فمن كان بهذه الصفة مقبلاً على الحق إذا تبين له، راجعاً تائباً عن ضده من الباطل، فإن الله يهديه حيث اقتضت حكمته أن يهدي من طلب الهداية وسعى لها.
أما الذي ليس له همة في معرفة الحق، أو عرفه ولم يقم به شوق ولا طلب له، ولم يرفع به رأساً، فهبة الله أغلى من أن تعطى لمن لا يقدرها، ولم ينبعث لطلبها.
ونور الهداية الذي يقذفه الله في قلب المؤمن يحدث أثراُ عظيماً على وظائف القلب، أهمها توجيه وظيفة التعقل الوجهة الصحيحة، حيث يركن إلى الوحي وحده، يستقي منه العقائد والشرائع، فلا يزال القلب يتعقل المعارف والحكم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فتبنى عقائده على أساس ثابت، وتُغذى عواطفه بمعين الخير الصافي، ويخرج ما يضاد ذلك من ظلمات الجاهلية، ويزداد ذلك بازدياد العلم الوارد إلى القلب، فلا يزال الخير إليه واصل، والشر منه نازل، حتى يصلح القلب ويستنير، فتنبعث الجوارح بالعبودية لله عن علم به وبحقه سبحانه.
فالقلب الذي رسخت عقائده بالدلائل البينات، وتوجهت عواطفه إلى الله بالحب والرغبات ميلاً إليه، وإعراضاً عمن سواه، وأصبحت إراداته وانفعالاته طوعاً لمراد الله وشرعه، هذا القلب هو المحصن بإذن الله من الشبهات التي يزخرفها شياطين الإنس والجن أو الشهوات التي يزينونها.
وحصانة القلب وعمرانه بالخير لا بد لها من أن يكون طاهراً زكياً،
стр. 317
فصلاح القلب قائم على التطهير والتزكية.
قال ابن القيم ﵀: "والمقصود: أن زكاة القلب موقوفة على طهارته، كما أن زكاة البدن موقوفة على استفراغه من أخلاطه الرديئة الفاسدة" ١.
وقال أيضاً:" ... فكذلك القلب إذا تخلص من الذنوب بالتوبة، فقد استفرغ من تخليطه، فتخلصت قوة القلب وإرادته للخير، فاستراح من تلك الجواذب الفاسدة، والمواد الردية، فزكا ونما وقوي واشتد، وجلس على سرير ملكه، ونفذ حكمه في رعيته، فسمعت له وأطاعت، فلا سبيل إلى زكاته إلا بعد طهارته ... " ٢.
فأثر الإيمان على القلوب دائربين تطهيرها وتزكيتها، وكلا هذين الأمرين من التطهير والتزكية لهما دور هام في تحصين القلب من الأفكار الفاسدة.
والتطهير مقدم على التزكية من باب: التخلية قبل التحلية فالتطهير هو إخراج دغل القلب وفساده، فيكون مهيأ لاستقبال الخير والترقي فيه.
وقد وردت الإشارة إلى تقديم التطهير على التزكية في كثير من
стр. 318
النصوص منها: قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:١٥٦] .
وقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] .
وإذا تبين هذا فإن أهم وأول أثر للإيمان هو تطهير القلب، ثم تزكيته، وسوف أتكلم على كل منهما في فصل مستقل، أبين فيه الآثار التي يحدثها الإيمان من خلال كل منهما، والله المستعان.
стр. 319
الفصل الثاني: أثر الإيمان في تطهير القلوب .
*
...
والمقصود هو الكلام على أثر الإيمان في تطهير نفس المؤمن، وبيان أن ذلك جزء هام من الحصن المتين الذي يُحصن به القلب ضد الأفكار الخبيثة.
والتطهير: اسم للفعل الذي تحصل به الطهارة.
وطهارة النفس: تشمل تنقية القلب من العقائد الباطلة، والظنون السيئة، والعواطف المنحرفة، والإرادات الفاسدة، وتنقيته من أدران الذنوب والران الجاثم عليه.
كما تشمل تنقية السلوك من الأعمال القبيحة والعادات الرديئة.
وهذا الفصل يدور حول الأمر الأول تنقية القلوب وهو الأصل والأساس لصلاح السلوك.
هذا وسوف أتكلم على آثار الإيمان في تطهير القلب -مع الإشارة إلى علاقة كل أثر بتحصين القلب- في عدة مباحث على النحو التالي:
المبحث الأول: أثره في تطهير القلب من العقائد الباطلة والظنون السيئة.
المبحث الثاني: أثره في تطهير القلب من الران ودرن المعاصي.
المبحث الثالث: أثره في تطهير القلب من العواطف الفاسدة.
وإلى المبحث الأول من هذا الفصل، وبالله التوفيق ...
стр. 320
المبحث الأول: أثر الإيمان في تطهير القلوب من العقائد الباطلة والظنون السيئة
كل إنسان يحمل في قلبه عقائد ومفاهيم تخصه عن مختلف القضايا التي يتوجه إليها اهتمام الناس، استقى هذه المعلومات من مصادر مختلفة أهمها: كتب ورجال ملته، وعن طريق والديه ومجتمعه، كما أن للقصص والأساطير التي غالباً ما تنتشر بين الناس أثراً في تكوين ذلك، وفي وقتنا الحاضر تحتل وسائل الإعلام مكانة عظيمة كموجه ومؤثر على الفكر، وتكوين العقائد والمفاهيم.
وعلى هذا فالخطوة الأولى التي يعتني بها الإسلام هي تنقية وتطهير قلوب معتنقيه، من العقائد والظنون السيئة الموروثة لديهم.
