← Адаб

Адаб · id 724

التذكرة الفخرية

الإربلي، بهاء الدين

Полный текст (102 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يا جنّة الدنيا لقد ... هوّنتِ نارَ الآخرهْ ومثل قوله: حكى القمر المنير ما أنشدته لبعض شعراء العصر في صبيّ مكاري، وقد أحسن ما شاء: هويته مكارياً ... شرّدَ عن جفني الكرى قد أشبه البدرَ فما ... يملّ من طول السُّرى وأنشدني آخر، وإن لم يكونا من هذا: يا بدر أهلك جاروا ... وألزموك بهجري فليفعلوا ما أرادوا ... فإنّهم أهلُ بدرِ وقال ابن غزي: وأغنّ ما للكحل في أجفانه ... حظٌ وتحسب طرفَه مكحولا حنق اللحاظ على القلوب كأنّما ... قتلت لعينيه القلوبُ قتيلا في خصره معنى دقيق لم يزل ... خطب الغرام به عليّ جليلا ووراءه ردف ثقيل زادني ... عبئاً على عبءِ الغرام ثقيلا بأبي غزال لم يزل بجماله ... سمحاً عليّ وبالجميل بخيلا وبروحي القمر الذي أمسيتُ في ... حبّي له أحكي الهلال نحولا وقال في صبي معه خادم يحفظه: زمن عجبٍ أنْ يحفظوك بخادمٍ ... وخدّام هذا الحسن من ذاك أكثرُ عذارك ريحانٌ وخالك عنبرٌ ... وخدّك كافورٌ وثغرك جوهرُ وقد أحسن في هذا الجمع وإن كان مسبوقاً إلى مثله. أنشدني بعضهم ولم يسم قائلاً: ما القلبُ مسروراً ببعدكمُ ولا ... أنا بالرشيد ودمع عيني جعفرُ الوجد يحيى والغرام فخالدٌ ... فلذا ربيع وصالكم لا يزهرُ ومن شعري: لو لم يكن سفّاح جفنك ناصراً ... ما كنتُ للعشاق يوماً مقتفي وأنشدني أمير الدين عبد الرحمن بن علي الموصلي لنفسه، وقد أجاد ما شاء أن يزيد ولم يبق زيادة لمستزيد: هويتها طفلةً دقّت محاسنها ... فطرفها نرجس والخدّ تفّاحُ يتيمة الدهر نثر الدرّ من فمها ... والعقد في جيدها والوجه مصباحُ وأنشد بعضهم رباعي: وجهٌ حسنٌ كأنه مصباحْ ... في تكملةِ الحسن له إيضاحْ منصور حسام لحظه قال لمن ... يهواه رويداً جاءك السفاحْ ومثله للبغاددة مواليا: لؤلؤْ أدمعي صارْ مذْ زمّت مطاياكم ... ياقوتْ والياسْ عندي من عطاياكم وأنا طريدْ وغيري في وطاياكم ... مسرورْ دائمْ صوابْ اجعلْ خطاياكم ولهم في هذا المواليا معان ترقص القلوب لها طرباً وإذا أُنشدت أوضحت إلى الظرف طريقاً مذهباً ولا بد أن أفرد لها باباً يكون إلى مناهج الحسن سبباً. نجم الدين يحيى الشاعر الموصلي مولداً، العنسفي أصلاً، شيخ حسن الأخلاق لطيفها، بديع الإشارات طريفها، له شعر أرق من دمع المهجور، وألفاظ أحسن من الروض الممطور، كأنما هي منى النفوس وطلعة البشر في الزمن العبوس، رأيته واجتمعت به وهو حي عند جمع هذا المجموع، كنت بالموصل في ذي القعدة سنة اثنتين وستين وستمائة ونحن في مجلس أنس قد واصل حبيبه وغاب رقيبه وشموس الكؤوس تدور وتطلع من أكف سقاة كالبدور وفي أفواه الندامى تغور، فجاء إلى الباب فأخبر بحالنا فكتب إلي بهذه الأبيات ومشى: أتيتُ هذا الحرم المرتجى ... وهو مقرّ الحلم والعلمِ فقيل مولاك على لذةٍ ... لا زال منها وافر القسمِ فليس يدري العبد هل يمدحُ ال ... صهباءَ أو يشرع في الذمِّ وما ظننت الشمس في كأسها ... أن تحجب البدرَ عن النجمِ وجاء إلي في اليوم الثاني وقد عرضت لي حمى فيها نافض فأنشدني وما أعرف هي له أم لا: لله حمّاكَ التي ... كست حشاي الولها هل سألتكَ حاجةً ... فأنتَ تهتزّ لها وهذا مليح في الغاية، ومن شعره: بعدتمْ فذابتْ بعدكمْ مهجةُ الصبِّ ... وغادرتمُ الأجفانَ دائمة الصبِّ وما زالَ يشكو القلبَ نظرةَ عينه ... إلى أنْ غدتْ عيناهُ تشكو من القلبِ واصبحَ مقصوصَ الجناح من الأسى ... وإنْ كانَ من أشواقهِ طائرَ اللبِّ أيا ساكني نجدٍ عليكم تحيةٌ ... دعاني هواكم وهو أول من لُبِّي رفضتم ودادي ما كذا سنّة الهوى ... وحبكم ديني ورفعكم نَصبي أيا جوهريّ الثغر ماليَ كلما ... تبسّمت عن حبٍّ تهتكت من حبِّي أُعاملُ بالحسنى جمالك تاجراً ... ومالي من كسبٍ سوى مدمع سكبِ

стр. 37

قد استعمل الشعراء وأكثروا في ذكر ما يتعلق بألقاب النحو. أنشدني والدي للزكي بن أبي الإصبع أبياتاً أذكرها لحسنها والغرض منها ما ذكر من ألقاب النحو فيها وهي: تصدَّقْ بوصلٍ إنَّ دمعيَ سائلُ ... وزوّدْ فؤادي نظرةً فهو راحلُ فخدكَ موجودٌ بهِ التبرُ والغنى ... وحسنكَ معدومٌ لديه المماثلُ أيا قمراً من حسنِ وجنتهِ لنا ... وظلِّ عذاريهِ الضُّحى والأصائلُ جعلتكَ بالتمييزِ نصباً لناظري ... فهلاّ رفعتَ الهجرَ والهجرُ فاعلُ غدا القدُّ غصناً منكَ يعطفهُ الصبا ... فلا غروَ أنْ هاجتْ عليه البلابلُ تنقلتَ من قلبٍ لطرفٍ مع النوى ... وهاتيكَ للبدرِ التّمامِ منازلُ وقد ظرف القائل: عرّج بنا نحو طلول الحمى ... فلم تزل آهلةَ المربعِ عسى نطيل اليوم وقفاً على ال ... ساكن أوْ عطفاً على الموضعِ وابن عنين أكثر من هذا، فقال يهجو: مالُ ابنِ مازةَ دونهُ لعفاتهِ ... شوكُ القتادةِ أو منالُ الفرقدِ مالٌ لزومُ الجمعِ يمنعُ صرفهُ ... في راحةٍ مثلُ المنادى المفردِ وهذا غاية في حسنه، وقال لمصروف عن ولايته: فلا تغضبنّ إذا ما صُرفت ... فلا عدل فيك ولا معرفه وقال في الغزل: كأنّ النوى إذ نادت الدمع رخمت ... فلا أثر فيها أجاب لعينِ وهذا المعنى أوضحه القائل: قد كان عيني بغير دمعٍ ... فصار دمعي بغير عينِ وكان ابن عنين مريضاً فكتب إلى بعض ملوك الشام: أنا كالذي أحتاجُ ما تحتاجهُ ... فاغنمْ ثوابي والدعاءَ الوافي فجاء إليه ومعه ألف دينار، وقال: هذه الصلة وأنا العائد. وهذا من الملك أحسن منه من الشاعر. وذكرني النجم يحيى، يقوله: أيا جوهريّ الثغر أبياتاً للمغاربة أنشدنيها المرحوم تاج الدين، ﵁، وهي: علقته حببيّ الثغر عاطره ... دريّ لون المحيا أحور المقلِ إذا تأملته أعطاك ملتفتاً ... ما شئتَ من حركات الشادن الغزلِ عزيّل لم تزل في الغزل جائلةً ... بنانه جولان الفكر في الغزلِ جذلان تلعب بالمحراك أنمله ... على السدى لعب الأيام بالدولِ ما إن يني تعب الأطراف مشتغلاً ... أفديه من تعب الأطراف مشتغلِ جذباً بكفّيه أو فحصاً بأرجله ... تخبُّط الظبي في أشراك محتبل وقال النجم يحيى: قسماً بوصلك إنه العيش الهني ... وبنور وجهك إنه البدر السني إني على وجدي وفرط صبابتي ... باقي الغرام وإنما صبري فَني يا شمس إشراقٍ وبدر دجنّةٍ ... وغزالةً ترنو وغصناً ينثني أثمرت تفاحاً تصرّج حسنه ال ... زاهي وسيّجتَ العذار بسوسنِ وكأنّ ذاك الخال عبدٌ أسود ... سكنَ السياجَ لينظرَ الورد الجني قد أطنب الشعراء في وصف الخال وغرّبوا في نعته الأقوال، وها أنا أذكر منه ما يخطر بالبال ويربي على السحر الحلال، أنشدني بعض أصحابنا: يا سالباً قمر السماء بوجهه ... ألبستني في الحزن ثوب سمائه أحرقت قلبي فارتمى بشرارةٍ ... علقت بخدّك فانطفا من مائه وقال آخر: لكَ خالٌ من فوقِ ... عسٍ قدِ استوى بعثَ الصدغَ مرسلاً ... يأمرُ الناسَ بالهوى وقال ابن الساعاتي: ذو وجنةٍ ما لاح ماثلُ خالها ... بل لاحَ أسودُ مقلتي في مائها وقال أيضاً: ما الخالُ نقطةُ نون صدغك إنما ... قلبي بحبّته حباك تلهفا وللحيص بيص: لا تحسبنّ حدوث الخال عن قصرٍ ... من الطبيعة أو أحداثه غلطا وإنما قلم التكوين حينَ بدا ... بنون حاجبه في خدّه نقطا آخر: لا تخالوا خاله في خدّه ... نقط مسك ذاب من طرته إنما حبّة قلبي سُلبتْ ... فاستوت خالاً على وجنته وينظر إلى قولهم: نقطةٌ ونونٌ، ما أنشدنيه محيي الدين ولم يسمّ قائلاً، وقيل لابن سناء الملك: لهُ فمٌ يمنعهُ ضيقهُ ... أنْ يُخرجَ اللفظَ بتقويمِ ولفظه نشوان من ريقه ... فهو لهذا غيرُ مفهومِ ما فمهُ ميمٌ ولكنّهُ ... علامةُ الوقف على الميمِ وقال الحاجري في الخال:

стр. 38

عجبتُ لخالٍ يعبد النارَ دائماً ... بخدّك لم يحرق بها وهو كافرُ وقال: أقامَ بلالُ الخالِ من فوقِ خدّهِ ... يراقبُ من لألاءِ طرَّتهِ الفجرا وقال ابن عنين: ما عمّهُ بالحسنِ عنبرُ خالهِ ... إلاّ ليصبحَ بالسوادِ مجمّلا وقال محيي الدين: وأنبت روض خديه شقيقاً ... يلوح عليه خالٌ عمّ حسنا وقلت من أبيات: ذو خالةٍ في خدّه ... جمالُها قد عمّنا وقال ابن منير الطرابلسي: أحرقت حبةَ قلبي ... فصغتها لك خالا فقد كستني نحولاً ... كما كستك جمالا وقال الرشيد الطرابلسي: وسواء خطَّ العذارُ فلمْ خُ ... صِّص سطرٌ منه بنقطة خالِ العز أبو علي بن شيخنا: يا شادناً قد عمّه ... بالحسنِ عنبرُ خالهِ ما بال قلبي فيك لا ... يقرّ من بلبالهِ وأبيات الرشيد حسنة وأولها: بين هجر مبرحٍ ووصالِ ... بتّ صباً بحرقة الوجد صالِ أترجّى طيفَ الخيال وما ... طيفُ خيالٍ بزائرٍ بخيالِ وبعيد نومي لأرتقب الطي ... ف ولكن تعلل بمحالِ فأسيلُ الخدّين لستُ على ال ... أيام عنه وإن أساء بسالِ وسواء خطَّ العذارُ فلمْ خُ ... صِّص سطرٌ منه بنقطةِ خالِ نافرٌ والنفورُ من شيم الغزلا ... ن لولا التفاتةٌ في الغزالِ الحسام الحاجري الإربلي شاعر مجيد ومحسن ما عليه مزيد، له طبع مجيب، وخاطر يرمي أغراض البيان فيصيب، ويريع من لطيف المعاني في المرعى الخصيب، يجري شعره مجرى الماء من الغمام، وتسكر ألفاظه سكر كأس المدام. وسمي الحاجري لكثرة ترداد حاجر في شعره، أدركت زمانه ولم أجتمع به، وكان منحوس الحظ من الأدب لأسباب توجد في شعره، وفيه أشياء بديعة الحسن سهلة المأخذ مليحة السبك متناسبة الألفاظ قُتل، ﵀، بإربل بعد الثلاثين والستمائة، وضع عليه من قتله ركن الدين بن قرطايا المظفري لأمور كانت بينهم يتولاهم الله فيها. فمن شعره: على دمع عيني من فراقك ناظرُ ... يرقرقه إنْ لم ترقه المحاجرُ فديتك ربعُ الصبرِ بعدكَ دارسٌ ... على أنّ فيه منزلَ الشوقِ عامرُ يمثلك الشوق الشديد لناظري ... فأطرق إجلالاً كأنّكَ حاضرُ وأطوي على الداء الدفين جوانجي ... وأظهر أنّي عنك لاهٍ وصابرُ عجبت لخال يعبد النار دائماً ... بخدّك لم يحرق بها وهو كافرُ وأعجب من ذا أنّ صدغك مرسلٌ ... يصدّق في آياته وهو ساحرُ ألا يا لقومي قد أراق دمي الهوى ... فهل لقتيل الأعين النجل ثائرُ وما اخضرّ ذاك الخدّ نبتاً وإنما ... لكثرة ما شقّت عليه المرائرُ ومذ خبروني أنّ غصناً قوامه ... تيقنت أنّ القلب منّي طائرُ وقال أيضاً: يا واحد الحسن ارحم واحد الكمد ... حاشاك من حرق تصلى بها كبدي في كل جارحةٍ منّي لسان هوًى ... يشكو إليك رسيس الهجر والكمد يا طول سقمي وفي فيك الشفاء ويا ... ظلمي وأنت أميرُ الحسن في البلد إنْ كانَ تعذيب قلبي فيك أو ولهي ... مما يسرّك يا كل المنى فزدِ نفسي فداء لظبي من بني أسدٍ ... وأعجبُ الأمر ظبيٌ من بني أسدِ كيفَ السلامةُ لي ممّن محاسنه ... جاءت لقتلي بأنواعٍ من العددِ العين بالنبل والقدّ المرنح بالخ ... طي والسالف المصقول بالزردِ وقال: مالي وللاحي عليك يعنّف ... كيف السلوّ وأنتَ غصنٌ أهيفُ يصحو من البرحاءِ غير متيّمٍ ... دارت عليه من لحاظك قرقفُ لا واهتزازك كالقضيب اليةً ... ما قرّ من كلفٍ عليكَ المدنفُ غيري إلى السلوانِ يُعزى والقلى ... وسوى فؤادي بالملالةِ يعرفُ قال العذولُ بحقّه من ذا الذي ... أنتَ الكئيب به فقلتُ المصحفُ أخذ هذا البيت من المتنبي حيث يقول: قالت وقد رأتِ اصفراري مَنْ بهِ ... وتنهّدتْ فأجبتُها المتنهدِ وأخذه محيي الدين، فقال: بكم حلفتُ لعذَّلي فليقصِروا ... عزَّ السلوُّ غداةَ عزَّ المصحفُ وقال الحاجري من أبيات: كل الليالي الذاهبات خلاعةً ... تفدي نعيمك يا ليالي حاجرِ

стр. 39

ما كنت في الأيام إلاّ خلسةً ... سمحت بها الأيام سمحةَ غادرِ وقال: جسدٌ ناحلٌ وقلبٌ قريحُ ... ودموعٌ على الخدودِ تسيحُ وحبيبٌ جمُّ التجنّي ولكن ... كلّ ما يصنعُ المليحُ مليحُ يا غزالاً له الحشاشة مرعى ... لا خزامٌ بالرقمتين وشيحُ رقّ لي من لواعج وغرامٍ ... أنا منها ميّت وأنتَ المسيحُ قد كتمت الهوى بجهدي وإن دا ... مَ عليّ الهوى فسوف أبوحُ وقال، وهما من محاسن شعره: قلتُ لمحبوبي وقد مرَّ بي ... محبوبهُ كالقمرِ الساري هذا الذي يأخذ لي طرفه ... من طرفه الفتّان بالثأرِ وقال في قريب منها: ولما ابتلى بالحبِّ رقَّ لحالتي ... وما كانَ لولا الحبّ ممن يرقُّ لي أحبّ الذي هام الحبيب بحبّه ... ألا فاعجبوا من ذا الغرام المسلسلِ وقال: بدا فأرانا الظبيَ والغصنَ والبدرا ... فتبّاً لقلبٍ لا يبيتُ به مُغرى نبيّ جمالٍ كلُّ ما فيه معجزٌ ... من الحسن لكن وجههُ الآيةُ الكبرى أقام بلالُ الخالِ من فوق خدّه ... يراقبُ من لألاءِ غرَّتهِ الفجرا من التركِ لم يترك لقلبي تجلداً ... فتورٌ بجفنيه المراضِ ولا صبرا أغالطُ أخواني إذا ذكروا له ... حديثاً كأني لا أحبُّ له ذكرا وأصغي إذا جاؤوا بغير حديثه ... بسمعي ولكني أذوبُ به فكرا أعاذلُ هل أبصرتَ من قبل خدّه ... وعارضه ناراً حوتْ جنةً خضرا أرى العدلَ موصوفاً بكسرى فلم تُرى ... ظلمت بأجفانٍ شهدتُ بها كسرا البيت الخامس من قول القائل: أدنو من الرقباء لا من حبّهم ... وأصدُّ عنه وليس من بغضائه ومثله: فصافحتُ من لاقيتُ في البيت غيره ... وكان الهوى منّي لمن لم أصافحِ وقال، وهي من رقيق الشعر: شرخ الشباب بحبّكم قضّيته ... والقلبُ من ولهي بكم أبليتهُ وأنا الذي لو مرَّ بي من أرضكم ... داعٍ وكنتُ بحفرتي لبّيتهُ قالوا حبيبك بالتجنّي مسرفٌ ... قاسٍ على العشاقِ قلتُ فديتهُ أأرومُ من كلفي عليه تخلصاً ... لا والذي بطحاءُ مكةَ بيتهُ وقال: نعمتُ بكم والدهر في غفلاته ... زماناً وشملي آمن من شتاتهِ ولم أدرِ ما الأحزان حتى بعدتم ... فقلبي موقوف على حسراتهِ أأحبابنا بالجزع هل تسمح النوى ... بيومٍ يكونُ القربُ من حسناتهِ لقد حكمت فينا الليالي بفرقةٍ ... سلا بعدها المشتاق طيب حياته يقرّ بعيني أن يهبَّ نسيمكم ... فأنشق روحَ القربِ من نفحاته وقال: إذا بعدتْ ليلى وشطّ مزارها ... فلا نار إلاّ زفرتي واستعارُها ومن لي أن أمسي وأرضيَ أرضُها ... عناداً لواشيها وداريَ دارُها ويا ليتني جاوزتُ أرضاً تحلها ... فأحظى بما يحظى من القرب جارُها أشبهها بالبدر والغصن والنقا ... وما هي إلاّ ظبيةٌ ونفارُها ولو أنّ ناراً بالمحصّب أوقدت ... وليلى بنجدٍ قلت هاتيك نارُها وكيف تفيق النفس من سكرة الهوى ... وأنتِ حميّاها ومنكِ خمارُها أيا ليل قد أتلفت نفسي ترفقي ... على أنّ قبلَ النفسِ فيكِ افتخارُها ألا لا أراني الله يا ليل ذا حشَى ... يقرّ من البلوى عليك قرارُها

стр. 40

بهاء الدين زهير الكاتب المصري، شاعر، قال فأجاد واستنّ في حلبة الأدب استنان الجواد، له شعر كالروضة مورقة الزهر فهو شراك النفوس ونزهة القلوب ومنزّل في تكرار إنشاده منزلة النظر إلى المحبوب، وتصرف في الألفاظ فاختار منها ما يريد وركب اللفظ الغريب فأدرك به المرام البعيد، وله في الإنشاء أوضح نهج وأقوم طريقة وكلامه هو السحر الحلال على الحقيقة، له في الكتابة مذهب وسبيل ليس للصواب عنه مذهب وله خط كلآلئ الأفراد وكتابة تكاد تبيضّ من حسنها المداد، من شعراء العصر مات بعد الخمسين والستمائة فيما يتغلب عندي، له ديوان شعر قد أولع الناس به لقرب متناول ألفاظه وسهولة مآخذه وبعده عن التكلف وخفته على الألسن، وها أنا أذكر ما يخطر منه على سبيل الاختصار تبعاً لمقصدي في جمع هذا المجموع، لأن هذا باب لو أردت الإتيان فيه لوجدت مذهباً فسيحاً وسلكت منه مهامه فيحاً، فمن ذلك قوله وقد أحسن في امرأة كان يهواها اسمها روضة: يا روضةَ الحسنِ صِلي ... فما عليكِ ضيرُ فهل رأيتَ روضةً ... ليسَ لها زهيرُ وهذا اتفاق حسن. وأنشدني المولى المخدوم الصاحب علاء الدين بيتاً في غاية الحسن في امرأة اسمها شجر، وكان يهواها وقال فيها وأحسن: يا حبذا شجر وطيب نسيمها ... لو أنّها تسقى بماء واحدِ وقال زهير، وهي مليحة في معناها: وهيفاء تحكي الرمحَ لوناً وقامةً ... لها مهجتي مبذولةٌ وقيادِي لقد عابها الواشي فقالَ طويلةٌ ... مقالَ حسودٍ مظهرٍ لعنادِي فقلت له بشّرتَ بالخير إنّها ... حياتي فإنْ طالتْ فذاك مرادِي وما عابها القدُّ الطويلُ وإنه ... لأولُ حسنٍ للمليحةِ بادِي رأيت الحصونَ الشمّ تحفظ أهلها ... فأعددتُها حصناً لحفظِ ودادِي وقال: يا مَنْ لعينٍ أرقتْ ... أوحشَها منْ عشقتْ مذْ فارقتْ أحبابها ... لها جفونٌ ما التقتْ وغادةٍ كأنّها ... شمسُ الضحى تألقتْ كم شرقتْ بدمعِها ... عينيَ لمّا أشرقتْ قد جمعتْ حسناً به ... ألبابُنا تفرّقتْ فمهجتي وعبرتي ... قد قُيّدتْ وأطلقتْ في فمها مدامةٌ ... صافيةٌ تروّقتْ واعجباً من فعلها ... قد أسكرتْ وما سقتْ مثله لابن الساعاتي: ما شربنا بها ونحن سكارى وقال زهير أيضاً: لكم الروحُ والبدنْ ... لكم السرّ والعلنْ أنا عبدٌ شريتموه ... ولكن بلا ثمنْ منها: وجهه يجمع المسرَّ ... ةَ للقلبِ والحزنْ هو للحسنِ مشرقٌ ... فبه تظهرُ الفتنْ وقال أيضاً: بالله قل لي خبرك ... فلي ثلاث لم أركْ يا أسبق الناس إلى ... مودّتي ما أخّركْ يا أيها المعرضُ عن ... أحبابه ما أصبركْ بين جفوني والكرى ... مذْ غبتَ عنّي معتركْ كيف تغيرتَ ومن ... هذا الذي قد غيّركْ وكيف يا معذّبي ... قطعتَ عنّي خبركْ قد كان لي صبرٌ ... يطيلُ اللهُ فيه عمركْ كيف خلاصي من هوًى ... مازجَ روحي فاختلطْ وتائهٍ أُقبضُ في ... حبي له وما انبسطْ يا قمرَ السعدِ الذي ... لديه نجمي قد هبطْ حاشاكَ أنْ ترضى بأنْ ... أموتَ في الحبِّ غلط يمرُّ بي ملتفتاً ... فهلْ رأيتَ الظبي قطْ يا بدرُ إنْ رمتَ بهِ ... تشبهاً رمتَ الشططْ ودعْهُ يا غصنَ النقا ... ما أنتَ منْ ذاكَ النمطْ ويعجبني في ذكر الالتفات رباعي أنشدنيه بعض الأصحاب: يا من جفواته لقلبي عنت ... هل ترجع بالعتاب تلك النكتُ قد قيل محاسب الظبى لفتتها ... يا ظبيُ مضى العمر متى تلتفتُ ولمحيي الدين وقد سبق: هو الظبي إلاّ أنّ للظبي لفتةً ... وغصن النقا لولا التعطف في الغصن وقال وقد سبق: وجلا لنا وجه الغزالةِ وانثنى ... غضبانَ ملتفتاً بجيدِ غزالِ وقال: كالبدرِ في حاليْ سناهُ وسنهِ ... والظبي في لفتاتهِ ونفورهِ وللرشيد النابلسي: نافرٌ والنفورُ من شيمِ الغز ... لانِ لولا التفاتةٌ في الغزالِ وقال زهير وهو من حر الكلام ورقيقه:

стр. 41

أأحبابنا ماذا الرحيلُ الذي دنا ... لقد كنتُ منه دائماً أتخوفُ هبوا ليَ قلباً إنْ رحلتم أطاعني ... فإني بقلبي ذلكَ اليومَ أعرفُ ويا ليتَ عيني تعرفُ النومَ بعدَكم ... عساها بطيفٍ منكم تتآلفُ قفوا زوّدوني إنْ مننتم بنظرةٍ ... تعلّلُ قلباً كادَ بالبينِ يتلفُ تعالوا بنا نسرقُ من العمر ساعةً ... فنجني ثمارَ الوصلِ منها ونقطفُ وإنْ كنتمُ تلقونَ في ذاكَ كلفةً ... ذروني أمتْ وجداً ولا تتكلفوا وكم ليلةٍ بتنا على غيرِ ريبةٍ ... حبيبينِ ينهانا النهى والتعففُ ظفرنا بما نهوى من الأنسِ وحده ... ولسنا إلى ما خلفهُ نتطرّفُ وقال وهي من محاسن شعره: أخذتُ عليه في الصيابةِ موثقاً ... وما زلتُ دهري من تجنيهِ مشفقا ولي فيهِ قلبٌ بالغرامِ مقيدٌ ... له خبرٌ يرويهِ دمعيَ مطلقا كلفتُ به أحوى الجفونِ مهفهفاً ... من الظبي أحلى أو من الغصنِ أرشقا ومن فرطِ وجدي في لماهُ وثغرهِ ... أُعللُ قلبي بالعذيبِ وبالنّقا ولي حاجةٌ من وصلها غيرَ أنها ... مردّدةٌ بين الصبابةِ والتّقى خليليّ ماذا تعذلان عن امرئ ... تذكّرَ أياماً مضتْ فتشوّقا فلا تحسبا قلبي كما قلتما سلا ... ولا تحسبا دمعي كما قلتُما رقى فما زادَ ذاكَ القلبُ إلاّ تمادياً ... وما زادَ ذاكَ الدمعُ إلاّ تدفّقا قوله: أعلل قلبي بالعذيب وبالنّقا متداول، وأول من استعمله فيما أظن البحتري في قوله: فسقى الغضا والنّازليهِ وإنْ همُ ... شبّوهُ بين جوانحٍ وقلوبِ وقد أحسن الزكي بن أبي الإصبع غاية الإحسان في قوله: إذا الوهم أبدى لي لماها وثغرها ... تذكرتُ ما بين العذيب وبارقِ ويذكرني من قدّها ومدامعي ... مجرَّ عوالينا ومجرى السوابقِ وقال المحيي: لما تراءى رشأ نافراً ... أسكنته من أضلعي المنحنى ولابن الحلاوي: يا أيها الرشأ الذي أسكنته ... من أضلعي بين الحمى والمنحنى بعذيبِ ريقتهِ وبارقِ ثغرهِ ... أجدُ الطريقَ إلى المحبّةِ بيننا ولابن النبيه: الريقُ والثغرُ العذيبُ وبارقٌ ... وقباكَ مزرورٌ على نعمانِ وقال زهير: لحاظكَ أمضى من المرهفِ ... وريقكَ أشهى من القرقفِ ومن سيفِ لحظكَ لا أتّقي ... ومن خمرِ ريقكَ لا أكتفي أُقاسي المنونَ لنيلِ المنى ... فيا ليتَ هذا بهذا يفي زها وردُ خديكَ لكنّه ... بغيرِ اللواحظِ لم يقطفِ وقد زعموا أنّه مضعفٌ ... فيا لكَ من مضعفٍ مضعفِ ملكتَ فهل ليَ من معتقٍ ... وجرتَ فهل ليَ من منصفِ مددتُ إليكَ يدي سائلاً ... أُعيذكَ في الحبّ من موقفي وحقّ حياتك إني امرؤٌ ... بغيرِ حياتكَ لم أحلفِ وما ذاك إلاّ لتعظيمها ... كما يحلف الناس بالمصحفِ لقد طابَ لي فيك مرّ الغرا ... مِ وإن صحَّ لي أنهُ متلفي وأهوى رضاك وفيه الذي ... به يشتفي فيّ من يشتفي وعنديَ عنديَ ذاك الوفاء ... سواءٌ وفيتَ وإنْ لم تفِ

стр. 42

عز الدين أبو الحسن بن شيخنا الرضي رضي الدين أبي الهيجا علي بن حسن بن منصور بن موسى الإربلي الأنصاري الأوسي، شاب يستوقف العيون حسنه، وشاعر أجاد وما بلغت الثلاثين سنه، له أشعار كالروضة تمج الندى، وقصائد أشهى إلى الأسماع من نغم الحدا، ومقاصد طابت جنًى وعذبت مورداً، رقيق حواشي الكلام، سهل العبارة، سلس النظام، لهج بالهوى فعذب شعره، وفارق حبيبه فرق نظمه ونثره، كان والده رضي الدين شيخنا، رحمه الله تعالى، أوحد زمانه وفريد عصره وأوانه، شيخ الأدب وفارسه، وموري زناد الفضل وقابسه، ومنشئ دوح العلم وغارسه، قد أتقن علم النحو والتصريف وعرف بهما معرفة لا يدخلها التنكير فيفتقر إلى التعريف، لحق جماعة من العلماء وقرأ عليهم وروى عليهم منهم: مجد الدين عمر العنسفي ومحب الدين أبو البقاء العكبري وزين الدين يحيى بن معط المغربي وتاج الدين أبو اليمن زيد ابن الحسن الكندي وعلم الدين أبو القاسم بن الموفق الأندلسي وموفق الدين يعيش بن علي بن يعيش الحلبي وغيرهم، ﵏، وكان على ذهنه، ﵀، نحو كثير في الغاية، وكان شديد العناية بالإيضاح والتكملة لأبي علي الفارسي، وحفظ المفصل للزمخشري وكرر عليه وقد نيف على الستين، وكانت رتبته في التصريف عالية في الغاية بحيث أني ما رأيت أحداً من النحاة الذين ترددوا إلى إربل حاوروه وبحثوا معه إلاّ ألقاهم إلى التصريف، وتوفي، ﵀، في شوال سنة تسع وأربعين وستمائة. قال لي: يا فلان في هذه السنة أموت، فقلت: يعيذك الله ما أوجب هذا؟ قال: منذ عرفت نفسي كنت أشتغل بالأدب في السنة تسعة أشهر وأتفرغ في شهر رجب وشعبان ورمضان للتكرار على الكتاب العزيز وهذه السنة ما لي همة إلاّ في القرآن المجيد، وكان يعمر داراً فقلت: هذا القول مناقض لهذا الفعل، فقال: هذه تربة أُدفن فيها، فقلت: هلا تقفها، فقال: أضيّق على أولادي بل يدفنوني فيها فإذا ضجروا مني أخرجوني وانتفعوا بها فجرى الأمر على ما قال، ﵀، لم يخرم حرفاً واحداً، ويوم موته كان في داره طير راعبي فلما غُسل ألقى الطير نفسه في ماء الغسل وما زال يضرب بنفسه ورأسه في الماء إلى أن مات وشاهده جماعة. قرأت عليه اللمع لابن جنّي وقطعة صالحة في الإيضاح، وأجاز لي أن أروي عنه مشايخه كلما قرأته عليهم ورواه عنهم بشروطه. الحديث ذو شجون. نعود إلى شعر ولده عز الدين فمن ذلك قوله: كم قد بعثتُ رسولاً ... فخانَ فيكَ الرسولُ عندي إذا ما التقينا ... حديثُ وجدٍ يطولُ من منصفي من عزيزٍ ... ما لي إليه وصولُ القدُّ منه رشيقٌ ... والطرفُ منه كحيلُ منه تعلّم غصن الأ ... راك كيف يميلُ شمائل مائسات ... تميلهن الشمولُ يسلُّ من مقلتيه ... ماضي الغرار صقيلُ الصبر عنه قبيح ... والوجه منه جميلُ ليلي وقد صدّ عني ... كالفرع منه طويلُ أقول: إن للشعراء في طول الليل معاني لطيفة ومقاصد شريفة وشكاوى من طوله وقصره وتظلمات من امتداد أمده ومن عثرة عشائه بسحره، وها أنا أذكر ما يخطر من ذلك منفرداً وما يجيء في أثناء المجموع فله سبيل آخر. قال امرؤ القيس: وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سدولهُ ... عليَّ بأنواعِ الهمومِ ليبتلي فيا لكَ من ليلٍ كأنَّ نجومهُ ... بكلِّ مغارِ الفتلِ شدتْ بيذبلِ فقلتُ له لمَّا تمطَّى بصلبهِ ... وأردفَ أعجازاً وناءَ بكلكلِ ألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انجلي ... بصبحٍ وما الإصباحُ منكَ بأمثلِ فهذه الأبيات في غاية الحسن والمبالغة في طول الليل ولولا الاكتفاء بما قاله الأوائل في تقرير معانيها لأطلت في ذكرها ولكن الغرض في هذا المختصر لا يتعلق بهذا. وقال النابغة: كليني لهمٍّ يا أميمةُ ناصبِ ... وليلٍ أُعانيهِ بطيء الكواكبِ وقال سويد بن أبي كاهل اليشكري: كلّما قلتُ ظلامٌ قد مضى ... عطفَ الأولُ منه فرجعْ وأخذ بعض العرب قول امرئ القيس، فقال: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبحٍ وما الإصباح منك بأروحِ على أنّ للمعيين في الصبح راحةً ... بطرحهما طرفيهما كلّ مطرحِ وقال آخر:

стр. 43

ليلٌ تحيَّر ما ينحطّ في جهة ... كأنه فوق متن الأرض مشكولُ وقال العباس بن الأحنف: أيها الراقدونَ حولي أعينو ... ني على الليلِ حسبةً واتجارا حدثوني عن النهارِ حديثاً ... أوْ صفوهُ فقدْ نسيتُ النهارا وقال المتنبي، وأجاد: بئس الليالي سهرتُ من طربٍ ... شوقاً إلى منْ يبيتُ يرقدُها أحييتُها والدموعُ تنجدني ... شؤونها والظلامُ ينجدُها وقد جاء به ثقيلاً في الغاية في قوله: أُحادٌ أمْ سداسٌ في أحادٍ ... لُييلتنا المنوطةُ بالتّنادِ وقال سيدوك الواسطي: عهدي بنا ورداءُ الوصلِ يجمعنا ... والليل أطولهُ كاللمحِ بالبصرِ فالآن ليلَ مذ غابوا فديتهمُ ... ليلُ الضريرِ فصبحي غير منتظرِ أنشدني السعيد تاج الدين، ﵀: الليلُ إنْ هجرتْ كالليل إنْ وصلتْ ... أشكو من الطولِ ما أشكو من القصرِ وأنشدني بعض أصحابنا: من قصر الليل إذا زرتني ... أشكو وتشكين من الطولِ عدوّ عينيك وما فيهما ... أصبحَ مشغولاً بمشغولِ وقال الشريف البياضي: الليل من سهري عليّ نهارُ ... يزداد طولاً والجفونُ قصارُ أرعى نجوماً لا تغيبُ كأنّما ... أفلاكها وقفتْ فليسَ تُدارُ وقال البحراني: أما لهذا الليل من آخرِ ... قد بلغ التسهيد من ناظرِ بتّ وما أعرف طيب الكرى ... ما أطولَ الليل على الساهرِ جحظة البرمكي: وليل في كواكبه حران ... فليسَ لطولِ مدَّتهِ انقضاءُ عدمتُ محاسنَ الإصباحِ فيه ... كأنَّ الصبحَ جودٌ أو وفاءُ ابن الرومي: ربّ ليلٍ كأنهُ الدهرُ طولاً ... قد تناهى فليس فيه مزيدُ ذي نجومٍ كأنهنّ نجومُ الشي ... ب ليستْ تزولُ لكنْ تزيدُ العسكري: غابوا فلم أدرِ ما أُلاقي ... مسّ من الوجد أو جنونُ ليليَ لا يبتغي براحاً ... كأنه أدهمَ حرونُ أُجيلُ في صفحتيه عيناً ... ما تتلاقى لها جفونُ ابن طباطبا العلوي: كأنّ نجومَ الليلِ سارتْ نهارها ... ووافت عشاءً وهي أنضاء أسفارِ فخيّمن حتى تستريح ركابُها ... ولا فلكٌ جارٍ ولا كوكبٌ سارِ آخر: يا ليلة طالت على عاشقٍ ... منتظرٍ للصبح ميعادا كادت تكون الحول في طولها ... إذا مضى أولها عادا وفي قصر الليل: يا ليلة كاد من تقاصرها ... يعثر فيها العشاء بالسحرِ تطول في هجرنا وتقتصر في ... الوصل فما نلتقي على قدرِ المجد بن الظهير الحنفي الإربلي: فأنالني كل المنى بزيارةٍ ... كانت مخالسةً كخطفةِ طائرِ فلو استطعتُ إذا خلعتُ على الدجى ... لتطول ليلتنا سواد الناظرِ أخذه من المعري حيث قال: يودُّ أنَّ سوادَ الليلِ دامَ لهُ ... وزيدَ فيه سوادُ القلبِ والبصرِ إبراهيم بن العباس: وليلةٍ من الليالي الزهرِ ... قابلت فيها بدرها ببدري لم يكُ غير شفقٍ وفجرِ ... حتى تولت وهي بكرُ الدهرِ كشاجم: وليلةٍ فيها قصرْ ... عشاؤها مع السحرْ محمد بن يزيد: لله ليلتنا بجوّ سويقة ... والعيش غضّ والزمان غريرُ طابت فقصّر طيبها أيامها ... فكأنما فيها السنونُ شهورُ وقال آخر: أرى قصراً في الليلِ حتى كأنما ... أوائلهُ مما تداني أواخرُه وللبغاددة من المواليا في هذا الباب أشياء حسنة منها: بطول ليل القيامة كان ليل الهجر ... من يسهره يغتنم عندي عظيم الأجر وليلة الوصل يزجرها التفرق زجر ... من قبل ما تذن المغرب يلوح الفجر ولهم مما يقارب هذا المعنى: قد اعتذر ركوب الصبح الذي فرّق ... ما بيننا ولعينو في السما درّق وقال حبك بدا ثوب الدجى حرّق ... طلعتُ أنا وحسبت الصبح شرق ولهم: أيام هجرك يكون الليل مد يدي ... وفي وصالك حبابو كان مد يدي وكوكب الصبح من بعد العشا عيدي ... خلا وصالك فرح ساعة وهو عيدي وقال عز الدين أبو علي: برق تبدّى للعين أم نار ... ذاعت به للغرام أسرارُ

стр. 44

أم بارق الثغر لاحَ مبتسما ... فدمع عيني عليه مدرارُ وبي رشيق القوام ناظره ... لقلبي المستهام سحّارُ في خده روضة لناظره ... وفي الثنايا العذاب خمّارُ أسمر حلو الدلال معتدل ... أخبار وجدي عليه أسمارُ أنواره بالجمال مشرقة ... يزيدها في الخدود نوارُ ينكر قلبي في الحب ناظره ... ومن دمي في الخدود آثار يخطر في مشيةٍ ولا عجب ... إنني للفتك خطارُ قضيتُ وجداً في حب معتدل ... لم تقضَ لي في هواه أوطارُ وقال أيضاً: أترى تعلم أني ... بك صبّ مستهام خانني في حبك الص ... برُ وأضناني الغرام لي جفن قد جفاه ... مذ تجافيت المنام ومحبّ أظهر الوجد ... فأخفاه السقام أيها البدر الذي ... يشبهه البدر التمام وجهه المشرق والشع ... ر ضياء وظلام ورضاه وتجافيه ... حياة وحِمام من ثناياه حِباب ... ومن الريق المدام فعلى صبري ونومي ... ما تجافاني السلام وبلائي منه خدّ ... ولحاظ وقوام سيدي في القلب من هج ... رك والبعد ضرام وقال أيضاً: سلَّ سيفاً من لحظه البابليّ ... وتثنّى تثنيَ السمهريّ خائن العهد لا يراعي ذماماً ... في هواهُ لمستهامٍ ونيّ ظلتُ أذري سحب المدامع لما ... عنّ برق من ثغره اللؤلؤيّ يا خليّاً من الصبابةِ والأشوا ... قِ رفقاً بمستهام شجيّ بات يشكو الظما وقد أوجد ال ... سريّ برشفٍ من ريقك البابليّ قتلته لواحظ فاترات ... هي أمضى حدّاً من المشرفيّ ورمته بأسهم قاتلات ... عن حنايا حواجب كالقسيّ وقوام متى انثنى من دلالِ ال ... تيهِ أزرى بالذابل الخطيّ وقال: سل عن فؤادي ما لقي ... من الأسى والحُرقِ وعن جفون شفّها ... فرط البكا والأرقِ من منصفي من جائرٍ ... في حكمه معشّقِ ذي غرّة تجلو الدجى ... وطرّةٍ كالغسقِ له محيا نوره ... يخجل بدر الأفقِ من لي بسحار الجفو ... ن أهيف مقرطقِ مرّ الجفا حلو الجنى ... عذب اللمى والمنطق لولا فتور جفنه ... وشقوتي لم أعشقِ كم ليلة بات بها ... فديته معتنقي حتى بدا كوجهه ... نور الصباح المشرق ملكت يا كلّ المنى ... هوى القلوب فارفقِ فقد سئمت في الهوى ... من شملنا المفرّقِ يفديك صبُّ قد أصي ... ب بسهام الحدقِ ذو مقلةٍ عبرى علي ... ك وفؤاد شيّقِ مصطبح بوجهه ... طول المدى مغتبقِ يهمي سحابُ جفنه ... إنْ عنَّ برق الأبرقِ يا من لصبّ في الهوى ... حمّل ما لم يطقِ وقال أيضاً: حبك أضحى قاتلي ... فما على عواذلي قد بذلوا نصحهم ... منّي لغير قابلِ يا للهوى من شادن ... أهواه وهو قاتلي بدر غدا قلبي له ... من أشرف المنازلِ أسيل خدّ غادر الص ... بّ بدمع سائلِ له قوام ناضر ... كالسمهري الذابل تضمّنت أجفانه ال ... مرضى بسحرٍ بابلي بلبل صدغيه فزا ... دت في الهوى بلابلي وقال أيضاً: متيمٌ أنتم له عُددُ ... قد خانه في هواكم الجلدُ قد انقضى عمره بحبكم ... والهجر ما ينقضي له أمدُ يخذله صبره فينجده ... جفنٌ له دموعه مددُ يهيم شوقاً في حبّ معتدلٍ ... يطيب فيه الغرامُ والكمدُ قوامه صعدةٌ وناظره ... سيفٌ صقيلٌ وصدغهُ زردُ بخدّه جنة مزخرفة ... بها مياه الجمال تطردُ أشكو إليه قتلي فينكره ... وخده شاهدٌ بما أجدُ يجول في وجنتيه ماء حيا ... نارُ اشتياقي عليه تتقدُ وقال، وهي سهلة رقيقة: ريم رمى قلبي فأقصد مقتله ... بسهام جفن فاترٍ ما أقتله وسنان حرّم وصله ولقاءه ... وأباح قتل العاشقين وحلله رشأ له بين الجوانح مرتع ... بدر له قلبي وطرفي منزله أوضحت عذري في الغرام بحبه ... لكن قضايا الصبر عنه مشكله

стр. 45

يا عاذلي لا تلحني في حبه ... فاللوم فيه وحقه لن أقبله لم أنسهُ كالبدر ليلة زارني ... فضممته ولثمت منه مقبله يا من أطاع الصب فيه غرامه ... وعصى لوائمه عليه وعذّله ما بال أدمعي التي أطلقتها ... تمسي وتصبح في الخدود مسلسله أول شعر سمعته على هذا الروي لابن التلعفري حيث يقول: هذا العذول عليكم مالي ولهْ ... أنا قد رضيت بذا الغرام وذا الولهْ شرط المحبة أنَّ كل متيم ... صبّ يطيع هواه يعصي عذلهْ فارقتموني حين سار بحبكم ... مثلي ومثلي سره لن يبذلهْ يا سائلي عن حالتي من بعدهم ... ترك الجواب جواب هذي المسألهْ خبري إذا حدّثت لا لمعاً ولا ... جملاً لإيضاحي لها أن تكملهْ عندي جوى يذر الفصيح مبلداً ... فاترك مفصله ودونك مجملهْ القلبُ ليس من الصحاح فيرتجى ... إصلاحه والعينُ سحب مثقلهْ يا راحلين وفي أكلّةِ عيسهم ... رشأ عليه حشا المحبِّ مُقلقلهْ قمر له في القلب بل في الطرف بل ... في النثرة الحصداء أشرف منزلهْ في الصدغ منه عقرب ولحاظه ... أسدٌ وخلف الظهر منه سنبلهْ الأبيات الأولى أسلس وأجرى، وأجدر بالاستحسان وأحرى، وقائلها فيها أرق طبعاً وأعرف بمحاسن الكلام وقعاً وأبعد عن الكلفة أصلاً وفرعاً. وقد أحسن الباخرزي في قوله: أطلعتَ يا قمري على بصري ... وجهاً شغلتَ بحسنهِ نظري ونزلتَ في قلبي ولا عجبٌ ... القلبُ بعضُ منازلِ القمرِ وقد تقدم أمثال هذا، وأما قوله: في الصدغ منه عقرب فقريب، وذكر عوض البروج أشكال الرمل ابن مطروح، وقد أجاد ما شاء: رأيت بخديه بياضاً وحمرةً ... فقلت إلى البشرى اجتماع تولدا وهي أبيات حسنة ومنها: ولما وردنا ماء مدين حبه ... وجدنا عليه أمةً تشتكي الصدى فقلت لعذالي عليه تنبهوا ... فقد لاح طور الحسن فاستمعوا الندا ومثل قوله: طور الحسن قول الآخر، وزاد عليه: عجباً كيف نمتَ عني وأضحى ... مسهري في الهوى العذار الرقيمُ وثناك الدلال عن مستهامٍ ... لك يا ظبي من حشاه صريمُ لم أؤاخذك في الملاحة إلاّ ... وفؤادي طورٌ وقلبي كليمُ ولي من أبيات: أيا ربَّ حسنٍ قد تعالى ملاحةً ... خليلك قد أضحى كليماً من الصدِّ ولابن قلاقس أبيات حسنة تلم بهذه المعاني، وهي: ما ضرَّ ذاك الريم أن لا يريم ... لو كان يرثي لسليم سليم وما على من وصله جنة ... أن لا أرى من صدّه في جحيم رقيم خدٍّ نام عن ساهرٍ ... ما أجدر النومَ بأهل الرقيم وكيف لا يصرم ظبي وقد ... سمعتُ في النسبة ظبي الصريم وعاذلٍ دام ودام الدجى ... بهيمةٌ نادمتها في بهيم قلتُ له لما عدا طوره ... والقلب مني في العذاب الأليم رفقاً بقلبي إنني شاعرٌ ... من حبه في كلّ وادٍ يهيم وعلى هذا الوزن والروي لآخر: أيّ غزال عنّ أم أيّ ريم ... يرتع ما بين النقا والصريم ظبي من الأعراب لكنه ... لا يعرف الشيحَ ورعي الجميم معقرب الأصداغ ملويها ... سليمهُ في الحب غير السليم يسألني عما ألاقي به ... وهو بما ألقاه عين العليم يسطو على ذُلي وضعفي معاً ... بحسن لحظ وبلفظ رخيم ذا فاتك عضبٌ وذا فاتن ... عذب صحيح ذا وهذا سقيم وقلت: أرقني هجر غزال الصريم ... فبتّ إذ بتّ بليل السليم وكيف لا يجفو الكرى عاشق ... تيّمه ذاك القوام القويم ولي غريم هو مع هجره ... وما أعاني منه نعم الغريم يميل عن وصلي ويبدي الجفا ... ومذهبي في حبه مستقيم فعدِّ عن عذلي فما جاهل ... بالحال يا عاذل مثل العليم لو لم يكن حكم الهوى قاهراً ... ما لعب الوجد برأي الحكيم ومثل بيت ابن مطروح قول القائل، وقصر عنه: تعلمت ضرب الرمل لما هجرتم ... لعلي أرى فيه دليلاً على الوصلِ ورغبني فيه بياضٌ وحمرةٌ ... رأيتهما في وجنةٍ سلبت عقلي وقالوا طريق قلت يا رب للرضى ... وقالوا اجتماع قلت يا رب للشملِ

стр. 46

وقد صرت فيكم مثل مجنون عامرٍ ... فلا تنكروا أني أخطُّ على الرملِ أحسن من البيت الآخر قول القائل: فمالي أنا المجنون فيه وشعره ... إذا مرَّ بالكثبان خطَّ على الرَّملِ وللبغاددة مواليا: وقد كان شكلك نقي الخدّ وسنان ... خلفك جماعة وقبضك داخل الدكان أصبحت كوسج بلا حمرة بياضك بان ... ذي نصرة خارجة قد جاك الحيان وقال عز الدين أبو علي: عساه يرقّ للكلف المعنّى ... ويرحم من غدا بهواه مضنى ويحنو بالوصال على محبّ ... قضى أيامه وجداً وحزنا أقام قيامتي وثنى اصطباري ... رشيق قوامهِ لما تثنّى أيا بدراً غدا قلبي وطرفي ... له سكناً ومنزلةً ومغنى يريك من اللواحظ مشرفياً ... وإن هزَّ القوام أراك لدنا بروضةِ وجنتيه جنيّ وردٍ ... حمته ظبى اللحاظ فليس يجنى تخذتُ الوجدَ فنّا فيك لما ... تخذتَ الصدَّ والهجران فنّا وقال أيضاً: قف بنجدٍ وحيّ إن جئت نجدا ... معهداً لم أضع لمن فيه عهدا وتحمّل تحيّةً من محبّ ... وجد الغيّ في الصبابة رشدا وبروحي أفدي بديع جمالٍ ... يتثنى فيخجل الغصن قدّا يفضح البدرَ والأراكةَ والور ... دَ محيّاً ولين عطفٍ وخدّا ليس لي عن هواه ثانٍ وقد ... أصبح في الحسن والملاحة فردا في الثنايا العذاب منه رُضاب ... خصرٌ يكسبُ الجوانحَ وقدا قوله: أضرم الحسن نارَه فوق خديه أخذه مني حيث قلت: عاتبتني فجال ماء الحيا في ... وجنتها فزاد حرّاً ووقدا ثم ألقت في ناره أسود الخال ... فكانت له سلاماً وبردا وأنا أخذته من ابن عنين حيث قال من أبيات أذكرها، وهي: خبّروها بأنه ما تصدَّى ... لسلوٍّ عنها ولو ملت صدَّا واسألوها في زورةٍ من خيالٍ ... إنْ تكنْ لم تجدْ من الهجرِ بدَّا عنَّفتْ طيفَها على ظنِّها أنَّ ... خيالاً منها إلينا تعدَّى كذبتْها ظنونُها لا الكرى زا ... ر جفوني ولا الخيالُ تهدَّى ظبيةٌ تُخجلُ الغزالةَ وجهاً ... وبهاءً وتفضحُ الغصنَ قدَّا وأماطتْ لثامها بأسار ... يع حقوفٍ عن مستنيرٍ مفدَّى وذكتْ نارهُ على عنبرِ الخا ... لِ فكانتْ له سلاماً ويردا وقال عز الدين أبو علي: يا ظبيَ أُنسٍ قدْ بدا ... عن المحبِّ نافرا وراقداً غادرَ جف ... ني في هواه ساهرا يهزُّ قدّاً ذابلاً ... يحكي قضيباً ناضرا معتدلٌ قوامهُ ... أضحى عليَّ جائرا قلبي كماءِ الحسنِ في خ ... ديهِ أضحى حائرا وقد أحسن ابن منير الطرابلسي، وإن لم يذكر حيرة الماء في خديه، حيث يقول: بحقِّ من زانَ بالدجى فلق الص ... بحِ على الرمحِ أنه قسمُ وقال للماء قف بوجنته ... فمازجِ النارَ وهي تضطرمُ هل قلت للطيف لا يعاودني ... بعدك أم قد وفى لك الحلمُ والثاني أردت، وهذه أبيات في غاية الحسن والجودة وقد حاز الطرابلسي بها قصب السبق وأبرزها سوية الخلق وأنا أذكر منها ما يخطر: أحلى الهوى ما تحلّه التهم ... باح به العاشقون أم كتموا أغرى المحبين بالأحبة فال ... عذل كلامٌ أسماؤهُ كلمُ بالله يا هاجري بلا سببٍ ... إلاّ لقال الوشاة أو زعموا تتلوه الأبيات المتقدمة وبعدها: أم قلتَ لليل طل فافرط في ال ... طاعةِ حتى إصباحه ظلمُ يا قمراً أصبحت ملاحته ... تنهب ألبابنا وتقتسمُ فيك معانٍ لو أنها جمعت ... في الشمس لم يغش نورها الظلمُ تمشي فيودي القضيب من أسف ... ويكسف البدر حين تبتسمُ ويخجل الراح منك أربعةٌ ... خدُّ ونشرٌ وريقةٌ وفمُ ومنها: يا ربّ خذ لي من الوشاة إذا ... قاموا وقمنا لديك نحتكم سعوا بنا لا سعت بهم قدم ... فلا لنا أصلحوا ولا لهمُ ضرّوا بهجراننا وما انتفعوا ... وبددوا شملنا وما التأموا فأينَ كان المموهون وقد ... وحّدَ قلبي هواك قبلهمُ وقال عز الدين أبو علي: يا أيها البدر يا من ... بالقلب والطرف حلاّ

стр. 47

ومن غدا ببديع ... من المعاني محلّى رفقاً بصبٍّ كئيب ... للهمِّ أضحى محلاّ حرّمت طيب التلاقي ... والهجر غادرتَ حِلاّ وكنتَ أعددت صبري ... ذخيرةً فاضمحلاّ وقال: زادتْ ملاحته وقلَّ نظيره ... رشأ حكاه من القضيب نضيرهُ أطلقت دمعي في هواه صبابةً ... لكن قلبي المستهام أسيرهُ أبداً يجور فما عليه فديته ... لو كان يرحم عاشقاً ويجيرهُ ريم وما للريم لفتة طرفه ... بدرٌ وما للبدر حسناً نورهُ أحوى يميل من الدلال وطرفه ال ... وسنان منه ما أجنّ ضميرهُ ربّ الجمال له القلوب مطيعةٌ ... ونبيّ حسن والعذار نذيرهُ دانت لطاعته القلوب وصدّقت ... لما أتاها بالجمال بشيرهُ يا بدر رفقاً في هواك بمغرم ... النجم من شوق إليك سميرهُ الصبر فيك عصى عليّ قليلهُ ... والدمع أذعن من جفاك كثيرهُ بالله رقّ لعاشقٍ بك مغرم ... كثرت لواحيه وقلّ نصيرهُ لله صبّ بات يخفي وجده ... والدمع يظهر ما يجنّ ضميرهُ فبقلبه نارٌ يشبّ ضرامها ... وبجفنه دمع يسحّ مطيرهُ وقال في مغنيةٍ اسمها شجر: وبي ظبية أدماء ناعمة الصبا ... تحار الظباء الغيد من لفتاتها أعانقُ غصنَ البانِ من لينِ قدّها ... وأجني جنيّ الوردِ من وجناتها ويطربني إنْ حدّثت رجع قولها ... وأرشفُ كأس الراح من رشفاتها وما شجر إلاّ الأماني لأنني ... جنيت ثمار اللهو من عذباتها وقال من قصيدة يمدح بها الصاحب الأعظم علاء الدين صاحب الديوان عزّ نصره: تثنّي قوامك يا أسمرُ ... به يوصف الذابل الأسمرُ ونور محيّاك يا منيتي ... به يشرق القمر النيّرُ تعشقته ناعس المقلتين ... به جفن عاشقه يسهرُ وبي أسمرٌ فاتر جفنه ... به نار شوقيَ لا تفترُ قضيبٌ تحلّى بحلي الجمال ... ولكنه بالأسى مثمرُ هلال له منزل في القلوب ... بغير الصبابة لا يعمرُ يطوف علينا بمشمولةٍ ... وألحاظه قبلها تسكرُ فمن راحتيه كؤوس المدام ... تدارُ ومن خدّه تُعصرُ ويبسم عن واضح كالجمانِ ... وعن مثل بدر الدجى يسفرُ بوجنته جنّة زخرفت ... يردّ لماه بها الكوثرُ رعى الله عيشاً مضى أبيضاً ... وعودُ الوصال به أخضرُ وجادك يا طيب أيّامنا ... بسفح اللّوى عارضٌ ممطرُ ذكرت بقوله: تعشقته ناعس المقلتين أبياتاً أنشدنيها أحد أولاد ابن سناء الملك، وصل إلى إربل وكان له ثروة ظاهرة ونعمة تامة وقال: إنها لجده القاضي الشاعر: تعشقته ناعس المقلتين ... تنمّ على أنه لم ينمْ وهمت به أسمر المرشفين ... عليه اللمى وعليه اللممْ فسيف مقبله لا يشام ... وورد بوجنته لا يشمْ أعاذلي فيه لما رآه ... لئن كنت أعمى فإني أصمْ فهبك أبا ذرّ هذا الحديث ... وهبني أبا جهل هذا الصنمْ وأما قوله: رعى الله عيشاً مضى أبيضاً فالناس فيه عيال على صاحب المقامات في قوله: فمذ اغبرّ العيش الأخضر، وازورّ المحبوب الأصفر، اسودَّ يومي الأبيض وابيضَّ فودي الأسود حتى رثى لي العدو الأزرق فيا حبذا الموت الأحمر. فأما الشعر فأذكر منه ما يخطر، قال الطغرائي: يحمون بالبيضِ والسمرِ اللدان معاً ... سودَ الغدائرِ حمرَ الحلي والحللِ ولابن الساعاتي: زهر الحجى سمر القنا سود الوغى ... خضر الحمى بيض الدمى حمر النعم من كلِ ظبيٍ دونه ليثُ شرىً ... ليسَ له غيرُ قنا الخطِّ أجم وبيت الحماسة مشهور: بسود نواصيها وحمر أكفّها ... وصفر تراقيها وبيض خدودها وللمحيي، ﵀، من موشحةٍ: أسمر في الجفن منه أبيض ... أحمر دمعي به بريقُ عرّضني للضنا وأعرض ... فها أنا منه لا أفيقُ وأنشدني بعضهم، وهي من باب المديح: طالما قلت للمسائلِ عنهم ... واعتمادي هداية الضُّلاّلِ إن ترد كشف حالهم عن يقينٍ ... فألقهم في منازل أو نزالِ

стр. 48

تلقَ بيضَ الأعراض سود مثا ... رِ النقع خضر الأكتاف حمر النصالِ ومثله: وتملك العلياء بالسعي الذي ... أغناك عن متعالي الأنسابِ بسواد نقع واحمرار صوارمٍ ... وبياض عرض واخضرار جنابِ والأولى أحسن نظاماً وأسلس كلاماً وأبعد عن الكلفة مستقرّاً ومقاما. وقال عزّ الدين أبو علي: غانيةٌ في القلوب مغناها ... يشتاقها ناظري ويهواها قريبةٌ وهي عنك نازحةٌ ... بعيدةٌ في الفوائد مأواها غريبة في الجمال مبدعةٌ ... لو منِّيَ الحسنُ ما تعدّاها فالغصنُ يحكي انثناء قامتها ... والدرُّ يثني على ثناياها والخمرُ ما ودعته ريقتها ... والوردُ ما أبدعته خدّاها فللقنا والغصون قامتها ... وفي الظبى والظباء عيناها أصبح جسمي غداة فرقتها ... وخصرها في السقام أشباها وكيف لا تنثني شمائلها ... سكراً ومن ريقها حميّاها أضمرُ في القلب سلوة فإذا ... راجعت عقلي استغفر الله وقال من قصيدة يمدح بها المخدوم علاء الدين صاحب الديوان عزت أنصاره: وكّلت النفس بأشجانها ... وواصلت لكن بهجرانها غريبةُ الحسن لها مقلة ... تنبّه الوجد بوسنانها تفعل في العشاق أجفانها ... ما تفعل الخمر بندمانها في وجنتيها جنّة زخرفتْ ... طوبى لمن فاز برضوانها مرّت بنا من أرضها نفحةٌ ... تروي حديث الطيب عن بانها في طيّها نشرٌ فهمنا به ... ما نقلت عن طيب أردانها روضة حسن أبدعت بالأسى ... فنونه تبدو بأفنانها فثغرها يبسم عن نورها ... وقدّها يزهو كأغصانها في فمها صهباءُ مشمولةٌ ... لا يهتدي الريّ لظمآنها ما ضرّها لو قابلتْ حسنَ ... محيّاها بإحسانها حازت معاني الحسن طرّاً كما ... حاز العلى صاحب ديوانها بدر الدين يوسف الدمشقي، كهل حسن الأخلاق ظريفها وشاعر بديع المقاصد لطيفها، له شعر كالرياض تفتح زهرها وفاح رباها وتضوّع نشرها بطيب شذاها، ووجوه الغيد تروق القلوب والأبصار، وكطلعة الغنى بعد الإعسار والإقتار كلما أنشدت أجدّت مسرّة وأهدت إلى القلوب قراراً وإلى العين قرة، تطرب الأسماع لبدائعها وتنتظم المسرة بفواصلها ومقاطعها، رأيته واجتمعت به، وكان له مهاجرة إلى إربل ومدائح في المرحوم تاج الدين، وكان واقف البديهة لا يكاد يعمل البيت الواحد إلاّ بعد الفكرة التامة والتروي البالغ فإذا أعطى الفكرة حقها والتروي غايته جاء بما يبذ به أبناء عصره ويفوق به أبناء دهره. فمن ذلك قوله من قصيدة يمدح بها المرحوم تاج الدين، ﵀: عوجا يمين الجزع بالعيس عسى ... نريحهنَّ فالظلام قد عسا يقول فيها وقد أجاد: بيض وسمر كتمت حدوجها ... منها ظباءً أو غصوناً ميّسا جفونها سلبن سقمي والكرى ... لذاك قد أضحت مراضاً نعّسا فخذ يمين الحي بالميت الذي ... ما غادرت فيه الغواني نفسا صبّ إذا ما نسمة الغور صبتْ ... عاوده برح الهوى فانتكسا فداويا بنفحةِ البان جوى ... متيّم من برئه قد يئسا وعلِّلا حشاشةً عليلةً ... قد عافها الآسي وعفّاها الأسى وعدتماني يا خليلي بأن ... تعرّجا على النقا وتحبسا وقلتما صبحيَ حيّ بعدهم ... لو كان حيّاً بعدهم تنفسا قوله: جفونها سلبن سقمي والكرى فيه نظر لأنها إذا سلبت سقمه فقد صح، وقد أخذه من ابن القيسراني الحلبي وزاد عليه في قوله: سلب العيونَ نعاسها ... فلذا تراه الدهر ناعس ومثل بيت ابن القيسراني وأظنه له أيضاً: هذا الذي سلب العشاق نومهم ... أما ترى عينه ملأى من الوسن وقال البدر أيضاً: أبدى حمام الأيك شجواً فناحْ ... ولم يطق كتمانَ وجدٍ فباحْ أعربَ عن أشجانه سحرةً ... فصاحَ عن ألحان شوقٍ فصاحْ أليس أني قد كتمت الذي ... ما بيَ من سكرِ هوى وهو صاحْ ومنها: أشكو تباريحي إلى من غدا ... من طرفهِ والقدّ شاكي السلاحْ راضيته من بعد سخطٍ به ... ورضته من بعد طول الجماحْ

стр. 49

فزارني والليل من شهبهِ ... غفلٌ على غفلةِ واشٍ ولاحْ يبيحني من وجهه روضةً ... ما كانَ في ظنّي بها أن تباحْ الخدّ قد أطلع ورداً بها ... والثغرُ قد فتّح فيها أقاحْ وقال: ما أهملت سحب الدموع الهمّل ... لك منزلاً بينَ الدخولِ فحوملِ رحلوا بقلب المستهام وغادروا ... بين الضلوع لواعجاً لم ترحلِ ولقد سبقتُ حداتهم بمدامعي ... حتى جعلت قطارها في الأولِ ومنها: فاعذر دموع العين فهي بكيّةٌ ... مما بكت بين الرسوم المثّلِ وتقسّمتْ عبراتها فرقاً على ... نأي الحبيب ونوء ذاك المنزلِ ومهفهف يسبيك من أصداغه ... بمسلسلٍ ومن الرضاب بسلسلِ وقال، وهي مليحةٌ في الغاية ومدحني بها: لولا غرامك بالألحاظ والمقلِ ... وبالقدود التي تسبيك بالميلِ ما بتّ ترعى السُّهى شوقاً إلى قمرٍ ... بالقلب لا الطرف ثاوٍ غير منتقلِ والعيس تحت حدوج الغيد غاديةٌ ... تشكو الكلال من الأحداج والكلل وقد تغنّى لها الحادي فأطربها ... وهناً على هضبات الرمل بالرملِ يحملن كل هضيم الكشح ذي هيفٍ ... وكل أحوى رشيق القدّ معتدلِ إذا سطا قلت شبلٌ من بني أسدٍ ... وإن رنا قلت رامٍ من بني ثعلِ أبادني طرفه قبل العذول فقل ... تُ السبق للسيف ليس السبق للعذلِ فعدّ يا صاح عن دمع الكئيب فما ... أطلّه اليوم ما يهمي على طللِ واستعطف الريح من واد الأراك فقد ... ضنّت على الصبّ بالإبلال والبللِ قال الفقير إلى رحمة الله تعالى مؤلف هذه الأشعار وجامعها وها أنا أذكر ما سمحت به القريحة من الغزل في أيام الحداثة وزمن الصبا جرياً على عادتي في التنبيه على المواضع التي أخذت منها كما اعتمدت مع الجماعة فمن ذلك قولي: ما أنجدَ الصبرُ على ... أحبابِ قلبٍ أتهموا ولا غدتْ عادلة ... يدُ النوى مذ ظلموا حكمتهم في مهجتي ... فأسرفوا إذ حكموا فذاب جسمي أسفاً ... وسالَ من عيني دمُ وشادن من جفنه ... يهدي إليَّ السّقمُ يلذّ لي في حبه ... تهتكي والتهمُ أصلُ بلائي في الهوى ... قدٌّ وخدٌّ وفمُ وصبحُ وجهٍ مشرقٍ ... عليه ليلٌ مظلمُ ودرّ ثغرٍ عقدهُ ... ملتئمٌ منتظمُ لا وليال سلفت ... وهي لعمري قسمُ لا حلتُ عن وجدٍ به ... جرى عليّ القلمُ هذه أبيات معانيها متداولة وألفاظها مستعملة ومطلعها فيه تخييل غريب وله من الحسن حظ وافر ونصيب. وقلت من قصيدة في الصاحب الأعظم علاء الدين عز نصره: قوامك أم غصن من البان ينثني ... وطلعةُ بدر أم سنا وجهك السني وريقك أمْ خمرٌ يلذّ لشارب ... ونبت عذار نمّ أم نبت سوسنِ أيا قمراً أثرى من الحسن وجهه ... فاحسبه قد فاز منه بمعدنِ ظمئتُ إلى ورد بفيه ممنّعٍ ... وملت إلى ورد بوجنته جني يلوم على حبيه خالٍ من الهوى ... واضرب عمن لام فيه كأنني وكيف وقد لاح العذار بخده ... أقوم بعذرٍ في تسلية بيّنِ البيت الثالث سبق محيي الدين إليه وما كنت سمعته حيث قال: يا موسراً من كل صنفِ ملاحةٍ ... أترى ظفرت من الجمال بمعدن وأما: فاضرب عمّن لام فيه كأنني فهو مثل قول ابن مطروح: وهواك ما خطر السلوّ بخاطري ... ما دمت في قيد الحياة ولا إذا وهي أبيات حسنة أولها: عانقته فسكرت من طيب الشذا ... غصناً رطيباً بالنسيم قد اغتذى نشوان ما شرب المدام وإنما ... أضحى بخمر رضابه متنبّذا ومثله لابن مطروح أيضاً، ويقال لغيره: يقولون من هذا الذي أنت في الهوى ... به كلف يا ربّ لا علموا الذي وهي قصيدة غراء قل أن يوجد على هذه القافية لها نظير وأولها: لك الخير عرّج بي على ربعهم فذي ... ربوعٌ يفوحُ المسك من عرفها الشذي وذا يا كليم الشوق وادٍ مقدسٌ ... لدى الحب فاخلع ليس يمشيه محتذي وقفنا فسلمنا على كلّ منزلٍ ... تلذذ فيه العين أيّ تلذذِ ومنها:

стр. 50

وبي ظبي أنس كمّل الله حسنه ... وقال لأبصار الخلائق عوّذي جلى تحت ياقوت اللمى عقد جوهر ... رطيب وأبدى عارضاً من زمردِ ومنها: يقولون من هذا الذي واتفق لي في هذه النونية بيت حلا مقصده وصفا مورده وهو أني عمدت إلى بيتي أبي الطيب، ﵀، وهما: أجزْني إذا أنشدتَ شعراً فإنهُ ... بشعري أتاكَ المادحونَ مردّدا ودْع كلَّ قولٍ غيرَ قولي فإنني ... أنا الطائرُ المحكيُّ والآخرُ الصَّدى فجعلت صدريهما بيتاً وقلت في مدحه، عز نصره: أجز كلما أنشدت شعراً فإنه ... ودع كلّ قولٍ غير قولي فإنني فجاء كما ترى آخذاً بمجامع الإحسان يروق للسمع كلما كرره اللسان. وقلت من أخرى: سيّدي أمرضني هج ... رك والوصل طبيبي إن أكن أضمرتُ صبراً ... عنك فالله حسيبي من مجيري من غزالٍ ... فاتن الطرف لبيبِ بدرُ تمّ حلّ منّا ... في عيون وقلوبِ إن بدا أو ماسَ أزرى ... بهلال وقضيبِ أشتكي من سحر عيني ... هـ ومن عين الرقيبِ فبلاءٌ من عدوّي ... وبلاءُ من حبيبي وقلت من أخرى في الصاحب الأعظم شمس الدين، أعز الله أنصاره: قسماً بلين قوامك المتأوّد ... إني خفيت من الضنا عن عوّدي فارحم أخا كلفٍ يبيت بمقلةٍ ... عبرى وقلبٍ من صدودك مكمدِ واعطف على من ظلَّ فيك زمانه ... بأنين مكروبٍ وطرفٍ مسهدِ فعلام يتعب عاذلي وقضى الهوى ... إني أخالف عاذلي ومفنّدي يا كعبة الحسن الذي لجماله ... وجهتُ وجهي فهو غاية مقصدي بك أهتدي سبل الغرام وحقّ من ... أمسيتَ أنتَ دليله أنْ يهتدي يا مخبري عن طيب وقت وصاله ... أطربتَ سمعي بالحديث فردّدِ إيهٍ بحقّك هات عن كلفي به ... واترك حديث ربا العقيق وثهمدِ وقلت من غزل أخرى فيه، عزّ نصره: حثّهُ سائقُ الغرامِ فحنّا ... وجفا منزلاً وخلّف مغنى ودعاه الهوى فلبّى سريعاً ... وكذا شيمة المحبّ المعنّى رامَ صبراً فلم يطعه غرامٌ ... غادرَ القلبَ بالصبابةِ رهنا وجفا لذّة الكرى في رضى الح ... ب فأرضى قلباً وأسخط جفنا أسهرت مقلتيه في طاعة الوج ... دِ عيونٌ من المحصّب وسْنا كل ظامي الوشاح ريّان من ما ... ءِ التصابي أضنى المحبّ وعنّى ما على الدهر لو أعاد زماناً ... سلبته أيدي الحوادث منّا وعلى من أحبَّ لو شفع الحس ... ن الذي قيّدَ العيونَ بحسنى وبروحي أفدي رشيق قوامٍ ... لاح بدراً وماسَ إذ ماسَ غصنا يتجنى ظلماً فيحدث لي وج ... داً إذا صدَّ عاتباً وتجنّى ما ثناني عنه العذولُ وهل يث ... ني غرامي وقدّه يتثنّى كيف أسلو بدراً يشابهه البد ... رُ سناءً يصبي الحليم وسنا ليَ معنّىً فيه وفي صاحب الدي ... وانِ ما رمتُ مدحه ألف معنى وقلت من غزل أخرى فيه، أدام الله قدرته: حيّ ربعاً بالرقمتين ودارا ... واسق أطلالها الدموع الغزارا وأنخ بالحمى تجد فيه من عل ... وةَ سقياً لعهدها آثارا ظبية قد أطعت أمر التصابي ... في هواها لما عصيت الوقارا وخلعتُ العذار فيها وقد أذ ... عنَ قبلي قوم بحبِّ العذارى ووصلت السهاد إذ وصلت هجري ... وأبدت من بعد أنس نفارا وأطلتُ البكاء في الربع حزناً ... لفراقي تلك الليالي القصارا هل معيدٌ عصرَ الشباب وعيشاً ... خلتُ أوقاته خيالاً زارا إذ مغاني الحمى أواهل تجلو ... للعيون الشموسَ والأقمارا وقلت من أخرى فيه، جمل الله ببقائه: أقيلي من الصدّ المبرّح والقلى ... ولا تقبلي في الحبّ ممن تقوّلا ورقّي لمن أطلقتِ في الهجر دمعه ... وأقصيت عنه صبره فترحلا أيا ظبية الوادي انقضى العمر بالجفا ... وأشمتِّ لوّاماً عليك وعذّلا وقالوا سلا حوشيت أن تسمعي لهم ... فمثلك ما يسلى ومثلي ما سلا أريدُ بقاءً ما أردت تواصلاً ... فأما وقد عوّلت أن تهجري فلا كلفتُ بها هيفاء ناعمة الصبا ... بعيدة مهوى القرط كالبدر يجتلى

стр. 51

تفوق قضيب البان قدّاً منعما ... وتحكي ثناياها الجمان المفصلا وتسقيك من فيها الطلى وإذا رنت ... لواحظها المرضى أرتك بها الطّلى جننتُ بها وجداً فيا ليت أنني ... بفاحم ذاك الشعر كنت مسلسلا البيت الرابع ينظر إلى قول مهيار وقد جمع معانيها وهي أبيات: أما وهواها عذْرةً وتنصُّلا ... لقد نقل الواشي إليها فأمحلا سعى جهدهُ لكن تجاوزَ حدَّهُ ... وكثّرَ فارتابت ولو شاء قلّلا وقال ولم تقبل ولكن ألومهُ ... على أنه ما قالَ إلاّ لتقبلا وطارحها أني سلوتُ فهل رأى ... له الذمُّ مثلي عن هوى مثلها سلا والبيت الخامس مأخوذ من قول أبي الطيب: بما بجفنيكِ من سحرٍ صِلي دنفاً ... يهوى الحياة وأما إن صددتِ فلا وقلت من أخرى في مدح المخدوم الصاحب الأعظم علاء الدين، عزّ نصره: عاوده من ذكر أوطانه ... عيد فأغراه بأشجانهِ وحدثته نسمات الحمى ... حديثها المروي عن بانهِ يا منزلاً طاوعتُ فيه الهوى ... والعمرُ في أول ريعانه ومربعاً ظلّت أسود الشرى ... خاضعةً من فتك غزلانه كم من ليالٍ فيك قضيتها ... وكّلت القلب بأحزانهِ وشادنٍ حلو اللمى أهيفٍ ... هاروت في فترةِ أجفانهِ سنانه يقصر يوم الوغى ... في سلمه عن فتك وسنانهِ إذا تثنَّى قدّه مائلاً ... أودى على البان وأغصانهِ وإن سرت مسكية نفحةٌ ... روتْ لنا عن طيب أردانهِ ولائم أسرف في لومه ... وألزم القلب بسلوانهِ وطاوع العذل ولي همّةٌ ... وكَّلها الوجدُ بعصيانهِ فجنتي وصل الحبيب الذي ... أصل عذابي نارُ هجرانهِ وقلت من أخرى في مدحه، أعز الله أنصاره: طافَ بها والليلُ وحفُ الجناح ... بدرُ الدجى يحمل شمس الصباحْ يقال: عشب وحف وواحف أي كثير، والجناح الوحف: الكثير الريش. وفاز بالراحة عشّاقهُ ... لما بدا في راحهِ كأسُ راحْ ظبيٌ من التركِ له قامة ... يزري تثنيها بسمرِ الرماحْ عارضهُ آسٌ وفي خدّه ... وردٌ نضيرٌ والثنايا أقاحْ أطعتُ فيه صبوتي والهوى ... طوعاً وعاصيتُ النهى واللواحْ عاطيته صهباءَ مشمولةً ... تحكي سنا الصبح إذا الصبح لاحْ فسكّنتْ سورتهُ وانتشى ... وظلَّ طوعي بعد طول الجماحْ فبتُّ لا أعرف طيب الكرى ... وبات لا ينكر طيب المزاحْ فهل على من بات صبّاً به ... وإن نضا ثوبَ وقارٍ جناحْ ومن غزل أخرى في المخدوم الصاحب علاء الدين، عزّ نصره: محياك أمْ بدرٌ رضابك أمْ خمرُ ... وحسن تثنٍ في قوامكَ أم سكرُ وناظرك التركيّ أمْ حدُّ صارمٍ ... وهذا فتور في لحاظك أمْ سحرُ وهل بردٌ في فيك أمْ سمطُ لؤلؤ ... وهل عن ثنايا أمْ أقاحيّ تفترُّ وشعرك أمْ ليل تضل به الورى ... ووجهك أمْ صبح به يهتدي السفرُ يميناً لقد حيّرتني في محاسنٍ ... منحتَ بها يعيا بأوصافها الفكرُ فخدّاك وردٌ واللواحظُ نرجسٌ ... وصدغاك ريحانٌ وريقتكَ الخمرُ ومن أخرى فيه عزّ نصره: غزال النقا لولا ثناياك واللّمى ... لما بتّ صبّاً مستهاماً متيّما ولولا معانٍ فيك أوجبنَ صبوتي ... لما كنتُ من بعدِ الثلاثين مغرما أيا جنّةَ الحسنِ الذي غادر الحشا ... بفرطِ التجافي والصدود جهنما جريت على رسمٍ من الجورِ واضحٍ ... أما آن يوماً أن ترقَّ وترحما أمالكَ قلبي كيف حلّلتَ جفوتي ... وعدتَ لقتلي بالبعادِ متمّما وحرّمت من حلو الوصال محلّلاً ... وحلّلتَ من مرّ الجفاء محرّما بحسن التثني رقَّ لي من صبابةٍ ... أسلْتَ بها دمعي على وجنتي دما ورفقاً بمن غادرته غرض الردى ... إذا زار عن شخطٍ بلادك سلّما عجبتُ وقد أطلقتَ دمعي فأشبه ال ... سحائب أني أشتكي في الهوى الظما كلفت بساجي الطرف أحوى مهفهفٍ ... يميسُ فينسيكَ القضيبَ المنعما يفوقُ الظّبا والغصنَ طرفاً وقامةً ... وبدر الدجى والبرقَ وجهاً ومبسما

стр. 52

فناظره في قصتي ليس ناظراً ... وحاجبه في قتلتي قد تحكّما ومشرف صدغ ظل في الحكم جائراً ... وعاملُ قدٍّ بات أعدى وأظلما وعارضه لم يرث لي من شكايتي ... فنمّت دموعي حين لاح منمنما ولم يثنني هجرانه وأخو الهوى ... دعيّ إذا يوماً شكا أو تظلَّما ومن أخرى مدحها في المخدوم الصاحب الأعظم شمس الدين، أعز الله أنصاره: مغرم شفّه بعادٌ وهجرُ ... وجفاهُ حبيبه والصبرُ أمطرت خدّه دموعٌ غزارٌ ... فهو منها في لجّةٍ مستقرُ همّهُ والغرامُ فيه فنونٌ ... ناظرٌ فاتن وريق وثغرُ وجفونٌ كلونِ حظي سودٌ ... وخدودٌ كلونِ دمعي حمرُ وبروحي أفدي غزالاً غريراً ... وجهه حضره وفي فيه خمرُ هجرهُ والوصالُ حلوٌ ومرُّ ... ولقاه والبعدُ حلوٌ ومرُّ أسمر دون وصله أسد غيلٍ ... ومنايا بيضٌ وحمرٌ وسمرُ ومن غزل أخرى فيه، عز نصره: قدك من غصن النقا أنضر ... والوجه من بدر الدجى أنورُ ولحظك الفاتن أم صارم ... وريقكَ المسكي أم مسكرُ يا قمراً عذبني صدّه ... أسرفتَ في الهجر فكم تهجرُ تنام عن صبّ قضى وجده ... وما يعاني أنه يسهرُ أنكرتَ ما يلقاه من حبه ... ومثل ما يلقاه لا ينكر يميته الهجرُ ولكنه ... بالصاحب الأعظم يستنصرُ ومن غزل أخرى فيه، أمد الله عمره: يجدد أحزاني ووجدي ولوعتي ... سنا بارق من نحو أرضِ أحبتي ديارٌ لبستُ العيش فيها منعّماً ... أجرّرُ من فرطِ الخلاعةِ بردتي فما البرق إلاّ حرُّ قلبي وناره ... وما الغيثُ إلاّ من سوابقِ عبرتي وليلاتِ أنسٍ قد قضيتُ حميدةً ... فلو أن دهري ردّ ليلاتي التي تدير عليَّ الكأسَ فاتنة الصبا ... بديعة معنى الحسن دقّت وجلّتِ تفوق الطُّلى ريقاً ونشراً معطراً ... وتحكي الطّلا جيداً وحسن تلفّتِ ويروي قضيب البان عنها محاسناً ... إذا خطرت في بردها وتثنّتِ هلال إذا لاثت عليها نقابها ... وبدرٌ إذا ما أسفرت وتجلّتِ أحنّ إليها لوعةً وصبابةً ... فيا فرحي لو قيل نحوك حنّتِ تشابه دمعانا غداة فراقنا ... مشابهة في قصّةٍ دون قصّةِ فوجنتها تكسو المدامع حمرةً ... ودمعيَ يكسو حمرة اللون وجنتي البيتان الأخيران أخذتهما من القاضي الأرجاني حيث قال: فتباكت ودمعها كسقط ال ... طلّ في الجلنارةِ الحمراءِ وحكت كل هدبة لي قناةً ... أنهزتْ كل طعنةٍ نجلاءِ فترى الدمعتين في حمرةِ اللو ... نِ سواءً وما هما بسواءِ خدَّها يصبغُ الدموعَ ودمعي ... يصبغُ الخدَّ قانياً بالدماءِ خضبَ الدمعُ خدَّها باحمرارٍ ... كاختضابِ الزجاجِ بالصهباءِ وهذه أبيات حسنة وأولها: وعدتْ باستراقةٍ للقاء ... وبإهداء زورةٍ في جفاءِ وأطالت مطلَ المحبّ إلى أن ... وجدت خلسةً من الأعداءِ ثمَّ غارت من أن يماشيها الظ ... لّ فزارت في ليلةٍ ظلماءِ ثمَّ خافت لما رأت أنجم الل ... يل شبيهاتِ أعينِ الرقباءِ فاستنابت طيفاً يلمّ ومن ... يملك عيناً تهمّ بالإغفاءِ هكذا نيلها إذا نولتنا ... وعناءُ تسمُّح البخلاءِ يهدم الانتهاء باليأس منها ... ما بناه منها الرجاء بالابتداءِ ومنها: لست أنسى يوم الرحيل وقد ... غرّد حادي الركاب بالإنضاءِ وسليمى منّت بردّ سلامي ... حين جدّ الوداع بالإيماءِ سفرت كي تزود الصب منها ... نظرةً حين آذنت بالتنائي وأرتْ أنها من الوجد مثلي ... ولها للفراق مثل بكائي وقلت من أخرى في مدحه، عزّ نصره: باتَ يجلو ليَ من ريقته ... قهوةً تعصرُ من وجنتهِ رشأٌ بابل تروي سحرها ... عن حديث السحرِ من مقلتهِ ظل قلبي في دياجي شعره ... واهتدى بالصبح من غرّته أسهرتني سنةٌ في طرفه ... وحمت طرفيَ في رقدتهِ سقم في جفنه أعرفه ... تجتنى الأسقام من صحّتهِ رقّةٌ في خدّها ينكرها ... قلبه المسرف في قسوته

стр. 53

لم أكد أعرف ما طعم الكرى ... مذ تمادى في مدى جفوتهِ ربّ حسن مرسل من شعره ... مرسلٌ وجديَ من آيتهِ حاكم في دولة الحسن كما ... يحكم الصاحبُ في دولتهِ وقلت في أخرى: سقى عهد الحيا عهد التصابي ... وحيّا طيبَ أيامِ الشبابِ وروّض منزلاً بالجزع أقوى ... برغمي من سليمى والربابِ ومرّ مسلّماً يحدوه رعدٌ ... على تلك الملاعب والقبابِ ديارٌ ما أجلتُ قداحَ لهوي ... بها إلاّ مع الخود الكعابِ ولا عاقرتُ فيها الراح إلاّ ... وقد شجّت بمعسول الرُّضابِ وبي فتّانةُ الألحاظ تبدو ... بدوّ الشمسِ من خللِ السّحابِ تحاكي البدر مسفرةً وتحكي ... هلال الأفق من تحت النقابِ وتبسم عن ثنايا خلت فيها ... مداماً وهي فيه كالحبابِ وقلت من أخرى: بقلبي نيران تسعّرها الذكرى ... ولي مقلةٌ من بعد بعدكم عبرى وما غبتُ عنكم ناسياً لعهودكم ... ولا اعتضتُ عنكم وصل غانيةٍ أخرى وكيف أرى السلوان عنكم وأنتم ... شفا قلبيَ العاني ومهجتي الحارّى أقبّل ترب الأرض أنتم حلولها ... فأكسب في ذلّي لأرضكم فخرا فقلبيَ ما أصبى إلى قرب داركم ... ووجديَ ما أوفى ودمعيَ ما أجرى أسكان قلبي قد براني هواكم ... وغادرني إعراضكم والهاً مُغرى وفي كلّ حالٍ أنتم غايةُ المنى ... قريبون من قلبي وإن بعد المسرى وقلت من أخرى: رفقاً فقد جاوزت في الهجر المدى ... وتركتني دامي الجفون مسهدا ومنعت طيفك أن يلمّ بعاشقٍ ... لو زاره طيف الخيال لما اهتدى يا هذه كفي ملالك عن فتىً ... لا يستطيع إذا هجرت تجلدا أطمعتهِ في الهجر ثمَّ هجرته ... ضنّاً عليه فما عدا مما بدا وزعمت أن قد ضلَّ في شرع الهوى ... أنّى يضلّ وقد بدا نور الهدى أظميته شوقاً إليك ولوعةً ... وبفيك عذب مدامةٍ تجلو الصدى وأريتهِ ورداً فأصبح دمعه ... مثل الصدى يحكي الكلام مورّدا وبسمتِ عن درٍّ نظيمٍ أشنب ... فأسالَ درّاً في الخدودِ مبدّدا وجلوت بدراً والتفت ظبيّةً ... مذعورةً وخطرت غصناً أملدا أخلقت ثوب الصبر ثمَّ كسوته ... ثوبَ الصبابةِ والغرامِ مجدَّدا ومنحته مرّ الجفا ومنعته ... حلو الكرى فحكيت أفعال العدى وقلت أيضاً: أيّ عذرٍ وقد تبدّى العذارُ ... إن ثناني تجلّدٌ واصطبارُ فأقلاّ إن شئتما أو فزيدا ... ليس لي في هوى الملاح قرارُ هل مجير من الغرام وهيها ... ت أسير الغرام ليس يجارُ يا بديع الجمال قد كثرت في ... ك اللواحي وقلّت الأنصارُ أنت ناري وجنتي فحقيقٌ ... أن أنادي يا جنةٌ يا نارُ عجباً أشتكي أواماً ودمعي ... من تجافيك صوبهُ مدرارُ بمحيّاك وهو بدرٌ له الهج ... رُ وطولُ الجفاءِ منك سرارُ وبقدّ إذا انثنى خجل الغص ... ن لديه والأسمر الخطّارُ وبطرف إذا رنا حارَ هارو ... ت وغار المهنّدُ البتّارُ وبوجه حوى المعاني وما ... طوّل ليلي إلاّ جفوني القصارُ وأقلني فقد عثرتُ ومندو ... ب إليه بأن يقالُ العثارُ ومن أخرى: قسماً بريقك وهو عذب سلسلُ ... لا صدّني ما قال فيك العذلُ أنا من عرفت على العهود محافظاً ... لا أنثني عنها ولا أتنقّلُ قلبي يميل إليك من فرط الهوى ... والعينُ منه إلى لقائك أميلُ وبمهجتي مذ غبتَ عني لوعةٌ ... نيرانها بين الجوانحِ تشعلُ وكلتَ قلبي بالسهادِ ولم يكنْ ... لولاك طرفي بالسهاد يوكلُ وحكمت فيّ بما أردتَ وإنني ... أرضى مطيعاً ما أردت وأقبلُ وجهلتَ ما بي من هوىً وصبابةٍ ... رفقاً فما بيَ في الهوى لا يجهلُ واعطف عليّ فعبء هجرك والنوى ... من كل ما حملتنيه أثقلُ وقلت أيضاً، وهي من أشعار الصبا: رفقاً بقلبي ضرّه البدر ... وراقبني ربك في أمري وقللي الهجر فما لي يدٌ ... وطيب ليل الوصل بالهجرِ أما وما في فيك من قهوةٍ ... تجري على حصباءَ كالدّرِ

стр. 54

وغنج طرف دأبه دائماً ... أسرُ قلوبِ الناسِ بالسحرِ لقد تصبّرت غداة النوى ... فذقت مثل الصبر من صبري ورمت إخفاء غرامي بكم ... فنمّ دمعٌ أبداً يجري كيف اصطباري وبقلبي هوىً ... أصابني من حيثُ لا أدري وهل إلى الوصلِ سبيلٌ لمنْ ... باتَ من الأشواق في أسرِ ومن شعري: يا من جفا لما جفا طيب الكرى ... حاشاك ترضى في البعاد بما جرى أسهرتني شوقاً إليك ونمت عن ... وجدِ امرئ حكمَ الهوى أن يسهرا ورميتني بسهام هجرك ظالماً ... إذ ليس مثلي جائزاً أن يهجرا قد كنت أحسبُ أنَّ صبري منجد ... حتى بعدت فما استطعت تصبّرا ورأيت عيشي صافياً فنأيت عن ... عيني فغادره البعاد مكدّرا من منصفي من ظبي أنس لم تزل ... ألحاظه تسطو على أسد الشرى حلو الدلال يميس من خمر الصبا ... كالغصن رنّحهُ النسيم إذا سرى قد قام عذري في هواه وما عسى ... اللاحي يقول وقد هويتُ معذّرا وقلت أيضاً: خبّروا الجسم عن لذيذ الرقاد ... فعساه يعافُ مرَّ السّهادِ وصفوا لي حديثَ من قتلَ الح ... بُّ لعلّي أثني عنان فؤادي همتُ وجداً بشادن يخجل الغص ... ن رطيباً بقدّه الميادِ مذ حلا لي نبات عارضه النا ... ضر لم أدر ما طريق الرشادِ لي قلب أرق من دمع عين ... يّ عليه في الهجر سهل القيادِ لي صبرٌ عنه ولكنّ صبري ... ليس يرضى به سوى حسّادي جائر في احتكامه أبداً يو ... لي التجافي على صحيح ودادي أسهرتْ مقلتاه عيني فلما ... احتكم الحبّ نامَ عن إسعادي هذا القول مأخوذ من قول البحتري: أسهرتهِ حتى إذا هجر الكرى ... خلّيت عنه ونمتِ عن إسعاده وأولها، وهي أبيات بديعة: ردّي على المشتاق بعضَ رقاده ... أو فاشركيه في اتصال سهادهِ وقسا فؤادك أن يلينَ للوْعةٍ ... باتت تقلقلُ في صميم فؤادهِ ولقد عززتِ فهانَ طوعاً للهوى ... وجنبتهِ فعرفتِ ذلَّ قيادهِ من منصفي من ظالم ملّكتهُ ... ودّي ولم أملك عشيرَ ودادهِ إن كنتُ آملُ غيرَ سالفِ ودّهِ ... فرميتُ بعد صدودهِ ببعادهِ وقلت في أخرى: محيّاك أم بدر الدجنّة يشرق ... وريقك أم خمر شهيّ معتّقُ وذا قدّك الميّال أم غصن بانةٍ ... ونشرك هذا أم سنا المسكِ يعبقُ أيا قمراً قد قيّد القلبَ حبه ... وغادر دمعي وهو في الخد مطلقُ لقد أسرفَ العذال فيك جهالةً ... ومثلك لا يسلوه من يتعشّقُ وحقّ الهوى أفنيت صبري وأدمعي ... وأني في دعوى الغرام مصدّقُ فرقّ لمأسورِ الصبابةِ والأسى ... فمن عادة الملاك أن يترفقوا ومن أخرى: يا ظباء الصريم عدنَ كئيبا ... لا يرى غير وصلكن طبيبا صار حلف السهاد يرعى نجوماً ... صدّها فرط حبه أن تغيبا ما دعاه الغرام إلاّ ولاقى ... منه أنّى دعا سميعاً مجيبا تخذَ الحزن صاحباً حين صار ال ... هجر منكم حظّاً له ونصيبا ورأى عطفكم بعيداً فأضحى ... برح ما تشتكيه منه قريبا سلبت عقلهُ بديعةُ حسنٍ ... غادرت حسنَ صبرهِ مسلوبا تخجل الشمس طلعةً وسنا البر ... قِ ابتساماً والغصن قدّاً رطيبا وتفوق الشقيق خدّاً وكأس الرا ... حِ ريقاً والمسك نشراً وطيبا وقلت أيضاً: أعادَ لباس التصابي قشيبا ... يعير الغرام. . القلوبا ولاح وماس دلالاً فخلتُ ... هلالاً منيراً وغصناً رطيبا ظلوماً يراني عدوّاً له ... على زعمه وأراهُ حبيبا دعا القلب حبك يا قاتلي ... فكان له إذ دعاهُ مجيبا أمولاي رفقاً بذي لوعةٍ ... يبيتُ محبّاً ويضحي كئيبا البيت الثالث أخذته من كشاجم حيث قال: ما أنصفته يكونُ من أعدائها ... في زعمها وتكونُ من أحبابه وقلت، وهو من شعر الصبا: أيا هاجري من غير جرمٍ جنيتهُ ... ومن دأبهُ هجري وظلمي فديتهُ أجرني رعاك الله من نارِ جفوةٍ ... وحرِّ غرامٍ في الفؤادِ اصطليته

стр. 55

وكنْ مسعدي فيما ألاقي من الأسى ... فهجرك يا كلَّ المنى ما نويته أأظما غراماً في هواك ولوعةً ... ولي دمعُ عين كالسحابِ بكيته وحقّك يا من تهتُ فيه صبابةً ... ووجداً ومن دون الأنامِ اصطفيته فإني لا أنسى العهودَ التي مضت ... قديماً ولا أسلو زماناً قضيته وقلت: كيف خلاصي من هوى شادنٍ ... حكّمهُ الحسنُ على مهجتي بعاده ناري التي تُتّقى ... وقربه لو زارَني جنتي ما اتسعت طرقُ الهوى فيه لي ... إلاّ وضاقتْ في الهوى حيلتي ليتَ ليالي وصله عدنَ لي ... يا حسرتا أين الليالي التي وقلت: وجهه والقوامُ والشعر الأس ... ودُ في بهجةِ الجبينِ النضيرِ بدر تمّ على قضيبٍ عليه ... ليلُ دجنٍ من فوقِ صبحٍ منيرِ وقلت: نسيم الصّبا من عرفِ هندٍ يحدّثُ ... وهاروت عن أجفانها السحر ينفثُ يذكّرُ إنْ هزَّت من القدِّ عاملاً ... رطيباً وإنْ ماستْ دلالاً يؤنثُ بعثت إليها محض حبّي فقابلت ... عليه فأضحت للصبابة تبعثُ حفظت لها عهداً فأضحى مضيّعاً ... ولا عجب عهد المليحة ينكثُ تجلّت لنا كالبدر ليلة تمّه ... وساقي الندامى للمدامِ يحثحثُ فلاحَ لعيني الشمس والبدر قارنا ... هلالاً فقلتُ السعد شكل مثلثُ وقلت من أخرى، وهي من أشعار الصبا: عنّ له من بارقٍ بارق ... فهامَ وجداً وكذا العاشقُ ورجّع الحادي بذكر الحِمى ... فطارَ شوقاً قلبهُ الخافقُ هيمه أهيف حلو اللّمى ... قد صدّ حتى طيفهُ الطارقُ رشيق قدٍّ سهمُ ألحاظهِ ... يكلّ قلبٍ نابلٌ راشقُ صبري ضدّ الدمع في حبّه ... ذا مقصر عنّي وذا سابقُ ولذّة العيش وطيب الكرى ... كلٌّ على هجرانه طالقُ يا جيرة الجزع ومنْ فارقتْ ... جسمي حياتي عندما فارقوا سياق نفسي وحمامي دنا ... لمّا حدا بالأينق السائقُ وقلت، وهي من شعر الصبا: برد بثغرك أم أقاحي ... والريق أم كاسات راحِ والشعر أم ليل دجا ... والوجه أم ضوء الصباحِ كلفي بفتَّان اللحاظ ... مهفهف قلق الوشاحِ شاكي السلاح بمهجتي ... أفديه من شاكي السلاحِ جُمل اشتياقي من سقا ... م جفونه المرضى الصحاحِ يا من يفوق بقدّه ... أنَّى انثنى سُمر الرماحِ رفقاً بذي كلفِ عقي ... دة دينه حبّ الملاحِ صبّ أطاع غرامه ... في حبّه وعصا اللواحي وقلت من أخرى: وجدي بأقمار وأغصان ... بالكلف الدائم أغراني فما على العاذل منّي وهل ... يطمع أن يوجدَ سُلواني وبي غرير الطرف عذب اللّمى ... ناظره والسيف سيّانِ معتدل القامة من لي به ... لو أنَّه حيّا فأحياني نشوان من خمر الصبا أهيف ... أفديه من أهيف نشوان وسنان طرفٍ سقمي والهوى ... من فاترِ المقلةِ وسنانِ ما ضرَّ منْ أشهرني حبّه ... لو شفع الحسنَ بإحسانِ قد عرف الوجد به طاعتي ... وبان للسلوان عصياني وهمت بالبان ولولا الهوى ... بقدّه ما همت بالبانِ وقلت أبياتاً تبعت فيها محيي الدين، ﵀، وقد تقدم شعره: لأيّةِ حال والوفاءُ شعارهُ ... بدا ليَ منه صدُّهُ وازورارهُ وكيف استحالت لا استحالت عهوده ... وأوحشني من بعد أنسِ نفارهُ لأي حالٍ والوفاءُ دائماً شعارهُ أمرضني هجرانهُ وشفّني ازورارهُ وكيف حال عهده ودرست آثارهُ وأوحش الصبّ الذي آيسه نفارهُ وما زلت أرعى عهد الهوى وودادَه ... وتطربني في القرب والبعد دارهُ وما أضرمت نار فشبّ ضرامُها ... لعينيّ إلاّ قلت هاتيك نارهُ رعيتُ عهده فما وفى به غدّارهُ وهمتُ إذْ أطربني ملعبهُ ودارهُ وما بدا لمعٌ فشبَّ عالياً أُوارهُ إلاّ وقلت من هوًى ها قد تبدّت نارهُ حبيبٌ مُنايَ أنْ يزورَ خيالهُ ... ويقرب ناديه ويدنو مزارهُ وأقصى الأماني أن يرقَّ لعاشقٍ ... جفا إذْ جفاه نومُه واصطبارهُ شفاء قلبي أن يظلَّ دانياً مزارهُ

стр. 56

عساه يرثي لفتًى قد خانهُ اصطبارهُ متيَّم أذابهُ في بعدهِ تذكارهُ وأظهرت أدمعهُ إذ كُتمتْ أسرارهُ سقى الله أياماً تقضَّت بقربه ... إذ الشمل مجموع وإذ أنا جارهُ ليالي أضللتُ الهموم ولم أدعْ ... وقاراً ومن يهوى يضل وقارهُ سقى زمان عهده من الحيا مدرارهُ وسلم الله على العيش وأنتَ جارهُ أيامَ همّي نازحٌ عنِّيَ وادكارهُ ولا وقار والذي يهوى فما وقارهُ وقلت: قسماً بحبك يا مناي وإنّه ... قسمٌ عليّ وإنْ هجرتَ عظيمُ إنّي وإنْ شطَّ المزارُ وأشرف ال ... لاحي على عهدِ الودادِ مقيمُ وقلت: وحقّ ليال بتّ فيها منعّماً ... بوصلك لا أخشى مقالة عاذلِ لقد أخذت منِّي الصبابة حقّها ... وزادتْ وقد شطَّ المزارُ بلابلي وقلت: كتمتُ الذي ألقى فنمّت مدامعُ ... تخبِّرُ عذالي بما يضمر القلبُ وعاتبت دهري فيك إذْ حال بيننا ... فيا طول أفراحي إذا نفع العتبُ وقلت بديهاً، وقد اقتضت الحال ذلك: جاريةٌ من ساكني العراق ... تضرمُ نارَ الهائمِ المشتاقِ وتبعثُ الوجد إلى العشاقِ ... جائلة الوشاح والنطاقِ ليس لجرحي في هواها راقِ ... والقلب منها الدهر في وثاقِ تبسم عن عذب اللمى برّاقِ ... أشكو إليها لوعةَ الفراقِ وحسرةً ترقى إلى التراق ... وأدمعاً يظللن في سياقِ ومهجةً تذوب بالإحراقِ ... فالصبر فانٍ والغرامُ باقِ أهَلْ يعودُ زمنُ التلاقي ... أيامَ وصلي ناضرُ الأوراقِ وقلت: هويتُها غانيةً ... قوامُها منعطفُ الوجهُ منها روضةٌ ... والريقُ منها قرقفُ في خدِّها للعاشقي ... ن روضُ حسنٍ أنفُ ووجهها صبحٌ علي ... هِ ليلُ شعرٍ مسدفُ لامَ عليها معشرٌ ... جهالةً وعنّفوا وأنكروا وجدي وإنّ ... ي بالصوابِ أعرفُ فالطرفُ عن جمالها ... فديتها لا يطرفُ والقلبُ عن غرامهِ ... ووجده لا يصرفُ تجحدُ قتلي في الهوى ... وخدها معترفُ جائرةٌ في حكمها ... ما ضرّها لو تنصفُ وقلت: سلام على تلك العهود التي مضت ... وغصن التصابي بالتواصل مورقُ إذِ الشملُ مجموع وحبِّي مساعد ... ووجه الأماني ناضر الحسن مورقُ ليالي همِّي نازح وأسرّتي ... بنور ضياء الأنس والقرب تشرقُ تدير عليّ الكأس خودٌ رُضابها ... وألفاظها والكأس خمرٌ معتّقُ بديعة معنى الحسن فتّانة الصبا ... تُحبُّ على طول التجافي وتُعشقُ يوسّع عذري العاذلون على الهوى ... وباعُ اصطباري في يد الهجر ضيّقُ سأكتم وجدي خوفَ واشٍ وإنما ... دموعي بما أخفي من الوجد تنطقُ ولم أنسَ إذْ بتنا حليفي صبابةٍ ... ونحن جميعاً عاشق ومعشّقُ أحثحث كأساً من مدام حبابها ... ثنايا بنشر من شذا المسك تعبقُ فيا طيب ذاك العيش لو كان دائماً ... ويا طيب ليل الوصلِ لولا التفرقُ هذا البيت الأخير من قصيدة غراء للمخدوم الصاحب الأعظم علاء الدين صاحب الديوان، عز نصره، ضمنته هذه القصيدة وزينت عقدها بهذه الفريدة وجريت في نظمها على مذهبه وعملت بقول القائل: يأخذ من ماله ومن أدبه. وأبياته أعز الله نصره: لذكر الحمى يصبو الفؤاد المشوّق ... وذكر الحمى يُصبي المحبّ ويقلقُ إذا همّ طول العهد يبدي تسلياً ... أبتْ كبدُ حرّى وطرفٌ مؤرقُ وكيف ومن أين السلوّ لعاشقٍ ... يحنّ إذا ناحَ الحمام المطوّقُ وما بال قلبٍ يستهيم صبابةً ... إذا من جويرٍ بارقٌ يتألّقُ تكاد إذا ما الوجد جدّد ذكرها ... وكيف ولا نسيان نفسي تزهقُ سقاها الحيا ربعاً ودهراً قد انقضى ... وللعينِ من ماءِ الشبيبةِ رونقُ وللقلب من بعد النوائب مغربٌ ... وللعين من بعد الأحبةِ مشرقُ فيا طيب ذاك العيش لو كان دائماً ... ويا طيب ليل الوصل لولا التفرقُ

стр. 57

وهذه أبيات رقيقة الحواشي عذبة المجاني متناسبة الألفاظ بعيدة المعاني. وأنشدني أعز الله نصره، في امرأة أصابها الجدري، وما أظنه سُبق إلى هذا المعنى: ولمّا التظى في القلب نار غرامها ... تمثّل في الأحشاء شبه شَرارها كذاكَ يكونُ الماءُ في غليانهِ ... يمجّ حَباباً من شديدِ أوارِها وأنا أذكر ما سمعته في الجدري، فمن ذلك: وقالوا شانه الجدريّ فانظر ... إلى وجه به أثرُ الكلومِ فقلتُ ملاحةً نُثرتْ عليه ... وما حسنُ السماءِ بلا نجومِ ومنه: يا قمراً جُدّر لما استوى ... فزاده حسناً وزادت هموم كأنما غنّى لشمس الضحى ... فنقّطته طرباً بالنجوم وقريب منه: لنا جربٌ من البنان نحكه ... رضينا به والحاسدون غضابُ وكنَّا معاً كالماءِ والراحِ صحبةً ... علانا لفرطِ الامتزاجِ حبابُ ومثل هذا: يا صروف الدهر خبِّي ... أيّ ذنب كان ذنبي علّة خصّت وعمّت ... من حبيب ومحبّ دبَّ في كفيه يا من ... حبّه دبّ بقلبي فهو يشكو حرَّ حَبٍّ ... واشتكى بي حرَّ حبِّ الحديث ذو شجون وإنما ذكرت أبيات المخدوم، عز نصره، استحساناً لدرها المنتظم، وختمت بها وصف النسيب إذ العقد بالدرة الحسناء يختتم. وصف في الخمر وما يتصل بها وذكر مجالسها وما ينضاف إليها ويناسبها من الغناء والمغنين ووصف الربيع والأزهار والرياحين وغير ذلك. كان يقال: إن الشراب مشمة الملك وتاج يده وعروس مجلسه وتحفة نفسه وقيم جسده ودواء همه وحافظ بدنه وشفاء حزنه، لم يزل بتوليد التودد معروفاً وبتآلف الشمل المتبدد موصوفاً، إن تمشى في عظام الإخوان منحهم صدق الحس وذكاء النفس، وإن جرى في مفاصل الندمان أباحهم فراغ البال، وإن تطرب إلى شربه ذو أدب أو ارتاح لمصافحته ذو حسب طال باعه ورحب ذراعه وزين لنفسه الجود وبذل منها فوق الموجود وتطوع بالإحسان وتناسى جرائم الزمان ولم يفكر في عواقب الحدثان ورغب في التوسع ومدح التشجع. أقول: إن في هذه الأوصاف ما هو بالذم أليق وفي باب هجاء الشراب أدخل. وقيل: إن الشراب أجلب الأشياء للسرور الكامل وأصنعها للفرح العاجل، يمازج الأشباح ويراوح الأرواح ويؤدي إلى نشاط القوى وانبساط المنى ويعفى من الحذر ونصبه والتحرز وتعبه، ويحبب المزاح والمفاكهة وينغص الاستقصاء والمحادة ويزيل عن المقتصد في شربه العارف مقدار منفعته في تحصيل لذته تفقد الحشمة وكد المروة. وقيل: إن من خصائص الشراب جودة الهضم ونفي الهم ودفع مضرة الماء وإزالة مكروه الدواء، قال الأعشى: وكأسٍ شربتُ على لذةٍ ... وأخرى تداويتُ منها بها ليعلمَ منْ لامَ أنّي امرؤٌ ... أتيتُ اللذاذةَ من بابها البيت الأول أخذه أبو نواس فقال: دعْ عنكَ لومي فإنّ اللوم إغراءُ ... وداوني بالتي كانت هي الداءُ ولأبي نواس في الخمريات بدائع رائعة هي للإحسان جامعة، وأنا أذكر ما يخطر من أشعاره فيها وأشعار غيره غير مراع أزمنة الشعراء وتقدمهم وتأخرهم ولكن بقدر ما يسنح. قال أبو نواس: وندمانٍ يرى غبناً عليه ... بأنْ يمسي وليس به انتشاءُ إذا نبّهته من نومِ سكرٍ ... كفاهُ مرةً منكَ النداءُ وليس بقائلٍ لك إيهِ دعني ... ولا مستخيرٍ لك ما تشاءُ ولكن سقِّني ويقول أيضاً ... عليك الصرفَ إن أعياكَ ماءُ أراد أن يقول: ولكن يقول سقّني فحذف يقول اختصاراً واكتفاءً بيقول الثانية. وقال أيضاً: أثنِ على الخمرِ بآلائها ... وسمِّها أحسنَ أسمائها لا تجعلِ الماءَ لها قاهراً ... ولا تسلِّطها على مائها كرخيّةً قد عُتِّقت حقبةً ... حتى مضى أكثر أجزائها فلم يكد يُدركُ خمّارها ... منها سوى آخرِ حوبائها والخمرُ قد يشربُها معشرٌ ... ليسوا إذا عُدوا بأكفائها وقال أيضاً: يا ليلةً بتُّها أُسقّاها ... ألهجني طيبها بذكراها تلهّبُ الكاسُ من تلهّبها ... وتحسرُ العينُ أنْ تقصّاها كأنَّ ناراً بها محرّشةً ... نهابُها تارةً ونغشاها كان لها الدهرُ من أبٍ خلفاً ... في جحرهِ صانَها وربّاها

стр. 58

وحثحثتْ كأسها مُقرطقةٌ ... لو مُنِّيَ الحسنُ ما تعدَّاها إذا اقتضاها طرفي لها عدةً ... عرفتُ مردودها بفحواها وقال: دعْ عنكَ لومي فإنَّ اللومَ إغراءُ ... وداوني بالتي كانتْ هي الداءُ صفراءُ لا تنزلُ الأحزانُ ساحتَها ... لو مسّها حجرٌ مسّتهُ سرَّاءُ ومنها: طافتْ بإبريقِها والليلُ معتكرُ ... فلاحَ من نورِها في البيتِ لألاءُ فأُرسلتْ من فمِ الإبريقِ صافيةً ... كأنّما أخذُها بالعينِ إغفاءُ رقَّت عن الماءِ حتى ما يلائمُها ... لطافةً وجفا عن شكلها الماءُ فلو مزجتْ بها ناراً لمازجها ... حتى تولَّد أنوارٌ وأضواءُ لتلكَ أبكي ولا أبكي لمنزلةٍ ... كانتْ تحلُّ بها هندٌ وأسماءُ هذا البيت يكرر أبو نواس معناه كثيراً، وقال: أيا باكيَ الأطلالِ غيَّرها البلى ... بكيتَ بعينٍ لا يجفُّ لها غربُ يقول منها: وندمانِ صدقٍ باكرَ الراح سحرةً ... فأضحى وما منه اللسانُ ولا القلبُ وحاولَ نحو الكأسِ مشياً فلم يطقْ ... من الضعفِ حتى جاءَ مختبطاً يحبو فقلنا لساقينا اسقهِ فانبرى له ... رقيقٌ بما سُمناهُ من عسلٍ ندبُ فناولهُ كأساً جلتْ عن فؤادهِ ... فناولهُ أخرى فثارَ له لبُّ تغنَّى وما دارتْ لهُ الكأسُ ثالثاً ... تعزَّى بصبرٍ بعد فاطمةَ القلبُ وقال أيضاً: قطرُ بلٌ مربعي ولي بقرى ال ... كرخِ مصيفٌ وأمِّيَ العنبُ تُرضعني درَّها وتلحفني ... بظلها والهجير يلتهبُ يقول فيها: فقمتُ أحبو إلى الرضاعِ كما ... تحاملَ الطفلُ مسّهُ السغبُ حتى تخيرتُ بيتَ دسكرةٍ ... قد عجمتها السنون والحقبُ هتكتُ عنها والليلُ معتكرٌ ... مهلهلَ النسجِ ماله هدبُ يريد نسج العنكبوت. فاستوسقَ الشربَ للندامى وأج ... راها علينا اللجينُ والغربُ اللجين الفضة والغرب الذهب يريد حكت الفضة بمائها والذهب بلونها، وعلى الأول يكون قد أخذه ابن المعتز فقال: وخمّارةٍ من بنتِ المجوسِ ... ترى الزقَّ في بيتها شائلا وزنا لها ذهباً جامداً ... فكالتْ لنا ذهباً سائلا وقد أوضحه أبو نواس في بقية الأبيات وهي: أقولُ لمّا حكتهما شبهاً ... أيّهما للتشابهِ الذهبُ هما سواءٌ وفرقُ بينهما ... أنّهما جامد ومنسكبُ ملسٌ وأمثالُها محفرةٌ ... صُور فيها القسوسُ والصلبُ يتلونَ إنجيلَهم وفوقهم ... سماءُ خمرٍ نجومُها الحببُ كأنّها لؤلؤٌ تُبدِّدهُ ... أيدي عذارى أفضى بها اللعبُ الملس: الأقداح التي لا نقش عليها، والمحفرة: المنقوشة، والقسوس: الصور التي على الأقداح، يقول: إن الخمر علت هذه الصور حتى صارت لها سماء والنجوم حبابها. وقال: ساعٍ بكأسٍ إلى ناشٍ على طربِ ... كلاهما عجبٌ في منظرٍ عجبِ قامتْ تُريني وأمرُ الليلِ مجتمعٌ ... صبحاً تولَّد بين الماء والعنبِ كأنَّ صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباءُ درٍّ على أرضٍ من الذهبِ من كفِّ ساقيةٍ ناهيكَ ساقيةً ... في حسنِ قدٍّ وفي ظرفٍ وفي أدبِ وقال من أخرى: أعاذلَ أعتبتُ الإمامَ وأعتبا ... وأعربتُ عمَّا في الضميرِ وأعربا أعتبت: رجعت، يقال: لك العتبى: أي لك الرجوع إلى ما تحب، وأعربت: أفصحت. وقلتُ لساقينا أجزْها فلم يكنْ ... ليأبى أميرُ المؤمنين وأشربا فجوَّزها عني عقاراً ترى لها ... إلى الشرف الأعلى شعاعاً مطنّبا ترى حيثُ ما كانتْ من البيتِ مشرقاً ... وما لم تكن فيه من البيت مغربا أخذه من قيس بن الخطيم: قضى لها الله حين صورها ال ... خالق أن لا تكنها السدَفُ ومنها: إذا عبَّ فيها شاربُ القومِ خلتهُ ... يقبِّلُ في داجٍ من الليلِ كوكبا سقاهم ومنّاني بعينيهِ منيةً ... فكانتْ إلى قلبي ألذّ وأعجبا وقال أيضاً: دعِ الأطلال تسفيها الجنوبُ ... وتبلي عهدَ جدَّتها الخطوبُ وخلِّ لراكبِ الوجناءِ أرضاً ... تخبُّ بها النجيبةُ والنجيبُ

стр. 59

الوجناء: الناقة الصلبة. وقيل: العظيمة الوجنات. إذا رابَ الحليبُ فبلْ عليه ... ولا تحرجْ فما في ذاك حوبُ فأطيبُ منه صافيةٌ شمولٌ ... يطوفُ بكأسها ساقٍ أديبُ يمدُّ بها إليكَ يداً غلامٌ ... أغنّ كأنّه الرشأُ الربيبُ وقال: كلّ ميتٍ محرمٌ فأدرْها ... غيرَ مقتولةٍ بكأسِ المزاجِ وقال: باكر صباحك بالصبوح ولا تكن ... كمسوّفين غدوا عليك شحاحا قال ابغني المصباح قلت له اتئد ... حسبي وحسبك ضوؤها مصباحا فسكبت منها في الزجاجة شربةً ... كانت له حتى الصباح صباحا من قهوة جاءتك قبل مزاجها ... عطلاً فألبسها المزاجُ وشاحا عمرتْ يكاتمك الزمانُ حديثَها ... حتى إذا بلغَ السآمةَ باحا وقال من أخرى: جريتُ مع الصِّبا طلقَ الجموحِ ... وهانَ عليَّ مأثورُ القبيحِ وجدتُ ألذَّ عارية الليالي ... قرانَ النغمِ بالوترِ الفصيحِ ومسمعةٍ إذا ما شئتَ غنتْ ... متى كانَ الخيامُ بذي طلوحِ تمتَّع من شبابٍ ليسَ يبقى ... وصلْ بعرى الغبوقِ عرى الصبوحِ الغبوق: شرب الليل، والصبوح: شرب الصباح. وخذها من مشعشعةٍ كميتٍ ... تحركُ درةَ الرجلَ الشحيحِ المشعشعة: الخمر التي قد راق مزاجها. تخيرها لكسرى رائداهُ ... لها حظانِ من لونٍ وريحِ الرائد: الذي يرسل في طلب الكلأ، يقال: الرائد لا يكذب أهله. وقال: يا أخوتي ذا الصباحُ فاصطبحوا ... فقد تغنَّت أطيارُه الفصحُ هبُّوا خذوها فقد شكانا إلى ال ... إبريقِ من طولِ نومنا القدحُ صرفاً إذا شجّها المزاجُ بأي ... دي شاربيها تولّد الفرحُ وقال: عاذلي في المدام غيرَ نصيحِ ... لا تلمْني على شقيقةِ روحي لا تلمني على التي فتنتني ... وأرتني القبيحَ غير قبيحِ قهوةٌ تتركُ الصحيحَ سقيماً ... وتعيرُ السقيمَ ثوبَ الصحيحِ إنّ بذلي لها لبذلُ جوادٍ ... واقتنائي لها اقتناءُ الشحيحِ وقال: لا تبكِ ليلى ولا تطربْ إلى هندِ ... واشربْ على الوردِ من حمراء كالوردِ كأساً إذا انحدرتْ في حلقِ شاربها ... أحذتْه حمرتها في العينِ والخدّ أحذته: من الحذيا، وهي العطية. فالخمرُ ياقوتةٌ والكأسُ لؤلؤةٌ ... من كفِّ جاريةٍ ممشوقة القدِّ تسقيكَ من ريقها ضمراً ومن يدها ... خمراً فما لك من سكرينِ من بدِّ لي نشوتانِ وللندمانِ واحدةٌ ... شيءٌ خُصصتُ به من بينهم وحدي وقال: ألا سقِّني خمراً وقل لي هي الخمرُ ... ولا تسقني سرّاً إذا أمكنَ الجهرُ فما الغبنُ إلاّ أنْ تراني صاحياً ... وما الغنمُ إلاّ أنْ يتعتعني السكرُ فبحْ باسمِ من تهوى ودعني من الكنى ... فلا خيرَ في اللذاتِ من دونها سترُ وقال: أعطتك ريحانَها العقارُ ... وحانَ من ليلكَ انسفارُ يقول: إنه شربها فتحوّل طيبها إليه، وقيل: كانت كلون بعض الرياحين فلما شربتها حولت ذلك اللون إلى خدك. ومثله: أخذتك حمرتها. وأخذه من الأعشى في قوله: فانعمْ بها قبلَ رائعاتٍ ... لا خمرَ فيها ولا خمارُ ووقرِ الكأسَ عن سفيهٍ ... لأنَّ آيينَها الوقارُ آيينَها: هيئتها وما يصلحها. تحيرتْ والنجومُ وقفٌ ... لم يتمكنْ بها المدارُ فلم تزلْ تأكلُ الليالي ... جثمانَها ما بها انتصارُ حتى إذا مات كلّ ذامٍ ... وخُلصَ السرُّ والنجارُ سرّ كل شيء: خالصه. عادتْ إلى جوهرٍ لطيفٍ ... عيانُ موجودهِ ضمارُ ويروى: آلت أي رجعت، يقول: معاينة ما وجد مني خفيّ. كأن في كأسِها شراباً ... يخيلهُ المهمهُ القفارُ لا ينزلُ الليلُ حيثُ حلّت ... فدهرُ شرابِها نهارُ ما أسكرتني المدام لكن ... مديرُ عينٍ بها احورارُ وقال من أخرى: دعْ لباكيها الديارا ... وانفِ بالخمرِ الخمارا واشربنها من كميتٍ ... تدعُ الليلَ نهارا بنت عشرٍ لم تُعاينْ ... غيرَ نارِ الشمسِ نارا ثمّ شجتْ فأدارتْ ... فوقها طوقاً فدارا

стр. 60

كاقترانِ الدرِّ بالد ... رِّ صغاراً وكبارا فإذا ما اعترضته ال ... عينُ من حيثُ استدارا خلتهُ في جنباتِ ال ... كأسِ واواتٍ صغارا فإذا ما سلسلوها ... أحْذتِ العينَ احمرارا صبوها في الحلوق فبقي تتابع جريها شبيهاً بالسلاسل والحذيا. من يديْ ساقٍ ظريفٍ ... كسيَ الحسنَ شعارا ومغنّ كلّما شئ ... تُ تغنَّى وأشارا رفعَ الصوتَ بصوتٍ ... هاجَ للقلبِ ادِّكارا صاحِ هل أبصرتَ بالحيّ ... ينِ من أسماءَ نارا وقال: ودار ندامى عطّلوها وأدلجوا ... بها أثرٌ منهم جديد ودارسُ مساحب من جر الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحان جنيّ ويابسُ الضغث قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس، وهذا البيت ينظر إلى قول امرئ القيس وإن لم يتضمن تشبيهاً: كأنَّ قلوبَ الطيرِ رطباً ويابساً ... لدى وكرها العنابُ والحشفُ البالي حبست بها صبحي فجددت عهدهم ... وإني على أمثالِ تلك كابس ولم أدرِ من هم غير ما شهدت به ... بشرقي ساباط الديار البسابسُ البسابسُ: الصحارى الواحد بسبس، وقالوا: سبسب فقبلوا، كما قالوا: جذب وجبذ، وكأنه نظر في هذا البيت إلى قول أبي خراش: ولم أدرِ من ألقى عليهِ رداءهُ ... ولكنه قد سلَّ من ماجدٍ محضِ أقمتُ بها يوماً ويوماً وثالثاً ... ويوماً له يوم الترحل خامسُ تدور علينا الكاس في عسجديةٍ ... حبتها بأنواع التصاويرِ فارسُ العسجد: الذهب، يريد آنية ذهبية. فللخمر ما زرّت عليه جيوبهم ... وللماء ما دارت عليه القلانسُ يريد أن الخمر صُبت إلى حلوق الصور التي على الأقداح والماء إلى رؤوسها. وقال: قالوا كبرتَ فقلت ما كبرت يدي ... عن أن تخبّ إلى فمي بالكاسِ والراحُ طيبةٌ وليسَ تمامها ... إلاّ بطيبِ خلائقِ الجلاسِ وكأنَّ شاربها لفرطِ شعاعها ... بالليل يكرع في سنا مقباضِ وقال: كفيتُ الصبا من لا يهش إلى الصبا ... وجمعت منه ما أضاع مضيعُ أعاذل ما فرطتُ في جنب لذةٍ ... ولا قلت للخمار كيف تبيعُ وقال: ومدامة تحيا النفوسُ بها ... جلتْ مآثرها عن الوصفِ وتروى سجد الملوك لها، ومنها: فتنفست في البيت إذْ مزجت ... كتنفس الريحان في الأنفِ من كفِّ ساقيةٍ مقرطقةٍ ... ناهيكَ من حسنٍ ومن ظرفِ نظرت بعينيْ جؤذرٍ خرقٍ ... وتلفتتْ بسوالفِ الخشفِ الجؤذر: ولد البقرة الوحشية، وخرق: لاصق بالأرض من الفزع، والسالفة: صفحة العنق. وقال: وخيمةِ ناطورٍ منيفةٍ ... تهمُّ يدا من رامها بزليلِ منيفة: هضبة مرتفعة. يقال: زللك يا فلان تزل زليلاً إذا زل. إذا عارضتْها الشمسُ فاءَ ظلالها ... وإنْ واجهتْها آذنتْ بدخولِ حلبتُ لأصحابي بها درةَ الصِّبا ... بصفراءَ من ماءِ الكرومِ شمولِ درة الصبا: ماء مطر كان بالصبا وروى قوم: درة الصبي. يقول: سقيتهم صفراء شمولاً فكأني حلبت لهم درة لهو وتصاب. إذا نزلتْ دونَ اللهاةِ من الفتى ... دعا همُّه من صدرهِ برحيلِ وعاطيتُ من أهوى الحديثَ كما بدا ... وذلّلتُ صعباً كانَ غيرَ ذليلِ ويروى: غير ذلول، غير لين الرياضة، والذليل الممتهن، يقول: ذلك من لا يمتهنه أحد. فغنَّى وقد وسَّدتُ يسرايَ خدهُ ... ألا ربما طالبتُ غيرَ منيلِ وقال: أما ترى الشمسَ حلتِ الحملا ... وطابَ وقتُ الزمانِ واعتدلا ويروى: وقامَ وزنُ الزمانِ واعتدلا وغنتِ الطيرُ بعدَ عُجمتها ... واستوفتِ الخمرُ حولها كملا الخمر تُعصر والشمس في آخر الأسد وأول السنبلة ومن هذا إلى أن تحل الحمل سبعة أشهر وهذا لا يكون حولاً. والمعنى أنها استوفت حولاً مذ عقد الكرم وورق، وقيل: حولها: تغيرها، تحول في الدن وتتلون فإذا مضت لها هذه المدة قرّت ولزمت شيئاً واحداً ويكون هذا من حالت تحول حولاً والأول أجود. وقول ثالث كان المبرّد يختاره، حولها: قوتها، من قولهم: لا حول ولا قوة إلاّ بالله. واكتستِ الأرضُ من زخارفها ... وشيَ نباتٍ تخاله حللا

стр. 61

فاشربْ على جدةِ الزمانِ فقد ... أصبحَ وجهُ الزمانِ مقتبلا يقال هو مقتبل الشباب إذا لم يبن فيه أثر كبر وما أحسن هذا البيت لولا تكرار لفظة الزمان فيه. كرخيّةً تتركُ الطويلَ من ال ... عيشِ قصيراً وتبسطُ الأملا تلعبُ لعبَ الشرابِ في قدحِ ال ... قومِ إذا ما حبابها اتَّصلا اتصل: قارب بعضه بعضاً، ويروى: انتضلا من النضال والأول أجود، والحباب معلوم. وقال: يا ربَّ صاحبِ حانةٍ قد رعتُه ... فبعثتهُ من نومهِ المتزمِّلِ تزمّل بثوبه: تلفف به وتغطى. يا صاحبَ الحانوتِ لا تكُ مشغباً ... أنَّ الشرابَ محرمٌ كمحللِ يقول: الخمر المطبوخ عندي سواء وقد فسره بقوله: فدع الذي نبذتْ يداكَ وعاطني ... للهِ درُّك من شرابِ الأرجلِ أقول: إن أبا نواس أخذ هذا من حسان بن ثابت حيث قال: إنَّ التي ناولتني فرددتُها ... قُتلتْ قُتلتَ فهاتها لم تُقتلِ كلتاهما حلبُ العصيرِ فعاطني ... بمدامةٍ أرخاهما للمفصلِ فإن رغبة حسان عن الممزوج كرغبة أبي نواس عن المطبوخ، ورغبة أبي نواس في الخمر كرغبة حسان في الصرف. نعود إلى أبيات أبي نواس: ممّا تخيرها التجارُ ترى لها ... قرصاً إذا ذيقتْ كقرصِ الفلفلِ ولها دبيبٌ في العظامِ كأنهُ ... قبضُ النعاسِ وأخذهُ بالمفصلِ المفصل: واحد مفاصل الأعضاء، والمِفصل، بالكسر: اللسان وإياه أراد. عبقتْ أكفهمُ بها فكأنما ... يتنازعون بها سخابَ قرنفلِ السخاب: قلادة تتخذ من السك وغيره، ليس فيها جوهر والجمع سخب. تسقيكها كفٌّ إليك حبيبةٌ ... لا بدَّ إنْ بخلتْ وإنْ لم تبخلِ أخذ أبو تمام هذا فقال في المدح: ورأيتَني فسألتَ نفسك سيبها ... لي ثمَّ جدتَ وما انتظرتَ سؤالي كالغيثِ ليسَ له أُريدَ غمامهُ ... أو لم يُردْ بدٌّ من التهطالِ وقال: كانَ الشبابُ مطيةَ الجهلِ ... ومحسِّنُ الضحكاتِ والهزلِ كانَ الجميلَ إذا ارتديتُ به ... وخرجتُ أخطرُ صيِّتَ النعلِ يقال: خطر بباله يخطر، بالضم، وخطر في مشيته يخطِر، بالكسر، بمداسٍ يصرُّ. كانَ المشفعَ في مآربهِ ... عندَ الفتاةِ ومدركَ التبلِ والباعثي والناسُ قد رقدوا ... حتى أكونَ خليفةَ البعلِ والآمري حتى إذا عزمتْ ... نفسي أعانَ يدي على الفعلِ هذه الأبيات قد سبق ذكرها في وصف الشباب، وإنما ذكرتها ثانياً لما تضمنه باقيها من وصف ما أنا بصدده وهي: فالآنَ صرتُ إلى مقاربةٍ ... وحططتُ عن ظهر الصبا رحلي والكأسُ أهواها وإنْ رزأتْ ... بلغَ المعاشِ وقللتْ فضلي رزأت: نقصت، وبلغ المعاش: القوت، وهو جمع بُلغة، وقللت فضلي: ذهبت بما عندي من فضل. وقد أحسن مهيار ما شاء في قوله: في بُلغِ العيشِ لي فضولٌ ... فما التفاتي إلى الفضولِ نعود إلى الأبيات: ذُخرتْ لآدم قبلَ خلقتهِ ... فتقدَّمتهُ بخطوةِ القبلِ فأتاكَ شيءٌ لا تلامسهُ ... إلاّ بحسنِ غريزةِ العقلِ فترود منها العين في بشرٍ ... حرِّ الصفيحةِ ناصعٍ سهلِ ترود: تذهب وتجيء، وحرّ: كريم، والصفيحة: جلدة الوجه وبشرته، ناصع: ظاهر اللون خالص. حتى إذا سكنتْ جوانحُها ... كتبتْ بمثلِ أكارعِ النملِ جمح الفرس جموحاً وجماحاً: إذا غلب فارسه، والجموح من الرجال: الذي يركب هواه فيتعذر رده، يريد أن زبدها لما سكنت كان كأكارع النمل دقة وخفاء. وقال: لا تعرِّجْ بدارسِ الأطلالِ ... واسقنيها رقيقةَ السربالِ مات أربابها وبادت قُراها ... وبراها الزمانُ بريَ الخلالِ عُتقت في الدنانِ حتى استفادتْ ... نورَ شمسِ الضحى وبردَ الظلالِ ولعمر المدام إنْ قلتَ فيها ... إنَّ فيها لموضعاً للمقالِ وقال: اسقنا إنَّ يومنا يومُ رامِ ... ولرامٍ فضلٌ على الأيامِ يوم رام: يوم أحد وعشرين من كل شهر من شهور الفرس، وشهرهم ثلاثون يوماً أبداً، ولكل يوم منها اسم. يقال: إنه كان لهم في يوم رام لذة وفرح. من شرابٍ ألذَّ من نظرِ المعش ... وقِ في وجهِ عاشقٍ بابتسامِ

стр. 62

بنتُ عشرٍ صفتْ ورقت فلو صُب ... تْ على الليل راح كلّ ظلامِ في رياضٍ بهيةٍ بكر النَّو ... ءُ عليها بمستهلِ الغمامِ وقال أيضاً: أعاذلُ ما على وجهي قتومُ ... ولا عرضي لأولِ منْ يسومُ يفضّلني على الفتيانِ أني ... أبيتُ فلا أُلامُ ولا أُليمُ أي لا آتي ما ألامُ عليه أي أعذل. شُققتُ من الصبا واشتُقَّ مني ... كما اشتقَّت من الكرمِ الكرومُ فلستُ أُسوِّفُ اللذاتِ نفسي ... مساومةً كما دُفع الغريمُ ولا بمدافعٍ للكأسِ حتى ... يهيِّجني على الطربِ النديمُ ومتّصل بأسبابِ المعالي ... لي في كلِّ مكرمةٍ حميمُ رفعتُ له النداءَ بقمْ فخذْها ... وقد أخذتْ مطالعها النجومُ فقمتُ فقام من أخوين هاجا ... على طربٍ وليلهما بهيمُ أجرُّ الزقَّ وهو يجرُّ رِجلاً ... يجورُ بها النعاسُ ويستقيمُ وقال: ألا لا أرى مثلَ امترائي في رسم ... تغصُّ به عيني ويلفظه وهمي ويروى: ألا لا أرى مثلي امترى اليومَ في رسمِ ماريت الرجل أماريه مراء: إذا جادلته، والمرية: الشك، وقوله: تغص به عيني: أي تمتلئ بالدمع معرفة، ثم ينكره وهمي لتغيره. أتتْ صورةُ الأشباه بيني وبينها ... فجهلي كلاَ جهلٍ وعلمي كلاَ علمِ فطبْ بحديثٍ عن نديمٍ مساعدٍ ... وساقيةٍ سنّ المراهقِ للحلمِ ضعيفةُ كرِّ الكرفِ تحسبُ أنّها ... حديثةُ عهدٍ بالإفاقةِ من سقمِ هذا هو الشعر الذي تطرب له النفوس فرحاً ومسرة، ويلوح على وجه المعاني الرائقة غرة، وماذا عسى أن يقال في شيخ الصناعة وفارس البراعة. وإنّي لآتي الوصلَ من حيثُ يُتَّقى ... ويعلمُ سهمي حين أنزعُ من أرمي النزع في القوس مدها، أخذه من قول ابن الدمينة: وإنّي لآتي الأمرَ من حيثُ يتَّقى ... وأرعى الحمى من حيثُ لم يدرِ حاجره المحجر، بالفتح: ما حول القرية، ومن محاجر أقيال اليمن: وهي الأحماء، وكان لكل واحد منهم حمى لا يرعاه غيره. وقال أبو نواس: صفةُ الطلولِ بلاغةُ الفدْم ... فاجعلْ صفاتكَ لابنةِ الكرمِ لا تخدعنَّ عن التي جُعلتْ ... سقمَ الصحيحِ وصحةَ السقمِ سقم الصحيح: الخمار وذهاب العقل، وصحة السقم: النفع الحاصل من شربها والنشاط العارض منه. وصديقةِ النفسِ التي حُجبتْ ... عن ناظريك وقيِّم الجسمِ شُجتْ فغالت فوقها حبباً ... متراصفاً كتراصفِ النظمِ غالت: رفعت، والرَّصفة، بالتحريك: واحدة الرصف، وهي حجارة مرصوف بعضها إلى بعض أي مصففة. فعلامَ تذهلُ عن مشعشعةٍ ... وتهيمُ في طللٍ وفي رسمِ تصفُ الطلولَ على السماعِ بها ... أفَذو العيانِ كأنت في العلمِ وإذا وصفتَ الشيءَ متبعاً ... لم يخلُ من سقطٍ ومن وهمِ هو يخاطب المحدثين من الشعراء الذين وصفوا الطلول اتباعاً لمن وصفها مشاهداً لها، يقول: لست في وصفك لها بالسماع كمن وصفها وشاهدها. وقال: يا شقيقَ النفسِ من حكمِ ... نمتَ عن ليلي ولم أنمِ فاسقني البكرَ التي اختمرتْ ... بخمار الشيبِ في الرَّحمِ اختمرت: لبست خمار الشيب في دنها فبلغت أقصى السن ولم تخرج عنه، وجعله كالرحم للطفل. وقيل: إنه نسج العنكبوت. وقيل: إن أول ما تنفطر الكرمة يخرج منها شيء أبيض شبيه بالقطن. وأقول: إنه لما وصفها بطول المكث حسن أن يقول: اختمرت بخمار الشيب، لموضع طول مدتها وعتقها وخدرها. وزاده حسناً قوله: في الرحم، لأنها قد بلغت سن من لو كان يشيب لكان قد اختمر بخمار الشيب، وهذا واضح جيد. ثمتَ انصاتَ الشبابُ لها ... بعدما جازتْ مدى الهرمِ كأنها صوتت له فانصات مثل دعته فاندعى. فهيَ لليومِ الذي بُزلتْ ... وهيَ تلوُ الدهر في القدمِ عُتقتْ حتى لو اتصلتْ ... بلسانٍ ناطقٍ وفمِ لاحتبتْ في القومِ ماثلةً ... ثمَّ قصتْ قصةَ الأممِ قرعتْها بالمزاجِ يدٌ ... خُلقتْ للكأسِ والقلمِ في ندامى سادةٍ زهرٍ ... أخذوا اللذات من أممِ فتمشتْ في مفاصلهم ... كتمشي البرءِ في السقمِ

стр. 63

فعلتْ في البيتِ إذْ مُزجتْ ... مثلَ فعلِ الصبحِ في الظلمِ فاهتدى ساري الظلامِ بها ... كاهتداءِ السفرِ بالعلمِ أقول: إني إنما ابتدأت بأشعار أبي نواس في الخمر لأنه أكثر الناس إحساناً فيها، وأولهم استقصاء لمعانيها، وأسبقهم إلى التنوق في أوصافها وألقابها، وأكثرهم معاقرة لندمانها وشرابها، وأوفاهم تشوقاً إليها وتطرباً عليها، وأبلغهم قولاً في نعوتها الرائقة وصفاتها الفائقة، وإن وجد لمن تقدمه شيء من ذلك فإنما يوجد القليل النادر، ومن تأخر عن زمانه عيال عليه وتبع له. وها أنا أذكر ما يخطر من الأشعار والأخبار فيها على حسب ما اشترطته في هذا الكتاب. كان يقال: للشراب حدان: حد لا هم فيه، وحد لا عقل فيه، فعليك بالأول واتق الثاني. مر أنوشروان وكان يعجبه الورد بوردة ساقطة، فقال: أضاع الله من أضاعك ونزل فأخذها وقبّلها وشرب مكانها سبعة أيام. قال جميل: فلمّا ماتَ من طربٍ وسكرٍ ... رددتُ حياتهُ بالمسمعاتِ فقام يجرُّ عطفيه خماراً ... وكانَ قريبَ عهدٍ بالمماتِ ابن نباتة السعدي: نعمتُ بها يجلو عليَّ كؤوسه ... أغرُّ الثنايا واضحُ الجيدِ أحورُ فواللهِ ما أدري أكانتْ مدامةً ... من الكرمِ تُجنى أم من الشمس تُعصرُ إذا صبَّها جنحُ الظلامِ وعبَّها ... رأيتَ رداءَ الليلِ يُطوى وينشرُ الببغاء: واجلُ شمسَ العقار في يدِ بدرِ ال ... حسن يخدمكَ منهما النيِّرانِ في كؤوسٍ كأنها زهرُ الخش ... خاشِ ضمتْ شقائق النعمانِ إنما سميت شقائق النعمان لأن النعمان بن المنذر رأى أرضاً كثيرة الشقائق فحماها فنسب إليه. واختدعها عندَ البزالِ بألفا ... ظِ المثاني ومطرباتِ الأغاني فهي أولى من العرائس إنْ زفَّ ... ت بعزفِ الناياتِ والعيدانِ قال ابن الجهم: قلت لجارية: نجعل الليلة مجلسنا في القمر، فقالت: ما أولعك بالجمع بين الضرائر، قلت: فأي الشراب أحب إليك، فقالت: ما ناسب روحي في الخفة ونكهتي في الطيب وريقي في اللذة ووجهي في الحسن، وخلقي في السلاسة. ابن سكرة: فما ترى في اصطباحِ صافيةٍ ... بكرٍ حناها في الحانةِ الكبرُ فهي لمنْ شمَّ ريحَها أثرٌ ... وهي لمنْ رامَ لمسَها خبرُ في روضةٍ راضها الربيعُ وما ... قصَّر في وشيِ قصرها المطرُ وقد نأى النأيُ بالعقولِ وما ... قصّر في نيلِ وترهِ الوترُ أشخص الوليد بن يزيد شراعة من الكوفة، وقال له: ما أحضرتك لأسألك عن كتاب الله ولا عن سنّة نبيه ﷺ ، قال: والله لو سألتني عنهما لألفيتني فيهما حماراً، قال: ولكن أسألك عن الفتوة، قال: أنا دهقانها الخبير وطبيبها الرفيق، قال: أخبرني عن الماء، قال: لا بد منه والحمار شريكي فيه، قال: فاللبن، قال: ما رأيته قط إلاّ استحييت من أمي من طول ما أرضعتنيه، قال: فالسويق، قال: فالسويق شراب الحزين والمريض والمستعجل، قال: فنبيذ التمر، قال: سريع الملي سريع الإنفاش ضرط كله، قال: فنبيذ الزبيب، قال: حومة يحامها حول الأمر، قال: فما تقول في الخمر، قال: تلك صديقة روحي، قال: وأنت صديقي فاقعد، أي الطعام أحب إليك، قال: ليس لصاحب النبيذ على الطعام حكم إلاّ أن أشهاه إليه أمره وأنفعه أدسمه، قال: فأي المجالس أطيب، قال: البراح ما لم تحرقه الشمس ويغرقه المطر والله يا أمير المؤمنين ما شرب الناس على شيء أحسن من وجه السماء. شاعر: كأنما عرضٌ في كفّ شاربها ... تخالهُ فارغاً والكأس ملآنُ ابن المعتز: يا نديميَّ سقِّياني فقد لا ... حَ صباحٌ وأذَّنَ الناقوسُ من كميتٍ كأنها أرضُ تبرٍ ... في نواحيه لؤلؤٌ مغروسُ وقال: كأنهُ وكأنَّ الكأسَ في فمهِ ... هلال أول شهرٍ غابَ بالشفقِ ديك الجن: فقامَ تكادُ الكأسُ تخضبُ كفهُ ... وتحسبهُ من وجنتيهِ استعارها مشعشعةٌ من كفِّ ظبيٍ كأنما ... تناولها من خدهِ فأدارها ظللنا بأيدينا نتعتعُ روحها ... وتأخذُ من أقدامِنا الراحُ ثارها أخذه ابن الأصباغي فقال: عقرتهم عقارة لو سالمت ... شرابها ما سميتْ بعقارِ

стр. 64

ذكرت حقائدها القديمة إذْ غدتْ ... قدماً تُداس بأرجل العقَّارِ لانت لهم حتى انتشوا وتمكنتْ ... منهم وصاحتْ فيهم بالثارِ أبو عثمان الخالدي: هتفَ الصبحُ بالدجى فاسقنيها ... قهوةً تجعلُ الحليمَ سفيها لستُ أدري من رقةٍ وصفاءٍ ... هي في الكأسِ أم صبت الكأسُ فيها ويقرب من هذا: رقّ الزجاجُ ورقَّتِ الخمرُ ... فتشابها وتشاكلَ الأمرُ فكأنما خمر ولا قدح ... وكأنما قدح ولا خمر أبو طاهر بن حيدر: مرحباً بالتي بها قُتل اله ... مُّ وعاشتْ مكارمُ الأخلاقِ وهي في رقةِ الصبابةِ والوج ... دِ وفي قسوةِ النوى والفراقِ لستُ أدري أمنْ خدودِ العذارى ... سفكوها أو أدمعِ العشاقِ آخر: وأغيدُ معسولُ المراشفِ زارني ... على فرقٍ والنجمُ حيرانُ طالعُ فنازعتهُ الصهباءَ والليلُ ناصلٌ ... رقيق حواشي البردِ والنسرُ واقعُ عقارٌ عليها من دم الصبِّ نقطةٌ ... ومن عبراتِ المستهامِ فواقعُ معوّدة غصبَ العقول كأنما ... لها عند ألباب الرجال ودائعُ تدير إذا شجتْ عيوناً كأنها ... عيون العذارى شق عنها البرقعُ أشجع السلمي: ولقد طعنتُ الليلَ في أعجازهِ ... بالكأسِ بين غطارفٍ كالأنجمِ يتمايلونَ على النعيمِ كأنَّهم ... قضبٌ من الهندي لم يتثلّمِ يسعى بها الظبي الغريرُ يزيدُها ... طيباً ويغشمها إذا لم تغشمِ فإذا أدارتها الأكفُّ رأيتها ... تثني الفصيحَ إلى لسانِ الأعجمِ تغلي إذا ما الشعريانِ تلظتا ... صيفاً وتسكنُ في طلوعِ المرزمِ ولها سكون في الإناء وخلفه ... شغبٌ تطوّح بالكمي المعلمِ تُعطي على الظلمِ الفتى بقيادها ... قسراً وتظلمه إذا لم يظلمِ شرب الأقيشر في حانة بالحيرة حتى نفد ما معه ورهن ثيابه، وكان شتاء ثم جلس في تبن هناك واجتاز رجل ينشد ضالته، فقال الأقيشر: اللهم ارددها إليه واحفظ عليها، فقال الحاني: ويحك أي شيء يحفظ ربك، قال: هذا التبن لا تأخذه فأموت برداً فضحك منه ورد ثيابه. جلست عجوز من الأعراب إلى فتيان يشربون فسقوها قدحاً فطابت نفسها وتبسمت ثم سقوها آخر فاحمر وجهها وضحكت فسقوها ثالثاً، فقالت: أخبروني عن نسائكم بالعراق أيشربن هذا الشراب، قالوا: نعم، قالت: زنين ورب الكعبة. شرب داود المصاب مع قوم في شهر رمضان، فقالوا له وقت السحر: قم فانظر هل تسمع أذاناً فأبطأ ساعة ثم رجع، وقال: اشربوا فإني لم أسمع إلاّ أذان سوء من مكان بعيد. شرب بعضهم عند خمّار فلم يسكر فشكا إليه، فقال: اصبر فهذا يأخذ في آخره فلما انصرف أخذه الطائف وحُبس، فقال: صدق الخمّار قد أخذه في آخره. وعاب مسلم بن الوليد أبا نواس في الخمر، وقال له: خلعت عذارك وأطلت الإكباب على المجون حتى غلب على لبك وما كذا يفعل الأدباء، فأطرق هنيهة، ثم قال: فأول شربك طرْح الرداء ... وآخر شربكَ طرحُ الإزارِ وما هنأتك الليالي كمثل ... إماتةِ مجدٍ وإحياءِ عارِ وما جادَ دهرٌ بلذاتهِ ... على منْ يضنُّ بخلعِ العذارِ فانصرف مسلم آيساً من فلاحه، وهو يقول: جواب حاضر من شيخ فاجر. ويعجبني قول القائل في الاعتذار عن السكر: إذا شربت ماء الحياء وجوهنا ... تنقّل عنها ماؤها وحياؤها إذا كانتِ الصهباءُ شمساً فإنَّما ... يكونُ أحاديث الرجال هباؤها وقد ظرف القائل: كان منِّي على المدامةِ ذنبٌ ... فاعفُ عنِّي فأنتَ للعفو أهلُ لا تؤاخذْ بما يقولُ على السُّك ... رِ فتًى ما له على الصحوِ عقلُ آخر: إذا ما صدمتني الكأسُ أبدتْ محاسني ... ولم يخشَ ندماني أذاتي ولا بخلي ولستُ بفحاشٍ عليه وإن أسا ... وما شكلُ من آذى نداماه من شكلي المعروف بالعطار المغربي: وكأسٍ ترينا آيةَ الصبح في الدجى ... فأوّلها شمسٌ وآخرها بدرُ مقطّبةٌ ما لم يزرْها مزاجُها ... فإنْ زارها جاءَ التبسمُ والبشرُ فيا عجباً للدهرِ لم تخلُ مهجةٌ ... من العشقِ حتى الماءُ تعشقهُ الخمرُ

стр. 65

خليليَّ هات الكأسَ ممزوجةَ الرضى ... بسخطٍ فقد طابَ التنادمُ والسمرُ ونبِّهْ لنا منْ كانَ في الشربِ نائماً ... فقد نامَ جنحُ الليلِ وابتسمَ الفجرُ ابن قاضي ميلة: ومدامة عُني الرضاب بمزجها ... فأطابها وأزارها التقبيلُ ذهبية ذهبَ الزمانُ بجسمِها ... قدماً فليسَ لجسمِها تحصيلُ فكأنَّها شمسٌ وكفُّ مديرها ... فينا ضحًى وفمُ النديمِ أصيلُ الماهر: هو يومٌ حلوُ الشمائلِ فاجمعْ ... بكؤوسِ المدامِ شملَ السرورِ منْ مدامٍ أرقّ من نفسِ الصّبِّ ... وأصفى من دمعةِ المهجورِ رقَّ جلبابها فلم يُرَ إلاّ ... روحُ نارٍ تحلُّ في جسمِ نورِ آخر: وكأسٍ سباها السفرُ من أرضِ بابلٍ ... كرقةِ ماءِ الحزنِ في الأعينِ النُّجلِ إذا شجَّها الساقي حسبتَ حبابها ... عيونَ الدبا من تحت أجنحةِ النملِ آخر: وزنّا الكأس فارغةً وملأى ... فكانَ الوزنُ بينهما سواءَ مثله، وأظنه لابن دريد، وهو أبلغ: تقُلتْ زجاجاتٌ أتتنا فرَّغاً ... حتى إذا مُلئتْ بصرفِ الراحِ خفَّت فكادتْ أنْ تطيرَ بما حوتْ ... وكذا الجسومُ تخفُّ بالأرواحِ الببغاء يصف معصرةً: ومعصرةٍ أنختُ بها ... وقرنُ الشمسِ لم يغبِ فخلتُ قرارَها بالرا ... حِ بعضَ معادنِ الذهبِ وقد ذرفت لفقد الكر ... مِ فيها أعينَ العنبِ وجاشَ عبابُ واديها ... بمنهلٍّ ومنسكبِ وياقوتُ العصير بها ... يلاعبُ لؤلؤَ الحببِ فيا عجباً لعاصرها ... وما يفنى بها عجبي وكيفَ يعيشُ وهو يخو ... ضُ في بحرٍ من اللهبِ التنوخي: وراحٍ من الشمس مخلوقةٍ ... بدتْ لكَ في قدحٍ من نهارِ هواءٌ ولكنه جامدٌ ... وماءٌ ولكنّهُ غير جارِ كأنّ المدير لها باليمين ... إذا قام للسقي أو باليسارِ تدرّع ثوباً من الياسمين ... له فرد كمٍّ من الجلنارِ إسحاق الموصلي: كأنَّ أباريق المدام لديهم ... ظباءٌ بأعلى الرقمتينِ قيامُ وقد شربوا حتى كأنَّ رقابَهم ... من اللينِ لم تُخلقْ لهنَّ عظامُ ابن الرومي في قدح: كفمِ الحبِّ في الحلاوةِ أو أش ... فى وإنْ كانَ لا يناغي بحرفِ تنفذ العينُ فيه حتى تراها ... أخطأتهُ من رقةِ المستشفِّ وسطُ القدّ لم يكبَّر لجرعٍ ... متوالٍ ولم يصغَّر لرشفِ لا عجولٌ على العقولِ جهولٌ ... بل حليمٌ عنهنّ من غيرِ ضعفِ ما رأى الناظرون قدّاً وشكلا ... مثله فارساً على ظهر كفِّ السري الرَّفَّاء الكندي الموصلي: كستْكَ الشبيبةُ ريعانَها ... وأهدتْ لكَ الراحُ ريحانَها فدمْ للنديمِ على عهدهِ ... وغادِ المدامَ وندمانَها يقال: إنما سمي النديم نديماً لأنه تندم على مفارقته. فقد خلع الأفقُ ثوبَ الدجى ... كما نضتِ البيضُ أجفانَها وساقٍ يواجهُني وجههُ ... فتجعلهُ العينُ بستانَها يتوّج بالكأسِ كفَّ النديمِ ... إذ عقدَ الماءُ تيجانَها فطوْراً يرشحُ ياقوتَها ... وطوْراً يرصّعُ عقيانَها وديرٍ شُغفتُ بغزلانهِ ... وكدتُ أُقبِّلُ صلبانَها سكرتُ بقطرُ بل ليلةً ... لهوتُ فغازلتُ غزلانَها وأيُّ ليالي الهوى أحسنتْ ... إليَّ فأنكرتُ إحسانَها كان بعضهم يتحرج عن الخمر ويأمر غلامه بشراء المطبوخ، ويقول: حلّف الخمّار على أنه مطبوخ فإذا أتاه به، قال: هذا رديء لا صفاء له ولا لون، ولا يزال يردده حتى يأتيه بالخمر الصرفة، فيقول: أما استوثقت منه، فيقول: بلى واستحلفته، فيقول: أعرفه ثقة صادقاً وقد حج مرتين ثم يقعد ويشرب مطمئناً. شرب جعفري ولهبي على سطح عال فسكر الجعفري ووثب من السطح، وقال: أنا ابن الطيار في الجنة، فوقع إلى الأرض متكسراً وكان في اللهبي بقية فقال: أنا ابن المقصوص في النار ولبد مكانه.

стр. 66

شرب كوران المغني عند بعض الرؤساء فافتقد رداءه وزعن أنه سرق، فقيل له: ويحك أتتهمنا به أما علمت أن بساط الشراب يُطوى بما عليه، فقال: انشروا هذا البساط حتى آخذ ردائي واطووه إلى يوم القيامة. المريمي في بعض التائبين: إنْ كنتَ تبتَ عن الصهباءِ تشربها ... نسكاً فما تبتَ عن برٍّ وإحسانِ تبْ راشداً واسقنا منها وإن عذلوا ... فيما فعلت فقل ما تابَ إخواني وقد أحسن القاضي ابن سناء الملك غاية الإحسان في قوله: أتاني حديثٌ ليتَني لا سمعته ... فعنديَ منه مقعدٌ ومقيمُ بأنَّ الحكيمَ الآنَ قد هجرَ الطِّلى ... وتابَ فقلنا ما الحكيمُ حكيمُ أتُهجرُ شمسُ الراحِ وهي منيرةٌ ... ويتركُ بدرُ التمّ وهو وسيمُ على الكوبِ من بعدِ الحكيمِ كآبةٌ ... وللجامِ من بعدِ الحكيمِ وجومُ ومن بعدهِ زوجُ الخلاعةِ طالقٌ ... ومن بعدهِ أمُّ السرورِ عقيمُ وعادت كؤوس الراح وهي سمائم ... لدينا وأنفاسُ المدامِ سمومُ وكم منَّةٍ عند الحكيمِ لكأسهِ ... غدتْ ولها حقٌّ عليه عظيمُ أنامتْ له منْ لا ينامُ وربَّما ... أقامتْ له ما لا يكادُ يقومُ وذلك إنعامٌ قضى بنعيمهِ ... ومن جحدَ الإنعامَ فهو لئيمُ فإنْ قالَ إني قد سقمتُ بشربها ... فقد يعشقون الجفنَ وهو سقيمُ وإن قال إني قد سلمتُ فإنه ... كما قيل قدماً للديغِ سليمُ وسكّتني إبليسُ حين عتبتهُ ... بأن قال هذا الأمرُ ليسَ يدومُ فإن تسألوني بالحكيمِ فإنني ... حكيمٌ بأدواء الحكيمِ عليمُ إذا ما خبا وهجُ المصيفِ فإنني ... بتحليلِ ناموسِ الحكيمِ زعيمُ على أنه كان قد تابَ مخلصاً ... وخافَ عقابَ الله وهو أليمُ فتوبتهُ من سوء ظنٍّ بربه ... قبيحٌ وإلا فالكريمُ كريمُ أخر، وأنشدنيه زين الدين الحافظي: يعجبني شربيَ بالدور على ... تسلسل الماء ببطنِ الجدولِ أنا الذي حدثت عنه وتري ... أقول بالدور وبالتسلسلِ أنشد محيي الدين بن زيلاق لنفسه: أنا في منزلي وقد وهب الل ... هـ نديماً وقينةً وعُقارا فابسطوا العذرَ في التأخر عنكم ... شغلَ الحلي أهله أن يعارا آخر: راحٌ إذا علتِ الأكفّ كؤوسها ... فكأنها من دونها بالراحِ وكأنما الكاسات مما حولها ... من نورها يسبحن في ضحضاحِ لو بثَّ في غسق الظلام ضياؤها ... طلع المساءُ بغرةِ الإصباحُ نفضتْ على الأجسام صبغة لونها ... وسرتْ بلذّتها إلى الأرواحِ ومدامةٍ يخفى النهار لنورها ... وتذلّ أكناف الدجى لضيائها صبّتْ فأحدق نورها بزجاجها ... فكأنها جعلتْ إناء إنائها وتكادُ إن مزجت لرقّة جسمها ... تمتازُ عندَ مزاجها من مائها تزدادُ من كرمِ الطباعِ بقدر ما ... يودي به الأزمانُ من أجزائها لا شيء أعجب من تولد برئها ... من سقمها ودواؤها من دائها ابن المعتز: بينَ أقداحهم حديثٌ قصيرٌ ... هو سحرٌ وما عداه كلامُ وكأنَّ السقاةَ بين الندامى ... ألفاتٌ على سطورٍ قيامُ الناجم: فخذها مشعشعةً قهوةً ... تصبّ على الليل ثوبَ النهارِ ينازعها الخدّ جريالها ... فتهديه للعينِ يومَ الخمارِ الجريال الخمر، ويقال: جريال الخمر لونها، قال الأعشى: وسبيةٌ مما تعتَّقُ بابلٌ ... كدمِ الذَّبيحِ سلبتها جريالها يقول: شربتها حمراء وبلتها بيضاء. ابن دريد، وأجاد ما شاء: وحمراءَ قبلَ المزجِ صفراءَ بعدهُ ... بدتْ بين ثوبيْ نرجسٍ وشقائقِ حكتْ وجنةَ المعشوقِ صرفاً فسلطوا ... عليها مزاجاً فاكتستْ لونَ عاشقِ ويعجبني قول القائل، وتروى ليزيد بن معاوية: وإنيَ من لذاتِ دهري لقانعٌ ... بحلو حديثٍ أو بمرِّ عتيقِ هما ما هما لم يبق شيء سواهما ... حديث صديقٍ أو عبيق رحيقِ وفي وصف سكران: فبتُّ أرى الكواكبَ دانياتٍ ... ينلنَ أناملَ الرجلِ القصيرِ أدافعهنّ بالكفين عني ... وأمسحُ عارضَ القمرِ المنيرِ ابن المعتز:

стр. 67

شربنا بالكبيرِ وبالصغيرِ ... ولم نحفلْ بأحداثِ الدهورِ فقد ركضتْ بنا خيلُ التصابي ... وقد طرنا بأجنحةِ السرورِ وقال وأحسن: سقتنيَ في ليلٍ شبيهٍ بشعرها ... شبيهةَ خدَّيها بغير رقيبِ فما زلتُ في ليلينِ في الشعر والدجى ... وصُبْحينِ من كأسٍ ووجهِ حبيبِ أبو نواس: نبّهْ نديمك قد نعس ... يسقيك كأساً في الغلسْ صرفاً كأنّ شعاعها ... في كفّ شاربها قبسْ مما تخير كرمها ... كسرى بعانة واغترسْ تذر الفتى وكأنما ... بلسانه منها خرسْ يدعى فيرفعُ رأسه ... وإذا استقلَّ به نكسْ السّريّ يستهدي شراباً: تجنّبني حسنُ المدامِ وطيبها ... فقد ظمئتْ نفسي وطالَ شحوبها وعندي ظروفٌ لو تظرَّفَ دهرها ... لما باتَ مغرىً بالكآبةِ كوبها وشعثُ دنانٍ خاوياتٍ كأنها ... صدورُ رجالٍ فارقتها قلوبها فسقياكَ لا سقيا السحاب فإنما ... بيَ العلةُ الكبرى وأنتَ طبيبها وقال: كبوةُ الهمِّ بين كأسٍ وكوبِ ... واغتباطِ المحبِّ بالمحبوبِ حبذا أسهمٌ تفوِّقها الألحا ... ظُ لا تتقى بغير القلوبِ وبواطٍ كأنهنَّ وهادٌ ... أترعتها سجالُ غيثٍ سكوبِ السجل: مذكر الدلو إذا كان فيه ماء قل أو كثر، ولا يقال لها وهي فارغة: سجل، والجمع السجال، وسجلت الماء فانسجل، أي صببته فانصب، وأسجلت الحوض: ملأته. وكأنَّ الكؤوسَ فيها جنوحاً ... أنجمُ الليلِ صوّبتْ للمغيبِ نحنُ أبناءُ هذه الكأسِ لا نعْ ... دلُ عن شربها إلى مشروبِ أدَّبتنا الأيامُ حتى أرتنا ... بطشَ أحداثها بكلّ أديبِ وعلمنا أنا نصيبُ المنايا ... فأخذنا من المنى بنصيبِ وقال: خذوا من العيشِ فالأعمارُ فانيةٌ ... والدهر منصرمٌ والعمرُ منقرضُ في حاملِ الكأسِ من بدر الدجى خلفٌ ... وفي المدامةِ من شمسِ الضحى عوضُ كأنَّ نجمَ الثريا كفُّ ذي كرمٍ ... مبسوطةً للعطايا ليسَ تنقبضُ دارت علينا كؤوسُ الراحِ مترعةً ... وللدجى عارضٌ في الجوِّ معترضُ حتى رأيتَ نجوم الليلِ غائرةً ... كأنهن عيونٌ حشوها مرضُ قعد قوم يشربون في غرفة فغنى مغنيهم: ومقعد قوم قد مشى من شرابنا ... وأعمى سقيناه ثلاثاً فأبصرا فطرق عليهم الباب، فقالوا: ذا من، فقال: رجل أعور يطلب قدحاً ونصفاً لعل عينه تفتح. قال رجل من الشرّاب: وجهت إليك رسولاً فلم يجدك. قال: ذاك وقتٌ لا أكاد أجد فيه نفسي. حمل سكران على قفا حمّال إلى منزله فسأل الناس الحمّال، وقالوا: ما هذا؟ فرفع السكران رأسه وقال: بقية مما ترك آل موسى وهارون تحمله الملائكة. قيل لشيخ: كم مقدار ما تشرب من الشراب؟ قال: مقدار ما أتقوى به على ترك الصلاة. قال ابن عياش: كنت وسفيان الثوري وشريكاً نمشي بين الحيرة والكوفة فرأينا شيخاً أبيض الرأس واللحية حسن السمت، فقلنا: هذا شيخ جليل قد سمع الحديث وقد رأى الناس، فتقدم إليه سفيان وكان أطلبنا للحديث ثم سلم عليه، وقال له: أعندك شيء من الحديث، فقال: أما الحديث فلا ولكن عندي عتيق سنتين فنظرنا فإذا هو خمّار. قال الجاحظ: رأيت أسود بيده قنينةٌ وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك، قال: أخاف أن تنكسر هذه القنينة قبل أن أسكر. محمد بن علي الدينوري: هبّوا إلى شرب الصبوح فإنما ... لصبوحكم لا للصلاة أذاني طلعت نجوم الراح في أيديهم ... مثل النجوم وغبنَ في الأبدانِ أخذه من شعر وجدته يروى ليزيد بن معاوية: وشمسة كرمٍ بروجها قعر دنّها ... ومطلعها الساقي ومغربها فمي مسلم بن الوليد: كأنها وسنانُ الماءِ يقتلها ... عقيقةٌ ضحكتْ في عارضٍ بردِ دارت عليه فزادتْ في شمائلهِ ... لين القضيب ولحظ الشادن الغردِ مشته لما تمشت في مفاصله ... لعب الرياح بغصن البانةِ الخضدِ يقال: خضدت العود فانخضد أي ثنيته فانثنى من غير كسر. آخر: سقني الخمر صراحا ... لا تخف فيّ جناحا أقراحٌ أنا حتى ... أشرب الماء القراحا آخر:

стр. 68

بدرٌ غدا يشرب شمساً غدتْ ... وحدّها في الحسن من حدّهِ تغرب في فيه ولكنها ... من بعد ذا تطلع في خدِّهِ ومثله، وهو أجود: لو رام بحلف أنَّ الشمس ما غربت ... في فيه كذّبه في وجهه الشّفقُ وأحسن من هذا: وشادن طاف بالكؤوس ضحى ... وحثَّها والصبحُ ما وضحا والروض مبد لنا زخارفه ... وآسه العنبريّ قد نفحا قلنا فأينَ الأقاح قال لنا ... أودعتهُ ثغر من سقى القدحا فظل ساقي المدام ينكر ما ... قال فلما تبسّمَ افتضحا ومثله: أصبحتْ شمساً وفوه مغربا ... ويد الساقي المحيي مشرقا فإذا ما غربت في فمهِ ... أطلعت في الخدِّ منه شفقا آخر: ومهفهفٍ تمت محاسنه ... حتى تجاوز منيةَ النفس في هذا البيت نظر لا يخفى على صاحب نظر. أبصرته والكأس بين فم ... منه وبينَ أنامل خمسِ فكأنه والكأسُ في فمهِ ... قمرٌ يقبّلُ عارض الشمسِ عبد الله بن المعتز: إن راحاً قال الإله لها كوني ... فكانتْ روحاً وريحاً وراحا درةٌ حيثما أديرتْ أضاءتْ ... ومشمٌّ من حيثُ ما شمّ فاحا وقال أبو تمام: إذا عوتبتْ بالماء كانَ اعتذارها ... لهيباً كوقعِ النارِ في الحطبِ الجزلِ إذا هي دبّتْ في الفتى ظنَّ قلبهُ ... لما دبَّ فيه قريةً من قرى النملِ إذا ذاقها وهي الحياةُ رأيته ... يعبّسُ تعبيسَ المقدّمِ للقتلِ ومن ها هنا قال الحسن بن رجاء لرجل شرب بحضرته كأساً فعبّس وجهه: ما أنصفتها تعبّس في وجهها وتضحك في وجهك. ومن هنا قال الآخر: ما أنصفَ الندمانُ كأسَ مدامةٍ ... ضحكت إليه فذاقها بتعبُّسِ وقال آخر: ظفرنا بها في الدَّن بكراً وبينها ... وبين قطاف الكرم عادٌ وتبّعُ فلما استقرت في الزجاج حسبتها ... سنا النار في داجٍ من الليل يلمعُ وقد أحسن أبو تمام وقد أنفذ له بعض أصدقائه شراباً غير مرضيّ فكتب إليه: قد رأينا دلائلَ المنعِ أو ما ... يشابه المنعَ باحتباسِ الرسولِ وافتضحنا عند الندامى بما شا ... عَ لدينا من قبحِ وجهِ الشمولِ فاجأتنا كدراءُ لم تسبَ عن تس ... نيم جريالها ولا السلسبيلِ لا تهدَّى سبلَ العروق ولا تن ... سابُ في مفصل بغيرِ دليلِ وهي نزرٌ لو أنها من دموع الصبِّ ... لم يشفَ منه حرُّ غليلِ وكأنَّ الأناملَ اعتصرتْها ... بعدَ كدٍّ من ماء وجهِ البخيلِ كم صديقٍ قد امتحنّا نداهُ ... واعتبرنا كثيرهُ بالقليلِ ابن المعتز يصف الزق: في مجلسٍ غابَ عنه عاذلهُ ... نطردُ عنّا الهمومَ بالطربِ والزِّقُّ في روضةٍ تسيلُ دماً ... أوداجهُ جاثياً على الركبِ قال أبو العباس عبد الله بن المعتز: سألت محمد بن يزيد يعني المبرد عن قول المسيب بن علس: وصهباءَ يستوشي بذي اللّبِّ مثلها ... قرعتُ بها نفسي إذا الديكُ أعتما تمزَّزتها صرفاً وقارعتُ دنَّها ... بعودِ أراكٍ مدَّةً فترنَّما فلم يجيبني بجواب أرتضيه ثم سألت عنه أبا أحمد عبيد الله بن طاهر في دار أمير المؤمنين المعتضد فقال لي: معنى تستوشي أي تستخرج ما عند ذي اللب مثلها به، وذلك كما تقول: استوشيت الحديث من فلان إذا استخرجته، وقوله: قرعت بها نفسي أي شربتها فقرعتني، ويقال: امتلأت بها نفسي، ويروى مثلها ثم وقف عن تفسير قارعت دنها وخرج أمير المؤمنين من دار الخلوة ونحن في المنازعة فأمر بكتب رقعة إلى أبي العباس أحمد بن يحيى، يعني ثعلباً، فورد الجواب مسنداً عن أبي عمرو بن العلاء: إن المعنى ضربت دنّها بالعود فلما طنّ علمت أني قد شربت ما فيه وقرعته. وعن الأصمعي غنيت ووقعت على الدن بعود أراكٍ فترنم وعلا صوته. إبراهيم بن سيار النظام: ما زلتُ آخذ روح الدنّ في لطفٍ ... وأستبيح دماً من غير مذبوحِ حتى انثنيتُ ولي روحان في جسدي ... والدّنّ مطّرحٌ جسم بلا روحِ وقال آخر: إذِ الأباريق حولي ... كأنهنَّ ظباءُ مملآت ملاءً ... دموعهنَّ طلاءُ ابن المعتز:

стр. 69

خلِّ الزمانَ إذا تقاعسَ أو جمحْ ... واشكُ الهمومَ إلى المدامة والقدحْ واحفظْ فؤادكَ إن شربتَ ثلاثةً ... واحذرْ عليه أنْ يطيرَ من الفرحْ هذا دواءٌ للهمومِ مجرّبٌ ... فاقبلْ مشورةَ ناصحٍ لك قد نصحْ ودعِ الزمانَ فكم رفيقٍ حازمٍ ... قد رامَ إصلاحَ الزمانِ فما صلحْ وقال بعض الأعراب، إنما الأبيات لأبي نواس وله سبب وحكاية مع الرقاشي: ومستطيل على الصهباء باكرها ... في فتيةٍ باصطباح الراح حذّاقِ وكلّ شيء رآه ظنّه قدحاً ... وكل شخص رآه ظنّه الساقي وقيل لبعض خلفاء بني أمية: ما يطيب في هذا اليوم؟ فقال: قهوة صفراء في زجاجةٍ بيضاء تناولنيها مقدودة هيفاء مضمومة لفّاء أشربها من يدها وأمسح فمي بفمها. أقول: مقدودة أي حسنة القد معتدلة، يقال: قُدَّ قَدَّ السيف أي جعل حسن التقطيع، وهو صفة حركاته وأعضائه ومضمومة أي عقصت شعرها. واللفّاء: الضخمة الفخذين المكتنزة. وقال ابن المعتز: غدوتُ إلى كأسٍ ورحتُ إلى كاسِ ... ولم أرَ فيما تشتهي النفسُ من باسِ وملتبسٍ بالبدرِ في أعينِ الورى ... من الناسِ إلاّ أنه أملحُ الناسِ سقانيَ خمراً من يديهِ وريقهِ ... فأسكرني سكرينِ من دونِ جُلاسي وكمْ من نديمٍ سابقٍ إلى الكرى ... وكمْ من نديمٍ قد سبقتُ إلى كاسِ العطوي: جارة لي أجارها الحس ... ن من كلّ عائبِ هي بينَ النساءِ كال ... بدرِ بينَ الكواكبِ لحظها قبل لفظها ... من جليلِ المواهبِ سألتني هل النبي ... ذُ حلالٌ لشاربِ قلت إي والذي يُري ... نيك رغم الأقاربِ اشربيهِ فإنَّ في ... هـ لإحدى العجائبِ يُنبتُ الوردَ في نقا ... ءِ خدودِ الكواعبِ وأجيبي بغيرِ قو ... لٍ عن الحقِّ عازبِ هل حلالٌ دماؤنا ... للظباءِ الربائبِ قالت استفتِ غيرَ ... خصمك فعل الملاعبِ وقال المأمون: ردَّا عليَّ الكأسَ إنكما ... لا تعلمانِ الكأسَ ما تجدي خوفتماني الله ربّكما ... وكخيفتيهِ رجاؤه عندي إن كنتما لا تشربان معي ... خوفَ العقاب شربتُها وحدي ابن المعتز: معتّقة صاغَ المزاجُ لرأسِها ... أكاليلَ درٍّ ما لمنظومِها سلكُ جرتْ حركاتُ الدهرِ فوقَ سكونها ... فذابتْ كذوْب التبرِ أخلصهُ السبكُ وقال الأعشى: في فتيةٍ كسيوفِ الهندِ قد علِموا ... أنْ ليسَ تدفعُ عن ذي الحيلةِ الحيلُ نازعتهمْ قضبَ الريحانِ متكئاً ... وقهوةً مزَّةً راووقها خضلُ يقال: أخضلت الشيء فهو مخضل إذا بللته، وشيء خضل: رطب، والخضل: النبات الناعم، والخضيلة: الروضة وأخضل اخضلالاً واخضوضل: ابتلّ. وكتب أحمد بن أبي العلاء إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: أنا سيفٌ على العِدى لك في الحر ... بِ وفي السلم فابتذلني وصنِّي ونديم إن لم يزرك نديم ... ومغنّ إن لم يجئك مغنِّي كتب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى أخيه عبيد الله: يومنا طيّب يطيب به القص ... ف وشُرب الأرطال والجامات ولدينا ساقٍ أغرُّ أديبٌ ... قد غنينا به عن القيناتِ إنْ تخلفت عندما تصل الر ... قعة عنّا فأنت في الأمواتِ فأجابه: أنا لو لم أُدعى تطفّلت حتى ... أشتفي من حديث هذا المواتي فاجعل الشرط بيننا لا تقل لي ... قد تثاقلت فانصرف بحياتي قال المأمون لجبريل بن بختيشوع: ما أخف النقل؟ ق نقل أبو نواس يا أمير المؤمنين، قال: وما هو؟ قال: قوله: ما لي في الناس كلّهم مثلُ ... ما بي خمر ونُقلي القبلُ حتى إذا ما العيون قيل هدت ... وحان نومي فمضجعي كفلُ وقد قال أهل الأدب: لا فضيلة في السُّكر سوى فقدان الهموم، وذلك عند النظر لا يفي بفقدان العقل، قالوا: وفيه مع ذلك فضيلة خفية نافعة وهي جسارة من كان متيماً على إلفه. قال العباس بن الأحنف: أراني سأُبدي عندَ أولِ سكرةٍ ... لديها هواها في ملاءٍ وفي سترِ فإنْ رضيتْ كانَ الرِّضا سببَ الهوى ... وإنْ غضبتْ منه أحلتُ على السكرِ

стр. 70

والناس لا يعتدّون بالسخاء المتولد على السكر. قال زهير: أخو ثقةٍ لا يُذهبُ الخمرُ مالهُ ... ولكنّه قد يُذهبُ المالَ نائلهْ وقال عنترة: فإذا سكرتُ فإنَّني مستهلكُ ... مالي وعِرضي وافرٌ لم يُكلمِ وإذا صحوتُ فما أُقصِّرُ عن ندًى ... وكما علمتِ شمائلي وتكرُّمي وقد أحسن القائل: يعيد عطايا سكره عند صحوه ... ليعلمَ أنّ الجودَ منه على علمِ ويسلم في الأنعام من قول قائلٍ ... تكرّم لمّا خامرته ابنة الكرمِ وقال بعضهم في معربد: ومعربد أخرجته ... للريح إذ آذى الندامى أغلقتُ بابي دونه ... وتركته يرعى الخُزامى يرنو بعيني مبغضٍ ... نظر الوصيّ إلى اليتامى ولآخر يعتذر: قد جرت بيننا هناتٌ من الشك ... رِ كثار كبيرةٌ وصغارُ وعثَار النبيذ عند ذوي الأخ ... طارِ ما لا يكون منه اعتذارُ فارمِ بالحقد عن فؤادِك فالأح ... قادُ مما تُرمى بها الأحرارُ ولبعد وجهه الذي كان لي ... منه إذا ما لقيته استبشارُ ليس ذنبٌ جنيته سالم الع ... قل كذنبٍ جنت عليّ العقارُ وقال بعضهم: على قدر عقل المرء في حال صحوه ... تؤثر فيه الخمر في حال سُكرهِ فتأخذ من عقلٍ كثيرٍ أقلّه ... وتأتي على العقل القليل بأسرهِ قال عطية الشاعر: بينا أنا مع الحسن بن عبد الملك بن صالح ونحن مصطبحان نشرف على طريق إذ نحن برجل ليس معه ثقل ولا غلام فأقبل إلى باب الأمير، فقال: يا غلام خذ دابتي، وقال للحاجب: ادخل بين يدي، قال: إنه ليس منزل سوقة هذا منزل الأمير أبي الحسن بن عبد الملك ابن صالح، قال: قد علمت فادخل بين يدي، فدخل فلما صار إلى صدر المجس سلّم على أبي الحسن ثم قال: يا غلام خذ ثيابي، فأخذ ثيابه، فقيل: أتأكل شيئاً، قال: إن جدد لي طعام أكلت فإني لا آكل فضلةً فجدد له لحم طير، فأكل، قال أبو الحسن: اسقوه، فسقوه ثلاثاً، ثم قال: يا غلام انطق السنارة فخفقت العيدان فلما سكتن قال: يا غلام بقي على الجارية في صوت كذا وكذا فغضب الحسن فلما تبين الغضب في وجهه، قال: يا غلام خذ العود من يدها فأخذه وضرب وتغنَّى: ولما توافقنا غداة وداعنا ... أشرْنَ إلينا بالجفونِ الفواترِ ولا شيء أقوى شاهداً عند ذي هوًى ... من اللحظ يأتيه بما في الضمائر قال: اجز، يا غلام خمسمائة دينار فوضعت بن يديه ثم قال: يا غلام طنبوراً، فضرب به وتغنّى: ولما توافقنا غداةَ وداعنا ... ولم يبقَ إلاّ أنْ تزمّ نجائبي طلبنا من الركب المحشر عوجةً ... فعجن علينا من صدور الركائب فلما توافقن كتبنَ بأعينٍ ... لنا كتباً أعجمنها بالحواجبِ فلما قرأناهن سرّاً طوينها ... حذار الأعادي بازورار المناكبِ ثم قال: يا غلام طبلاً، فضرب به وتغنَّى: وشادنٍ مكتحلٍ بسحرِ ... تنفث عيناه به في صدري فيوهنان عزماتِ صبري ... مضطمرٌ أسفله عن خصرِ كأنّما نجمعه في فتر ... كأنّ أطراف البنان الحمرِ عنه عقيق في سلوك درّ ... مكّنتُ جنبي عينه من أسري فاحتكما فيَّ احتكام دهري ثم قال: يا غلام دفاً، فضرب به وتغنَّى: كملت فلو قسم الإله ضياءها ... في الخلق كانوا كلهم أنوارا تعنو لها أبصارُنا فكأنما ... بالحسن منها تملك الأبصارا لو دُرِّع الليل البهيم ضوئها ... لغدا دجاه مع النهار نهارا ما جال طرف في محاسن وجهها ... إلاّ تحيّر دونها أو حارا قال: يا غلام خمسمائة دينار، فوضعت بين يديه، ثم قال: أي بني عمنا أنت فلم يكن ليقدم عليّ إلاّ هاشمي، قال: لست من بني عمك، أنا أبو نواس غضب عليّ أمير المؤمنين فأمرني بالخروج عن بغداد وأنا عائد إليها في غد إن شاء الله. وأقول: إنه يتغلب عندي أن هذه القصة موضوعة إذ كان أبو نواس معروفاً مشهوراً عند جميع أصحاب السلطان ولو خفيت حاله على كل واحد لما خفيت عن هذا الأمير والله أعلم. وقال آخر: من كفّ جاريةٍ كأنّ بنانَها ... من فضةٍ قد طرّفت عنابا وكأنّ يمناها إذا ضربت بها ... ألقتْ عليّ يد الشمال حسابا وقال حسان بن ثابت:

стр. 71

ولقد شربتُ الكأسَ في حانوتها ... صهباءَ صافيةً كطعمِ الفلفلِ يسعى أليّ بكأسِها منتطفٌ ... فيعلُّني منها وإنْ لم أنهلِ المنتطف: الذي في آذانه القرطة، وهي الحلق، واحدتها نطفة، بالتحريك، والعلّ: شرب ثان، يقال: علل بعد نهل، والنهل: الشرب الأول. إنَّ التي ناولتني فرددتها ... قُتلتْ قُتلتَ فهاتها لم تُقتلِ كلتاهُما حلبُ العصيرِ فعاطني ... بزجاجةٍ أرخاهُما للمفصلِ بزجاجةٍ رقصت بما في قعرِها ... رقصَ القلوصِ براكبٍ مستعجلِ وقال الأخطل: يدبّ دبيباً في العظام كأنَّه ... دبيبُ رمالٍ في نقا يتهيّلُ يتهيّل: يتصبب. فقلتُ اقتلوها عنكمُ بمزاجِها ... وحِبّ بها مقتولةً حينَ تُقتلُ ومن التشبيه الجيد قوله فيها يصف زقاق الخمر: أناخوا فجرُّوا شاصياتٍ كأنَّها ... رجالٌ من السودانِ لم يتسربلوا يقال للزقاق والقرب إذا ملئت أو نفخت فارتفعت قوائمها: شاصية، والجمع شواص. وقال آخر وزاد في التشبيه: فحطّوا إلينا شاصيات كأنَّها ... من المزج مسلوب القميص وراعفُ وقال أبو الهندي: أتلفَ المالَ وما جمعتهُ ... طلبُ اللذاتِ من ماءِ العنب واستباء الزقّ من حانوتهِ ... شائلَ الرجلينِ معصوبَ الذنبْ وأخذ مسلم بن الوليد قول حسان: فهاتها لم تقتل فقال: خلطْنا دماً من كومةٍ بدمائِنا ... فأظهرَ في الألوان منا الدمَ الدمُ إذا شئتما أنْ تسقياني مدامةً ... فلا تقتُلاها كلُّ ميتٍ محرَّمُ فقوله: كلّ ميتٍ محرمُ زيادة حسنة. قال الملتمس: صبا من بعدِ صبوتهِ فؤادي ... وسمّحَ للقرينةِ بانقيادِ كأنّي شاربٌ يومَ استقلّوا ... وحث بهم وراءَ البيدِ حادِ عقاراً عتِّقتْ بالدنِّ حتى ... كأنَّ حبابها حدقُ الجرادِ وقال أبو نواس: ألا دارِها بالماءِ حتّى تُلينَها ... فلنْ تُكرمَ الصهباءَ حتّى تهينَها أُغالي بها حتّى إذا ما ملكتُها ... أذلتُ لإكرامِ النديمِ مصونَها وصفراءَ قبلَ المزجِ بيضاءَ بعدهُ ... كأنَّ شعاعَ الشمسِ يلقاكَ دونَها ترى العينَ تستعفيكَ من لمعانِها ... وتحسرُ حتّى ما تُقلُّ جفونَها وقال أبو نواس أيضاً: وذي حلفٍ بالراحِ قلتُ له اصطبحْ ... فليسَ على أمثالِ تلكَ يمينُ شمولاً تخطّاها الزمانُ فقد مضتْ ... سنونٌ لها في دنّها وسنونُ تراثُ أُناسٍ عن أُناسٍ تُخرَّموا ... توارثها بعدَ البنينِ بنونُ فأدركَ منها الغابرونَ حشاشةً ... لها هيجانٌ مرةً وسكونُ لذي نرجسٍ غضِّ القطافِ كأنَّه ... إذا ما منحناهُ العيون عيونُ مخالفةٌ في شكلهنَّ فصفرةٌ ... مكانَ سوادٍ والبياضُ جفونُ فلما رأى وصفي ارعوى واستزادني ... فقلتُ لجوجٌ عزَّ ثمَّ يهونُ وصدَّق ظنِّي صدقَ اللهُ ظنَّه ... إذا ظنَّ خيراً والظنونُ فنونُ وقال: غنِّنا بالطلولِ كيفَ بكينا ... واسقِنا نُعطكَ الثناءَ الثمينا من كميت كأنَّها كلُّ طيبٍ ... يتمنى مخيّرٌ أنْ يكونا فإذا ما اجتليتَها فهباءٌ ... يمنعُ الكفَّ ما يبيحُ العيونا ثمَّ شُجَّت فاستضحكت عن جمانٍ ... لو تجمعنَ في يدٍ لاقتُنينا في زجاجٍ كأنَّهنّ نجومٌ ... جارياتٌ بروجُها أيدينا طالعاتٌ مع السقاةِ علينا ... فإذا ما غربْنَ يغرُبنَ فينا لو ترى الشربَ حولَها من بعيدٍ ... قلتَ قومٌ من قرةٍ يصطلونا وغزالٍ يديرُها ببنانٍ ... ناعماتٍ يزيدُها الغمزُ لِينا كلما شئتُ علّني برضابٍ ... يتركُ القلبَ للسرورِ قرينا ذاكَ عيشٌ لو دامَ لي غيرَ أنِّي ... عفتهُ طائعاً وخفتُ الأمينا وقال: عتّقتْ في الدنّ حتّى ... هي في رقةِ ديني ثمَّ شجّت فأدارت ... حولها مثلَ العيونِ حدقاً ترنو إلينا ... لمْ تحجَّرْ بجفونِ حدقٌ تثمر درّاً ... كلّ إبّانٍ وحينِ السريّ الرَّفَّاء: قمْ فانفِ بالكاساتِ سلطانَ الكرى ... واجعلْ مطايا الراحِ منَّا الراحا

стр. 72

لا تأسفنَّ على الصباحِ فحسبُنا ... ضوءُ السوالفِ والسلافُ صباحا فضَّ النديمُ ختامَها فكأنَّما ... فضَّ الختامَ عن العبيرِ ففاحا لم ندرِ إذ حثَّ السقاةُ كؤوسَها ... أكواكباً يحملنَ أمْ أقداحا وقال عبد الله بن المعتز: سقى المطيرةَ ذاتَ الظلِّ والشجرِ ... وديرَ عبدونَ هطّالٌ من المطرِ فطالما نبّهتْني للصبوح به ... في عزَّةِ الفجرِ والعصفورُ لم يطر أصوات رهبانِ دير في صلاتِهم ... سودِ المدارعِ نعّارينَ في السحرِ مُزنَّرين على الأوساطِ قد جعلوا ... على الرؤوسِ أكاليلاً من الزهرِ كم فيهم من مليحِ الوجهِ مُكتحلٍ ... بالسحرِ يكسرُ جفنيهِ على حورِ لاحظتهُ بالهوى حتّى استقادَ له ... طوعاً وأسلفني الميعاد بالنظرِ هذا شعر يحير الألباب، ويعرّف كيف تؤتى البيوت من الأبواب، فإنه بديع في المعنى المراد، وما أطيب ما قد أسلفه هذا الميعاد. وجاءني في قميصِ الليلِ مستتراً ... يستعجلُ الخطوَ من خوفٍ ومنْ حذرِ ولاحَ ضوءُ هلالٍ كادَ يفضحهُ ... مثل القلامةِ إذْ قُصتْ من الظفرِ فقمتُ أفرشُ خدِّي في الطريقِ له ... ذلاًّ وأسحبُ أكمامي على الأثرِ وكانَ ما كانَ مما لستُ أذكرهُ ... فظنَّ خيراً ولا تسألْ عن الخبرِ ومغرمٍ باصطباحِ الراحِ نادمَني ... لم تُبقِ لذَّته وفراً ولم تذرِ ما زلتُ أسقيهِ من حمراءَ صافيةٍ ... عجوزِ دسكرةٍ شابتْ من الكبرِ راحَ الفراتُ على أغصانِ كرمتِها ... بجدولٍ من زلالِ الماءِ منفجرِ حتّى إذا نارُها جاشتْ بمرجلِها ... بفائرٍ من هجيرِ الشمسِ مستعرِ ظلَّت عناقيدُها يبرزنَ من ورقٍ ... كأنَّها الزنجُ في خضرٍ من الأرزِ وطافَ قاطفُها فيها فسلَّمها ... إلى خوابيَ قد عُممنَ بالمدرِ وقال أبو دلف القاسم بن عيسى: وقهوةٍ كشعاع الشمس رونقها ... ليست من الخمر إلاّ في معانيها تخال منها حواشي الكأس خاليةً ... لولا أكاليل درٍّ في أعاليها ابن المعتز: وكرخيّةِ الأنسابِ أو بابليّةٍ ... ثوتْ حقباً في ظلمةِ القار لا تسري أرقتُ صفاءَ الماءِ فوقَ صفائِها ... فخلتُها سُلاّ من الماءِ والبدرِ وقال أبو عبد الله بن الحجاج: يا صاحبيّ استيقظا من رقدةٍ ... تزري على عقلِ اللبيبِ الأكيسِ هذي المجرَّةُ والنجومُ كأنَّها ... نهرٌ تدفَّقَ في حديقةِ نرجسِ وأرى الصبا قد غلّستْ بنسيمِها ... فعلامَ شربي الراحَ غيرَ مغلسِ قوما اسقياني قهوةً روميةً ... مذ عهدِ قيصرَ دنُّها لم يُمسسِ بكرٌ تضيفُ إذا تسلطَ حكمُها ... موتَ العقولِ إلى حياةِ الأنفسِ وقال أبو عبادة البحتري: فاشربْ على زهرِ الرياضِ يشوبهُ ... زهرُ الخدودِ وزهرةُ الصهباءِ من قهوةٍ تُنسي الهمومَ وتبعث ال ... شوقَ الذي قد ظلَّ في الأحشاءِ تخفي الزجاجةَ لونُها فكأنَّها ... في الكفِّ قائمةٌ بغيرِ إناءِ وقال أبو نواس: ويعجبني حثيث الكأ ... سِ بين الناي والوترِ ترى جثمانها معنا ... وريَّاها على سفرِ وقال آخر: كميت إذا شجَّت وفي الكأس وردةٌ ... لها في عظام الشاربين دبيبُ تريك القذى من دونها وهي دونه ... لوجه أخيها في الإناء قطوبُ البحتري: وليسَ للهمِّ إلاّ كلُّ صافيةٍ ... كأنَّها دمعةٌ في عينِ مهجورِ أبو نواس: نور تحدّر من فمِ الإبريقِ ... في ريح كافورٍ ولونِ خلوقِ فكأنَّها وشرارُها متطايرٌ ... والماءُ يُطفئها ضرامُ حريقِ وقال آخر: صفراءُ ضمّخ لونها في خدرها ... بالزعفران تقادمُ الأزمانِ وكأنَّ للذهب المذاب بكاسها ... بحراً يجيش بأعين الحيتانِ في مجلسٍ جعل السرور جناحه ... ستراً لنا من ناظرِ الحدثانِ وقال علي بن جبلة: دعِ الدنيا فللدنيا أناسٌ ... ألذُّ العيش إبريقٌ وطاسُ وصافيةٍ لها في الكفّ لينٌ ... ولكنْ في العقولِ لها شماسُ

стр. 73

معتقةٍ إذا مُزجتْ أضاءتْ ... وأمكنَ قابساً منها اقتباسُ كأنَّ يدَ النديمِ يُديرُ منها ... شعاعاً ما يحيطُ عليهِ كاسُ وقال آخر: وصافيةٍ كعينِ الديكِ صرفٍ ... تنسّي الشاربينَ لها العقولا إذا شربَ الفتى منها ثلاثاً ... بغيرِ الماءِ حاولَ أنْ يطولا أبو تمام: بمدامةٍ تغدو المُنى لكؤوسِها ... خولاً على السرَّاء والضرَّاءِ صعُبتْ فراضَ الماءُ سيِّئَ خلقِها ... فتعلَّمتْ من حسنِ خلقِ الماءِ وكأنَّ زهرتها وبهجةَ كأسِها ... نارٌ ونورٌ قُيِّدا بوعاءِ آخر: ومدامةٍ حمراءَ في قارورةٍ ... زرقاءَ تحملها يدٌ بيضاءُ فالراحُ شمسٌ والحبابُ كواكبٌ ... والكف قطبٌ والإناءُ سماءُ وقال أبو الهندي: رضيعُ مدام فارقَ الراحَ روحهُ ... فظلّ عليها مستهلّ المدامعِ أديرا عليَّ الكأسَ إنِّي فقدتُها ... كما فقدَ المفطومُ درَّ المراضعِ الوليد بن يزيد، ويحكى أنه لما ولي الخلافة جمع جماعة من أهل بيته وخاصته، فقالوا: ما تريد يا أمير المؤمنين، فقال: أنشدكم أبياتاً قلتها وهي: أُشهدُ اللهَ والملائكةَ الأب ... رار والعابدينَ أهلَ الصلاحِ أنَّني اشتهي السماعَ وشرب ال ... راح والعضّ في الخدودِ الملاحِ واستماعَ الحديثِ والكاعبَ الحس ... ناءَ ترتجُّ في سموط الوشاحِ السموط: القلائد، والوشاح: سيور تُضقر وترصع وتكون في العنق. والنديمَ الكريمَ والخادمَ الفا ... رهَ يسعى عليَّ بالأقداحِ ثم قال: انصرفوا إذا شئتم. وقال آخر: العيش عندي في ثلاث أكملت ... لفتًى يريد لذاذة الأيامِ مال يجود به على ذي حاجةٍ ... ووصال غانيةٍ وشرب مدامِ فإذا الفتى فقد الثلاثة كلّها ... كان الفتى كبهيمةِ الأنعامِ وأذكرتني هذه الأبيات أبياتاً أنشدنيها محيي الدين ولم يسم قائلاً، وإن كان لا ذكر للخمر: فالمنى صحةٌ وأمنٌ ويسرٌ ... وحبيبٌ يرضى ودهرٌ يسرُّ فإذا ساعد الزمان بهذا ... ثمَّ ضيّعته فما لكَ عذرُ ومثل هذا التقسيم لأهل العصر: ما العيش إلاّ خمسة لا سادس ... لهم وإن قصرت بها الأعمارُ زمن الربيع وشرخ أيام الصبا ... والكأس والمعشوق والدينارُ لعبد الله بن جدعان ولا يعرف له غيرها: شربتُ الخمر حتّى قال صحبي ... ألستَ عن السقاةِ بمستفيقِ وحتّى ما أوسد في مبيتٍ ... أبيتُ به سوى الترب السحيقِ وحتّى أغلق الحانوت دوني ... وآنستُ الهوانَ من الصديقِ وقال سليمان بن علي الهاشمي: فما زلتُ أسقيه وأشربُ فضلَه ... ويشربُ والأوتارُ ذاتُ حنينِ إلى أنْ رأيتُ السكرَ ميّلَ رأسهُ ... على الكأسِ حتّى ذاقَها بجبينِ وقال السريّ: ومستطيلٍ على الصهباءِ باكرَها ... في فتيةٍ باصطباحِ الراحِ حذّاقِ فكلُّ شيءٍ رآهُ ظنّهُ قدحاً ... وكلُّ شخصٍ رآه ظنَّه الساقي وقال آخر: أقبلتْ قرّة عينِ ... في يدي قرة عينِ قمرٌ يحمل شمساً ... مرحباً بالزائرينِ مرحباً بالراح والر ... يحان والرائحتينِ وقال ابن الفارض، أحد شعراء العصر من الزهاد العارفين وأصحاب القلوب المكاشفين: شربنا على ذكرِ الحبيبِ مدامةً ... سكرنا بها من قبلِ أن يخلق الكرْمُ لها البدرُ كأسٌ وهي شمس يديرها ... هلالٌ وكم يبدو إذا مزجتْ نجمُ ولولا شذاها ما اهتديتُ لحانها ... ولولا سناها ما تصوَّرها الوهمُ ومنها: ولو عبقتْ بالشرقِ أنفاسُ طيبها ... وفي الغربِ مزكومٌ لعادلهُ الشمُّ تهذِّبُ أخلاقَ الندامى فيهتدي ... بها لطريقِ العزمِ من لا له عزمُ يقولون لي صفها فأنتَ بوصفها ... عليمٌ أجل عندي بأوصافها علمُ صفاءٌ ولا ماءٌ ولا لطفٌ ولا هوًى ... ونورٌ ولا نارٌ وروحٌ ولا جسمُ وقال محيي الدين، ﵀: اقض حقّ الصبوحِ قبلَ الصباحِ ... واكسُ راحاتنا بكاسات راحِ واجلُ جنح الدّجى بجذوةِ نارٍ ... قدحتها السقاةُ بالأقداحِ

стр. 74

كلّما حلّها أرتنا كيفَ مس ... رى السرورِ في الأرواحِ من يدي مخطف المعاطف مشوق ... التثني مجدول مجرى الوشاحِ وقال أحد الخالديين، وكان محيي الدين نظر إليه: غادني بالصبوح قبل الصباحِ ... واجرِ في حلبةِ الصبا والمراحِ عاطنيها كالجلّنار إذا ما ... كللت من حبابها بالأقاحِ في اختصاص التفّاح بالطيب والحم ... رةِ لا في كنافة التفاحِ غير نكران تستمدّ شعاع الشم ... س منها كواكب الأقداحِ ألفتها الأجسام بالطبع لمَّا ... عرفت قربها من الأرواحِ فتدارك بها حشاشة أفرا ... حي وحرّك بها سكون ارتياحي بين وردين من نبات وخدٍّ ... وشرابينِ من رضابٍ وراحِ فألذّ الحياة ما خلط العا ... قلُ فيها فسادهُ بصلاحِ وقال محيي الدين أيضاً: ما وجه عذرك والكؤوس تدارُ ... ضاقتْ بمن جهل الصبا الأعذارُ سفرتْ لك اللذات واتّسعت بها ... الأوقات واجتمعتْ بها الأوطارُ ساقٍ يسوقُ لك السرورَ ومطربٌ ... حسنُ الغناء وروضةٌ وعقارُ أوَ ما ترى وجه الربيعِ وقد بدا ... يختالُ في حبراتهِ آذارُ وقال الخالديان: قامرَ بالنفسِ في هوى قمرِ ... فباعَ وصلَ البدورِ بالبدرِ وافتضَّ أبكارَ لهوهِ طرباً ... إلى عشايا المدامِ والبكرِ قد ضُربتْ خيمةُ الغمام لنا ... ورشَّ جيشُ النسيمِ بالمطرِ وعندنا عاتقانِ حمراءَ كالشم ... سِ وأخرى بيضاءَ كالقمرِ بكرانِ هذي تُزانُ بالكبرِ ال ... بادي وهذي تزانُ بالصغرِ وقال المجد بن الظهير الحنفي الإربلي: ومدامةٍ مثل العقيق شربتها ... والنجم في كبد السماء معلقُ عاطيتها بدر الدجى والليل من ... وجه المدير ومن سناها يُشرقُ في روضةٍ حسنتْ وطابَ نسيمها ... فكأنَّ مسكاً في ثراها يعبقُ وقال أيضاً: فاشربْ على وجه الربيع مدامةً ... قد قلِّدتْ في كأسها بجواهرِ جُليتْ فنقَّطها المزاجُ بلؤلؤ ... متساقط من كأسهِ متناثرِ يُغنيكَ عن ضوء النهار شعاعُها ... كالشمس في فلك السرور الدائرِ وقال أيضاً: لله كم من ليلةٍ عاطيته ... كأساً لها من وجنتيه لهيبُ حمراء قابلها بوردةِ خدِّهِ ... فتشابه المشمومُ والمشروبُ ومثل هذا رباعي: قد طاف بها مزاجها تنسيم ... وسنان شعار طرفه التهويمُ ما قابلها بالورد من وجنته ... إلاّ اشتبه المشروب والمشمومُ وقال المجد أيضاً: يا مضيّعاً زمانه بالأماني ... قم بحقّ الربيع حقّ القيامِ واغتنمْ غفلةَ الحوادث واشربْ ... غير مستكبر لكوبٍ وجامِ من كميت راقت ورقَّت فما ... تدرك لطفاً بالفكر والأوهام أودعتها الدنان أيدي أناسٍ ... عتَّقوها من قبل سام وحامِ ثم أبقت منها السنون كما أب ... قى الهوى من حشاشةِ المستهامِ تورث الشرب نشطةً وفتوراً ... وافراً في نفوسهم والعظامِ ذات خدٍّ مصونة العرض خفّت ... في هواها رواجح الأحلامِ وقال أيضاً: طاف بدر الدجى بشمس النهار ... في رياض أنيقة الأزهارِ مشرقاتٍ يضمُّ شمل الأماني ... في رباها مفتّح النوّارِ وأتانا بها يقدّ أديم ال ... ليل منها صوارمُ الأنوارِ بنت كرمٍ حفّت بكاس زجاجٍ ... ثمَّ زفت بنعمة الأوتارِ سلكت مسلك الضمير صفاءً ... فغدونا نبوحُ بالأسرارِ جاء يسعى بها إلينا وقد خا ... طت يدُ النوم أعينَ السمّارِ وكأنَّ النجومَ نورُ رياض ... وكأنَّ المريخَ شعلةُ نارِ وغزال راضته لي سورة الكأ ... س وقد كان آنساً بالنفارِ مسكر باللحاظ تحسبُ في أج ... فانِ عينيه حانةَ الخمّارِ وقال أيضاً: مشمولةٌ خطأ المواصل ... شربها عين الصواب تبدو لنا في كأسها ... كالشمس في خلل السحاب فترى النهار بنورها ... والليل مسدول الحجاب كالماء تلمسها ولك ... ن فعلها فعل الحباب يضحي بها المقرور وهو ... كأنَّه في شهر آبِ البدر الدمشقي:

стр. 75

حمراءُ صافيةٌ كأنَّ حبابَها ... طلٌّ ترقرقَ في شقيق أحمرا راقت ورقت منظراً ولطافةً ... وشفَت وشفّت في الكؤوس فلن ترى خافت سيوف الماء فاتّخذت لها ... في الكأس من زرد الفواقع مِغفرا وقال أيضاً: فعاطني صهباء مشمولةً ... عذراء فالواشون نوّامُ واكتم أحاديث الهوى بيننا ... ففي خلال الرّوض نمّامُ وقلت من قصيدة في الصاحب الأعظم شمس الدين، عز نصره: ومدامٍ جلوتها بعد وهنٍ ... فأعادتْ جنحَ الظلام نهارا رقصت للدجى فكان حباب ال ... كأس من أنجم عليها نثارا وأشارت إلى الكؤوس فمالت ... وإلى ساقي المدامِ فجارا وأدار الكبير منها ونادى ... إنما يشرب الصغير الصغارا ونديم حلو الفكاهة معشوق ... المعاني يرضيك أنَّى أشارا ليس يعصيك ما أمرت ولا ... تلقاه يوماً في حالةٍ أمَّارا وصريع المدام ما دارتِ الكأ ... سُ عليه إلاّ تصابي ودارا جعل الشربَ والغناء شعارا ... ومديحي شمس الأنام شعارا وقلت من أخرى في الصاحب الأعظم: طاف بدر الدجى بشمس المدامِ ... بنت دنّ يفتضها ابن الغمامِ قهوة تجلب السرور وتجلو ... بسناها المنير صبغَ الظلامِ كلَّما شجّها المزاجُ أرتنا ... كيفَ مجرى الأرواحِ في الأجسامِ من يدي فاتن اللواحظ معشو ... ق التثني رشيق معنى القوامِ مثل بدر السماء لو كان للبد ... رِ عذارٌ يقيم عذر الغرامِ ثغره لا عدمتُ رشف ثنايا ... هـ وشعري كالدرّ عند النظامِ في رياض يبوح فيها نسيم ال ... ريحِ أنَّى سرى بسرِّ الخزامِ وكأنَّ الشقيقَ فيها خدود ... ضرّجتها قساوةُ اللوامِ وتخالُ الأغصانَ هيفَ قدودٍ ... راقصاتٍ على غناءِ الحمامِ ونديم مهذب الرأي مأمون ... السجايا يُصيبُ حرَّ لكلامِ همّه والهوى هوانٌ كما قا ... ل الأولى في غلامةٍ أو غلامِ ويحث المدام فهو صريع ... بين كأسٍ ملأى وطاسٍ وجامِ وقال البهاء زهير المصري: خذ فارغاً وهاتهِ ملآنا ... من قهوةٍ قد عُتِّقت أزمانا أقلّ ما عدّ لها مالكُها ... أنْ لحقتْ ملكَ أنوشروانا ذخيرة الراهب كي يجعلها ... إذا أتتْ أعيادهُ قربانا مدامةٌ ما ذُكرت أوصافها ... إلاّ انثنى سامعُها سكرانا تكاد من لألائها إذا بدتْ ... تُهدي إلى مكانها العميانا كالنار إلاّ أنَّها ما وقدتْ ... في الكأس إلاّ أطفأت نيرانا ما الملك الأعظم في سلطانه ... إلاّ الذي أضحى بها نشوانا كم رفعت متّضعاً وكرمت ... مبخّلاً وشجَّعت جبانا بتُّ أعاطيها فتاة جمعت ... لعاشقيها الحسن والإحسانا مخضوبة البنان في يمينها ... كأس مدام تخضب البنانا ولي نديم ماجد لا أرتضي ... عنه بديلاً كائناً من كانا أخو فكاهات متى حاضرته ... في مجلس وجدته بستانا حلو الأحاديث وإن غنَّاك لم ... تجدهُ في ألحانهِ لحَّانا لا يعرف الهمّ فتًى يعرفه ... ولا يرى ندمانهُ ندمانا ومن شعر الفلاسفة: شربنا على الصوتِ القديمِ مدامة ... لكلّ قديمٍ أوّل هي أولُ فلو لم تكن في حيّزٍ قلتُ إنَّها ... هي العلَّة الأولى التي لا تعللُ آخر وأحسن: وربَّ ليلٍ شربت فيه ... وما استفزَّني العقارُ أجهل فيها مع الغواني ... والجهل في مثلها وقارُ وقال آخر: ما العيش إلاّ في زمان الصبا ... فإن تولَّى فزمان المدام كأس إذا ما الشيخ والى بها ... خمساً تردى برداء الغلام وقد رأيت أن أقتصر على هذا المقدار من وصف الشراب وما قيل فيه فقد ذكرت ما يقتضيه الحال، ويستحقه هذا المختصر. وها أنا أذكر ما قيل في تركه ومراعاة العقل وحراسته من عادتيه حسبما يوصيه شرطي الاختصار وبالله أستعين وعليه أتوكل. قال الحيص بيص وهذا معنى ما أظنه سُبق إليه: لا تضع من شريف قوم وإنْ كن ... ت مشاراً إليه بالتعظيمِ فالشريفُ العظيمُ يصغرُ قدراً ... بالتعدي على الشريفِ العظيمِ
следующие страницы →