قال الشيخ السعدي ﵀: «الحليم الذي يدرُّ على خلقه النعم الظاهرة والباطنة، مع معاصيهم وكثرة زلاتهم، فيحلم عن مقابلة العاصين بعصيانهم، ويستعتبهم كي يتوبوا، ويمهلهم كي ينيبوا» (١).
قال ابن القيم ﵀ في نونيته:
وَهْوُ الحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ … بِعُقُوبَةٍ لِيَتُوبَ مِنْ عِصْيَانِ (٢)
اقتران اسم الله (الحليم) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسم الله (الحليم) باسم الله (العليم):
اقترن اسم الله الحليم باسمه العليم في ثلاث آيات من كتاب الله، منها:
قوله تَعَالَى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢]، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١].
وجه الاقتران:
قال الإمام ابن القيم ﵀: «ولهذا جاء اسمه (الحليم) في القرآن في أكثر من موضع، ولسعته يقرنه سُبْحَانَهُ باسم (العليم) كقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١]، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٢] … فإن المخلوق يحلم عن جهل، ويعفو عن عجز، والرب تَعَالَى يحلم مع كمال علمه، ويعفو مع تمام قدرته، وما أضيف شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم ومن عفو إلى اقتدار» (٣).
стр. 212
ثانيًا: اقتران اسم الله (الحليم) باسم الله (الغفور):
اقترن اسم الله الحليم باسمه الغفور في ست آيات من كتاب الله، من وروده:
قوله تَعَالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥].
وجه الاقتران:
قال ابن عاشور ﵀: «وفي مناسبة اقتران وصف (الغفور) (بالحليم) هنا، دون (الرحيم)؛ لأن هذه مغفرة لذنب هو من قبيل التقصير في الأدب مع الله تَعَالَى؛ فلذلك وصف الله نفسه بالحليم؛ لأن الحليم هو الذي لا يستفزه التقصير في جانبه، ولا يغضب للفعلة، ويقبل المعذرة» (١).
ثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الغني):
اقترن اسم الله الحليم باسمه الغني في قوله تَعَالَى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]؛ لدلالة على أن حلمه ليس عن عجز أو فقر أو حاجة بل عن غنى تام، وقدرة كاملة.
وجه الاقتران:
قال ابن القيم ﵀ في بيان هذا الاقتران في الآية الكريمة: «أنه مع غناه التام من كل وجه فهو الموصوف بالحلم والتجاوز والصفح، مع عطائه
стр. 213
الواسع وصدقاته العميمة، فكيف يؤذي أحدكم بمنه وأذاه مع قلة ما يعطي ونزارته وفقره!» (١).
رابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحليم) باسمه سُبْحَانَهُ (الشكور):
اقترن اسم الله الحليم باسمه الشكور في قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧]
وجه الاقتران:
لدلالة على أنه يشكر لعبده طاعته وإحسانه، مع حلمه عليه إذا قصر في عبادة الله.
خامسًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحليم) باسمه سُبْحَانَهُ (العظيم):
اقترن اسم الله الحليم باسمه العظيم في قوله ﷺ في دعاء الكرب: «لَا إِلَهَ إِلَّا الله العَظِيمُ الحَلِيمُ، … » (٢).
وجه الاقتران:
أن حلمه سُبْحَانَهُ عن قوة وعظمة، وليس عن عجز وحاجة.
أن عظمته يزينها الحلم؛ لأن الغالب في عظماء البشر وملوكهم ضعف الحلم عندهم؛ لأنهم يغترون بعظمتهم، ويبطشون بمن خالفهم ولا يحلمون عليهم، فبين ﵎ أن عظمته مقرونة بحلمه.
стр. 214
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحليم):
الأثر الأول: اثبات ما يتضمنه اسم الله (الحليم) من صفاته تعالى:
الله سُبْحَانَهُ الحليم الذي له كمال الحلم وسعته، قال تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وقال: ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣].
فأما كمال حلمه:
فهو الحليم العليم الذي صدر حلمه عن علم تام، فأحاط بكل شيء علمًا، لم يغب عنه معصية العاصي، ولا شرك المشرك، ولا كفر الكافر ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: ٥٩].
وهو الحليم العظيم الذي صدر حلمه عن عظمة وقوة وقدرة تامة، فلم يعجزه ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء «لا إله إلا اللهُ العظيمُ الحليمُ» (١).
وهو الحليم الغني الذي صدر حلمه عن غنى، فلم يحتج ويفتقر إلى أحد كائن من كان ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣] (٢).
وهو الحليم الحكيم الذي صدر حلمه عن حكمة كاملة لا سفه معها، يقدر الأمور ويضعها في مواضعها ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥].
وهو الحليم الغفور الشكور الذي صدر حلمه عن مغفرة وشكر، فيغفر الكثير من الزلل، ويقبل القليل من العمل، ويضاعفه بغير حساب، فيجعل
стр. 215
القليل كثيرًا، والصغير كبيرًا ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١٧].
يرى عباده وهم يكفرون به، ويراهم وهم يبارزونه بالعصيان ليل نهار، وهو قادر على أن ينتقم منهم ويبادرهم بالعقاب، مع غناه عنهم وعدم حاجته إليهم، ومع ذلك كله يحلم بهم؛ لحكمة، فيؤخر وينظر ويؤجل، ولا يعاجلهم بالعقاب، لعلهم يرجعون وينيبون، فإذا رجعوا قبل توبتهم وغفر خطيئتهم وشكر لهم سعيهم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥].
