الذرة، فإذا ظهر التباين بين المخلوقات مع اشتراكها في الإمكان والحدوث، فظهور التباين بينها وبين الخالق أجلى وأقوى.
أن يقال: كيف يكون الرب الخالق الكامل من جميع الوجوه مشابهًا في صفاته للمخلوق المربوب الناقص المفتقر إلى من يكمله؟ وهل اعتقاد ذلك إلا تنقص لحق الخالق، فإن تشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا.
والتشبيه كالتمثيل، وقد يفرق بينهما بأن التمثيل التسوية في كل الصفات، والتشبيه التسوية في أكثر الصفات، ولكن التعبير بنفي التمثيل أولى لموافقة القرآن: «ليس كمثله شيء».
أما التكييف: فهو أن يعتقد المثبت أن كيفية صفات الله تَعَالَى كذا وكذا، من غير أن يقيدها بمماثل، وهذا اعتقاد باطل، يقول تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠]، ويقول أيضا: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]، ومن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفات ربنا، لأنه تَعَالَى أخبرنا عنها ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تكييفنا وقوفًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.
وأما العقل: فلأن الشيء لا تعرف كيفية صفاته إلا بعد العلم بكيفية ذاته، أو العلم بنظيره المساوي له، أو بالخبر الصادق عنه، وكل هذه الطرق منتفية في كيفية صفات الله عزوجل، فوجب بطلان تكييفها.
وأيضا فإننا نقول: أي كيفية تُقدرها لصفات الله تَعَالَى؟ إن أي كيفية تُقدرها في ذهنك فالله أعظم وأجل من ذلك، وأي كيفية تُقدرها لصفات الله تَعَالَى فإنك ستكون كاذبًا فيها؛ لأنه لا علم لك بذلك.
стр. 37
القاعدة السابعة: صفات الله تَعَالَى توقيفية لا مجال للعقل فيها:
فلا نثبت لله تَعَالَى من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته (١)، قال الإمام أحمد ﵀ تَعَالَى: «لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، لا يتجاوز القرآن والحديث».
ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفة ثلاثة أوجه:
الأول: التصريح بالصفة، كالعزة والقوة والرحمة والبطش والوجه واليدين، ونحوها.
الثاني: تضمن الاسم لها، مثل: الغفور متضمن للمغفرة، والسميع متضمن للسمع، ونحو ذلك. انظر: القاعدة الثالثة في الأسماء.
الثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها، كالاستواء على العرش، كما في قوله تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، والمجيء للفصل بين العباد يوم القيامة، في قول الله تَعَالَى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر: ٢٢]، والانتقام من المجرمين، في قوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢].
стр. 38
الأول والآخر ﷻ -
المعنى اللغوي:
أولًا: المعنى اللغوي لاسم الله (الأول):
قال ابن فارس ﵀: «مادة (أ و ل) الهمزة والواو واللام أصلان: ابتداء الأمر، وانتهاؤه، فالأول، هو مبتدأ الشيء، والمؤنثة الأولى، مثل أفعل وفعلى، وجمع الأولى أوليات، مثل الأخرى … قال أبو زيد: كان الجاهلية يسمون يوم الأحد الأول» (١).
ثانيًا: المعنى اللغوي لاسم الله (الآخر):
قال الجوهري ﵀: «أخر أخرته فتأخر، واستأخر، مثل تأخر، والآخر: بعد الأول، وهو صفة، تقول: جاء آخرًا، أي: أخيرًا … » (٢).
قال ابن فارس ﵀: «(أخر) الهمزة والخاء والراء، أصل واحد إليه ترجع فروعه، وهو خلاف التقدم» (٣).
стр. 39
ورود اسم الله (الأول والآخِر) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (الأول والآخر) مرة واحدة في كتاب الله، وهي: قوله : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].
ورود اسم الله (الأول والآخر) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (الأول والآخر) في السنة النبوية، في حديث أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الأَرَضِينَ، وَرَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الحَبِّ والنَّوَى، وَمُنْزَلَ التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ والقُرْآنِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتِ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، والظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، والبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ وَأَغْنِنِيِ مِنَ الفَقْرِ» (١).
معنى اسم الله (الأول والآخر) في حقه سُبْحَانَهُ:
أولًا: معنى اسم الله الأول (٢):
أحسن التفسيرات في معناه: ما ذكره أعلم البشر بالله تَعَالَى نبينا محمد ﷺ في قوله: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ».
стр. 40
قال الطبري ﵀: «هو (الأول): قبل كل شيء بغير حد» (١).
قال الخطابي ﵀: «(الأول) هو السابق للأشياء كلها، الكائن الذي لم يزل قبل وجود الخلق، فاستحق الأولية؛ إذ كان موجودًا ولا شيء قبله ولا معه» (٢).
قال ابن القيم ﵀: «سبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته» (٣).
قال السعدي ﵀: «(الأول) يدل على أن كل ما سواه حادث كائن بعد أن لم يكن، ويجب على العبد أن يلحظ فضل ربه في كل نعمة دينية أو دنيوية؛ إذ السبب والمسبب منه تَعَالَى» (٤).
ثانيًا: معنى اسم الله الآخر:
أحسن التفسيرات للمعنى وأكملها: ما فسره أعرف البشر بالله محمد ﷺ ، وذلك في قوله: «وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ».
قال الطبري ﵀: «(الآخر) بعد كل شيء بغير نهاية» (٥).
قال الخطابي ﵀: «(الآخر) هو الباقي بعد فناء الخلق، وليس
стр. 41
معنى (الآخر) ما له انتهاء، كما ليس معنى (الأول) ما له ابتداء» (١).
قال ابن القيم ﵀: «سبق كل شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته» (٢).
