Полный текст (73 стр.). Показаны 36–73 · переход к 41.
стр. 36
وأرشد الْوُلَاة من حرس ولَايَته بِالدّينِ وانتظم بنظره صَلَاح الْمُسلمين وَرُبمَا أهمل بعض الْمُلُوك أَمر الدّين وعول فِي أُمُوره على قوته وَكَثْرَة أجناده وَلَيْسَ يعلم أَن أجناده إِذا لم يعتقدوا وجوب طَاعَته فِي الدّين كَانُوا أضرّ عَلَيْهِ من كل ضرّ مباين لاقتراحهم عَلَيْهِ مَا لَا ينْهض بِهِ وتحكمهم عَلَيْهِ بِمَا لَا يثبت لَهُ فَإِن سمعُوا بنابغ نبغ عَلَيْهِ قوي طمعهم فِي اجتياج أَمْوَاله وَلم يقنعهم اسْتِيعَاب حَاله فَكَانَ مِنْهُم على شفا جرف لَا يَأْمَن من سطوتهم بِهِ
وَقد قيل من جعل ملكه خَادِمًا لدينِهِ انْقَادَ لَهُ كل سُلْطَان وَمن جعل دينه خَادِمًا لملكه طمع فِيهِ كل إِنْسَان
الدّين وَالْملك
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء يَنْبَغِي للْملك أَن يأنف أَن يكون فِي رَعيته من هُوَ أفضل دينا مِنْهُ كَمَا يأنف أَن يكون فيهم من هُوَ أنفذ أمرا مِنْهُ
стр. 37
وَقَالَ أردشير بن بابك فِي عَهده إِلَى مُلُوك فَارس إِن الدّين وَالْملك توأمان لَا قوام لأَحَدهمَا إِلَّا بِصَاحِبِهِ لِأَن الدّين أس وَالْملك حارس وَلَا بُد للْملك من أسه وَلَا بُد للدّين من حارسه لِأَن مَا لَا حارس لَهُ ضائع وَمَا لَا أس لَهُ منهدم
وَكَيف يَرْجُو من تظاهر بإهمال الدّين استقامة ملك وَصَلَاح حَال وَقد صَار أعوان دولته أضدادها وَسَائِر رَعيته أعداءها مَعَ قبح أَثَره وَعظم وزره وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِي ﷺ ستحرصون على
стр. 38
الأمارة ثمَّ تكون حسرة وندامة يَوْم الْقِيَامَة فنعمت الْمُرضعَة وبئست الفاطمة
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْملك خَليفَة الله فِي عباده وبلاده وَلنْ يَسْتَقِيم أَمر خِلَافَته مَعَ مُخَالفَته
فالسعيد من الْمُلُوك من وقى الدّين بِملكه وَلم يق الْملك بِدِينِهِ وأحيى السّنة بعدله وَلم يمتها بجوره وحرس الرّعية بتدبيره ليَكُون لقواعد ملكه موطدا ولأساس دولته مشيدا ولأمر الله تَعَالَى فِي عباده ممتثلا
أصُول السياسة العادلة
وأصل مَا تبنى عَلَيْهِ السياسة العادلة فِي سيره الرَّغْبَة والرهبة والإنصاف
الرَّغْبَة
فَأَما الرَّغْبَة فتدعو إِلَى التآلف وَحسن الطَّاعَة وتبعث على الإشفاق وبذل النَّصِيحَة وَذَلِكَ من أقوى الْأَسْبَاب فِي حراسة
стр. 39
المملكة
وَقد قيل من وثق بإحسانك أشْفق على سلطانك
وَقَالَ أبرويز أَجْهَل النَّاس من يعْتَمد فِي أُمُوره على من لَا يأمل خَيره وَلَا يَأْمَن شَره
الرهبة
وَأما الرهبة فتحسم خلاف ذَوي العناد وتمنع سعي أهل الْفساد وَذَلِكَ من أقوى الْأَسْبَاب فِي تَهْذِيب المملكة
وَقد قيل من أَمَارَات الْجد حسن الْجد وَمن عَلَامَات الدولة قلَّة الْغَفْلَة
وَقَالَ بعض البلغاء من أعرض عَن الحذر والاحتراس وَبنى أمره على غير أساس زَالَ عَنهُ الْعِزّ وَاسْتولى عَلَيْهِ الْعَجز
стр. 40
الْإِنْصَاف
وَأما الْإِنْصَاف فَهُوَ الْعدْل الَّذِي بِهِ يَسْتَقِيم حَال الرّعية وتنتظم أُمُور المملكة
وَقد قيل من عدل فِي سُلْطَانه اسْتغنى عَن أعوانه
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء الْملك يبْقى على الْكفْر وَلَا يبْقى على الظُّلم فَأَخذه بعض هَذَا الْعَصْر فَقَالَ عَلَيْك بِالْعَدْلِ إِن وليت مملكة وَاحْذَرْ من الْجور غَايَة الحذر (فالملك يبْقى على الْكفْر البهيم وَلَا ... يبْقى مَعَ الْجور فِي بَدو وَلَا حضر)
وَقَالَ الْإِسْكَنْدَر لحكماء الْهِنْد أَيهمَا أفضل الْعدْل أم الشجَاعَة
стр. 41
قَالُوا إِذا اسْتعْمل الْعدْل استغني عَن الشجَاعَة
وَقَالَ أردشير إِذا رغب الْملك عَن الْعدْل رغبت الرّعية عَن الطَّاعَة
الانتصاف
وَأما الانتصاف فَفِيهِ إعزاز الْملك وتوفير الْأَمْوَال وَلَيْسَ فِي الْعدْل ترك مَال من وَجهه وَلَا أَخذه من غير وَجهه بل كلا الْأَمريْنِ عدل لَا استقامة للْملك إِلَّا بهَا
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء لَا يَسْتَغْنِي الْملك عَن الكفاة وَلَا الكفاة عَن الإفضال وَلَا الإفضال عَن الْمَادَّة وَلَا الْمَادَّة عَن الْعدْل
فالملك بِغَيْر كفاة مختل والكفاة بِغَيْر الإفضال مسلطون والإفضال بِغَيْر الْمَادَّة مُنْقَطع وَإِنَّمَا يُقيم الْموَاد بتسليط الْعدْل وَفِي تسليط الْعدْل حَيَاة الدُّنْيَا وبهاء الْملك