قال الزجاجي ﵀: «فالله حليم عن عباده؛ لأنه يعفو عن كثير من سيئاتهم ويمهلهم بعد المعصية، ولا يعاجلهم بالعقوبة والانتقام، ويقبل توبتهم بعد ذلك» (١).
وهو الحليم الذي لا يقطع نعمته عمن غفل عنها وقصر في شكرها، بل لربما نسبها لغيره وشكره عليها، ونسي واهبها ومسديها، فيحلم عليه، ويمده منها.
وهو الحليم الذي لا يمنع نعمته عمن عصاه، يواليهم بالنعم، ويغدق عليهم بالمنن مع معاصيهم وكثرة ذنوبهم، بل إن العاصي لا يمكنه أن يعصي إلا أن يتقوى عليها بنعم الله عليه سمعًا وبصرًا ويدًا وقدمًا وصحة ومالًا ونحو ذلك، فيحلم به فلا يسلبها منه، ولا يحرمه منها، بل لربما زاده منها.
قال الحليمي ﵀: «الذي لا يحبس إحسانه وأفضاله عن عباده لأجل ذنوبهم، ولكن يرزق العاصي كما يرزق المطيع وهو منهمك في معاصيه، كما
стр. 216
يبقي البر التقي وقد يقيه الآفات والبلايا وهو غافل لا يذكره، فضلًا عن أن يدعوه، كما يقيها الناسك الذي يسأله، وربما شغلته العبادة عن المسألة» (١).
بل من عظيم حلمه- جل في علاه- أن يعصي العاصي فيحلم به فيستره، ولا يفضحه، ويقيض له الأسباب لستره، ويكره منه أن يذيع معصيته ويشهر بها، حتى قال ﷺ : «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ، عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ» (٢).
ومن عظيم حلمه به: أن أمر عباده بستره وعدم فضحه، ورتب على ذلك الثواب العظيم، فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٣).
وهو الحليم الذي لولا حلمه لهلك العباد، قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥]، وقال: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ [الكهف: ٥٨].
وهو الحليم الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض، وأمسكهما من أن تزولا من كثرة ذنوب بني آدم، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
стр. 217
وأما سعة حلمه:
فهو الحليم الذي وسع حلمه كل شيء، حلم على من أشرك به وعبد غيره، وحلم على من كفر به وعادى أوليائه ورسله، وحلم على من حارب دينه وسعى في إطفاء نوره، حلم على من شتمه وكذبه، كما قال ﷺ فيما يرويه عن ربه : «يَشْتُمَنِي وَتَكَذَّبَنِي وَمَا يَنْبَغِي لَهُ. أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ: إِنَّ لِي وَلَدًا وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ: لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي» (١)(٢).
وَسِعَ حلمُه من قال فيه قولًا تكاد السماوات والأرض تنفطر منه وتخر له الجبال هدًّا، أن دعوا للرحمن ولدًا، فصبر عليهم وأمهلهم وأنعم عليهم وعافاهم ورزقهم، كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ : «مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، يَدْعُونَ لَهُ الْوَلَدَ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ» (٣).
ويدعوهم إلى بابه بخطاب في غاية اللطف واللين؛ ليتوبوا من هذا الذنب العظيم، فيجازيهم بالثواب الجزيل ويغفره لهم، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣، ٧٤] (٤).
стр. 218
وسع حلمُه فرعونَ مع شدة طغيانه وعتوه، وإفساده في الأرض، حتى قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، فحلم عليه، فلم يعاجله بالعقاب، وأمر رسله بالرفق معه في القول، فقال: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، وقال: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٨].
ووسع أصحابَ الأخدود، كفروا به وراودوا المؤمنين للرجوع عن دينهم ومتابعتهم على كفرهم، فامتنعوا، فشقوا الأخدود في الأرض وأججوا فيه النار، ثم فتنوا المؤمنين وعرضوهم على النار، فمن استجاب لهم أطلقوه، ومن امتنع قذفوه، وهذا في غاية المحاربة والمحادة لله وأوليائه، ومع ذلك كله حلم بهم ودعاهم للتوبة والرجوع، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: ١٠] قال الحسن البصري ﵀: «انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة» (١).
ووسع حلمُه من استعجل عقابه ودعا بنزوله، قال تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٢ - ٣٣]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ص: ١٦، ١٧].
وقال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١].
стр. 219
قال ابن كثير ﵀: «يخبر تَعَالَى عن حلمه ولطفه بعباده: أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم أو أموالهم أو أولادهم في حال ضجرهم وغضبهم، وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك، فلهذا لا يستجيب لهم- والحالة هذه-لطفًا ورحمة، كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم أو لأموالهم وأولادهم بالخير والبركة والنماء؛ ولهذا قال: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] أي: لو استجاب لهم كل ما دعوه به في ذلك، لأهلكهم، ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك، كما جاء في الحديث: حدثنا جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ» (١)(٢).
فما أعظم حلمه، وما أوسع فضله، وما أجزل عطاءه ومننه (٣).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الحليم) على التوحيد:
إذا علم العبد أن الله ﷻ له الكمال التام في أسمائه وصفاته الذي لا يلحقه نقص بوجه من الوجوه، ومن ذلك: اسمه الحليم: فحلم لا عن جهل، بل عن علم تام، وحلم لا عن حاجة، بل عن غنى تام، وحلم لا عن عجز، بل عن قدرة تامة، حلم مع عظمته وجلاله، حلم فأمهل، وحلم فستر، وحلم فأنعم، وسع حلمه كل شيء؛ تيقن أنه لا شبيه له ولا يماثله شيء من مخلوقاته
стр. 220
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فلا يستحق أن يشرك معه غيره ويعبد أحد سواه، بل هو الواحد الأحد جل في علاه.