وقد نظم ابن القيم في نونيته في معنى هذين الاسمين:
هُوَ أَوَّلٌ هُو آخِرٌ هُوَ ظَاهِرٌ … هُوَ بَاطِنٌ هِيَ أَرْبَعٌ بِوزَانِ
مَا قَبْلَهُ شَيْءٌ كَذَا مَا بَعْدَهُ … شَيْءٌ تَعَالَى اللهُ ذُو السُّلْطَانِ
مَا فَوْقَهُ شَيْءٌ كَذَا مَا دُونَهُ … شَيْءٌ وَذَا تَفْسِيرُ ذِي البُرْهَانِ (٣)
اقتران اسم الله (الأول والآخر) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
- اقتران اسمي الله (الأول والآخر) باسميه (الظاهر الباطن):
لم يقترن اسم الله الأول والآخر إلا باسمه الظاهر والباطن، وذلك في موضع واحد، هو قوله تَعَالَى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].
وجه الاقتران:
يقول ابن القيم ﵀ عن هذه الأسماء الأربعة: «فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهى إحاطتان: زمانية ومكانية، فأحاطت أوليته وآخريته
стр. 42
بالقبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته، فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده» (١).
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله الأول والآخِر:
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسمي الله (الأول والآخر) من صفاته سُبْحَانَهُ:
الله سُبْحَانَهُ هو الأول والآخر، فهو المبتدئ بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة، وإليه ينتهى الأمر حيث تنتهى الأسباب والوسائل؛ فهو أول كل شيء وآخره، ذو الفضل والجلال والإكرام، الذي خلق وبرأ وصور في ابتداء خلقه، وأدام رزقه ومنه وكرمه وعطاءه لكل خلقه.
يقول ابن القيم ﵀ في ذلك: «فأولية الله سابقة على أولية كل ما سواه، وآخريته ثابتة بعد آخرية كل ما سواه، فأوليته: سبقه لكل شيء، وآخريته: بقاؤه بعد كل شيء، وظاهريته سُبْحَانَهُ: فوقيته وعلوه على كل شيء، ومعنى الظهور يقتضى العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه، وبطونه سُبْحَانَهُ: إحاطته بكل شيء، بحيث يكون أقرب إليه من نفسه.
وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه، هذا لون وهذا لون، فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهى إحاطتان: زمانية ومكانية، فأحاطت أوليته
стр. 43
وآخريته بالقبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوليته، وكل آخر انتهى إلى آخريته، فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكل ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده؛ فالأول قدمه، والآخر دوامه وبقاؤه والظاهر علوه وعظمته، والباطن قربه ودنوه؛ فسبق كل شيء بأوليته وبقي بعد كل شيء بآخريته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه، فلا توارى منه سماء سماء ولا أرض أرضًا، ولا يحجب عنه ظاهر باطن، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية.
فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأول في آخريته، والآخر في أوليته، والظاهر في بطونه والباطن في ظهوره، لم يزل أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا» (١).
الأثر الثالث: توحيد الله باسميه الأول والآخر:
توحيد الربوبية والألوهية:
«فعبوديته باسمه الأول: تقتضي التجرد من مطالعة الأسباب والوقوف عليها والالتفات إليها، وتجريد النظر إلى مجرد سبق فضله ورحمته، وأنه هو المبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد؛ إذ لا وسيلة له في العدم قبل وجوده، وأي وسيلة كانت هناك، وإنما هو عدم محض، وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئًا مذكورًا، فمنه سُبْحَانَهُ الإعداد ومنه الإمداد، وفضله سابق على الوسائل، والوسائل من مجرد فضله وجوده، لم تكن بوسائل أخرى، فمن نزل اسمه الأول على هذا المعنى أوجب له فقرًا خاصًّا وعبودية خاصة.
стр. 44
وعبوديته باسمه الآخر: تقتضي - أيضًا- عدم ركونه ووثوقه بالأسباب والوقوف معها؛ فإنها تعدم لا محالة وتنقضي بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها، فالتعلق بها تعلق بما يعدم وينقضي، والتعلق بالآخر تعلق بالحي الذي لا يموت ولا يزول، فالمتعلق به حقيق أن لا يزول ولا ينقطع، بخلاف التعلق بغيره مما له آخر يفنى به» (١).
وكما أنه الأول والآخر سُبْحَانَهُ رب كل شيء، وفاعله وخالقه وبارئه، فهو إلهه وغايته التى لا صلاح له ولا فلاح ولا كمال إلا بأن يكون هو غايته، كما أنه لا وجود له إلا بكونه وحده هو ربه وخالقه، وكذلك لا كمال له ولا صلاح إلا بكونه تَعَالَى وحده هو غايته وحده، ونهايته ومقصوده.
فهو الأول الذي ابتدأت منه المخلوقات، والآخر الذي انتهت إليه عبوديتها وإرادتها ومحبتها، فليس وراء الله شيء يقصد ويعبد ويتأله، كما أنه ليس قبله شيء يخلق ويبرأ، فكما كان واحدًا في إيجادك، فاجعله واحدًا في تألهك وعبوديتك، وكما ابتدأ وجودك وخلقك منه، فاجعله نهاية حبك وإرادتك وتألهك إليه؛ لتصح لك عبوديته باسمه الأول والآخر.
وأكثر الخلق تعبدوا له باسمه (الأول) (٢)، فالكثير يؤمنون بتوحيد الربوبية وأن الله هو الخالق الرازق المدبر، كما الحال مع مشركي العرب وغيرهم ممن أقر بذلك، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، فهم مقرون بذلك، فلا إشكال كبير في تحقيقه.
стр. 45
وإنما الشأن في التعبد له باسمه (الآخر)، فهذه عبودية الرسل وأتباعهم، فهو رب العالمين وإله المرسلين سُبْحَانَهُ وبحمده (١).