ويتم ذلك بتعليمهم الحق، وبيان الباطل ودحضه في جميع المطالب الأساسية التي تشتاق قلوب العباد لمعرفتها، والتي لا بد منها لحصول الهداية للبشر، كمعرفة الخالق ﵎، وأصل الإنسان، ودوره في الحياة، والحكمة من خلقه، ومصيره وما يكون بعد الموت، وحق خالقه عليه، وغير ذلك من الأمور الغيبية: كالملائكة، والكتب المنزلة، ورسل
стр. 321
الله إلى البشر، واليوم الآخر، والقدر.
ومن أجل ترسيخ هذه المفاهيم المصلحة للقلب، لا بد من تطهيره من ضدها، قال ابن القيم ﵀:"قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده، وهذا كما أنه في الذوات والأعيان، فكذلك في الاعتقادات والإرادات، فإذا كان موضع القلب ممتلئاً بالباطل اعتقاداً ومحبة، لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع" ١.
وقد أكد سبحانه هذا المعنى بقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] .
فقدم سبحانه الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله تنبيهاً إلى وجوب تخلية القلب من الضد، فلا يصح إيمان بالله وإيمان بشيء من الطواغيت، كما لا يكفي براءة من الطاغوت بدون إيمان بالله، فلا بد من تطهير تصاحبه تزكية.
قال ابن جرير ﵀ في تفسير الآية: "فتأويل الكلام إذاً: فمن يجحد ربوبية كل معبود من دون الله فيكفر به ويؤمن بالله، يقول: ويصدق بالله أنه إله وربه ومعبوده، فقد استمسك بالعروة الوثقى، يقول: فقد تمسك بأوثق ما يتمسك به من طلب الخلاص لنفسه من عذاب الله
стр. 322
وعقابه" ١.
وهكذا في جميع المطالب الإلهية فإنه يجب على المسلم أن يتبرأ من الباطل فور انكشافه له، ويلتزم الحق.
والمؤثر الأهم في تحقيق هذا المطلب هو العلم المستقى من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وقد تقدم أن العلم هو المؤسس والمغذي -بإذن الله- للعقائد والعواطف، وعلى هذا فلا يتصور إيمان بلا علم، ذلك أن الإيمان هو علم صدقه القلب وقبله وانقاد لموجبه، إلا أنه قد يوجد علم بلا إيمان.
وقد بين الله تعالى في كتابه الكريم أثر العلم في إخراج الناس من ظلمات الضلال وتطهيرهم منها في مواضع عديدة، منها:
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:٢] .
فدلت الآية على أن خروجهم من الضلال المبين، كان ببعثه الرسول الكريم ﷺ الذي يعلمهم الكتاب والحكمة، وبقدر حظهم من الكتاب والسنة يكون انفصالهم عن الضلال، والعكس صحيح، أي أنهم كلما ابتعدوا عن الكتاب والحكمة رجعوا إلى الضلال المبين بقدر ذلك الابتعاد. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى
стр. 323
النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم:١] .
فإرسال الرسول ﷺ بهذا الكتاب العظيم المشتمل على العلم الصحيح والطريق القويم، إنما هو لإخراجهم من الكفر ودواعيه، وإدخالهم في الإيمان وشرائعه، وأعظم ظلمات الكفر هي عقائده الباطلة النجسة، والظنون السيئة القائمة في قلوب أهله.
وقد أحكم الله آياته وبينها بياناً واضحاً بالأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة، والخطاب الواضح، لجلاء الحق وكشف زيف الباطل.
قال ﵎: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٩] .
وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة:١٦] .
فدلت هذه الآية على أمور هامة في مجال التطهير منها:
١- أن الذين ينتفعون بالعلم الذي جاء في كتاب الله وعلى لسان رسوله ﷺ فيحصل لهم أثره في التطهير والتزكية، هم المؤمنون الذين اتبعوا رضوان الله، فهم الذين تحقق لهم نفعه، كما قال تعالى: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١-٢] .
стр. 324
أما سائر الناس، فإن الوحي هو سبيل هدايتهم، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥] .
لكن تحقق الهداية يتم للمتقين الذين اتبعوا رضوان الله.
٢- دلت الآية على أن العلم المستقى من الوحي المطهر، هو السبب الأهم في هداية المؤمنين، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، دل على ذلك قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ ... ﴾ الآية، فبالقرآن يهدي الله عباده المؤمنين، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراطه المستقيم.
٣- أن تأثير العلم فيمن اتبع رضوان الله شامل لتطهيرهم بإخراجهم من الظلمات، وإبعادهم عن الضلالات، كما هو شامل لإدخالهم في النور بتزكيتهم وهدايتهم إلى سبل السلام، والصراط المستقيم.
فالنور والكتاب مؤثر في التطهير والتزكية، فالله تعالى عندما يذكر إخراجهم من الظلمات يقرن به إدخالهم في النور، مما يدل على أن التطهير من الظلمات لا يكفي بدون الدخول في النور، كما أن التزكية لا تتم بدون التطهير، كما دلت الآية على أن الطريق إليهما يكون بالعلم المستمد من الكتاب والسنة والعمل به.
وبهذا يتبين أن بداية الاهتداء تكون بتطهير القلب من العقائد الفاسدة، والظنون السيئة، وما يتبع ذلك من النيّات والعواطف، وتبين أن
стр. 325
العلم هو المؤثر الأهم لتحقيق هذا الغرض.
والعلم الذي يتم به حصول المراد، هو علم التوحيد المتعلق بمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله وحقه على عباده، والذي يتحصل عليه المسلم بدراسة ما ورد في القرآن الكريم وأحاديث خاتم المرسلين ﷺ ، وفق منهج السلف الصالح، بعيداً عن مناهج المتكلمين، أو الفلاسفة الضالين، أو المتصوفة المبتدعين.
وبالرجوع إلى القرآن العظيم، وسنة النبي ﷺ وواقع دعوته، نجد أنها تولي أهمية بالغة وعناية خاصة بإزالة ما علق في قلوب الناس من مفاهيم وعقائد وظنون خاطئة، وذلك بالتركيز على تجلية أسماء الله وصفاته وأفعاله، وحكمته وقدره وحقه على عباده، والرد على من أثبت خلاف الحق في ذلك، وبهذه التجلية والبيان الواضح والرد الحاسم ينفك المسلم عن الطاغوت وكل ما يمت إليه بصلة، ويستمسك بالإيمان وكل ما يتصل به.
والخلل في معرفة الخالق ﵎، أو حكمته وقدره، أو حقه على عباده، يُوجِد سوء ظن بالله يتناسب مع هذا الخلل، سواء كان بجهل تلك الأسماء وما تدل عليه من الصفات، أو جهل بعض تفاصيل القدر وتوحيد الألوهية، أو كان بفهمها فهماً يخالف الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة.
والظن السيئ دافع إلى الفعل السيئ، فقطع ذلك الظن قطع لإرادات
стр. 326
الشر وخواطره من القلب، والتي ينفذ من خلالها الشيطان لإضلال الإنسان.
وكل جهل أو ضلال في معرفة اسم من أسماء الله، وما يتضمن من الصفة، يتولد عنه ظن سيئ ينعكس أثره على سلوك الفرد، ومن أمثلة ذلك ما قصه الله علينا من حال فريق من الناس حصل في قلوبهم خلل في إثبات صفة العلم لله تعالى، تولد عنه ظن سيئ وعمل خبيث.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٢، ٢٣] .
قال ابن جرير ﵀ في تأويل هذه الآية: "يقول تعالى ذكره: وهذا الذي كان منكم في الدنيا من ظنكم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعلمون من قبائح أعمالكم ومساويها، وهو ظنكم الذي ظننتم بربكم في الدنيا أرداكم، يعني أهلككم" ١.
فدلت الآية على أن الظن السيء ناتج عن خلل في معرفة توحيد الأسماء والصفات، وأثر ذلك على السلوك.
كما دلت على أمر آخر له صلة وثيقة بهذا البحث، هو أن الظن
стр. 327
السيء يتسبب في هلاك صاحبه، فهو ثغرة في قلبه يتسلل منها الشياطين لإفساد عبوديته وتوحيده، وتطهير القلب من هذه الظنون الفاسدة المردية لازم لبقاء حصن القلب منيعاً صامداً.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاساً يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران:١٥٤] .
قال ابن القيم ﵀ حول هذه الآية: " ... وأخبر أنّ من لم يصبه ذلك النعاس، فهو ممن أهمته نفسه لا دينه ولا نبيه ولا أصحابه، وإنهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية.
وقد فُسِّر هذا الظن الذي لا يليق بالله، بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل، وقد فسر بظنهم أن ما أصابهم لم يكن بقضائه وقدره، ولا حكمة له فيه، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله ويظهر على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون به في سورة الفتح حيث يقول: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ
стр. 328
وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [الفتح:٦] " ١.
ثم بين ﵀ علاقة الظن السيء بالضلال في توحيد الأسماء والصفات، فقال: "وإنما كان هذا ظن السوء، وظن الجاهلية المنسوب إلى أهل الجهل وظن غير الحق، لأنه ظن غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، وذاته المبرأة من كل عيب وسوء، وخلاف ما يليق بحكمته وحمده، وتفرده بالربوبية والألوهية، وما يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه ... "٢، ثم قال: "وأكثر الناس يظنون بالله غير الحق ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وعرف أسماءه وصفاته، وعرف موجب حمده وحكمته ... "٣.
وإذا كان الانحراف في توحيد الأسماء والصفات متولداً عن ظن سيء برب العالمين، فكذلك الانحراف في توحيد الألوهية متولد عن ظن
стр. 329
سيء قائم في قلوب المنحرفين.
أشار إلى ذلك ربنا ﵎ في معرض ذكره مجادلة إبراهيم لقومه حيث قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لأَبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٣-٨٧] .
قال ابن القيم ﵀ مبيناً العلاقة بين الظن السيء الناتج عن تعطيل أسماء الله، وبين الشرك في عبادة الله: "فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله، ولهذا قال إمام الحنفاء لخصمائه المشركين: ﴿أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، وإن كان المعنى: ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به، وقد عبدتم معه غيره، وجعلتم له أنداداً١؟ فأنت تجد تحت هذا التهديد: ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره٢ ... "٣.
стр. 330
فالله سبحانه في هذا السياق قابل بين سلامة قلب إمام الموحدين-الذي كان به موحداً- وبين ظن قومه المشركين برب العالمين الذي أوقعهم في الشرك، مما يدل على أهمية تطهير القلب وسلامته من العقائد الباطلة والظنون الفاسدة، ليتزكى بعد ذلك بالتوحيد.
وعلى هذا فالضلال في معرفة توحيد الأسماء والصفات، هو السبب في تولد الظنون السيئة الباعثة على الوقوع في الشرك والسلوك المنحرف.
وإذا تبين أهمية التطهير ووجوب البدء به، وأنّّ ذلك مطلوب في كل زمان ومن كل إنسان لشدة الضلال وتنوعه وانتشاره في كافة أجناس البشر، وقت البعثة النبوية وبعدها، تبين بوضوح الحكمةُ من العناية العظيمة بمسائل الإيمان، وتكرارها في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وأحاديث المصطفى ﷺ ، فمعرفة الله هي أساس الهداية، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله١.
والهداية بمعناها الأشمل الذي يعني الرشد والسداد في كل نشاط إنساني، فمرجع ذلك كله إلى معرفة الله معرفة صحيحة، والعمل بموجب تلك المعرفة، وكلما كان في معرفة الله خلل عند الفرد أو الجماعة، كان في سلوكها وهدايتها خلل بقدره، فهناك تلازم وثيق بين الاعتقاد وبين السلوك البشري، فصلاح وهداية النشاط البشري عائد إلى صلاح
стр. 331
الاعتقاد وفساده راجع إلى فساده.
والحقيقة المرة التي يجب على كل مخلص يهتم بأمر المسلمين أن يدركها ويعترف بها، هي أن المنتسبين إلى الإسلام اليوم بأشد الحاجة إلى عملية التطهير، وذلك أن عقائد كثير من المسلمين وعباداتهم قد شابتها الأكدار واستحكمت فيها الانحرافات، وابتعدوا على مستويات مختلفة عما كان عليه النبي ﷺ وصحابته الكرام، في جميع قضايا الدين، وأشد ذلك خطراً الانحراف فيما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الألوهية والقدر، وسائر مباحث العقيدة الإسلامية.
فقد أهملت أهم قضية قررها القرآن ودعا إليها النبي ﷺ ألا وهي تطهير الاعتقاد، وتأسيس التوحيد في قلوب العباد على أساس معرفة الله بأسمائه وصفاته، وإخراج ما يضاد ذلك من العقائد الباطلة والظنون السيئة، ثم عبادته تعالى وحده عن علم به وبحقه، فلا يصرف شيء مما تفرد به سبحانه من الأفعال والصفات لغيره، ولا يُحرف شيء مما وصف به نفسه ﵎ إلى غير مراده، كما لا يُقصد بشيء مما يجب إفراده به من الطاعات أي مخلوق كان.
فقلّ أن يوجد في مناهج الدعاة والجماعات المعاصرة الدعوة إلى تصفية الفكر الإسلامي من المناهج المبتدعة، والعلوم الزائفة الدخيلة، وإلى تنقية القلوب من العقائد الباطلة والظنون السيئة، وإلى ترك العبادات المبتدعة الناتجة عن تلك المناهج، وإلى إزالة مظاهر الانحراف والشرك من
стр. 332
المساجد والمشاهد التي كثرت في بلاد المسلمين.
إلا أنّ الساحة الإسلامية لم تخل -والحمد لله- من القائمين بدين الله الداعين إلى ما كان عليه الرسول ﷺ وصحابته الكرام، وسلف الأمة الصالح، مبتدئين بالدعوة إلى تطهير الاعتقاد، وتطهير الفكر والسلوك، وكل ما أدى إليه أو نتج عنه، ملتزمين بأخذ العلوم من منابعها الصافية، من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وفهم السلف الصالح مقتفين أثرهم في العبادات والسلوك ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
وقد بارك الله في جهودهم -وله الحمد والمنة- فلهم علماؤهم وكتبهم المنشورة، ومجلاتهم السائرة، ودعاتهم الظاهرون، ومدارسهم وجامعاتهم المعروفة، ومحافلهم العامرة، وهم بخير وإلى خير -إن شاء الله.
وخلاصة هذا المبحث: إنّ الأثر الأول للإيمان هو تطهير القلوب من الاعتقادات الباطلة، وما ينتج عنها من الظنون الرديّة المُرْدِية.
وإنّ ذلك يكون بالعلم بالله وبحقه ودراسة ذلك من خلال البيان الوارد في الكتاب والسنة، وفق منهج السلف الصالح.
وإنّ المسلمين اليوم بأشد الحاجة إلى هذا الأثر، وإنّه يكون بتبني العلماء العاملين والدعاة على مستوى الأفراد والجماعات المنهج السليم وتقديم هذا الأمر والعناية به، ونبذ ما خالف الحق من المبتدعات في كل مجال، وعلى كل مستوى١، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 333
المبحث الثاني: أثر الإيمان في تطهير القلب من الران ودَرَن المعاصي
ويكون ذلك بتكفير الذنوب، فقد جعل الله الإيمان سبباً لتكفير الذنوب.
وذلك أن الذنوب يغطي رانها القلب، وينتج عن ذلك ثلاثة أمور لها أثر بالغ في إضعاف أو فقدان حصانة القلب ضد الأفكار الهدامة ومسبباتها، وهي:
١- تقطع الصلة بالله:
وقد تقدم أن أول وأهم أثر للإيمان هو كونه السبب الوحيد في حصول ولاية الله ومعونته وتأييده للعبد، وما ينتج عن ذلك من تحصينه ضد الضلالات بصرفه عنها، أو صرفها عنه.
ومعلوم أن العبد في ولاية الله ما دام قائماً بالسبب الذي يحصل به عليها، وهو الإيمان والتقوى، فإذا قارف المعاصي واستمر على ذلك، بَعُد بذلك عن الله، وحجب عنه ولايته، ووكله إلى نفسه بقدر فسقه، فكان بذلك غرضاً لشياطين الإنس والجن.
قال ابن القيم ﵀ في معرض تعداد عقوبات المعاصي: "ومن أعظم عقوبتها أنها توجب القطيعة بين العبد وبين ربه ﵎، وإذا وقعت القطيعة بين العبد وبين ربه ﵎ انقطعت عنه
стр. 334
أسباب الخير، واتصلت به أسباب الشر، فأي فلاح وأي رجاء، وأي عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير، وقطع ما بينه وبين وليه ومولاه الذي لا غنى له عنه، واتصلت به أسباب الشر ووصل ما بينه وبين أعدى عدوّ له، فتولاه عدوه وتخلى عنه وليه ... " ١.
وقال أيضاً: "وأصل هذا كله، أن القلب كلما كان أبعد من الله، كانت الآفات إليه أسرع، وكلما كان أقرب من الله بعدت عنه الآفات، والبعد من الله مراتب بعضها أشد من بعض، فالغفلة تبعد العبد عن الله، وبعد المعصية أعظم من بعد الغفلة، وبعد البدعة أعظم من بعد المعصية، وبعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله" ٢.
٢- تظلم القلب:
وذلك أن الران إذا زاد في القلب حجب بصيرته، وأضعف وظيفة التعقل، فيظلم قلبه ويسير في الحياة بلا نور يتخبط في الظلمات، ومنها الأفكار الهدامة التي تحيط به من كل الاتجاهات، ويروج لها كل شيطان.
قال ابن القيم ﵀ في بيان بعض آثار المعاصي على قلب العاصي: "يجد ظلمة في قلبه حقيقية يحس بها، كما يحس بظلمة الليل، فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره، فإن الطاعة نور
стр. 335
والمعصية ظلمة، وكلما قويت ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة، وهو لا يشعر ... " ١.
وقال ابن عباس ﵁: "إن للحسنة ضياء في الوجه، ونوراًُ في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق" ٢.
وكما أن المعصية تضعف البصيرة، فهي أيضاً تضعف التعقل، وقد تقدم أن الإيمان له تأثير في وظيفة التعقل، وكلما كان الإيمان قوياً، كان العقل أقوى وأرشد، وإذا ضعف الإيمان باقتراف المعاصي، وزاد الران أضعف هذه القوة.
قال ابن القيم ﵀: "إن المعاصي تفسد العقل، فإن للعقل نوراً، والمعصية تطفئ نور العقل ولا بد، وإذا طفئ نوره ضعف ونقص" ٣.
٣- تغذي مادة الشر في القلب:
إن المعاصي تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، فلا يزال مريضاً معلولاً لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه، فتأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوب أمراض القلوب
стр. 336
ولا دواء لها إلا بتركها.١
فالمعاصي تقسي القلب، وتقوي العواطف الفاسدة التي هي من موجهات الإرادة، فيكون القلب مهيأ بما فيه من الدوافع للتفاعل مع المغريات الخارجية التي تزين له الشهوات، وتلبس عليه بالشبهات، وتكون استجابته لها بقدر ما في قلبه من الران والفساد.
وتكرار المعاصي تكرار الممارسة لمعصية ما يسبب إلفها، أو ما يسمى "العاطفة المستقرة"٢ التي تجعل الإنسان يمارسها إشباعاً لهذه العاطفة، حتى ولو لم يلتذ بها، وكذلك الطاعات مع تكرار الممارسة تكون عواطف مستقرة.
أشار إلى ذلك العلامة ابن القيم ﵀ بقوله: "ومنها أن المعاصي تزرع أمثالها، وتولد بعضها بعضاً حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة، السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة، الحسنة بعدها، فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها اعملني أيضاً، فإذا عملت قالت الثالثة كذلك وهلم جرا، فيتضاعف الربح وتزايدت الحسنات، وكذلك كانت السيئات أيضاً حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة، وصفات لازمة وملكات ثابتة، فلو عطل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما
стр. 337
رحبت ... حتى يعاودها فتسكن نفسه وتقر عينه، ولو عطل المجرم المعصية، وأقبل على الطاعة، لضاقت عليه نفسه وضاق صدره وأعيت عليه مذاهبه حتى يعادوها، حتى إن كثيراً من الفساق ليواقع المعصية من غير لذة يجدها ... " ١.
والعواطف المستقرة المتوجهة إلى حب المعاصي مخالفة للفطرة، وبذلك ينتج عنها قلق وخوف يلازم القلب، يقوى بقوة تلك العواطف ويضعف بضعفها.
والقلق والخوف من أقوى الموجهات القلبية إلى الجنوح إلى العديد من العادات والأعمال التي يصطاد بها المروجون للأفكار الهدامة، وإذا كان القلق ناتجاًَ عن شبهة -ثارت في القلب لضعف اليقين- كان دافعاً إلى الخوض في المناهج المخالفة للحق، طالباً اليقين، وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام على أثر الإيمان في طمأنينة القلب في الفصل القادم إن شاء الله.
وخلاصة ما تقدم: أن المعاصي تحدث أثراً عظيماً في القلب، ينتج عنه بعد العاصي عن الله، ويغطي الران القلب فيظلم، وتضعف بصيرته وتعقله كما تزداد فيه مادة الشر، وتتوجه الإرادات إليه، وبذلك تنهدّ الأسوار المنيعة التي كانت تحوط القلب وتحصنه من مخططات ووساوس
стр. 338
شياطين الإنس والجن، بل يكون مقبلاً عليها طالباً لها بقدر ما فيه من الشر والظلمة.
وحيث إن كل بني آدم خطاؤون، ونظراً لخطورة المعاصي على القلوب -كما تقدم - فقد أوجد الله المخرج من ذلك ويسره، حيث أوجد أسباباً لتكفير الذنوب وتطهير القلوب من آثارها، وهذا من عظيم رحمته بعباده وله الحمد والمنة.
تكفير الذنوب وأثره في تطهير القلوب:
بين الرسول ﷺ هذا الأثر للذنوب في تدنيس القلوب، وكيف يتم تطهيرها منه بقول: " إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوادء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب، سُقل١ قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] " ٢.
فبين ﷺ أن المعاصي سبب لحصول الظلمة والران في القلب، والتوبة والاستغفار وعدم الاستمرار على الذنب سبب لجلائها وزوالها، وتطهير
стр. 339
القلب من آثارها.
ومكفرات الذنوب -من فضل الله- كثيرة جداً، بل إن كل الأعمال الصالحة مكفرات للذنوب، إلا أن أثر بعضها أقوى وأشمل من بعض. وسوف أذكر باختصار أهم تلك المكفرات.
فمن أعظم أسباب تكفير الذنوب وتطهير القلوب من آثارها:
التوحيد:
قال ابن رجب ﵀: "من أسباب المغفرة التوحيد، وهو السبب الأعظم، فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة ...
فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت، أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكلية، فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أخرجت منه كل ما سوى الله، محبة وتعظيماً وإجلالاً ومهابة وخشية ورجاء وتوكلاً، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات ...
فإن هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع ذرة منه على جبال الذنوب والخطايا لقلبها حسنات"١.
стр. 340
قوله ﵀ في حق التوحيد: "فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة"، مفاده أن لا حظّ لغير الموحد في رحمة الله الموجبة لمغفرة الذنوب، والنجاة من العذاب ودخول الجنة، وذلك أن الشرك يعمل عملاً يضاد عمل التوحيد.
فالتوحيد يكفر السيئات، والشرك يحبط الحسنات.
كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] .
فالتوحيد هو الشرط الأساسي لانتفاع العبد بأعماله الصالحة في مجال تكفير الذنوب وغيره، والتوسل به هو أبرك التوسلات النافعة في حصول المغفرة واستجابة الدعاء، لذلك توسل به ذو النون ﵇ وهو في تلك الشدة الرهيبة، كما أخبرنا الله عنه بقوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧، ٨٨] .
ومن أجل ذلك كانت أفضل صيغ الاستغفار تشتمل على الإقرار بالتوحيد بالنطق بالشهادة، كما في دعاء سيد الاستغفار الذي علمناه النبي ﷺ بقوله: "سيد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت،
стр. 341
خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، اغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت " ١.
ومن المكفرات: التوبة والاستغفار.
قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان: ٧٠] .
وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] .
ومن المكفرات: الصلوات الخمس والجمعة وصوم رمضان والحج.
قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤] .
وقال ﷺ : " أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من درنه شيء،
стр. 342
قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا " ١.
وقال ﵊: " من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " ٢.
وقال ﷺ : " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر" ٣.
وقال ﷺ في الحج: "من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه "٤.
стр. 343
ولا يقتصر تكفير الذنوب على الفرائض بل يشمل النوافل أيضاً.
قال ﷺ : " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط "١.
ومن ذلك: الذكر:
قال ﷺ : " من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك، ومن قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر "٢.
والنصوص الدالة على فضائل الأعمال، وتكفيرها للذنوب كثيرة جداً، وليس الغرض الحصر، وإنما الإشارة إلى عناية الله بهذا الأمر الذي
стр. 344
فيه جلاء القلوب وتطهيرها من أدران الذنوب، لتبقى قوية حصينة من كل فكر خبيث، متوجهة بإراداتها إلى الخير.
وهذه الأعمال المكفرة منها ما يكون تكفيره عام لجميع الذنوب، ومنها ما يقتصر على الصغائر، فالكبائر لا بد لها من توبة نصوح.
كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان: ٦٨-٧٠] .
فاشتراط التوبة مع الأعمال الصالحة يدل على لزومها لتكفير الكبائر، وأكد ذلك سبحانه في الآية التي تليها، فقال: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً﴾ [الفرقان:٧١] .
أما الصغائر فإنها تكفر بالأعمال الصالحة فرائض ونوافل، كما قال ﷺ : " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر "١.
ومما يجدر التنبيه عليه أن هذه الأعمال جميعها لا يحصل منها
стр. 345
المقصود، وهو تكفير الذنوب وتطهير القلب من نكدها، إلا إذا كانت صادرة من موحد عالم بربه، مخلص بأعماله لله وحده، وعملها عن علم وموافقة لشريعة النبي ﷺ .
وخلاصة هذا المبحث: أن تطهير القلب من الران ودرن المعاصي، أثر هام من آثار الإيمان، يجعل القلب محافظاً على سلامته ونوره، ويُقوّي فيه مادة الخير، ويقلل نوازع الشر، ويزيد من صلته بربه، حيث يُزَال ما يجثم عليه من الران وكدر المعاصي أولاً بأول بفعل المكفرات، وبذلك يحافظ القلب على درجة عالية من حب الإيمان، وكره الكفر والفسوق والعصيان، فلا يميل إلى الأفكار الهدامة ولا تستهويه، ولو تولد في قلبه شيء منها -مما يلقيه الشيطان- أو عرضها عليه شياطين الإنس، لكان فيه من النور ودواعي الخير ما يكشفها ويحرقها وينفر القلب منها. والله أعلم.
стр. 346
المبحث الثالث: أثر الإيمان في تطهير القلب من العواطف الفاسدة
تقدم بيان أن العواطف تتعلق بالمحبوبات والمكروهات١، وعواطف المحبة أو الكراهة تكون صحيحة إذا توجهت وجهة صحيحة كمحبة الله تعالى، وكراهية الطاغوت، وتكون فاسدة إذا اتجهت وجهة فاسدة، كمحبة الباطل، وكراهية الحق.
وقد يكون أصل هذه العواطف صحيحاً، لكن تتجاوز الحد، فتخرج عن صحتها إلى مرضها، مثل: حب المال إذا زاد أصبح حرصاً مذموماً يسيطر على القلب، وكراهية الموت عاطفة جبلت عليها النفوس، لكن إذا زاد الحد إلى الخور والجبن، أصبحت عاطفة فاسدة.
ويمكن حصر أهم العواطف الفاسدة التي تقوم في قلوب الناس فتحرف سلوكهم عن الصراط المستقيم فيما يلي:
١- حب التأله العبادة المتوجه لغير الله.
٢- حب الشهوات المحرمة.
٣- الحقد والحسد. وهما مرضان نابعان من عاطفة الكراهة للمحقود عليه والمحسود، وشهوة التشفي منه.
стр. 347
ووجود أحد هذه الأمراض أو أكثر يكون خللاً في القلب يتسلل منه شياطين الإنس والجن، وهو ثغرة في حصن القلب، ومقتل عظيم قد يؤدي إلى هلاكه.
وسيجري الكلام في هذا المبحث إن شاء الله حول هذه الأمراض العاطفية والتي يعود إليها كل مرض، وينبعث منها كل سلوك سيء مع بيان أثر الإيمان في تطهير القلب منها، مما يؤدي إلى حصانته، وقد أفردت لكل منها مطلباً مستقلاً.
стр. 348
المطلب الأول: أثر الإيمان في تطهير القلب من محبة غير الله
والمراد محبة العبادة، التي تجمع بين الحب مع الذل١.
وهذه العاطفة متعلقة بالاعتقاد كما تقدم، فإن من اعتقد في ذات أنها تنفعه، وتجلب له الخير أو تدفع عنه الشر، أحبها، كما أنه يكره الشر والباطل وأهله.
وعلى هذا فالطريق إلى تطهير القلب منها هو تطهيره من العقائد الفاسدة، والظنون السيئة، ويكون ذلك بالعلم المستقى من الوحي، كما سبق تقريره في المبحث الأول من هذا الباب.
وقد أشار الله تعالى إلى العلاقة بين الحب والاعتقاد في سورة البقرة فبين سبحانه أولاً أنه المتفرد بالذات المقدسة، التي لا تساميها ذات أخرى لتفرده بصفات الكمال، والأفعال الحميدة التي لا نقص فيها، كما بين أنه المتفرد وحده بأنه الإله الحق المستحق للعبادة، فقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦٣] .
فحقه سبحانه لهذا أن يُحَب ويُعبد ولا يشرَك به، ومع ذلك أقام
стр. 349
الأدلة القاطعة المؤيدة لما تقدم، والمبينة لنعمه وأفضاله على عباده التي سخرها لهم على الأرض، والتي هي دافع آخر لمحبته وحده، فهو محبوب لذاته الكريمة المقدسة، ومحبوب لأنه المنعم المتفضل، فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤] .
ومع أن هذا العلم الواصل لهم عن طريق رسله بأنه ربهم وإلههم، لا رب لهم سواه، وهذه الآيات البينات الشاهدات على ذلك، مما يستدعي محبته وحده، مع ذلك كله يوجَد من يحب غيره لعدم قيام موجب ذلك العلم بقلبه، أما المؤمنون الذين شربت قلوبهم موجب هذا العلم، فإنهم أشد حباً لله، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥] .
وقد ذكّر الله عباده في كثير من الآيات بنعمه وآلائه عليهم، وكرر ذلك في كثير من السور، مع بيان الأدلة والبراهين على تفرده بذلك، وعجز غيره عن إحداث شيء من تلك النعم لو حبسها الله عن عباده.
стр. 350
والحكمة من ذلك -والله أعلم- أن يستثير عواطفهم لمحبته والتعلق به سبحانه، وتوحيده والانقياد لطاعته.
فإذا آمن العبد بالله واستشعر قلبه معاني أسماء الله وصفاته وتفرده بالربوبية، وعلم أن ما به من نعمة فمن الله وحده وما يرجو من خير أو دفع شر فبيده وحده، وفقه قلبه تلك العلوم التي تغرسها الآيات البينات في قلوب العباد، عندها يذعن القلب لله بالحب والخوف، فيتوجه لطاعته يدفعه الحب والأمل والرجاء، ويحجم عن معصيته يردعه الخوف.
وبما أن محبة الله هي أساس التوحيد والعبودية، فكذلك محبة غير الله حب العبادة، هي أساس الضلال والكفر، وعلى ذلك فالتزام الإيمان قولاً وعملاً واعتقاداً كفيل بتطهير القلب من محبة غير الله، أو ما يمتّ إليه بصلة في أي ناحية من النواحي.
قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات:٧، ٨] .
ومحبة معبود غير الله تابعة للاعتقادات الفاسدة، وزوالها يكون بزوالها، وقد تقدم أن زوال العقائد الباطلة إنما يكون بالعلم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ الذي كشف الباطل وأهله على مختلف أحوالهم، واستبان
стр. 351
بذلك سبيل المجرمين، فإذا نسفت العقائد الفاسدة، زال ما يترتب عليها من العواطف، وقد جرى الكلام حول ذلك بما فيه الكفاية -إن شاء الله- فلا داعي لتكراره١.