الأثر الثالث: محبة الله تَعَالَى الحليم:
إذا نظر العبد وتأمل في كثرة ذنوبه ومعاصيه، وكيف أن ربه الحليم ستره، فلم يفضحه، ولم يقطع عنه نعمه، فضلًا عن كونه لم يعاجله بالعقوبة، ثم التفت عن يمينه ويساره فوجد فلانًا قريبه على معصية، وصديقه فلانًا على معصية أخرى، والكل ينعَم بحلم الله، ولولا حلمه لهلك، وهلك أحبابه والناس أجمعون! قال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ٤٥]؛ قاده ذلك التأمل والنظر إلى محبته ﵎ حق المحبة وأعظمها.
الأثر الرابع: عدم الاغترار بحلم الله:
إذا تيقن العبد معنى اسم الله (الحليم) وما فيه من كمال وسعة، فعليه أن يضم لهذا اليقين يقينًا آخر، فالله الحليم حسيب يحفظ عمل العبد ولا يخفى عليه شيء منه، والله الحليم قدير لا يعجزه أحد من خلقه ولا يفوته، بل الكل في قبضته، والله الحليم قوي عزيز لا يغلبه أحد ولا يمتنع عليه ممتنع، والله الحليم شديد العقاب، والله الحليم منتقم، والله الحليم بطشه شديد، يمهل ولا يهمل، فإذا أَخَذَ أَخَذَ أَخْذَ عزيزٍ مقتدرٍ، قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢]» (١).
стр. 221
حلم على قوم نوح وما هم فيه من الشرك والكفر به ألف سنة إلا خمسين عامًا، فلم يزدهم حلمه وإمهاله لهم إلا عنادًا وطغيانًا، وقدحًا في نبيهم، فقالوا: مجنون، وزجروه وعنفوه أن دعاهم إلى الله، فلم يكفهم الكفر والتكذيب حتى أوصلوا إليه من أذيتهم ما قدروا عليه، فانتقم الحليم منهم، فقال: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١١ - ١٦] (١).
حلم على عاد وثمود على ما هم فيه من الشرك والكفر والطغيان، فأعطاهم من القوة وعظم الأجسام ما أعطاهم، والقدرة على البناء الشيء العجيب، وأرسل إليهم الرسل وأيدهم بالآيات والبراهين، فلما لم تنفع فيهم الآيات والعبر، ولم تُجْدِ شيئًا؛ انتقم الحليم منهم، فقال سُبْحَانَهُ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٤ - ٨].
حلم على فرعون وقومه مع شدة بطشهم وطغيانهم، فأرسل إليهم موسى الكليم، وأيده بالآيات الباهرات، والمعجزات القاهرات وأشهدهم من العبر ما لم يشهد عليه أحدًا غيرهم، فلما كذبوا بآيات الله كلها، وبيتوا القضاء على موسى ومن معه؛ فأخذهم أخذ عزيز مقتدر، قال تَعَالَى: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣] (٢).
стр. 222
فالله حليم ولم يزل ولا يزال حليمًا، ولا يغضب إلا على من لا يستحق الرحمة ولا يصلح في حقه الحلم، وذلك بعد أن يعطيه المهلة والوقت الكافي؛ ليتوب ويهتدي، فإذا لم يرجع أخذه أخذ عزيز مقتدر.
وقد يمهله- أيضًا- ويتأنى به ويرزقه ولا يعجله بعقوبة في الدنيا، لكن موعده الساعة، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، وقال: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٣ - ٤٨].
فإذا تيقن العبد سعة حلم الله تَعَالَى، وتيقن شدة عذابه، وجمع بين اليقينين، ولاحظ كلًّا منهما؛ سار على الصراط المستقيم، ولم يغتر بحلم الله عليه، وقام في قلبه المقامان العظيمان: مقام الخوف ومقام الرجاء اللذين جمع الله بينهما في كتابه، حتى لا يغفل غافل عن أحدهما، فيحصل الإفراط أو التفريط، قال تَعَالَى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠]، وقال سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٨] إلى غير ذلك من الآيات.
وجمع بينهما رسول الله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ» (١).
стр. 223
الأثر الخامس: الحذر من الغفلة:
إذا علم العبد أن الله (حليم)، فليعلم أنه سُبْحَانَهُ يحلم ولا يعاجل بالعقوبة ليتوب العباد وينيبوا، لا لأن يغفلوا ويتمادوا في الكفر والعصيان كما هو مشاهد في كثير من الناس، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٢].
والغفلة من أعظم أمراض القلوب وأخطرها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «الغفلة والهوى أصل الشر، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، والهوى وحده لا يستقل بفعل السيئات إلا مع الجهل- أي: الغفلة-» (١).
وقد حذر الله منها، ونوَّع الأساليب في ذلك مبالغةً في التحذير منها، ومن ذلك:
ذم الغافلين عن الآخرة، فقال تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: ٧].
قرن الغفلة بالتكذيب، قال تَعَالَى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦].
عاقب من أصيب بالغفلة الكاملة، بالختم على قلبه، وسمعه، وبصره، قال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ
стр. 224
لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
عاقب صاحبها- أيضًا- بأن أغفله عن ذكره، وجعله متبعًا لهواه، فكان أمره ضائعًا معطلًا، قال تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
جعل الغفلة سببًا للهلاك في الدنيا، فقال في قوم فرعون: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٥، ١٣٦].
بين أن أهل الغفلة يتحسرون يوم القيامة على غفلتهم عن الآخرة، قال تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٦].