توحيد الأسماء والصفات:
وكما أن اسمي الله الأول والآخر دالان على توحيد الربوبية والألوهية، فكذا هما دالان على توحيد الأسماء والصفات؛ إذ يدلان على اسم الله الخالق، والبارئ، والمصور، والكريم، وذو الفضل، وذو الجلال والإكرام، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
الأثر الثالث: الأول والآخر سُبْحَانَهُ، مالك الإرادات ومقلب القلوب والنيات:
فعند تحقيق التوحيد في الاسم يعود الموحد بافتقاره إلى ربه، ويجعل المرجعية في فعله إلى ما اختاره لعبده الأول والآخر سُبْحَانَهُ، مالك الإرادات، ومقلب القلوب والنيات، يصرفها كيف شاء، يهدي من يشاء من عباده، ويزيده هداية على هدايته، وهذا قول الله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧].
فهو المعد، وهو الممد، وكلما ازداد له العبد شكرًا: زاده فضلًا، وكلما ازداد له طاعة: زاده لمجده مثوبة، وكلما ازداد منه قربًا: لاح له من جلاله وعظمته ما لم يشاهده قبل ذلك، وهكذا أبدًا لا يقف على غاية ولا نهاية.
ومن شاء أن يثبته ثبته، ولذا كان دعاء الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].
стр. 46
فلا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا يهدي لأحسن الأعمال والأخلاق إلا هو، ولا يصرف سيئها إلا هو، قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧].
فعلى العبد أن يسأل الله الهداية، وأن يسأله الاستدامة عليها.
الأثر الرابع: محبة الأول والآخر:
إن صدق التعبد باسم الله الأول، والآخر؛ يقود إلى مطالعة منة الله ومحبته، والتبرؤ من كل سبب، فالنعم أولها من الله، ودوامها منه، وانتهاؤها إليه، فكيف يحب العبد غير ربه، أو يشقي نفسه مع خلقه، وهو مؤمن بالأول الآخر سُبْحَانَهُ!
الأثر الخامس: قِصر الأمل في الدنيا والزهد في مباحاتها والبعد عن شهواتها:
من علم أنه سُبْحَانَهُ الآخر، وأنه الدائم الحي الذي لا يموت فكل شيء ينتهي إليه، ويعود إليه، فلا يفلت أحد من قبضته ولا يدوم أحد إلا وجهه الكريم، فكل من على ظهر الأرض فان، كما قال تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦] فالخلائق كلها مرجعها إليه سُبْحَانَهُ، ومنتهاها إليه جل في علاه، كما قال تَعَالَى: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق: ٨] وقوله تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢].
فهو سُبْحَانَهُ الذي ينتهي إليه سير السائرين ومعارف العارفين، فكل معرفة قبل معرفته سُبْحَانَهُ فهي سلم على معرفته، وكل رتبة قبل الوصول
стр. 47
إليه والنظر إلى وجهه الكريم فهي رتبة نازلة عند من همتهم. قوله تَعَالَى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢].
فمثل هذا العلم يورث العبد معرفة حقيقة الدنيا، فيقصر أمله فيها؛ لعلمه أنها منقطعة، والكل عنها راحلون، وعن وراثتها زائلون، فعليه أن يجتهد للآخرة، فلا يفرح فيها بموجود، ولا يأسف منها بمفقود، فنعيم الدنيا بحذافيره في جنب نعيم الآخرة أقل من ذرة في جنب جبال الدنيا، كما قال سُبْحَانَهُ:
﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٠ - ٢١].
يخبر تَعَالَى عن حقيقة الدنيا وما هي عليه، ويبين غايتها وغاية أهلها، بأنها لعب ولهو، تلعب بها الأبدان، وتلهو بها القلوب، وهذا مصداقه ما هو موجود وواقع من أبناء الدنيا، فإنك تجدهم قد قطعوا أوقات أعمارهم بلهو القلوب، والغفلة عن ذكر الله وعما أمامهم من الوعد والوعيد، وتراهم قد اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا، بخلاف أهل اليقظة وعمال الآخرة، فإن قلوبهم معمورة بذكر الله، ومعرفته ومحبته، وقد أشغلوا أوقاتهم بالأعمال التي تقربهم إلى الله، من النفع القاصر والمتعدي.
قال ابن القيم ﵀: «الغايات والنهايات كلها إليه تنتهي: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢]؛ فانتهت إليه الغايات والنهايات؛ وليس له سُبْحَانَهُ
стр. 48
غاية ولا نهاية؛ لا في وجوده، ولا في مزيد جوده؛ إذ هو (الأول) الذي ليس قبله شيء، و (الآخر) الذي ليس بعده شيء، ولا نهاية لحمده وعطائه؛ بل كلما ازداد له العبد شكرًا: زاده فضلًا، وكلما ازداد له طاعة: زاده لمجده مثوبة، وكلما ازداد منه قربًا: لاح له من جلاله وعظمته ما لم يشاهده قبل ذلك، وهكذا أبدًا لا يقف على غاية ولا نهاية، ولهذا جاء: إن أهل الجنة في مزيد دائم بلا انتهاء (١).
فإن نعيمهم متصل ممن لا نهاية لفضله ولا لعطائه؛ ولا لمزيده، ولا لأوصافه، فتبارك الله ذو الجلال والإكرام: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤]، (يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ) (٢)» (٣).
وقد يبدو في الظاهر أن بقاء أهل الجنة والنار أبدًا، متعارض مع إفراد الله بالبقاء، وأنه الآخر الذي ليس بعده شيء، لكن هذا التعارض يزول إذا علمنا أنه لا بد أن نفرق في قضية البقاء والآخرية بين ما يبقى ببقاء الله وما يبقي بإبقاء الله، أو نفرق بين بقاء الذات والصفات الإلهية، وبقاء المخلوقات التي أوجدها الله كالجنة والنار وما فيهما؛ فالجنة مثلًا باقية بإبقاء الله وما يتجدد فيها من نعيم متوقف في وجوده على مشيئة الله، أما ذاته وصفاته فباقية ببقائه، وشتان بين ما يبقي ببقاء الله وما يبقي بإبقائه، فالجنة مخلوقة خلقها الله وكائنة
стр. 49
بأمره ورهن مشيئته وحكمه، فمشيئة الله حاكمة على ما يبقى وما لا يبقى.
