بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما" ١.
وفي السنن:
"أن رجلًا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة، فشكا ذلك إلى النبي ﷺ فأمره أن يقبل منه بدله أو يتبرع له بها فلم يفعل، فأذن لصاحب الأرض في قلعها، وقال لصاحب الشجرة: "إنما أنت مضار" ٢.
فهنا أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يبيعها، فدل على وجوب البيع عند حاجة المشتري، وأين حاجة هذا من حاجة عموم الناس إلى الطعام؟.
ونظير هؤلاء الذين يتجرون في الطعام بالطحن، والخبز، ونظير هؤلاء صاحب الخان والقيسارية والحمام إذا احتاج الناس إلى الانتفاع بذلك، وهو إنما ضمنها ليتجر فيها، فلو امتنع من إدخال الناس إلا بما شاء وهم يحتاجون لم يمكن من ذلك، وألزم ببذل ذلك بأجرة المثل، كم يلزم الذي يشتري الحنطة ويطحنها ليتجر فيها، والذي يشتري الدقيق ويخبزه ليتجر فيه مع حاجة الناس إلى ما عنده، بل إلزامه ببيع ذلك بثمن المثل أولى وأحرى، بل إذا امتنع من صنعة الخبز والطحن حتى يتضرر الناس بذلك ألزم بصنعتها كما تقدم، وإذا كانت حاجة الناس تندفع إذا عملوا ما يكفي الناس بحيث يشتري إذ ذاك بالثمن المعروف لم يحتج إلى تسعير، وأما إذا كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير العادل سعر عليهم تسعير عدل، لا وكس، ولا شطط٣.
стр. 37
فصل: الغش والتدليس في الديات
...
فصل: [الغش والتدليس في الديانات]
فأما الغش والتدليس في الديانات فمثل البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة من الأقوال والأفعال، مثل إظهار المكاء١ والتصدية٢ في مساجد المسلمين، ومثل سب جمهور الصحابة وجمهور المسلمين، أو سب أئمة المسلمين، ومشايخهم، وولاة أمورهم، المشهورين عند عموم الأمة بالخير.
ومثل التكذيب بأحاديث النبي ﷺ التي تلقاه أهل العلم بالقبول.
ومثل رواية الأحاديث الموضوعة المفتراة على رسول الله ﷺ .
ومثل الغلو في الدين بأن ينزل البشر منزلة الإله.
ومثل تجويز الخروج عن شريعة النبي ﷺ .
ومثل الإلحاد في أسماء الله وآياته، وتحريف الكلم عن مواضعه، والتكذيب بقدر الله، ومعارضة أمره ونهيه بقضائه وقدره.
ومثل إظهار الخزعبلات السحرية والشعبذة الطبيعية وغيرها التي يضاهى بها ما للأنبياء والأولياء من المعجزات والكرامات، ليصد بها عن سبيل الله، أو يظن بها الخير فيمن ليس من أهله، وهذا باب واسع يطول وصفه.
فمن ظهر منه شيء من هذه المنكرات وجب منعه من ذلك، وعقوبته عليها، إذ لم يتب حتى قدر عليه، بحسب ما جاءت به الشريعة من قتل، أو جلد أو غير ذلك.
стр. 38
وأما المحتسب فعليه أن يعزر من أظهر ذلك قولًا أو فعلًا، ويمنع من الاجتماع في مظان التهم، فالعقوبة لا تكون إلا على ذنب ثابت، وأما المنع والاحتراز١ فيكون مع التهمة، كما منع عمر بن الخطاب ﵁ أن يجتمع الصبيان بمن كان يتهم بالفاحشة، وهذا مثل الاحتراز عن قبول شهادة المتهم بالكذب وائتمان المتهم بالخيانة، ومعاملة المتهم بالمطل٢.
стр. 39
فصل: [العقوبات الشرعية]
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتم إلا بالعقوبات الشرعية، فإن الله ينزع بالسلطان ما لا يزع١ بالقرآن.