جعل الغفلة سببًا لدخول النار- والعياذ بالله-، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٧، ٨].
وللغفلة أسباب أوقعت كثيرًا من الناس فيها، منها:
الجهل بالله تَعَالَى: بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وشرعه.
مخالطة أهل الغفلة، قال تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
стр. 225
رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].
ترك صلاة الجماعة: فعن ابن عباس، وابن عمر ﵃، أنهما سمعا النبي ﷺ يقول: «للَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجَمَاعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» (١).
طول الأمل، قال تَعَالَى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣].
قلة ذكر الموت، قال تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢].
عدم التدبر في آيات الله الكونية، قال تَعَالَى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥].
الحرص على الدنيا وملذاتها والاستكثار منها، قال تَعَالَى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١].
الاشتغال بالملهيات التي حذر النبي ﷺ من الانغماس فيها، فعن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى السُّلْطَانَ افْتُتِنَ» (٢).
стр. 226
قال ابن حجر ﵀: «هو محمول على من واظب على ذلك، حتى يشغله عن غيره من المصالح الدينية وغيرها» (١) فإذا كان هذا في الصيد الذي فيه من المنافع ما فيه من تقوية البدن والإعانة على جهاد الأعداء، فما بالك بما دونه؟!
وكما أن للغفلة أسبابًا، فلها طرق علاج، منها:
العلم بالله وشرعه، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨].
قال ابن كثير ﵀: «لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى- كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل، كانت الخشية له أعظم وأكثر» (٢).
التقوى، قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].
قراءة القرآن وتدبره، قال الله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧]، وقال: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠].
ذكر الله تَعَالَى على كل حال، قال تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥].
стр. 227
قال ابن القيم ﵀: «إنه- أي: الذكر- يورث جلاء القلب من صداه … وصدأ القلب: الغفلة والهوى، وجلاؤه: الذكر والتوبة والاستغفار» (١).
المحافظة على الصلوات الخمس؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ حَافَظَ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ» (٢).
قيام الليل؛ فعن عبدالله بن عمرو بن العاص ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ» (٣).
صيام التطوع، لا سيما عند غفلة الناس؛ فعن أسامة ﵁ قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ! قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» (٤).
الدعاء بزوال الغفلة، ومنه: الاستعاذة بالله من مصدرها- الشيطان-، والاستعاذة بالله منها، لا سيما بما ورد عن رسول الله ﷺ ، فعن أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يدعو، يقول: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ
стр. 228
الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ، وَالْقَسْوَةِ وَالْغَفْلَةِ، وَالذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ وَالْكُفْرِ، وَالشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ، وَالسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الصَّمَمِ وَالْبَكَمِ، وَالْجُنُونِ، وَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ، وَسَيِّيءِ الْأَسْقَامِ» (١).
تدبر حال الدنيا وأن مصيرها ومصير ملذاتها إلى الفناء والزوال، قال الله تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥].
تذكر الموت والبلى؛ فعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا؛ فَإِنَّ فِي زِيَارَتِهَا تَذْكِرَةً» (٢)، وقال في حديث أبي هريرة ﵁: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» (٣) يعني: الموت.
الأثر السادس: اتصاف العبد بالحلم:
الله الحليم يحب أن يتصف عبده بصفة الحلم؛ لذا مدح أنبيائه به، فقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]، وقال عن إسماعيل: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]، وقال رسول الله ﷺ لأشج عبد القيس ﵁: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ» (٤).
стр. 229
فإذا علم العبد ذلك فعليه أن يجاهد نفسه على التخلق بهذه الخلة والخصلة الكريمة، فيحلم على من عصا أمره ومن خالفه، ويحلم على خدمه ومن تحت أمرته كما حلم الله عليه، قال تَعَالَى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].
قال القرطبي ﵀: «فمن الواجب على من عرف أن ربه حليم على من عصاه، أن يحلم هو على من خالف أمره، فذاك به أولى حتى يكون حليمًا، فينال من هذا الوصف بمقدار ما يكسر سورة غضبه، ويرفع الانتقام عمن أساء إليه، بل يتعود الصفح حتى يعود الحلم له سجية.
وكما تحب أن يحلم عنك المالك، فاحلم أنت عمن تملك؛ لأنك متعبد بالحلم، مثاب عليه، قال الله تَعَالَى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]، وقال ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]». (١)
وفي الملحق التالي ما يعين -بإذن الله- على التخلق بخلق الحلم والاتصاف به.
стр. 230
«حليم يحب الحلماء»
في موضوع الحلم سنتطرق للمسائل التالية:
أولًا: تعريف الحلم:
قال الجرجاني ﵀: «الحلم هو الطمأنينة عند سورة الغضب، وقيل: تأخير مكافأة الظالم - أي: مجازاته على ظلمه-» (١).
وقال المناوي ﵀: «الحلم هو احتمال الأعلى الأذى من الأدنى، أو رفع المؤاخذة عن مستحقها بالجناية في حق مستعظم، أو هو رزانة في البدن يقتضيها وفور العقل» (٢)(٣).
ثانيًا: فضائل الحلم:
الحلم من الصفات المحمودة التي رغب فيها الإسلام، وبيَّن فضلها في الكتاب والسنة، ومن هذه الفضائل:
أن الحلم من صفات عباد الله الصالحين، قال الله تَعَالَى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]،
стр. 231
قال الحسن البصري ﵀: «حلماء لا يجهلون، وإن جهل عليهم حلموا» (١).
أن الحلم من الصفات التي يحبها الله؛ فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله لأشج عبد القيس ﵁: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ» (٢)، وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ» (٣).
