← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 7249

مناهل العرفان في علوم القرآن

الزرقاني، محمد عبد العظيم

Полный текст (1 045 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

مروا فيه سعوا فيه وما جاء عن ابن مسعود أنه كان يقرأ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا﴾ أمهلونا أخرونا. ويدفع هذا القول بوجوه: أحدها: أن ما ذكر في هذه الأحاديث ليس من قبيل حصر الأحرف السبعة فيها وفي نوعها وحده حتى يصح الاستدلال بها على ما ذهبوا إليه بل هو -كما قال ابن عبد البر- من قبيل ضرب المثل للحروف التي نزل القرآن عليها وأنها معان متفق مفهومها مختلف مسموعها لا يكون في شيء منها معنى وضده. وكيف يكون المراد حصر الأحرف السبعة فيما ذكروه؟ على حين أنه يرجع إلى بعض نوع واحد من أنواع الاختلاف وهو إبدال كلمة بأخرى أعم من أن يكون بمرادف أو غير مرادف. ولا ريب أن مذهبهم المذكور يتلخص في أنه إبدال كلمة بأخرى على شروط الترادف. وهذا بعض ذاك. فأين يذهبون بتلك الوجوه الأخرى وهي باقية إلى اليوم في القراءات المتواترة المكتوبة بين دفتي المصحف على ما بيناه في المذهب المختار. فقصر الحروف السبعة على بعض ذلك النوع وحده فيه ما فيه من القصور الذي أوردنا عليه ما أوردنا في الأقوال السابقة القاصرة بل القصور هنا أشد وأفحش لأنه يرجع إلى بعض نوع واحد لا إلى نوع كامل بل له أنواع متعددة. ثانيها: أن أصحاب هذا المذهب على جلالة قدرهم ونباهة شأنهم قد وضعوا أنفسهم في مأزق ضيق لأن ترويجهم لمذهبهم اضطرهم إلى أن يتورطوا في أمور خطرها عظيم إذ قالوا إن الباقي الآن حرف واحد من السبعة التي نزل عليها القرآن. أما الستة الأخرى فقد ذهبت ولم يعد لها وجود ألبتة. ونسوا أو تناسوا تلك الوجوه المتنوعة القائمة في القرآن على جبهة الدهر إلى اليوم. ثم حاولوا أن يؤيدوا ذلك فلم يستطيعوا

стр. 212

أن يثبتوا للأحرف الستة التي يقولون بضياعها نسخا ولا رفعا وأسلمهم هذا العجز إلى ورطة أخرى هي دعوى إجماع الأمة على أن تثبت على حرف واحد وأن ترفض القراءة بجميع ما عداه من الأحرف الستة وأنى يكون لهم هذا الإجماع ولا دليل عليه؟ هنالك احتالوا على إثباته بورطة ثالثة وهي القول بأن استنساخ المصاحف في زمن عثمان ﵁ كان إجماعا من الأمة على ترك الحروف الستة والاقتصار على حرف واحد هو الذي نسخ عثمان المصاحف عليه مع أننا أثبتنا لك فيما مر بقاء الأحرف السبعة في المصاحف العثمانية حرفا حرفا ومثلنا لذلك. وقصارى ما استطاعوا أن يسوغوا به مذهبهم وتورطاتهم هذه أن الأمة على عهد عثمان ﵁ قد اختلفت في قراءات القرآن إلى حد جعلهم يتنازعون ويترامون بتكفير بعضهم بعضا حتى خيفت الفتنة فرأى الصحابة بقيادة خليفتهم الحكيم عثمان ﵁ أن يعالجوا المشكلة ويطفئوا الفتنة بهذه الطريقة من جمع الناس على حرف واحد ونسخ المصاحف على حرف واحد وإهمال كل ما عداه من الحروف والمصاحف المنسوخة عليها. وهذا لعمرك استناد مائل واحتجاج باطل. فقد تنازع الناس على عهد الرسول ﷺ أيضا في قراءات القرآن على حروف مختلفة كما رأيت في الروايات السابقة ومع ذلك أقرهم الرسول على هذه الحروف المختلفة وقررها فيهم وحملهم على التسليم بها في أساليب متنوعة. وجعل ذلك هو الحل الوحيد لمشكلتهم والعلاج الناجع لنزاعهم. وأفهمهم أن تعدد وجوه القراءة إنما هو رحمة من الله بهم بل بالأمة كلها. وقرر في صراحة وهو يسأل مولاه المزيد من عدد الحروف أن الأمة لا تطيق حصرها في مضيق حرف واحد وقال: "وإن أمتي لا تطيق ذلك" إلى آخر ما عرفت. وأنت خبير بأن أمة محمد ﷺ باقية إلى يوم القيامة. وهي لا تطيق ذلك كما قرر رسولها المعصوم الرحيم صلوات الله وسلامه عليه. كما نشاهد نحن الآن من أن بعض الألسنة في بعض الشعوب الإسلامية لا يتيسر لها أن تحسن النطق ببعض الحروف ولا ببعض اللهجات دون بعض

стр. 213

فكيف يسوغ للصحابة وهم خير القرون أن يغلقوا باب الرحمة والتخفيف الذي فتحه الله لأمة الإسلام مخالفين في ذلك هدي الرسول ﵊ في عمله للتخفيف بطلب تعدد الحروف وعلاجه للنزاع بين المختلفين بتقرير هذا التعدد للحروف؟ ألا إن هذه ثغرة لا يمكن سدها وثلمة يصعب جبرها وإلا فكيف يوافق أصحاب رسول الله ﷺ على ضياع ستة حروف نزل عليها القرآن دون أن يبقوا عليها مع أنها لم تنسخ ولم ترفع؟ وعلى حين أن الرسول ﷺ قرر بقوله وفعله أنه لا يجوز لأحد أيا كان أن يمنع أحدا أيا كان من القراءة بحرف من السبعة أيا كان. فقد صوب قراءة كل من المختلفين وقال لكل: "هكذا أنزلت" وضرب في صدر أبي بن كعب حين استصعب عليه التسليم بهذا الاختلاف في القراءة. إلى آخر ما شرحنا في الشاهدين الثالث والخامس من الشواهد الماضية. وقصارى القول أننا نربأ بأصحاب رسول الله ﷺ أن يكونوا قد وافقوا أو فكروا فضلا عن أن يتآمروا على ضياع أحرف القرآن الستة دون نسخ لها. وحاشا عثمان ﵁ أن يكون قد أقدم على ذلك وتزعمه. وكيف ينسب إليه هذا؟ والمعروف أنه نسخ المصاحف من الصحف التي جمعت على عهد أبي بكر ﵁ قبل أن يدب النزاع في أقطار الإسلام بسبب اختلاف حروف القراءة في القرآن. فكانت تلك الصحف محتملة للأحرف السبعة جميعا وموافقة لها جميعا ضرورة أنه لم يحدث وقتئذ من النزاع والشقاق ما يدعو إلى الاقتصار على حرف واحد في رأيهم. ولم يثبت أن الصحابة تركوا من الصحف المجموعة على عهد أبي بكر حرفا واحدا فضلا عن ستة حروف ولو كان ذلك لنقل إلينا متواترا لأنه مما تتوافر الدواعي على نقله تواترا. ثم كيف يفعل عثمان ﵁ ذلك وهو الذي عرف أن علاج الرسول لمثل هذا