ومِن ثَمَّ فإن السلف الصالح يعتبرون خلود الجنة وأهلها إلى ما لا نهاية إنما هو بإبقاء الله وإرادته، فالبقاء عندهم ليس من طبيعة المخلوقات ولا من خصائصها الذاتية، بل من طبيعتها جميعا الفناء، فالخلود ليس لذات المخلوق أو طبيعته، وإنما هو بمدد دائم من الله تَعَالَى وإبقاء مستمر لا ينقطع، أما صفات الله ومنها وجهه وعزته وعلوه ورحمته ويده وقدرته وملكه وقوته، فهي صفات باقية ببقائه ملازمة لذاته، حيث البقاء صفة ذاتية لهم، كما أن الأزلية صفة ذاتية له أيضًا.
فلا بد إذًا أن نفرق بين صفات الأفعال الإلهية وأبديتها، ومفعولات الله الأبدية وطبيعتها، وهذا ما جاء به القرآن؛ حيث فرق بين نوعين من البقاء؛ الأول: وهو بقاء الذات بصفاتها، كما في قوله تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]، والثاني: في قوله تَعَالَى: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٧].
فالآية الأولى دلت على صفة من صفات الذات، وهى صفة الوجه، ودلت على بقاء الصفة ببقاء الذات، فأثبتت بقاء الذات بصفاتها، وأثبتت فناء ما دونها أو إمكانية فنائه؛ إذ إن الله هو الأول والآخر، وهو قبل كل شيء وبعد كل شيء.
الأثر السادس: الدعاء باسمي الله الأول والآخر:
عن أبي هريرة ﵁، قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا إذا أخذ أحدنا مضجعه أن يقول: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَرَبَّ الأَرَضِينَ، وَرَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ
بديع السماوات والأرض ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «أبدعت الشيء: اخترعته لا على مثال، والله تَعَالَى بديع السموات والارض، والبديع: المبتدع» (١).
قال ابن فارس ﵀: «(بدع) الباء والدال والعين أصلان: أحدهما ابتداء الشيء وصنعه، لا عن مثال … » (٢).
ورود اسم الله (بديع السماوات والأرض) في القرآن الكريم:
ورد اسم الله (بديع السماوات والأرض) في كتاب الله مرتين، ووروده كالتالي:
قوله : ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧].
وقوله : ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١].
стр. 52
ورود اسم الله (بديع السماوات والأرض) في السنة النبوية:
ورد اسم (بديع السماوات والأرض) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: «كنت مع رسول الله ﷺ جالسًا- يعني: ورجل قائم يصلي- فلما ركع وسجد وتشهد دعا، فقال في دعائه: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ، بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجِلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، إِنِّي أَسْأَلُكُ، فقال النبي ﷺ لأصحابه: تَدْرُونَ بِمَا دَعَا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ دَعَا بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (١).
معنى اسم الله (بديع السماوات والأرض) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري ﵀: «يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]: مبدعها، ومعنى المبدع: المنشئ والمحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد» (٢).
قال الخطابي ﵀: «(البديع) هو الذي خلق الخلق، وفطره مبدعًا له مخترعًا، لا على مثال سبق» (٣).
قال الحليمي ﵀: «ومعناه: المبتدع، وهو يحدث ما لم يكن مثله قط، قال الله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]، أي: مبدعهما،
стр. 53
والمبدع من له إبداع» (١).
قال القرطبي ﵀: «فالله بديع السموات والأرض، أي: منشئها وموجدها ومبدعها، ومخترعها على غير حد ولا مثال» (٢).
قال السعدي ﵀: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧] أي: خالقهما ومبدعهما في غاية ما يكون من الحسن، والخلق البديع، والنظام العجيب المحكم» (٣).
اقتران اسم الله (بديع السماوات والأرض) بأسمائه الحسنى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
لم يقترن اسم الله بديع السماوات والأرض بالأسماء الأخرى.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله بديع السماوات والأرض:
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم الله (بديع السماوات والأرض) من صفاته سُبْحَانَهُ، وتحقيق التوحيد له:
الله سُبْحَانَهُ هو البديع الذي لا مثيل له ولا شبيه، لا في ذاته، ولا في صفاته أو أفعاله، يقول ابن القيم ﵀: «قال في سورة الأنعام: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، فسبحان الله أنى يكون له ولد، وهو مالك ما في السموات والأرض، تشهد
стр. 54
له جميعًا بدلالتها عليه بالوحدانية، وتقر له بالطاعة؛ وهو بارئها وخالقها، وموجدها من غير أصل، ولا مثال احتذاها عليه، وهذا إعلام من الله جل ثناؤه عباده أن مما يشهد له بذلك المسيح الذي أضافوا إلى الله جل ثناؤه بنوته، وإخبار منه لهم أن الذي ابتدع السموات والأرض من غير أصل وعلى غير مثال هو الذي ابتدع المسيح من غير والد بقدرته» (١).
ومن تأمل في آيات الله الكونية رأى الجلال والإجلال والمهابة لهذا الإله العظيم، خالق هذا الكون على أحسن صورة.
وقد وردت آيات كثيرة تدعو إلى النظر في الكون، وما فيه من آيات باهرة عظيمة، ومنها:
- الدعوة للنظر في عجائب السماء، يقول تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] ومما ورد في تفسير الآية: «أي: ولقد جملنا ﴿السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ التي ترونها وتليكم، ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ وهي: النجوم، على اختلافها في النور والضياء، فإنه لولا ما فيها من النجوم، لكانت سقفًا مظلمًا، لا حسن فيه ولا جمال، ولكن جعل الله هذه النجوم زينة للسماء، وجمالًا، ونورًا وهداية يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ولا ينافي إخباره أنه زين السماء الدنيا بمصابيح، أن يكون كثير من النجوم فوق السماوات السبع، فإن السماوات شفافة، وبذلك تحصل الزينة للسماء الدنيا، وإن لم تكن الكواكب فيها» (٢).