стр. 42
وَلَيْسَ تصح هَذِه الْأُمُور بِالْوُقُوفِ على حَدهَا وَاسْتِعْمَال كل وَاحِد مِنْهَا فِي مَوْضِعه فَإِن اسْتِعْمَال الرَّغْبَة فِي مَوضِع الرهبة فَسَاد فِي السياسة وَمَا أحسن مَا قَالَ المتنبي فِي هَذَا الْمَعْنى
(وَوضع الندى فِي مَوضِع السَّيْف بالعلى ... مُضر كوضع السَّيْف فِي مَوضِع الندى)
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء من سَكَرَات السُّلْطَان الرِّضَا عَن بعض من يسْتَوْجب السخط والسخط عَن بعض من يسْتَوْجب الرِّضَا
سياسة الْملك للأعوان والحاشية
وليعلم أَنه لَا استقامة لَهُ ولرعيته إِلَّا بتهذيب أعوانه وحاشيته لِأَنَّهُ لَا يقدر على مُبَاشرَة الْأَمر بِنَفسِهِ وَإِنَّمَا يَسْتَنِيب فِيهَا الكفاة من أَصْحَابه وَقد شبه المتقدمون السائس الْمُدبر للمملكة فِي
стр. 43
السّلم وَالْحَرب بالطبيب الْمُدبر للجسد فِي حفظ الصِّحَّة وعلاج الْأَمْرَاض وشبهوا الْيَدَيْنِ فِي بطشها بالجند والأعوان وَالرّجلَيْنِ بِالْكُرَاعِ وَالظّهْر والعينين بالحجاب والحرس والأذنين بأصحاب الْبَرِيد وَالْأَخْبَار وَاللِّسَان فِي نطقه بالوزراء وَالْكتاب بالخطباء والأعضاء الْمُجَاورَة للقلب بحاشية الْملك على طبقاتهم فِي الْقرب والبعد
وحاجة الْخَاصَّة إِلَى الْعَامَّة فِي الِاسْتِخْدَام كحاجة الْأَعْضَاء الشَّرِيفَة إِلَى الَّتِي لَيست بشريفة لِأَن بعض الْأُمُور لبَعض سَبَب وعوام النَّاس لخواصهم عدَّة وَلكُل صنف مِنْهُم إِلَى الآخر حَاجَة وَإِذا كَانَ أعوانه مِنْهُ بِمَنْزِلَة أَعْضَائِهِ الَّتِي لَا قوام للجسد إِلَّا بهَا وَلَا يقدر على التَّصَرُّف إِلَّا بِصِحَّتِهَا واستقامتها وَجب عَلَيْهِ تَقْوِيم عوجهم وَإِصْلَاح فاسدهم وإبادة من لَا يُرْجَى صَلَاحه مِنْهُم كالسلع الَّتِي لَا يَسْتَقِيم الْجَسَد إِلَّا بقطعها
قَالَ أبرويز من اعْتمد على كفاة السوء لم يخل من رَأْي فَاسد وَظن كَاذِب وعدو غَالب
وأصل مَا يَبْنِي عَلَيْهِ قَاعِدَة أمره فِي اختبار أعوانه وكفاته أَن
стр. 44
يختبر أهل دولته ويسبر جَمِيع حَاشِيَته ويتصفح عُقُولهمْ وآراءهم وَمَعْرِفَة هممهم وأغراضهم حَتَّى يعرف بواطن أَحْوَالهم وكوامن أَخْلَاقهم فَإِنَّهُ إِذا فعل ذَلِك وجد طباعهم مُخْتَلفَة وهممهم متباينة فَيصْرف كل وَاحِد فِيمَا طبع لَهُ وجبل عَلَيْهِ وَلَا يُعْطي أحدهم منزلَة لَا يَسْتَحِقهَا وَلَا يستكفيه أَمر ولَايَة لَا ينْهض بهَا وَلَا ينقصهُ عَن مرتبته الَّتِي يَسْتَحِقهَا بِحسن كِفَايَته فكلا الْأَمريْنِ مُضر وبالسياسة معر
وَقد قَالَ بهْرَام جور لَا شَيْء أضرّ على الْملك من استخبار من لَا يصدق إِذا خبر واستكفاء من لَا ينصح إِذا دبر
وَقد قيل لبرز جمهر كَيفَ اضْطربَ بعض أُمُور آل ساسان وَفِيهِمْ مثلك قَالَ لأَنهم استعانوا بأصاغر الْعمَّال على أكَابِر الْأَعْمَال فآل أَمرهم إِلَى مَا آل
وَقيل من اسْتَعَانَ بأصاغر رِجَاله على أكَابِر أَعماله فقد ضيع الْعَمَل وأوقع الْخلَل
وَقد قَالَ بعض حكماء البلغاء من استوزر غير كَاف خاطر
стр. 45
بِملكه وَمن اسْتَشَارَ غير أَمِين أعَان على هلكه وَمن أسر إِلَى غير ثِقَة ضيع سره وَمن اسْتَعَانَ بِغَيْر مُسْتَقل أفسد أمره وَمن ضيع عَاقِلا دلّ على ضعف عقله وَمن اصْطنع جَاهِلا أعرب عَن فرط جَهله
وليحذر تَوْلِيَة أحد بشفاعة شَفِيع أَو لرعاية حُرْمَة إِذا لم يكن مضطلعا بثقل مَا ولي وَلَا ناهضا بعبء مَا استكفي
فقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء من قلد لذِي الْكِفَايَة سلم وَمن قلد لذِي الرِّعَايَة نَدم
وَكَذَلِكَ لَا يُورث الْأَبْنَاء منَازِل الْآبَاء إِذا لم يتناسبوا فِي الشيم والطباع كَمَا لَا يَرث الأشرار مَرَاتِب آبَائِهِم الأخيار وَلَا يستخدم فِي الكتبة من كَانَ أَبوهُ كَاتبا إِذا كَانَ هُوَ غير كَاتب فَإِن أحب مُكَافَأَة أحد من هَؤُلَاءِ كافأه بِالْمَالِ والصلة وأضرب عَن إطعامه فِي الْولَايَة ليَكُون قَاضِيا لحقوقهم بِمَالِه وَلَا يكن قَاضِيا لحقوقهم بِملكه
حُكيَ أَنه كَانَ على بَاب كسْرَى ساجة منقوشة بِالذَّهَب عَلَيْهَا
стр. 46
مَكْتُوب الْعَمَل للكفاة وَقَضَاء الْحُقُوق على بيُوت الْأَمْوَال
وَمن رَآهُ قد تصدى للمعالي لَيْسَ من أبنائها فَلَا بَأْس باستكفائه إِذا كَانَ على مَا تصدى لَهُ مطبوعا وَإِلَيْهِ مَنْسُوبا إِذْ لَا سَبِيل إِلَى نجباء أَوْلَاد نجباء على الْأَبَد
من يتفقدهم الْملك من أعوانه
وبالملك أَشد الْحَاجة إِلَى تفقد أَربع طَبَقَات وَلَا يَسْتَغْنِي عَن تفقد أَحْوَالهم بِنَفسِهِ لأَنهم عماد مَمْلَكَته وقوام دولته
فالطبقة الأولى الوزراء لأَنهم خلفاؤه وعَلى أَيْديهم تصدر أَفعاله فَإِن أَحْسنُوا نسب إِلَيْهِ إحسانهم وَإِن أساءوا أضيف إِلَيْهِ مساوئهم مَعَ عظم الضَّرَر الدَّاخِل عَلَيْهِ فِي مَمْلَكَته والقدح الموهن لدولته
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ إِذا أَرَادَ الله تَعَالَى بالأمير خيرا جعل لَهُ وَزِير صدق إِن نسي ذكره وَإِن ذكر أَعَانَهُ وَإِذا أَرَادَ الله تَعَالَى بِهِ غير ذَلِك جعل لَهُ وَزِير سوء إِن نسي لم يذكرهُ وَإِن ذكر لم يعنه
стр. 47
والطبقة الثَّانِيَة الْقُضَاة والحكام الَّذين هم مَوَازِين الْعدْل بتفويض الحكم إِلَيْهِم وحراس السّنة باتباعها فِي أحكامهم وبهم ينتصف الْمَظْلُوم من الظَّالِم فِي رد ظلامته والضعيف من الْقوي فِي اسْتِيفَاء حَقه فَإِن قل ورعهم وَكثر طمعهم أماتوا السّنة بِأَحْكَام مبتدعة وأضاعوا الْحُقُوق بأهواء متبعة فَكَانَ قدحهم فِي الدّين أعظم من قدحهم فِي المملكة فِي إبِْطَال الْعدْل أعظم من إضرارهم بالمتحاكمين إِلَيْهِم فِي إبِْطَال الْحق
وَقد قيل من أقبح الْأَشْيَاء سخف الْقُضَاة وظلم الْوُلَاة
وَقَالَ أنو شرْوَان مَا عدل من جارت قُضَاته وَلَا صلح من فَسدتْ كفاته
والطبقة الثَّالِثَة أُمَرَاء الأجناد الَّذين هم أَرْكَان دولته وحماة مَمْلَكَته والذابون عَن حَرِيم رَعيته والمالكون أَعِنَّة أجناده والعاطفون بهم على صدق نصرته وموالاته فَإِذا استقامت لَهُ هَذِه الطَّبَقَة استقام لَهُ جَمِيع أعوانه وَإِن اضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ فسد نظام تَدْبيره مَعَ سَائِر أجناده لأَنهم إِلَى طَاعَة أمرائهم أسْرع وَلقَوْل كبرائهم أطوع فَإِذا خَافَ سطوة من بهم يَسْطُو وَلم يَأْمَن جَانب من
стр. 48
بهم ينجو كَانَ بِملكه مغررا وبنفسه مخاطرا
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء إِن الْوَفَاء لَك بِقدر الْجَزَاء مِنْك
والطبقة الرَّابِعَة عُمَّال الْخراج الَّذين هم جباة الْأَمْوَال وعمار الْأَعْمَال والوسائط بَينه وَبَين رَعيته فَإِن نصحوا فِي أَمْوَاله وَعدلُوا فِي أَعماله توفرت خزانته بسعة الدخل وعمرت بِلَاده ببسط الْعدْل
وَقد قيل فَضِيلَة السُّلْطَان عمَارَة الْبلدَانِ وَإِن خانوا فِيمَا اجتبوه من أَمْوَاله وجاروا فِيمَا تقلدوه من أَعماله نقصت مواده وَخَربَتْ بِلَاده وَتغَير عَلَيْهِ لقلَّة دخله أجناده وتولد مِنْهُ مَا لَيْسَ يحل فَسَاده
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء ظلم الْعمَّال ظلمَة الْأَعْمَال
وَحكي أَن الْمَأْمُون جلس يَوْمًا وَحضر الْعمَّال فقبلهم أَعمال السوَاد واحتاط فِي الْعُقُود فَلَمَّا فرغ قَامَ إِلَيْهِ عبيد الله بن الْحسن الْعَنْبَري فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله تَعَالَى دَفعهَا إِلَيْك أَمَانَة
стр. 49
فَلَا تخرجها عَن يدك قبالة قَالَ صدقت وَفسخ ذَلِك وَإِنَّمَا أَرَادَ عبيد الله ابْن الْحسن الْعَنْبَري أَن تَقْبِيل الْأَعْمَال ذَرِيعَة إِلَى تحكيم الْعمَّال وتحكيمهم سَبَب لخراب الْأَعْمَال فَتنبه الْمَأْمُون على مُرَاده
تفقد الْملك بِنَفسِهِ لمن يستخدمهم فِي شئونه الْخَاصَّة
وَهَا هُنَا طبقَة أُخْرَى يجب أَن يتفقد أَحْوَالهم بِنَفسِهِ غير أَنهم يختصون بحراسة نَفسه لَا لسياسة ملكه وهم الَّذين يستخدمهم فِي مطعمه ومشربه وملبسه وَمن يقرب مِنْهُ فِي خلوته فَإِنَّهُم حصنه من الْأَعْدَاء وجنته من الأسواء
стр. 50
وَقد اخْتَار حكماء الْمُلُوك أَن لَا يستخدموا فِي مثل هَذَا إِلَّا أحد ثَلَاثَة
إِمَّا من تربى مَعَ الْملك وألفه
وَإِمَّا من رباه الْملك على أخلاقه
وَإِمَّا من رَبِّي الْملك فِي حجره
فَإِن هَؤُلَاءِ أهل الصدْق فِي موالاته ونصح فِي خدمته وعلو فِي حفاظه ورعايته وَمن أجل ذَلِك وَجب أَن يكون إحسانه إِلَيْهِم أَكثر وتفضله عَلَيْهِم أظهر ويتولى فعل ذَلِك بِنَفسِهِ وَلَا يكلهم إِلَى غَيره
فقد قيل فِي سالف الحكم إِنَّه لَيْسَ من استكره نَفسه فِي حظك كمن كَانَ حَظه فِي طَاعَتك
تفقده لمن سوى هَؤُلَاءِ
ثمَّ يتفقد من سوى هَذِه الطَّبَقَات بِحَسب مَنَازِلهمْ فِي خدمته فقد قيل من قضيت واجبه أمنت جَانِبه
стр. 51
تصفح أَحْوَال الْحَاشِيَة فِي زمَان السّلم
وليعلم أَن لكل طبقَة من الْحَاشِيَة والأعوان آفَة مفْسدَة وبلية قادحة يقف عَلَيْهَا عِنْد سبرهم واختبارهم وَيظْهر مَا استكن مِنْهَا بالبحث عَن أَحْوَالهم
وَقد قيل آفَة الْمُلُوك سوء السِّيرَة وَآفَة الوزراء خبث السريرة وَآفَة الْجند مُخَالفَة القادة وَآفَة الرّعية مُفَارقَة الطَّاعَة وَآفَة الزعماء ضعف السياسة وَآفَة الْعلمَاء حب الرياسة وَآفَة الْقُضَاة شدَّة الطمع وَآفَة الْعُدُول قلَّة الْوَرع وَآفَة الْملك تضَاد الحماة وَآفَة الْعدْل ميل الْوُلَاة وَآفَة الجريء إِضَاعَة الْعَزْم وَآفَة الْقوي استضعاف الْخصم وَآفَة الْمجد عوائق الْقَضَاء وَآفَة الْمُشَاورَة انْتِقَاض الآراء وَآفَة الْمُنعم قبح الْمَنّ وَآفَة المذنب سوء الظَّن
حسم مواد الْفساد
فَإِذا وقف على مواد فسادهم وَأَسْبَاب آفاتهم حسم ببحثه وسبره الْموَاد الْفَاسِدَة وَقطع بكشفه وَخَبره الْأَسْبَاب الموهنة لتستقيم لَهُ
стр. 52
مصَادر الْأُمُور ويأمن نتائج التَّقْصِير
تفقد الْمُلُوك سيرة حماة الْبِلَاد وولاة الْأَطْرَاف
وَيكون كثير الاعتناء بسيرة حماة الْبِلَاد وولاة الْأَطْرَاف الَّذين قد فوض إِلَيْهِم أمانات ربه واستخلفهم على حفاظ خلقه فَينْدب لذَلِك من أمنائه من قد حَاز خِصَال التَّفْوِيض وَاسْتحق بحزمه وشهامته الْولَايَة والتقليد
وَقد قَالَ أردشير فِي بعض حكمه لَا يصلح لسد الثغور وقود الجيوش وتدبير الْخُيُول وحراسة الأقاليم إِلَّا من تكاملت فِيهِ خمس خلال
حزم يتَيَقَّن بِهِ عِنْد موارد الْأُمُور وحقائق مصادرها وَعلم يحجزه عَن التهور فِي المشكلات إِلَّا عِنْد تجلي فرصتها وشجاعة لَا ينقصها الملمات بتواتر جوائحها وعظيم هولها وَصدق فِي الْوَعْد والوعيد يوثق مِنْهُ بِالْوَفَاءِ عَلَيْهَا وجود يهون عِنْده تبذير الْأَمْوَال عِنْد ازدحام السُّؤَال عَلَيْهِ
стр. 53
وَهَذِه خِصَال إِن لم يحزها ذَوُو السياسة ويكملها أولو الرِّعَايَة كَانَ إخلالهم فِيمَا يقلدون من أَعْمَالهم بِقدر إخلالهم بِمَا عدموه مَعَ تَكَامل خصالهم وَقد يقْتَرن بِهَذِهِ الْخِصَال مَا يُخَالف حَاله على حسب اخْتِلَاف الزَّمَان فَرُبمَا حمد من أخلاقه فِي بعض الْأَزْمَان اللين واللطف وَفِي بعض الْأَزْمَان الخشونة والعنف فَإِن لكل زمَان حكما وَلكُل قوم تدبيرا
وَقد وصف عمر بن الْخطاب رضوَان الله عَلَيْهِ أَخْلَاق الْوُلَاة فَقَالَ لَا يصلح أَن يَلِي أَمر الْأمة إِلَّا حصيف الْعقْدَة قَلِيل الْغرَّة بعيد الهمة لَا يخْشَى فِي الله لومة لائم ثمَّ يكون شَدِيدا من غير عنف لينًا من غير ضعف جوادا من غير سرف
وَهَذِه الْأَخْلَاق الَّتِي وصفهَا يجب أَن تكون لَازِمَة لكل وَال مطبوعة فِي كل مُدبر
ثمَّ يحفظ مَرَاتِب جَمَاعَتهمْ وَينزل كل وَاحِد مِنْهُم الْمنزلَة الَّتِي يَسْتَحِقهَا لكفايته وَحسن أَثَره فَإِن حفظ الْمَرَاتِب فِي المملكة أولى من حفظ السّمع وَالْبَصَر لعظم المنافسة فِيهَا وَكَثْرَة
стр. 54
الْمُزَاحمَة عَلَيْهَا وَقد يُدَلس عَلَيْهَا كتدليس البهرج وترشح لَهَا من لَيْسَ من أَهلهَا غَاصبا عَلَيْهَا فتصغر فِيهَا أَيدي أَرْبَابهَا وَينفذ فِيهَا حكم غصابها وَلَيْسَ كل من تعاظم بعظيم وَلَا كل من تسود بِسَيِّد صَار والناسك غير المتناسك والشريف غير المتشرف وَلَا خير فِي مملكة الرؤوس فِيهَا أذنابا والأذناب رؤوسا
وَهَذَا أَمر يجب صرف الاهتمام إِلَيْهِ لما فِي نظامه من نضارة الْملك وغضارته وبهجة الْعَيْش ولذته إِذْ لَا شَيْء أعظم إيحاشا من إِضَاعَة مثله سعي الكفاة وَرفع السفلة الدناة
فَإِذا حمد سعي صَاحب فِي ولَايَته أقره على عمله فَإِنَّهُ وَإِن حسن أَن ينْقل الْجند من مرتبَة إِلَى أُخْرَى فَلَيْسَ بصواب أَن ينْقل وَالِي مَدِينَة إِلَى مَدِينَة أُخْرَى وَلَا وَصَاحب خراج إِلَى ولَايَة أُخْرَى بل تكون ولَايَته مَا بَقِي على جميل السِّيرَة فَإِن أَتَى بِمَعْصِيَة أَو خِيَانَة صرفه صرفا لَا ولَايَة بعده إِلَّا عَن تَوْبَة وإقلاع
وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الْحَاشِيَة والحكام وَالْعلَّة فِي ذَلِك أَنه مَتى عرف من السُّلْطَان أَنه يرى الصّرْف والاستبدال اعْتقد كل وَال أَن أَيَّامه قَصِيرَة فَعمل لسوق يَوْمه محتجنا للأموال فِي صدر ولَايَته
стр. 55
وَلم يلْتَفت إِلَى صَلَاح غده فَإِذا صرف خلف الْبِلَاد على من بعده مَرِيضَة ثمَّ زَادهَا الثَّانِي مَرضا حَتَّى تخرب
فَإِذا سكنت نفس النَّاظر أَن أَعماله مقرة عَلَيْهِ نظر فِيهَا كنظر الشافي غلاتهم وَكَانَ فكره فِي صَلَاح غده قبل فكره صَلَاح يَوْمه لعلمه بِأَن خير الْعَاقِبَة أَو شَرها عَائِد عَلَيْهِ ومنسوب إِلَيْهِ
وَليكن نزها عَن أَمْوَالهم غير طامع فِي شَيْء من أَحْوَالهم فَإِنَّهُ إِن طمع مِنْهُم فِي الْيَسِير أطمعهم فِي الْكثير وَإِن أَخذ مِنْهُم مَالا أخذُوا مِنْهُ أضعافه فيظن أَنه قد ارتفق بِمَال غَيره وَهُوَ قد أَخذ بعض حَقه مَعَ قبح القالة وَسُوء العاقية
وَقد قيل من طمع فِي أَمْوَال عماله ألجأ بهم إِلَى اقتطاع أَمْوَاله
وَقَالَ أنو شرْوَان من خَافَ شرك أفسد أَمرك
وَقَالَ أردشير لَا ترجو خير من لَا يَرْجُو خيرك وَلَا تأمن جَانب
стр. 56
من لَا يَأْمَن جَانِبك
فَإِن ظهر مِنْهُم على مَال قد احتجنوه أَو حق قد خانوه طالبهم بِهِ مُطَالبَة الْمَدِين الْمنصف ثمَّ كَانَ من وَرَاء تأديبهم بعد اسْتِيفَاء حَقه واسترجاع مَاله
وَإِذا وجد من بعض خدمه هفوة أَو تقصيرا لم يَأْته عمدا وَلَا فعله قصدا لم يَأْخُذهُ بذنب الدَّهْر وعوائق الْقَضَاء مَعَ حسن الثِّقَة بِهِ
فقد قيل أَي عَالم لَا يهفو وصارم لَا ينبو وجواد لَا يكبو
وَقَالَ الشَّاعِر
(وَلست بمستبق أَخا لَا تلمه ... على شعث أَي الرِّجَال الْمُهَذّب)
стр. 57
وَإِذا قطعت بَعضهم عَن الْخدمَة قواطع ظَهرت أعذارها ووضح برهانها لم يكلفه فعل مَا لَيْسَ فِي وَسعه فقد تقطع الْمُلُوك القواطع عَن حُقُوق أنفسهم فَكيف بأوليائهم وخدمهم
استخبار الْملك عَن رَعيته وحاشيته والنائبين عَنهُ
وَإِن الْملك جدير أَن لَا يذهب عَنهُ صغبر وَلَا كَبِير من أَخْبَار رَعيته وأحوال حَاشِيَته وسيرة خلفائه والنائبين عَنهُ فِي أَعماله بمداومة الاستخبار عَنْهُم وَبث أَصْحَاب الْأَخْبَار فيهم سرا وإعلانا وَينْدب لذَلِك أَمينا يوثق بِخَبَرِهِ وَينْصَح الْملك فِي مغيبه ومحضره غير شَره فيرتشي وَلَا ذِي هوى فيعتدي لتَكون النَّفس إِلَى خَبره سَاكِنة وَإِلَى كشفه عَن حقائق الْأُمُور راكنة فَإِنَّهُ لَا يقدر على رِعَايَة قوم تخفى عَنهُ أخبارهم وتنطوي عَنهُ آثَارهم فَرُبمَا ظن استقامة الْأُمُور بتمويه ألحق بِهِ فأفضى ذَلِك إِلَى هَلَاك رَعيته وانتهز الْعَدو فرْصَة غفلته واستثار من وهج ناره وشره مَا عساه يصعب بعد أَن كَانَ سهل المرام ويقوى بعد أَن كَانَ ضَعِيف القوام
стр. 58
وَإِذا كَانَ باحثا عَن الْأَخْبَار انْكَشَفَ لَهُ غطاء الْغَفْلَة وانجلت عَنهُ شبه الْحيرَة فساس الْأُمُور ببصيرته وحرس الرّعية بإيقاظ عزيمته وتهيب أعوانه فعل الجرائر فاستقاموا وتجنبوا قبح المطالب فانصانوا
وَتَكون عنايته بأخبار من بعد عَن حَضرته كعنايته بأخبار من قرب مِنْهَا بل رُبمَا كَانَ ذَلِك أهم لِأَن بعد الديار يبسط أَيدي الظلمَة فَإِذا وَافق بعد دَارهم قلَّة الاستخبار عَن أَحْوَالهم أمنُوا فِي اتِّبَاع أهوائهم وَسَكنُوا إِلَى الْغَفْلَة عَن أفعالهم فَكَانَت أَيْديهم مبسوطة فِي الرعايا وأهواؤهم محكمَة فِي القضايا فَرُبمَا أفْضى ذَلِك إِلَى فَسَاد نياتهم فِي الطَّاعَة لقبح آثَارهم وسو أفعالهم لِأَن الْمُسِيء مستوحش
حذر الْملك من قبُول السّعَايَة فِي أَصْحَابه
وَمِمَّا يَنْبَغِي للْملك أَن يحذرهُ قبُول السّعَايَة فِي أَصْحَابه فَإِن ذَلِك يوحش الناصح وَيسر الخائن وَيفتح للسعاية أَبْوَاب الرشى
وليعلم أَن السَّاعِي لم يحملهُ على سَعْيه إفراط النَّصِيحَة مِنْهُ
стр. 59
لسلطانه وَإِنَّمَا يفعل ذَلِك إِمَّا حسدا لمن سعى بِهِ أَو طلبا للتشفي مِنْهُ بِمَا شَاءَ للخظوة عِنْد السُّلْطَان فيوطىء الْملك الرِّشْوَة وَيدخل عَلَيْهِ الشُّبْهَة حَتَّى يتَصَوَّر الْأمين بِصُورَة الخائن والمحسن بِصُورَة الْمُسِيء فَيكون إضراره بِمن سعى إِلَيْهِ أَكثر من إضراره بِمن سعى عَلَيْهِ
وَقد رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ إيَّاكُمْ ومهلك الثَّلَاثَة قيل وَمن مهلك الثَّلَاثَة قَالَ الَّذِي يسْعَى بأَخيه إِلَى سُلْطَانه فَيهْلك نَفسه وسلطانه وأخاه
وَقد قيل فِي منثور الحكم السَّاعِي كَاذِب لمن سعى إِلَيْهِ وخائن لمن سعى عَلَيْهِ
وَوَقع الْمَنْصُور فِي رقْعَة متنصح تقربت إِلَيْنَا فِيمَا باعدك من الله
стр. 60
وَلَا ثَوَاب لمن آثرنا عَلَيْهِ
فَإِذا حسم قبُول السّعَايَة فِي أَصْحَابه أكذب ظنون السّعَايَة فيهم وَأَيْقَظَ عزمه فِي قلَّة الْغَفْلَة عَنْهُم فَإِذا علمُوا أَنه لَيْسَ يخفي شَيْء من أفعالهم عَلَيْهِ أقلع الخائن عَن خيانته وازداد الناصح نصحا فِي ولَايَته
مراقبة أَحْوَال النُّقُود وَأمر جباتها
وليعلم الْملك أَن فِي الْأُمُور الَّتِي يعم نَفعهَا إِذا صلحت ويشتمل ضررها إِذا فَسدتْ فَمِنْهَا
أَمر الدَّرَاهِم والنقود فَإِن مَا يعود على الْملك من نفع صَلَاحهَا بسعة دخله وَقلة خرجه أَضْعَاف مَا يعود من نَفعهَا على رَعيته فَإِن سامح فِي غشها وأرخص فِي خلط الْفضة بغَيْرهَا حدث من ضَرَر فَسَادهَا مَا يُقَابل نفع صَلَاحهَا لِأَنَّهُ إِذا خلط الْفضة بِمِثْلِهَا وَجعل فِي كل عشرَة خَمْسَة خرقا وَخَمْسَة مسَاوٍ ورام أَن تُؤْخَذ بِقِيمَة الْفضة الْخَالِصَة كَانَ محالا وَإِن رام أَن تُؤْخَذ بِقِيمَتِهَا لم يجد ذَلِك نفعا
стр. 61
وَكَأَنَّهُ غير مكيالا ووزنا مَعَ إِفْسَاد الْفضة وخسران الْعَمَل وَإِذا طَال مكثها وَكثر لمسها قبحت عِنْد النَّاس فتجنبوا قبض قبيحها وَرَغبُوا فِي قبض طريها ومليحها وبهرج أَصْحَاب اللّبْس عَلَيْهَا بِضَرْب كثير الْغِشّ يكون أحسن من عتق تِلْكَ فتفسد النُّقُود ويتجنب النَّاس قبض الدَّرَاهِم ويمتنعوا من بيع الْأَمْتِعَة إِلَّا بِالْعينِ أَو الْفضة الْخرق وَتبطل معاملات النِّسَاء فينهك المستور المرق وَلَا يصل إِلَى أَرْبَاب الْأَمْوَال الجامة فتدعو الضَّرُورَة إِلَى تَغْيِير الضَّرْب فَإِن غير بِمثلِهِ كَانَ حَاله فِي الْمُسْتَقْبل كحاله فِي الأول
وَإِذا عرف من السُّلْطَان تَغْيِير ضربه فِي كل عَام عدل النَّاس عَن ضربه الى ضرب غَيره حذرا من الوضيعة والخسران وَكَانَ عدولهم إِلَى ضرب غَيره موهنا لسلطانه وَإِذا كَانَ أَمر النَّقْد مُسْتَقِيمًا أَمن من جَمِيع ذَلِك وَكَانَ المتقدمون يجْعَلُونَ ذَلِك دعامة من دعائم الْملك
تفقد الْملك للرعية
وَيَنْبَغِي للْملك أَن يُقيم رَعيته مقَام عِيَاله واللائذين بِهِ فِي ارتياد موادهم وَإِصْلَاح معاشهم بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِم وَحذف الْأَذَى عَنْهُم وَلَا يهمل حَالهم وَيصرف نَفسه عَن تفقد شَأْنهمْ فيصيروا رعية قهر وفريسة دهر تتشذب أَحْوَالهم غَفلَة السُّلْطَان وحوائج الزَّمَان
стр. 62
فقد قَالَ النَّبِي ﷺ كلكُمْ رَاع وكللكم مسئول عَن رَعيته
وَكتب عمر بن الْخطاب رضوَان الله عَلَيْهِ إِلَى أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَن أسعد الرُّعَاة من سعدت بِهِ رَعيته وأشقاهم فِي الدَّاريْنِ من شَقوا بِهِ وَإنَّك إِن ترتع عمالك فَيكون مثلك مثل الْبَهِيمَة رَأَتْ أَرضًا خضرَة ونباتا حسنا فرتعت تلتمس السّمن وَإِنَّمَا حتفها فِي سمنها
وَكتب الْحجَّاج إِلَى عبد الْملك بن مَرْوَان أَن يحملهُ على أهل
стр. 63
السوَاد فَكتب أليه عبد الْملك لَا تكن على درهمك الْمَأْخُوذ أحرص مِنْك على درهمك الْمَتْرُوك وأبق لَهُم لحوما يعقدوا بهَا شحوما
الاهتمام بأمن السبل والمسالك
ويهتم كل الاهتمام بأمن سبلهم ومسالكهم وتهذيب طرقهم ومفاوزهم من أهل الزعارة والمفسدين لينتشر النَّاس فِي متاجرهم آمِنين فَكثر جلبهم وتخصبت بِلَادهمْ وَيكون نفع جَمِيعهم عَاما وَدخل موادهم جَاما فَيصير رفق السُّلْطَان بذلك أعظم من رفق رَعيته وعقباه أَنْفَع فِي مَمْلَكَته
مُسَاوَاة الْملك نَفسه مَعَ الرّعية
وَيَنْبَغِي أَن يُسَاوِي بَينهم وَبَين نَفسه فِي الْحق لَهُم وَعَلِيهِ وَلَا يقدم فِيهِ شريفا على مشروف وَلَا قَوِيا على ضَعِيف بل يعدل بَين جَمِيعهم فِي الْقَضَاء وَيجْرِي الحكم على الْخَاصَّة والعامة بالسواء فَإِن ذَلِك أحسم لمواد الظلمَة وأقطع لشره الْغَلَبَة
وَقد قيل من جارت قَضيته ضَاعَت رَعيته
стр. 64
وَسَأَلَ ملك ناسكا عَن الْإِخْلَاص فَقَالَ الناسك ثَلَاث اعْدِلْ فِي الْقَضِيَّة واقسم بِالسَّوِيَّةِ واعدد نَفسك وَاحِدًا من الرّعية