أن الحلم سبب لإعانة الله للعبد؛ فعن أبي هريرة ﵁ «يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ فَقَالَ: لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ (٤)، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ» (٥).
قال النووي ﵀: «ومعناه: كأنما تطعمهم الرماد الحار، وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يلحق آكل الرماد الحار من الألم، ولا شيء على هذا المحسن، بل ينالهم الإثم العظيم في قطيعته وإدخالهم الأذى عليه، وقيل: معناه إنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم؛ لكثرة إحسانك
стр. 232
وقبيح فعلهم من الخزي والحقارة عند أنفسهم كمن يسف المل، وقيل: ذلك الذي يأكلونه من إحسانك كالمل يحرق أحشاءهم» (١).
أن الحلم سبب لدفاع الملائكة عن صاحبه؛ فعن سعيد بن المسيب، أنه قال: «بينما رسول الله ﷺ جالس ومعه أصحابه وقع رجل بأبي بكر، فآذاه، فصمت عنه أبو بكر ثم آذاه الثانية، فصمت عنه أبو بكر، ثم آذاه الثالثة، فانتصر منه أبو بكر، فقام رسول الله حين انتصر أبو بكر، فقال أبو بكر: أوجدت علي يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : نَزَلَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُكَذِّبُهُ بِمَا قَالَ لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَرْتَ وَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَلَمْ أَكُنْ لِأَجْلِسَ إِذْ وَقَعَ الشَّيْطَانُ» (٢).
أن من أوتي الحلم- الذي من أعلى صوره وأجلها: العفو عن المسيء مع الإحسان إليه- أوتي حظًّا عظيمًا، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥].
أن الحلم سبب لنيل الدرجات العلى والجزاء الأوفى في الأخرة، قال تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣، ١٣٤] إلى
стр. 233
أن قال: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦].
وقال النبي ﷺ في حديث معاذ بن أنس الجهني ﵁: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ دَعَاهُ اللهُ ﵎ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ، حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ الْحُورِ شَاءَ» (١).
أن الحلم من خلق الأنبياء ﵈، قال تَعَالَى عن إبراهيم: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، وقال عن إسماعيل ﵇: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقد انطوت البشارة على ثلاث: على أن الولد غلام ذكر، وأنه يبلغ الحلم، وأنه يكون حليمًا، وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح، فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]؟
وقيل: لم ينعت الله الأنبياء بأقل من الحلم؛ وذلك لعزة وجوده، ولقد نعت إبراهيم به في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤] ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥]؛ لأن الحادثة شهدت بحلمهما: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] (٢).
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (١).
عن عائشة ﵂ قالت: «دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ قَالَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَهْلًا يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» (٢).
ثالثًا: وسائل تعين على الاتصاف بصفة الحلم:
الحلم من الصفات الجبلية التي يمتن الله بها على بعض عباده، كما امتن بها على الأشج ﵁؛ فقد قال له النبي ﷺ : «إِنَّ فِيكَ خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا أَتَخَلَّقُ بِهِمَا، أَمِ اللهُ جَبَلَنِي عَلَيْهِمَا؟ قَالَ: بَلِ اللهُ جَبَلَكَ عَلَيْهِمَا، قَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خَلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ وَرَسُولُهُ» (٣).
ومع ذلك فالحلم من الصفات المكتسبة- أيضًا- لذا جاء في حديث أبي الدرداء ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَإِنَّمَا الْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، مَنْ يَتَحَرَّى الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ» (٤).
стр. 236
وهذا ذكر لبعض الوسائل التي تعين على هذا الخلق الكريم:
تذكر كثرة حلم الله على العبد:
قال أَبُو حاتم ﵀: «الواجب على العاقل إذا غضب واحتد: أن يذكر كثرة حلم الله عنه، مع تواتر انتهاكه محارمه، وتعديه حرماته، ثم يحلم ولا يخرجه غيظه إلى الدخول في أسباب المعاصي» (١).
تذكر الفضل والثواب المترتب على الحلم.
استشعار أن مقابلة المسيء بجنس عمله لا تفيد شيئًا، ولا تزيد العداوة إلا شدة، وبضد ذلك الحلم عليه والإحسان إليه فإنه يقلب العداوة مودة، كما قال أصدق القائلين: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] (٢).
ترويض النفس على الصبر والتخلق به؛ فقد بين الله أن السبيل للعفو عن المسيء ومقابلة إساءته بالإحسان الذي هو من أعظم صور الحلم سبيله الصبر، قال تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥] قال ابن عاشور ﵀: «فالصابر مرتاض بتحمل المكاره وتجرع الشدائد وكظم الغيظ، فيهون عليه ترك الانتقام» (٣).
стр. 237
الابتعاد عن الغضب وأسبابه، ومعالجته إذا وقع؛ وذلك لأنه يدفع صاحبه إلى الحقد والانتقام ومقابلة السوء بالسوء، ويصعب معه الحلم، قال لقمان الحكيم: «ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا يعرف الشجاع إلا عند الحرب، ولا يعرف الأخ إلا عند الحاجة» (١).
وقد أرشد النبي ﷺ إلى ذلك، فأوصى بالابتعاد عنه، كما في حديث أبي هريرة ﵁، أن رجلًا قال للنبي ﷺ : أوصني، قال: «لَا تَغْضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» (٢).
وبين الطرق العملية لمعالجته إذا وقع، فمنها:
الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم؛ فعن سليمان بن صرد ﵁، قال: «كنت جالسًا مع النبي ﷺ ورجلان يستبان، فأحدهما احمر وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال النبي ﷺ : إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ»، (٣) وذلك لأن الغضب من نزغه (٤).