- الدعوة للنظر في عجائب الأرض، في قوله تَعَالَى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ
стр. 55
مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤].
«فمن الآيات على كمال قدرته وبديع صنعته: أن جعل ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ﴾ فيها أنواع الأشجار ﴿مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ﴾ وغير ذلك، والنخيل التي بعضها ﴿صِنْوَانٌ﴾ أي: عدة أشجار في أصل واحد، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ بأن كان كل شجرة على حدتها، والجميع ﴿صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ وأرضه واحدة ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ لونًا وطعمًا ونفعًا ولذة؛ فهذه أرض طيبة تنبت الكلأ والعشب الكثير والأشجار والزروع، وهذه أرض تلاصقها لا تنبت كلأ ولا تمسك ماء، وهذه تمسك الماء ولا تنبت الكلأ، وهذه تنبت الزرع والأشجار ولا تنبت الكلأ، وهذه الثمرة حلوة، وهذه مُرَّة، وهذه بين ذلك» (١).
- الدعوة للنظر في عجائب البحار، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢١].
«والمراد بالبحرين: البحر العذب، والبحر المالح، فهما يلتقيان كلاهما، فيصب العذب في البحر المالح، ويختلطان ويمتزجان، ولكن الله تَعَالَى جعل بينهما برزخًا من الأرض، حتى لا يبغي أحدهما على الآخر، ويحصل النفع بكل منهما، فالعذب منه يشربون وتشرب أشجارهم وزروعهم، والملح به يطيب الهواء ويتولد الحوت والسمك، واللؤلؤ والمرجان، ويكون مستقرًّا مسخرًا للسفن والمراكب» (٢).
стр. 56
- الدعوة للنظر في عجائب الليل والنهار، يقول تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢].
«فمخالفته بين الليل والنهار؛ ليسكنوا في الليل، وينتشروا في النهار للمعايش والصناعات، والأعمال والأسفار، وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك؛ ولهذا قال: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك، ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ فإنه لو كان الزمان كله نسقًا واحدًا وأسلوبًا متساويًا لما عرف شيء من ذلك، كما قال تَعَالَى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧٣ - ٧١]» (١).
ومن المعلوم أن من ازداد تأملًا وتفكرًا في خلق الله تَعَالَى؛ ازداد إيمانًا ويقينًا بكمال قدرة البديع وجماله، وهذا يقر في نفس المؤمن توحيد الله بالألوهية والربوبية.
يقول ابن القيم ﵀ في ذلك: «وانفراد الله بالخلق والإبداع ونفوذ المشيئة، وأن الخلق أعجز من أن يعصوه بغير مشيئته، وهذا شاهد لتفرد
стр. 57
الله بالخلق والإبداع وأنه لا حول ولا قوة إلا به» (١).
ولذلك كانت نسبة الولد إليه مسبة له، كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «قَالَ اللهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي، كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ الله وَلَدًا وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْئًا أَحَدٌ» (٢).
وكما أن اسم الله البديع دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله القدير، والخالق، والبارئ، والمصور، والجميل، إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
الأثر الثاني: محبة بديع السماوات والأرض سُبْحَانَهُ:
من آمن بأنه سُبْحَانَهُ بديع لا مثيل له ولا شبيه، وأنه المبدع الذي فطر الخلق ابتداء من غير مثال سبق، فهو سُبْحَانَهُ خلق فأبدع في خلقه- مَن عَلِم كل هذا لزمه محبة البديع سُبْحَانَهُ ذي الصفات العلا جل شأنه.
الأثر الثالث: الدعاء باسم الله بديع السماوات والأرض:
فإن من هدي رسولنا كثرة الدعاء وصدق الطلب، ومن دلائل الدعاء باسم الله البديع: ما رواه أنس بن مالك ﵁ قال: «سمع النبي ﷺ رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان، يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، إني أسألك، فقال
стр. 58
النبي ﷺ : «أَتَدْرُونَ بِمَا دَعَا اللهَ؟ قال فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» (١).
اللهم إنا نسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، الحنان المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم أن تغفر لنا.
стр. 59
البَصِيْرُ ﷻ -
المعنى اللغوي:
قال الجوهري ﵀: «البصر: حاسة الرؤية، وأبصرت الشئ: رأيته» (١).
قال ابن فارس ﵀: «(بصر) الباء والصاد والراء أصلان، أحدهما: العلم بالشيء؛ يقال: هو بصير به، … وأصل ذلك كله: وضوح الشيء، ويقال: رأيته لمحًا باصرًا، أي: ناظرًا بتحديق شديد، ويقال: بصرت بالشيء إذا صرت به بصيرًا عالمًا، وأبصرته إذا رأيته، وأما الأصل الآخر: فبصر الشيء غلظه» (٢).
ورود اسم الله (البصير) في القرآن الكريم:
ورد اسم (البصير) اثنتين وأربعين مرة في كتاب الله، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٥].
وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧].
стр. 60
ورود اسم الله (البصير) في السنة النبوية:
ورد اسم الله (البصير) في السنة النبوية، ومن وروده ما يلي:
عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: «كنا مع النبي ﷺ في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال النبي ﷺ أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، وَلَكِنْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا» (١).
معنى اسم (البصير) في حقه سُبْحَانَهُ:
قال الطبري ﵀: «يعني- جل ثناؤه- بقوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٩٦] والله ذو إبصار بما يعملون، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، بل هو بجميعها محيط، ولها حافظ ذاكر» (٢).
قال ابن كثير ﵀: «﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠]: أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وما ذلك إلا لحكمته ورحمته» (٣).