وإقامة الحدود واجبة على ولاة الأمور، وذلك يحصل بالعقوبة على ترك الواجبات وفعل المحرمات فمنها عقوبات مقدرة، مثل جلد المفتري ثمانين، وقطع يد السارق، ومنها عقوبات غير مقدرة قد تسمى التعزير٢. وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كبر الذنوب وصغرها، وبحسب حال المذنب، وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته. و"التعزير" أجناس: فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن. ومنه ما يكون بالضرب٣، فإن كان ذلك لترك واجب مثل الضرب على ترك الصلاة أو ترك أداء الحقوق الواجبة، مثل ترك وفاء الدين مع القدرة عليه، أو على ترك رد المغصوب، أو أداء الأمانة إلى أهلها، فإنه يضرب مرة بعد مرة حتى يؤدي الواجب، ويفرق الضرب عليه يومًا بعد يوم.
стр. 40
وإن كان الضرب على ذنب ماض جزاء بما كسب ونكالًا من الله له ولغيره: فهذا يفعل منه بقدر الحاجة فقط، وليس لأقله حد.
وأما أكثر التعزير ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. أحدها: عشر جلدات. والثاني: دون أقل الحدود، إما تسعة وثلاثون سوطًا، وإما تسعة وسبعون سوطًا وهذا قول كثير من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. والثالث: أنه لا يتقدر بذلك. وهو قول أصحاب مالك، وطائفة من أصحاب الشافعي وأحمد، وهو إحدى الروايتين عنه، لكن إن كان التعزير فيما فيه مقدر لم يبلغ به ذلك المقدر مثل التعزير: على سرقة دون النصاب لا يبلغ به القطع، والتعزير على المضمضة بالخمر لا يبلغ به حد الشرب، والتعزير على القذف بغير الزنا لا يبلغ به الحد. وهذا القول أعدل الأقوال، عليه دلت سنة رسول الله ﷺ وسنة خلفائه الراشدين، فقد أمر النبي ﷺ بضرب الذي أحلت له امرأته جاريتها مائة ودرأ عنه الحد بالشبهة، وأمر أبو بكر وعمر بضرب رجل وامرأة وجدا في لحاف واحد مائة مائة، وأمر بضرب الذي نقش على خاتمه وأخذ من بيت المال مائة، ثم ضربه في اليوم الثاني مائة ثم ضربه في اليوم الثالث مائة، وضرب صبيغ بن عسل -لما رأى من بدعته- ضربًا كثيرًا لم يعده.
ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل، مثل المفرق لجماعة المسلمين، والداعي إلى البدع في الدين، قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] .
وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال:
"إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما" ١.
стр. 41
وقال: " من جاءكم وأمركم على رجل واحد يريد أن يفرق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا من كان" ١.
وأمر النبي ﷺ بقتل رجل تعمد عليه الكذب، "وسأله ابن الديلمي عمن لم ينته عن شرب الخمر؟ فقال:
"من لم ينته عنها فاقتلوه" ٢.
فلهذا ذهب مالك وطائفة من أصحاب أحمد إلى جواز قتل الجاسوس، وذهب مالك ومن وافقه من أصحاب الشافعي إلى قتل الداعية إلى البدع، وليست هذه القاعدة المختصرة موضع ذلك، فإن المحتسب ليس له القتل والقطع.
ومن أنواع التعزير، النفي والتغريب، كما كان عمر بن الخطاب يعزر بالنفي في شرب الخمر إلى خيبر، وكما نفى صبيغ بن عسل إلى البصرة، وأخرج نصر بن حجاج إلى البصرة لما افتتن به النساء.
стр. 42
فصل: [التعزير المالي]
و"التعزير بالعقوبات المالية" مشروع أيضًا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك في المشهور عنه، ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع عنه، وفي مواضع فيها نزاع عنه، والشافعي في قول، وإن تنازعوا في تفصيل ذلك كما دلت عليه سنة رسول الله ﷺ في مثل إباحته سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لما وجده، ومثل أمره بكسر دنان الخمر وشق ظروفه، ومثل أمره عبد الله بن عمر بحرق الثوبين المعصفرين، وقال له: أغسلهما؟ قال: " لا بل احرقهما".