وَقَالَ الْوَلِيد بن عبد الْملك لِأَبِيهِ يَا أبه مَا السياسة قَالَ هَيْبَة الْخَاصَّة مَعَ صدق محبتها واستمالة قُلُوب الْعَامَّة بالإنصاف لَهَا وَاحْتِمَال هفوات الصَّنَائِع فَإِن شكرها لأَقْرَب الْأَيْدِي إِلَيْهَا
ويتعهد حَالَة الْفَقِير بَينهم بِالْبرِّ وَالصَّدَََقَة ويراعي خلة الْكَرِيم مِنْهُم بالزور والصلة فَإِن إحسانه إِلَى الْفُقَرَاء يشكره عَلَيْهِ الْأَغْنِيَاء
كَانَ الموبذان إِذا دخل على أنو شرْوَان يَقُول يَا ملك الْمُلُوك استدم النعم بالْعَطْف على الرّعية وأهن طَعَامك بإشباع الجائع وَرَاء بابك والتحف بالأمن بإنصاف النَّاس من نَفسك يَا ملك الْمُلُوك أعْط الْحق من نَفسك يتعاطاه النَّاس وَرَاء بابك يَا ملك الْمُلُوك أظهر الْعدْل فِي دَارك يتعامل بِهِ أهل مملكتك يَا ملك الْمُلُوك وَاحْذَرْ
стр. 65
النِّسَاء تسلم
وَقد قيل فِي منثور الحكم بالراعي تصلح الرّعية وبالعدل تملك الْبَريَّة
كَيْفيَّة مُعَاملَة الْملك للأخيار والأشرار من رَعيته
وَيَنْبَغِي أَن يُمَيّز أخيار رَعيته فيخصهم بالإكرام والتقريب ويقمع أشرارهم بالإبعاد والتأديب لِيَرْغَبُوا فِي منَازِل الأخيار ويقلعوا عَن أَخْلَاق السفلة الأشرار ويأمن أهل الْوَرع والسلامة خوف عُقُوبَته ويوطن أهل الْبَريَّة والذعارة أنفسهم على حُلُول نقمته
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء انقياد الأخيار بِحسن الرَّغْبَة وانقياد الأشرار بطول الرهبة
قَالَ الشَّاعِر
(إِذا كُنْتُم للنَّاس فِي الأَرْض سادة ... فسوسوا كرام النَّاس بالحلم والبذل)
стр. 66
(وسوسوا لئام النَّاس بالذل وَحده ... جَمِيعًا فَإِن الذل يصلح للنذل)
ويراعي أهل النّسك وَالصَّلَاح بغاية الإعظام ويعتمدهم بأجزل الإكرم ويتقرب إِلَيْهِم بِطَاعَة الله تَعَالَى فِي خلقه وَالرَّغْبَة إِلَيْهِ فِي أَدَاء حَقه ليكونوا لفعله حامدين وَإِلَى الله بِالدُّعَاءِ لَهُ مبتهلين فَلَنْ يعْدم من الله سُبْحَانَهُ إِجَابَة دُعَائِهِمْ
رِعَايَة الْعلم ومراعاة الْعلمَاء
فَأَما الْعلم فَيَنْبَغِي للْملك أَن يعرف فَضله ويستبطن أَهله ليَكُون بِالْعلمِ موسوما وَإِلَيْهِ مَنْسُوبا فَإِن الْإِنْسَان مَوْسُوم بسيما من قاربه ومنسوب إِلَيْهِ أفاعيل من صَاحبه وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِي ﷺ الْمَرْء على دين خَلِيله
وَقَالَ الْمَرْء مَعَ من أحب
стр. 67
وَقَالَت الْحُكَمَاء يظنّ الْمَرْء مَا يظنّ بقرينه
وَقد تخْتَص الْمُلُوك من هَذَا بِمَا يباينون بِهِ من سواهُم لخفاء أَحْوَالهم عَن الرّعية فيقضون عَلَيْهِم بِمَا قد عرفوه من أَحْوَال بطائنهم فَإِن استبطنوا الْعلم قضوا عَلَيْهِم بِالْعلمِ وَإِن استبطنوا الْجَهْل قضوا عَلَيْهِم بِمَا عرفوه من أَحْوَال بطانتهم الْجُهَّال وَإِن علمُوا مَا ينتشر من الْفساد الْعَظِيم بإهمال الْعلمَاء وَترك مُرَاعَاتهمْ وَذَلِكَ أَنه رُبمَا بعث بَعضهم قلَّة الْمَادَّة وَضعف الْحَال على مُسَامَحَة النَّفس فِي التبذل وارتكاب الشّبَه فِي التكسب فَإِذا وَافق ذَلِك إِعْرَاض السُّلْطَان عَنْهُم قبحت آثَارهم عِنْد الْعَامَّة وتقاصرت رتبتهم عِنْد الْخَاصَّة فهجروا هجر الْأَعْدَاء وزجروا زجر السُّفَهَاء ثمَّ سرى ذَلِك فِي حواصهم ومتصونيهم وَعم فِي جنسهم ومتدينهم فَذَهَبت بهجة الْعلم وبهاؤه وَقل طلابه وعلماءه وَصَارَ ذَرِيعَة إِلَى انقراضه ودراسته
ثمَّ لَا يبعد أَن يظْهر أهل نحل مبتدعة ومذاهب مخترعة يزوقون كلَاما مموها ويزخرفون مذهبا مشوها يخلبون بِهِ قُلُوب الأغمار ويعتضدون على نصرته بالسفلة الأشرار فَيصب النَّاس إِلَيْهِم وينعطفوا عَلَيْهِم بخلابة كَلَامهم وَحسن ألطافهم مَعَ أَن لكل جَدِيد لَذَّة وَلكُل مستحدث صبوة وَقَالَ النَّبِي ﷺ إِن أخوف
стр. 68
مَا أَخَاف على أمتِي مُنَافِق عليم اللِّسَان
فَتَصِير حِينَئِذٍ الْبدع فَاشِية ومذاهب الْحق واهية ثمَّ يُفْضِي بهم الْأَمر إِلَى التحزب والعصبة فَإِذا رَأَوْا كَثْرَة جمعهم وَقُوَّة شوكتهم داخلهم عز الْقُوَّة ونخوة الْكَثْرَة فتضافر جهال نساكهم وفسقة عُلَمَائهمْ بالميل على مخالفيهم فَإِذا استتب لَهُم ذَلِك زاحموا السُّلْطَان فِي رئاسته وقبحوا عِنْد الْعَامَّة جميل سيرته فَرُبمَا انفتق مَالا يرتق فَإِن كبار الْأُمُور تبدو صغَارًا
وَقد قَالَ النَّبِي ﷺ أهلك أمتِي رجلَانِ عَالم فَاجر وجاهل متعبد وَسُئِلَ عَن شرار الأشرار فَقَالَ شرار الْعلمَاء
وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵁ قَصم ظَهْري رجلَانِ
стр. 69
ناسك جَاهِل يَدْعُو إِلَى جَهله بنسكه وعالم فَاسق يَدْعُو إِلَى فسقه بِعِلْمِهِ
وَهَذَا أَمر يجب على الْملك مراعاته لما فِيهِ من حراسة الدّين وَحفظ المملكة وحسم ذَلِك أَن يُرَاعِي الْعلم وَأَهله وَيصرف إِلَيْهِم حظا من عنايته ويعتمد أهل الْكَفَاءَة مِنْهُم بالتقريب والصيانة وَأهل الْحَاجة مِنْهُم بالرفد والإعانة فَفِي ذَلِك بهاء الْملك وإعزاز الدّين
وَقد قيل إِن من إجلال الشَّرِيعَة إجلال أهل الشَّرِيعَة
مُكَافَأَة المحسن ومجازاة الْمُسِيء
وَليكن الْمَعْرُوف من شيمه والمألوف من أخلاقه أَنه يُكَافِئ المحسن بإحسانه ليألف النَّاس الْإِحْسَان رَغْبَة فِي إحسانه من غير أَن يَجْعَل لجائزته حدا لصلته قدرا فَإِن ذَلِك أبسط للأمل فِيهِ وَلَا يعرف مِنْهُ فِي الْمُسِيء شِيمَة مألوفة لَا فِي عَفْو وَلَا فِي عُقُوبَة لِأَن الْمُسِيء إِذا عرف مِنْهُ الْعَفو اجترأ وَإِن عرف مِنْهُ الْعقُوبَة قنط وَإِن لم يعرف مِنْهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا كَانَ على رَجَاء عَفوه وَخَوف من عُقُوبَته فَكَانَ ذَلِك أبلغ فِي تأديبه ومصلحته فَإِن رَآهُ أَهلا للعفو عَفا عَنهُ
стр. 70
قَالَ النَّبِي ﷺ عَفْو الْمُلُوك بَقَاء الْملك وَإِن رَآهُ للعقوبة مُسْتَحقّا عاقبه أدبا لَا غَضبا عَلَيْهِ
خِصَال فِي سياسة مملكة وحراسة دولة
فقد قَالَ أنو شرْوَان إِنِّي بلغت هَذِه الرُّتْبَة بثمان خِصَال وَذَلِكَ أَنِّي لم أهزل فِي أَمر وَلَا نهي قطّ وَلَا أخلف فِي وعد وَلَا وَعِيد قطّ وَوليت للكفاية وَأثبت للغناء لَا للهوى وعاقبت للأدب لَا للغضب وأودعت قُلُوب الرّعية شدَّة الْمحبَّة من غير جرْأَة وَقُوَّة الهيبة من غير ضغينة وعممت بالقوت وحذفت الفضول
وَهَذِه أوضح سيرة سَار بهَا ملك فِي سياسة ملكه وحراسة دولته
стр. 71
وَقَالَ الشَّاعِر
(تَعْفُو الْمُلُوك عَن الْعَظِيم ... من الذُّنُوب لفضلها)
(وَلَقَد تعاقب فِي الْيَسِير ... وَلَيْسَ ذَاك لجهلها)
(إِلَّا ليعرف فَضلهَا ... وَيخَاف شدَّة نكلها)
وليعلم أَن الْقبْح فِي الظُّلم بِقدر الْحسن فِي الْعدْل والزهد فِي ولَايَة الظَّالِم بِقدر الرَّغْبَة فِي ولَايَة الْعَادِل
فَيَنْبَغِي للْملك أَن يخْتَار لنَفسِهِ الرَّغْبَة فِي أَيَّامه بتسليط الْعدْل على ملكه وَالْإِحْسَان إِلَى رَعيته فَإِنَّهُ إِن قدر على ملكة أَجْسَادهم بسلطانه فَلَيْسَ يقدر على ملكة قُلُوبهم إِلَّا بإحسانه
وَقد قيل من جمع المَال لنفع غَيره أطاعوه وَمن جمع المَال لنفع نَفسه أضاعوه
стр. 72
وَقد قَالَ بعض الْحُكَمَاء من خَافَ إساءتك اعْتقد مساءتك
فَإِن فتش عَن سرائرهم مَعَ استقامة ظواهرهم وَأَرَادَ أَن يؤاخذهم بِمَا يخفونه من ضمائرهم فقد كلف نَفسه هما قد كفيه واستفسد من يطيعه ويتقيه وَعدل عَمَّا يستصلح بِهِ السرائر من الْإِحْسَان إِلَى مَا يستفسد بِهِ الظَّوَاهِر من المكاشفة
وَحكى اليزيدي ﵀ أَن كسْرَى بن قباذ رفع إِلَيْهِ رجل من أَصْحَابه إِن فِي بطانة الْملك جمَاعَة قد فَسدتْ نياتهم وخبثت ضمائرهم وَقد هموا بِمَا لم يَفْعَلُوا وهم غير مأمونين على الْملك فَوَقع أَنا أملك الأجساد لَا النيات وَأحكم بِالْعَدْلِ لَا بالرضى وأفحص عَن الْأَعْمَال لَا عَن السرائر
على الْملك فعل الْخَيْر دَائِما
وَليكن من دأبه فعل الْخيرَات إِمَّا ابْتِدَاء من نَفسه أَو اقْتِدَاء بالأخيار
стр. 73
من سلفه
وَقد قيل النَّاس فِي الْخَيْر أَرْبَعَة مِنْهُم من يَفْعَله ابْتِدَاء وَمِنْهُم من يَفْعَله اقْتِدَاء وَمِنْهُم من يتْركهُ حرمانا وَمِنْهُم من يتْركهُ اسْتِحْسَانًا فَمن يَفْعَله ابْتِدَاء فَهُوَ كريم وَمن يَفْعَله اقْتِدَاء فَهُوَ حَكِيم وَمن يتْركهُ حرمانا فَهُوَ شقي وَمن يتْركهُ اسْتِحْسَانًا فَهُوَ رَدِيء
وَليكن مَا يخلفه من جميل الذّكر وَحسن السِّيرَة إِمَامًا يَقْتَدِي بِهِ الأخيار ومثالا يزدجر بِهِ الأشرار فَإِن ذَلِك أربح بضائعه يَوْم معاده وأنفع مَا يخلفه لمن اقْتدى بِهِ فَإِن الله تَعَالَى ولي توفيقه وتسديده وكفيل معونته وتأييده
تمّ كتاب دُرَر السلوك بِحَمْد الله وَمِنْه وقوته وعونه وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد نبيه وَآله الطاهرين وَصَحبه وَسلم