قال السعدي ﵀: «(البصير) الذي يبصر كل شيء وإن دق وصغر، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، ويبصر ما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق السموات السبع، وأيضًا سميع بصير
стр. 61
بمن يستحق الجزاء بحسب حكمته، والمعنى الأخير يرجع إلى الحكمة» (١).
قال ابن القيم ﵀:
وَهوَ البَصِيرُ يَرَى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّـ … ـوْدَاءِ تَحْتَ الصَّخْرِ وَالصَّوَّانِ
وَيَرَى مَجَارِي القُوتِ فِي أَعْضَائِهَا … وَيَرَى نِيَاطَ عُرُوقِهَا بِعيَانِ
وَيَرَى خِيَانَاتِ العُيُونِ بِلَحْظِهَا … وَيَرَى كَذَاكَ تَقَلُّبَ الأَجْفَانِ (٢)
اقتران اسم الله (البصير) بأسمائه الأخرى سُبْحَانَهُ في القرآن الكريم:
أولًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (البصير) باسمه سُبْحَانَهُ (السميع):
ورد هذا الاقتران في كتاب الله في إحدى عشرة آية، ومن وروده ما يلي:
قوله تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].
وجه الاقتران:
يمكن أن يقال: «إن اسمي (السميع والبصير) يشيران إلى اتصاف الله سُبْحَانَهُ بكمال السمع والبصر، وإحاطتهما ونفاذهما، فكل منهما صفة كمال له ، ويستفاد من اجتماعهما صفة كمال ثالثة، كما هو الشأن في الصفات
стр. 62
المقترنة.
ويمكن اعتبار هاتين الصفتين مجتمعتين دالتين على تنزيهه تَعَالَى عن مشابهة المخلوقين، فإن لهم سمعًا وبصرًا لا كسمعه وبصره ، فضلًا عما يوحي به اقتران الصفتين من إحكام الرقابة على الأقوال والأفعال، والإحاطة التامة للمخلوقات كلها، وأن الله محيط بها لا يفوته شيء منهم، ولا يخفى عليه من أمورهم شيء، بل هم تحت سمعه وبصره.
ثانيًا: اقتران اسمه سُبْحَانَهُ (البصير) باسمه سُبْحَانَهُ (الخبير):
ورد هذا الاقتران خمس مرات في كتاب الله ، من ذلك قوله تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧]، وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر: ٣١].
وجه الاقتران:
اقتران (الخبير) مع (البصير) يفيد شمول علم الله تَعَالَى للبواطن والحقائق، وكذلك للذوات والمشاهدات والمبصرات.
الآثار المسلكية للإيمان باسم الله (البصير):
الأثر الأول: إثبات ما يتضمنه اسم (البصير) من صفات الله سُبْحَانَهُ:
من كمال الله تَعَالَى وجلاله: سعة بصره وعلمه، «فهو سُبْحَانَهُ من تحيرت العقول في عظمته، وسعة متعلقات صفاته، وكمال عظمته ولطفه، وخبرته بالغيب والشهادة، والحاضر والغائب، يرى خائنات الأعين وتقلبات
стр. 63
الأجفان، وحركات الجنان» (١)، فهو سُبْحَانَهُ القائل: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: ٢١٨].
ومظاهر إبصار الله لعباده كثيرة، يمكن تقسيمها بالتالي:
أولًا: مايتعلق باثبات بصر لله سُبْحَانَهُ، كما يليق بجلاله من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل، يقول تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، ومن مظاهر ذلك:
أن الله سُبْحَانَهُ يبصر كل شيء، وإن دق وإن صغر، يقول تَعَالَى مثنيًا على نفسه بعظم وكمال سمعه وبصره: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: ٢٦].
يقول الطبري ﵀ في تفسيره: «وذلك بمعنى المبالغة في المدح، كأنه قيل: ما أبصره وأسمعه، وتأويل الكلام: ما أبصر الله لكل موجود، وأسمعه لكل مسموع، لا يخفى عليه من ذلك شيء» (٢).
فهو سُبْحَانَهُ يبصر ماتحت الأراضي السبع، كما يبصر مافوق السموات السبع، لا يخفى عليه خافية في الأرض ولافي السماء، ولا في الدنيا ولا الآخرة، لا تخالطه الظنون ولا تغيره الحوادث والسنون، لا تواري عنه سماء سماءه، ولا أرض أرضه، ولا جبل ما في وعره، ولا بحر ما في قاعه، يبصر كل شيء ويعلمه، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، مطلع على أعمال الناس وخباياهم.
стр. 64
«فأحاط بصره بجميع المبصرات في أقطار الأرض والسموات، حتى أخفى ما يكون فيها، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وجميع أعضائها الباطنة والظاهرة، وسريان القوت في أعضائها الدقيقة، ويرى سريان المياه في أغصان الأشجار وعروقها، وجميع النباتات على اختلاف أنواعها وصغرها ودقتها، ويرى نياط عروق النملة والنحلة والبعوضة وأصغر من ذلك» (١).
ولله در القائل:
يَا مَنْ يَرَى صَفَّ البَعُوضِ جَنَاحَهَا … فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ البَهِيمِ الأَلْيَلِ
وَيَرَى مَنَاطَ عُرُوقِهَا فِي نَحْرِهَا … وَالمُخَّ مِنْ تِلْكَ العِظَامِ النُّحَّلِ
امْنُنْ عَلَيَّ بِتَوْبَةٍ تَمْحُو بِهَا … مَا كَانَ مِنِّي فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ (٢)
ثانيًا: ما يتعلق بإثبات بصر البصيرة بالأشياء، فهو سُبْحَانَهُ الخبير بها، فيكون متعلقها العلم، ومن مظاهر ذلك:
- أن الله بصير بمن آمن من عباده ومن كفر، يقول تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢].
- والله بصير بما يصلح أحوال خلقه من الغنى والمال، ومن يفسده
стр. 65
ذلك، فيعطي كلًّا منهم ما يستحقه، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] (١).