وأمره لهم يوم خيبر بكسر الأوعية التي فيها لحوم الحمر. ثم لما استأذنوه في الإراقة أذن، فإنه "لما رأى القدور تفور بلحم الحمر أمر بكسرها وإراقة ما فيها، فقالوا: أفلا نريقها ونغسلها؟ فقال: "افعلوا". فدل ذلك على جواز الأمرين؛ لأن عقوبة ذلك لم تكن واجبة.
ومثل هدمه لمسجد الضرار ومثل تحريق موسى للعجل المتخذ إلهًا، ومثل تضعيفه ﷺ الغرم على من سرق من غير حرز، ومثل ما روى من إحراق متاع الغال، ومن حرمان القاتل سلبه لما اعتدى على الأمير. ومثل أمر عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب بتحريق المكان الذي يباع فيه الخمر، ومثل أخذ شطر مال مانع الزكاة، ومثل تحريق عثمان بن عفان المصاحف المخالفة للإمام، وتحريق عمر بن
стр. 43
الخطاب لكتب الأوائل، وأمره بتحريق قصر سعد بن أبي وقاص الذي بناه لما أراد أن يحتجب عن الناس، فأرسل محمد بن مسلمة، وأمره أن يحرقه عليه، فذهب فحرقه عليه.
وهذه القضايا كلها صحيحة معروفة عند أهل العمل بذلك ونظائرها متعددة. ومن قال: إن العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك عن أصحاب مالك وأحمد فقد غلط على مذهبهما، ومن قاله مطلقًا من أي مذهب كان: فقد قال قولًا بلا دليل، ولم يجئ عن النبي ﷺ شيء قط يقتضي أنه حرم جميع العقوبات المالية، بل أخذ الخلفاء الراشدين وأكابر أصحابه بذلك بعد موته دليل على أن ذلك محكم غير منسوخ.
وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه، وبعضها قول عند الشافعي باعتبار ما بلغه من الحديث. ومذهب مالك وأحمد وغيرهما: أن العقوبات المالية كالبدنية، تنقسم إلى ما يوافق الشرع وإلى ما يخالفه، وليست العقوبة المالية منسوخة عندهما. والمدعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ، لا من كتاب ولا سنة، وهذا شأن كثير ممن يخالف النصوص الصحيحة والسنة الثابتة بلا حجة، إلا مجرد دعوى النسخ، وإذا طولب بالناسخ لم يكن معه حجة لبعض النصوص وتوهمه ترك العمل، إلا أن مذهب طائفته ترك العمل بها إجماعًا، والإجماع دليل على النسخ، ولا ريب أنه إذا ثبت الإجماع كان ذلك دليلًا على أنه منسوخ؛ فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكن لا يعرف إجماع على ترك نص إلا وقد عرف النص الناسخ له، ولهذا كان أكثر من يدعي نسخ النصوص بما يدعيه من الإجماع إذ حقق الأمر عليه لم يكن الإجماع الذي ادعاه صحيحًا، بل غايته أنه لم يعرف فيه نزاعًا، ثم من ذلك ما يكون أكثر أهل العلم على خلاف قول أصحابه، ولكن هو نفسه لم يعرف أقوال العلماء.
стр. 44
وأيضًا فإن واجبات الشريعة التي هي حق لله ثلاثة أقسام: عبادات كالصلاة والزكاة والصيام، وعقوبات إما مقدرة وإما مفوضة، وكفارات وكل واحد من أقسام الواجبات ينقسم إلى: بدني، وإلى مالي، وإلى مركب منهما. فالعبادات البدنية: كالصلاة والصيام، والمالية: كالزكاة، والمركبة: كالحج، والكفارات المالية: كالإطعام، والبدنية: كالصيام، والمركبة: كالهدي بذبح. العقوبات البدنية: كالقتل والقطع، والمالية: كإتلاف أوعية الخمر. والمركبة: كجلد السارق من غير حرز وتضعيف الغرم عليه، وكقتل الكفار وأخذ أموالهم. وكما أن العقوبات البدنية تارة تكون جزاء على ما مضى كقطع السارق، وتارة تكون دفعًا عن المستقبل كقتل القاتل: فكذلك المالية، فإن منها ما هو من باب إزالة المنكر، وهي تنقسم كالبدنية إلى إتلاف، وإلى تغيير، وإلى تمليك الغير.
فالأول: المنكرات من الأعيان والصفات يجوز إتلاف محلها تبعًا لها، مثل الأصنام المعبودة من دون الله، لما كانت صورها منكرة جاز إتلاف مادتها، فإذا كانت حجرًا أو خشبًا ونحو ذلك جاز تكسيرها وتحريقها. وكذلك آلات الملاهي مثل الطنبور يجوز إتلافها عند أكثر الفقهاء، وهو مذهب مالك، وأشهر الروايتين عن أحمد، ومثل ذلك أوعية الخمر، يجوز تكسيرها وتخريقها، والحانوت الذي يباع فيه الخمر يجوز تحريقه، وقد نص أحمد على ذلك هو وغيره من المالكية وغيرهم، واتبعوا ما ثبت عن عمر بن الخطاب أنه أمر بتحريق حانوت كان يباع فيه الخمر لرويشد الثقفي، وقال: إنما أنت فويسق لا رويشد، وكذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أمر بتحريق قرية كان يباع فيها الخمر، رواه أبو عبيدة وغيره؛ وذلك لأن مكان البيع مثل الأوعية، وهذا أيضًا على المشهور في مذهب أحمد ومالك وغيرهما.
ومما يشبه ذلك ما فعله عمر بن الخطاب، حيث رأى رجلًا قد شاب اللبن
стр. 45
بالماء المبيع فأراقه عليه، وهذا ثابت عن عمر بن الخطاب ﵁، وبذلك أفتى طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل، وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه: "نهى أن يشاب اللبن بالماء للبيع" ١.
وذلك بخلاف شوبه للشرب؛ لأنه إذا خلط لم يعرف المشتري مقدار اللبن من الماء، فأتلفه عمر.
ونظيره ما أفتى به طائفة من الفقهاء القائلين بهذا الأصل في جواز إتلاف المغشوشات في الصناعات، مثل الثياب التي نسجت نسجًا رديئًا أنه يجوز تمزيقها وتخريقها، ولذلك لما رأى عمر بن الخطاب على ابن الزبير ثوبًا من حرير مزقه عليه، فقال الزبير: أفزعت الصبي، فقال: لا تكسوهم الحرير، وكذلك تحريق عبد الله بن عمر لثوبه المعصفر بأمر النبي ﷺ .
وهذا كما يتلف من البدن المحل الذي قامت به المعصية، فتقطع يد السارق، وتقطع رجل المحارب ويده. وكذلك الذي قام به المنكر في إتلافه نهي عن العود إلى ذلك المنكر، وليس إتلاف ذلك واجبًا على الإطلاق، بل إذا لم يكن في المحل مفسدة جاز إبقاؤه أيضًا، إما لله وإما أن يتصدق به، كما أفتى طائفة من العلماء على هذا الأصل: أن الطعام المغشوش من الخبز والطبيخ والشواء، كالخبز والطعام الذي لم ينضج وكالطعام المغشوش، وهو: الذي خلط بالرديء وأظهر المشتري أنه جيد ونحو ذلك: يتصدق به على الفقراء، فإن ذلك من إتلافه، وإذا كان عمر بن الخطاب قد أتلف اللبن الذي شيب للبيع؛ فلأن يجوز التصدق بذلك بطريق الأولى، فإنه يحصل به عقوبة الغاش وزجره عن العود، ويكون انتفاع الفقراء بذلك أنفع من إتلافه، وعمر أتلفه؛ لأنه كان يغني الناس بالعطاء، فكان الفقراء عنده في المدينة إما قليلًا وإما معدومين.
ولهذا جوز طائفة من العلماء التصدق به وكرهوا إتلافه.
стр. 46
ففي المدونة عن مالك بن أنس أن عمر بن الخطاب كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض أدبًا لصاحبه، وكره ذلك مالك في رواية ابن القاسم، ورأى أن يتصدق به، وهل يتصدق باليسير؟ فيه قولان للعلماء.
وقد روى أشهب عن مالك منع العقوبات المالية قال١: لا يحل ذنب من الذنوب مال إنسان وإن قتل نفسًا، لكن الأول أشهر عنه، وقد استحسن أن يتصدق باللبن المغشوش، وفي ذلك عقوبة الغاش بإتلافه عليه ونفع المساكين بإعطائهم إياه ولا يهراق.
قيل لمالك: فالزعفران والمسك أتراه مثله؟
قال: ما أشبهه بذلك إذا كان هو غشه فهو كاللبن.
قال ابن القاسم: هذا في الشيء الخفيف منه، فإما إذا كثر منه فلا أرى ذلك، وعلى صاحبه العقوبة؛ لأنه يذهب في ذلك أموال عظام. يريد في الصدقة بكثيره.
قال بعض الشيوخ: وسواء على مذهب مالك كان ذلك يسيرًا أو كثيرًا؛ لأنه ساوى في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك قليله وكثيره.
وخالفه ابن القاسم، فلم ير أن يتصدق من ذلك إلا بما كان يسيرًا، وذلك إذا كان هو الذي غشه، وأما من وجد عنده من ذلك شيء مغشوش لم يغشه هو، وإنما اشتراه أو وهب له أو ورثه فلا خلاف في أنه لا يتصدق بشيء من ذلك.
وممن أفتى بجواز إتلاف المغشوش من الثياب ابن القطان، قال في الملاحف الرديئة النسج: تحرق بالنار، وأفتى ابن عتاب فيها بالتصدق، وقال: تقطع خرقًا وتعطى للمساكين إذا تقدم إلى مستعمليها فلم ينتهوا وكذلك أفتى بإعطاء الخبز المغشوش للمساكين، فأنكر عليه ابن القطان وقال: لا يحل هذا في مال امرئ مسلم إلا بإذنه.
стр. 47
قال القاضي أبو الأصبغ: وهذا اضطراب في جوابه وتناقض في قوله؛ لأن جوابه في الملاحف بإحراقها بالنار أشد من إعطاء هذا الخبز للمساكين، وابن عتاب أضبط في أصله في ذلك وأتبع لقوله.
وإذا لم ير ولي الأمر عقوبة الغاش بالصدقة أو الإتلاف فلا بد أن يمنع وصول الضرر إلى الناس بذلك الغش، إما بإزالة الغش، وأما ببيع المغشوش ممن يعلم أنه مغشوش ولا يغشه على غيره. قال عبد الملك بن حبيب: قلت لمطرف وابن الماجشون لما نهينا عن التصدق بالمغشوش لرواية أشهب: فما وجه الصواب عندكما فيمن غش أو نقص من الوزن؟ قالا: يعاقب بالضرب والحبس والإخراج من السوق، وما كثر من الخبز واللبن أو غش من المسك والزعفران فلا يفرق ولا ينهب، قال عبد الملك بن حبيب: ولا يرده الإمام إليه وليؤمر ببيعه عليه من يأمن أن يغش به، وبكسر الخبز إذا كثر ويسلمه لصاحبه، ويباع العسل والسمن واللبن الذي يغشه ممن يأكله ويبين له غشه، هكذا العمل فيما غش من التجارات. قال: وهو إيضاح من استوضحته ذلك من أصحاب مالك وغيرهم١.
стр. 48
فصل:
وأما التغيير فمثل ما روى أبو داود، عن عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ :
"أنه نهى عن كسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس"١، فإذا كانت الدراهم أو الدنانير الجائزة فيها بأس كسرت. ومثل تغيير الصورة المجسمة إذا لم تكن موطوءة مثل ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ :
"أتاني جبريل فقال: إني أتيتك الليلة، فلم يمنعني أن أدخل عليك البيت إلا أنه كان في البيت تمثال رجل"، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فأمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، وأمر بالستر يقطع فيجعل في وسادتين منتبذتين يوطآن، وأمر بالكلب يخرج ففعل رسول الله ﷺ وإذا الكلب جرو كان للحسن والحسين تحت نضيد لهم". رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه٢.
стр. 49
وكل ما كان من العين أو التأليف المحرم فإزالته وتغييره متفق عليها بين المسلمين، مثل إراقة خمر المسلم، وتفكيك آلات الملاهي، وتغيير الصور المصورة، وإنما تنازعوا في جواز إتلاف محلها تبعًا للحال، والصواب جوازه كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف، وهو ظاهر مذهب مالك وأحمد وغيرهما. والصواب أن كل مسكر من الطعام والشراب فهو حرام ويدخل في ذلك التبغ والمزر١ والحشيشة القنبية وغير ذلك.
وأما التغريم: فمثل ما روى أبو داود وغيره من أهل السنن "عن النبي ﷺ فيمن سرق من الثمر المعلق قبل أن يؤويه إلى الجرين: أن عليه جلدات نكال، وغرمه مرتين. وفيمن سرق من الماشية قبل أن تؤوى إلى المراح: أن عليه جلدات نكال وغرمه مرتين".
وكذلك قضى عمر بن الخطاب في الضالة المكتومة أنه يضعف غرمها، وبذلك كله قال طائفة من العلماء مثل أحمد وغيره، وأضعف عمر وغيره الغرم في ناقة أعرابي أخذها مماليك جياع، فأضعف الغرم على سيدهم ودرأ عنهم القطع، وأضعف عثمان بن عفان في المسلم إذا قتل الذمي عمدًا أنه يضعف عليه الدية؛ لأن دية الذمي نصف دية المسلم، وأخذ بذلك أحمد بن حنبل.
стр. 50
فصل: [الثواب والعقاب]
الثواب والعقاب يكونان من جنس العمل في قدر الله وفي شرعه، فإن هذا من العدل الذي تقوم به السماء والأرض، كما قال الله تعالى:
﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩] . وقال: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] .
وقال النبي ﷺ :
"من لا يرحم لا يرحم" ١.
وقال: "إن الله وتر يحب الوتر" ٢.
وقال: "إن الله جميل يحب الجمال" ٣.
стр. 51
وقال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا" ١.
وقال: " إن الله نظيف يحب النظافة" ٢.
ولهذا قطع يد السارق، وشرع قطع يد المحارب ورجله، وشرع القصاص في الدماء والأموال والأبشار، فإذا أمكن أن تكون العقوبة من جنس المعصية كان ذلك هو المشروع بحسب الإمكان.
مثل ما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب ﵁ في شاهد الزور أنه أمر بإركابه دابة مقلوبًا وتسويد وجهه، فإنه لما قلب الحديث قلب وجهه، ولما سود وجهه بالكذب سود وجهه.
وهذا قد ذكره في تعزير شاهد الزور طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم. ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢] .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى، قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا، قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤، ١٢٦] .
وفي الحديث:
"الجبارون والمتكبرون على صور الذر يطؤهم الناس بأرجلهم" ٣.
فإنهم لما أذلوا عباد الله أذلهم الله لعباده، كما أن من تواضع لله رفعه،
стр. 52
فجعل العباد متواضعين له.
والله تعالى يصلحنا وسائر إخواننا المؤمنين، ويوفقنا لما يحبه ويرضاه من القول والعمل وسائر إخواننا المؤمنين.
الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
تم الكتاب الحسبة في الإسلام
تأليف: شيخ الإسلام "تقي الدين أحمد بن تيمية".
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 53
فهرس الموضوعات:
الموضوع الصفحة
مقدمة الكتاب ٥
المقصود من الولايات في الإسلام ٥
حتمية وجود مطاع يطيعه الإنسان ٧
طاعة الله ورسوله صلى اللهعليه وسلم هي الخير ٧
الدين عند الله الإسلام ٨
وجوب الولاية في الإسلام ٩
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب وحقيقة ذلك ١١
القدرة على الأمر والنهي هي السلطان والولاية ١١
مستويان لتحقيق الأمر والنهي ١١
الفوضى الاجتماعية مفسدة كبرى ١١
الاستعانة بالأمثل فالأمثل في الولاية ١٢
مسئولية المحتسب ١٥
ولاية القضاء، ولاية الحرب، ولاية المال، الحسبة ١٥
الفرق بين المحتسب والمتطوع ١٦
موقف الحسبة والمحتسب من إقام الصلاة ١٦
الغش في المعاملات ١٧
стр. 54
الغش بالكيمياء ١٨
منكرات الربا والميسر والغرر وغير ذلك ١٩
المعاملات الربوية الثنائية والثلاثية ٢٠
تلقي السلع والجلب ٢١
ثبوت الخيار مع الغبن ٢١
المماكس والمسترسل ٢١
المحتكر وتحريم الاحتكار ٢١
التسلط على السلع والتسعير ٢٢
الإكراه على البيع ٢٣
المهمات الدنيوية من فروض الكفاية ٢٤
فضل التفقه في الدين ٢٥
تحريم الغلول ٢٥
جواز المزارعة على الأصح والأدلة على ذلك ٢٨
شركة المضاربة وجوازها ٢٨
المعير لو أذن في الإجازة جازت ٢٨
المرابعة نوع من المزارعة ٢٩
وجوب السمع والطاعة بالمعروف وتلبية الجهاد ٣٠
الجهاد بالمال والبدن ٣٠
إجلاء المشركين وأهل الكتاب من بلاد المسلمين ٣١
التجارة وزكاة التجارة ٣١
أحكام تتعلق بالتسعير ٣٢
الفرق بين الثمن والقيمة ٣٥
أحكام تتعلق بالعارية ٣٧
النهي عن عَسْبِ الفحل ٣٨
حكم زكاة الحلي ومذاهب العلماء ٣٨
الجُعْلُ على الشهادة ٣٨
стр. 55
حق أولياء يتعلق بسبب القتل ٣٩
الاضطرار إلى طعام الغير وحكم الشرع ٣٩
هل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه؟ ٤٠
مذاهب العلماء في الخيار في البيع ٤١
تحريم الضرر عامة ٤٢
الحالة التي تقتضي التسعير ٤٢
الغش والتدليس في الديانات ٤٣
المكاء والتصدية ٤٣
سب جمهور الصحابة ٠رضي الله عنهم- جميعًا ٤٣
رد الأحاديث بالعقل ٤٣
الأحاديث الموضوعة ٤٣
الغلو في الدين ٤٣
لا يجوز الخروج عن شريعة النبي ﷺ ٤٣
الإلحاد في أسماء الله وآياته وتحريف الكلم عن مواضعه ٤٣
القدرية ٤٣
الخزعبلات والمعجزات والكرامات ٤٣
وجوب منع كل ما سبق والعقوبة عليه ٤٤
العقوبات الشرعية أصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٤٥
وجوب إقامة الحدود على ولاة الامور ٤٥
التعزيز والكلام عليه ٤٥
من لم يندفع إلا بالقتل قتل ٤٦
جواز قتل الجاسوس ٤٧
ليس للمحتسب القتل والقطع ٤٧
التعزيز المالي مشروع، ومذاهب العلماء ٤٩
الفرق بين العقوبة المالية والتعزيز بأخذ المال ٥٠
تقسييم واجبات الشريعة التي هي حق لله تعالى ٥١
стр. 56
العقوبة المالية: إتلاف وتغيير وتمليك ٥١
إتلاف المغشوش وأقوال أهل العلم ٥٢
التصدق بالمغشوش ٥٢
إزالة المنكر وتغييره متفق عليه والخلاف في المحل ٥٥
معنى التمليك وتوضيحه ٥٦
الثواب والعقاب من جنس العمل ٥٧
خاتمة ٥٩
فهرس الموضوعات ٦١