стр. 214

النوع الذي دب في زمانه كان بجمع الناس وتقريرهم على الحروف السبعة لا بمنعهم عنها كلا ولا بعضا. ثم كيف يفعل عثمان ذلك وتوافقه الأمة ويتم الإجماع؟ ثم يكون خلاف في معنى الأحرف السبعة مع قيام هذا الإجماع أي كيف نجمع الأمة على ترك ستة أحرف وإبقاء حرف واحد ثم يختلف العلماء في معنى الأحرف السبعة على أربعين قولا ويكادون يتفقون رغم خلافهم هذا على أن الأحرف السبعة باقية مع أن الإجماع حجة عند المسلمين وبه ينجلي ظلام الشك عن وجه اليقين. ولنفرض جدلا أن نزاع المسلمين في أقطار الأرض أيام خلافة عثمان ﵁ قضى عليه أن يجمع المسلمين على حرف واحد في القراءة فلماذا لم تسمح نفسه الكريمة بإبقاء الستة الأحرف الباقية للتاريخ لا للقراءة مع أن الضرورة تقدر بقدرها وهذه الستة الأحرف لم تنسخ لا تلاوة ولا حكما حتى تذهب بجرة قلم كذلك ثم يبخل عليها بالبقاء للتاريخ وحده في أعظم مرجع وأقدس كتاب وهو القرآن الكريم. على حين أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين حفظوا للتاريخ آيات نسخت تلاوتها ونسخت أحكامها جميعا. وعلى حين أنهم حفظوا قراءات شاذة في القرآن ثم نقلت إلينا وكتب لها الخلود إلى اليوم والى ما بعد اليوم. بل نقلوا إلينا أحاديث منسوخة وتناقل العلماء أحاديث موضوعة ونصوا على حكم كل منها وعلى إهمال العمل بها. ثم إن من عرف تحمس الصحابة لدينهم واستبسالهم في الدفاع عن حمى القرآن يستبعد كل البعد بل يحيل كل الإحالة أن يكونوا قد فعلوا ذلك أو أقل من ذلك عاود ما قررناه في الشاهد السادس من شواهدنا الماضية وانظر إلى موقف عمر من هشام وموقف هشام من عمر وموقف أبي وابن مسعود وصاحبيهما وتأمل كيف أن كلا من هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم أبى أن يتنازل عن قراءة سمعها عن رسول الله ﷺ وعلمها

стр. 215

إياه رسول الله ﷺ ثم أقرهم رسول الله ﷺ على استمساكهم هذا وحل مشكلتهم بأن أعلمهم أن كلا منهم مصيب ومحسن وأن قراءة كل منهم هكذا أنزلت وأن القرآن أنزل على سبعة أحرف وأن من كفر بحرف منها فقد كفر بها كلها وألا يختلفوا في ذلك فقد أهلك الاختلاف من كانوا قبلهم. وبهذا قطعت جهيزة قول كل خطيب. أمر ثالث هو أن هؤلاء الذين شايعوا ذلك المذهب يلتزمون أن يقولوا: إن اختلاف القراءات الحاصل اليوم يرجع كله إلى حرف واحد وهكذا شاء لهم رأيهم أن يجعلوا تلك الكثرة الغامرة القائمة الآن حرفا واحدا على ما بينها من اختلاف في الوجوه والأنواع وعلى رغم أن من القراءات الحاضرة ما يكون وجه الاختلاف فيه ناشئا عن وجود ألفاظ مترادفة في كلمة واحدة ومعنى واحد ومنها ما هو من لغات قبائل مختلفة كما نص على ذلك السيوطي في النوع السابع والثلاثين. ونقلنا منه شيئا من موضع آخر من هذا المبحث. ولدينا دليل مادي أيضا على بقاء الأحرف السبعة جميعا هو بقاء التيسير والتخفيف وتهوين الأداء على الأمة الإسلامية الذي هو الحكمة في الأحرف السبعة. فها نحن أولاء لا نزال نشاهد عن طريق القراءات المختلفة القائمة الآن سبيلا سهلا قد وسع كافة الشعوب المسلمة سواء منها الأمم العربية وغير العربية والحمد لله على دوام فضله ورحمته وبقاء تخفيفه وتيسيره. وغفر الله لأولئك الأعلام الذين أخطأوا إصابة المرمى فقد اجتهدوا وللمجتهد أجر وإن أخطأ ونسأل الله التوفيق والسداد آمين.

стр. 216

القول العاشر أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات العرب بمعنى أن القرآن لا يخرج عن سبع لغات من لغات العرب وهي لغة قريش وهذيل وثقيف وهوازن وكنانة وتميم واليمن وهي أفصح لغات العرب. قال بعضهم: هذا أصح الأقوال وأولاها بالصواب وهو الذي عليه أكثر العلماء وصححه البيهقي واختاره الأبهري واقتصر عليه صاحب القاموس. وقال أبو عبيد: ليس المراد أن كل كلمة تقرأ على سبع لغات بل اللغات السبع مفرقة فيه فبعضه بلغة قريش وبعضه بلغة هذيل وبعضه بلغة هوازن وبعضه بلغة اليمن وغيرهم. قال: وبعض اللغات أسعد به من بعض وأكثر نصيبا وقيل في عد القبائل السبع آراء أخر. ويدفع هذا القول على جميع آرائه بأمرين: أحدهما أن في القرآن الكريم ألفاظا كثيرة من لغات قبائل أخرى غير السبعة التي عدوها. مثل كلمة ﴿سَامِدُونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ فإنها بالحميرية. ومثل كلمة ﴿خَمْراً﴾ في قوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ فإنها بلغة أهل عمان لأنهم يسمون العنب خمرا أي حقيقة لا مجازا. ومثل كلمة ﴿بَعْلاً﴾ في قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً﴾ أي ربا بلغة أزد شنوءة. ومثل كلمة ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ أي لا ينقصكم في قوله تعالى: ﴿لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ فإنها بلغة بني عبس. ومثل كلمة ﴿وَبَاءُوا﴾ بمعنى استوجبوا في قوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فإنها بلغة جرهم ومثل كلمة ﴿رَفَثَ﴾ بمعنى جماع في قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ﴾ فإنها بلغة مذحج. ومثل كلمة ﴿تُسِيمُونَ﴾ بمعنى ترعون في قوله تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ فإنها بلغة خثعم إلى

стр. 217

غير ذلك. وارجع إلى النوع السابع والثلاثين من إتقان السيوطي إن أردت المزيد. وحسبك في هذا المقام ما نقله الواسطي في كتابه الذي وضعه في القراءات العشر إذ يقول: إن في القرآن من أربعين لغة عربية وهي قريش وهذيل وكنانة وخثعم والخزرج وأشعر ونمير وقيس عيلان وجرهم واليمن وأزد شنوءة وكندة وتميم وحمير ومدين ولخم وسعد العشيرة وحضرموت وسدوس والعمالقة وأنمار وغسان ومذحج وخزاعة وغطفان وسبأ وعمان وبنو حنيفة وثعلب وطي وعامر بن صعصعة وأوس ومزينة وثقيف وجذام وبلي وعذرة وهوازن والنمر واليمامة اهـ. ولا يغيبن عن بالك أن هذه اللغات كلها تمثلت في لغة قريش باعتبار أن لغة قريش كانت المتزعمة لها والمهيمنة عليها والآخذة منها ما تشاء مما يحلو لها ويرق في ذوقها ثم يأخذه الجميع عنها حتى صح أن يعتبر لسان قريش هو اللسان العربي العام وبه نزل القرآن على ما سبق بيانه فلا تغفل. والله يتولى هدانا أجمعين. ثانيهما أن توجيه هذا المذهب بما قاله أبو عبيد يقتضي أن يكون القرآن أبعاضا منه ما هو بلغة قريش ومنه ما هو بلغة هذيل وهكذا. ولا شك أن ذلك غير محقق لحكمة التيسير الملحوظة للشارع الحكيم في نزول القرآن على سبعة أحرف فإن هذا المذهب يستلزم أن كل شخص لا يمكنه أن يقرأ إلا البعض الذي نزل بلغته دون البعض الذي نزل بلغة غيره. وهذا باطل من ناحية ومخالف للاختلاف الذي صورته لنا الروايات السابقة بين الصحابة في القراءة من ناحية أخرى فإن المقروء فيها كان واحدا لا محالة كسورة الفرقان بين عمر وهشام. وسورة من آل حم بين ابن مسعود وصاحبه وقد صوب الرسول ﷺ قراءة كل من المختلفين وكلاهما قرشي.

стр. 218

القول الحادي عشر أن المراد بالأحرف السبعة سبع لغات من لغات قبائل مضر خاصة وأنها متفرقة في القرآن. وأن تلك القبائل السبع هي قريش وكنانة وأسد وهذيل وتميم وضبة وقيس. ونرد هذا بما رددنا به سابقه بل هذا أدنى إلى البطلان لأنه أخص مما قبله الذي دحضناه من جهة خصوصه فكيف هذا؟ تلك ناحية. وثمة ناحية أخرى: وهي أن في قبائل مضر شواذ ينزه عنها القرآن الكريم مثل كشكشة قيس وهي جعل كاف المؤنث شينا فيقولون في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ قد جعل ربش تحتش سريا. ومثل تمتمة تميم الذين يجعلون السين تاء فيقولون في الناس النات مع أن هذه لغات لم يحفظ منها شيء في القرآن الكريم. القول الثاني عشر إلى الأربعين أن المراد بالأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن سبعة أصناف في القرآن وأصحاب هذه الأقوال يختلفون في تعيين هذه الأصناف. وفي أسلوب التعبير عنها إلى آراء تكمل بها العدة أربعين قولا. فمنهم من يقول: إنها أمر ونهي وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال. ومنهم من يقول: إنها وعد ووعيد وحلال وحرام ومواعظ وأمثال واحتجاج. ومنهم من يقول: إنها محكم ومتشابهة وناسخ ومنسوخ وخصوص وعموم وقصص.

стр. 219

ومنهم من يقول: إنها لفظ عام أريد به العام ولفظ خاص أريد به الخاص ولفظ عام أريد به الخاص ولفظ خاص أريد به العام ولفظ يستغنى بتنزيله عن تأويله ولفظ لا يعلم فقهه إلا العلماء ولفظ لا يعلم معناه إلا الراسخون في العلم. ومنهم من يقول: إنها إظهار الربوبية وإثبات الوحدانية وتعظيم الألوهية والتعبد لله ومجانبة الإشراك والترغيب في الثواب والترهيب من العقاب. ومنهم من يقول: إنها المطلق والمقيد والعام والخاص والنص والمؤول والناسخ والمنسوخ والاستثناء وأقسامه. ومنهم من يقول: إنها الحذف والصلة والتقديم والتأخير والاستعارة والتكرار والكناية والحقيقة والمجاز والمجمل والمفسر والظاهر والغريب. ومنهم من يقول سوى ذلك كله غير أنها من هذا الطراز أو من طراز ما سبق في الأقوال الأخرى حتى أكمل بها بعضهم عدة الأقوال أربعين قولا.

стр. 220

١٠- ردود إجمالية لهذه الأقوال الأخيرة والكل مردود ردا إجماليا بما يأتي: أولا: أن سياق الأحاديث السابقة لا ينطبق على هذه الأقوال بحال فإن هذه الأصناف التي عينوها لا يتأتى الاختلاف فيها بسبب القراءة. والاختلاف الذي نقلته الروايات السابقة تدل تلك الروايات نفسها على أنه ما كان إلا بسبب القراءة فتعين أن يكون مرجعه التلفظ وكيفية النطق لا تلك الأصناف والأنواع التي سردوها في معرض الآراء. انظر الشاهد الثامن من شواهدنا الماضية إن شئت. ثانيا: أنه لا يوجد لهم سند صحيح يدل على حصر الأحرف السبعة التي نزل عليها القرآن فيما بينوه. وما يكون لنا أن نقبل رأيا غير مدلل ولا مؤيد بحجة.

стр. 221

ثالثا: أن التوسعة الملحوظة للشارع الرحيم في نزول القرآن على الأحرف السبعة لا تتحقق فيما ذكروه من تلك الأصناف والأنواع. رابعا: أن بعض تلك الآراء نلاحظ عليها أنها زادت على السبعة فيما ذكرته من الأصناف والأنواع. فإما أن تكون أخطأت في العد من أول الأمر وإما أن تكون متأثرة بفكرة أن لفظ السبعة كناية لا حقيقة وقد علمت فيما سبق ما فيه من خطأ أيضا راجع الشاهد الثاني من شواهدنا الآنفة إن أردت. خامسا: أن أكثر ما ذكروه في تلك الآراء والأصناف يتداخل بعضه في بعض ويشبه بعضه بعضا فمن المتعسر اعتبارها أقوالا مستقلة. نقل السيوطي عن الشرف المرسي أنه قال: هذه الوجوه أكثرها متداخلة ولا أدري مستندها ولا عمن نقلت؟ ولا يدري لم خص كل واحد منهم هذه الأحرف السبعة بما ذكر؟ مع أنها كلها موجودة في القرآن فلا أدري معنى التخصيص. ومنها أشياء لا أفهم معناها على الحقيقة. وأكثرها معارض لحديث عمر وهشام ابن حكيم الذي في الصحيح فإنهما لم يختلفا في تفسيره ولا أحكامه وإنما اختلفا في قراءة حروفه وقد ظن كثير من العوام أن المراد بها القراءات السبع وهو جهل قبيح اهـ.

стр. 222

١٠- علاج الشبهات الواردة على أصل الموضوع أعداء الإسلام في كثرة ونشاط ويقظة وبين المسلمين جهلة يؤذون الإسلام والأمة بأشد مما يؤذيه أعداؤه على حد قول القائل: لا يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه

стр. 223

وقد نرى ونسمع اتهامات وشبهات مرة من هنا ومرة من هناك فمن واجب الأمانة في أعناقنا أن نبدد ظلمات هذه الشبهات والتهم بما بين أيدينا من أنوار العلم وأسلحة الحجج. ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ . الشبهة الأولى يقولون: إن أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف تثبت الاختلاف في القرآن مع أن القرآن نفسه يرفع الاختلاف عن نفسه إذ يقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ . وذلك تناقض ولا ندري أيهما يكون الصادق. والجواب: أن الاختلاف الذي تثبته تلك الأحاديث غير الاختلاف الذي ينفيه القرآن. وهذا كاف في دفع التناقض فكلاهما صادق. وبيان ذلك أن الأحاديث الشريفة تثبت الاختلاف بمعنى التنويع في طرق أداء القرآن والنطق بألفاظه في دائرة محدودة لا تعدو سبعة أحرف وبشرط التلقي فيها كلها عن النبي ﷺ . أما القرآن فينفي الاختلاف بمعنى التناقض والتدافع بين معاني القرآن وتعاليمه مع ثبوت التنويع في وجوه التلفظ والأداء السابق. ومعنى ذلك أن نزول القرآن على سبعة أحرف لا يلزم منه تناقض ولا تخاذل ولا تضاد ولا تدافع بين مدلولات القرآن ومعانيه وتعاليمه ومراميه بعضها مع بعض. بل القرآن كله سلسلة واحدة متصلة الحلقات محكمة السور والآيات متآخذة المبادئ والغايات مهما تعددت طرق قراءته ومهما تنوعت فنون أدائه. وللمحقق ابن الجزري كلام نفيس يتصل بهذا الموضوع ننقل إليك شيئا منه بقليل من التصرف إذ يقول: قد تدبرنا اختلاف القراءات فوجدناه لا يخلو من ثلاثة أحوال: أحدها اختلاف اللفظ لا المعنى. الثاني اختلافهما جميعا مع جواز اجتماعهما في شيء واحد. الثالث اختلافهما جميعا مع امتناع جواز اجتماعهما في شيء واحد لكن يتفقان في وجه آخر لا يقتضي التضاد.

стр. 224

فأما الأول فكالاختلاف في ألفاظ الصراط وعليهم ويؤوده والقدس ويحسب ونحو ذلك مما يطلق عليه أنه لغات فقط. وأما الثاني فنحو لفظ مالك وملك في الفاتحة لأن المراد في القراءتين هو الله تعالى لأنه مالك يوم الدين وملكه وكذا ننشزها بالزاي وننشرها بالراء لأن المراد بهما هو العظام. وذلك أن الله تعالى أنشرها أي أحياها وأنشزها أي رفع بعضها إلى بعض حتى التأمت فضمن الله المعنيين في القراءتين. وأما الثالث فنحو قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف في لفظ كذبوا المبني للمجهول. فأما وجه التشديد فالمعنى وتيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم. وأما وجه التخفيف فالمعنى: وتوهم المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم أي كذبوا عليهم فيما أخبروهم به. فالظن في الأولى يقين والضمائر الثلاثة للرسل. والظن في القراءة الثانية شك والضمائر الثلاثة للمرسل إليهم. ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ بفتح اللام الأولى ورفع الأخرى في كلمة ﴿لِتَزُولَ﴾ وبكسر الأولى وفتح الثانية فيها أيضا. فأما وجه فتح الأولى ورفع الثانية من ﴿لِتَزُولَ﴾ فهو أن تكون كلمة ﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة أي وإن مكرهم كامل الشدة تقتلع بسببه الجبال الراسيات من مواضعها. وفي القراءة الثانية ﴿إِنْ﴾ نافية أي ما كان مكرهم وإن تعاظم وتفاقم ليزول منه أمر محمد ﷺ ودين الإسلام. ففي الأولى تكون الجبال حقيقة وفي الثانية تكون مجازا. ثم قال أيضا: فليس في شيء من القرآن تناف ولا تضاد ولا تناقض. وكل ما صح عن النبي ﷺ من ذلك فقد وجب قبوله ولم يسع أحدا من الأمة رده ولزم الإيمان به وأنه كله منزل من عند الله إذ كل قراءة منها مع الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الإيمان بها كلها واتباع ما تضمنته علما وعملا ولا يجوز ترك موجب إحداهما لأجل الأخرى ظنا أن هذا تعارض اهـ. إلى ذلك أشار عبد الله بن مسعود ﵁ بقوله: لا تختلفوا في القرآن،

стр. 225

ولا تنازعوا فيه فإنه لا يختلف ولا يتساقط: ألا ترون أن شريعة الإسلام واحدة حدودها وقراءتها وأمر الله فيها واحد. لو كان من الحرفين حرف يأمر بشيء وينهى عنه الآخر كان ذلك الاختلاف. ولكنه جامع ذلك كله. ومن قرأ قراءة فلا يدعها رغبة عنها فإنه من كفر بحرف منه كفر به كله اهـ. الشبهة الثانية: يقولون: إن هذا الاختلاف في القراءات يوقع في شك وريب من القرآن خصوصا إذا لاحظنا في بعض الروايات معنى تخيير الشخص أن يأتي من عنده باللفظ وما يرادفه أو باللفظ وما لا يضاده في المعنى كحديث أبي بكرة وفيه كلها شاف كاف ما لم تختم آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب نحو قولك: تعال وأقبل وهلم واذهب وأسرع وعجل. جاء بهذا اللفظ من رواية أحمد بإسناد جيد ومثله حديث أبي بن كعب. وأكثر من ذلك ما جاء في فضائل أبي عبيد أن عبد الله بن مسعود أقرأ رجلا: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ فقال الرجل: طعام اليتيم فردها عليه فلم يستقم بها لسانه. فقال: أتستطيع أن تقول: طعام الفاجر قال: نعم. قال: فافعل اهـ. والجواب: أن اختلاف القراءات لا يوقع في شك ولا ريب ما دام الكل نازلا من عند الله. وأما هذه الروايات التي اعتمدت عليها الشبهة فلا نسلم أنه يفهم منها معنى تخيير الشخص أن يأتي من تلقاء نفسه باللفظ وما يرادفه أو باللفظ وما لا يضاده في المعنى حتى يوقع ذلك في ريب من هذا التنزيل. بل قصارى ما تدل عليه هذه الروايات أن الله تعالى وسع على عباده خصوصا في مبدأ عهدهم بالوحي أن يقرؤوا القرآن بما تلين به ألسنتهم. وكان من جملة هذه التوسعة القراءة بمترادفات من اللفظ الواحد للمعنى الواحد مع ملاحظة أن الجميع نازل من عند الله نزل به الروح الأمين على قلب محمد ﷺ ،

стр. 226

وقرأه الرسول على الناس على مكث وسمعوه منه ثم نسخ الله ما شاء أن ينسخ بعد ذلك وأبقى ما أبقى لحكمة سامية تستقبلك في مبحث النسخ. يدل على أن الجميع نازل من عند الله تعالى قوله ﷺ لكل من المتنازعين المختلفين في القراءة من أصحابه: "هكذا أنزلت" وقول كل من المختلفين لصاحبه: أقرأنيها رسول الله ﷺ وقول الله تعالى لرسوله جوابا لمن سأله تبديل القرآن: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وليس بعد كلام الله ورسوله كلام. كذلك أجمعت الأمة على أنه لا مدخل لبشر في نظم هذا القرآن لا من ناحية أسلوبه ولا من ناحية ألفاظه بل ولا من ناحية قانون أدائه فمن يخرج على هذا الإجماع ويتبع غير سبيل المؤمنين يوله الله ما تولى ويصله جهنم وساءت مصيرا. وها نحن أولاء قد رأينا القرآن في تلك الآية يمنع الرسول من محاولة ذلك منعا باتا مشفوعا بالوعيد الشديد ومصحوبا بالعقاب الأليم. فما يكون لابن مسعود ولا لأكبر من ابن مسعود بعد هذا أن يبدل لفظا من ألفاظ القرآن بلفظ من تلقاء نفسه. انظر ما قررناه في الشاهدين: الرابع والسابع من هذا المبحث. أما هذه الرواية المنسوبة إلى ابن مسعود من أنه أقرأ الرجل بكلمة الفاجر بدلا من كلمة الأثيم في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ فتدل على أن ابن مسعود سمع الروايتين عن رسول الله ﷺ . ولما رأى الرجل قد تعسر عليه النطق بالأولى أشار عليه أن يقرأ بالثانية وكلاهما منزل من عند الله. وكذلك حديث أبي بكرة السابق لا يدل على جواز تبديل الشخص ما شاء من القرآن بما لا يضاده كما زعم الواهم إنما ذلك الحديث وأشباهه من باب الأمثال التي يضربها الرسول ﷺ للحروف التي نزل عليها القرآن ليفيد أن تلك الحروف

стр. 227

على اختلافها ما هي إلا ألفاظ متوافقة مفاهيمها متساندة معانيها لا تخاذل بينها ولا تهافت ولا تضاد ولا تناقض ليس فيها معنى يخالف معنى آخر على وجه ينفيه ويناقضه كالرحمة التي هي خلاف العذاب وضدها وتلك الأحاديث بهذا الوجه تقرير لأن جميع الحروف نازلة من عند الله ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ . وهاك برهانا آخر ذكره صاحب التبيان في مثل هذا المقام إذ يقول: إن النبي ﷺ علم البراء ابن عازب دعاء فيه هذه الكلمة ونبيك الذي أرسلت فلما أراد البراء أن يعرض ذلك الدعاء على رسول الله ﷺ قال: ورسولك الذي أرسلت فلم يوافقه النبي ﷺ على ذلك بل قال له: "لا. ونبيك الذي أرسلت". وهكذا نهاه ﵊ أن يضع لفظة رسول موضع لفظة نبي مع أن كليهما حق لا يحيل معنى إذ هو ﷺ رسول ونبي معا. ثم قال: فكيف يسوغ للجهال المغفلين أن يقولوا: إنه ﵊ كان يجيز أن يوضع في القرآن الكريم مكان عزيز حكيم غفور رحيم أو سميع عليم. وهو يمنع من ذلك في دعاء ليس قرآنا والله يقول مخبرا عن نبيه: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ ولا تبديل أكثر من وضع كلمة مكان أخرى اهـ بتصرف قليل. الشبهة الثالثة: يقولون: إن نزول القرآن على سبعة أحرف ينافي ما هو مقرر من أن القرآن نزل بلغة قريش وحدها ثم إنه يؤدي إلى ضياع الوحدة التي يجب أن تسود الأمة الواحدة بسبب اجتماعها على لسان واحد. والجواب: أنه لا منافاة ولا ضياع للوحدة فإن الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن الكريم واقعة كلها في لغة قريش. ذلك أن قريشا كانوا قبل مهبط الوحي والتنزيل،

стр. 228

قد داوروا بينهم لغات العرب جميعا وتداولوها وأخذوا ما استملحوه من هؤلاء وهؤلاء في الأسواق العربية ومواسمها ووقائعها وحجها وعمرتها ثم استعملوه وأذاعوه بعد أن هذبوه وصقلوه. وبهذا كانت لغة قريش مجمع لغات مختارة منتقاة من بين لغات القبائل كافة. وكان هذا سببا من أسباب انتهاء الزعامة إليهم واجتماع أوراع العرب عليهم. ومن هنا شاءت حكمة الحكيم العليم أن يطلع عليهم القرآن من هذا الأفق وأن يطل عليهم من هذه السماء سماء قريش ولغتها التي أعطوها مقادتهم وولوا شطرها وجوههم فخاطبهم بهذا اللسان العام لهم ليضم نشرهم ولينظم نثرهم. وقد تم له ما أراد بهذه السياسة الرشيدة التي جاءتهم بالإعجاز البياني عن طريق اللغة التي انتهت إليها أفصح اللغات وباللسان الذي خضعت له وتمثلت فيه كافة الألسنة العربية. ولو نزل القرآن بغير لغة قريش هذه لكان مثار مشاحنات وعصبيات ولذهب أهل كل قبيلة بلغتهم ولعلا بعضهم على بعض ولما اجتمع عليه العرب أبدا. بل لو نزل القرآن بغير لغة قريش لراجت شبهتهم وافتراؤهم عليه أنه سحر وكهانة وما إليها نظرا إلى أنه قد دخل عليهم من غير بابهم فلا يستطيعون القضاء فيه ولا إدراك الفوارق البعيدة بينه وبين الحديث النبوي مما يجعلهم يذوقون الإعجاز ويلمسونه كما تذوقوه بوضوح حين نزل بلسانهم. ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ . الشبهة الرابعة: يقولون: إنه لا معنى للأحرف السبعة التي نزل بها القرآن إلا تلك القراءات السبع المنقولة عن الأئمة السبعة المعروفين عند القراء. والجواب: أن هذه شبهة تعرض كثيرا للعامة ومن في حكمهم ممن لم يأخذوا من علوم

стр. 229

القرآن والحديث بخط ولا نصيب. فإن ذلك المعنى الذي زعموه غير صحيح من وجهين: أحدهما: أن الأحرف التي نزل بها القرآن أعم من تلك القراءات المنسوبة إلى الأئمة السبعة القراء عموما مطلقا وأن هذه القراءات أخص من تلك الأحرف السبعة النازلة خصوصا مطلقا. ذلك لأن الوجوه التي أنزل الله عليها كتابه تنتظم كل وجه قرأ به النبي ﷺ وأقرأه أصحابه وذلك ينتظم القراءات السبع المنسوبة إلى هؤلاء الأئمة السبعة القراء كما ينتظم ما فوقها إلى العشرة وما بعد العشرة وما كان قرآنا ثم نسخ ولم يصل إلى هؤلاء القراء جميعا ولهذا نصوا في المذهب المختار على أنه يشمل كل وجوه القراءات صحيحها وشاذها ومنكرها كما سبق. ثانيهما: أن السبعة لم يكونوا قد خلقوا ولا وجدوا حين نطق الرسول ﷺ بهذا الحديث الشريف. ومحال أن يفرض الرسول على نفسه وعلى أصحابه ألا يقرؤوا بهذه الأحرف السبعة النازلة إلا إذا علموا أن هؤلاء القراء السبعة قد اختاروا القراءة بها على حين أن بين العهدين بضعة قرون وعلى حين أن هؤلاء القراء وسواهم إنما أخذوا عن النبي ﷺ من طريق أصحابه ومن أخذ عنهم إلى أن وصلوا إليهم. فهذه الشبهة تستلزم الدور الباطل فهي باطلة. وتستلزم أيضا أن يبقى قول الرسول ﷺ : "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف" عاريا عن الفائدة غير نافذ الأثر حتى يولد القراء السبعة المعروفون وتؤخذ القراءة عنهم. وذلك باطل أيضا يكذبه الواقع من قراءة النبي صلوات الله وسلامه عليه وقراءة أصحابه وتابعيه بالأحرف السبعة من قبل أن يولد القراء السبعة المعروفون.

стр. 230

قال المحقق ابن الجزري: فلو كان الحديث منصرفا إلى قراءات السبعة المشهورين أو سبعة غيرهم من القراء الذين ولدوا بعد التابعين لأدى ذلك إلى أن يكون الخبر عاريا عن الفائدة إلى أن يولد هؤلاء السبعة فتؤخذ عنهم القراءة وأدى أيضا إلى أنه لا يجوز لأحد من الصحابة أن يقرأ إلا بما يعلم أن هؤلاء السبعة من القراء إذا ولدوا وتعلموا اختاروا القراءة به. وهذا باطل؟ إذ طريق أخذ القراءة أن تؤخذ عن إمام ثقة لفظا عن لفظ إماما عن إمام. إلى أن يتصل بالنبي ﷺ ا. هـ.

стр. 231

المبحث السابع: في المكي والمدني من القرآن الكريم مدخل ... المبحث السابع في المكي والمدني من القرآن الكريم ليس من غرضنا في هذا المبحث أن نستقصي بالتفصيل والتدليل آيات القرآن الكريم وسوره. وأن نحقق ما كان منها مكيا وما كان مدنيا فتلك محاولة كبيرة جديرة أن تفرد بالتأليف وقد أفردها فعلا بالتأليف جماعة منهم مكي والعز الدريني. ولكن حسبنا هنا أن نتكلم على الاصطلاحات في معنى المكي والمدني وعلى فائدة العلم بالمكي والمدني وعلى الطريق الموصلة إليه وعلى الضوابط التي يعرف بها وعلى السور المكية والمدنية والمختلف فيها وعلى أنواع السور المكية والمدنية وعلى أوجه تتعلق بالمكي والمدني وعلى فروق أخرى بين المكي والمدني صيغت من بعضها مطاعن في القرآن وعلى دفع تلك المطاعن ونقضها.

стр. 232

١- الاصطلاحات في معنى المكي والمدني للعلماء في معنى المكي والمدني ثلاثة اصطلاحات: الأول أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة والمدني ما نزل بالمدينة. ويدخل في مكة ضواحيها كالمنزل على النبي ﷺ بمنى وعرفات والحديبية. ويدخل في المدينة ضواحيها أيضا كالمنزل عليه في بدر وأحد. وهذا التقسيم لوحظ فيه مكان النزول كما ترى. لكن يرد عليه أنه غير ضابط ولا حاصر لأنه لا يشمل ما نزل بغير مكة والمدينة وضواحيهما كقوله سبحانه في سورة التوبة: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لَاتَّبَعُوكَ﴾ الخ فإنها نزلت بتبوك وقوله سبحانه في سورة الزخرف: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ الخ فإنها نزلت ببيت المقدس ليلة الإسراء. ولا ريب أن عدم الضبط في التقسيم يترك واسطة لا تدخل فيما يذكر من الأقسام وذلك عيب يخل بالمقصود الأول من التقسيم وهو الضبط والحصر. الاصطلاح الثاني أن المكي ما وقع خطابا لأهل مكة والمدني ما وقع خطابا لأهل المدينة. وعليه يحمل قول من قال: إن ما صدر في القرآن بلفظ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فهو مكي وما صدر فيه بلفظ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهو مدني لأن الكفر كان غالبا على أهل مكة فخوطبوا بيا أيها الناس وإن كان غيرهم داخلا فيهم. ولأن الإيمان كان غالبا على أهل المدينة فخوطبوا بيا أيها الذين آمنوا وإن كان غيرهم داخلا فيهم أيضا. وألحق بعضهم صيغة يا بني آدم بصيغة يأيها الناس. أخرج أبو عبيد في فضائل القرآن عن ميمون بن مهران قال: ما كان في القرآن يأيها الناس أو يا بني آدم فإنه مكي وما كان يأيها الذين آمنوا فإنه مدني.

стр. 233

وهذا التقسيم لوحظ فيه المخاطبون كما ترى لكن يرد عليه أمران: أحدهما ما ورد على سابقة من أنه غير ضابط ولا حاصر فإن في القرآن ما نزل غير مصدر بأحدهما نحو قوله سبحانه في فاتحة سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الخ ونحو قوله سبحانه في فاتحة سورة المنافقون: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ الخ. ثانيهما: أن هذا التقسيم غير مطرد في جميع موارد الصيغتين المذكورتين بل إن هناك آيات مدنية صدرت بصيغة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهناك آيات مكية صدرت بصيغة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . مثال الأولى سورة النساء فإنها مدنية وأولها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ وكذلك سورة البقرة مدنية وفيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ومثال الثانية سورة الحج فإنها مكية مع أن في أواخرها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ الخ. قال بعضهم: هذا القول إن أخذ على إطلاقه ففيه نظر فإن سورة البقرة مدنية وفيها ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ إلى آخر ما ذكرناه أمامك. غير أنه قال أخيرا ما نصه: فإن أريد أن الغالب كذلك فصحيح. أقول: ولكن صحة الكلام في ذاته لا تسوغ صحة التقسيم فإن من شأن التقسيم السليم أن يكون ضابطا حاصرا وأن يكون مطردا. وقيد الغالبية المراد لا يحقق الضبط والحصر وإن حقق الاطراد فيبقى التقسيم معيبا. على أنهم قالوا: المراد لا يدفع الإيراد. الاصطلاح الثالث وهو المشهور: أن المكي ما نزل قبل هجرته ﷺ إلى المدينة وإن كان نزوله بغير مكة والمدني ما نزل بعد هذه الهجرة وإن كان نزوله بمكة. وهذا التقسيم كما ترى لوحظ فيه زمن النزول وهو تقسيم صحيح سليم لأنه ضابط حاصر ومطرد لا يختلف بخلاف سابقيه ولذلك اعتمده العلماء واشتهر بينهم. وعليه فآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ

стр. 234

الْأِسْلامَ دِيناً﴾ مدنية مع أنها نزلت يوم الجمعة بعرفة في حجة الوداع. وكذلك آية ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فإنها مدنية مع أنها نزلت بمكة في جوف الكعبة عام الفتح الأعظم. وقل مثل ذلك فيما نزل بأسفاره ﵊ كفاتحة سورة الأنفال وقد نزلت ببدر فإنها مدنية لا مكية على هذا الاصطلاح المشهور.

стр. 235

٢- فائدة العلم بالمكي والمدني من فوائد العلم بالمكي والمدني تمييز الناسخ من المنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو آيات من القرآن الكريم في موضوع واحد وكان الحكم في إحدى هاتين الآيتين أو الآيات مخالفا للحكم في غيرها ثم عرف أن بعضها مكي وبعضها مدني فإننا نحكم بأن المدني منها ناسخ للمكي نظرا إلى تأخر المدني عن المكي. ومن فوائده أيضا معرفة تاريخ التشريع وتدرجه الحكيم بوجه عام وذلك يترتب عليه الإيمان بسمو السياسة الإسلامية في تربية الشعوب والأفراد. وسيستقبلك في هذا المبحث فروق بين المكي والمدني تلاحظ فيها جلال هذه الحكمة. ومن فوائده أيضا الثقة بهذا القرآن وبوصوله إلينا سالما من التغيير والتحريف. ويدل على ذلك اهتمام المسلمين به كل هذا الاهتمام حتى ليعرفون ويتناقلون ما نزل منه قبل الهجرة وما نزل بعدها وما نزل بالحضر وما نزل بالسفر وما نزل بالنهار وما نزل بالليل وما نزل بالشتاء وما نزل بالصيف وما نزل بالأرض وما نزل بالسماء إلى غير ذلك. فلا يعقل بعد هذا أن يسكتوا ويتركوا أحدا يمسه ويعبث به وهم المتحمسون لحراسته وحمايته والإحاطة بكل ما يتصل به أو يحتف بنزوله إلى هذا الحد.

стр. 236

٣- الطريق الموصلة إلى معرفة المكي والمدني لا سبيل إلى معرفة المكي والمدني إلا بما ورد عن الصحابة والتابعين في ذلك لأنه لم يرد عن النبي ﷺ بيان للمكي والمدني. وذلك لأن المسلمين في زمانه لم يكونوا في حاجة إلى هذا البيان كيف وهم يشاهدون الوحي والتنزيل ويشهدون مكانه وزمانه وأسباب نزوله عيانا. وليس بعد العيان بيان. قال عبد الله بن مسعود ﵁ والله الذي لا إله غيره ما نزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت؟ ولا نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم نزلت؟ ولو أعلم أن أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه. وقال أيوب: سأل رجل عكرمة عن آية من القرآن فقال: نزلت في سفح ذلك الجبل وأشار إلى سلع اهـ. ولعل هذا التوجيه الذي ذكرته أولى مما ذكره القاضي أبو بكر في الانتصار إذ يقول ما نصه: ولم يرد عن النبي ﷺ في ذلك قول لأنه لم يأمر به ولم يجعل الله علم ذلك من فرائض الأمة وإن وجب في بعضه على أهل العلم معرفة تاريخ الناسخ والمنسوخ فقد يعرف ذلك بغير نص الرسول اهـ.

стр. 237

٤- الضوابط التي يعرف بها المكي والمدني قد عرفنا فيما مضى أن مرد العلم بالمكي والمدني هو السماع عن طريق الصحابة والتابعين بيد أن هناك علامات وضوابط يعرف بها المكي والمدني. وهاك ضوابط المكي: ١- كل سورة فيها لفظ كلا فهي مكية وقد ذكر هذا اللفظ في القرآن ثلاثا

стр. 238

وثلاثين مرة في خمس عشرة سورة كلها في النصف الأخير من القرآن. قال الدريني ﵀: وما نزلت كلا بيثرب فاعلمن ... ولم تأت في القرآن في نصفه الأعلى قال العماني: وحكمة ذلك أن نصف القرآن الأخير نزل أكثره بمكة وأكثرها جبابرة فتكررت فيه على وجه التهديد والتعنيف لهم والإنكار عليهم بخلاف النصف الأول. وما نزل منه في اليهود لم يحتج إلى إيرادها فيه لذلتهم وضعفهم اهـ. ٢- كل سورة فيها سجدة فهي مكية لا مدنية. ٣- كل سورة في أولها حروف التهجي فهي مكية سوى سورة البقرة وآل عمران فإنهما مدنيتان بالإجماع وفي الرعد خلاف. ٤- كل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم السابقة فهي مكية سوى البقرة. ٥- كل سورة فيها قصة آدم وإبليس فهي مكية سوى البقرة أيضا. ٦- كل سورة فيها يا أيها الناس وليس فيها يا أيها الذين آمنوا فهي مكية ولكنه ورد على هذا ما تقدم بين يديك من سورة الحج. ٧- كل سورة من المفصل فهي مكية. أخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: نزل المفصل بمكة فمكثنا حججا نقرؤه ولا ينزل غيره لكن يرد على هذا أن بعض سور المفصل مدني نزل بعد الهجرة اتفاقا كسورة النصر فإنها كانت من أواخر ما نزل بعد الهجرة بل قيل إنها آخر ما نزل كما سبق في مبحث أول ما نزل وآخر ما نزل. فالأولى أن يحمل كلام ابن مسعود هذا على الكثرة الغالبة من سور المفصل لا على جميع سور المفصل والمفصل على وزان معظم: هو السورة الأخيرة من القرآن الكريم مبتدأة من

стр. 239

سورة الحجرات على الأصح وسميت بذلك لكثرة الفصل فيها بين السور بعضها وبعض من أجل قصرها. وقيل: سميت بذلك لقلة المنسوخ فيها فقولها قول فصل: لا نسخ فيه ولا نقض. أما ضوابط المدني: فكما يأتي: ١- كل سورة فيها الحدود والفرائض فهي مدنية. ٢- كل سورة فيها إذن بالجهاد وبيان لأحكام الجهاد فهي مدنية. ٣- كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية ما عدا سورة العنكبوت. والتحقيق أن سورة العنكبوت مكية ما عدا الآيات الإحدى عشرة الأولى منها فإنها مدنية. وهي التي ذكر فيها المنافقون.

стр. 240

٥- السور المكية والمدنية والمختلف فيها نقل السيوطي في الإتقان أقوالا كثيرة في تعيين السور المكية والمدنية من أوفقها ما ذكره أبو الحسن الحصار في كتابه الناسخ والمنسوخ إذ يقول: المدني باتفاق عشرون سورة والمختلف فيه اثنتا عشرة سورة وما عدا ذلك مكي باتفاق ثم نظم في ذلك أبياتا رقيقة جامعة وهو يريد بالسور العشرين المدنية بالاتفاق: سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال والتوبة والنور والأحزاب ومحمد والفتح والحجرات والحديد والمجادلة والحشر والممتحنة والجمعة والمنافقون والطلاق والتحريم والنصر. ويريد بالسور الاثنتي عشرة المختلف فيها: سورة الفاتحة والرعد والرحمن والصف والتغابن والتطفيف والقدر ولم يكن وإذا زلزلت والإخلاص والمعوذتين.

стр. 241

ويريد بالسور المكية باتفاق ما عدا ذلك وهي اثنتان وثمانون سورة. وإلى هذا القسم المكي يشير في منظومته بقوله: وما سوى ذاك مكي تنزله ... فلا تكن من خلاف الناس في حصر فليس كل خلاف جاء معتبرا ... إلا خلاف له حظ من النظر وقد جرى هذا البيت مجرى الأمثال عند أهل العلم.

стр. 242

٦- أنواع السور المكية والمدنية قد تكون السورة كلها مكية وقد تكون كلها مدنية وقد تكون السورة مكية ما عدا آيات منها وقد تكون مدنية ما عدا آيات منها فتلك أربعة أنواع: مثال النوع الأول سورة المدثر فإنها كلها مكية. ومثال الثاني سورة آل عمران فإنها كلها مدنية ومثال الثالث سورة الأعراف فإنها مكية. ما عدا آية ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ قاله قتادة. واستثنى غيره هذه الآية المذكورة وما بعدها من الآيات إلى قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ وقال: إن تلك الآيات مدنية. ومثال النوع الرابع سورة الحج فإنها مدنية ما عدا أربع آيات منها تبتدئ بقوله سبحانه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ إلى قوله ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ . واعلم أن وصف السورة بأنها مكية أو مدنية يكون تبعا لما يغلب فيها أو تبعا لفاتحتها فقد ورد أنه إذا نزلت فاتحة سورة بمكة مثلا كتبت مكية ثم يزيد الله فيها ما يشاء. ولعل الأنسب بالاصطلاح المشهور في معنى المكي والمدني أن يقال: إذا نزلت فاتحة سورة قبل الهجرة كتبت مكية وإذا نزلت فاتحة سورة بعد الهجرة كتبت مدنية ثم يذكر المستثنى من تلك السور إن كان هناك استثناء فيقال: سورة كذا مكية إلا آية كذا فإنها مدنية أو سورة كذا مدنية إلا آية كذا فإنها مكية أو نحو ذلك كما تراه في كثير من المصاحف عنوانا للسورة.

стр. 243

وقد بذل العلماء همة جبارة في استقصاء حال ما نزل من السور والآيات حتى لقد قال أبو القاسم النيسابوري في كتاب التنبيه على فضل علوم القرآن ما نصه: من أشرف علوم القرآن علم نزوله وجهاته وترتيب ما نزل بمكة والمدينة وما نزل بمكة وحكمه مدني وما نزل بالمدينة وحكمه مكي وما نزل بمكة في أهل المدينة وما نزل بالمدينة في أهل مكة وما يشبه نزول المكي في المدني وما يشبه نزول المدني في المكي وما نزل بالجحفة وما نزل ببيت المقدس وما نزل بالطائف وما نزل بالحديبية وما نزل ليلا وما نزل نهارا وما نزل مشيعا وما نزل مفردا والآيات المدنيات في السور المكية والآيات المكيات في السور المدنية وما حمل من مكة إلى المدينة وما حمل من المدينة إلى مكة وما حمل من المدينة إلى أرض الحبشة وما نزل مجملا وما نزل مفسرا وما اختلفوا فيه فقال بعضهم: مكي وبعضهم مدني فهذه خمسة وعشرون وجها من لم يعرفها ويميز بينها لم يحل له أن يتكلم في كتاب الله تعالى ا. هـ. قال السيوطي بعد أن أورد هذا: وقد أشبعت الكلام على هذه الأوجه فمنها ما أفردته بنوع ومنها ما تكلمت عليه في ضمن بعض الأنواع. اهـ وجزاهم الله أحسن الجزاء.

стр. 244

وجوه تتعلق بالمكي والمدني نبه السيوطي عند كلامه في هذا المبحث إلى أن هناك وجوها في المكي والمدني. منها ما تستطيع أن تفهمه مما قصصناه عليك آنفا. ومنها ما يشبه تنزيل المدني في السور المكية في قوله تعالى في سورة النجم: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ قال السيوطي في توجيهه ما نصه: فإن الفواحش كل ذنب فيه حد والكبائر كل ذنب عاقبته النار واللمم ما بين الحدين من الذنوب ولم يكن بمكة حد ولا نحوه اهـ لكن فيه نظر من وجهين: أحدهما أن تفسير الفواحش بما ذكر غير متفق عليه,

стр. 245

بل فسرها غيره بأنها الكبائر مطلقا. وفسرها آخر بما يكبر عقابه دون تخصيص بحد. وفسرها السيوطي نفسه في سورة الأنعام بأنها الكبائر. والثاني أن بعضهم يستثني هذه الآية من سورة النجم المكية وينص على أنها مدنية. ومنها: ما يشبه تنزيل المكي في السور المدنية نحو سورة ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً﴾ وكقوله سبحانه في سورة الأنفال المدنية: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الخ. وفي هذا نظر أيضا فإن المعروف أن سورة والعاديات من السور المكية كما سبق وأن آية ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ﴾ الخ منصوص على أنها نزلت بمكة كما نقل السيوطي نفسه عن مقاتل وقال: إنها مستثناة من سورة الأنفال المدنية. بل نص بعضهم على أن هذه الآية مع آيتين قبلها وأربع بعدها كلها مكيات مستثنيات من سورة الأنفال المدنية. ومنها: ما حمل من مكة إلى المدينة نحو سورة يوسف وسورة الإخلاص وسورة سبح. ومنها: ما حمل من المدينة إلى مكة نحو آية الربا في سورة البقرة المدنية وصدر سورة التوبة المدنية. ومنها: ما حمل إلى الحبشة نحو سورة مريم فقد صح أن جعفر بن أبي طالب قرأها على النجاشي. ومنها: ما حمل إلى الروم كقوله في سورة آل عمران: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية. وأنت خبير بأن الاصطلاح المشهور في المكي والمدني ينتظم كل ما نزل سواء أكان بمكة والمدينة أم بغيرهما كالجحفة والطائف وبيت المقدس والحديبية ومنى وعرفات وعسفان وتبوك وبدر وأحد وحراء وحمراء الأسد. وتفصيل ذلك يخرج بنا إلى حد الإطالة فناهيك ما ذكرنا. واللبيب تكفيه الإشارة.