- والله بصير بما يسر عباده وما يخفونه، يقول تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧].
يقول السعدي ﵀ في معنى السر: «الكلام الخفي ﴿وَأَخْفَى﴾ من السر الذي في القلب ولم ينطق به، أو السر ما خطر على القلب ﴿وَأَخْفَى﴾ ما لم يخطر، يعلم تَعَالَى أنه يخطر في وقته وعلى صفته، المعنى: أن علمه تَعَالَى محيط بجميع الأشياء دقيقها وجليلها خفيها وظاهرها، فسواء جهرت بقولك أو أسررته، فالكل سواء بالنسبة لعلمه تَعَالَى» (٢).
- والله بصير بذنوب عباده، السر منها والعلن، ماظهر منها وما بطن، وسيجازيهم عليها سُبْحَانَهُ، يقول تَعَالَى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ١٧] (٣).
الأثر الثاني: توحيد الله باسمه البصير:
إن إيمان العبد بأن الله سُبْحَانَهُ البصير كما يليق بجلاله من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل، كما قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، يجعله يحقق التوحيد الخالص لله، فلا معبود كمل بصره وعلمه، فاستحق العبادة وحده إلا الله.
стр. 66
يقول السعدي ﵀ في إثبات أنواع التوحيد للبصير سُبْحَانَهُ: «﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ «أي: ليس يشبهه تَعَالَى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله؛ لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تَعَالَى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء؛ لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه، … وهذه الآية ونحوها دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، من إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات، وفيها رد على المشبهة في قوله تَعَالَى: «﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وعلى المعطلة في قوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾» (١).
ولذا قال سُبْحَانَهُ موبخًا الكفار ومسفهًا عقولهم؛ لعبادتهم الأصنام، التي هي من الحجارة الجامدة، لا تتحرك ولا تملك سمعًا ولا بصرًا: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [الأعراف: ١٩٥]، ويقول تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٧، ١٩٨].
وأنكر إبراهيم ﵇ على أبيه عبادته ما لا يبصر ولا يسمع، يقول تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢].
стр. 67
الأثر الثالث: مراقبة الله تعالى، والحياء منه:
إن لهذا الاسم مقتضياته من الذل والخضوع ودوام المراقبة، والإحسان والإخلاص في العبادة، والبعد عن الذنوب.
فمن علم أن ربه مطلع على سائر عمله، واستدام هذا العلم في قلبه؛ استحى أن يراه على معصية أو على ما لا يحب، وصار أكثر مراقبة لله تَعَالَى، فاستقام سلوكه وسمت روحه، وراقب الله في سره وعلانيته.
ومن تأمل الآيات الواردة في القرآن والمختومة بهذا الاسم؛ أدرك تمامًا كمال هذا الاسم وهيبته، ومن ذلك ما يلي:
إبصار الله تَعَالَى لخفايا الخلق، ومعرفته بأزكاهم، وأحقهم للاصطفاء، يقول تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [الحج: ٧٥ - ٧٦].
إبصار الله تَعَالَى لما يحصل في خفايا الليل والنهار، فيرى دبيب النملة السوداء، تحت الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، يقول تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: ٦١].
إبصار الله تَعَالَى لما كان وما يكون، وما نبصر وما لا نبصر، وما يعلم العباد وما لا يعلمون، وأحقيته بالعبادة دون سواه.
إبصار الله تَعَالَى لحال عباده بعد أمرهم بالاستقامة، ومدى التزامهم بالأمر، يقول تَعَالَى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢].
إبصار الله تَعَالَى وشهادته بأحوال عباده وما يدور بينهم، يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٤٣].
وعليه فمن استشعر كمال إبصار الله له واطلاعه على أعماله؛ سلم حتى من معاصي الخلوات، التي حذر منها النبي ﷺ أصحابه، فعن ثوبان ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا الله هَبَاءً مَنْثُورًا، قال ثوبان: يا رسول الله صفهم لنا، جلِّهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا» (١).
وكلما استيقن العبد رؤية البصير سُبْحَانَهُ لعمله ظاهره وباطنه، أورثه ذلك مزيد عناية في عبادته حتى يصل لمرتبة الإحسان، التي قال عنها النبي ﷺ في تعريفها: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (٢).
قال النووي ﵀: «هذا من جوامع الكلم التي أوتيها ﷺ ؛ لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه، لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت، واجتماعه بظاهره وباطنه وعلى الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به» (٣).
стр. 70
ولهذا نجد من تحقق في قلبه الإخلاص، وفهم قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٨ - ٢١٩]، زال من قلبه محبة أن يرى الناس عمله، ويثنون عليه، وهذا الفرق بين المخلص والمرائي، يقول تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٤ - ٢٦٥].
الأثر الرابع: الله سُبْحَانَهُ بصير بما يصلح عباده، وينفعهم.
فالله سُبْحَانَهُ بصير بأحوال عباده في أمور دنياهم قبل أخراهم، فكثير من العباد لا يصلح حاله إلا إذا كان فقيرًا، ولو اغتنى لفسد، فلطَف الله به من حيث لا يشعر، وكذا من كان عقيمًا، فلعل الذرية في مثل حاله تجعله يطغى، فلطَف به البصير من حيث لا يعلم، يقول تَعَالَى في ذلك: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧].
وهو البصيرسُبْحَانَهُ بمن يصلح للهداية ممن لا يصلح لها: يقول تَعَالَى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٥].
стр. 71
وهو البصير سُبْحَانَهُ بالعباد شهيد عليهم، الصالح منهم والطالح، المؤمن والكافر، يقول تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢].
وهذا يجعل العبد يلحظ نفسه، فإن رأى توفيقًا للطاعة وتيسيرًا لأسبابها، حمد الله؛ لأنه علم أن ربه قد زكاه، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]، ومن رأى أن نفسه تميل عن الطاعة للمعصية، جاهد في إصلاحها؛ لأن هذا دليل على أن الطاعة منزلة لا يستحقها، يقول : ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢].
