← Акыда

Акыда · id 7265

أثر الإيمان في تحصين الأمة الإسلامية ضد الأفكار الهدامة

عبد الله بن عبد الرحمن الجربوع

Полный текст (667 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وطهارتهن، فقد شرع سبحانه هذه الأعمال، وأراد أن يحصل لمن التزم بها ما رتبه عليها، وجعلها سبباً له من الطهارة وذهاب الرجس. وقد ذكر منها سبحانه الصلاة، فدل على أن لها أثراً عظيماً في شفاء القلوب من داء محبة الفاحشة، واقتلاع دوافعها. وعلى هذا فإن النتيجة الحتمية لإضاعة الصلاة هي اتباع الشهوات، من شهوة الفاحشة، أو شهوة الظلم، والبغي والتكبر في الأرض. قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ [مريم:٥٩] . فللصلاة أثر عظيم في سلامة القلوب وصلاحها وانبعاثها للخير وبُعدها عن الشر، وما ذلك إلا لأنها اشتملت على معان وأفعال عظيمة أشير إلى أهمها: فمن جهة هي تحقيق للتوحيد، فالمصلي يظهر ذله وخضوعه وافتقاره لربه، يدعوه ويستغفره، يفزع إلى الصلاة، يرجو الخير والسلامة، ويعوذ بربه من الشر والهلاك. فهو يتصل بالله معلناً فقره وحاجته، ومعلناً شكره وامتنانه، عالماً مستشعراً أن ذلك بيد الله وحده، فلا يقصد غيره في ذلك؛ ومن جهة أخرى هي جامعة لأركان الإيمان الثلاثة: القول والعمل والاعتقاد.

стр. 387

فالاعتقاد والتصديق لا يفارق المسلم في جميع أوقاته، ما دام العقل باقياً، فهو ملازم له حال صلاته، والعمل يتمثل بالقيام والركوع والسجود والقعود ونحوها. والقول يتمثل بقراءة القرآن، والذكر والتشهد ونحوها، لذلك سمى الله الصلاة إيماناً في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة:١٤٣] . أي صلاتكم تجاه بيت المقدس قبل أن تحول القبلة، كما ورد في صحيح البخاري١. ومن جهة ثالثة، هي جامعة لأنواع الذكر، فالذكر بالعمل حاصل بأداء الفرض، وفي القلب حاصل حيث أن قلب المصلي الخاشع موصول متعلق بمن يقف بين يديه ويناجيه، وبالقول فجميع الأذكار القولية تقريباً تشتمل عليها الصلاة، فقراءة القرآن في القيام والتكبير والتحميد والتسبيح والتشهد في أركانها، والدعاء في قراءة الفاتحة والسجود وبين السجدتين، والتشهد الأخير، والاستغفار بين السجدتين، وبعد الصلاة مباشرة، وغير ذلك من الأذكار العظيمة التي اشتملت عليها. قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] . وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤، ١٥] . فبالله أي خير جمعت؟! وأي بركة تعود على من حافظ عليها

стр. 388

واستشعر أهميتها وحاجته إليها؟! ومن أعظم بركتها أن صاحبها -بإذن الله- يكون في حصن حصين من الشياطين وكيدهم، وذلك لاشتمالها على الذكر، كما تقدم، فقد ورد أن الذكر سبب لتحصين العبد من الشياطين، ومن ذلك ما أخبر به النبي ﷺ من أن الله أوحى إلى يحيى بن زكريا ﷺ بخمس كلمات أن يعمل بهن ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فذكر منهن الذكر، ومثله فقال: " ... وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً حتى إذا أتى حصناً حصيناً فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله ... "١. "فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقاً بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى، وأن لا يزال لهجاً بذكره، فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة، فهو يرصده فإذا غفل وثب عليه وافترسه، وإذا ذكر الله تعالى انخنس عدو الله تعالى وتصاغر وانقطع ... "٢.

стр. 389

فملازمة ذكر الله تعالى تجعل العبد في حصن حصين من الشياطين ووساوسهم وتلبيساتهم. ومردّ ذلك إلى أن الذكر -كغيره من الحسنات- يذهب السيئات، ويكفرها ويجلو القلب، فيبقى منيراً يقظاً يكشف لصاحبه الضلال وينفره منه. كما أن الذاكر موصول بالله يجازيه بما يناسب عمله، فيذكره سبحانه كما قال ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢] ذكراً خاصاً يوجب معيته وتوفيقه، وحفظه وتسديده، فيصرفه عن المهالك، ويوفقه لما فيه هدايته وصلاحه. ومن ذلك حفظه من الأفكار الخبيثة إذا طرأت على قلبه أو عُرضت عليه. أثر الصيام في تخليص القلب من الميل للفواحش: الأصل في هذا الأثر هو قول النبي ﷺ : " يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء "١.

стр. 390

قال النووي ﵀: "واختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحد أصحهما أن المراد معناها اللغوي، وهو الجماع فتقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤنه وهي مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم ليدفع شهوته ويقطع شر منيه، كما يقطعه الوجاء١.وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشبان الذين هم مظنة شهوة النساء، لا ينفكون عنها غالباً ... "٢. فالرسول أرشد إلى عبادة عظيمة تؤدي إلى تحصين المسلم من ثوران شهوته وجريانه خلفها إذا لم يكن له زوج. هذه العبادة تؤدي إلى ترك الطعام والشراب الذي يضعف الشهوة ويكسر حدتها لكنه لم يرشد إلى مجرد ترك الطعام والشراب، وإنما أرشد إلى العبادة التي تتضمن ذلك. قال ابن حجر ﵀: "عدل عن قوله فعليه بالجوع وقلة ما يثير الشهوة ويستدعي طغيان الماء من الطعام والشراب إلى ذكر الصوم، إذ ما جاء لتحصيل عبادة هي برأسها مطلوبة ... "٣.

стр. 391

فالأثر المتمثل في كسر الشهوة وإضعافها ليس ناتجاً عن الجوع والعطش فحسب، بل هو ناتج مع ذلك عن الإيمان والتقوى في الصيام، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] . فالصيام يشتمل على أمور هامة تعمل مجتمعة في أحداث هذا الأثر منها: أنه علة لحصول تقوى الله ، وزيادة الإيمان، وهو من الصبر على طاعة الله، ويشتمل على ذكره سبحانه؛ وبهذه الأمور تستجلب ولاية الله وعنايته ومعيته الخاصة لأوليائه قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] . وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٣] . وبذلك يقوى القلب وينصرف فكره عن الشهوة ودواعيها، ويسهل عليه الصبر عن معصية الله، فمن صبر على طاعة الله، أعانه الله على الصبر عن معصيته، والصوم أيضاً يؤدي من جهة أخرى إلى ضعف الشهوة وسكونها، لانقطاع مادة هيجانها وهو الشراب والطعام. وللصيام خاصية عظيمة في ردع القلب عن التهور والعجلة والاندفاع، فهو فعال في تهذيب السلوك، وتعويد من لازمه على التأني والصبر مما يعينه على الروية

стр. 392

والتبصر في أمره، وذلك يقود صاحبه إلى الخير. قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] . ومن أجل ذلك والله أعلم نجد أن الكفارات المغلظة ككفارة القتل والظهار، والجماع في نهار رمضان، التي كثيراً ما يكون الدافع إليها العجلة وعدم ضبط النفس، والضعف عن كبح الانفعال، شرع فيها الصوم شهرين متتابعين، وما ذلك إلا لتربية من حصل منه شيء من ذلك بالصوم ليحصل على هذا الأثر الهام. فملازمة الصوم تجعل الإنسان في حصون منيعة تحول دون عدوه والتسلل من خلال شهوة الجماع إلى استدراجه إلى مراتع الرذيلة التي يتوصل بها إلى إفساد دينه ودنياه؛ كما أنه يقوي قلبه على الصبر وكبح جماح النفس عند الانفعال، وذلك من آثار عناية الله بعبده، حيث أن الصوم من التقوى التي تستجلب بها ولاية الله. ومما تقدم يتبين: أن أثر الإيمان في تطهير القلب من محبة الفواحش يتجلى في أثر التوحيد الذي يعمر القلب بمحبة الله والخشية منه، وأن ذلك يتحقق بدراسة ومعرفة أسماء الله الموجبة لحبه وخشيته، واستشعار القلب لذلك؛ كما يتجلى في أثر الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وفي الذكر الذي يحصن العبد من عدوه ويوجب ذكر الله له، وفي الصيام الذي يزيد في تقواه وقربه من مولاه، ويضعف الشهوة، ويكسر من حدتها،

стр. 393

وفي غير ذلك من الأعمال الصالحة التي تزيد في الإيمان، وتقرب العبد من الرحمن، وتحبب إليه الخير والإحسان، وتنفره من الشر والفحش والطغيان. وأختتم هذا المطلب بأبيات تعبر عن معان ثارت في نفسي عند كتابة ما يختص بأثر الإيمان في تحصين القلوب من حب الفاحشة. الحمد لله العلي المنجد ... لعباده من كل فِكْر ملحد للشر مكر بالنساء الخُرد ... صبراً جميلاً صاح لا تتمرد فيما أحل الله غُنية عاقل ... ولذيذ عيش المرء في أن يهتدي وإذا نظرت إلى الحرام وجدته ... متعاً تزول ووحشة تتلبد لله در المؤمن المتجلد ... في دربه يسعى بغير تردد علم الفتى بالله أصل حياته ... وربيع قلب العبد حب الأوحد وبذكره تكسى القلوب حلاوة ... فهو الشفاء وللهموم يبدد والعلم نور للفتى في سعيه ... والعقل يحكم سيره ويسدد والقلب يأنس للموافق فطرة ... والنفس إن تجهل تميل وتعتدي لا يلتقي في القلب حب إلهه ... ومحبة الفحش المقيت الأنكد المخلصون مخلصون من الردى ... في أمر يوسف عبرة للمقتدي

стр. 394

المطلب الثالث: أثر الإيمان في تحصين القلب من الحقد والحسد تقدم أن أهم العواطف الفاسدة التي تقوم في قلوب الناس هي: حب العبادة المتوجهة لغير الله، وحب الشهوات المحرمة، والحقد والحسد، وتم بعون الله تعالى الكلام على القسمين الأولين، ويجري الكلام هنا على مَرَضَيِ الحقد والحسد، وأثر الإيمان في تطهير القلب منهما. الحقد والحسد وأثر الإيمان في تطهير القلب منهما: الحقد والحسد مرضان مصدرهما عاطفتا الكراهية والبغضاء للمحسود والمحقود عليه١، وقد يكون الدافع للحسد حب الذات، وكراهية أن يفوقه أحد من جنسه في شيء من الفضائل٢. والحسد هو تمني زوال نعمة عند غيره، وقد يتمنى أن تؤول إليه، وقد لا يتمنى، كما أنه قد يعمل بموجب حسده فيسعى لإزالة نعمة المحسود بالبغي عليه بالفعل أو بالقول، وقد لا يعمل. وأشده فتكاً وأعظمه خطراً وحرمة الحسد الذي يعمل صاحبه في

стр. 395

إلحاق الضرر بالمحسود١. الحقد والحسد ثغرتان في القلب: لا يوجد مرض يكون سبباً لرد الحق من أول وهلة بعد معرفته أشد من الحسد، فهو داء عضال إذا استحكم في القلب مال به عن القصد وأوقعه في المهالك. قال ابن تيمية ﵀: "فالبخل والحسد مرض يوجب بغض النفس لما ينفعها، بل وحبها لما يضرها، ولهذا يقرن الحسد بالحقد والغضب"٢. والحسد هو الدافع لأول ذنب عُصي الله به، حيث رفض إبليس السجود لآدم حسداً له على ما أولاه الله من الكرامة بإسجاد الملائكة له، وكِبْراً أن يسجد لمن يرى نفسه أفضل منه. وقد كانت أمهات المعاصي الكبار الدافع إليها الحسد، فقد قص الله علينا ما كان من إبليس، وما كان من بني إسرائيل وتكذيبهم لنبيهم ﵊، بل وعداوته وعداوة أتباعه، وأن الدافع لذلك هو الحسد. قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً

стр. 396

حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩] . كما قص علينا أول حادث قتل بين بني آدم، وقد كان الدافع إليه الحسد، "ولهذا قيل أول ذنب عصي الله به ثلاثة: الحرص، والكبر، والحسد، فالحرص من آدم، والكبر من إبليس، والحسد من قابيل حيث قتل هابيل" ١. فأصول المعاصي ترجع إلى: شهوة، أو كبر، أو حسد. والحسد كما أنه مضر بدين الحاسد، فهو أيضاً مرض اجتماعي يورث البغضاء بين أفراد المجتمع المسلم، ويحمل على البغي، أشار إلى أثره الاجتماعي الرسولصلى الله عليه وسلم بقوله: " لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخواناً، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث " ٢، وفي رواية: " وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله " ٣. قوله: " وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله " دليل على أنهم إن سرت فيهم هذه الأدواء، لم يكونوا إخواناً كما أمرهم الله، مما يدل على

стр. 397

أثرها في هدم أو إضعاف الأخوة الإيمانية. فالظلم والبغي الناتج عن الحقد والحسد عند الفقراء وخاصة الأقوياء منهم، هو مرض يقابل الشح والحرص على المال الذي يقوم في قلوب الأغنياء، فيحملهم على إمساك حقوق المال والظلم في تحصيله وإنفاقه، لذلك جمع الرسول ﷺ بينهما فقال: " اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم "١. وينتج عن هذين الأمرين -حقد وحسد الفقير، وشح الغني- داء اجتماعي خبيث هو بمثابة السرطان الذي يفتك بالأبدان، ألا وهو تغير القلوب وتنافرها وتباغضها، مما يؤدي إلى تسلط وتآمر بعض المسلمين على بعض. وقد استغل الحاقدون على الإسلام المتربصون بأهله، وجود هذا الداء بين أفراد المجتمع المسلم -قديماً وحديثاً- أسوأ استغلال لنشر المبادئ الهدامة والأفكار الخبيثة، والتفريق بين المسلمين، ولعل آخرها الفكر الشيوعي الذي يقوم على تسليط الفقراء على الأغنياء مستثيراً كوامن الحسد والبغضاء المنتشرة بين المسلمين، بسبب البعد عن منهج الله، وضعف الإيمان وانتشار الجهل، وشح الأغنياء، وإمساك الزكاة ...

стр. 398

ونحو ذلك. وبهذا يتضح أن الحسد وما يتفرع عنه من أدواء هي ثغرات في حصن القلب تتسلل منها دعوات الشياطين لإفساد الدنيا والدين، كما ينتج عنها أيضاً أمراض اجتماعية كالحقد والتباغض والتنازع والبغي، وهي انهيارات في حصون المجتمع المسلم تكشف ظهورهم لعدوهم، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦] . وليس الغرض التوسع في عرض هذه الأدواء، وما ترتب عليها من المفاسد، وإنما القصد بيان أن هذه العواطف الفاسدة إذا قامت في القلوب كانت أقوى الدوافع لتقبل أو طلب الأفكار الهدامة، ثم بيان أثر الإيمان في تطهير القلب منها. الإيمان مخلّص من الحقد والحسد: إن الحقد والحسد -كغيرها من أمراض القلوب- انحرافات في صحة القلب نتيجة لتغذيه من شرور الجاهلية، وعلاجها بكون بقطع مادة الشر التي تغذيه، وإمداده بضدها من مادة الخير والصلاح. قال ابن تيمية ﵀: " ... فهكذا أمراض القلب يحتاج فيها إلى حفظ الصحة ابتداء وإلى إعادتها -إن عرض له المرض- دوماً، والصحة تحفظ بالمثل، والمرض يزول بالضد. فصحة القلب تحفظ باستعمال أمثال

стр. 399

ما فيها، أو هو ما يقوي العلم والإيمان من الذكر والتفكر والعبادات المشروعة، وتزول بالضد، فتزال الشبهات بالبينات، وتزال محبة الباطل ببغضه ومحبة الحق"١. وهذه قاعدة جامعة نافعة للعلماء والدعاة والمربين، تدور حول معرفة سبب الداء ثم علاجه بالحمية منه وتعاطي ضده. ولأجل معرفة أثر الإيمان في تطهير القلوب من أدواء الحسد والحقد ونحوها، يجدر أن نتعرف على أسبابها ثم العلاج المضاد لكل سبب والذي يزول -بإذن الله- ذلك السبب ومن ثم المسبَّب. وأسباب هذه الأمراض بعضها يعود إلى نفس الحاسد، وبعضها يعود إلى المجتمع، وفي الإيمان علاج لجميعها. فأما الأسباب التي مردها إلى نفس الحاسد أو الحاقد فهي ضعف إيمانه، وقلة استشعاره لمعاني أسماء الله التي تدل على تفرده بالملك والتدبير، وأن ما يصيب الناس من خير أو ضده فهو من الله، وكذلك ضعف إيمانه بقدَر الله، وعدم الرضى بالمقدور. وعلاج هذا إنما يكون بالعلم بالتوحيد والقدَر واستشعار ذلك، وبالمحافظة على الصلوات، والتوجه إلى الله بالدعاء والضراعة، وحسن الظن به، والرضى بفعله وقدره.

стр. 400

فهذا جانب من الإيمان إذا علمه الإنسان واستشعره، وقام بموجبه، فإنه يؤثر تأثيراً قوياً في صلاح القلب وتخليصه من غله وحسده وحقده. أما العوامل الاجتماعية فهي رئيسية، حيث تمثل الدافع لقيام الحسد والحقد والكراهية في قلوب ضعاف الإيمان من المسلمين من الفقراء ضد الأغنياء. وأخبث هذه الأسباب هو الشح والبخل من الأغنياء بمنع حق المال من الزكاة والصدقة والبر والإحسان، أو بالسعي إلى جمع المال بالظلم والحرام، أو بصرف المال في الترف والإسراف في المعاصي. فهذه الأمور التي تقع من الأغنياء بمرأى ومسمع من الفقراء من أعظم الأسباب إثارة للحقد والحسد. وقد شرع الله الزكاة والصدقة ورغب فيها، لما لها من الأثر العظيم في اقتلاع هذه الأدواء وإحلال المحبة وسلامة الصدر محلها، وحول هذا الأثر العظيم قال الدكتور يوسف القرضاوي: "فالإنسان إذا عضته أنياب الفقر، ودهته الحاجة، ورأى حوله من ينعمون بالخير، ويعيشون في الرغد، ولا يمدون له يد العون، بل يتركونه لمخالب الفقر وأنيابه ... هذا الإنسان لا يسلم قلبه من البغضاء والضغينة على مجتمع يهمله، ولا يعنى بأمره، وتربة الشح والأنانية لا تنبت إلا الحقد والحسد لكل ذي نعمة ... ولم يحارب الإسلام هذه الآفات النفسية الاجتماعية الخطيرة بالوعظ المجرد، والإرشاد النظري فحسب، ولكنه عمل على اقتلاع أسبابها من الحياة،

стр. 401

واستئصال جذورها من المجتمع، فليس يكفي الجائع والمحروم أو العريان أن تلقي عليه درساً بليغاً في خطر الحقد والحسد، وكل لحظة في حياته ... البائسة، وحياة الطاعمين الناعمين المترفين من حوله تلقنه دروساً عملية أخرى: كيف يحسد؟ وكيف يحقد؟ وكيف يبغض؟ وكيف يغلي قلبه كراهية وغيظاً ونقمة؟ ومن أجل ذلك فرض الإسلام الزكاة لييسر للعاطل العمل١،

стр. 402

ويضمن للعاجز العيش، ويقضي عن الغارم الدين، ويحمل ابن السبيل إلى أهله ووطنه، فيشعر الناس أنهم أخوة بعضهم أولياء بعض ... وفي هذا الجو النقي يمتد ظل الإيمان بما يتبعه من حب وإيثار ... "١. وبهذا يتبين أن للزكاة أثراً عظيماً في شيوع المحبة بين المسلمين، فهي تجلب المحبة والشفقة لقلب المزكي نفسه، ويشعر بالفرحة والسرور لشعوره أنه في طاعة الله وأن الله راض عنه، ولمساهمته في تفريج كرب إخوانه المؤمنين وإدخال السرور على قلوبهم، وإحساسه بأداء واجب التعاون والتكافل والإخوة الإيمانية. كما أن أثرها على الآخذ أشد وأعظم، فالقلوب قد جبلت على محبة المحسن، "فإن الناس إذا علموا في الإنسان رغبة في نفعهم، وسعيه في جلب الخير لهم، ودفع الضر عنهم، أحبوه بالطبع، ومالت نفوسهم إليه لا محالة" ٢. ومن أخطر جرائم الأغنياء التي تسبب الحقد والحسد والكراهية

стр. 403

التعامل بالربا، وما ينتج عنه من أضرار اقتصادية واجتماعية مدمرة. وحقيقة الربا هي أخذ زيادة وفائدة دون مقابل حقيقي صحيح مشروع، ومن ذلك المتاجرة بالمال بإقراضه إلى أجل معين وأخذ زيادة على ذلك، فيزيد المال ويتضاعف لصاحبه دون أن يقدم فائدة حقيقية للمجتمع. فالمرابي لا يجلب بضاعة إلى الأسواق تساهم في نماء التجارة واتساعها، ولا يستثمر ماله في مشاريع زراعية أو صناعية أو مضاربات تعود على البلاد والعباد بالخير، وتؤمن فرصاً للعمل، وبضائع تتداول يستفيد منها المسلمون ويستغنون بها عن غيرهم. فالربا عقيم ممحوق، فنتيجته النظرية والواقعية هي تراكم المبالغ الدائنة لصالح الأغنياء على الفقراء، مما يزيد في فقرهم، وكثيراً ما تؤول منجزات الفقراء من مصانع ومزارع وعمارات ونحوها -والتي أنشؤوها من الربا إلى الأغنياء نتيجة لتراكم الديون على أصحابها وعجزهم عن سدادها فيتسلمونها في مقابل الدين الذي على أصحابها، فيذهب كدح الفقراء لسنين طويلة إلى المرابين الذين لم يبذلوا فيه أدنى تعب. وعلى هذا فحصيلة الربا النهائية، هي ازدياد الحرص والجشع والاحتكار والاستغلال من جانب الأغنياء، والحقد والحسد والبغضاء من جانب الفقراء، مما يزيد في اتساع الهوة بينهم ويؤدي إلى العداوة والبغي والظلم.

стр. 404

وأثر الإيمان في إزالة هذا الداء العضال يكمن في تحريمه للربا، والتحذير الشديد منه، وجعل المصر على الربا محارباً لله ولرسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٥-٢٧٩] . وبجانب تحريم الربا، شرع الله لعباده الأسباب المثمرة التي تكفل للعباد العيش المستقر الكريم، فشرع البيع، واستثمار المال في الزراعة والصناعة والعقار، والتي إذا أقيمت على النظام المشروع كفلت للأمة ازدهاراً اقتصادياً واجتماعياً، وتوفرت البضائع وفرص العمل، وسار كل في مجال عمله قرير العين مغتبطاً لا يشعر بتسلط ولا حرمان. كما أن قيام المجتمع بالتكافل الاجتماعي في إيجاد صناديق للإقراض

стр. 405

الحسن، ومساعدة المحتاج للزواج أو سداد الدين أو بناء مسكن، وقيام الشركات والمؤسسات بالبيع بالتقسيط، كل ذلك يقلل من المحتاجين إلى الاقتراض بالربا، مما يقطع مصدر الشر ويساهم في إيجاد التعاون على البر والتقوى، الباعث على الحب والخير. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] . وقال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٨٠] . وقال ﷺ : " مَن نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومَن يسَّر على معسر، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد، ما كان العبد في عون أخيه ... " الحديث ١. وهذه النصوص وغيرها تمثل أساساً في التعاون والتكافل الاجتماعي، سواء كان على مستوى فردي، أو عمل جماعي، وهذا الباب مفتوح لكل من يسهم فيه بفكرة جيدة أو مشروع مفيد، فكل من سن سنة حسنة في

стр. 406

إيصال النفع ومساعدة المسلمين، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى قيام الساعة، وفي ذلك قال ﷺ : " من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء "١. وعلى هذه القاعدة النبوية، فمن الأمثلة على السنن السيئة في هذا الزمان: البنوك الربوية، ومن الحسنة الصناديق الخيرية، والجمعيات التعاونية، ومن السنن السيئة أيضاً المحلات التي تبيع أشرطة الغناء والأفلام المفسدة، ومن الحسنة محلات بيع أشرطة القرآن والمحاضرات المفيدة. فالسنة الحسنة المراد بها أن يعمل الإنسان بعمل صالح عند أناس لا يعملون به، أو يجهلونه فيكون أول من عمل به فيقتدون به. والسنة السيئة أن يعمل بمعصية أو بدعة عند من لا يعملونها أو يجهلونها، فيقتدون به فيها. وفي هذا المعنى قال ﷺ : " لا تقتل نفس ظلماً، إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه كان أول من سن القتل "٢.

стр. 407

وليس من الحسنة الابتداع في الدين بإحداث فعل على وجه التعبد، وذكر بهيئة مخصوصة أو عدد معين، أو جعل فضل لعملٍ، لم يأذن بها ولم يأت لها أصل في شريعة النبي ﷺ ، فالعبادة مبناها على الاتباع ويحرم فيها الابتداع. قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس:٣٢] . وقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] . وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] . وقال ﷺ : " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد "١. وكان رسول الله ﷺ إذا خطب يقول: " ... أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة ... "٢. والنصوص في ذم البدعة في الدين كثيرة، وفيما ذكر وفاء بالمقصود، إن شاء الله.

стр. 408

وبعد الكلام على الربا وما يسببه من أمراض قلبية وكوارث اقتصادية، وأضرار في العلاقات الاجتماعية، أذكر أمراً آخر له أثر في تغير القلوب وتنافرها، وذهاب ودها ومحبتها، ألا وهو التكبر من القوي على الضعيف، والغني على الفقير، والكبر مرض قلبي من أهم دلائله الظاهرة، ترك السلام تكبراً. وأثر الإيمان في تطهير القلب من هذا المرض يكمن في الإيمان القلبي القائم على معرفة الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وأفعاله العظيمة الحكيمة. فإذا استشعر العبد عظمة الله وكبريائه وجلاله، وبالمقابل استشعر ضعفه وذله وفقره وحاجته إلى ربه، فإن ذلك من أعظم البواعث على ابتعاده عن التكبر وجنوحه إلى التواضع. وأيضاً إذا كمل توكله على الله واستشعر أن النعمة التي هو بها -وغيرها من الخير الذي يأمله والشر الذي يحاذره- بيد الله وحده، حمله هذا العلم على ترك الاعتداد بنفسه أو قوته أو جاهه أو غناه وغير ذلك. وقد أرشد النبي ﷺ إلى عمل له أثر كبير في نشر السلام والمحبة والوئام بين أفراد المسلمين، لما يحمله من رسالة من الأخ لأخيه بأنه يحترمه ويجله، ويعترف بمساواته في الحقوق بموجب رباط الإيمان هذا الأمر الجليل، هو إفشاء السلام. قال ﷺ : " لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا

стр. 409

أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم "١. مما تقدم تبين: أن الحقد والحسد والكراهية والبغضاء ثغور في حصن القلب والمجتمع المسلم إذا انتشرت بين الأفراد، وهي منفذ خطير للأفكار المنحرفة، وأن أثر الإيمان يتجلى في إزالة الدوافع لها بتقوية الإيمان بتعليم الناس بأسماء الله وصفاته وأفعاله، وغيرها من حقائق التوحيد، وبفرض الزكاة والحث على الإنفاق، وتحريم الربا، والتحريض على التعاون والتكافل بين المسلمين، والأمر بإفشاء السلام وحسن الخلق. وبهذا ينتهي ما يسره الله من الكلام على هذا الفصل أثر الإيمان في تطهير القلب وأنتقل -بعون الله- إلى الفصل الذي يليه أثر الإيمان في تزكية القلب، والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 410

المجلد الثاني الباب الثاني: أثر الإيمان في تحصين القلب ضد الأفكار الهدامة الفصل الثالث: أثرالإيمان في تزكية القلوب * ... إن صلاح القلب بسلامته من الشر وعمرانه بالخير يجعله في حصن حصين من دعاة الضلال وأسبابه، وقد تقدم الكلام في الفصل السابق عن أثر الإيمان في تطهير القلب، وهو أثر هادم للوظائف الذميمة القائمة بالقلب، والتي تمثل ثغرات ومداخل في حصنه للأفكار والوساوس الشيطانية المفسدة. وفي هذا الفصل يجري الكلام بعون الله تعالى على أثر الإيمان في تزكية القلب، وهو الأثر الباني للخصال الحميدة فيه، والتي يتحصن بها ضد أعدائه ومخططاتهم الرامية إلى التسلل إليه وإفساده. والزكاة في اللغة: النماء والزيادة في الصلاح، يقال: زكا الشيء إذا نما في الصلاح، فالقلب يحتاج أن يتربى فينمو ويزيد حتى يكمل ويصلح ... ١. وسميت الزكاة بذلك: "لما يكون فيها من رجاء البركة أو تزكية النفس -أي: تنميتها بالخيرات والبركات- أو لهما جميعاً، فإن الخيرين موجودان فيها"٢. والمقصود بهذا الفصل هو زكاة القلب، ومعرفة أثر الإيمان في ذلك، ثم الإشارة إلى تحصنه بهذه التزكية من موارد الأفكار الهدامة ودوافعها.

стр. 411

وزكاة القلب أمر زائد على طهارته، فالتزكية وإن كان أصلها النماء والبركة وزيادة الخير، فإنما تحصل بإزالة الشر، فلهذا صار التزكي يشمل هذا وهذا١. فطهارة القلب لازمة لتزكيته متقدمة عليها، قال ابن تيمية ﵀: "ولن ينمو الخير إلا بترك الشر، والزرع لا يزكو حتى يزال عنه الدغل، فكذلك النفس والأعمال لا تزكو حتى يزال عنها ما يناقضها، ولا يكون الرجل متزكياً إلا مع ترك الشر ... "٢. وتزكية القلب المتضمنة لتطهيره من المحرمات، وتغذيته بالصالحات هي طريق الفلاح والسعادة والأمن والهداية في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٧-١٠] . وتزكية القلب تكون بالتوحيد والأعمال الصالحة، وتدسيته تكون بالشرك والمعاصي٣. وقد تقدم٤ أن العقائد والعواطف هي المؤثرة على الإرادات، وأن

стр. 412

العلم هو المؤثر بإذن الله في بناء العقائد والعواطف، وتزكيتها أو تدسيتها. وعلى هذا فإن العلم هو العامل الأهم في تزكية القلب وصلاحه لما له من تأثير على العقائد والعواطف. وتقدم أيضاً١ الإشارة إلى أثر العلم في تزكية القلب، وأن كلا من التطهير والتزكية إنما يكون بتعلم الوحي المطهر واتباعه اعتقاداً وفعلاً وتركاً. وحيث إن البحث يجري في دراسة أثر الإيمان الكامل القائم على العلم المستقى من الوحي، والعمل الخالص الصواب، ذلك الإيمان الذي يثمر العقائد الحق، والعواطف الصالحة، والإرادات الطيبة، فإن القصد والحالة هذه هو بيان الآثار التي تنتج عن هذا الإيمان الذي زكا به القلب، والتي لها دور في تحصينه من الأفكار الخبيثة المفسدة. ويمكن حصر أهم هذه الآثار فيما يأتي: ١- حصول الطمأنينة في القلب. ٢- النور والبصيرة والفرقان. وسوف أتكلم -بحول الله تعالى- عن كل منها في مبحث مستقل، وبالله التوفيق.

стр. 413

المبحث الأول: أثر التزكية في طمأنينة القلب . طمأنينة القلب هي من أعظم نعم الله على المؤمن، وذلك أن سكون النفس واستقرارها هو الدافع للخير والشعور بالغبطة والسعادة، وبقيمة الحياة وهدفها، والثقة بالله ووعده. ولذا كانت طمأنينة القلب هي حصنه الحصين الذي يستعصي على الشياطين، وذلك أن النفس المطمئنة والقلب الثابت لا سبيل إلى زعزعته بإذن الله. ولكي يتبين أثر الطمأنينة في تحصين القلب، ينبغي أن أشير إلى ما يحدثه ضدها، وهو القلق من ثغور في القلب تتسرب من خلالها القاذورات من مستنقعات الجاهلية. فالقلق: هو انزعاج القلب وانفعاله، وخروجه من استقراره وطمأنينته وراحته، فهو شعور بالضيق وعدم الرضى١.

стр. 414

والدوافع للقلق كثيرة، أهمها الخوف من حصول مكروه أو فوات محبوب، ومنها الشوق فإذا اشتاق العبد لشيء قلق من أجله واهتم له، ومن هذا النوع الشوق إلى المعرفة. وهناك نوع من القلق لم يجد له علماء النفس سبباً معروفاً، وهو عبارة عن انزعاج واضطراب القلب يصحبه حزن وكآبة وضيق صدر، وقد انتشر هذا النوع انتشاراً واسعاً في السنوات الأخيرة، كشفت ذلك بعض الدراسات المتخصصة١، وهذا النوع من القلق معروف سببه لدى أهل الإيمان، فمرجعه إلى مخالفة الفطرة، وذلك أن الإنسان مجبول على الركون إلى الخير والحق والاطمئنان له، والقلق من الشر والضيق به. فهذا النوع إذاً مرده إلى قيام الكفر أو الشرك أو النفاق أو المعاصي بالإنسان، واستمراره عليها. وسوف أتكلم عن نوعين من أنواع القلق لما لهما من أثر في جنوح الفرد إلى الأفكار الخبيثة المخالفة للحق. النوع الأول: القلق الناتج عن الشوق للمعرفة. النوع الثاني: القلق الناتج عن مخالفة الفطرة بالشرك أو المعاصي.

стр. 415

النوع الأول: القلق الناتج عن الشوق للمعرفة. هذا النوع من القلق أصله فطري قد جبل عليه أكثر الخلق، فكل إنسان عاقل لديه رغبة في المعرفة، وإذا أحس بجهله بأمر انفعل طلباً لمعرفته. وقد ذكر الله لنا مثلاً على هذا القلق الذي يصيب الإنسان طلباً للعلم، فإذا حصل ما تشوق إليه القلب من العلم سكن واطمئن، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة:٢٦٠] . أورد المفسرون أن هذا القلق والشوق لهذا النوع من العلم إنما وجد عند إبراهيم ﵇ بعد محاجته للنمرود١ في قضية أن الله هو الذي يحيي ويميت. فقد ذكر ابن جرير ﵀ عن بعض السلف أن سبب مسألة

стр. 416

إبراهيم ربه ذلك المناظرة والمحاجة التي جرت بينه وبين نمرود في ذلك، من غير شك في الله تعالى ذكره، ولا في قدرته، ولكنه أحب أن يعلم ذلك وتاق إليه قلبه، فقال: ليطمئن قلبي، أي: ما تاق إليه إذا هو علمه١. وهذا الشوق للمعرفة عند المؤمن إنما يرويه ما نزل من الحق في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ خاصة في الأمور الغيبية والمطالب الإلهية، والشرائع التعبدية. إلا أن هذا الشوق يتحول إلى مرض إذا صاحبه عدم الرضى أو عدم الثقة بالنصوص الناقلة للعلم نتيجة لاستحكام الشبهات فيجنح عند ذلك إلى طلب الحق من مصادر أخرى. يقول عبد الرحمن البدوي: "فإن أمثال هؤلاء المفكرين الذين يشعرون بالتوتر العظيم، بين النقل والعقل، أو بين الدين والعلم، لا يجدون خيراً من هؤلاء الفلاسفة ... لكي يشبعوا هذه الرغبة"٢. فجنوح المنتسبين إلى الإيمان إلى كتب الفلاسفة، أو الأديان الباطلة كالهندية والفارسية ونحوها، مرده إلى عدم الطمأنينة إلى مصدر الحق، وهو الوحي المطهر وقلة الثقة به، كمصدر كاف لمعرفة الحقائق، أو عدم الثقة بنقلته الذين بلغوه.

стр. 417

أما زعم من قال إن الفلسفة تشبع هذه الرغبة، فهذا ادعاء كاذب مردود بشهادة المختصين في دراسة الفلسفة قديماً وحديثاً، وخاصة في هذا العصر الذي بلغت فيه الفلسفة أوجها، وقمة مجدها، حيث تبنتها الحضارة الغربية، وأقامت نظمها الاجتماعية عليها، وإليك بعض هذه الشهادات: ورد في كتاب مدخل إلى الفلسفة: "ومن الطبيعي أن يصبح الباحث حين يواجه هذه الحالة مرتبكاً مشدوهاً فاتر الهمة، فبينما كان يرجو أن يجد الحقيقة الواحدة، وجد نفسه بدلاً من ذلك مسوقاً إلى أن يسأل: ما هو الحق؟ لقد رجا أن يمسح على شكوكه بيد اليقين، لكنه بدلاً من ذلك وجد أن التفلسف يثير شكوكاً وارتباكات أكثر مما يطمئن، وأنه يثير أسئلة هي أعسر بكثير من أن يقدر على الإجابة عنها، والحاصل غالباً هو انتفاء الرجاء في الفلسفة ... فما الفائدة؟ إن الفلسفة لا تقدر أن تبرهن على شيء ... والفلاسفة لا يتفقون أبداً، كلها استراق وتحايل على كل حال، وهكذا يقع المتشكك فريسة سائغة لمعتقد يبشر به أهله تبشيراً تعسفياً"١. وورد في الموسوعة الفلسفية المختصرة كلمة المحرر قوله: " ومن

стр. 418

هناك كانت أي مجموعة من الإجابات التي توضع لمشكلات الفلسفة الرئيسية ... إما أن تمثل وجهة نظر واحدة من بين ما لا يحصى من وجهات النظر، وأن تكون بمثابة بيان حزبي، وإما أن يظل يناقض بعضها بعضاً، ويترتب على هذا أن لا يمكن لأية موسوعة فلسفية أن تضطلع بتقديم إجابات قاطعة لمشكلات الفلسفة دون أحد أمرين: فإما أن تخدع قراءها بأن تصور لهم ما هو في حقيقة الأمر أحد الآراء المتخاصمة على أنه الإجابة المتفق عليها. وإما أن تربكهم بسلسلة من الإجابات المتعارضة، ولما كان الأمر كذلك، فقد آثرنا ألا نجيب عن هذه الأسئلة إطلاقاً"١. وهذا الكلام الذي يقوله الذين يشرحون الفلسفة للقراء ويبسطونها لهم، هو بمثابة إعلان بالإفلاس، وإشعار القارئ أنه لن يجني خيراً منها، فما أقربه من تحذير الملكين الذي ذكره الله بقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] . وبهذا الدافع جنح كثير من المنتسبين إلى العلم إلى الفلسفة وعلم الكلام، طلباً للحق في المطالب الغيبية بزعمهم، فلم يجنوا لأنفسهم إلا

стр. 419

الحيرة والضلال والخلاف، والانقسام لأمة الإسلام، فضلوا وأضلوا. والغرض هو بيان أن قلق القلب، وتشوفه للعلم المصحوب بأي نوع من أنواع عدم الثقة أو القناعة بالوحي، يكون دافعاً للوقوع في الأفكار المنحرفة المخالفة، وبهذا يتبين أثر الإيمان في طمأنينة القلب وثقته فيما جاء من عند الله من الهدى والنور. النوع الثاني: القلق الناتج عن مخالفة الفطرة بالعصيان. لقد خلق الله عباده على فطرة سوية، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس:٧] . قال ابن كثير ﵀: "أي خلقها سوية مستقيمة على الفطرة القويمة"١. وقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠] . وقال ﷺ : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه "٢.

стр. 420

قال ابن رجب ﵀: "وهذا يدل على أن الله فطر عباده على معرفة الحق والسكون إليه وقبوله، وركز في الطباع محبة ذلك، والنفور من ضده"١، ثم استدل ببعض النصوص المتقدمة. وإذا تبين هذا فإن الاعتقاد الصحيح، والعواطف الرشيدة من محبة الإيمان وما يتصل به، وكراهية الكفر وما ينتسب له أو يؤدي إليه، كل ذلك يوجب للقلب والنفس طمأنينة وراحة وسكينة. وخلاف ذلك من الشرك أو الكفر والنفاق والعصيان يوجب للقلب الخوف والوحشة والقلق والانزعاج. قال ابن القيم ﵀ في معرض بيانه لعقوبة المعاصي: "ومن عقوبتها ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي، فلا تراه إلا خائفاً مرعوباً، فإن الطاعة حصن الله الأعظم، من دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة، ومن خرج منه أحاطت به المخاوف من كل جانب"٢. وقال: "وهل العذاب إلا عذاب القلب، وأي عذاب أشد من

стр. 421

الخوف والهم والحزن وضيق الصدر"١. وقال أيضاً: "ومن عقوباتها أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب، فيجد المذنب نفسه مستوحشاً قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه، وبينه وبين الخلق، وبينه وبين نفسه، وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة"٢. وقال في سر ذلك: "وسر المسألة أن الطاعة توجب القرب من الرب سبحانه، وكلما اشتد القرب قوي الأنس، والمعصية توجب البعد من الرب، وكلما زاد البعد قويت الوحشة"٣. ولا شك أن هذه الأدواء المزمنة المتمثلة في الخوف والقلق والوحشة والضيق، سوف تؤدي بصاحبها إلى طلب الخلاص منها، وإذا أضيف إلى ذلك ضعف البصيرة وقسوة القلب الناتجة عن المعاصي، وكون المعاصي تطلب ما يلائمها، فإن الغالب على من قامت به أن يطلب الخلاص منها في أمور محرمة أخرى تزيد في مرضه وبعده عن الطمأنينة، فالمعاصي يجر بعضها بعضاً. والكثير المشاهد أن هذه القلوب التي أحرقها لهيب الوحشة والقلق والضيق، تهرع إلى وسائل الترفيه والمرح التي لا يخلو بعضها من محرم

стр. 422

وفتنة، وبعضها ينطوي على جملة من المحرمات، كممارسة الغناء والرقص أو سماعه ومشاهدته، ومشاهدة مواد التلفزيون وأشرطة الفيديو الفاسدة، والتردد على المسارح والسينما التي تُبث من خلالها الأفكار الهدامة على نطاق واسع، وأساليب مختلفة، ومن ذلك كثرة النزهات والتردد على الملاهي التي لا يخلو الكثير منها من الفتنة واختلاط الرجال بالنساء وبعض المحرمات، والإفراط في الاشتغال بالأدب والرياضة والفنون، وقراءة الروايات والمجلات التي تصد عن ذكر الله وتوقد الغرائز وتحرف الأفكار، وقد تزيد الوحشة والقلق فيلجأ إلى تعاطي المسكرات والمخدرات، أو يجنح إلى الفواحش والجريمة، أو الانتحار أو يصاب بالجنون. وقد بين بعض الباحثين في أحوال الأمم الكافرة -المولعة باللهو واللعب والترفيه- أن الناس يلجؤون إلى هذه الوسائل للتخلص من القلق١، ويقول الكاتب "بسكال"٢: "إن الناس قد اخترعوا شتى ضروب اللهو أو التسلية، حتى يتجنبوا الخوف من الوحدة أو العزلة"٣.

стр. 423

وكثيراً ما استخدم شياطين الإنس والجن هذه الوسائل كطعم لصيد الناس وإيقاعهم في الفواحش والأفكار الهدامة المفسدة للعقائد والأخلاق. قال الشيخ محمد قطب مبيناً استغلال أعداء الإسلام لهذه الوسائل في هدم الإسلام: "كان من المفاسد الجديدة التي جاء بها الاستعمار: التعالن بالفاحشة باسم "التحرر" و"الانطلاق" و"المدنية" والدعوة إلى السفور والدعوة إلى الاختلاط، وكان منها توسيع دائرة "اللهو" باسم "الفن" و "الرقي" و"الحضارة" فمرة مسرح، ومرة سينما، ومرة إذاعة ماجنة تقدم الغناء الفاحش، والتأوهات المريضة والألفاظ العاتية، ومرة يكتب عليه صراحة اسم "ملهى" ومرة.. ومرة.. ومرة"١. وقال أيضاً: "وجدت بعد أيام الاستعمار الأولى وسائل أخرى كلها للإفساد، من أبرزها التلفزيون والفيديو ... واتخاذ الصحافة النسوية ثم السينما والتلفزيون لإغراء المرأة بمزيد من التبذل والفساد"٢. ولخص بعد ذلك أهم أهدافهم من وراء نشر ذلك بأنها صرف

стр. 424

الناس عن الصلاة بعدما صرفوهم عن تحكيم شريعة الله، والقضاء على روح الجد في الأمة، والقضاء على ما بقي من روح الجهاد فيها١. ولا شك أن زعزعة اعتقاد المسلمين وإفقادهم الثقة والعزة بدينهم من أهم أهدافهم. والحق أن هذه الأمور التي يلجأ إليها الناس للتخلص من القلق لا تحقق لهم هذا المطلب، بل تزيدهم قلقاً ووحشة، فهي تصرف فكر الإنسان وتشغله عمّا يعانيه من القلق مؤقتاً ما دام في لهوه، ثم يعود بعد ذلك أسوأ حالاً مما كان عليه. ورد في الموسوعة الطبية الحديثة: "أما الإقبال على المشروبات الكحولية، والترويح السلبي من أمثال مشاهدة التلفزيون والسينما، فلا يخفف القلق، بل على العكس يزيد من سوئه"٢. "فاللهو حمض أكّال، يرهّل النفس، ويقتل الوقت، ويمنع التوجه لمعالي الأمور، وهو في الوقت ذاته مغر بالمزيد، ولا تشبع منه النفس إذا وجهت همها إليه، وإنما تسعى للاستزادة منه مع "التفنن" الدائم في التغيير! " ٣. فالنفس لا تشبع من اللهو لأنه ليس علاجاً صحيحاً، لما فيها من

стр. 425

القلق والضيق، إذ لو كان علاجاً مناسباً لقطع القليل منه دابر الداء أو خففه. كما يحدث للمؤمن عند فعل الطاعات، لكن اللهو مسكن؛ تماماً كالحبوب المسكنة للآلام البدنية، يشعر المريض بالراحة ويسكن الألم إذا تعاطاها، والمرض في الحقيقة يزيد إذا لم يعالج بعلاجه المناسب. وسعي النفس للاستزادة -حيث إنها كلما جربت نوعاً من اللهو بحثت عن غيره- دليل على زيادة الدافع للهو ألا وهو القلق والضيق والكآبة. وبهذا يتبين أن القلق وعدم سكون القلب دافع لطلب الأفكار الهدامة، أو تعاطي الأمور التي تستخدم لنشرها، فهو إذاً ثغرة في القلب خطيرة، قد تؤدي بصاحبها إلى الوقوع فريسة للأفكار الهدامة المفسدة للدين. وبهذا تتبين الأهمية الكبرى للإيمان في جلب الطمأنينة للقلب، وتحصنه بذلك من الجنوح إلى شيء من أباطيل الجاهلية أو أفعالها القبيحة. وقد جاء المجال للكلام على الطمأنينة كأثر فعال في تحصين قلب المؤمن، والله المستعان. الطمأنينة حصن للقلب: إذا تقرر أن قلق القلب إنما هو فقر وحاجة تدفعه إلى طلب ما يرويها ويلائمها من الشهوات المحرمة أو وسائلها من اللهو واللعب ونحوه،
следующие страницы →