الوضوء؛ فعن عطية ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا تُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ» (٥).
стр. 238
السكوت؛ فعن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: «عَلِّمُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ» (١).
تغير الحال الذي يكون عليه؛ فعن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ» (٢). قال الخطابي ﵀: «القائم متهيئ للحركة والبطش، والقاعد دونه في هذا المعنى، والمضطجع ممنوع منهما، فيشبه أن يكون النبي ﷺ إنما أمره بالقعود والاضطجاع؛ لئلا يبدر منه في حال قيامه وقعوده بادرة يندم عليها في ما بعد» (٣).
اللهمَّ يا حليمُ يا غفورُ سبحانِكَ وبحمدِكَ، أسألُكَ حِلْمَكَ ومَغْفرَتَكَ.
стр. 239
الحَميْدُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «الحمد: نقيض الذم، تقول: حمدت الرجل، أحمده حمدًا ومحمدة، فهو حميد ومحمود، والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعم من الشكر، والمحمد: الذي كثرت خصاله المحمودة» (١).
قال ابن فارس ﵀: «(حمد) الحاء والميم والدال كلمة واحدة وأصل واحد، يدل على خلاف الذم، يقال: حمدت فلانًا أحمده، ورجل محمود ومحمد: إذا كثرت خصاله المحمودة غير المذمومة، ويقول العرب: حماداك أن تفعل كذا، أي: غايتك وفعلك المحمود منك غير المذموم، ويقال: أحمدت فلانًا، إذا وجدته محمودًا» (٢).
ورود اسم الله (الحَمِيد) في القرآن الكريم:
ورد اسم (الحَمِيد) سبع عشرة مرة في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قوله : ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
стр. 240
وقوله : ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].
وقوله : ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ [الحج: ٢٤].
ورود اسم الله (الحَمِيد) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الحَمِيد) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي حميد الساعدي ﵁ أنهم قالوا: «يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله ﷺ : قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (١).
معنى اسم الله (الحَمِيد) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري ﵀: «هو المحمود عند خلقه بما أولاهم من نعمه، وبسط لهم من فضله» (٢)، وقال- في موضع آخر-: «والحميد الذي استوجب عليكم- أيها الخلق- الحمد بصنائعه الحميدة إليكم وآلائه الجميلة لديكم، فاستديموا ذلك- أيها الناس- باتقائه، والمسارعة إلى طاعته فيما يأمركم به وينهاكم عنه» (٣).
стр. 241
قال الزَّجَّاج ﵀: «الحميد هو فعيل في معنى: مفعول، والله تَعَالَى هو المحمود بكل لسان وعلى كل حال، كما يقال في الدعاء: الحمد لله الذي لا يحمد على الأحوال كلها سواه» (١).
قال الخطابي ﵀: «(والحميد) هو المحمود الذي استحق الحمد بأفعاله، وهو فعيل بمعنى: مفعول، وهو الذي يحمد في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء؛ لأنه حكيم لا يجري في أفعاله الغلط، ولا يعترضه الخطأ، فهو محمود على كل حال» (٢).
قال ابن القيم ﵀: «الحميد هو الذي له من الصفات وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محمودًا، وإن لم يحمده غيره، فهو حميد في نفسه، والمحمود من تعلق به حمد الحامدين» (٣).
قال ابن كثير ﵀: «وهو (الحميد) أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله، وشرعه وقدره لا إله إلا هو ولا رب سواه» (٤).
قال السعدي ﵀: «الحميد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فله من الأسماء أحسنها، ومن الصفات أكملها، ومن الأفعال أتمها وأحسنها؛ فإن أفعاله تَعَالَى دائرة بين الفضل والعدل» (٥).
стр. 242
قال ابن القيم ﵀ في النونية:
وَهْوُ الحَمِيدُ فَكُلُّ حَمْدٍ وَاقِعٍ … أَوْ كَانَ مَفْرُوضًا مَدَى الأَزْمَانِ
مَلَأَ الوُجُودَ جَمِيعَهُ وَنَظِيرَهُ … مِنْ غَيْرِ مَا عَدٍّ وَلَا حُسْبَانِ
هُوَ أَهْلُهُ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ … كُلُّ المَحَامِدِ وَصْفُ ذِي الإِحْسَانِ (١)
الفرق بين الحمد والشكر:
الشكر أعم من جهة أنواعه وأسبابه، وأخص من جهة متعلقاته، والحمد أعم من جهة المتعلقات، وأخص من جهة الأسباب.
ومعنى هذا: أن الشكر يكون بالقلب خضوعًا واستكانة، وباللسان ثناء واعترافًا، وبالجوارح طاعة وانقيادًا.
ومتعلقه: النعم، دون الأوصاف الذاتية، فلا يقال: شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه- وهو المحمود عليها- كما هو محمود على إحسانه وعدله، والشكر يكون على الإحسان والنعم.
فكل ما يتعلق به الشكر يتعلق به الحمد من غير عكس، وكل ما يقع به الحمد يقع به الشكر من غير عكس؛ فإن الشكر يقع بالجوارح، والحمد يقع بالقلب واللسان (٢).
стр. 243
اقتران اسم الله (الحَمِيد) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقترن اسمه سُبْحَانَهُ (الحميد) باسمه سُبْحَانَهُ (العزيز):
وذلك في ثلاثة مواضع، ومنها: قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨].
وجه الاقتران:
يقال: «العزة صفة كمال لله ، والحمد صفة كمال أخرى، واقتران العزة بالحمد صفة كمال ثالثة لله تَعَالَى، فله الحمد على عزته وغلبته، وعلى إعزازه لأوليائه، ونصره لحزبه وجنده» (١).
ويتلخص من هذا معنيان:
أن له الحمد على عزته وغلبته، وعلى إعزازه لأوليائه، ونصره لجنده وحزبه.
أن العزة تحمل- في الغالب- على التعسف والظلم والقهر، أما الله فمع عزته الكاملة إلا أنه محمود في هذه العزة؛ فهي عزة تحمله على كمال العدل.
ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحميد) باسمه سُبْحَانَهُ (الغني):
وذلك في عشرة مواضع في كتاب الله، ومن وروده: قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا
стр. 244
تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
وجه الاقتران:
يقول الإمام ابن القيم ﵀: «فإنه سُبْحَانَهُ طيب لا يقبل إلا طيبًا، ثم ختم الآيتين بصفتين يقتضيهما سياقهما، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، فغناه وحمده يأبى قبول الرديء، فإن قابل الرديء الخبيث، إما أن يقبله لحاجته إليه، وإما أن نفسه لا تأباه لعدم كمالها وشرفها، وأما الغني عنه الشريف القدر الكامل الأوصاف؛ فإنه لا يقبله» (١).
وكذلك يقال في وجه هذا الاقتران مثل ما قيل في اقتران اسمي الله العزيز والحميد؛ فإن الغنى في العادة يقود إلى الطغيان والبطر، كما قال تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧] أما غنى الرب المحمود بأفعاله؛ فهو غنى مع البذل والعطاء، الذي يستوجب الحمد والثناء.
ثالثًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحميد) باسمه سُبْحَانَهُ (الحكيم):
وذلك مرة واحدة في كتاب الله: في قوله تَعَالَى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢].
وجه الاقتران:
يقول الشيخ السعدي ﵀: «﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ﴾ في خلقه وأمره، يضع كل شيء موضعه وينزله منازله، ﴿حميد﴾ على ما له من صفات الكمال
стр. 245
ونعوت الجلال، وعلى ما له من العدل والإفضال؛ فلهذا كان كتابه مشتملًا على تمام الحكمة، وعلى تحصيل المصالح والمنافع، ودفع المفاسد والمضار التي يحمد عليها» (١).
رابعًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (الحميد) باسمه سُبْحَانَهُ (المجيد):
وذلك مرة واحدة في كتاب الله: في قوله تَعَالَى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].
وجه الاقتران:
يقول ابن القيم ﵀: «والحمد والمجد إليهما يرجع الكمال كله؛ فإن الحمد يستلزم الثناء والمحبة للمحمود، فمن أحببته ولم تثن عليه لم تكن حامدًا له، وكذا من أثنيت عليه- لغرض ما- ولم تحبه لم تكن حامدًا له حتى تكون مثنيًا عليه محبًّا، وهذا الثناء والحب تبع للأسباب المقتضية له، وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال ونعوت الجلال، والإحسان إلى الغير، فإن هذه هي أسباب المحبة، وكلما كانت هذه الصفات أجمع وأكمل، كان الحمد والحب أتم وأعظم، والله سُبْحَانَهُ له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه ما، والإحسان كله له ومنه، فهو أحق بكل حمد، وبكل حب من كل جهة، فهو أهل أن يحب لذاته، ولصفاته، ولأفعاله، ولأسمائه، ولإحسانه، ولكل ما صدر منه سُبْحَانَهُ، وأما المجد فهو مستلزم للعظمة، والسعة، والجلال، كما يدل عليه موضوعه في اللغة، فهو دال على صفات العظمة والجلال، والحمد يدل على صفات الإكرام» (٢).
стр. 246
خامسًا: اقترن اسمه سُبْحَانَهُ (الحميد) باسمه سُبْحَانَهُ (الولي):
وذلك مرة واحدة في كتاب الله: في قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].
وجه الاقتران:
يقول السعدي ﵀: «هو الولي الذي يتولى عباده بأنواع التدبير، ويتولى القيام بمصالح دينهم ودنياهم، الحميد في ولايته وتدبيره، الحميد على ما له من الكمال، وما أوصله إلى خلقه من أنواع الإفضال» (١).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (الحَمِيد):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (الحميد) من الصفات:
الله سُبْحَانَهُ هو له الحمد كاملًا تامًّا، وذلك من وجهين، يقول السعدي ﵀: «والله سُبْحَانَهُ حميد من وجهين:
أحدهما: أن جميع المخلوقات ناطقة بحمده، فكل حمد وقع من أهل السماوات والأرض الأولين منهم والآخرين، وكل حمد يقع منهم في الدنيا والآخرة، وكل حمد- لم يقع منهم، بل كان مفروضًا ومقدرًا؛ حيثما تسلسلت الأزمان واتصلت الأوقات حمدًا يملأ الوجود كله، العالم العلوي والسفلي، ويملأ نظير الوجود من غير عد ولا إحصاء؛ فإن الله تَعَالَى مستحقه كله لاغيره.
ثانيهما: أنه يحمد على ماله من الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا، والمدائح والمحامد والنعوت الجليلة الجميلة، فله كل صفة كمال،
стр. 247
وله من تلك الصفة أكملها وأعظمها، فكل صفة من صفاته يستحق عليها أكمل الحمد والثناء، فكيف بجميع الأوصاف المقدسة، فله الحمد لذاته، وله الحمد لصفاته، وله الحمد لأفعاله؛ لأنها دائرة بين أفعال الفضل والإحسان، وبين أفعال العدل والحكمة التي يستحق عليها كمال الحمد، وله الحمد على خلقه، وعلى شرعه، وعلى أحكامه القدرية، وأحكامه الشرعية، وأحكام الجزاء في الأولى والآخرة، وتفاصيل حمده وما يحمد عليه لا تحيط بها الأفكار، ولا تحصيها الأقلام» (١).
الأثر الثاني: دلالة اسم الله (الحميد) على التوحيد:
من تأمل في اسم الله الحميد، وما فيه من دلائل كمال الذات والأسماء والصفات؛ علم أنه لا إله تنبغي له الألوهية والربوبية غيره.
- وقد مدح الله نفسه على تفرده في الألوهية، وامتناعه عن الاتصاف بما لا يليق به من اتخاذ الولد والشريك، أو موالاة أحد من الخلق لحاجة له، فقال تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].
- ومدح الله نفسه على تفرده في الربوبية، فقال: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[الجاثية: ٣٦، ٣٧] وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢].
وكما أن اسم الله الحميد دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ كل أسمائه وصفاته حمد تَعَالَى سُبْحَانَهُ وتقدس.
стр. 248
الأثر الثالث: كل ما في الكون يحمد الله سُبْحَانَهُ:
يقول السعدي ﵀ عند تفسيره لقوله تَعَالَى-: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، «أي: من حيوان ناطق وغير ناطق، ومن أشجار ونبات وجامد، وحي وميت ﴿إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ بلسان الحال، ولسان المقال، ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: تسبيح باقي المخلوقات التي على غير لغتكم، بل يحيط بها علام الغيوب» (١).
كما ثبت في صحيح البخاري عن ابن مسعود أنه قال: «وَلَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ» (٢)، ويقول سُبْحَانَهُ- في موضع آخر-: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]، ومن تأمل هذه الآية بقلبه علم أن الخلائق كلها ما أدركناه وما لم ندركه، والأفلاك والأجرام جميعها ماعلمناه، وما لم نعلمه، والجبال والأشجار والدواب، كل تلك الحشود تسير في موكب واحد خاشع تسجد كلها لله، وتتجه له وحده دون سواه، إلا ذلك الإنسان، فهو وحده الذي اختلف حاله وانقسم مصيره، ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨].
وإنما كان كل ما في الكون حامدًا لله؛ لأنه ملك له، فعمومية الحمد بعمومية الملك.
стр. 249
يقول ابن القيم ﵀ في هذا-: «الملك والحمد في حقه متلازمان، فكل ما شمله ملكه وقدرته شمل حمده، فهو محمود في ملكه، وله الملك والقدرة مع حمده، فكما يستحيل خروج شيء من الموجودات عن ملكه وقدرته يستحيل خروجها عن حمده وحكمته؛ ولهذا يحمد سُبْحَانَهُ نفسه عند خلقه وأمره، لينبه عباده على أن مصدر خلقه وأمره عن حمده، فهو محمود على كل ما خلقه وأمر به حمد شكر وعبودية، وحمد ثناء ومدح، ويجمعهما التبارك، فتبارك الله يشمل ذلك كله؛ ولهذا ذكر هذه الكلمة عقيب قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
فالحمد أوسع الصفات، وأعم المدائح والطرق إلى العلم به في غاية الكثرة، والسبيل إلى اعتباره في ذرات العالم وجزئياته، وتفاصيل الأمر والنهى واسعة جدًا؛ لأن جميع أسمائه ﵎ حمد، وصفاته حمد، وأفعاله حمد، وأحكامه حمد، وعدله حمد، وانتقامه من أعدائه حمد، وفضله في إحسانه إلى أوليائه حمد، والخلق والأمر إنما قام بحمده، ووجد بحمده، وظهر بحمده، وكان الغاية هي حمده، فحمده سبب ذلك وغايته ومظهره وحامله، فحمده روح كل شيء، وقيام كل شيء بحمده، وسريان حمده في الموجودات، وظهور آثاره فيه أمر مشهود بالأبصار والبصائر» (١).
والحمد لله سُبْحَانَهُ ممتد في الدنيا والآخرة، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ [القصص: ٧٠]، وممتد كذلك في السماء والأرض، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]،
стр. 250
وممتد عبر الزمان يقول سُبْحَانَهُ: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧].
الأثر الرابع: الحمد المطلق لله وحده:
فالحمد من أوله إلى آخره مستحق لله تَعَالَى، كما قال الله : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر: ٧٥]، فالألف واللام في الحمد تدل على الاستغراق، أي: هو الذي له جميع المحامد بأسرها، ولا يكون ذلك لأحد إلا لله ﵎ فهو حميد في ذاته، وفي أسمائه، وفي صفاته، وفي أفعاله، وفي كل شأن من شؤونه.
يقول ابن القيم ﵀ في معنى قول: (الحمد كله لله) -: «فإذا قيل: الحمد كله لله، فهذا له معنيان:
أحدهما: أنه محمود على كل شيء، وهو مايحمد به رسله وأنبياؤه وأتباعهم، فذلك من حمده ، بل هو المحمود بالقصد الأول، والمحمود أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا …
أما المعنى الثاني: أن يقال: (لك الحمد كله) أي: الحمد التام الكامل، وهذا مختص بالله ليس لغيره فيه شركة، والتحقيق: أن له الحمد بالمعنيين جميعًا، فله عموم الحمد وكماله، وهذا من خصائصه سُبْحَانَهُ» (١).
الأثر الخامس: افتتاح كل أمر بحمده تعالى، واختتامه به:
- افتتح الله الخلق بالحمد في قوله سُبْحَانَهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]،