذا يشمل كل شيء قدم أو فضل على غيره، أو أخر عنه، ومن ذلك: تقديم الآجال وتأخيرها، وتقديم أو تفضيل بعض الأزمنة والأمكنة على بعضها، وتقديم بعض خلقه وتفضيلهم على بعض، وتقديم إيجاد شيء على شيء آخر، وتقديم عقوبة أقوام وتأخير آخرين، وكذلك فيما يحصل للمؤمن من تقديم أمر لا يحب تقديمه أو تأخير أمر يكره تأخيره، فإن مقتضى هذين الاسمين الكريمين ومقتضى حكمته سُبْحَانَهُ يجعل المؤمن يرضى ويسلم ويعتقد بأن الخيرة فيما اختاره الله له من تقديم أو تأخير، وقد يكون في ذلك الرحمة واللطف وهو لا يشعر.
الأثر الرابع: محبة الله المقدِّم المؤخِّر:
الإيمان بأنه سُبْحَانَهُ المقدم والمؤخر يثمر في قلب المؤمن محبة لله وحده، والتعلق به؛ لأنه مهما حاول البشر من تقديم أمر لم يرد الله تقديمه، أو تأخير أمر لم يرد الله تَعَالَى تأخيره فلن يستطيعوا، وهذا يجعل القلب يتعلق بمحبة الله؛ لأنه وحده القادر على كل شيء، والنفس بطبيعتها
стр. 1757
تميل إلى محبة صاحب القدرة والعلم، والله تَعَالَى هو المقدم المؤخر بعلمه وقدرته، لا رادَّ لتقديمه أو تأخيره، ولا مُعَقِّبَ لحكمه.
الأثر الخامس: التقدم الحقيقي هو التقدم في الطاعات:
إن التقدم الحقيقي النافع هو التقدم في طاعة الله وجنته ومرضاته، والتأخر عن ذلك هو التأخر الحقيقي المذموم، فقد قال رسول الله ﷺ : «لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ فِي النَّارِ» (١)، وقال ﷺ : «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا» (٢).
وفي كتاب الله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]
أما التقدم في الدنيا والتأخر عنها فليس بمقياس للتقدم والتأخر؛ ولذا ينبغي للمسلم أن يتوسل إلى ربه سُبْحَانَهُ بهذين الاسمين الكريمين؛ لنيل التقدم الحقيقي عنده سُبْحَانَهُ، وترك كل ما يؤخر عن جنته ومرضاته.
يقول الإمام ابن القيم ﵀: «فالعبد سائر لا واقف، فإما إلى فوق، وإما إلى أسفل، وإما إلى أمام، وإما إلى وراء، وليس في الطبيعة، ولا في الشريعة وقوف البتة، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع
стр. 1758
ومبطئ، ومتقدم ومتأخر، وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير، وفي السرعة والبطء: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر: ٥٣ - ٧٣] ولم يذكر واقفًا؛ إذ لا منزل بين الجنة والنار، ولا طريق لسالك إلى غير الدارين البتة، فمن لم يتقدم إلى هذه بالأعمال الصالحة فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة.
فإن قلت: كلُّ مُجَدٍّ في طلب شيء لا بد أن يعرض له وقفة وفتور، ثم ينهض إلى طلبه، قلت: لا بد من ذلك، ولكن صاحب الوقفة له حالان: إما أن يقف ليجمَّ نفسه، ويعدها للسير، فهذا وقفته سير، ولا تضره الوقفة؛ فـ «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ» (١)، وإما أن يقف لداع دعاه من ورائه، وجاذب جذبه من خلفه، فإن أجابه أخره ولا بد! فإن تداركه الله برحمته، وأطلعه على سبق الراكب له وعلى تأخره، نهض نهضة الغضبان الآسف على الانقطاع، ووثب واشتد سعيًا ليلحق الركب، وإن استمر مع داعي التأخر، وأصغى إليه لم يرض برده إلى حالته الأولى من الغفلة، وإجابة داعي الهوى حتى يرده إلى أسوأ منها وأنزل دركًا» (٢).
ويكفي السابقين أن جُعلوا من المقربين، كما قال تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]، فما من عبد سابق إلى الطاعات إلا فاز بالتقريب من رب البريات.
стр. 1759
وفي كتاب الله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]، والسابقون في الدنيا إلى الإيمان والأعمال والخيرات هم السابقون في الآخرة لدخول الجنات، وهم المقربون عند الله في جنات النعيم في أعلى عليين.
وهم الذين يعطون من أنفسهم مما أمروا به من كل ما يقدرون عليه من صلاة وزكاة، وصيام وحج، وطاعات وأعمال صالحة.
ومع هذا قلوبهم وجلة وخائفة عند عرض أعمالها على ربها، والوقوف بين يديه؛ خشية أن تكون أعمالهم غير منجية من عذاب الله؛ لكمال علمهم بربهم، وما يستحقه من أنواع العبادات، السابقون هم أعلى الخلق درجات، وأعلاهم مقامات.
والسابق بالخيرات همه في تحصيل الأرباح، وشد أحمال التجارات؛ لعلمه بمقدار الربح الحاصل، فيرى خسرانًا أن يدخر شيئًا مما بيده ولا يتجر به، فيجد ربحه يوم يغتبط التجار بأرباح تجارتهم، ويرى خسرانًا بينًا أن يمر عليه وقت في غير متجر.
والسابقون بالخيرات نوعان: أبرار ومقربون، «فالسابقون المقربون جملة أمرهم: أنهم قوم امتلأت قلوبهم من معرفة الله، وغمرت قلوبهم محبة الله وخشيته، ومراقبته وإجلاله، فسرت المحبة في قلوبهم وأبدانهم، فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحب، وقد أنساهم حبه ذكر غيره، وأوحشهم أنسهم به ممن سواه، قد استغنوا بحبه عن حب ما سواه، وبذكره عن ذكر ما سواه، وبخوفه ورجائه عن خوف ورجاء من سواه، وصارت رغبتهم إليه، وتوكلهم عليه، ورهبتهم منه، وإنابتهم إليه، وسكونهم إليه، وانكسارهم بين
стр. 1760
يديه، فلم يتعلقوا بشيء من ذلك بغيره» (١).
ولا يزال العبد الموفق يتقرب من ربه حتى يحتفي الله به، يقول تَعَالَى على لسان إبراهيم ﵇: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧] أي: رحيمًا رءوفًا بحالي، معتنيًا بي، كثير الحفاوة بي والإكرام لي؛ لعلم إبراهيم مقام ربه في قلبه، وحبه له، فإذا أراد العبد أن يعرف أين هو من الله فلينظر أين الله منه؟ فإذا أراد الله أن يقدم عبدًا رفعه درجات بطاعته ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
فإذا تيقن المؤمن ذلك وعلم أن الله هو المقدم والمؤخر لم يطلب لنفسه جاهًا أو مالًا أو منصبًا ليتقدم به، وإنما يتقدم بقربه من ربه، وبحرص أن يقدم من قدمه الله.
ومن أراد أن يقدمه الله ويرفعه، فعليه أن يأخذ بأسباب التقديم، وهي:
الحرص على الأعمال الصالحة، يقول تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ وقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، فلا يزال العبد يرتفع عمله حتى يرفع الله ذكره، فيعرف عند الملائكة، ويطرح قبوله وذكره في الأرض، وفي الحديث الصحيح حين أثنى الناس على جنازة، قال رسول الله ﷺ : «نَعَمْ يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِلهِ مَلَائِكَةً تَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَةِ بَنِي آدَمَ بِمَا فِي الْمَرْءِ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ» (٢) وإن من عباد
стр. 1761
الله من هو في الأرض وذكره في السماء، قد عمرت دوره في الفردوس الأعلى، ألم يصح: «أَصْبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَعَا بِلَالًا، فَقَالَ: يَا بِلَالُ، بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَطُّ إِلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي، دَخَلْتُ الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي! فَقَالَ بِلَالٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَذَّنْتُ قَطُّ إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهَا، وَرَأَيْتُ أَنَّ لِلهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْن، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : بِهِمَا» (١)، وفي الحديث الآخر: «بَيْنَا أَنَا فِي الْجَنَّةِ سَمِعْتُ صَوْتَ رَجُلٍ بِالْقُرْآنِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، كَذَلِكَ الْبِرُّ، كَذَلِكَ الْبِرُّ، كَذَلِكَ الْبِرُّ، وَكَانَ حَارِثَةُ مِنْ أَبَرِّ النَّاسِ» (٢)، ورأى ﷺ قصرًا في الجنة، فسأل عنه، فأخبرته الملائكة أنه قصر عمر بن الخطاب ﵁ (٣)، فقدم نفسك في الخير؛ لترفعها بالدرجات العلى، وأعد لك مستقبلًا عامرًا في الجنة.
العناية بكتاب الله تلاوةً وحفظًا وتدبرًا وتطبيقًا، فعن عامر بن واثلة: «أن نافع بن عبد الحارث لقي عمر بعسفان- وكان عمر يستعمله على مكة- فقال: من استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولًى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولًى؟! قال: إنه قارئ لكتاب
стр. 1762
الله ، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إن نبيكم ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» (١).
طلب العلم والإخلاص فيه، يقول تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
التخلق بالأخلاق الفاضلة الحسنة، عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ» (٢)، ومن ذلك التواضع، وخفض الجناح للمؤمنين، في صحيح مسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ» (٣)، وفيه: «وَإِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ» (٤)، وفي الطبراني: «مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلَّا فِي رَأْسِهِ حِكْمَةٌ (٥) بِيَدِ مَلَكٍ، فَإِذَا تَوَاضَعَ قِيلَ لِلْمَلَكِ: ارْفَعْ حِكْمَتَهُ، وَإِذَا تَكَبَّرَ قِيلَ لِلْمَلَكِ: ضَعْ حِكْمَتَهُ» (٦).
стр. 1763
الأثر السادس: التقديم والتأخر يوم القيامة في دخول الجنة:
أعظم تقديم وتأخير للمقدم المؤخر سُبْحَانَهُ هو ما كان في يوم القيامة، وهذا من عظيم عدله، فإن من كان سابقًا للخيرات مسارعًا للطاعات في الدنيا يسبق الناس في دخول الجنة، ويقدمه الله على رؤوس الأشهاد، ومن تأخر عن ربه أُخِّر يوم القيامة، وفي صحيح مسلم حديث طويل في تفاوت الناس في عبورهم الصراط إلى الجنة بقدر أعمالهم، الشاهد منه: « ..... فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا ﷺ ، فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ، قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ؟ ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ، تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ، يَقُولُ: رَبِّ، سَلِّمْ سَلِّمْ، حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا - قَالَ: وَفِي حَافَتَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ بِأَخْذِ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ نَاجٍ، وَمَكْدُوسٌ فِي النَّارِ»، والذي نفس أبي هريرة بيده، إن قعر جهنم لسبعون خريفًا (١).
وقد بين النبي ﷺ حال وصفة أول زمرة تدخل الجنة، وحال آخر من يدخلها أيضًا، فيقول ﷺ في وصف حال السابقين: «إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمُ الْأَلُوَّةُ الْأَنْجُوجُ
الأثر السابع: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]:
الإيمان بالمقدم المؤخر سُبْحَانَهُ يجعلنا نؤمن بحكمته في تأخيره لعذاب من تجبر وتكبر، فيفسح لهم الزمان ويمد لهم في الأعمار حتى تنقطع حجتهم، فإن تابوا ورجعوا فهو الغفور الرحيم، وإن أصروا واستكبروا لم يُعجِزُوه، تأمل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٤٣]، فهو سُبْحَانَهُ يؤخِّر العقوبة لحكمة بالغة، ويُقَدِّمُ المكافأة لحكمة بالغة.
ومن الحكم في تأخير العقوبة:
رحمة من الله تَعَالَى بالظالم؛ حتى يتدارك خطأه فيتوب إليه ويندم على ما فعله، قال تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٩]، وقد أرسل الله نبيه موسى ﵇ إلى فرعون وقد ظلم وزاد في ظلمه حتى طغى، فقال تَعَالَى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣، ٤٤] فالآية الكريمة توضح إمكانية رجوع هذه الطاغية، بإرسال الرسل إليه لينصحوه.
استدراج من الله تَعَالَى، فإذا أراد الله بالظالم شرًّا استدرجه، ومدَّ له، ثم أخذه أخذ عزيز مقتدر، عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]» (١).
стр. 1766
تسلُّط الظالمين بعضهم على بعض، ومن الأدعية المشهورة «اللهم أهلك الظالمين بالظالمين»، قال عز من قائل: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، فما من ظالم إلا ويُبتلى بأظلم منه؛ لنجد في النهاية أنهم يفنون بعضهم البعض في الدنيا، وينالون أشد العذاب في الآخرة.
فتح باب من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين المؤمنين، فعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» (١).
معرفة المؤمنين لشره، وإدراكهم خطورته؛ ومِن ثَمَّ يلتجئون إلى ربهم فيدعونه، ليكفيهم هذا الشرَّ، فلو عوقب الظالم فور ظلمه لما شعر الناس بالشر ولما خافوا من الظلم والظالمين.
الأثر الثامن: دعاء الله المقدِّم المؤخِّرِ:
ومن علم معنى اسم الله المقدم المؤخر تضرع لله به، و ولقد كان مِن هدي النبيِّ ﷺ أن يدعو الله بهذين الاسمين المشَرَّفين؛ فعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن النبي ﷺ ، أنه كان يدعو بهذا الدعاء: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَحْجُزُهُ أَوْ تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» (٢)، وعن علي بن أبي طالب ﵁ في وصفه لصلاة
стр. 1767
النبي ﷺ إذ يقول: «ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: (اللهمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» (١)، ومما رواه ابن عباس ﵄، قال: «كان النبي ﷺ إذا قام من الليل يتهجد، قال: اللهمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللهمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ- أو: لَا إِلَهَ غَيْرُكَ- قال سفيان: وزاد عبد الكربم أبو أمية: وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله» (٢).
فاللهم إنا نسألك أن ترفع لنا الدرجات، وأن تقربنا منك، وأن تغفر لنا الخطأ والزلل.
стр. 1768
المَنَّانُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «المَنُّ: القَطْعُ، ويقال: النقص، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨] … ومن عليه منا: أنعم، والمنان، من أسماء الله تَعَالَى. ومَنَّ عليه مِنَّةً، أي: امْتَنَّ عليه» (١).
قال ابن فارس ﵀: «الميم والنون أصلان، أحدهما: يدل على قطع وانقطاع، والآخر: على اصطناع خير.
الأول (المنُّ): القطعُ، ومنه يقال: مننتُ الحبلَ: قطعتُهُ.
والأصل الآخر (المنُّ)، تقول: مَنَّ يَمُنُّ مَنًّا، إذا صنع صنعًا جميلًا، ومن الباب: المنَّةُ، وهي القوة التي بها قوام الإنسان» (٢).
ورود اسم الله (المنان) في القرآن الكريم:
لم يرد اسم المنان في كتاب الله .
стр. 1769
ورود اسم الله (المنان) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (المنان) في السنة النبوية، في عدة مواضع وأحاديث؛ ومن وروده ما يلي:
حديث أنس ﵁: أنه كان مع رسول الله ﷺ جالسًا ورجل يصلي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي ﷺ : «لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (١).
ثبوت اسم الله (المنان) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسم الله المنان في حق الله تعالى:
- ابن القيم ﵀: يقول في ذلك: «فإذا وصل إلى القلب نور صفة المنة، وشهد معنى اسمه المنان … » (٢)
- ابن عثيمين ﵀: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (٣).
معنى اسم الله (المنان) في حقه سُبْحَانَهُ:
يدور اسم الله المنان على معنيين:
١ - كثير النعم والعطايا.
стр. 1770
٢ - المانُّ على عباده بما أولاهم من النعم.
وحول هذه المعاني تدور أقوال العلماء:
فمن الأقوال في المعنى الأول:
قال الخطابي ﵀: «وأما المنان: فهو كثير العطاء، والمن: العطاء لمن لا تستثيبه» (١).
وقال الحليمي ﵀: «ومنها المنان: وهو عظيم المواهب، فإنه أعطى الحياة والعقل والنطق وصور فأحسن الصور، وأنعم فأجزل، وأسنى النعم وأكثر العطايا والمنح، قال- وقوله الحق-: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾» (٢).
قال شيح الإسلام ابن تيمية ﵀: «والمنَّان: الذي يجود بالنوال قبل السؤال» (٣).
وقد أنكر بعض العلماء المعنى الثاني، وقال: المنة تكدر النعمة، كما نقل ابن القيم ﵀ عنهم، وقد رد عليهم هذا الإنكار وأبطله، فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦]: «وقوله ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦]، أي: غير مقطوع، ولا منقوص، ولا مكدَّر عليهم، وهذا هو الصواب.
وقالت طائفة: غير ممنون به عليهم، بل هو جزاء أعمالهم، ويُذكَرُ هذا عن عكرمة ومقاتل، وهو قول كثير من القدرية، قال هؤلاء: إن المنة تُكَدِّرُ
стр. 1771
النعمةَ، فتمام النعمة أن يكون غيرَ ممنونٍ بها على المنعَم عليه.
وهذا القول خطأ قطعًا، أُتي أربابُهُ من تشبيه نعمة الله على عبده بإنعام المخلوق على المخلوق، وهذا من أبطل الباطل؛ فإن المنة التي تُكَدِّرُ النعمةَ هي منة المخلوق على المخلوق، وأما منة الخالق على المخلوق ففيها تمام النعمة، ولذتها، وطيبها؛ فإنها منة حقيقية، قال تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٤ - ١١٥]؛ فتكون منةً عليهما بنعمة الدنيا، دون نعمة الآخرة، وقال أهل الجنة: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: ٢٧]، وفي الصحيح أن النبي ﷺ قال للأنصار: (أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي، وَمُتَفَرِّقِينَ فَجَمَعَكُمُ اللهُ بِي، وَيَقُولُونَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ فَقَالَ: أَلَا تُجِيبُونِي؟ فَقَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ) (١)؛ فهذا جواب العارفين بالله ورسوله ﷺ ، وهل المنة إلا لله المان بفضله، الذي جميع الخلق في منته؟ وإنما قبحت منة المخلوق؛ لأنها منة بما ليس منه، وهي منة يتأذى بها الممنون عليه، وأما منة المنان بفضله التي ما طاب العيش إلا بمنته، وكل نعمة منه في الدنيا والآخرة فهي منة يمن بها على من أنعم عليه، فتلك لا يجوز نفيها.
وكيف يجوز أن يقال: إنه لا منة لله على الذين آمنوا وعملوا الصالحات في دخول الجنة؟ وهل هذا إلا من أبطل الباطل؟! فإن قيل: هذا القدر لا يخفى على من قال هذا القول من العلماء، وليس مرادهم ما ذكر، وإنما مرادهم:
стр. 1772
أنه لا يمن عليهم به، بل يقال: هذا جزاء أعمالكم التي عملتموها في الدنيا، وهذا أجركم، فأنتم تستوفون أجور أعمالكم لا نمن عليكم بما أعطيناكم، قيل: وهذا- أيضًا- هو الباطل بعينه؛ فإن ذلك الأجر ليست الأعمال ثمنًا له، ولا معاوضةً عنه، وقد قال أعلم الخلق بالله ﷺ : (لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ) (١)؛ فأخبر أن دخول الجنة برحمة الله وفضله، وذلك محض مِنَّتِهِ عليه، وعلى سائر عباده، وكما أنه سُبْحَانَهُ المانُّ بإرسال رسله، وبالتوفيق لطاعته، وبالإعانة عليها، فهو المانُّ بإعطاء الجزاء، وذلك كله محضُ مِنَّته وفضله وجوده، ولا حق لأحد عليه» (٢).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (المنان):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (المنان) من الصفات:
الله سُبْحَانَهُ هو المنان كثير العطاء، عظيم المواهب، واسع الإحسان، يُدِرُّ العطاء على عباده، ويوالي النعماء عليهم، فلا يبلغون شكرها فضلًا عن إحصائها ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨].
وهو المنان الذي شهدت الخليقة كلها برها وفاجرها بإحسانه وعظيم نواله، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وسعة رحمته وبِرِّه ولطفِه، وإجابته لدعوات المضطرين، وكشف كربات المكروبين، وإغاثة الملهوفين، ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها، وصرفِها بعد وقوعها، ولطفِه تَعَالَى في ذلك
стр. 1773
إلى ما لا تبلغه الآمال، كل ذلك تفضلًا منه وتكرمًا ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٨] لا طلبًا لأجر أو رزقًا، قال تَعَالَى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٧] (١).
وهو المنَّان المحسن إلى العباد والمنعم عليهم من غير أن يطلب الجزاء على إحسانه إليهم، بل من عظيم إحسانه أوجب لعباده حقًّا عليه، منةً منه وتكرمًا إن هم وحدوه في العبادة ولم يشركوا به شيئًا، فعن معاذ بن جبل ﵁، قال: «كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ- فَقَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ» (٢).
وهو المنَّان الذي يمن على عباده بما أعطى وأولى،، له المنة ولا منَّة لأحد عليه، المنان على الإطلاق، قال القرطبي ﵀: «فيجب على كل مسلم أن يعلمَ أن لا منَّانَ على الإطلاق إلَّا الله وحده، الذي يبدأ بالنَّوال قبل السؤال» (٣).
стр. 1774
والمنان قد منَّ على عباده بنعمه العظيمة، وعطاياه الكريمة، ومن ذلك:
- منته على عباده المؤمنين بالهداية لهذا الدين، والإخراج من ظلمات الشرك والكفر برب العالمين، قال تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧].
وهذه النعمة والمنَّة أعظم منَّة يمن الله بها على عباده، قال ابن القيم ﵀ موضحًا لها: «وهدايته خاصته وعباده إلى سبل دار السلام، ومدافعته عنهم أحسن الدفاع وحمايتهم عن مراتع الآثام، وحبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكرَّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه وأعطاهم قبل أن يسألوه … وذكرهم بآلائه وتعرف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم وإحسانًا
стр. 1775
لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عما نهاهم عنه حماية وصيانة لهم لا بخلًا منه عليهم، وخاطبهم بألطف الخطاب وأحلاه، ونصحهم بأحسن النصائح، ووصاهم بأكمل الوصايا، وأمرهم بأشرف الخصال ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال … وصرف لهم الآيات، وضرب لهم الأمثال، ووسع لهم طرق العلم به ومعرفته، وفتح لهم أبواب الهداية، وعرفهم الأسباب التي تدنيهم من رضاه وتبعدهم عن غضبه» (١).
- منته على هذه الأمة ببعث رسول الله ﷺ لهم، صفوة رسله وخيرة أنبيائه ﷺ ، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢].
وقد ذكَّر رسول الله ﷺ الأنصار بهذه المنَّة العظيمة، فقال: «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمُ اللهُ بِي؟ كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ» (٢).
قال ابن حجر ﵀ في الفتح-: «وقد رتَّب ﷺ ما مَنَّ الله عليهم على يده من النعم ترتيبًا بالغًا، فبدأ بنعمة الإيمان- التي لا يوازيها شيء من أمر الدنيا- وثَنَّى بنعمة الأُلفة، وهي أعظم من نعمة المال؛ لأن
стр. 1776
الأموال تبذلُ في تحصيلها وقد لا تحصل، وقد كانت الأنصار قبل الهجرة في غاية التنافر والتقاطع؛ لما وقع بينهم من حرب بُعاث وغيرها، فزال ذلك كلُّه بالإسلام، كما قال الله تَعَالَى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]» (١).
- منته على أنبيائه ورسله وعباده المؤمنين بالتمكين، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٤ - ١١٨]، وقال تَعَالَى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ - ٦].
ومن ذلك: منته على يوسف بعدم تضييع صبره وتقواه، بل أورثه حُسن العاقبة والتمكين في الأرض، قال تَعَالَى عن يوسف عليه وسلم متذكرًا هذه المنة: ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٠].
- منته على عباده المؤمنين بدخول الجنة، والنجاة من النار، قال تَعَالَى حاكيًا عن أهل الجنة استشعارهم لهذه المنة العظيمة والعطية الجزيلة: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٦ - ٢٨]،
стр. 1777
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] (١).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (المنَّان) على التوحيد:
إذا عرف العبد ربه باسمه المنان، وعلم أنه وحده ولي المنِّ والعطاء صاحب الهبة والنعماء، صغيرها وكبيرها ظاهرها وباطنها منه وحده، لا يشاركه فيها أحد، كما قال تَعَالَى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] (٢) علم أنه لا يستحق أحد أن يعبد إلا هو ﵎.
وقد نبه الله عباده على هذا المعنى، فقال: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥١ - ٥٤]، قال السعدي ﵀: «يأمر تَعَالَى بعبادته وحده لا شريك له، ويستدل على ذلك بانفراده بالنعم والوحدانية، فقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ …
﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ من أهل الأرض أو أهل السماوات، فإنهم لا يملكون لكم ضرًّا ولا نفعًا، والله المنفرد بالعطاء والإحسان ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ﴾ ظاهرة وباطنة ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ لا أحد يشركه فيها، ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ من فقر ومرض وشدة ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ أي: تضجون بالدعاء والتضرع لعلمكم أنه لا يدفع
стр. 1778
الضر والشدة إلا هو، فالذي انفرد بإعطائكم ما تحبون، وصرف ما تكرهون، هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده» (١).
وذم سُبْحَانَهُ المشركين على عبادتهم لغيره مع أنه المنعم، فقال: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣] قال ابن كثير ﵀: «يعرفون أن الله تَعَالَى هو المسدي إليهم ذلك، وهو المتفضل به عليهم، ومع هذا ينكرون ذلك، ويعبدون معه غيره، ويسندون النصر والرزق إلى غيره» (٢).
الأثر الثالث: التوكل على الله المنان:
إذا عرف العبد اسم الله (المنان) وأن ما يتقلب فيه من النعيم من أثر منته ﵎ عليه لا بحوله وقوته ولا بحول وقوة مخلوق مثله، وإنما المنة لله وحده؛ أورثه ذلك التطامن والاعتراف بالضعف والنقص والعجز، وأنه لو وكل إلى نفسه أو غيره طرفة عين لخاب وخسر وهلك.
قال ابن القيم ﵀: «إذا وصل إلى القلب نورُ صفة المِنَّةِ، وشهد معنى اسمه (المنَّان)؛ وتجلَّى سُبْحَانَهُ على قلب عبده بهذا الاسم مع اسمه (الأول) - ذهِلَ القلبُ والنفسُ به؛ وصار العبد فقيرًا إلى مولاه بمطالعة سبق فضله الأول، فصار مقطوعًا عن شهود أمر أو حال ينسبه إلى نفسه» (٣).
стр. 1779
وهذا يثمر في قلب العبد التوكل على الله، والتعلق به، وقطع التعلق بالأسباب والركون إليها؛ فالأسباب إنما أثرت ونفعت بمنته وإذنه، ولولا ذلك لم تجد على فاعلها شيئًا.
فالمانُّ بكل خير هو الله وحده مسبب الأسباب، والقاهر لكل شيء، والفعال لما يريد فوجب التوكل عليه وحده وتفويض الأمور إليه.
الأثر الرابع: محبة الله المنان:
إذا تدبر المرء في اسم الله (المنان) وتأمل في عظيم مواهبه، وكثير عطاياه ومنحه، وما أسبغ به على العباد من النعم مع كثرة معاصيهم وذنوبهم؛ أوجب له ذلك محبته والشوق إليه؛ فإن القلوب فُطِرَت على محبة من يحسن إليها، ولا أعظم إحسانًا وإنعامًا من المنَّان ﵎.
الأثر الخامس: شكر الله المنان:
إذا تأمل العبد في اسم الله المنان، وتفكر فيما منَّ عليه به من الهداية للإسلام، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتكريمه بالعقل، والسمع والبصر، والصحة والمعافاة، والأمن والاستقرار، إلى غير ذلك من ألوان النعم والمنن التي تفضل بها المنان قبل السؤال والطلب؛ أوجب له ذلك حمده ﵎ على نعمه، وشكره علي آلائه ومننه بالقلب واللسان والجوارح، وإعمالها في طاعته والتقرب إليه، وحفظها من أن تستعمل في معصيته، أو أن تنسب لأحد غيره، قال تَعَالَى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل: ٨٣]، أي: بإضافتهم النعمة إلى غير المنعِم (١).
стр. 1780
الأثر السابع: المنة لله سُبْحَانَهُ:
المنَّة بالعطية إنما تكون لله وحده، وليست لأحد من الخلق؛ لذا نهى الله ورسوله ﷺ أن يتصف المؤمن بها وأن يؤذي الخلق بهذا الخُلق الذميم، قال الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]، قال ابن عباس ﵄: «لا تعط العطية؛ تلتمس أكثر منها» (١).
قال السعدي ﵀: «لا تمنُنْ على الناس بما أسديتَ إليهم من النعم الدينية والدنيوية، فَتَتَكَثَّر بتلك المنة، وترى لك الفضل عليهم بإحسانك المنة، بل أحسِن إلى الناس مهما أمكنَك، وانْسَ عندهم إحسانك، ولا تَطْلُب أجرَه إلا من الله تَعَالَى، واجعل مَن أحسنت إليه وغيرَه على حَدٍّ سواء» (٢).
قال ﷺ : «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» (٣)، وقال أيضًا ﷺ : «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ» (٤).
стр. 1781
وعلَّة هذا النهي بيَّنها ابن القيم ﵀، فقال: «وحظر الله على عباده المَنَّ بالصنيعة، واختصَّ به صفةً لنفسه؛ لأنَّ مَنَّ العبادِ تكديرٌ وتعييرٌ، ومَنُّ الله إفضالٌ وتذكيرٌ، وأيضًا: فإنه هو المنعم في نفس الأمر، والعباد وسائط، فهو المنعم على عبده في الحقيقة.
وأيضًا فالامتنان استعباد وكسر وإذلال لمن يَمُنُّ عليه، ولا تصلح العبودية والذل إلا لله.
وأيضًا فالمِنَّة أن يشهد المعطي أنه رب الفضل والإنعام، وأنه ولي النعمة ومسديها، وليس ذلك في الحقيقة إلا لله.
وأيضًا فالمان بعطائه يشهد نفسَه مترفعًا على الآخذ، مُستعليًا عليه، غنيًّا عنه عزيزًا، ويشهد ذل الآخذ وحاجته إليه وفاقته، ولا ينبغي ذلك للعبد.
وأيضًا فإن المعطي قد تولى الله ثوابه، ورد عليه أضعاف ما أعطى، فبقي عوض ما أعطى عند الله، فأي حق بقي له قبل الآخذ؟ فإذا امتن عليه فقد ظلمه ظلمًا بينًا، وادعى أن حقه في قلبه، ومن هنا- والله أعلم- بطلت صدقته بالمن؛ فإنه لما كانت معاوضته ومعاملته مع الله، وعوض تلك الصدقة عنده، فلم يرض به، ولاحظ العوض من الآخذ، والمعاملة عنده، فمنَّ عليه بما أعطاه؛ أبطل معاوضته مع الله ومعاملته له» (١).
واتصاف المخلوق بالمنة على نوعين أوضحهما ابن القيم ﵀ أيضًا- في كلامه عن المنفقين وأنواعهم، حيث قال: «فالمن نوعان؛ أحدهما: من بقلبه، من غير أن يصرح به في لسانه، وهذا إن لم يبطل الصدقة، فهو من
стр. 1782
نقصان شهود منة الله عليه في إعطائه المال وحرمان غيره، وتوفيقه للبذل ومنع غيره منه، فلله المنة عليه من كل وجه، فكيف يشهد قلبه منة غيره.
والنوع الثاني: أن يمن عليه بلسانه، فيعتدي على من أحسن إليه بإحسانه، ويريه أنه اصطنعه، وأنه أوجب عليه حقًّا وطوقه منةً في عنقه، فيقول: أما أعطيتك كذا وكذا؟ ويعدد أياديه عنده، قال سفيان: (يقول: أعطيتك فما شكرت)، وقال عبد الرحمن بن زياد: (كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلًا شيئًا، ورأيت أن سلامك يثقل عليه فكفَّ سلامك عنه).
وكانوا يقولون: (إذا اصطنعتم صنيعةً فانسوها، وإذا أسديت إليكم صنيعة فلا تنسوها)» (١).
وللمنة آثار سيئة، لا سيما إذا كانت في الطاعة، فقد بين الله أثرها على الطاعات عمومًا وعلى الصدقات خصوصًا، فبين أنها:
١ - مبطلة للعمل، قال تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]، قال ابن كثير ﵀: «فأخبر أن الصدقة تبطل بما يتبعها من المن والأذى، فما يفي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى، ثم قال تَعَالَى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدح الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة، ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع
стр. 1783
قطع نظره عن معاملة الله تَعَالَى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه» (١).
والمَنُّ ولو كان بعد العمل بمدة ضار به، قال ابن القيم ﵀: «نَبَّهَ بقوله: ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٢] على أن المن والأذى، ولو تراخى عن الصدقة، وطال زمنه، ضرَّ بصاحبه، ولم يحصل له مقصودُ الإنفاق، ولو أتى بالواو، وقال: ولا يتبعون ما أنفقوا مَنًّا ولا أذًى، لأوهَمَتْ تقييدَ ذلك بالحال، وإذا كان المَنُّ والأذى المتراخي مبطلًا لأثر الإنفاق، مانعًا من الثواب؛ فالمقارن أولى وأحرى» (٢).
٢ - جعل رد السائل بالمعروف والعفو عنه خير من التصدق عليه مع المن والأذية له، قال سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٢ - ٢٦٣] وذلك؛ لأن رد السائل بالقول المعروف الكريم يدخل السرور على نفسه، والعفو عما قد يصدر من السائل مما لا ينبغي وعدم مؤاخذته بذلك، كله من الإحسان الذي لا مفسدة فيه، فهما أفضل من الإحسان بالصدقة التي يتبعها أذى بمنٍّ أو غيره (٣).
وكل ما سبق دال على أن اتصاف المخلوق بالمنَّة كبيرة من كبائر الذنوب، فعلى المسلم أن يحذر من هذا الوصف الذميم، سلمنا الله منه ورزقنا كريم الخلق.
стр. 1784
الأثر الثامن: سؤال المنان من واسع فضله والتوسل إليه باسم المنان:
إذا علم العبد اسم الله المنان وما يحويه من عظيم المنن والنعم مع ما رغب به عباده من سؤاله والتوسل إليه بأسمائه وصفاته ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]؛ حرص على أن يكون لاسم الله (المنان) نصيب من دعائه.
وقد ورد دعاء الله باسمه (المنان) في السنة النبوية، ومن ذلك:
- حديث أنس ﵁، أنه كان مع رسول الله ﷺ جالسًا ورجل يصلي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي ﷺ : «لَقَدْ دَعَا الله بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (١).
اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم: أن تمن علينا بالخير، والإحسان، واليقين، والإيمان، وأن تجعلنا من أهل القرآن،
وأن ترزقنا دوام ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك.
стр. 1785
الوَتْرُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «الوِتر- بالكسر-: الفرد» (١).
قال ابن فارس ﵀: « … الوِتر: الفرد» (٢).
ورود اسم الله (الوتر) في القرآن الكريم:
لم يرد اسمه سُبْحَانَهُ (الوتر) في كتاب الله.
ورود اسم الله (الوتر) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الوتر) في السنة النبوية، ومن ورودها ما يلي:
عن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: «لِلهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا، لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ» (٣).
عن علي ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ،
стр. 1786
أَوْتِرُوا، فَإِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» (١).
ثبوت اسم الله (الوتر) في حق الله تعالى:
من العلماء الذين أثبتوا اسم الله (الوتر) في حق الله تَعَالَى:
ابن القيم ﵀: في قوله: «فإن الله وتر يحب الوتر» (٢).
ابن عثيمين ﵀: فقد عده من الأسماء المثبتة بالسنة النبوية (٣).
معنى اسم الله (الوتر):
قال ابن قتيبة ﵀: «الله وتر، وهو واحد» (٤).
قال الخطابي ﵀: «الوتر هو الواحد الأحد، الذي لا شريك له، ولا نظير ولا مثيل، المتفرد عن خلقه، البائن منهم بصفاته: فهو سُبْحَانَهُ وتر، وجميع خلقه شفع، خُلقوا أزواجًا؛ فقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩]» (٥).
قال الحليمي ﵀: «ومنها: (الوتر)؛ لأنه إذا لم يكن قديم سواه، لا إله ولا غير إله، لم ينبغ لشيء من الموجودات أن يضم إليه فيعد معه، فيكون
стр. 1787
والمعدود معه شفعًا، لكنه واحد فرد وتر» (١).
قال القرطبي ﵀: «الواحد الوتر: الذي لا شبيه له، ولا نظير ولا صاحبة، ولا ولد ولا شريك» (٢).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الوتر):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الوتر) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
الله تَعَالَى وتر انفرد عن خلقه فجعلهم شفعًا، وقد خلق الله المخلوقات بحيث لا تعتدل ولا تستقر إلا بالزوجية ولا تهنأ على الفردية والأحدية، يقول تَعَالَى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٩]، فالرجل لا يهنأ إلا بزوجته، ولا يشعر بالسعادة إلا مع أسرته، والتوافق بين محبتهم ومحبته.
أما ربنا فذاته صمدية وصفاته فردية، فهو المنفرد بالأحدية والوترية، لا ولد له ولا والد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣ - ١] ولم يتخذ صاحبة: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] ﴿يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء: ١١١]
وقد ثبت من حديث أبي هريرة: «إنَّ اللهَ وَتْرٌ يُحِبُّ الوَتْرَ» (٣).
стр. 1788
وكما أنه وتر في ذاته سُبْحَانَهُ، فهو الوتر الذي انفرد في صفاته، فهو العزيز بلا ذل، والقدير بلا عجز، والقوي بلا ضعف، والعليم بلا جهل، وهو الحي الذي لا يموت، والقيوم الذي لا ينام، والواحد الأحد الذي لا يشبهه أحد من الخلق، فهو ﷻ : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقد قال سُبْحَانَهُ عن نفسه: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] ومن آمن بهذا أفرد الله بالعبادة، ووحَّده ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]
ونَزَّهَهُ عن المشابهة والمماثلة، فهو الوتر الذي لا مثيل ولا شريك له، ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]
الأثر الثاني: استشعار أن كثير من العبادات والطاعات شُرعت وترًا:
يقول القرطبي ﵀ معلقًا على حديث: «وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ» (١): «الظاهر أن الوتر هنا للجنس؛ إذ لا معهود جرى ذكره حتى يحمل عليه، فيكون معناه أنه: يحب كل وتر شرعه، ومعنى محبته له: أنه أمر به، وأثاب عليه … قال أبو العباس القرطبي: والوتر يراد به التوحيد، فيكون المعنى: إن الله- في ذاته وكماله وأفعاله- واحد، ويحب التوحيد، أي: يوحد ويعتقد انفراده دون
стр. 1789
خلقه، فيلتئم أول الحديث وآخره، وظاهره، وباطنه» (١)، ومن تأمل في كثير من العبادات والأعمال الصالحة وجدها شُرعت وترًا، ومن ذلك:
أولًا: أركان الإسلام وما يتعلق بها:
جعل الطهارة ثلاثًا:
عن سلمة بن قيس أن النبي ﷺ قال: «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْتَثِرْ، وَإِذَا اسْتَجْمَرْتَ فَأَوْتِرْ» (٢)، أي: اجعل الحجارة التي تستنجي بها فردًا، استنج بثلاثة أحجار، أو خمسة، أو سبعة، ولا تستنج بالشفع.
جعل الصلاة خمسًا:
عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ ﵎ عَلَى الْعِبَادِ مَنْ أَتَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ ﵎ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» (٣).
جعل نصاب الزكاة وترًا:
فكلها تشترك بالوتر، ففي الزروع خمسة أوسق، وفي الورق خمس أواق، وفي الإبل خمس من الإبل، يقول ﷺ : «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