الأثر الخامس: الاطمئنان والثقة بمعية الله وكمال علمه:
من آمن بأن الله بصير؛ امتلأ قلبه طمأنينة، وصبرًا واحتسابًا، وصدق توكله على ربه؛ لأن البصير سُبْحَانَهُ يعلم ويرى ما يقع فيه العباد من كربات ومصائب، ومواجهات مع شياطين الجن والإنس، ومن شواهد ذلك:
قوله تَعَالَى - في تطمين موسى وأخيه هارون، عندما أرسلهما إلى فرعون، فخافا من أذيته-: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٥ - ٤٦]، وقوله أيضًا: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٤٠].
стр. 72
وعندما يطمئن العبد ويثق بربه يصل لمنزلة السكينة، وهي المنزلة التي قال ابن القيم ﵀ في وصفها: «هذه المنزلة من منازل المواهب، لا من منازل المكاسب، … وأصل السكينة هي الطمأنينة والوقار والسكون الذي ينزله الله في قلب عبده عند اضطرابه، من شدة المخاوف، فلا ينزعج بعد ذلك لما يرد عليه، ويوجب له زيادة الإيمان، وقوة اليقين والثبات، ولهذا أخبر سُبْحَانَهُ عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين في مواضع القلق والاضطراب، كيوم الهجرة إذ هو وصاحبه في الغار، والعدو فوق رءوسهم، لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه لرآهما، وكيوم حنين حين ولوا مدبرين من شدة بأس الكفار، لا يلوي أحد منهم على أحد، وكيوم الحديبية حين اضطربت قلوبهم من تحكم الكفار عليهم، ودخولهم تحت شروطهم التي لا تحملها النفوس» (١).
الأثر السادس: محبة البصير سُبْحَانَهُ:
من آمن بأن ربه سُبْحَانَهُ يبصر أعماله، وأحواله، ويرى ضعفه وعجزه وحاجته، ويعلم جميع أمره؛ أحبه سُبْحَانَهُ، ووثق بنصره ومعيته ﷻ .
الأثر السابع: أمر البصير سُبْحَانَهُ لعباده بغض البصر:
فمن عظيم نعم الله تَعَالَى علينا نعمة البصر، وبها امتن الله تَعَالَى على خلقه في آيات كثيرة، منها قوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، وقوله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٨]، وأمر سُبْحَانَهُ نبيه ﷺ أن يأمر المؤمنين
стр. 73
بغض أبصارهم وحفظ فروجهم، وأن يعلمهم أنه مشاهد لأعمالهم، مطلع عليها، يقول سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، والمراد بـ ﴿خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ هي مسارقة النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، … قال قتادة ﵀: «خائنة الأعين: الهمز بالعين فيما لا يحب الله» (١)، قال الضحاك ﵀: «هو قول الإنسان: ما رأيت- وقد رأى-، ورأيت- وما رأى» (٢)، … أما ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ أي: من الضمائر، وتسره من معاصي الله، والله يقضي بالحق فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير وشر (٣).
ولابن القيم ﵀ كلام متين في تسلسل معاصي النظر: من نظرة، لخطرة، للفظة، لخطوة، فيقول في مختصر كلامه:
إن من حفظ اللحظات، والخطرات، واللفظات، والخطوات: أن يكون العبد بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة، فأكثر المعاصي تدخل منها، فاللحظات هي رائدة الشهوات، وحفظها: أصل حفظ الفرج، فمن أطلق بصره أورده موارد الهلكات، وقد قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده، وفيه يقول الشاعر:
كُلُّ الحَوَادِثِ مبْدَاهَا مِنَ النَّظَرِ … وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ
كَمْ نَظْرَةٍ بَلَغَتْ مِنْ قَلْبِ صَاحِبِهَا … كَمَبْلَغِ السَّهْمِ بَيْنَ القَوْسِ والوَتَرِ
стр. 74
وَالعَبْدُ مَا دَامَ ذَا طَرْفٍ يُقَلِّبُهُ … فِي أَعْيُنِ العِينِ مَوْقُوفٌ عَلَى الخَطَرِ
يَسُرُّ مُقْلَتَهُ مَا ضَرَّ مُهْجَتَهُ … لَا مَرْحَبًا بِسُرورٍ عَادَ بِالضَّرَرِ (١)
ولقد عني السلف الصالح بغض البصر عناية عظيمة، ومن ذلك قولهم: «من حفظ بصره؛ أورثه الله نورًا في بصيرته» (٢)، وكان سفيان ﵀ إذا خرج في يوم العيد قال: «إن أول ما نبدأ به اليوم غض أبصارنا» (٣)، وقال ابن مسعود ﵁: «الإثم حواز القلوب (يحز في القلوب)، وما من نظرة إلا وللشيطان فيها مطمع» (٤).
وكان الربيع بن خثيم يغض بصره، فمر به نسوة، فأطرق (أي: أمال رأسه إلى صدره) فظن النسوة أنه أعمى، وتعوذن بالله من العمى (٥).
ومن الوسائل المعينة على غض البصر:
استحضار اطلاع الله، ومراقبته، يقول تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
الاستعانة بالله والانطراح بين يديه ودعائه، قال تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
стр. 75
مجاهدة النفس وتعويدها على غض البصر والصبر على ذلك، والبعد عن اليأس، قال تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، يقول ﷺ « … وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ» (١).
القيام بحقوق الأماكن العامة، كالأسواق والطرقات من غض البصر، وكف الأذى، يقول ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ، فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ» (٢).
الإكثار من نوافل العبادات، فإن الإكثار منها مع المحافظة على القيام بالفرائض، سبب في حفظ جوارح العبد، قال الله تَعَالَى في الحديث القدسي «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (٣).
تذكر شهادة الأرض التي تمارس عليها المعصية، قال تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤].