← Акыда

Акыда · id 7251

منهج الشيخ محمد رشيد رضا في العقيدة

تامر محمد محمود متولي

Полный текст (934 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

ولقد قرر الشيخ رشيد ﵀ هذين الشرطين، فقال عن الشرط الأول وهو الإخلاص: " ... العبادة الصحيحة لله تعالى لا تتحقق إلا إذا خلصت له وحده فلم تشبها شائبة ما من التوجه إلى غيره كما قال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ ١ وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ ٢ والآيات في هذا المعنى كثيرة ... ومتى انتفى الإخلاص انتفت العبادة، ولذلك قال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ، أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ ٣ الآية ... ويدل عليها أيضا قوله ﷺ : "قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه - وفي رواية - فأنا منه بريء، هو للذي عمل له ... " ٤. وهذا الذي ذهب إليه الشيخ مستدلاً بالكتاب والسنة هو الحق، فكل عمل من الأعمال وطاعة من الطاعات إذا لم تصدر عن إخلاص نية وحسن طوية لا اعتداد بها ولا التفات إليها. الشرط الثاني لصحة العبادة: المتابعة للرسول ﷺ . وفي هذا الشرط يقول الشيخ رشيد: "اعلم أيها الأخ المستفهم أن أصول دين الله تعالى وفروعه مبنية على أساسين: أحدهما: أن لا يعبد إلا الله تعالى. وثانيهما: ألا يعبد إلا بما شرع ... فعبادات الدين لا تثبت إلا بنص من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ وليس لأحد أن يزيد فيها برأيه شيئاً فإن الله تعالى قد أكمل دينه على لسان رسوله بنص الآية المشهورة٥ ... "٦.

стр. 457

وعند قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١ قال الشيخ: "قوله هنا ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ أعم من قوله في الآية التي قبلها ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ ٢ فتلك في اتباع القرآن خاصة وهذه تشمل اتباعه ﷺ فيما شرعه من الأحكام من تلقاء نفسه، على القول بأن الله تعالى أعطاه ذلك وأذن له به، واتباعه في اجتهاده واستنباطه من القرآن إذا كان تشريعاً ... "٣. وهذا الذي ذهب إليه الشيخ رشيد هنا أيضا هو الصواب، فيجب أن تكون العبادة موافقة لسنة النبي ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٤ وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ٥.

стр. 458

المطلب الثالث: بعض أنواع العبادة التي ذكرها رشيد رضا لقد سبق أن ذكرت تعريف الشيخ رشيد للعبادة، حقيقتها، وصورها، وذكرت أن له مفهومين للعبادة، أحدهما أوسع من الآخر. وهنا أود أن أقف عند بعض العبادات التي تكلم عنها الشيخ رشيد –﵀ وأبين منهجه فيها، فمنها:

стр. 459

أولاً: الدعاء: يقرر الشيخ رشيد أن الدعاء صورة من صور العبادة١، بل هو أعظم مظاهر العبادة٢، وهو العبادة الفطرية الوحيدة، وما سواه فعبادات تشريعية وضعية٣. لقد عرف الشيخ رشيد الدعاء لغة فقال: "وأصل الدعاء: النداء والطلب مطلقا أو مع ملاحظة استعلاء المنادى المطلوب منه ... "٤. ولكن ليس كل نداء وطلب عبادة، إلا "إذا لوحظ معه تعظيم المدعو واعتقاد أن له سلطة غيبية وراء الأسباب الظاهرة أو طلب منه ما لا ينال بالكسب، سواء كان اعتقاد السلطة له لذاته أو لأنه واسطة بين الداعي وبين الله تعالى يقربه إليه زلفى. ولا يخرجه عن معنى العبادة تسميته باسم آخر كالتوسل والاستشفاع ... فالعبرة بالحقائق لا بالأسماء ... " كما يقول الشيخ رشيد –﵀-٥. ويستدل الشيخ رشيد على كون الدعاء عبادة بالكتاب والسنة، فيقول: "وقد ذكر الدعاء في القرآن أكثر من سبعين مرة، بل زهاء سبعين مرة بعد سبعين مرة ... "٦. وهذه الآيات الكثيرة جاءت على صور مختلفة يبينها الشيخ بقوله: "بعض آيات الدعاء أمر بدعائه تعالى وحده٧، وبعضها نهي عن دعاء غيره مطلقاً٨، ومنها حجج على بطلان الشرك أو على إثبات التوحيد٩، ومنها أمثال تصور

стр. 460

كلا منها بالصور اللائقة المؤثرة١، ومنها إخبار بأن دعاء غيره لا ينفع ولا يستجاب٢، وأن كل ما يدعى من دونه تعالى فهو عبد له٣، وأن أفضلهم وخيارهم كالملائكة والأنبياء يدعونه هو ويبتغون الوسيلة إليه٤ ... "٥. كما أن الشيخ يستدل بالسنة كذلك فيورد بعض الأحاديث التي تدل على أن الدعاء عبادة. فيقول: و"الدعاء هو العبادة" كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم٦.... والمعنى أنه الركن الأعظم في العبادة على نحو "الحج عرفة" ٧ وفي معنى هذا التفسير حديث أنس عند الترمذي مرفوعاً "الدعاء مخ العبادة" ٨ وإسناده ضعيف يقويه تفسير للصحيح، وقد يفسرونه بالعبادة في جملتها دون أفرادها ... "٩. أنواع الدعاء: يقسم الشيخ رشيد الدعاء إلى قسمين: اضطراري واختياري. فالاضطراري هو ما يكون من الإنسان حال الضرورة وشدة الفزع واشتداد

стр. 461

البأس والإشراف على البأس، ويعتبر الشيخ رشيد أن هذا النوع هو مقياس ومعيار الإيمان والاعتقاد بالإله. فيقول: "وهذا الفرع من الدعاء هو ميزان الإيمان ومعيار التوحيد الخالص، ... وإنما كان الدعاء في حالة الاضطرار معياراً للإيمان لأن من يعتقد بقوة غيبية وراء الأسباب لغير الله تعالى فهو يلجأ إليها في تلك الحالة بطبعه وينطق لسانه بدعاء صاحبها وندائه، ولا توجد إمارة على الشرك أظهر من هذه الإمارة ... "١. ومن هذا يتبين أن شرك المتأخرين أغلظ من شرك الأولين، لأن الأولين كانوا إذا مسهم الضر والخوف دعوا الله تعالى مخلصين له الدين، وإذا نجاهم إلى البر عادوا إلى شركهم. فهم لا يشركون في حالة البأس، وإنما يشركون حال الرخاء. أما المتأخرون فإنهم يدعون الأموات حال البأس وحال الرخاء جميعاً٢. وأما القسم الثاني من الدعاء فهو الاختياري، فيقول عنه الشيخ رشيد: " ... فإنه من الأعمال التي تزيد في الإيمان وتمده وتدعمه كسائر العبادات المطلوبة في الدين ... "٣. وهذا النوع من الدعاء هو الذي يسميه السلف دعاء العبادة٤. الشرك في الدعاء: ويقرر الشيخ رشيد أن دعاء غير الله تعالى شرك، وأن المدعو بهذا الدعاء قد اتخذ إلهاً من دون الله. فيقول: "وشر أنواع الاعتداء في الدعاء التوجه فيه إلى غير الله ولو

стр. 462

ليشفع عنده، لأن الحنيف من يدعو الله تعالى وحده، فلا يدعو معه غيره، كما قال: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ١ أي لا ملكاً ولا نبياً ولا ولياً ... ومن دعا غير الله فيما يعجز هو وأمثاله عنه من طريق الأسباب كالشفاء من المرض بغير التداوي وتسخير قلوب الأعداء والإنقاذ من النار ودخول الجنة وما أشبه ذلك من المنافع ودفع المضار، فقد اتخذه إلهاً لأن الإله هو المعبود، والدعاء هو العبادة ... "٢. ويقول: "وكل من يدعى مثل هذا الدعاء فقد اتخذ معبوداً وإلهاً ... "٣. ومن هذا الشرك ما نراه كثيرا من دعاء الأموات والمقبورين، زطلب الحاجات منهم، مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، ولا ريب أن ذلك شرك صريح، يقول الشيخ رشيد مبينا هذه البلوى: " ... وهل يكابر أحد في دعاء الألوف والملايين من عامتنا للموتى من الصالحين، إلا إذا كان لا يخجل من إنكار المحسوسات، ألا إنهم لا ينكرونه ولكنهم يؤولونه لهم بأنهم لا يقصدون به العبادة وإنما يقصدون التوسل!! ألفلظ يلوكونها ولا يفهمونها. الرسول ﷺ يقول: "الدعاء هو العبادة" ٤ أي هو الفرد الأعظم من أفرادها والركن ال: مل من أركانها، كقوله: "الحج عرفة" ٥ فتجويز دعاء غير الله كتجويز الصلاة لغير الله بدعوى عدم قصد العبادة وتسميتها توسلاً أو ما يشاء أهل التأويل من الأسماء ... "٦ ولا ريب أن هذا الذي ذهب إليه الشيخ رشيد رأي سديد لا يخالفه فيه أحد من أهل السنة٧.

стр. 463

ثانياً: التوكل: التوكل عمل كمن أعمال القلب، ليس بقول لسان ولا عمل جوارح. وورد في تعريفه أقوال متعددة١. والحق: أن التوكل حال مركبة من مجموع أمور لا تتم حقيقة التوكل إلا بها. وأول درجاته: معرفة الرب بصفاته. فمن كان بالله وصفاته أعلم كان توكله أصح وأقوى٢. والتوكل من خصائص الإلهية، فمن توكل على غير الله فقد شبه هذا المتوكل عليه بالله تبارك وتعالى٣. وقد فرض الله هذه العبادة على عباده فقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ٤ وقال: ﴿عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٥ وقال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ....﴾ ٦. وقد تناول الشيخ رشيد هذه العبارة في تفسيره وبين علاقة التوكل بالأسباب، وبين أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل. فعند قوله تعالى: ﴿عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٧ وقال: "وعلى الله فليتوكل المؤمنون، ولا يتوكلوا على غيره، لأن النصر بيده وهو الموفق لأسبابه ... "٨ وقال مبينا أن التوكل عمل قلبي: " ... فالتوكل محله القلب"٩.

стр. 464

وعند قوله تعالى: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ ١ قال: "أي إليه وحده وكلنا أمرنا مع قيامنا بكل ما أوجبه علينا ... وذلك أن من أصول المعرفة بالله التي يعرفها جميع رسله أن من توكل على الله كفاه ﴿مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٢ ... "٣. والأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل، كما يظهر - بادئ الرأي - بل إن التوكل من أقوى الأسباب لحصول المتوكل فيه، كالدعاء الذي جعله الله سبباً في حصول المدعو به٤. فيربط الشيخ رشيد بين التوكل والأخذ بالأسباب، ولا يرى تعارضا بين الأمرين لأنه كما يقول: "فالتوكل محله القلب، والعمل بالأسباب محله الأعضاء والجوارح ... "٥. ويقول الشيخ رشيد: " ... وإن من شروط التوكل الصحيح في الأمر القيام بكل ما أوجبه الله تعالى فيه من الأحكام الشرعية ومراعاة ما اقتضته حكمته فيه من الأسباب والسنن الكونية والاجتماعية. فمن يترك العمل بالأسباب فهو جاهل مغرور، لا متوكل منصور ولا مأجور ... "٦. والأخذ بالأسباب هو هدي القرآن وسنة الأنبياء. وهذا ما يبينه الشيخ رشيد مستدلاً بآيات منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ ٧. وقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ ٨. وقوله: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ٩. وقوله: ﴿يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ

стр. 465

وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ١. قال الشيخ رشيد: "فأمرهم بالحذر مع التنبيه على أنه متوكل على الله والتذكير بوجوب التوكل عليه، فجمع بين الواجبين، وبين أنه لا ينافي بينهما ... "٢. ويستدل الشيخ رشيد أيضا بالسنة على وجوب التوكل، وعلى عدم منافاته للأسباب. فيقول: "وأما الأحاديث الشريفة فأصح ما ورد في التوكل منها حديث الذين يدخلون الجنة بغير حساب ... وقد روي بعدة ألفاظ منها "يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب، هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون" ٣ ... وأنت ترى أنه قرن التوكل بترك الأعمال الوهمية دون غيرهما ... ويلي هذا الحديث حديث "لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير: تغدو خماصاً وتروح بطاناً" ٤ ... وقد استدل به على أن التوكل يكون مع السعي لأنه ذكر أن الطير تذهب صباحا في طلب الرزق وهي خماص البطون لفراغها وترجع ممتلئة البطون، ولم يقل أنها تمكث في أعشاشها وأوكارها فيهبط عليها الرزق من غير أن تسعى إليه ... وفي الباب حديث الرجل الذي جاء النبي ﷺ وأراد أن يترك ناقته، وفي رواية أنه قال: أأعقلها وأتوكل؟ أم أطلقها وأتوكل؟ فقال النبي ﷺ : "اعقلها وتوكل" ٥ ... "٦.

стр. 466

وثمرة التوكل على الله تعالى هي الرضا وهي أعظم فوائده، فمن توكل على الله قبل الفعل ورضي بالمقضي بعده فقد قام بالعبودية١. ثالثاً: الحب: حب الله تعالى هو حقيقة "لا إله إلا الله"٢، ومن محاسن دين الإسلام - أن حب الله تعالى فيه عبادة، يتقرب بها إليه قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ ٣. فأثبتت هذه الآية حب المؤمنين لربهم، وأن من أحب شيئاً من دون الله كما يحب الله تعالى، فهو ممن اتخذ من دون الله أنداداً في المحبة يحبهم كحبه تعالى٤. ولقد بسط الشيخ رشيد القول في المحبة عند تفسير هذه الآية. فبين أن للمحبة أسباب منها: اعتقاد المحب في المحبوب صفات عالية تجذبه إليه، فيحب المؤمنون ربهم لما فيه من صفات الكمال والجلال والجمال كالقوة والقدرة والرحمة الشاملة. يقول: الشيخ رشيد: " ... فذلك مما يجعل حبه تعالى أعلى من كل ما يحب للرجاء فيه وانتظار الاستفادة منه ولغير ذلك"٥. ويبين أن هذا الحب لا ينبغي إلا لله تعالى، فلا يلجأ إلا إليه فيقول: "ولكن متخذي الأنداد قد أشركوا أندادهم معه في هذا الحب، فحبهم إياهم من نوع حبهم إياه جل ثناؤه.."٦.

стр. 467

ويبين الشيخ الفرق بين حب المؤمنين لله تعالى وحب المشركين لأندادهم، فحب المؤمنين ثابت كامل لأنه متعلقة هو الكمال المطلق، وأما حب المشركين فموزع مزعزع لا ثبات ولا استقرار. ،أيضا فإن المؤمن الموحد محبوبا واحدا فقلبه مجتمع عليه، وشمله مؤتلف على هذا المحبوب المتصف بصفات الكمال والجلال، وأما المشرك – فيقول الشيخ رشيد عنه: "وللمشرك أنداد متعددون وأرباب متفرقون إذا حزبه أمر أو نزل به ضر لجأ إلى بشر أو صخر، أو توسل بحيوان أو قبر، أو استشفع بزيد أو عمرو، ولا يدري أيهم يسمع ويسمع ويشفع فيشفع، فهو دائما مبلل البال، لا يستقر من القلق على حال ... "١. ويشهد لهذا الكلام قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢. أي مثل المشرك حسبما يقود إليه مذهبه من ادعاء لمعبوديه عبوديته عبدا يتشارك فيه جماعة يتجاذبونه ويعاورونه في تحييره وتوزع قلبه بينهم، أما الموحد فهو الخالص لمعبوده فقلبه مجتمع عليه"٣. ومن أسباب المحبة التي يشير إليها الشيخ رشيد: الإحسان السابق، وأكبر نعمة وأعظم إحسان منّ الله به على الإنسان هي نعمة الدين، والوحي الهادي لأقوم طريق، يقول الشيخ رشيد: "فيجب أن يحب صاحب هذا الإحسان حبا لا يشرك به معه أحد ... "٤. والمؤمنون يخصون الله تعالى بهذا الحب أيضا، بينما يشرك به المشركون أندادهم فيه، كما أشركوا به في الحب الذي سببه الإحسان

стр. 468

اللاحق١. وهذا الذي ذهب إليه الشيخ رشيد هو المذهب الحق وعليه أهللعبادة محبة الله، بل إفراده تعالى بالمحبة، فلا يحب معه سواه وإنما يحب ما يحبه لأجله وفيه.."٢. رابعا: الذبح: الذبح لله تعالى عبادة، وهو من خصائص الإلهية، فمن ذبح لغير الله تعالى فقد شبهه به وأشرك معه غيره في عبادته٣. ولقد دلت على ذلك نصوص كثيرة منها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤، فهذه الآية تعبد الله تعالى عباده بأن يتقربوا إليه بالنسك، كما تعبدهم بالصلاة وغيرها من أنواع العبادات فإذا تقربوا إلى غير الله بالذبح أو غيره من أنواع العبادة فقد جعلوا لله شريكاً في عبادته ولذلك قال: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ ٥. يقول الشيخ رشيد عند تفسيره لهذه الآية: "والعبادات إنما تمتاز على العادات بالتوجه فيها إلى المعبود تقرباً إليه وتعظيماً له وطلبا لمثوبته ومرضاته، وكل من يتوجه إليه المصلي أو الذابح بذلك ويقصد به تعظيمه فهو معبود له ... "٦. ويقول مبينا كيفية تسرب الشرك في هذه العبادة، إلى أهل الكتاب والمسلمين: "وقد كانت الذبائح عند الوثنيين من العبادات يقربونها لآلهتهم ويهلون بها، ثم سرى ذلك إلى بعض أهل الكتاب فخرجوا

стр. 469

بقرابينهم مما شرعت له من كفارة يتقرب بها إلى الله وحده فصاروا يهلون بها للأنبياء والصالحين وينذرونها لأولئك القديسين، وذلك كله من عبادة الشرك فمن فعلها من المسلمون١ فله حكم من فعلها من أولئك المشركين"٢. وعند قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ ٣، قال: "وهو ما يذبح ويقدم للأصنام أو غيرها مما يعبد والمنع من هذا ديني محض لحماية التوحيد لأنه من أعمال الوثنية، فكل من أهل لغير الله على ذبيحة فإنه يتقرب إلى من أهل باسمه تقرب عبادة، وذلك من الإشراك ... "٤. وقد يتوهم البعض أن النهي عن الذبح لتعظيم معاهد الجاهلية لا يقتضي التحريم للذبح تعظيما لأولياء المسلمين. وجواب هذه الشبهة من وجوه: أحدها: أن ما كان يذبح في الجاهلية أنواع: منها ما يذبح عند الأصنام، ومنها ما يذبح عند النصب، وهي حجارة مجتمعة ليس لها صورة، ومنها ما يذبح بعيداً عنها. يقول الشيخ رشيد في ذلك: "فعلم من هذه النصوص أن ما ذبح على النصب هو من جنس ما أهل به لغير الله من حيث أنه يذبح بقصد العبادة لغير الله.. خص ما ذبح على النصب بالذكر لإزالة وهم من توهم أنه قد يحل بقصد تعظيم بيت الحرام إذا لم يذكر اسم الله عليه، وحسبك أنه من خرافات الجاهلية التي جاء الإسلام بمحوها ... "٥. وبين الشيخ رشيد وجها آخر يرد به على هذه الشبهة فيقول: "الفقهاء أجمعوا على أنه لا يجوز الذبح لغير الله كالأنبياء والكعبة ... ثانياً: أن حكمة ذلك تطهير القلوب من التوجه إلى غير الله تعالى ... "٦. يعني

стр. 470

وذلك موجود في الذبح للأولياء وغيرهم، وهو ينافي هذه الحكمة وهذا الإجماع. ويستدل الشيخ رشيد رحمه الله تعالى بالأحاديث النبوية على ذلك فمنها حديث "لعن الله من ذبح لغير الله" ١، وحديث ثابت بن الضحاك ﵁ أن رجلاً جاء للنبي ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة، فقال: "كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، قال: أوفِ بنذرك فإن لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم" ٢. وفي هذا الحديث زيادة هي بيان عدم مشروعية الذبح في مكان كان يذبح فيه لغير الله تعالى سداً لذريعة الشرك٣. ويعد الشيخ رشيد الذبح باسم الرسول أو الولي داخلا في هذا الشرك فيقول: " ... وقع كثير من المسلمين فيما كان عليه أولئك الضالون من مشركي العرب وغيرهم حتى الذبح لبعض الصالحين، وتسييب السوائب لهم كعجل البدوي المشهور أمره في أرياف مصر ... "٤. ويقول أيضا: "وعد منه الأستاذ الإمام ما يجري في الأرياف كثيرا من قولهم عنه الذبح –لا سيما النذور- باسم الله، الله أكبر ياسيد، يدعون السيد البدوي أن يلتفت إليهم ويتقبل النذر ويقضي حاجة صاحبه ... ومثل ذلك السيد ذكر الرسول أو المسيح إذا لا يجوز أن يذكر عند الذبح غير اسم المنعم بالبهيمة المبيح لها، فهي تذبح وتؤكل باسمه لا يشاركه في ذلك سواه، ولا يتقرب بها إلى من عداه ... "٥.

стр. 471

وقد قرن الله تعالى ذكر الصلاة والأمر بها والإخلاص فيها بذكر النسك وهو الذبح واقتصر على ذلك في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي ... ﴾ ١ وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ٢، وجمع بينهما واقتصر عليه والسبب في ذلك –كما يقول الشيخ رشيد-: "هو كونها أعظم مظاهر العبادة التي فشا فيها الشرك فأما الصلاة فروحها الدعاء والتعظيم توجه القلب إلى المعبود، والخوف منه والرجاء فيه؟، وكل ذلك مما يقع فيه الشرك ممن يغلون في تعظيم الصالحين وما يذكر بهم كقبورهم أو صورهم وتماثيلهم وأما الحج والذبائح فالشرك فيهما أظهر ... إن كون الصلاة والنسك لا يكونان في الدين الحق إلا خالصين لله وحده أمر ظاهر يعد من ضروريات الدين ... "٣. وأما أحسن ما قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله تعالى فلا ريب أن الصلاة والذبح لا يكونان في الدين الحق –إلا لله وحده- فلا جرم أن يكون إخلاصهما توحيدا والشرك فيهما هو الشرك. خامسا: التوسل. معنى الوسيلة: تدل الواو السين واللام على الرغبة والطلب٤ والحاجة٥ قال عنترة: إن الرجال لهم إليك وسيلة، أي: حاجة٦. وقال لبيد: بلى كل ذي دين إلى الله واسل٧، أي: راغب.

стр. 472

وتوسل إليه بوسيلة: إذا تقرب إليه بعمل. وتوسّل إليه بكذا: تقرب إليه بحرمة آصرةٍ تعطفه عليه ١، والجمع: وسائل. قال: إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل ٢ والوسيلة: ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به ٣. فعيلة من الوسل ٤. وقد ورد هذا اللفظ: "الوسيلة" في القرآن الكريم في آيتين منه: الأولى: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ٥ ومعنى الآية: اطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه ٦. الثانية: قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ... ﴾ ٧. والمعنى: يبتغي أيهم هو أقرب الوسيلة إلى الله، أي: يتقرب إليه بالعمل الصالح ٨. فالوسيلة التي أمر الله المؤمنين بابتغائها وأخبر عن ملائكته وأنبيائه أنهم يبتغونها هي ما يتقرب به إليه من العبادات، واجبات أو مستحبات ٩.

стр. 473

وكان الصحابة ﵃ يستخدمون هذا اللفظ بهذا المعنى، كما في قول حذيفة يصف ابن مسعود ﵄: أنه أرقب إلى الله عزوجل وسيلة ١. وفي رواية زلفى ٢، وهما بمعنى واحد. فالوسيلة إذن هي ما يتقرب به إلى الله تعالى من أنواع العبادات المشروعة، الواجبات والمستحبات، وهذا هو ما دل عليه الكتاب وهو المعروف من لغة العرب ولغة أصحاب النبي ﷺ . ولكن لقد وقع غلط وتعبير في هذا الاستعمال واصطلح فيه على معنى جديد لم يكن معروفاً عند العرب لا قبل الإسلام ولا بعده. فلقد اختصر هذا المعنى الذي دل عليه الكتاب واصطلح على أن يكون بمعنى التوسل بذات النبي ﷺ والقسم به علىالله تعالى، وبغيره من الأنبياء والصالحين ومن يعتقدون فيهم الصلاح، من الأحياء وحتى من الموتى ٣. وهذا المعنى الجديد لم يكن معروفاً عند الصحابة ﵃ وإنما كانوا يفهمون من التوسل بالنبي ﷺ التوسل بدعائه وشفاعته ٤. فقد وقع في هذا اللفظ "التوسل" و "الوسيلة" إجمال واشتباه، نتيجة لهذا الاصطلاح الجديد، ووقع اشتراك في معناه بين ما كانت تفعله الصحابة وتفهمه، وبين ما لم يكونوا يفهمونه منه، ولا يفعلونه من هذا الاصطلاح الحادث ٥. وبناءً على ذلك قسم التوسل إلى مشروع، وهو ما دل عليه الكتاب والسنة من الأعمال التي يتوسل بها إلى الله تعالى، وممنوع وهو ما يأذن به الله ولا رسوله مما ابتدع ولم يرد فيه نص. فالتوسل يراد به معنيان صحيحان باتفاق المسلمين ومعنى ثالث لم ترد

стр. 474

به السنة: الأول: هو أصل الإيمان والإسلام وهو التوسل بالإيمان به ﷺ وبطاعته. وهو أصل الدين. والثاني: دعاؤه وشفاعته كما في قول عمر ﵁: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ١ أي بدعائه وشفاعته ٢. وأما القسم الثالث: وهو الممنوع، وهو الإقسام على الله تعالى بالأنبياء والصالحين أو السؤال بأنفسهم وذواتهم، فلا يدل عليه دليل من الكتاب ولا من السنة. فالقسم على الله تعالى بالمخلوق غير جائز ٣. والسؤال من غير قسم ترده أدلة الكتاب والسنة ٤. تعريف الشيخ رشيد للوسيلة لغة وشرعاً: ولقد عُني الشيخ محمد رشيد رحمه الله تعالى بمسألة التوسل ـ كل العناية ـ وبين وفصّل معانيها المشروعة والممنوعة، وأجاب على شبهات المتوسلين التي تمسكوا بها واستدلوا بمعناها على توسلهم المصطلح عليه. فعرف الشيخ رشيد الوسيلة في اللغة مستنداً لأقوال أهلها ومحتجاً بشواهد من شعر العرب، وكلام السلف. فعند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ ٥ قال الشيخ رشيد: "والوسيلة إليه هي ما يتوسل به إليه، أي ما يرجى أن يتوصل به إلى مرضاته والقرب منه واستحقاق المثوبة في دار كرامته. ولا يعرف ذلك على الوجه الصحيح إلا بتعريفه تعالى، وقد تفضل علينا بهذا التعريف بوحيه إلى رسوله ﷺ ... " ٦.. ونقل المعنى اللغوي

стр. 475

عن المفردات ولسان العرب، بنحو ما نقلت في أول المبحث، وذكر المعاني التي أوردوها ومنها القربة والمنزلة عند الملك والحاجة وأورد ما استدلوا به من الشعر. ثم قال: "وإنما يؤخذ عن أهل اللغة أصل المعنى ويرجح به بعض التفسير بالمأثور على بعض" ١. وذكر الشيخ معنى آخر للوسيلة، الوارد في حديث الأذان من قوله ﷺ : "فمن سأل الوسيلة حلت عليه الشفاعة" ٢ وقال: "وتفسير النبي ﷺ للوسيلة يؤيده قول نقلة اللغة. أن من معانيها المنزلة عند الملك. فيظهر أن هذه الوسيلة الخاصة هي أعلى منازل الجنة ... " ٣. ثم بين الفرق بين معنى الوسيلة في القرآن ومعناها في السنة فقال: "فالوسيلة في الحديث اسم لمنزلة في الجنة معينة وفي القرآن اسم لكل ما يتوصل به إلى مرضاة الله من لعم وعمل" ٤. وربط الشيخ رشيد المعاني التي أوردها علماء اللغة بالمعاني الشرعية التي رويت عن السلف. وبين أنه لا تعارض بين الروايات المروية عن السلف في هذا. فقال معلقاً على قول الشاعر: إن الرجال لهم إليه وسيلة ـ السابق ـ: " واستدل بالبيت على تفسير الوسيلة بالقربة وإرادة القربة من البيت أظهر من إرادة الحاجة. على أنه لا ينافيه، كما لا ينافيه تفسيرها بالمحبة، فإن طلب الحاجة من الله ومحبة الله مما يتقرب به إليه. وتفسير الوسيلة بما فسرناها به أعم وهو المطابق للغة ... " ٥. الانحراف في معنى الوسيلة والتوسل: وبعد ما بين الشيخ رشيد المعنى الصحيح للوسيلة لغة وشرعاً أشار

стр. 476

إلى أنه قد وقع في تفسير هذا المعنى بدءاً من القرون الوسطى ـ وإن لم يحدد لنا متى حدث ذلك بالتحديد ـ إلا أنه قال: " ... وقد حدث في القرون الوسطى التوسل بأشخاص الأنبياء والصالحين المتقين، أي: تسميتهم وسائل إلى الله تعالى، والإقسام على الله بهم، وطلب الحاجات ودفع الضر وجلب النفع منهم عند قبورهم أو في حال البعد عنها. وشاع وكثر حتى صار كثير من الناس يدعون أصحاب القبور في حاجاتهم مع الله تعالى أو يدعونهم من دون الله تعالى والدعاء هو العبادة ... " ١. ويعتبر الشيخ رشيد هذا المعنى إلحاد في أسماء الله تعالى من جهة المعنى، إذ أن الوسيلة هنا ـ في هذا الاصطلاح ـ بمعنى الإله؛ إذ معناه المعبود، أو بمعنى الرب المدبر للأمر، ويقول: فهذا إلحاد في معاني أسماء الله تعالى لا في ألفاظها ... " ٢. ويبين الشيخ أيضاً انحراف العامة في معنى التوسل فيقول: " ... المعروف عند عامة أهل عصرنا من معنى التوسل أن يعتمد المرء في قضاء حاجاته من جلب نفع أو دفع ضر أو نجاة في الآخرة من عذاب الله أو فوز بنعيم على أشخاص الأنبياء والصالحين، وسؤالهم ذلك أو سؤال الله تعالى بأشخاصهم أن يعطيه إياه دون العمل بما جاء به الرسل عن الله من علم اعتقادي وعمل صالح ... وهذا التوسل مخالف لأصول الإسلام وهداية القرآن، وجارٍ على قواعد الوثنية ... " ٣. ثانياً: في بيان الشيخ رشيد للتوسل المشروع: ويبين الشيخ رشيد التوسل المشروع بقوله: "وإنما التوسل الصحيح هو التقرب إلى الله تعالى بما شرعه من العلم والعمل الصالح، والتوسل بالصالحين من سلف الأمة باتباع طريقتهم في الورع والتقوى، وتحري العمل

стр. 477

بالكتاب والسنة ... " ١. ويقول في موضع آخر: "وجملة القول أن التوسل هو التقرب، وإنما يتقرب إلى الله بما شرعه على ألسنة رسله لا بأشخاصهم، وباتباع الصالحين في ذلك لا بذواتهم، وأن غير ذل غير مشروع ومنه ما هو شرك بالله كدعاء غيره بما لا يدعى به غيره ... ومنه ما هو ذريعة للشرك، ومنه ما هو معصية ... " ٢. ويعتمد الشيخ رشيد على شيخ الإسلام ابن تيمية في بيانه المعاني المرادة بلفظ التوسل، وما هو صحيح منها وما هو باطل، فينقل عن قاعدة جليلة ـ والذي طبعه الشيخ مرتين ٣ ـ نقلاً طويلاً أقتصر منه على قوله: "فلفظ التوسل يراد به ثلاثة معانٍ: أحدها: التوسل بطاعته فهذا فرض لا يتم الإيمان إلا به. والثاني: التوسل بدعائه وشفاعته، وهذا كان في حياتهن ويكون يوم القيامة يتوسلون بشفاعته. والثالث: التوسل به بمعنى الإقسام على الله بذاته، فهذا هو الذي لم تكن الصحابة يفعلونه في الاستسقاء ونحوه ولا في حياته ولا بعد مماته؛ لا عند قبره ولا عند غير قبره، ولا يعرف هذا في شيء من الأدعية المشهورة بينهم. وإنما ينقل شيء من ذلك في أحاديث ضعيفة مرفوعة وموقوفة أو عن من ليس قوله حجة ... " ٤. وننتقل من قول شيخ الإسلام في أدلة وشبهات المجوزين للتوسل الممنوع، إلى عرض الشيخ رشيد لهذه الشبهات وجوابه عليها.

стр. 478

ثالثاً: حجج المتوسلين: اعتمد أهل التوسل الممنوع على شبهات وروايات إما صحيحة لا تدل على ما ذهبوا إليه، أو تدل عليه ولكنها ضعيفة لا تقوم بها حجة. ومن هذه الأحاديث: حديث عثمان بن حنيف؛ "أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ ، فقال: ادع الله أن يعافيني. قال: "إن شئت دعوت لك وإن شئت صبرت فهو خير لك" فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين، ن ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، فتقضى لي، اللهم فشفعه فيّ وشفعني فيه. قال: ففعل الرجل، فبرأ" ١. فاستدلوا به على التوسل بالذوات ٢. وقد أجاب الشيخ رشيد عن هذا الاستدلال بعد أن ذكر مخرجيه، فقال: " ... والتحقيق أن هذا توسل بدعائه ﷺ لا بشخصه ولا يتأتى مثله لأحد بعد وفاته، فغير مشروع أن يطلب منه ﷺ بعد وفاته دعاء لم يصح عند أحد من الصحابة ذلك، بل صح في حديث توسلهم بالعباس في الاستسقاء ما يدل على امتناع التوسل بمثل ذلك بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه، إذ قال عمر: اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ٣ ... ولو كان التوسل بشخصه ﷺ أو بدعائه بعد موته مشروعاً معروفاً عندهم لما عدلوا عن الاستسقاء به ﷺ إلى الاستسقاء بدعاء العباس ﵁ ... " ٤.

стр. 479

وهذا الجواب جواب صحيح، فالمراد من حديث الأعمى هو المراد في حديث الاستسقاء بالعباس، وهو التوسل بالدعاء، وهو من التوسل الجائز المشروع. قال شيخ الإسلام: " ... إنه إنما توجه بدعائه وشفاعته، فإنه طلب من النبي ﷺ الدعاء وقال في آخره: اللهم فشفعه فيّ، فعلم أنه يشفع له فتوسل بشفاعته لا بذاته، كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء وكما توسلوا بدعاء العباس بعد مماته ... "١. ولو كان التوسل بالنبي ﷺ جائزاً بعد موته لما عدل الصحابة عن التوسل به إلى التوسل بمن دونه كالعباس وغيره. فعلم أنهم إنما كانوا يتوسلون بدعاء النبي وشفاعته، ولذلك فإنه يجوز التوسل بدعاء من دون النبي ﷺ من الصحابة ومن بعدهم. حديث خطيئة آدم: ومن الحجج التي يرددها أهل التوسل الممنوع، الحديث الموضوع الذي يروى أن آدم ﵇ لما أكل من الشجرة وجرى ما جرى استشفع بالنبي ﷺ إلى الله ... الحديث ٢. والحق أن هذا الحديث موضوع ولم يخرج في كتب السنة التي تعتمد الصحيح أو ما يقاربه، وإنما روي وحكم عليه المحدثون بالوضع. وهذا ما قاله الشيخ رشيد فيه: " ... منها الحديث الموضوع الذي يتخذه هذا الشيخ ٣ وأمثاله من القبوريين حجة على ما يسمونه التوسل بذوات الأنبياء والصالحين وسؤال الله تعالى بحقهم عليه وبأشخاصهم وهو ما رواه الحاكم في مستدركه عن عمر ﵁ مرفوعاً أنه "لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي،

стр. 480

قال الله: يا آدم وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه؟ قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله: صدقت يا آدم، إنه لأحب الخلق إليّ، ادعني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك" ١. وقد أطال الشيخ رشيد في الرد على من احتج بهذا الحديث وزعم صحته، بناءً على تصحيح الحاكم له، وإن تعقبه الذهبي وحكم بوضعه. فقال: "قال الدجوي ٢ إن الذهبي في التلخيص لم يزد على قوله: "بل هو موضوع وعبد الرحمن بن زيد واه" وأقول: بل زاد على ذلك أن قال بعده: رواه عبد الله من مسلم الفهري ولا أدري من ذا؟...." ٣. وقال أيضاً: " ... ذكر الدجوي أهون ما قال أهل الجرح والتعديل في جرح عبد الرحمن بن زيد واحتج به على أن حديثه غير موضوع، وأنه قد يكون صحيحاً إذ قال: معلوم أن الذي يغلب عليه الوهم قد يصح حديثه إلخ، وأقول في تفنيد قوله هذا: إن عبد الرحمن ليست علة ضعفه غلبة الوهم عليه كما زعم، بل أهون ما قالوا فيه أنه واه وضعيف جداً وأنه لا يعقل ما يروي، وكان الشافعي يهزأ بخرافاته عن أبيه ويجعلها مضرب المثل في الكذب ... " ٤. وأيضاً من أوجه الطعن التي ذكرها الشيخ رشيد في سند هذا الحديث قوله: "إن القاضي عياض ٥قد ذكر حديث آدم هذا في الفصل الأول من

стр. 481

الجزء الأول من الشفاء ١ حكاية عن أبي محمد المكي ٢ وأبي الليث السمرقندي ٣ وهما من الذين يكثرون من حكاية الموضوعات لم يروه عن أحد من أهل الحديث ولا عزاه إلى كتبهم." ٤. والطعن في سند هذا الحديث ـ بحق ـ هو أحد السبل في الجواب عما ادعاه المتوسلون، وفي الجواب عنه أيضاً أوجه أخرى منها: أن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه هي التي تيب عليه بها كما قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ... ﴾ ٥ الآية. وقد قال تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ... ﴾ الآية ٦.فأخبر الله تعالى أنه أمرهم بالهبوط بعد هذه الكلمات التي تيب بها عليه، فمن ذكر أو ادعى أن هذه الكلمات غير التي ذكرها الله في القرآن لم يكن معه حجة في خلاف ظاهر القرآن ٧. ووجه آخر وهو: أن قولهما ﴿ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٨ يتضمن الإقرار والاستغفار ومن ندم واستغفر وتاب غفر له وإن كان دون آدم ﵇. فحصل بها المقصود ولم

стр. 482

يحتج لغيرها ١. حديث آخر وجواب الشيخ رشيد عليه: ومما احتج به أهل التوسل الممنوع ـ ولا حجة لهم فيه ـ الحديث الذي رواه أحمد ٢ وابن ماجه ٣ وفيه: "من قال إذا خرج إلى الصلاة: اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا ... " الحديث. وهذا الحديث ضعيف الإسناد ٤ كما أن لفظه ليس فيه حجة على ما ادعوه، فإنه سؤال بحق السائلين، وحقهم على الله تعالى أن يجيب من سأله ودعاه كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ٥ فهذا حقهم أوجبه الله تعالى على نفسه. وأما حق المشي إلى الصلاة فهو حق العابدين على الله تعالى أن يثيبهم، فهذا سؤال وتوسل بالعمل الصالح وهو جائز لا ريب، فهو من التوسل المشروع لا الممنوع ٦. ولقد أجاب الشيخ رشيد عن هذا الحديث نحو ما ذكرته فقال بعد ذكره للفظ الحديث: " ... وهو من طريق عطية العوفي ٧ وقد ضعفه أ؛ مد والجمهور ... على أن معنى الدعاء المذكور لو صح لا يدل على توسل بالأشخاص، فإن حق السائلين على الله تعالى أن يستجيب دعاءهم كما وعد بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ٨ فكأنه يقول: أسألك بوعدك

стр. 483

الحق أن تستجيب دعائي، وحق الصالحين عليه ١ أن يثيبهم على صلاحهم كما وعد في آيات كثيرة ومنه توسله بممشاه إلى الصلاة بالصفة التي ذكرها فهو توسل بعمل صالح من أعماله لا بشخص عامل آخر" ٢. وهذا الحديث هو كحديث الثلاثة الذين توسلوا إلى الله تعالى بصالح عملهم بعدما أطبقت عليهم الصخرة وهم في الغار ٣ فكل توسل بعمل صالح عَمِلَه، وهو جائز لا ريب. التوسل بجاه النبي ﷺ : ويحتج المتوسلون بحديث موضع آخر هو "إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم" ٤ ومع أن جاهه ﷺ أعظم من جاه جميع الأنبياء والمرسلين، إلا أن هذا الحديث كذب وليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث. قال شيخ الإسلام ـ بعد إثباته وجاهة النبي وقدره ﷺ : " ... ولكن جاه المخلوق عند الخالق تعالى ليس كجاه المخلوق عند المخلوق، فإنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ... " ٥. قال الشيخ رشيد: "هذا الحديث موضوع لا أصل له، ولا يمكن أن تجده في شيء من دواوين السنة لا الصحاح ولا السنن ولا المسانيد، ويذكر بلفظ "إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم" قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب التوسل والوسيلة وغيره: هذا الحديث كذب ليس في شيء من كتب المسلمين التي يعتمد عليها أهل الحديث ... "

стр. 484

ونقل الشيخ رشيد النص الذي نقلته آنفاً عن شيخ الإسلام ١. ومثل السؤال بجاه النبي ﷺ السؤال بحقه، فلا حق لأحد على الله تعالى إلا ما كتبه على نفسه، وهذا ما يقرره الشيخ رشيد: فعند قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢ قال الشيخ رشيد: " ... وكانت اليهود تستفتح على مشركي العرب بالنبي المنتظر يقولون: إنه سيظهر فينصر كتابه التوحيد الذي نحن عليه ويخذل الوثنية التي تنتحلونها ... وشذ بعضهم ... فقال: إنهم كانوا يقولون إذا حزبهم أمر أو دهمهم عدو: اللهم انصرنا عليهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة والإنجيل ـ فكانوا ينصرون وفيه روايات ضعيفة عن ابن عباس ٣ لم يعرج ابن كثير على شيء منها ولعله لأنها على ضعف روايتها ومخالفتها للروايات المعقولة شاذة المعنى بجعل الاستفتاح دعاء بشخص النبي ﷺ وفي بعض الروايات بحقه وهذا غير مشروع ولا حق لأحد على الله فيدعى به ... " ٤. ومن الجهود التي بذلها الشيخ رشيد ـ رحمه الله تعالى ـ في محاربة التوسل الممنوع، نشر الكتب السلفية التي تتناول هذه المسألة معتمدة على الكتاب والسنة، ولقد سبق أن ذكرت أن الشيخ رشيد طبع كتاب "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" لشيخ الإسلام مرتين، وطبع أيضاً سنة ١٣٢٤هـ الموافق ١٩٠٦م كتاب "فصل المقال في توسل الجهال" الذي ألفه الشيخ الموحد أبو بكر خوقير الكتبي أحد علماء مكة المكرمة ٥. وكذلك طبع الشيخ رشيد كتاباً لأحد الطلبة النجديين بالأزهر يرد فيه

стр. 485

على أحد كبار علماء الأزهر المجيزين للتوسل، واسم الكتاب "البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية" لمؤلفه الشيخ عبد الله بن علي النجدي القصيمي. وطبع سنة ١٣٥٠هـ. ويتكون من مقدمة وأربعة أبواب، وفي المقدمة تعريف كلمة الوسيلة، وتقسيم التوسل إلى ممنوع ومشروع، وهو أحد عشر نوعاً. والباب الأول في الرد على ما استدل به المتوسلون التوسل الممنوع من أدلة القرآن. والثاني: في إبطال ما ادعي من أدلة السنة، والثالث: في الأدلة العقلية، والرابع: في أقوال العلماء ١. وبهذا يكون الشيخ رشيد قد أحسن في بيان توحيد الألوهية عموماً ووضّح العبادة وحقيقتها ووجوب إخلاصها لله تعالى وحده، ومن أهم مظاهرها الدعاء والتوسل. وقد سلك كل سبيل لنشر هذه الدعوة معتمداً على كتب السلف لا سيما شيخ الإسلام ابن تيمية ومدرسته.

стр. 486

المبحث الثاني: نفي الشرك ومظاهره تميهد ... تمهيد: الشرك بالله تعالى جامع المساوئ وكلية الرذائل، فهو معصية لا تجدي معها طاعة، ومنقصة لا يجزي عنها كمال، وضعة لا يقوم منها عز وسفه لا ترشد به النفس، ولولا الجهل ما نجم له قرن، ولولا الوهم ما قام له عود. والباحث في أسباب رقي الأمم وانحطاطها، لن يجد كالتوحيد أطهر للقلوب وأرشد للعقول وأقوم للأخلاق، وأحفظ للحياة وأضمن للسيادة، وأقوى على حمل منار المدنية الطاهرة وتحقيقاً للمدنية الفاضلة. ولن يجد كالشرك أدل على ظلمة النفوس والقلوب وسفه الأحلام وفساد الأخلاق، ولا شيء كهذه النقائص أذهب للبأس، وأضر بالاتحاد وأضعف للقوة وأذل للشعوب. ولن أحيلك في المثال على الماضي البعيد أو القريب ولكن أحيلك على الواقع المشاهد، حيث أصاب الأمة ما أصابها، بسبب الشرك وانتشاره، فتداعت عليها الأمم، وأطبقت عليها الظُلَم، ولم يسلم منها إلا الأرض التي خلت من الشرك فعزت، وقامت بالتوحيد فبزت ١.

стр. 487

ولذلك فقد بين الله تعالى لنا في كتابه أن أول ما يدعو إليه الأنبياء والمرسلون هو توحيد الله، وأول ما ينكرونه على قومهم الشرك ومظاهره. وبيان العلماء لمسائل الشرك آداء للأمانة، ورجاء لصلاح حال المسلمين، وفائدة ذلك للموحدين مخافة أن يدركهم، فهو من النصيحة المفيدة الحميدة، وليس الإرشاد إلى الخير بأولى من التنبيه على الباطل الضار، وبضدها تتبين الأشياء، والضد يظهر حسنة الضد. ولقد نهى الله عن الشرك به في كثير من الآيات كقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ١ أي: شيئاً من الأشياء أو شيئاً من الإشراك ٢. وقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٣. فبيان العلماء للشرك ومظاهره، من الميثاق الذي أخذه الله عليهم، كما قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ... ﴾ ٤. وكان من هؤلاء العلماء الذين بينوا الشرك وخطورته وعرفوا حقيقته وحذروا من مظاهره الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى.

стр. 488

والشرك: كالشريك، والجمع: أشراك وشركاء" ١. ويطلق أيضاً على النصيب، قال الأزهري: "الشرك بمعنى الشريك، وهو بمعنى النصيب، وجمعه: أشراك، كشبر وأشبار" ٢. وقال الراغب: "الشركة والمشاركة خلط الملكين، وقيل: هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعداً، عيناً كان ذلك الشيء أو معنى ... " ٣. وكما لا تقتضي الشركة لغة تساوي الشركاء في الحصص، لا يقتضي الشرك شرعاً مساواة الشريك في جميع صفاته أو في صفة منها، بل يكون الشرك بإثبات الشريك لله تعالى ولو كان دونه في القدرة والعلم مثلاً ٤. وشرعاً هو: صرف شيء من خصائص الألوهية والربوبية لغير الله تعالى ٥. حقيقة الشرك: ويبين الشيخ رشيد حقيقة الشرك بأنه: "الخضوع لسلطة غيبية وراء الأسباب والسنن المعروفة في الخلق بأن يرجى صاحبها ويخشى منه ما يعجز المخلوقات عن مثله، وهذه السلطة لا تكون لغيره تعالى فلا يرجى غيره ولا يخشى سواه ... " ٦. ويفرق الشيخ رشيد بين الشرك والتعطيل، أي الإلحاد، فالشرك بالله يكون مع الإيمان به تعالى: أما التعطيل فهو إنكار وجود الإله أصلاً، والنهي عن الشرك يستلزم النهي عن التعطيل بطريق الأولى ٧.

стр. 489

ويبين الشيخ رشيد حقيقة الشرك في موضع آخر فيقول: "حقيقة الشرك في الألوهية وهو الشعور بسلطة وراء الأسباب والسنن الكونية لغير الله تعالى، وكل قول أو عمل ينشأ عن ذلك الشعور. والشرك في الربوبية: وهو الأخذ بشيء من أحكام الدين والحلال والحرام عن بعض البشر دون الوحي ... " ١. ومن هذا النص نأخذ ـ مع بيان حقيقة الشرك مطلقاً ـ تقسيم الشيخ رشيد للشرك إلى قسمين: شرك في الربوبية، وشرك في الألوهية. وهو ما أبينه بتوسع في الفقرة التالية.

стр. 490

المطلب الأول: تعريف الشرك: يطلق الشرك في اللغة على المخالطة والمصاحبة، قال في اللسان: "الشِرْكة والشَرِكة سواء مخالطة الشريكين، يقال: اشتركنا بمعنى تشاركنا، وقد اشترك الرجلان وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر، والشريك: المشارك،

стр. 491

المطلب الثاني: أقسام الشرك: لقد بين الشيخ رشيد ﵀ مرات بعد مرات أن الشرك ينقسم إلى قسمين أساسين: شرك في الربوبية وشرك في الألوهية، وأن كلا القسمين وقع فيه الناس. وقد تكرر هذا كثيراً من الشيخ رشيد كما ذكرت، وأقتصر هنا على ما يدل على ذلك دون استقصاء: يقول الشيخ رشيد: "والشرك به نوعان: أحدهما يتعلق بالألوهية والعبادة وهو أن يعتقد المرء أن في الخلق من يشاركه تعالى أو يعينه في أفعاله، أو يحمله على بعضها ويصده عن بعض بشفاعته عنده لأجل قربه منه. كما يكون من بطانة الملوك المستبدين، وحواشيهم وحجابهم أعوانهم، فهو يتوجه إلى هذا المؤثر عند الله بزعمه عندما يتوجه إليه تعالى في الدعاء فيدعوه معه، وقد يدعوه من دونه عند شدة الحاجة، لكشف ضر أو جلب نفع أعيته أسبابه، وهذا مخ العبادة ... " ٢. ثم يبين النوع الثاني من أقسام الشرك فيقول: " ... وثانيهما: يتعلق بالربوبية وهو: إسناد الخلق والتدبير إلى غيره

стр. 492

معه، أو أن تأخذ أحكام الدين في عبادة الله تعالى والتحليل والتحريم من غيره أي غير كتابه ووحيه الذي بلّغه عنه رسله بحجة أن من يؤخذ عنهم الدين من غير بيان الوحي أعلم بمراد الله فيترك الأخذ من الكتاب لرأيهم وقولهم. وهو المراد بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ ... " ٢. ويبين الشيخ رشيد أن الشرك في الربوبية كان قليلاً ـ وإن كان موجوداً ـ إلا أن الشرك في الألوهية كان هو الكثير الفاشي وعليه سواد الجاهلية ٣. وذلك على عكس ما يتوهم بعضهم من أن الشرك الذي نعاه الله تعالى في القرآن كثيراً هو إنكار وجود الله تعالى. أو اعتقاد أن في الكون آلهة يخلقون كما يخلق الله ويرزقون كما يرزق الله تعالى، يقول الشيخ: " ... إن هذين القسمين من الناس كانوا أقل الكفار والمشركين في كل زمان ومكان ... " ٤. وأم شرك العرب فبينه الشيخ رشيد بقوله عنهم: "كانوا يعتقدون ـ كما يعتقد أكثر البشر ـ أن مبدع الكون وخاقه واحد، ولكنه لما كان مطلقاً، جعلوا وجهتهم في عبادته بعض مظاهر قدرته الباهرة من خلقه من جماد وحيوان وإنسان، وزعموا أن تلك المظاهر هي الواسطة بين الله وبين عباده في نفعهم وضرهم ويُعلِّل علماؤهم ذلك بأن عامة الناس من الخطاة والمذنبين، لا يليق بخستهم أن يخاطبوا الجناب الإلهي الرفيع بحاجتهم، فلا جرم كانوا في حاجة إلى واسطة بينهم وبينه ... هذا وإن كان في ظاهره تعظيماً لله تعالى فقد عده القرآن شركاً وذكر شبهة ذويه في معرض التشنيع والإنكار حيث قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ. أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ

стр. 493

إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ١ ... " ٢. ويقول الشيخ رشيد: " ... فالشرك في العبادة هو الذي كان فاشياً في الأمم بألوان مختلفة وأسماء متعددة، وصور متنوعة ... " ٣. ولا يرى الشيخ رشيد فرقاً بين صور الشرك المختلفة، ما دام أن حقيقة الشرك موجودة، فالصور المختلفة تكون أوجهاً لعملة واحدة، أو بمثابة الأعراض العديدة للمرض الواحد، فيقول: " ... أما من يتوهم أن عند الله فرقاً بين المشركين باختلاف من أشركوهم معه في الدعاء أو غيره من خصائص الألوهية والربوبية فهو.. جاهل أحمق إذ العبرة بحقيقة الشرك لا بأصناف الشركاء، فلا فرق بين من أشرك به ملكاً أو نبياً ومن أشرك به كوكباً أو حجراً أو شيطاناً ... " ٤. ويزيد هذا المعنى وضوحاً فيقول: " ... والأنداد عند جمهور المفسرين أعم من الأصنام والأوثان، فيشمل الرؤساء الذين خضع لهم بعض الناس خضوعاً دينياً، ويدل عليه الآيات الآتية: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ. ..إلخ﴾ ٥ فالمراد إذاً من الند من يُطلب منه ما لايطلب إلا من الله عزوجل، أو يؤخذ عنه ما لا يؤخذ إلا من الله تعالى ... " ٦.. فهذا يشمل الشرك في الألوهية والشرك في الربوبية، ثم يخص الشيخ رشيد شرك الألوهية ببعض بيان فيقول: "وهذا الذي يُلجأ إليه من إنسان مكرم، كالأنبياء والصالحين، أو ملك من الملائكة المقربين، أو ما دون ذلك من مظاهر الخليقة، أو صنم أو تمثال ـ جعل تذكاراً لشيء من هذه ـ يسمى

стр. 494

نداً لله وشريكاً له وولياً من دونه ... " ١. وهذه الأنداد تنقسم إلى قسمين ـ بحسب اعتقاد الناس فيهم ـ قسم يتصرف وحده، وقسم إنما هو واسطة وشفيع ٢. ويقسم الشيخ رشيد الشرك في الألوهية إلى قسمين: أكبر: وهو: "التوجه إلى غيره من عباده المكرمين كالملائكة والرسل والصالحين، وإلى ما وضع للتذكير بهم من الأصنام والقبور وغيرها ... " ٣. وإلى شرك أصغر: وهو: "الرياء وحب اطلاع الناس على عبادتكم والثناء عليكم بها والتنويه بذكركم فيها ... " ٤. ويقودنا هذا البيان من الشيخ إلى معرفة سبب الشرك ومنشئه.

стр. 495

المطلب الثالث: منشأ الشرك: نستطيع أن نقول أن الغلو هو سبب كل شرك وبدعة وقع فيهما أهل الأديان جميعاً. فهو الذي أهلك الأمم قبلنا، ومن جهته دخل الشرك في دين التوحيد ٥. قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ... ﴾ ٦
следующие страницы →