стр. 246

فروق أخرى بين المكي والمدني توجد فروق أخرى بين المكي والمدني غير ما قدمناه في ضوابطهما وهذه الفروق فيها دقة عن تلك لتعلقها في مجموعها بأمور معنوية وبلاغية. ثم إن أعداء الإسلام قد صاغوا عن طريق بعضها شبهات سددوا سهامها إلى القرآن الكريم لذلك أفردناها بعنوان توطئة لنقض تلك الشبهات وقبل الرمي يراش السهم. ونذكر من خواص القسم المكي أنه قد كثر فيه ما يأتي: أولا: أنه حمل حملة شعواء على الشرك والوثنية وعلى الشبهات التي تذرع بها أهل مكة للإصرار على الشرك والوثنية ودخل عليهم من كل باب وأتاهم بكل دليل وحاكمهم إلى الحس وضرب لهم أبلغ الأمثال حتى انتهى بهم إلى أن تلك الآلهة المزيفة لا تقدر أن تخلق مجتمعة أقل نوع من الذباب بل لا تستطيع أن تدفع عن نفسها شر عادية الذباب وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ . ولما عاندوا واحتجوا بما كان عليه آباؤهم نعى عليهم أن يمتهنوا كرامة الإنسان إلى هذا الحضيض من الذلة للأحجار والأصنام وسفه أحلامهم وأحلام آبائهم الذين أهملوا النظر في أنفسهم وفي آيات الله في الآفاق وقبح إليهم الجمود على هذا التقليد الأعمى للآباد والأجداد ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ . وناقشهم كذلك في عقائدهم الضالة التي نجمت عن تلك الوثنية من جحود الإلهيات والنبوات وإنكار البعث والمسؤولية والجزاء. ثانيا: أنه فتح عيونهم على ما في أنفسهم من شواهد الحق وعلى ما في الكون من أعلام الرشد ونوع لهم في الأدلة وتفنن في الأساليب وقاضاهم إلى الأوليات

стр. 247

والمشاهدات ثم قادهم من وراء ذلك قيادة راشدة حكيمة إلى الاعتراف بتوحيد الله في ألوهيته وربوبيته والإيمان بالبعث ومسؤوليته والجزاء العادل ودقته ثم التسليم بالوحي وبكل ما جاء به الوحي من هدي الله في الإلهيات والنبوات والسمعيات في العقائد على سواء. ثالثا: أنه تحدث عن عاداتهم القبيحة كالقتل وسفك الدماء ووأد البنات واستباحة الأعراض وأكل مال الأيتام. فلفت أنظارهم إلى ما في ذلك من أخطار وما زال بهم حتى طهرهم منها ونجح في إبعادهم عنها. رابعا أنه شرح لهم أصول الأخلاق وحقوق الاجتماع شرحا عجيبا كره إليهم الكفر والفسوق والعصيان وفوضى الجهل وجفاء الطبع وقذارة القلب وخشونة اللفظ وحبب إليهم الإيمان والطاعة والنظام والعلم والمحبة والرحمة والإخلاص واحترام الغير وبر الوالدين وإكرام الجار وطهارة القلوب ونظافة الألسنة إلى غير ذلك. خامسا: أنه قص عليهم من أنباء الرسل وأممهم السابقة ما فيه أبلغ المواعظ وأنفع العبر من تقرير سننه تعالى الكونية في إهلاك أهل الكفر والطغيان وانتصار أهل الإيمان والإحسان مهما طالت الأيام وامتد الزمان ما داموا قائمين بنصرة الحق وتأييد الإيمان. سادسا: أنه سلك مع أهل مكة سبيل الإيجاز في خطابه حتى جاءت السور المكية قصيرة الآيات صغيرة السور. لأنهم كانوا أهل فصاحة ولسن صناعتهم الكلام وهمتهم البيان فيناسبهم الإيجاز والإقلال دون الإسهاب والإطناب. كما أن قانون الحكمة العالية قضى بأن يسلك سبيل التدرج والارتقاء في تربية الأفراد وأن يقدم الأهم على المهم. ولا ريب أن العقائد والأخلاق والعادات،

стр. 248

أهم من ضروب العبادات ودقائق المعاملات لأن الأولى كالأصول بالنسبة للثانية لذلك كثر في القسم المكي التحدث عنها والعناية بها كما علمت في الخواص الماضية جريا على سنة التدرج من ناحية وتقديما للأهم على المهم من ناحية أخرى. أما خواص القسم المدني فنذكر منها أنه قد كثر فيه ما يأتي: أولا: التحدث عن دقائق التشريع وتفاصيل الأحكام وأنواع القوانين المدنية والجنائية والحربية والاجتماعية والدولية والحقوق الشخصية وسائر ضروب العبادات والمعاملات. انظر إن شئت في سورة البقرة والنساء والمائدة والأنفال والقتال والفتح والحجرات ونحوها. ثانيا: دعوة أهل الكتاب من يهود ونصارى إلى الإسلام ومناقشتهم في عقائدهم الباطلة وبيان جناياتهم على الحق وتحريفهم لكتب الله ومحاكمتهم إلى العقل والتاريخ. اقرأ إن شئت سورة البقرة وآل عمران والمائدة والفتح ونحوها. ثالثا: سلوك الإطناب والتطويل في آياته وسوره. وذلك لأن أهل المدينة لم يكونوا يضاهئون أهل مكة في الذكاء والألمعية وطول الباع في باحات الفصاحة والبيان فيناسبهم الشرح والإيضاح وذلك يستتبع كثيرا من البسط والإسهاب لأن دستور البلاغة لا يقوم إلا على رعاية مقتضيات الأحوال وخطاب الأغبياء بغير ما يخاطب به الأذكياء. ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ .

стр. 249

نقض الشبهات التي أثيرت حول هذا الموضوع مدخل ... نقض الشبهات التي أثيرت حول هذا الموضوع قلنا ونقول: إن أعداء الإسلام كثيرون وإنهم يتربصون به الدوائر وينتهزون كل فرصة ليسددوا إليه سهام المطاعن. وإن من واجبنا أن نحمي العرين ونقوم بواجب الدفاع في هذا المعمعان ولن يتسنى ذلك إلا إذا تسلحنا بجميع الأسلحة وفي مقدمتها دراسة تلك الشبهات التي يحرقون بخورها في مصر وغير مصر حتى لشبابنا المتعلم في بعض الدروس والكتب التي يزعمون أنها أدبية. وقد شهدت مصر وقتا ما معركة حامية الوطيس دارت رحاها حول أمثال هذه الشبهات التي نسوقها إليك فاقتحمها عنوة وخذها بقوة. ولا حول ولا قوة إلا بالله وما أجمل أن نردد قول الشاعر: أنا لا ألوم المستبد ... د إذا تعنت أو تعدى فسبيله أن يستبد ... د وشأننا أن نستعدا

стр. 250

الشبهة الأولى وفي طيها شبهات يقولون: إن الباحث الناقد يلاحظ أن في القرآن أسلوبين متعارضين لا تربط الأول بالثاني صلة ولا علاقة مما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن هذا الكتاب قد خضع لظروف مختلفة وتأثر ببيئات متباينة فنرى أن القسم المكي منه يمتاز بكل مميزات الأوساط المنحطة كما نشاهد القسم المدني منه تلوح عليه أمارات الثقافة والاستنارة. فالقسم المكي يتفرد بالعنف والشدة والقسوة والحدة والغضب والسباب والوعيد والتهديد مثل سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وسورة ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ وسورة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ ومثل ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ . والجواب: أن هذه الشبهة تتألف من شبهات أربع وإن شئت فقل: تتألف من مقدمات ثلاث كواذب تتأدى أو يريد صاحبها أن يتأدى بها إلى نتيجة هي الأخرى كاذبة. فأما المقدمات الثلاث الكواذب فهي أن القسم المكي تفرد بالعنف والشدة وأن فيه سبابا وإقذاعا وأنه يمتاز بكل مميزات الأوساط المنحطة. وأما النتيجة أو الهدف الذي يرمي إليه فهو أن القرآن مفكك الأجزاء غير متصل الحلقات وأنه خاضع للظروف متأثر بالبيئة. وغرضهم من هذا معروف طبعا وهو أن القرآن ليس كلام الله وليس معجزا إنما هو كلام محمد الذي تأثر أولا بأهل مكة فكان كلامه خشنا بعيدا عن المعارف العالية التي اكتسبها من أهل الكتاب في المدينة. ذلك كله ما يجب أن نحمل عليه انتقاد أولئك المضللين فإن قرينة عداوتهم للحق
следующие страницы →