стр. 352
المطلب الثاني: أثر الإيمان في تطهير القلب من الشهوات المحرمة
الشهوة المحرمة هي عاطفة مستقرة تقوم في القلب نحو أمر ضار مخالف للفطرة، جاءت الشريعة بتحريمه، يحن القلب المريض لذلك الأمر وينبعث إليه ويرتاح لمزاولته وملابسته، ويزيد مرضه بتلك المزاولة والممارسة، ويقوى تعلقه به.
وقد تقوى العاطفة حتى تصبح عاطفة سائدة تستولي على القلب، وتتحكم فيه فتميته.
وهذه العواطف الجانحة المتوجهة إلى أمور مذمومة هي ما غلب عليه اسم الهوى.
وإذا سيطر الهوى على القلب أمرضه أو أماته، وينافسه ويضاده العقل الذي هو ما عقله القلب من العلوم النافعة والعقائد الصحيحة من معرفة الحق والخير، وما يضاده من الباطل والشر، فإذا كانت السيطرة للعقل على العواطف والإرادات، كان ذلك سبب صلاح القلب ومادة حياته.
وإذا سيطر أحدهما أضعف الآخر، وقلل انبعاث القلب لموجبه، فهما يتجاذبان القلب المريض الذي فيه إيمان ومرض، أما القلب الميت فقد استحكم فيه الهوى، والقلب السليم قد سيطر فيه الإيمان والعقل.
стр. 353
فلا يوجد الإيمان ويثمر إلا إذا جاهد نفسه في تطهيرها من هواها وزجرها عنه، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠، ٤١] .
"وهذا ثمرة العقل الذي به عُرف الله وأسماؤه وصفات كماله ونعوت جلاله، وبه آمن المؤمنون بكتبه ورسله ولقائه وملائكته، وبه عرفت آيات ربوبيته وأدلة وحدانيته ومعجزات رسله، وبه امتثلت أوامره واجتنبت نواهيه، وهو الذي تلمح العواقب فراقبها، وعمل بمقتضى مصالحها، وقاوم الهوى، فرد جيشه مغلولاً، وساعد الصبر حتى ظفر به بعد أن كان بسهامه مقتولاً، وحث الفضائل ونهى عن الرذائل ... "١.
وإذا قوي الهوى واستحكم، فإن العاطفة عندئذ تكون سائدة فيكون لها السلطان الأقوى على إرادات القلب وعواطفه، بل وتعقله، فيصبح هذا الهوى موجهاً لقلبه، له يوالي وعليه يعادي، وله ينفعل ويثور، ولأمره يأتمر، ولنهيه ينتهي، فيكون ذلك المحبوب الذي توجهت له تلك العاطفة ندّاً لله، يحبه الحب الذي لا ينبغي إلا لله، فقد اتخذه إلهاً من دون الله.
стр. 354
قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ [الفرقان:٤٣] .
والشهوة ركبها الله في طبيعة الناس، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران:١٤] .
وجعل الله العقل للإنسان، وأنزل إليه العلم لتنظيم الشهوات ووضعها في مكانها المناسب، واستخدامها بالقدر المناسب، فقد أحل الله له ما يناسبه ويحصل له به السكن والطمأنينة، ويعود عليه بالخير والصلاح في نفسه ومجتمعه، وحرّم عليه الضار المفسد الذي يقلقه، ويسبب له التعاسة في نفسه أو مجتمعه.
قال ابن القيم ﵀: "وإذا كانت الدولة للعقل سالمة الهوى، وكان من خدمه وأتباعه، كما أن الدولة إذا كانت للهوى، صار العقل في يديه، محكوماً عليه، ولما كان العبد لا ينفك عن الهوى ما دام حياً -فإن هواه لازم له- كان الأمر بخروجه عن الهوى بالكلية كالممتنع، ولكن المقدور له والمأمور به أن يصرف هواه عن مراتع الهلكة إلى مواطن الأمن والسلامة، فما حرم الله على عباده شيئاً إلا عوضهم خيراً منه، كما حرم عليهم الاستقسام بالأزلام، وعوضهم عنه دعاء الاستخارة، وحرم
стр. 355
عليهم الربا، وعوضهم منه التجارة الرابحة، وحرم عليهم القمار، وأعاضهم منه أكل المال بالمسابقة النافعة في الدين بالخيل والإبل والسهام، وحرم عليهم الحرير وأعاضهم منه أنواع الملابس الفاخرة من الصوف والكتان والقطن، وحرم عليهم الزنى واللواط، وأعاضهم منهما بالنكاح والتسري بصنوف النساء الحسان، وحرم عليهم شرب المسكر، وأعاضهم عنه بالأشربة اللذيذة النافعة للروح والبدن، وحرم عليهم سماع آلات اللهو والمثاني١، وأعاضهم عنها بسماع القرآن والسبع المثاني، وحرم عليهم الخبائث من المطعومات، وأعاضهم منها بالمطاعم الطيبة. ومن تلمح هذا وتأمله هان عليه ترك الهوى المردي، واعتاض عنه بالنافع المجدي، وعرف حكمة الله ورحمته، وتمام نعمته على عباده فيما أمرهم به، ونهاهم عنه، وفيما أباحه لهم، وأنه لم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه لهم، ولا نهاهم عنه بخلاً منه تعالى عليهم، بل أمرهم بما أمرهم إحساناً منه ورحمة، ونهاهم عنه صيانة لهم وحمية ... "٢.
العواطف الفاسدة ثغرة في القلب:
وقبل أن أتكلم عن أثر الإيمان في تطهير القلب من سلطان الهوى والعواطف الرديئة الكامنة فيه، أذكر بعض النصوص التي تدل على أن